• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • التعليقات شرج الشوقيات

      بسم الله الرحمن الرحيم

      الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين
      أما بعد
      فإن الشعر ديوان العرب، فيه التاريخ والعِبْرَه، والمثَلُ السائرُ والحكمه،
      وهو كلام كالكلام؛ فحسَنُهُ حسنٌ وقبيحُهُ قبيحٌ، ولما كانت الأمة عزيزةً كانت لغتها عزيزة (وكم عَزَّ أقوامٌ بعِزِّ لغات) ولما هانت .. هانت لغتُها وضعف شِعْرُها ونثرُها حتى صرنا إلى زمانٍ أهلُهُ بغير لغتِهم يفخرون وبمن تشبث منهم ببعض لغتِهِ يسخرون ويضحكون فإنا لله وإنا إليه راجعون.

      هذا وإني قد نشأتُ على حُبِّ الأدب وتعلقتُ منه بسبب، وأنفقت عمرا في تتبع دواوينه ومصنفاته، والقصير من كتبه ومطولاته، وما كان أسعدني حين أقف على فهم بيت من الشعر، وكم ذا أصابني من همٍّ حين أقرأ ما لا أدري معناه، وإن كنت أجد له بالذوق حسنا وبهاءً،

      وقد كان يُكْثِرُ من وَجْدِي ما كنت ألقاه من قلة المراجع وضيق ذات اليد وشُحِّ الأصحاب بما عندهم خوفا من أنْ أبزهم في العلم! فكانوا يكنزون الكتب

      بل كان أحدُهم ممن كان يملك مكتبة تناظر دار الكتب يُصَرِّحُ بلسانه أنه يريد أن يجعل مكتبته مكتبةً عامَّةً للناس يقصدها طلاب العلم وينهلون منها طمعا في الثواب وابتغاء لما عند الله، زعم، ثم بدا له أن يستعيض عن ذلك بوضع بعضها في المسجد الذي نصلي ونطلب العلم فيه، وفعل! فانقضضتُ عليها انقضاضا آكلُها أكلا، وكنت امرءًا نهِمًا يأخذه للكلام المكتوب سُعَارٌ،

      وكان فيما وضعه: رصف المباني للمالقي، وشرح بانت سعاد لابن هشام فانكببتُ عليهما ثم أخذت أحدثه عن بديع ما فيهما وأنهما قد سدَّا عندي ثغرة كانت تؤرقني ووو الخ
      فما هو إلا أن هاجه ما قلت وأرقه ما ذكرت فقام بجمع الكتب
      فقلت له: لمَ تفعل ذلك؟! ألست تريد الأجر والثواب؟! ألستَ قلتَ كذا وكذا؟! ولكن لسان الحال غير لسان المقال،
      فطلبت منه أن يتركها شهرا واحدا أو أسبوعا فأبى،
      فطلبت أن يأخذها كلها ويترك لي رصف المباني وبانت سعاد فأبى، فأخبرتُه أني أعلم أنه لا يريد غيرهما فلم يعبأْ، فطلبت منه أن يأخذهما ويترك الباقي فأبى، والله المستعان.

      وإنما قصصتُ ذلك لأقول: إن ديوان شوقي كان مما يهمني ويوقع الحزن في نفسي ألا أجدَ له شرحا
      بل كنت لا أجد الديوان نفسه إلا بأن أذهب إلى دار الكتب فأقرأ فيه،
      وكم كان فرحي عظيما حين اشتريتُ الجزء الثاني من الديوان من بائعي الكتب القديمة بسور الأزبكية ولم أكن أصدق أن بعض ديوان شوقي معي في البيت أقرأ فيه متى شئت،

      ولكن كان ينغص عليَّ عدم وجود معجم ولو صغيرا لأبحث عن معاني الكلمات حتى أفهم بعض المعنى أو أقترب من فهمه.

      كان ما كان، ثم وقع في نفسي أن أكون أنا شارح الشوقيات وأبا عذرتها، وابن بجدتها

      ثم قلت لنفسي أنى هذا؟! قد مات شوقي منذ أكثر من خمسين عاما ولم يجرؤ أحد أن يتعرض لِمَا تريد أن تتعرض له،
      وإنما حسبُه مقالةً يكتبها أحدهم أو كتابا لا يضطره للوقوع في مزالق المعاني ومضايق العبارات بل يكتب ما فهمه من بعض القصيدة أو القصائد وما لم يفهمه لا يتعرض له،

      وأما شرح الشوقيات بيتا بيتا وذِكْرُ معنى كل بيت فهذا مما لا يكاد يطاق ولا يستطاع ولا بشق الأنفس.
      ثم لم يتركني هذا الهاتف فكانت تمر الأيام والشهور فأنسى ذلك ثم يهتف بي هاتف من داخلي: متى ستشرح الشوقيات؟

      فلم أجد بدا من قراءة ما وقع تحت يدي من كتب تساعدني على ذلك منها:
      - كتب تحدثت عن شوقي مثل: شوقي شاعر العصر الحديث لشوقي ضيف والمتنبي وشوقي دراسة ونقد وموازنة للأستاذ عباس حسن صاحب النحو الوافي، واثنى عشر عاما فى صحبة أمير الشعراء لـ (أحمد عبد الوهاب أبو العز) وغيرها
      - ومنها كتب التاريخ المعاصر
      وأكثر ذلك كنت أقرؤه في دار الكتب بطنطا
      - ثم وقعت على مجلة فصول في العدد الخاص بشوقي وحافظ فقرأتها كلها حتى ما فيها من كلام للأعاجم المستشرقين وأشباههم،

      ثم لما وقعت على كتاب (تحفة الرائي للامية الطغرائي) وهو شرح للامية العجم قلت: هذه هي الطريقة التي ينبغي أن يشرح بها ديوان شوقي.

      ثم وقع في نفسي أن أطلب من شيخنا د. محمد بن عبد المعطي حفظه الله أن يقوم هو بذلك، فهو يقينا أقدر مني على ذلك، وكان وقتها ما زال في مرحلة الدكتوراة، وكنت أظنه سيفرح بهذا ولكني وجدته استصعبه واستعظمه، فعاودني الهاتف والهاجس السابق الآني واللاحق: قم أنت بشرح الشوقيات!!

      ثم أخذتنا الدنيا بما فيها، فذُهِلْتُ عما كنت فيه

      فلما كانت رحلتي الأولى إلى بلاد الحجاز بعد أن صرتُ طبيبا وتخلصتُ من عبءِ الدراسة الطبية إلا قليلا عاودني هذا الهاتف ثانية بأن أشرح الشوقيات (لنفسي طبعا) ولكني كنت مشغولا بدراسة أصول الفقه وبكتاب (أنوار البروق للقرافي) وببعض كتب البلاغة

      ثم قلت في نفسي: سأبدأ بقصيدة صعبة جدا فإن استطعت تجاوزها شرحت باقي الديوان وإلا فلا،
      فبدأت بقصيدة شوقي العينية التي مطلعها:
      ضمي قناعَك يا سعادُ أو ارفعي هذي المحاسنُ ما خُلِقْنَ لِبُرْقُعِ

      والتي عارض بها عينية ابن سينا في النفس التي مطلعها
      هبطتْ إليك من المحل الأرفع ورقاءُ ذاتُ تَعَزُّزٍ وتَمَنُّعِ

      ولا أدري الآن على وجه الدقة من أين جاءتني هذه القصيدة، وأغلب ظني أني كتبتها حين كنت في مصر وأخذتها معي لأنظر هل أستطيع أن أشرحها أو لا؟

      ولكن اعترضني شيء آخر وهو عدم وجود أي مراجع معي؛ لا الديوان ولا أي معجم ولا أي كتاب تاريخي ولا غيرها، كنت وقتها أهتم بالعلم الشرعي وبعلم البلاغة،

      ثم استعنت بالله وقمت بالبدء في شرحها على ما تيسر عندي من مخزون لغوي، وبما يمكنني أن أستشفه من المعنى بنفسي وإن كانت المفردةُ غريبةً لا أعرف معناها أو لا أتيقنه

      ثم استعنت بتطبيق قواعد البلاغة على القصيدة بيتا بيتا، وكان معي حاشية البيجوري على السمرقندية وكتاب آخر معاصر في علم البديع فساعداني جدا على حل كثير من ألغاز هذه القصيدة المُحَيِّرَة.

      ثم دارت الأيام وضاع ما كتبته أو هو في حكم الضياع، ولله الأمر.

      ثم إني كتبت منذ سنوات قريبة قليلا في شرح الشوقيات، لما صارت الكتب متاحة لطلاب العلم على الشبكة، بدون مَنٍّ ولا أذى، فهنيئا لرافعي الكتب الأجر والثواب إن شاء الله،

      المهم أني بدأت بكتابة شرح موسع على الشوقيات أذكر فيه اللغة (معاني الألفاظ) ثم الإعراب ثم المعنى العام ثم بعض ما في البيت من علوم البلاغة الثلاثة،

      ثم توقفت عن ذلك نظرا لطول المشروح ولضعف الهمم غالبا عن مثل ذلك ولضيق الوقت عنه أيضا،

      فإذا علمت أن عدد أبيات الشوقيات (11320) بيتا، وأن الشوقيات المجهولة تبلغ (4700) بيتا، وأرجوزة دول العرب وعظماء الإسلام تبلغ (1365) ووصل شعره المسرحى (6179) بيتا فأنى تجد الوقت للشوقيات المعلومة وحدها دون الباقي؟!
      فعدلت إلى طريقة هي أقسط من ذلك وأعدل وذلك بأن أقتصر على ذكر معنى اللفظة الغريبة ثم ذكر معنى البيت ولا أزيد ولكنى ربما أطلت فى شرح المعنى ليتضح جدا.

      ولما بدأت هذه المرة بدأت بأول قصائد الديوان لأشرحه قصيدة قصيدة،
      ولكني توقفت كثيرا بسبب المخالفات العقدية الكثيرة التي وقفت عليها وهممت بطرح الديوان
      ثم قلت في نفسي: فهل نترك الديوان للحداثيين وإخوانهم من العلمانيين فهلا أتممتَ ما بدأتَ ونبهتَ على ما وقفتَ عليه من هذه المخالفات العقدية،

      ثم توقفت بسبب ما أنا بصدده مما هو أهم يقينا ولكن لعلي أعود إلى الديوان لاحقا إن قدَّرَ الله ذلك

      فإلى أن ييسر الله لنا ذلك -إن شاء- رأيت ألا أترك ما كتبته حبيس الأوراق أو حبيس الوورد لا سيما وقد ضاع ما كتبته في الأوراق من شرح القصيدة العينية، وتلف ما كتبته في الوورد من الشرح المطول، ولم يبق إلا ما كتبته من الشرح المختصر هذا، وقد سميته التعليقات شرح الشوقيات.

      أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن ينفعني به وكل راغب في الخير، وأن يجعله ذخرا لي يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم وألا يجعله حجة عليّ إنه ولي ذلك والقادر عليه
      وهذا أوان الشروع في المقصود

    • #2
      ( كبار الحوادث فى وادى النيل )

      مناسبة القصيدة: اختير شوقي للذهاب لجنيف على أن يكون هو المندوب عن الحكومة المصرية لحضور المؤتمر الدولي المنعقد هناك في سبتمبر 1894م وكان عمره آنذاك (26 عاما) فكتب قصيدته هذه وقدمها لهذا المؤتمر فألقيت هناك، ذكر فيها تاريخ مصر على مَرِّ العصور منذ بدء التاريخ حتى عصره، فلمَّا قام بجَمعِ ديوانِه افتتحه بهذه القصيدة واختارها لتكون عنوانه.
      وربما يكون لهذا دلالات نفسية؛ كأنه يريد الإشارة إلى تمكنه من ناصية الشعر وقدرته على كتابة قصيدة بهذا الطول وعلى هذا البحر، ومنها أن يريد الإشارة إلى مكانته من الأمير باختياره في هذه السن المبكرة لتمثيل مصر في مؤتمر دولي، ومنها غير ذلك.
      وقد أردت بالتنبيه على ذلك الإخبار عن أن صنيعه هذا يحتاج إلى شرح وبيان؛ لأن هذه القصيدة ليست أول قصائده ولا أفضلها ولا أطولها، فليتأمل.

      اللغة
      (كبار): ككِتَاب: عِظَام، جمع كبيرة أى عظيمة.
      (الحوادث): جمع حادثة والمراد نِوَبُ الدهر وما يحدث منه.
      ( وادي ): الوادي: كل مَفْرَج بين الجبال والتلال والإكام سمى بذلك لسيلانه يكون مسلكاً للسيل ومنفذاً.
      ( النِّيل ): نهر مصر حماها الله.

      المعنى
      هذه قصيدة ذكر كبار الحوادث التى وقعت في وادي النيل.
      __

      1 - هَمَّتِ الْفُلْكُ وَاحْتَوَاهَا الْمَاءُ وَحَدَاهَا بِمَنْ تُقِلُّ الرَّجَاءُ
      اللغة

      (هَمَّ): هَمَمْتُ بالشيء أهُمُّ هَمًّا، من باب رَدَّ، إذا أردته ونويته وعزمت عليه.
      (الفُلْكُ): السفينة واحد وجمع يذكر ويؤنث.
      (احتواها): حَوَى الشيء حَيّا وَحَوايَةً، واحتواه، واحتوَى عليه: جَمَعَهُ وأَحْرَزَهُ.
      (حَداها): حَدَا الإِبِلَ وحَدَا بِها يَحْدُو حَدْواً وحِـُدَاءً ممدود زَجَرَها خَلْفَها وساقَها.
      (تُقِلّ): أَقَلَّ الشيءَ يُقِلُّه، واستقلَّه يستقلُّه، إِذا رفعه وحمله، وأَقَلَّ الجَرَّة أَطاق حملها.
      (الرجاء): الرَّجَاءُ من الأَمَلِ نَقِيضُ اليَأْسِ.

      المعنى
      موضوع القصيدة كما علمت هو ذكر الأحداث التاريخية التي وقعت في هذه البقعة (وادي النيل)،
      وقد زعموا أن أول التاريخ المعروف للناس اليوم هو الطوفان فما بعده، فلذا بدأ شوقي بوصف الطوفان؛ فذكر أن الطوفان لما بدأ وفُتِحَتْ أبوابُ السماء بماءٍ منهمر وفُجِّرَتْ عيونُ الأرض، وكان نوح – –ومن معه من المؤمنين في السفينة وكذا سائر المخلوقات التى أمره الله تعالى أن يحملها معه، كانت السفينة على اليابسة، فبدأ الماء يسرى تحت جوانبها شيئا فشيئا؛ فبدأت تتحرك وتتمايل كأنها تَهُمُّ بالحركة، وكثر الماء جدا حتى صار يحيط بها من جميع جوانبها: فماء السماء من فوقها وعن جوانبها، ثم يجتمع مع ماء الأرض من أسفلها فهذا قوله (واحتواها الماء).
      وكان الرجاء كحادى الإبل -الذى يحدوها هى وراكبيها بالغناء فيَتَلَهَّوْنَ عن بعض مشقة الطريق– كان هذا الرجاءُ فى أن يكشف الله هذه الغمة وينجيَهم منها هو الذى يهون عليهم هول الموقف الذى هم فيه

      تعليق


      • #3
        هذه بعض الإضافات بعضُها كنت كتبته في (الفتوحات في بيان أسرار الشوقيات) وبعضها كنت أريد أن أكتبه وبعضه تركته اختصارا
        ولأننا في أول الديوان فلا بأس من ذِكْرِ بعض الإضافات للدلالة على أنها من المطلوبات النافعات ولكن تركناها اختصارا نظرا لطول المشروح وضيق الوقت كما سبق والله الموفق


        هذه القصيدة من بحر الخفيف التام، عَرُوضُهُ صحيحةٌ وضَرْبُهُ صحيحٌ، والقافية: متواتر.
        إضافة عروضية:

        بحر الخفيف وزنه
        فاعلاتن مستفع لن فاعلاتن فاعلاتن مستفع لن فاعلاتن

        وتقطيعها هكذا :

        - فاعلاتن (/0 //0 /0) فيرمز للحركة ( سواء كانت فتحة أو كسرة أو ضمة) بشرطة مائلة (/) وللسكون بنقطة (0)، وقد يرمز للحركة بشرطة هكذا (-) وقد يرمز للسكون بدائرة هكذا (0)، وفي كتب التراث يعكسون هذا الأمر فيرمزون للحركة بدائرة (0) وللسكون بشرطة (-) ولا مشاحة في الاصطلاح.

        فالتفعيلة (فاعلاتن) تتكون من: سبب خفيف (وهو حرف متحرك يليه حرف ساكن ويرمز له هكذا ( /0) وهو هنا (فا)

        ووتد مجموع (متحركان وساكن //0) وهو (عِلَا)

        وسبب خفيف (/0) وهو (تُنْ)

        - مستفع لن (/0 /0/ /0)

        - فاعلاتن (/0 //0 /0) مثل الأولى

        لاحظ أن (مستفع لن) هنا في بحر الخفيف لا تكتب متصلة (مستفعلن) لأنها تتكون من:
        1 - سبب خفيف (/0) وهو (مُسْ)
        2 - وتد مفروق (/0/) وهو (تَفْعِ)
        3 - سبب خفيف (/0) وهو (لُنْ)


        وهذا يفيدك في معرفة أن هذه التفعيلة (مستفع لن) لا يدخلها (الطَّيُّ) وهو: حذف الرابع الساكن؛ لأن الطَّيَّ زِحَافٌ، والزِّحَاف يختص بالدخول على ثواني الأسباب (الحرف الثاني من السبب)، والرابع الساكن هنا [الفاء من (تَفْعِ)] ثاني وتد لا سبب، وهو وتد مفروق لأن فيه فرقا بين المتحركين، والتغيير الذي يدخل على الوتد يسمى (عِلَّة).

        العروض: هي التفعيلة الأخيرة من الشطر الأول (فاعلاتن) وهي هنا صحيحة (فاعلاتن) ويجوز خَبْنُها (حذف الثاني الساكن) فتصير (فَعِلَاتُنْ)

        الضرب: هو التفعيلة الأخيرة من الشطر الثاني (فاعلاتن) وهو هنا صحيح (فاعلاتن) ويجوز خَبْنُهُ (فَعِلَاتُنْ) أو تشعيثُه (حذف أحد متحركي الوتد المجموع) فتصير (فاعلاتن) (فالاتن) ورغم أن هذا التغيير علة (لدخولها على وتد) وكونها داخلة على الضرب إلا أنها غير لازمة فهي علة جارية مجرى الزِّحَاف.

        وقد دخل التشعيث عروض البيت الأول (ها الماءُ) = (فالاتن) وهو إنما يدخل الضرْبَ بدون لزوم، وجاز دخوله هنا على العروض بسبب التصريع

        وهذا تقطيع البيت الأول:
        (هَمْمَتِ لْفُلْ) (كُ وَحْتَوَا) (هَـ لْمَاءُوْ) (وَحَدَاهَا) (بِمَنْ تُقِلْ) (لُ رْرَجَاءُوْ)
        (/0//0/0) (//0//0) (/0/0/0) (///) (//0//0) (/0//0/0)

        (فَاعِلَاتُنْ) (مُتَفْعِ لُن) (فَالَاتُنْ) (فَعِلَاتُنْ) (مُتَفْعِ لُنْ) (فَاعِلَاتُنْ)

        (سالمة) (مخبونة) (صحيحة) (مخبونة) (مخبونة) (صحيح)

        وتجري هذه الزحافات وفق قاعدة المعاقبة:
        - فإذا دخل الْخَبْن تفعيلة منه، سلمت التي قبلها من الْكَفّ،
        - وإذا دخلها الْكَفّ سلمت التي بعدها من الْخَبْن،
        - وإذا دخلها الشَّكْل (حذف الثاني والسابع الساكنين)، فتصبح به (مُسْتَفْعِ لُنْ): (مُتَفْعِ لُ). سلمت التفعيلة التي قبلها من الْكَفّ، والتي بعدها من الْخَبْن.

        والخبن فيه حسن، والكف صالح، والشكل قبيح.

        وأما القافية فهي: ما بين آخر ساكنين في البيت؛ فنعُدُّ من آخر حرف في البيت إلى أول ساكن يليه - رجوعا - مع الحركة التي قبل الساكن.

        ومثاله هنا في قوله: (وحداها بمن تقل الرجاءُ) فأول ساكن قبل حرف الرَّوِيِّ هو الألف من (الرجاء) والمتحرك قبله هو الجيم فتكون القافية (جاءُوْ) وبين آخر ساكنين (الألف والواو) حرف واحد متحرك، والقافية التي فيها حرف واحد متحرك بين آخر ساكنين تسمى متواتر فالقافية هنا متواتر، والله أعلم.


        إضاءة صرفية:

        = (كِبَار) جمع تكسير وزان (فِعَال) وهو جمع كثرة، يُجْمَعُ عليه كلُّ ما كان على (فَعِيل) أو (فَعِيلة) وَصْفًا للفاعل صحيحَ اللام نحو: كَرِيم وكَرِيمَة، وظَرِيف وظَرِيفَة، وكما هنا كَبِير و(كَبِيرَة).
        و(كِبَار) هنا جمع (كبيرة) لا (كبير) لأنها وصف لـ (حوادث) في المعنى، و(حوادث) مؤنثة، والمعنى (الحوادث الكبيرة) فهو تركيب إضافي من إضافة الصفة (كبار) للموصوف (الحوادث)

        = و(حوادث) جمع تكسير على صيغة منتهى الجموع (فعائل) وهو جمع كثرة يُجمع عليه ما كان على وزن (فاعلة) مطلقا؛ يعني: اسما أو وصفا، لعاقل أو غير عاقل نحو: ضاربة وضوارب، وفاطمة وفواطم، و(حادثة وحوادث)
        جمع (حادثة) وزان (فَاعِلة)
        لطيفة لغوية:

        يقال: كبُرَ الرَّجُل، ككَرُم، يَكْبُر كِبَراً، كَعِنَبٍ: أي عَظُمَ.
        وأما كَبِرَ، كفَرِحَ، يَكْبَرُ كِبَراً، كَعِنَبٍ، فهو كَبيرٌ فمعناه طَعَنَ في السِّنِّ، من الناسِ والدَّوابِّ.
        فعُرِف من هذا أنَّ فِعْلَ الكِبَرِ بمَعْنى العَظَمةِ ككَرُمَ، وبِمَعنى الطَّعْنِ في السِّنِّ كفَرِح، ولا يجوزُ استِعمالُ أحدِهما في الآخَرِ اتفاقاً، وهذا قد يَغْلَطُ فيه الخاصَّةُ فضلاً عن العامَّة.


        ومضة بلاغية:

        = إسناد الهَمّ للفُلْك، مجاز عقلي، ومثله إسناد الاحتواء للماء، والحداء للرجاء، والإقلال (الحَمْلُ) للفلك، إلا أن الأخيرة قد تكون من باب الحقيقة؛ لأن كونهم فوق الفلك معناه أنها تحملهم؛ فهي حقيقة، فتأمل.

        = قوله: (همت الفلك): استعارة مكنية حيث:
        - شَبَّهَ الفلك بإنسان بجامع الحركة في كل
        - واستعير اللفظ الدال على المشبه به (الإنسان) للمشبه (الفلك)
        - ثم حذف المشبه به ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو الهَمُّ.
        والقرينة: إثبات الهمّ (وهو لازم المشبه به) للفلك، وهذا الإثبات يسمى تخييلا (أي: استعارة تخييلية).

        وذكروا أن لازم المشبه به يكون مستعملا فيما وضع له وبيانه: أننا استعرنا لفظ المشبه به (الإنسان) للمشبه (الفلك) ثم حذف المشبه به ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو (الهم)، و(الهم) والإرادة من لوازم الإنسان.

        إذا علمت ذلك فاعلم أن التجوز إنما هو في الإثبات يعني في إثبات لازم المشبه به للمشبه، فهو مجاز عقلي في الإثبات كما سبق.

        ويمكن إجراء استعارة تبعية في الفعل (هَمَّ) فيقال:

        - شبه بدء تحرك الفلك واهتزازها لمَّا سَرَى الماءُ تحتها بِهَمِّ الإنسان بالتحرك من موضعه (كهَمِّهِ بالقيام من جلوس أو المشي من وقوف مثلا فيبدأ يتمايل ويهتز للتحرك)
        - واستعير اللفظ الدال على المشبه به وهو (الهَمُّ) للمشبه وهو (الاهتزاز وبدء التحرك)
        - ثم اشتق من (الهَمِّ) بمعنى (الاهتزاز) (هَمَّ) بمعنى (اهتزَّ) على طريق الاستعارة التبعية



        تتمة إحصائية:

        اشتمل البيت على:
        = أربعة أفعال:

        (3) ماض : (همَّ)، (احتوى)، (حدا)
        (1) مضارع: تُقِلُّ

        = سبعة أسماء:

        (4) أسماء ظاهرة: الفُلك، الماء، الرجاء، مَنْ
        (4) ضمائر:
        2 ظاهرة :
        (ها) في موضعين
        2 مستترة:
        فاعل ومفعول (تُقِلُّ) أي تُقِلُّه هي، وأما (الرجاء) ففاعل (حَداها) لا (تقله)

        = حروف المعاني:

        (1) تاء التأنيث،
        (1) واو الحال في (واحتواها)،
        (1) واو العطف،
        (1) باء الجر


        تنبيه: لا ألتزم ذكر اللطائف الإحصائية في كل بيت وإن كان مما كنت أريد صنعه ثم أذكره آخر كل قصيدة فأذكر ما فيها من أفعال وأسماء ومشتقات وحروف معانٍ؛ لِمَا في هذا من تيسير لمن أراد دراسة الشاعر دراسة شاملة: أسلوبية ومنهجية ونفسية ... فمثلا إذا تكرر استعمال فاء التعقيب دلَّ على ما في نفس الشاعر (وكذا الناثر وكل مُبِينٍ عن نفسه) من سرعةٍ وعجلة ... وكذا استعمال الماضي كثيرا لا سيما (كان) فيدخل في باب الـ(كُنْتِيّ والعاجن) وهكذا ... ولكن (ضاق فَتْرٌ عن مَسِير) فالسير على الخطة التي اختططناها أفضل وهي وسَطٌ وخيرُ الأمور أوساطُها.
        وأعتذر للإطالة
        والله ولي التوفيق

        تعليق


        • #4
          2 - ضَرَبَ الْبَحْرُ ذُو الْعُبَابِ حَوَالَيْـــهَا سَمَاءً قَدْ أَكْبَرَتْهَا السَّمَاءُ

          اللغة

          (ضَرَبَ): الضَّرْبُ يقع على جميع الأَعمال إِلا قليلاً؛ يقال: ضَرَبَ الدِّرْهمَ يَضْرِبُه ضَرْباً: طَبَعَه. وضَرَبَت العَقْربُ تَضْرِبُ ضَرْباً: لَدَغَتْ. وضَرَبَ العِرْقُ والقَلْبُ يَضْرِبُ ضَرْباً وضَرَباناً نَبَضَ وخَفَقَ. والمراد هنا صنع.

          (البَحْر): البَحْرُ الماءُ الكثيرُ مِلْحاً كان أَو عَذْباً وهو خلافُ البَرِّ. ولا يختص بالملح كما هو مشهور وإن كان غلب عليه.

          (العُباب):
          كثرة الماءِ، وعُبابُ السَّيْل مُعْظمُه وارتفاعُه وكثرته وقيل عُبابُه مَوجُه.

          (حَوَالَيْهَا):
          يقال رأَيت الناس حَوالَيْه أَي مُطِيفِينَ به من جوانبه، مثنى حَوَال، ولا يقال حَوَالِيه بالكسر. وأما حَوْلَيْه فمثنى حَوْل.

          (السماء):
          سماءُ كلِّ شيء أَعلاهُ مذكَّر، والسماءُ التي تُظِلُّ الأَرضَ أُنثى عند العرب لأَنها جمعُ سَماءةٍ.

          (أَكْبَرَتْهَا):
          كَبَّرَ الشَّيْءَ: جَعَلَهُ كَبيراً. واسْتَكْبَرَه وأَكْبَره: رآه كَبيراً وعَظُمَ عِندَه.

          المعنى
          صنع البحر - الذى تَكَوَّن من التقاءِ ماء السماء وماء الأرض – سماءً عظيمة من الأمواج تعلو السفينة وتحيط بها من جوانبها حتى إن السماء التى تحيط بالأرض قد أكبرتْ هذه السماءَ المصنوعة من الموج ورأتها سماءً عظيمة.

          تعليق


          • #5
            3 - وَرَأَى الْمَارِقُونَ مِنْ شَرَكِ الْأَرْ ضِ شِبَاكاً تَمُدُّهَا الدَّأْمَاءُ

            اللغة:

            (المَارِقون): مَرَقَ السهمُ من الرَّمِيَّة يَمْرُقُ مَرْقاً ومُرُوقاً خرج من الجانب الآخر، والمُرُوق الخروج من شيء من غير مدخله. وقيل المُروق أَن يُنْفِذ السهم الرميّة فيخرج طرفه من الجانب الآخر وسائره في جوفها.
            (شَرَك): شَرَكُ الطريق جَوادُّه.
            وقيل: هي الطُّرُقُ التي لا تخفى عليك ولا تَسْتَجْمِعُ لك فأنت تراها وربما انقطعت غير أَنها لا تخفى عليك.
            والشَّرَكُ أيضاً: حبائل الصائد يَرْتَبِك فيها الصيد.
            وكذلك ما ينصب للطير واحدته شَرَكَة وجمعها شُرُكٌ وهي قليلة نادرة.
            (شِبَاك): الشَّبَكةُ: المِصْيَدة في الماء وغيره. والشَّبَكةُ: شَرَكةُ الصائد التي يصيد بها في البر والماء والجمع شَبَكٌ وشِبَاك.
            (تَمُدُّها): يقال لكلّ شيْءٍ دَخَل فيه مِثْلُه فَكثَّرَهُ مَدَّه يَمُدُّه مَدًّا.
            (الدَّأْمَاءُ): البَحْرُ لدَوامِ مائِه، أصله دَوَماء، تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، وقيلَ: أصلُه دَوْمَآء، فإِعْلالُه على هذا شاذٌّ.

            المعنى:

            ورأى الناجون من الطوفان شباكا من الماء يزيدها البحر بأمواجه.

            تتمات للمعنى:

            = جعل اشتباك ماء السماء وماء الأرض المتفجر من عيونها وتداخلهما كالشباك التى تتداخل أجزاؤها فلما تَكَوَّن البحر وكثر ماؤه .. عَلَتْ أمواجُه وتتداخلت مع هذه الشباك فصارت هذه الأمواج مددًا لهذه الشباك.
            = تَفَجُّرُ الماء من عيون الأرض يجعل الماء يخرج متدفقا يُقْذَفُ به عاليا فى الهواء فيلتقى ثمت مع الماء النازل من السماء فيختلطان فى الهواء ويتكون من اختلاطهما شباكا من الماء ثم يرجع الماءان إلى الأرض فتَكَوَّنَ منهما بحرا عظيما علت أمواجه واختلطت مع هذه الشباك فصارت كالمدد لها.

            تعليق


            • #6
              4- وَجِبَالاً مَوَائِجاً فِى جِبَالٍ تَتَدَّجّى كَأَنَّهَا الظَّلْمَاءُ


              اللغة:

              (موائج): جمع مائج اسم فاعل فعله ماجَ يموجُ مَوْجاً ومَوَجاناً ومُؤُوجاً. ومَوْجُ كلِّ شيء وموَجانُه اضطرابُه. وماجَ الناسُ دخل بعضُهم في بعض. والمَوْجُ ما ارتفع من الماء فوق الماء.
              (تتدجى): دَجَا اللّيْلُ يَدْجُو دَجْواً، بالفتْحِ، ودُجُوّاً: أَظْلَمَ، فهو داجٍ ودَجِيٌّ؛ وكذا أَدْجَى الليل وتَدَجَّى. قال الأصمعي: دجا الليل إنما هو أَلْبَسَ كل شئ، وليس هو من الظُّلْمَة. قال: ومنه قولهم: دجا الإسلام، أي قوى وألبس كل شئ.
              (الظلماء): الظلُّمة، وهى خلاف النور.

              المعنى:

              ورأى الناجون أمواجا عالية كالجبال مضطربة توجد بين الجبال الحقيقية وترتطم بها وتختلط معها، وهذه الأمواج مظلمة وتُظْلِمُ المكان الذى تأتى عليه بسبب كثافتها فكأنها قطع من الظلماء.

              تعليق


              • #7
                5- وَدَوِياًّ كَمَا تَأَهَّبَتِ الْخَيْــ ــلُ وَهَاجَتْ حُمَاتَهَا الْهَيْجَاءُ

                اللغة:

                (الدَّوِىّ): الصَّوْتُ.
                (تَأَهَّبَ): استعد، وأُهْبَةُ الحرب عدتها وجمعها أُهَبٌ.
                (هَاج): هَاجَ الشيءُ: ثار، وبابه باع.
                (حُمَاة): حَمَاهُ يحميه حِمَايةً دفع عنه. وفلان حَامِي الحقيقةِ وهى ما يحق للرجل أن يحميه. وجمعه حُمَاةٌ و حَامِيةٌ.
                (الهيجاء): الحرب تمد وتقصر.
                المعنى:

                وسمع هؤلاء الناجون أصواتا عالية بسبب كثرة الأمواج واضطرابها وارتطامها بالجبال كأصوات الخيل التى تستعد للحرب وتثير الحربُ حُماتَها فتكون أصواتُها عالية جدا عند الإثارة ، لا سيما الإثارة بسبب الحرب.

                6 – لُجَّةٌ عِنْدَ لُجَّةٍ عِنْدَ أُخْرَى كَهِضَابٍ مَاجَتْ بِهَا الْبَيْدَاءُ

                اللغة:

                (لجة): لُجَّةُ البَحْر حيث لا يُدْرَكُ قَعْرُه. ولُجُّ البحرِ عُرْضُه والماءُ الكثير الذي لا يُرَى طرَفاه. والتَجَّ البحر أَي تَلاطَمَتْ أَمْواجُه ولُجَّةُ الماءِ بالضم مُعْظَمُه وخص بعضهم به معظم البحر.
                (هضاب): جمع هَضَبَة وهى الجبل المنبسط الممتد على وجه الأرض.
                (ماج): مَاجَ الْبَحْرُ موجا وموجانا ارتفع ماؤه واضطرب. (البيداء): الفلاة الجمع بِيدٌ.
                المعنى:

                بسبب كثرة الماء وشدة اضطرابه فقد كثُرت فيه لُجَجُ الماءِ حتى لا تكاد توجد لجة من الماء إلا وعندها لجة أخرى وهكذا ثم إنها بسبب طولها وعِظَمِها كأنها هضاب منبسطة كثيرة جدا ممتدة على وجه الأرض فى البيداء.

                تعليق


                • #8
                  7 – وَسَفِينٌ طَوْراً تَلُوحُ وَحِيناً يَتَوَلَّى أَشْبَاحَهُنَّ الْخَفَاءُ

                  اللغة:

                  (سفين): جمع سفينة.
                  (طوراً): مَرَّة.
                  (تلوح): تظهر.
                  (حيناً): الحين وقت من الدهر مبهم طال أو قصر وفي التنزيل العزيز: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ [الصافات:174]، وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ [ص:3] الجمع: أحيان وجمع الجمع: أحايين
                  (يتولى): وَلِيَ الشئَ ووليَ عليه ولاية ملك أمره وقام به.
                  (أشباح): جمع شَبَح وهو: ما بدا لك شخصُه من الناس وغيرهم من الخلق يقال شَبَحَ لنا أَي مَثَلَ. وشَبَحَ الشيءُ: بدا. الشَّبْحُ والشَّبَحُ: الشخص والجمع أَشباح وشُبوح.
                  (الخفاء) ممدود: ما خَفِيَ عليك، والخَفا مقصور: هو الشيء الخافي.
                  المعنى:

                  يتموج الماء فيعلو تارة ويهبط أخرى وهكذا حال ما فيه وكانت سفينة نوح – – ومن معه ترتفع مع الماء إذا ارتفع فلو كان أحد ينظر من بعيد لرآها ثم تهبط مع الماء فلا تُرى.
                  ويلاحظ هنا أنه عبر عن المفرد (سفينة) بالجمع (سفين) وهذا وجه،
                  والبيت يحتمل وجها آخر وهو أنه أراد أن الماء قد جرف ما على وجه الأرض من رُكَامٍ وحُطامٍ وبيوت وشجر وغير ذلك فصارت هذه الأشياء تطفو على وجه الماء كأنها سفن، وصارت هذه الأشياء تعلو مع ارتفاع الموج وتهبط مع انخفاضه. وهذا وجه حسن أو أحسن فتأمل.




                  8 – نَازِلَاتٌ فِي سَيْرِهَا صَاعِدَاتٌ كَالْهَوَادِي يَهُزُّهُنَّ الحُدَاءُ

                  اللغة:
                  (الهوادي): جمع هادية وهي من كل شيء أَوَّلُه وما تقَدَّمَ منه. وهوادي الإبل: أول رعيل يظهر منها.
                  (يهزهن): هَزَّ الشيءَ وبه هَزّاً: حركه بشيء من القوة. والحادي الإبلَ نشطها بحدائه.
                  المعنى:

                  هذه السفن المذكورة فى البيت السابق تسير مع الماء فتنزل مع نزوله وترتفع مع ارتفاعه كالإبل التى تهتز بالحداء لها.

                  تعليق


                  • #9
                    9 – رَبِّ إنْ شِئْتَ فَالْفَضَاءُ مَضِيقٌ وَإِذَا شِئْتَ فَالْمَضِيقُ فَضَاءُ

                    اللغة:

                    (الفضاء): ما اتسع من الأرض
                    (المضيق): الضِّيق ضد السعة، والمضيق ما ضاق من الأماكن
                    المعنى:

                    واضح ، يقول: أنت يا رب لا يعجزك شئ فإذا شئت أن يكون ما اتسع من الأرض مضيقاً كان ، وإذا أردت أن يكون المكان الضيق واسعا كان.





                    10 – فَاجْعَلِ الْبَحْرَ رَحْمَةً وَابْعَثِ الرَّحْـ ـمَةَ فِيهَا الرِّيَاحُ وَالْأَنْوَاءُ

                    اللغة:

                    (الأنواء) : جمع نوء وهو: النجم إذا مال للغروب، والمطر الشديد، والعطاء.
                    قال أَبو عبيد: الأَنواءُ ثمانية وعشرون نجماً معروفة المَطالِع في أزْمِنةِ السنة كلها من الصيف والشتاء والربيع والخريف يسقط منها في كل ثلاثَ عَشْرةَ ليلة نجمٌ في المغرب مع طلوع الفجر ويَطْلُع آخَرُ يقابله في المشرق من ساعته وكلاهما معلوم مسمى وانقضاءُ هذه الثمانية وعشرين كلها مع انقضاءِ السنة ثم يرجع الأَمر إِلى النجم الأَوّل مع استئناف السنة المقبلة وكانت العرب في الجاهلية إِذا سقط منها نجم وطلع آخر قالوا: لا بد من أَن يكون عند ذلك مطر أَو رياح فيَنْسُبون كلَّ غيث يكون عند ذلك إِلى ذلك النجم فيقولون مُطِرْنا بِنَوْءِ الثُرَيَّا والدَّبَرانِ والسِّماكِ.


                    قال أبو معاذ: قد ورد التغليظ فيمن قال مُطِرْنا بنوء كذا
                    فعن زيد بن خالد الجهني قال: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي إِثْرِ السَّمَاءِ[1] كَانَتْ مِنْ اللَّيْلِ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ" قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ وَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ"[2] .
                    قال الإمام النووى:
                    - إن قال مسلم مطرنا بنوء كذا مريداً أن النوء هو المُوَجِّهُ والفاعل المُحْدِثُ للمطر صار كافراً مرتداً بلا شك.
                    - وإن قاله مريداً أنه علامة لنزول المطر عند هذه العلامة، ونزوله بفعل الله وخلقه – سبحانه – لم يكفر.
                    واختلفوا فى كراهته والمختار أنه مكروه؛ لأنه من ألفاظ الكفار، وهذا ظاهر الحديث ونص عليه الشافعى فى الأم وغيره، والله أعلم[3].


                    المعنى:


                    أنت يا رب لا يعجزك شئ، فاجعل هذا البحر الهائج رحمة يروى الأرض فتحيا بعد موتها ولا تجعله – مع سعته – مضيقا لا نجد منه خلاصا ونجاة وابعث المطر الذى هو رحمة كما كنت تبعثه قبل ذلك = غيثا فيه الرياح والعطاء، ولا تبعثه عذابا

                    [1] السماء: المطر
                    [2] صحيح: متفق عليه.
                    [3] الأذكار للإمام النووي ص173، وشرح مسلم له 2/ 51.

                    تعليق


                    • #10
                      11- أَنْتَ أُنْسٌ لَنَا إِذَا بَعُدَ الْأُنْــ ــسُ وَأَنْتَ الْحَيَاةُ وَالإِحْيَاءُ

                      اللغة:

                      (أُنْس): الأُنْسُ: خلاف الوحشة، وهو الطمأنينة، مِنْ أَنِسَ بِهِ إِنْسًا من باب عَلِمَ، وفي لغة من باب ضَرَبَ. وَالْأَنِيسُ الَّذِي يُسْتَأْنَسُ بِهِ وَاسْتَأْنَسْت بِهِ وَتَأَنَّسْت بِهِ إذَا سَكَنَ إلَيْهِ الْقَلْبُ وَلَمْ يَنْفِرْ
                      (بَعُدَ الشَّيْءُ): بِالضَّمِّ بُعْدًا فَهُوَ بَعِيدٌ وَيُعَدَّى بِالْبَاءِ وَبِالْهَمْزَةِ فَيُقَالُ بَعُدْتُ بِهِ وَأَبْعَدْتُهُ وَتَبَاعَدَ مِثْلُ: بَعُدَ
                      (الحياة): نقيض الموت
                      (الإِحْيَاءُ): هو بعث الموتى.
                      المعنى:

                      أنت يارب أنيس لنا فى هذا المكان الذى لا أنيس به فنحن فى وسط البحر حيث الظلام وكثرة الأمواج واضطرابها وقد بعدنا عن الأنيس.
                      وأنت مصدر الحياة لمن كان حيا وأنت الذى تبعث من يموت.

                      12 – يَتَوَلَّى الْبِحَارَ مَهْمَا ادْلَهَمَّتْ مِنْكَ فِى كُلِّ جَانِبٍ لَأْلَآءُ

                      اللغة:

                      (يتولى): تولى العمل: تقلده
                      (ادلهمت): ادْلَهَمَّ الليلُ: اشتد ظلامُه
                      (لألآء): اللأْلاَءُ: النُّوْرُ.
                      المعنى:

                      مهما اشتد ظلام البحار وزادت وحشتُها فَنُورٌ منك يارب يُذْهِبُ ظلامَها ووحْشَتَها.
                      = زيادة وتوضيح:

                      يريد أن الإنسان إذا كان فى البحر فاشتد خوفه بسبب زيادة الموج وطغيانه وشدة الظلمة فإنه لا يجد ما يؤنسه ويذهب عنه وحشته إلا دعاء الله سبحانه وذِكْرَهُ أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد: 28]، وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء: 67]

                      تعليق


                      • #11
                        13- َوإِذَا مَا عَلَتْ فَذَاكَ قِيَامٌ وَإذَا مَا رَغَتْ فَذَاكَ دُعَاءُ
                        اللغة:

                        (رَغَتْ): الرُغاءُ: صوتُ ذواتِ الخفّ. وقد رَغا البعيرُ يَرْغو رُغاءً، إذا ضجّ. وفي المثل: كَفى برُغائِها منادياً، أي إنّ رُغاء بعيرِه يقوم مقامَ ندائه في التعرُّض للضيافة والقِرى. وأَرْغى فلانٌ بَعيرَهُ : إذا فَعَلَ به فِعلاً يَرغو منه لِيسمعَ الحيُّ صوته فيدعوه إلى القِرَى. وقد يُرغي صاحبُ الإبلِ إبِلَهُ باللّيل لِيَسْمَعَ ابنُ السّبيلِ رُغاءَها فيميل إليها
                        المعنى:

                        إذا ما عَلَت البحار ( يعنى ارتفع الموج ) فهذا قيامٌ منها لله – – كما يقف المصلى قائما، وإذا ما ارتفع صوت الموج فهذا دعاؤها.


                        14 – فَإِذَا رَاعَهَا جَلَالُكَ خَرَّتْ هَيْبَةً فَهْيَ وَالْبَسَاطُ سَوَاءُ
                        اللغة:

                        (راعها): رَاعَنِي الشَّيْءُ رَوْعًا مِنْ بَابِ (قَالَ)؛ أَفْزَعَنِي، وَرَوَّعَنِي مِثْلُهُ. وَرَاعَنِي جَمَالُهُ أَعْجَبَنِي.
                        (جلالُك): جَلَّ الشَّيْءُ يَجِلُّ بِالْكَسْرِ عَظُمَ فَهُوَ جَلِيلٌ وَجَلَالُ اللَّهِ عَظَمَتُهُ.
                        (خَرَّت): خَرَّ الشَّيْءُ يَخِرُّ مِنْ بَابِ ضَرَبَ: سَقَطَ.
                        (هيبة): الهيبة: الإجلال.
                        (البساط): البِساط – بكسر الباء -: ما يُبْسط. والبَسَاط – بفتحها - : الأرض.
                        المعنى:

                        هذه البحار التى تُفْزِعُ مَنْ يركبُها بظلمتها واضطرابِ موجها، إذا استشعرتْ عظمتَكَ وجلالَكَ فزعت فخرتْ ساجدة من هيبتك فيهدأ الموج ويسكن، ويرجع المَدُّ جَزْرًا حتى تصير مثل البَساط أي الأرض؛ يعني: حتى تصير هي والأرضُ سواء.

                        تعليق


                        • #12

                          15 – وَالْعَرِيضُ الطَّوِيلُ مِنْهَا كِتَابٌ لَكَ فِيهِ تَحِيَّةٌ وَثَنَاءُ

                          اللغة:
                          (العريض): عَرُضَ الشَّيْءُ بِالضَّمِّ عِرَضًا وِزَانُ عِنَبٍ، وَعَرَاضَةً بِالْفَتْحِ: اتَّسَعَ عَرْضُهُ؛ وَهُوَ تَبَاعُدُ حَاشِيَتَيْهِ، فَهُوَ عَرِيضٌ، وَالْجَمْعُ عِرَاضٌ، مِثْلُ: كَرِيمٍ وَكِرَامٍ، فَالْعَرْضُ خِلَافُ الطُّولِ.
                          المعنى:

                          البحر الواسع طُولا وعَرْضًا هو كتابٌ، لك يارب فيه تحيةٌ وثناء.
                          يعني أن في البحر مِنَ الآيات الباهرة الدالة على عظمة الله وقدرته ما يدفع المرء إلى تمجيد الله –– فَمِنْ هذه الآياتِ: جريانُ السفن على ظهره، ومنها: المخلوقات التى تعيش فى باطنه كالأسماك على اختلاف أشكالها وأحجامها، ومنها: استخراج اللؤلؤ والمرجان من باطنه وغير ذلك.
                          فالبحار بما فيها من الآيات المنثورة كالكتاب بما فيه من الكلمات المسطورة، إلا أن ما في الكتاب من الكلمات يقرأها كلُّ قاريء؛ عالِمٍ أو غير عالم، مسلمٍ أو كافرٍ، أمَّا ما في البحار من الآيات الباهرة، والحِكَمِ الظاهرة، فلا يقرأها إلا المؤمنون، ولا يعقلها إلا العالِمون، وأما غيرُهُم فإنهم يمرون عليها وهم عنها معرضون.



                          16 – يَا زَمَانَ الْبِحَارِ لَوْلَاكَ لَمْ تُفْــــجَعْ بِنُعْمَى زَمَانِهَا الْوَجْنَاءُ

                          اللغة:

                          (تفجع): الْفَجِيعَةُ: الرَّزِيَّةُ،
                          (نُعْمَى): وزان حُبْلَى: الخفض والدعة.
                          (الوجناء): الناقة الشديدة الصلبة وقيل العظيمة الوجنتين
                          المعنى:

                          يعنى أنه بسبب الطوفان الذى عَمَّ وَجْهَ الأرضِ لم يَعُد هناك مكانٌ تَتَنَعَّمُ فيه النُّوقُ بالسَّيْرِ فكأنها فُجِعَتْ بهذا النعيم حيث صارت فى مكان ضيق من السفينة.


                          17– فَقَدِيمًا عَنْ وَخْدِهَا ضَاقَ وَجْهُ الْــأَرْضِ وَانْقَادَ بِالشِّرَاعِ الْمَاءُ

                          اللغة:


                          (وخدها): الوَخْدُ للبعير، وهو: الإسراع، أو هو: أَنْ يَرْمِيَ بقوائمه كمشي النعام، أو هو: سعة الخطو في المشي.
                          (انقاد): قَادَ الْأَمِيرُ الْجَيْشَ قِيَادَةً فَهُوَ قَائِدٌ، وَانْقَادَ انْقِيَادًا فِي الْمُطَاوَعَةِ.
                          (الشِّراع): شِراع السفينة معروف وهو كالمُلاءة الواسعة من ثوب أو حصير مربوعٍ وُتِّرَ على أربع قوى فوق خشبة تُصَفِّقُهُ الريحُ فيمضي بالسفينة.
                          المعنى:

                          أى أن الوجناء - وهى الناقة الشديدة - قد فُجِعَت بنُعمى زمانها فلم تَعُدْ في نعيم تَمْرَحُ في الأرض كيف تشاءُ، بل قد ضاق وجه الأرض عن سعة خطوها وسرعة سيرها وصارت حبيسةً في الفُلْكِ المشحونِ بسبب الطوفان، ثم زادَ هذا المعنى تأكيدا بقوله: "وَانْقَدَ بِالشِّرَاعِ الماءُ" فكأنه تذييلٌ؛ إذِ المعنى: أن السفينة سارتْ وصارتْ في الماء فلم يَعُدْ ثَمَّتَ أرضٌ تسيرُ فيها الوجناءُ ولا غيرُها، إلا ما هو تحت أقدامهم من الفُلْكِ المشحون، وأما خارج الفلكِ فليس إلا الماءُ، فتدبرْ، والله أعلم.
                          فائدة:

                          بالانتهاء من شرح هذا البيت نكون قد انتهينا من شرح المقدمة التي وضعها الشاعر تقدِمةً للأحداث التاريخية الواقعة في وادي النيل، وكانت هذه المقدمة في وصف الطوفان: كيف بَدَأَ؟ وكيف تَكَوَّنَتِ منه البحار؟ وذِكْرُ حالِ المؤمنين في السفينة وأنه كان كحالِ المؤمنين دائما؛ بين الخوف والرجاء، ثم الإشارة إلى ما في الفلك من باقي الحيوان بالكلام عن الوجناء في الأبيات الأخيرة.
                          يَسَّرَ الله إكمالها وباقي الديوان، وإتمام هذا الشرح على الوجه الذي يرضيه عنا.
                          رجاء:

                          أرجو مِنْ إخواني طلاب العلم الأقوياء المهتمين بعلوم اللغة المتابعة للمساعدة في حل ألفاظ ومعاني هذا الديوان؛ فإنه روضةٌ أنف لم يَحُمْ حولها أحدٌ قبلي؛ ولهذا فأنا أخشى الزلل، وفي الديوان مواضع كثيرة شديدة الصعوبة والانغلاق إلا على مَنْ فتَحَ الله عليه، واعلم أني لستُ مِمَّنْ يُغْضِبُه النقدُ ويُحْرِجُه التصويبُ؛ فمَنْ وقف على خطأٍ فليذْكُرْه مشكورًا مأجورًا –إن شاء الله- من باب التعاون على الخير، والله الموفق لكل خير.

                          تعليق


                          • #13


                            18– وَانْتَهَتْ إِمْرَةُ الْبِحَارِ إِلَى الشَّرْقِ، وَقَامَ الْوُجُودُ فِيمَا يَشَاءُ
                            اللغة:
                            (إمرة البحار): الْإِمْرَةُ وَالْإِمَارَةُ الْوِلَايَةُ.
                            المعنى:

                            انتهت الإمارة والوِلاية على البحار إلى الشرق، ليس لغير الشرق من هذه الولاية نصيب، وقام باقي الوجود فيما يشاء غير إمرة البحار
                            19– وَبَنَيْنَا فَلَمْ نُخَلِّ لِبَانٍوَعَلَوْنَا فَلَمْ يَجُزْنَا عَلَاءُ

                            اللغة:

                            ظاهرة
                            المعنى:
                            وبنينا فبلغنا الغاية فى حسن البناء وجودته بحيث لم نترك لأحد أن يتجاوز ما فعلناه، وعلونا فى القَدْرِ والرفعة فبلغنا الغاية أيضا فلم يَعُدْ يوجد علاءٌ فوقنا.

                            20 – وَمَلَكْنَا فَالْمَالِكُونَ عَبِيدٌوَالْبَرَايَا بِأَسْرِهِمْ أُسَرَاءُ
                            اللغة:

                            (البرايا) جمع بَرِيَّة وهي الخَلْق
                            (بأسرهم) بأجمعهم
                            (أُسَراء) جمع أسير وهو المربوط بالإسار أى القيد ثم استُعمِل فى الأسير مطلقا ولو كان غير مربوط بشئ
                            المعنى:
                            وملكنا الدنيا كلها حتى صار المالكون عبيد لدينا والبرايا بأجمعهم أسراء عندنا. وهذا فيه من المبالغة ما لا يخفى.




                            تعليق


                            • #14

                              21 – قُلْ لِبَانٍ بَنَى فَشَادَ فَغَالَىلَمْ يُجِزْ مِصْرَ فِي الزَّمَانِ بِنَاءُ
                              اللغة:

                              (شاد) شَادَ الحائطَ يَشِيدُهُ شَيْدًا: طلاه بالشِّيدِ - بكسر الشين – وهو ما طُلِىَ به حائط من جِصٍّ ونحوِه، والبناء المُشَيَّد: المُطَوَّل
                              (غالَى) غالَى فى أمره: بالغ فيه
                              (لم يُجِزْ) أجاز الطريقَ يُجِيزُهُ: قطعه وخَلَّفَه، وأما جاز الطريقَ يجوزه: فمعناه سار فيه وسلكه.
                              المعنى:

                              قل أيها القارئ والمستمع لقصيدتى هذه لمَنْ بنى وأبدع في البناء وبالغ في تشييد بناءه بأنْ طوَّله وطلاه وزيَّنه = لم يُجِزْ مصرَ بناءٌ في أي زمان بحيث إنها لم تستطع أن تفعل مثله أو أفضل منه فهذه الأهرامات والمعابد والهياكل وغيرها من الآثار في كل العصور شاهدة على عظمة مصر وأنها لم تفُـقْـها حضارة أخرى.
                              فالمراد بقوله: (بَانٍ بنى فَشَادَ فغالَى) أصحابُ الحضارة؛ إذ لا تكاد توجدُ حضارةٌ إلا وتشيد حضارتَها بالبناء، فكأنه يريد أن يقول: لا تغتروا بحضارة الغرب التي تشاهدون عظمتَها وعظَمَةَ أبنيتها وتطاولهم في البنيان فإن عظمة الحضارة المصرية كانت أعظم منها.
                              ويؤيد هذا المعنى البيت الآتي وهو قوله:

                              22- لَيْسَ فِي الْمُمْكِنَاتِ أَنْ تُنْقَلَ الْأَجْــبَالُ شُمًّا وَأَنْ تُنَالَ السَّمَـــاءُ
                              اللغة:

                              (الممكنات): الممكن: المستطاع المقدور عليه يقال: فلان لا يمكنه النهوض أى لا يقدر عليه
                              (الأجبال): جمع جبل وهو اسم لكل وَتِدٍ من أوتاد الأرض إذا عظم وطال من الأعلام والأطواد والشناخيت
                              (شُمًّا) جمع أَشَمّ وجبل أَشَمٌّ: طويل الرأس
                              (تُنال) لَيْسَتِ الْيَاءُ فِي نَيْلٍ بَدَلًا مِنْ وَاوٍ خِلَافًا لِزَاعِمِ ذَلِكَ، بَلْ نَالَ مَادَّتَانِ: إِحْدَاهُمَا مِنْ ذَوَاتِ الْوَاوِ نِلْتُهُ أَنُولُهُ نَوْلًا وَنَوَالًا مِنَ الْعَطِيَّةِ، وَمِنْهُ التَّنَاوُلُ. وَالْأُخْرَى: هَذِهِ مِنْ ذَوَاتِ الْيَاءِ، نِلْتُهُ أناله نَيْلًا إِذَا أَصَابَهُ وَأَدْرَكَهُ.
                              المعنى:

                              ليس فى المستطاع نَقْلُ الجبال عن أماكنها وأن تُدرَك السماء، كأنه يريد أن يقول: ليس من الممكن أن تصل حضارة إلى ما وصلت إليه الحضارة المصرية القديمة.


                              23- أَجْفَلَ الْجِنُّ عَنْ عَزَائِمِ فِرْعَـوْنَ م وَدَانَــتْ لِبَـــأْسِهَــــا الْآنَـــاءُ
                              اللغة:

                              (أجفل): أَجْفَل القومُ: هربوا مسرعين، وكل شيء هرب من شيء فقد أجفل عنه، والتفجيل: التفزيع.
                              (عزائم) جمع عزيمة وهي الاسم من العَزْمِ وهو: ما عَقَد عليه قلبُك أنك فاعله، تقول: ما لفلان عزيمةٌ، أي: لا يَثْبُتُ على أمر يَعْزم عليه. والعزم أيضا: الجَدّ في الأمر والاجتهاد فيه والصبر والثبات عليه، وأولو العزم من الرسل: هم أولو الجِدِّ والثبات والصبر.
                              (دان) دان له: أطاعه وخضع له.
                              (البأس) الشدة في الحرب، والبأس: العذاب.
                              (الآناء) ساعات الليل مفرده إِنْىٌ – مثل نِحْىٍ وأنحاء – وإِنًى مثل مِعًى وأمعاء، والآناء أيضا جمع إِنَى كعَلَى وإِلَى: كل النهار.
                              المعنى:

                              لما رأى الجنُّ جِدَّ الفراعين وصبرَهم وثباتهم حتى صنعوا المعجزات، وعلموا أنهم لن يستطيعوا أن يفعلوا مثلَ أفعالِ الفراعين مع قدرتهم على فعل الأعاجيب هربوا فزعين حتى لا يقالَ: إن الجن لا تستطيع أن تفعل مثل ما فعل الفراعين، وخضع الناس في كل العصور لهذه المعجزات، وأقروا أنها لا يمكن أن تُضاهَى.

                              24- شَــادَ مَا لَمْ يَشِــدْ زَمَـــانٌ وَلَا أَنْـــشَـأَ عَصْــــرٌ وَلَا بَنَى بَنَّــاءُ

                              اللغة:

                              (شاد): سبق في البيت رقم 21.
                              (أنشأ) فلان حديثا: ابتدأه، وأنشأ دارا: بدأ بناءها، وكلُّ مَنِ ابتدأ شيئا فهو أنشأه.
                              (البنَّاء): مُدَبِّرُ البِنَاءِ وصانِعُه.
                              المعنى:

                              أجفل الجن عن عزائم فرعون ودان الناس في كل العصور لبأسها؛ لأنه شاد ما لم يشِدْ أحدٌ مثلَه في أي زمن من الأزمان والعصور، مع تطاول المدة، وقيام حضارات كثيرة، وذهاب أخرى، وكل حضارة يحدث فيها من المخترعات ما لم يحدث في حضارة أخرى قبلها، لكنها جميعا لم تستطع أن تفعل مثل ما فعل الفراعين!

                              تعليق


                              • #15

                                25- هَيْكَـــلٌ تُنْثَـــرُ الدِّيَـــانَـــاتُ فِيــهِفَهْيَ وَالنَّاسُ وَالْقُرُونُ هَبَاءُ
                                اللغة:
                                (الهيكل): البناء المرتفع.
                                والهيكل أيضا: بيتٌ للنَّصارَى فيه صَنَمٌ على خِلْقَةِ مريم عليها السّلام فيما يُذْكَرُ. والمراد هنا بيت العبادة.
                                و(هيكل) مبتدأ مؤخر والخبر محذوف والتقدير: مما شَادَهُ الفرعونُ هيكلٌ.
                                (تنثر): نثرت الشيء أنثره نثرا فانْتَثَرَ، والاسم النُثارُ. والنُثارُ بالضم: ما تناثر من الشيء، ونَثْرُ الشيءِ إِلقاؤه متفرقاً.
                                (الهباء): الشيء المنبث الذى تراه في البيت من ضوء الشمس.
                                والهَباءُ أيضاً: دُقاقُ التراب.
                                ويقال: هو الهباءُ، أي؛ ليس بشيء.
                                المعنى:
                                ومما شاده الفراعين بيوت للعبادة تنثر فيها الديانات، يريد: جاءت فيها ديانات كثيرة كلما جاء قَرْنٌ من الناس جاءوا بدياناتهم في بيوت العبادة هذه، وربما أنشأوا هياكل أخرى مثلها في العظمة، ثم يذهبون وتذهب دياناتُهم معهم ويجئ آخرون بدياناتهم في هذه الهياكل أيضا، وهكذا. ثم صارت هذه الدياناتُ وأصحابُها وقرونُها هباءًا كأن لم تكن، وبقيت هذه الهياكل كما هي لم يؤثر فيها كَرُّ الليالي واختلافُ الأعصُرِ، وهذه هي معجزة الفراعين.
                                26- وَقُبُـــورٌ تُحَـــطُّ [1] فِيهَـــا اللَّيَـــالِيوَيُـوَارَى الْإِصْبَاحُ وَالْإِمْسَاءُ
                                اللغة:

                                (تُحَطّ): الحطُّ: الوضع وبابه ردَّ، والحط: وضع الأحمال عن الدواب، وحَطَّ أي نزل.
                                (يُوارَى): وارَى الشيءَ مُواراة: سَتَرَهُ.
                                المعنى:

                                ومما شاده الفراعين قبور توضع فيها الليالي ويستتر الإصباح والإمساء، أي يستتر فيها التاريخ فلم يُعْرَفْ سِرُّ هذه القبور بل دُفِنَ هذا السرُّ مع دفن الأيام والليالى في هذه القبور أي ذهابها.

                                27- تُشْفِــقُ الشَّمْسُ وَالْكَوَاكِبُ مِنْهَاوَالْجَــدِيدَانِ وَالْبِلَى وَالْفَنَــاءُ

                                اللغة:

                                (تشفق): تخاف
                                (الجديدان): الليل والنهار؛ لأنهما لا يبليان أبدا.
                                المعنى:

                                تخاف الشمس والكواكب والليل والنهار والبلى والفناء من هذه الهياكل والقبور التى شادها الفراعين وذلك لأن تعاقبَ الشمسِ والقمر واختلاف الليل والنهار ومرور الأيام والليالي على شيء يؤدي به إلى البلى والفناء وأما هذه الآثار التى شادها الفراعين فلم يؤثر فيها كرُّ الليالى واختلاف الأعْصُرِ.


                                [1] في الشوقيات الصحيحة (تـَحـُطّ) بفتح التاء وضم الحاء، لكن في طبعتَىْ دار الكتاب العربى – بيروت، ودار العَوَدة - بيروت (تحَط) بفتحة على الحاء وهو الصحيح إن شاء الله، وقد كنت قرأتُه هكذا بالبناء للمجهول استظهارا فلما وقفت عليه في طبعتى بيروت السابقتين حمدت الله على ذلك وازددت يقينا بصواب ما ذهبت إليه، والله الموفق.



                                تعليق


                                • #16

                                  28- فَاعْذِرِ الْحَاسِدِينَ فِيهَا إِذَا لَامُوا(م)فَصَعْـبٌ عَلَى الْحَسُودِ الثَّنَاءُ
                                  اللغة:

                                  (فاعْذِرْ): عَذَرْتُهُ فِيمَا صَنَعَ عَذْرًا مِنْ بَابِ ضَرَبَ: رَفَعْتُ عَنْهُ اللَّوْمَ، فَهُوَ مَعْذُورٌ، أَيْ: غَيْرُ مَلُومٍ، وَالِاسْمُ الْعُذْرُ، وَتُضَمُّ الذَّالُ لِلِاتِّبَاعِ (الْعُذُر) وَتُسَكَّنُ (الْعُذْر)، وَالْجَمْعُ أَعْذَارٌ.
                                  المعنى:

                                  إذا علمت ما سبق وهو أن الفراعين صنعوا المعجزات وشادُوا ما لم يَشِدْ زمانٌ ولا أَنْشَأَ عَصْرٌ ولا بَنَى بَنَّاءُ، وعلمت أن هذا يدعوا إلى الثناء والمدح لمن قاموا بهذه الأشياء التى أبهرت الدنيا ثم رأيت من يَعْدِلُ عن الثناء إلى الذم واللوم فيها فاعلم أنه حاسد فاعذِرْه؛ لأن الحسود الذى يتمنى زوال النعمة عن غيره صعب عليه الثناء.
                                  ثم بيَّنَ هذا الذمَّ الذي ذهبوا إليه في الأبيات التالية فقال.

                                  29- زَعَمُــوا أَنَّهَـــا دَعَائِـــمُ شِيــدَتْبِيَــدِ البَغْيِ مِلْـــؤُها ظَلْمَـــاءُ
                                  اللغة:

                                  (زعموا): الزّعْمُ مثلثة الزاي: القول مطلقا ومنه قولهم: زعم سيبويه كذا: أي قال، والزعم: الظن تقول: في زعمي كذا: أي في ظني، ولكنه أكثر ما يستعمل فيما يُشَكُّ فيه ولا يتحقق. قال الليث: سمعت أهل العربية يقولون: إذا قيل ذَكَرَ فلان كذا وكذا، فإنما يقال ذلك لأمر يُستيقَن أنه حق، وإذا شك فيه فلم يدر لعله كذب أو باطل قيل: زعم فلان. وقال بعضهم: هو كناية عن الكذب. وقال السيوطي: أكثر ما يستعمل فيما كان باطلا أو فيه ارتياب. وقال ابن القوطية: زعم زعما قال خبرا لا يُدْرَى أحق هو أو باطل. قال الخطابي: ولهذا قيل زعم مطية الكذب.
                                  (دعائم) جمع دِعامَة: ما يستند به الحائط إذا مال يمنعه السقوط، ودعمت الحائطَ دَعْمًا من باب نفع، ومنه قيل للسيد في قومه: هو دعامة القوم، كما يقال: هو عمادهم. والدِّعامة: عماد البيت، والدعائم: الخشب المصنوع المنصوب للتعريش.
                                  المعنى:

                                  زعم هؤلاء الحاسدون أن هذه الآثار الخالدة التى أنشأها الفراعين، ليست إلا دعائم للمُلْك شِيدتْ بيد البغي والظلم تملؤها الظلماء، أي: أنهم بغَوْا على الرعية وظلموهم واستعبدوهم حتى شادوا لهم هذه الآثار الخالدة فهى شاهدة على بغي الحاكم وظلمه للرعية لا على عظمة مَنْ بناها.

                                  قلت: ولله در الشاعر أحمد محرم فقد عبر أبلغ تعبير عن هذه النظرة الأخرى إلى الأهرام وبُنَاتُها، وأنها شاهد على ظلم الراعي للرعية ... الخ في قصيدته البديعة (رحلة عابسة) والتي يقول في مطلعها:
                                  عَصَفَ الْهَوَى بِجَوَانِحِ المشتاقِ .... وَهَفَا الحَنِينُ بقلبِهِ الخَفَّاقِ
                                  ما يَصْنَعُ الصَّبُّ الطَّرُوبُ إذا الهوى .... بَلَغَ القَرَارَ وَجَالَ في الأعْمَاقِ
                                  وفيها يقول:
                                  مَا هذِهِ (الأهرامُ)؟ مَا لِبُناَتِهَا؟ ... سَاقُوا أُمُورَ المُلْك شَرَّ مَسَاقِ
                                  هَدَمُوا الْقُوَي فِيها يُشَدُّ بِنَاؤُها ... وَيُقَامُ أَطْبَاقاً عَلَى أَطْبَاق
                                  هيَ إِنْ أَرَدْتَ الْحقَّ شَاهِدُ قَسْوَةٍ ... يُخْزِي الوُجُوهَ وَآيةُ اسْتِرْقاَق
                                  أَفَمَا تَرَاها، كُلَّمَا اسْتَنْطَقَتهَا ... زَادَتْكَ مِنْ صَمْتٍ وَمِنْ إِطرَاق؟
                                  خُرْسٌ يُجَّللُهَا الَحْيَاءُ، وَمَا بها ... إِلاّ ضَلاَلُ السَّاسَةِ الحُذَّاق
                                  قالَ الأُلي فُتنِوُا بها: مُسْتَوْدَعٌ ... لِلسّرَّ، غَودِرَ مُحْكَمَ الإغْلاَق
                                  دَعْ مَا يُريبُكَ مِنْ وَسَاوِسِ مَعْشَرٍ ... عَكَفُوا عَلَى التهَّوِْيلِ وَالإغرَاق
                                  دَارٌ تُجيِرُ مِنَ الزمَانِ وَصَرْفِهِ ... وَتَصُونُ مَا أَبقَى مِنَ الأرْمَاق
                                  خَيْرٌ مِنَ الصَّرْحِ المُقَامِ لِظاَلمٍ ... جَافيِ الطَّبَاعِ إِلي الأذَى تَوَّاق
                                  ... فيا أخي الحبيب لا يفوتنك قراءة باقي هذه القصيدة الفريدة، وافقتَ الشاعر فيما ذهب إليه أم لم توافقه؛ فإنها جياشة بالمشاعر التي ينبغي أو يحسُن الاعتناءُ بها.
                                  والله الموفق لكل خير

                                  تعليق


                                  • #17

                                    30- دُمِّـــرَ الناسُ والرَّعِيَّــةُ في تشــييـدِها والخلائــقُ الأُسَــرَاءُ
                                    اللغة:

                                    (دُمِّرَ): دَمَرَ الشَّيْءُ يَدْمُرُ مِنْ بَابِ قَتَلَ، وَالِاسْمُ الدَّمَارُ مِثْلُ: الْهَلَاكِ وَزْنًا وَمَعْنًى، وَيُعَدَّى بِالتَّضْعِيفِ فَيُقَالُ دَمَّرَهُ اللَّهُ وَدَمَّرَ عَلَيْهِ.
                                    (الرَّعِيَّة): العامة والراعي: الوالي، يُقَالُ: لَيْسَ الْمَرْعِيُّ كَالرَّاعِي.
                                    (الأُسَراء): سبق في البيت 20.
                                    المعنى:

                                    قال الحاسدون: ليست هذه الهياكل والقبور إلا دليلا على ظلم الرعاة واستبدادهم حيث دمروا الناس والرعية وأهلكوهم في تشييدها. وأما قوله: "والْخَلَائِقُ الْأُسَرَاءُ" فقد يكون المراد: به الأسرَى من الأعداء، أي استخدموا الأسرى من الأعداء أيضا في تشييد هذه الآثار، وقد يكون المراد بهم (الرعيَّةُ) أيضا –والله أعلم- فيكون من باب التفنن في القول، ويكون المعنى أنه حكى قولَ الحاسدين وأنهم هَوَّلُوا أمرَ تشييدِ هذه القبور والآثار فذكروا أولا أن الرعاةَ دمَّرُوا الناسَ ثم عطف عليهم (الرعيةَ) والعطف يقتضي المغايرة، وسبب المغايرة هنا ومعناها أنه قد يقع في الروع أنهم دمَّرُوا الناس كلهم إلا رعاياهم؛ لأن الراعي يكون كالأب للرعية فنَفَى هذا الوهم بعطف (الرعية) على الناس، أي: والرعيةُ أيضا دمّروهم، ثم ذكروا (أي الحاسدون) وصفا آخر وهو (الخلائق الأسراء) أي، والمراد بالكل الرعية؛ فهم لا يمكن أن يدمِّروا الناس كلهم لأنهم لا سلطان لهم على الناس كلهم، فالمراد بالناس الرعية، ولاتعميم للتهويل، ثم عطف عليهم الرعية -وهم المقصودون أصالة- لِيَدْفَعَ الوهم السابق، ثم ذكر (الخلائق الأسراء) والمراد بهم الرعية أيضا، والمراد بهذا الوصف أنهم استعبدوهم كما كانوا يستعبدون الأسرى.
                                    فالمراد بهذا كله المبالغة في وصف ظلم الرعاة للرعية في تشييد هذه القبور والآثار الخالدة! زعموا. وهذا كله كلام الحاسدين! يحكيه الشاعر وسينكره فيما بعد.

                                    31- أين كان القضاء والعدلُ والحكــمةِ والــرأىِ والنُّهَى والذَّكاءُ

                                    اللغة:
                                    (النُّهى): العقول لأنها تنهى عن القبيح، جمع نُهْيَة.
                                    المعنى:

                                    وقال الحاسدون: أين كان القضاءُ، والعدلُ، والحكمةُ، والرأيُ، والعقول التي تنهى عن القبيح؟ وأين الذكاءُ في تدمير الخلق وإهلاك الرعية في بناء قبور وتشييدها؟!

                                    تعليق


                                    • #18

                                      32- وبنــو الشمسِ مِنْ أَعِزَّةِ مصرٍوالعلــومُ التى بهــا يُسْتَضاءُ
                                      اللغة:
                                      (بنو الشمس من أعزة مصر): قيل إن كلمة (مصر) مكونة من ثلاث كلمات هي (ما) بمعنى موضع، و(سي) بمعنى أبناء و(رع) بمعنى الشمس، أي أن (ما سي رع) أو (ما سى را) أو (مصر) هي موضع أبناء الشمس.[1]
                                      المعنى:

                                      وأين كان بنو الشمس من أعزة مصر وأين كانت العلوم التى بها يستضاء

                                      33- فادَّعَـوْا ما ادَّعَى أصاغــرُ آتيــنا ودَعْـــوَاهُمُ خَنًا وافتِـــراءُ

                                      اللغة:

                                      (ادَّعَوْا): ادَّعَى زَيْدٌ كَذَا يَدَّعي ادِّعاءً: زَعَمَ أنَّه لَهُ، حَقّاً كانَ أَو باطِلاً، وقوله تَعَالَى: كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ [الملك: 27] تَأْوِيلُه: الَّذِي كُنْتُم مِن أَجْلِهِ تَدَّعُون الأَباطِيلَ والأَكاذيبَ. وقيلَ فِي تَفْسِيرِه: تَكْذبُون.
                                      (أصاغر): جمع أصغر وهو أفعل تفضيل من الصِّغَر ضد الكِبَر، والأصغر يستعمل استعمال أفعل التفضيل بالألف واللام أو بالإضافة قَالَ سِيبَوَيْهِ: لَا يُقَالُ نِسْوَةٌ (صُغَرٌ)[2] وَلَا قَوْمٌ (أَصَاغِرُ) إِلَّا بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ.
                                      (الخنا): الفحش.
                                      المعنى:

                                      ادعى هؤلاء الحاسدون نفس الدعوى التى ادعاها أصاغر أثينا واليونان وليست دعواهم إلا هُجْرا من القول وفحشا من الكلام وافتراء وكذبا.


                                      [1] في الأسرة الخامسة نرى أنصارها يرجعون حقها في عرش الفراعين إلى إرادة ربانية قديمة وإلى أصل مقدس فيخرجون على الناس بأسطورة تجعل ملوكها أبناء للإله رع من صلبه وأصبح لقب (ابن رع) (سا رع) = (ابن الشمس) من ألقاب ملوك مصر الرسمية حتى نهاية العصور الفرعونية، وقد أعلن الفراعين تلك البنوة للإله رع منذ الأسرة الرابعة بصفة متقطعة، وبصفة دائمة منذ عهد (نفر إير كا رع) ثالث ملوك الأسرة الخامسة، وهكذا كانت الأسرة الخامسة بالذات بداية تأكيد بنوة الملك للإله في ذلك اللقب الرسمى (سا رع) والذى كان يسبق اسم الملك الشخصى الذى يطلق عليه عند ولادته للتأكيد الواضح أن الملك ولد حقيقى للإله رع وبهذا يصبح صاحب حق شرعى في حكم مصر. موسوعة الحضارة المصرية القديمة د.سمير أديب/ 448- 449 بتصرف، ط. العربى للنشر والتوزيع.
                                      فالحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة.
                                      [2] جمع صُغْرَى مؤنث الأصغر

                                      تعليق


                                      • #19

                                        34- ورَأَوْا لِلَّذِينَ سَــادُواْ وَشَـــادُواْسُبَّــةً أَنْ تُسَخَّـــرَ الْأَعْــــدَاءُ
                                        اللغة:

                                        (سُبَّة): عار.
                                        (سَخَّرَهُ) تَسْخِيرًا كَلَّفَهُ عَمَلًا بِلَا أُجْرَةٍ وكَلَّفَه مَا لَا يُرِيد وقَهَرَه، وكُلُّ مَقْهُورٍ مُدَبَّرٍ لَا يَملِكُ لِنَفْسِه مَا يُخَلِّصه من القَهْرِ فذلك مُسَخَّر.
                                        المعنى:

                                        ورأى هؤلاء الحساد للملوك الذين سادوا الدنيا وشادوا هذه المفاخر والصروح العظيمة الباقية على مر السنين سُبَّةً وعارا عليهم تسخير الأعداء وقهرهم.

                                        35- إِنْ يَكُنْ غَيْــرَ مَا أَتَـــوْهُ فَخَـارٌفَأَنَــا مِنْـكَ يَا فَخَـــارُ بَـــــرَاءُ
                                        اللغة:

                                        (الفَخار): الاسم من الفخر والمراد به الْمُبَاهَاةُ بِالْمَكَارِمِ وَالْمَنَاقِبِ مِنْ حَسَبٍ وَنَسَبٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ إمَّا فِي الْمُتَكَلِّمِ أَوْ فِي آبَائِه
                                        (براء) بمعنى بريء، وهو مصدر استعمل استعمال الأسماء يطلق على الواحد والاثنين والجماعة والمذكر والمؤنث.
                                        المعنى:

                                        إن يكن الفخرُ شيئا آخر غير ما صنعه الفراعين من الآثار الخالدة وقهرهم لأعدائهم فأنا برئ منك أيها الفخر الزائف. يريد بذلك تفنيد مزاعم مَنْ وصفهم بكونهم (حاسدين) وأن ما زعموه مِنْ أمر هذه الآثار مِنْ أنها شاهدة على ظلم الراعي للرعية ليس صحيحا بل هي شاهدة على عظمة هؤلاء الفراعين الذين شادوا ما لم تستطعه الحضارات الأخرى القديمة والحديثة؛ فهي لذلك مصدر فخر، ولا يقول غير ذلك إلا الحاسدون الذي يقلبون الحقائق ويجعلون الفخر ظلما.
                                        قلت: هذا ما أراد الشاعر أن يقوله، والذي ينبغي التنبه له أن الله حين ذكر أصحاب هذه الحضارات القديمة والآثار التي صنعوها أشار إلى أنه ينبغي أن تؤخذ العبرة منها ومما وقع لأصحابها حين كفروا بربهم وعصَوْا رسله فأخذهم الله بذنوبهم كما قال : أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (21) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (22) [غافر: 21، 22]. وقال : أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (83) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (84) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (85) [غافر: 82 - 85]. فهذا ما ينبغي النظر إليه عند رؤية هذه الآثار، أعني أنْ تؤخذ منها العظة والعبرة، لا أن تكون (معالم سياحية) تشد إليها الرحال للهو والمتعة! والله المستعان.

                                        تعليق


                                        • #20

                                          36- لَيْتَ شِعْرِي وَالدَّهْرُ حَرْبُ بَنِيهِوَأَيَادِيهِ عِنْدَهُمْ أَفْيَاءُ
                                          اللغة:

                                          (ليت شعري): لَيْتَنِي عَلِمْتُ.
                                          وَشَعَرْتُ بِالشَّيْءِ شُعُورًا مِنْ بَابِ قَعَدَ وَشِعْرًا وَشِعْرَةً بِكَسْرِهِمَا عَلِمْتُ.
                                          (الدهر): الزمان
                                          (حرب) يقالُ: رَجُلٌ حَرْبٌ لي أَي؛ عَدُوٌّ مُحَارِبٌ وإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحَارِباً، يُسَتَعْمَلُ للذَّكَرِ والأُنْثَى والجَمْعِ والوَاحِدِ، وقوله: (والدهر حرب... أفياء) معترض بين (ليت شعرى) والبيت التالى.
                                          (أياديه): جمع أَيْدٍ الذي هو جمع يَد[1] وهي بمعنى النعمة والإحسان
                                          (أَفْيَاء): جمع فَيْء وهو الخراج والغنيمة
                                          المعنى:

                                          يعادي الدهرُ الناسَ فتصيبهم فيه المصائب من الأمراض والهَرَمِ والعجْز والفاقة والموتِ وغير ذلك وأما إحسانه إليهم فقليل ولا يكون إلا بشِقِّ الأنفس كالغنيمة في الحرب لا تكون كل الوقت ولا تحصل إلا بالمخاطرة بالنفس في الحروب.

                                          تنبيه:

                                          أكثر الشاعر –غفر الله له- من سب الدهر، ومن ذلك قوله: (والدهر حرب بنيه وأياديه عندهم أفياء) هذا من سب الدهر الذي نهى عنه النبى .
                                          فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله : " لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: أَنَا الدَّهْرُ، الْأَيَّامُ وَاللَّيَالِي لِي، أُجَدِّدُهَا وَأُبْلِيهَا، وَآتِي بِمُلُوكٍ بَعْدَ مُلُوكٍ"[2]
                                          وذلك أن العرب في الجاهلية كانت تقول: أصابني الدهرُ في مالي بكذا، ونالتني قوارع الدهرومصائبه، وياخيبة الدهر، ويا بؤس الدهر، ويقول الرجل الهَرِمُ: حَناني الدهر أي عطفني فانحنيت فينسبون كل شيء تجري به أقدار الله – – عليهم من موتٍ أو سُقْمٍ أو ثُكْلٍ أو هَرَمٍ إلى الدهر، فنهاهم النبي عن ذلك لأن الدهر لا فعل له بل هو مخلوق من مخلوقات الله –- ومحلٌّ تقع فيه هذه المصائب، فالمصائب تقع في الليل وتقع في النهار ولا دخل لليل والنهار في وقوعها بل هي واقعة بقدر الله – – فهو سبحانه الفاعل الحقيقي لها.
                                          ولا شك في كفر من نسب تلك الأفعال أو شيئا منها للدهر حقيقة، واعتقد ذلك. وأما من جرت هذه الألفاظ على لسانه ولا يعتقد صحة ذلك فليس بكافر، ولكنه قد تشبه بأهل الكفر وبالجاهلية في الإطلاق، وقد ارتكب ما نهاه رسول الله عنه.

                                          37- مَا الَّذِي دَاخَلَ اللَّيَالِيَ مِنَّا فِي صِبَانَا وَلِلَّيَالِي دَهَاءُ

                                          38- فَعَلَا الدَّهْرُ فَوْقَ عَلْيَاءِ فِرْعَوْنَ وَهَمَّتْ بِمُلْكِهِ الْأَرْزَاءُ

                                          اللغة:

                                          (داخَلَ الليالي): داخِلُ كلِّ شيءٍ: بَاطِنُهُ، والدّخَل: ما داخل الإنسان من فساد في عقل أو جسم، والمراد هنا ما الذي أفسد أمرنا عند الليالي فَغَيَّرَتْ أحوالَنا من النعيم إلى الشقاء. وهذا البيت أيضا فيه نسبة الحوادث إلى الدهر كالبيت السابق فتنبه.
                                          (الدهاء) العقل وجودة الرأي، قال ابن فارس: الدال والهاء والحرف المعتل يدل على إصابة الشيء بالشيء بما لا يَسُرُّ. يقال ما دهاه: أي ما أصابه. لا يقال ذلك إلا فيما يسوء. ودواهي الدهرِ: ما أصاب الإنسان من عظائم نِوَبِهِ. و(الدَّهْيُ) [–ساكن الهاء- و(الدَّهاءُ) –ممدود-]: النُّكْرُ وجودة الرأي; وهو من الباب; لأنه يصيب برأيه ما يريده.
                                          (علا): عَلَا فِي الْمَكَانِ مِنْ بَابِ سَمَا. و(عَلِيَ) فِي الشَّرَفِ بِالْكَسْرِ كَرَضِيَ (عَلَاءً) بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ وَ (عَلَا) يَعْلَى لُغَةٌ فِيهِ. وَ(عَلَا فلانًا) غَلَبَهُ وقهره. و(عَلَا) فِي الْأَرْضِ تَكَبَّرَ
                                          (الْعَلْيَاءُ): اسم المَكَانِ العالي، وكلُّ ما عَلَا من الشيء.
                                          (هَمَّ): انظر البيت رقم1.
                                          (الأرزاء): جمع رُزْء وهو المصيبة.
                                          المعنى:

                                          ليتني أعلم أي شيء أفسد أمرنا عند الليالى وكانت حضارتنا ما تزال في مبدأ التاريخ (في صبانا)، أو وكنا كالصبي لم نقترف سوءًا ولم نفسد الأيامَ والليالي فأصابتنا الليالي بدواهيها وشدائدها ولليالي دهاء ومكر! فقَلَبَتْ أحوالَنا من العزة والغلبة والنعيم إلى المذلة والهزيمة والشقاء، وعلا الدهر فوق مكانة فرعون العالية فقهره وغلبه وعزمت المصائب أن تزيل ملك فرعون.
                                          وأستغفر الله العظيم مما في هذه الأبيات من سوء الأدب مع الله وعدم الرضا بالقضاء، ويضطرني تفسير الأبيات إلى كتابة معناها وإن كان كما سبق، والله المستعان.

                                          [1] يعنى أن (أيادى) جمع جمع لـ (يد)
                                          [2] إسناده حسن والحديث صحيح رواه أحمد (10438/ الرسالة) وللحديث ألفاظ أخرى وشواهد في الصحيحين وغيرهما

                                          تعليق


                                          • #21

                                            39- أَعْلَنَتْ أَمْرَهَا الذِّئَابُ وَكَانُوا فِي ثِيَابِ الرُّعَاةِ مِنْ قَبْلِ جَاءُوا
                                            40- وَأَتَى كُلُّ شَامِتٍ مِنْ عِدَا المُلْـ ـكِ إِلَيْهِمْ وَانْضَمَّتِ الْأَجْزَاءُ
                                            اللغة:

                                            (أعلنت أمرها): أظهرته
                                            (الرعاة): جمع راعٍ وهو كل مَنْ وَلِيَ أمر قوم بالحفظ والسياسة، والمراد هنا الهكسوس وكانوا يسمون (ملوك الرعاة)[1] والرعاة لفظ للتحقير يدل على الأجناس البربرية أو الكفرة أو رعاة الغنم أطلقه المصريون القدماء على الهكسوس الغزاة الذين جاءوا من آسية وانتهزوا فرصة الضعف الذى حل بالبلاد على إثر انقضاء عهد الأسرة الثانية عشرة والتنازع الذى حل على الملك بين طبقة الأشراف فغزوها في سنة 1675 ق.م.[2]
                                            (من قبلِ جاءوا): الأصل من قبل ما جاءوا أى من قبل مجيئهم.
                                            (الشامت): هو الذى يفرح بِبَلِيَّةٍ تصيب عدوَّه، وبابه سَلِمَ (فَرِحَ)
                                            (عِدَا): بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْأَعْدَاءُ وَهُوَ جَمْعٌ لَا نَظِيرَ لَهُ. قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقَالُ: قَوْمٌ عُِدًا بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَضَمِّهَا أَيْ أَعْدَاءٌ. وَقَالَ ثَعْلَبٌ: يُقَالُ: قَوْمٌ أَعْدَاءٌ وَعِدًا بِكَسْرِ الْعَيْنِ فَإِنْ أَدْخَلْتَ الْهَاءَ قُلْتَ: (عُدَاةٌ) بِالضَّمِّ.

                                            المعنى:

                                            كان الهكسوس -من قبل أن يجيئوا- رعاةً؛ وهم قوم من قبائل مختلفة لا تربطهم رابطة بل هم خليط من عدة شعوب وقبائل مهاجرة منها: العنصر السامي، بجانب عناصر أخرى أهمها الكاسي والحوري، وكلا الجنسين من أصل (هندو-أوربى) فَحَمْلَتُهم على مصر لا تُعَدُّ من الحملات التى قام بها شعب له جيشه الخاص بل قام بتلك الغزوة مجموعة من الشعوب والقبائل التى سكنت فلسطين وشمال سوريا، وانضمت هذه القبائل والأخلاط بعضهم إلى بعض في غزو مصر، ولم يكن هؤلاء الهكسوسُ رعاةً يسوسون أمر الناس بالحفظ والرعاية، بل كانوا ذئابا غزاة: استغلوا فرصة الضعف الذى حل بالبلاد فغزوها، وعاثوا في الأرض الفساد، وعاملوا الأهالى بقسوة؛ فذبحوا بعضا، وأهانوا بعضا؛ فاتخذوا نساءهم وأطفالَهم عبيدا لهم، وفرضوا الضرائب على الصعيد والدلتا.

                                            __
                                            [1] قيل إن كلمة (هكسوس) مكونة من كلمة (هيك) وتعني في اللغة المقدسة!: ملك، ومن كلمة (سوس) وتعني في اللغة العامية: راعي. والصواب أن كلمة هكسوس قد أتت من الاصطلاح المصرى (حكا خاسوت) بمعنى حكام البلاد الأجنبية، وأما كلمة (سوس) فربما كانت اختصارا لكلمة (خاست) بمعنى بلد أجنبى. انظر موسوعة مصر القديمة / 836 / سمير أديب.
                                            [2] هكذا في الديوان، لكن في تاريخ الحركة القومية في مصر القديمة لعبد الرحمن الرافعى / 62/ دار المعارف: أن هذا الغزو وقع حوالى سنة 1730 ق.م. في عهد الأسرة الثالثة عشرة. ا.هـ. وقريب منه ما جاء في موسوعة تاريخ مصر: أن الهكسوس غزوا مصر في عهد الأسرة الخامسة عشرة حوالى سنة 1725 ق.م. انظر موسوعة تاريخ مصر عبر العصور- مصر القديمة (ص157)– أعدها للنشر عبد العظيم رمضان – نشر الهيئة المصرية العامة للكتاب، وموسوعة الحضارة المصرية القديمة /835/ سمير أديب.

                                            تعليق


                                            • #22

                                              41- وَمَضَى الْمَالِكُونَ إِلَّا بَقَايَا لَهُمُ في ثَرَى الصَّعِيدِ الْتِجَاءُ
                                              اللغة:

                                              ظــــــــــاهــــــــــرة
                                              المعنى:

                                              وذهب ملوك مصر باستيلاء الهكسوس عليها ومن بقى منهم كان مواليا للهكسوس فكأنه قد ذهب مع من ذهب إلا بقايا بالصعيد احتفظوا بشبه استقلال ذاتى[1].



                                              42- فَعَلَى دَوْلَةِ البُنَاةِ سَلَامٌ وَعَلَى مَا بَنَى الْبُناةُ الْعَفَاءُ

                                              اللغة:

                                              (على فلان السلام): المراد طلب سلامته من الآفات والعيوب والنقائص ومعنى قول القائل لصاحبه: سلام عليك أى قد سلمت منى فلا أَنَالُكَ بِيَدٍ ولا لسان أى برئت وتخلصت، وقولهم: على الدنيا السلام، أى إن الدنيا قد ذهبت وصارت في حكم الغائب الذى لا يرجى رجوعه أو الميت الذى لا يعود فيُرْجى له السلامةُ حيث هو، وكذا قولهم: (على الدنيا العفاء)
                                              (البناة): جمع بانٍ كرماة ورامٍ
                                              (العفاء): التراب. قال صفوان بن محرز: إذا دخلتُ بيتى فأكلت رغيفا وشربت عليه ماءً فعلى الدنيا العفاء.
                                              المعنى:

                                              فسَلِّمْ على دولة البُناة الذين شادوا أعظم الصروح والآثار، سلام مُوَدِّعٍ فقد ذهبت بذهاب أهلها واستيلاء الغرباء عليها، وأَلْحِقْ ما بناه هؤلاء البناةُ بالأموات وقل على ما بَنَوْهُ العفاءَ.
                                              __

                                              [1] استولى الهكسوس على مقاليد الحكم في مصر فكانوا يحكمون شرقى الدلتا حكما مباشرا وكانت لهم السيادة على غربى الدلتا وجزء من مصر الوسطى بالوجه القبلى حيث كان حكامها موالين لهم، أما باقى أمراء الوجه القبلى فقد احتفظوا بشبه استقلال ذاتى مع دفع الجزية للهكسوس.

                                              تعليق


                                              • #23

                                                43- وَإِذَا مِصْرُ شَاةُ خَيْرٍ لِرَاعِي الــسُّـوءِ تُؤْذَى فِي نَسْلِهَا وَتُسَاءُ
                                                اللغة:
                                                ظاهرة
                                                المعنى:

                                                بسبب الضعف والتفكك الداخلي في مصر استولى رعاة السوء (الهكسوس) عليها من غير مقاومة تُذْكَرُ، فصارتْ كالشاة التي تستسلم لذابحها من غير مقاومة، واستفاد هؤلاء الرعاةُ الأجانبُ مِنْ كل ما في مصر من خيرات كما يستفيد صاحب الشاة منها من لبنها وصوفها ولحمها ولكنهم كانوا رعاة سوء فآذوا مصر في أبنائها وأساءوا إليهم.

                                                44- قَدْ أَذَلَّ الرِّجَالَ فَهْيَ عَبِيدٌوَنُفُوسَ الرِّجَالِ فَهْيَ إِمَاءُ
                                                اللغة:

                                                ظاهرة
                                                المعنى:

                                                ومما فعله راعي السوء (والمراد الهكسوس) في مصر أنهم أذلوا الرجال فقتلوا بعضهم واستعبدوا بعضهم واتخذوا النساء والأطفالَ عبيدا وفرضوا الضرائب على الصعيد والدلتا فأذلوا نفوس الرجال حتى صارت من شدة التعذيب والإذلال نفوسًا ضعيفة كنفوس الإماء.

                                                تعليق


                                                • #24

                                                  45- فَإِذَا شَاءَ فَالرِّقَابُ فِدَاهُ وَيَسِيرٌ إِذَا أَرَادَ الدِّمَاءُ
                                                  اللغة:

                                                  ظاهرة
                                                  المعنى:

                                                  وطغى هؤلاء الحكام الأجانب طغيانا كبيرا فإذا فكر أحد في الخروج على الحاكم قتله فكان فداءً له وإذا أراد هذا الحاكم قتل أحد من غير ذنب قتله فالدماء يسيرة عليه جدا فهو لذلك يقتل بسبب ولغير سبب.

                                                  46- وَلِقَوْمٍ نَوَالُهُ وَرِضَاهُ وَلِأَقْوَامٍ الْقِلَى وَالْـجَفَاءُ

                                                  اللغة:

                                                  ظاهرة
                                                  المعنى:

                                                  وجعل هذا الحاكم عطاءه ورضاه لمن وافقه وأما من خالفه فله البغض والجفاء

                                                  47- فَفَرِيقٌ مُمَتَّعُونَ بِمِصْرٍ وَفَرِيقٌ فِي أَرْضِهِمْ غُرَبَاءُ

                                                  اللغة:

                                                  ظاهرة
                                                  المعنى:

                                                  وانقسمت مصرُ إلى فريقين: فريق يتمتعون بخيراتها وهم الحكام الأجانب ومن وَالَاهم وفريق يعيشون فيها كالغرباء ليس لهم من خيراتها نصيب وهم أهلها

                                                  وسبحان الله! ما أشبه الليلة بالبارحة

                                                  تعليق


                                                  • #25

                                                    48- إِنْ مَلَكْتَ النفوسَ فابغِ رضاها فَلَهَا ثورةٌ وفيها مَضَاء
                                                    اللغة:
                                                    (ابْغِ): اطلُبْ، بَغَيْتُهُ أَبْغِيه بَغْيًا طَلَبْتُهُ وَابْتَغَيْتُهُ وَتَبَغَّيْتُهُ مِثْلُهُ وَالِاسْمُ الْبُغَاءُ وِزَانُ غُرَابٍ
                                                    المعنى:
                                                    أيها الحاكم إذا ملكت قوما فاطلبْ رضاهم ولا تعاديهم فإن للنفوس ثورة وفيها مضاء يظهر إذا كثر بها الاستبداد واستمر الظلم.

                                                    49- يَسْكُنُ الْوَحْشُ لِلْوُثُوبِ مِنَ الْأَسْـــرِ فَكَيْفَ الْخَلَائِقُ الْعُقَلَاءُ
                                                    اللغة:
                                                    ظاهرة
                                                    المعنى:
                                                    ومما يدل على أن للنفوس ثورة وإن طال استتارها أن الوحش الذى لا عقل له يأنس للهروب من الأسر ومن القفص الحديدى الذى يوضع فيه وهذا يعني أن نفسه تتوق للحرية فإذا وجد منفذا للفكاك من الأسر والهرب منه ذهب إليه ووثب منه فكيف بنفوس الخلائق العقلاء الذين يعرفون معنى الحرية؟!

                                                    تعليق


                                                    • #26

                                                      50- يَحْسَبُ الظَّالِمُونَ أَنْ سَيَسُودُونَ م وَأَنْ لَنْ يُؤَيَّدَ الضَّعَفَاءُ
                                                      اللغة:

                                                      (يَحْسَبُ): حَسِبْتُ زَيْدًا قَائِمًا أَحْسَبُهُ مِنْ بَابِ تَعِبَ فِي لُغَةِ جَمِيعِ الْعَرَبِ إلَّا بَنِي كِنَانَةَ فَإِنَّهُمْ يَكْسِرُونَ الْمُضَارِعَ مَعَ كَسْرِ الْمَاضِي أَيْضًا عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ (حَسِبْتُهُ أَحْسِبُهُ) حِسْبَانًا بِالْكَسْرِ بِمَعْنَى ظَنَنْتُ.

                                                      (سَيَسُودُونَ):
                                                      سَادَ يَسُودُ سِيَادَةً وَالِاسْمُ السُّوْدُدُ وَهُوَ الْمَجْدُ وَالشَّرَفُ فَهُوَ سَيِّدٌ[1] وَالْأُنْثَى سَيِّدَةٌ بِالْهَاءِ ثُمَّ أُطْلِقَ ذَلِكَ عَلَى الْمَوَالِي لِشَرَفِهِمْ عَلَى الْخَدَمِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي قَوْمِهِمْ شَرَفٌ فَقِيلَ سَيِّدُ الْعَبْدِ وَسَيِّدَتُهُ وَالْجَمْعُ سَادَةٌ وَسَادَاتٌ وَزَوْجُ الْمَرْأَةِ يُسَمَّى سَيِّدَهَا وَسَيِّدُ الْقَوْمِ رَئِيسُهُمْ وَأَكْرَمُهُمْ وَالسَّيِّدُ الْمَالِكُ.
                                                      المعنى:

                                                      يظن الظالمون المستبدون أنهم سيظلون هكذا سادة طول الدهر وأن الضعفاء سيظلون كما هم ولن ينصروا أبدا

                                                      51- وَاللَّيَالِي جَوَائِرٌ مِثْلَمَا جَارُوا م وَلِلدَّهْرِ مِثْلَهُمْ أَهْوَاءُ
                                                      اللغة:

                                                      (جوائر)[2]: جمع جائرة مِنَ (الْجَوْرُ) وهو: الْمَيْلُ عَنِ الْقَصْدِ، وَبَابُهُ قَالَ، تَقُولُ: (جَارَ) عَنِ الطَّرِيقِ وَجَارَ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ.
                                                      المعنى:

                                                      والأيامُ دُوَلٌ؛ فسوف يقع عليهم فيها الظُّلْمُ والجَوْرُ كما جاروا هم على غيرهم وظلموهم، فالأحوال لا تستمر في الدهر على نظام واحد بل تتقلب بالناس بين الشدة والرخاء والعزة والذلة فكم من ذليل صار أميرا وكم من أمير صار ذليلا، وهذا معنى (وللدهر .. أهواء) فيكون هواه مع قوم فيرفعهم ثم ينقلب عليهم فيخفضهم وهكذا.

                                                      تنبيهات: (1)- قوله: "الليالي جوائر" من سب الدهر الذي أكثر منه الشاعر غفر الله له، فإن الجَوْرَ هو الظلم ولا يجوز نسبته إلى الدهر (الأيان والليالي) وقد سبق الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله : " لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: أَنَا الدَّهْرُ، الْأَيَّامُ وَاللَّيَالِي لِي، أُجَدِّدُهَا وَأُبْلِيهَا، وَآتِي بِمُلُوكٍ بَعْدَ مُلُوكٍ"[3].

                                                      (2)- وقوله: "وللدهر أهواء" ذهب فيه إلى معنى قوله : قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران: 26] ولكنه أساء التعبير جدا بجعله تقلب الأمور بالناس بين الرفعة والضعة من أهواء الدهر، وبئس ما قال! بل هذا من حكمة الله البالغة ومن الدليل على قدرته وقوته وقهره ومكره بأعدائه، وهو معنى قوله : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن: 29] وقد سئل أحد الصالحين عن هذه الآية فقيل له: فما شأن ربك الآن؟ فقال: أمور يُبْدِيها ولا يبتديها يرفع أقواما ويخفض آخرين.

                                                      (3)- لا ينبغي لك أخي القاريء الكريم أن تمل مما أكرره من التنبيه على أخطاء الشاعر العقدية فإن هذا من الأمور الهامة المقصودة لذاتها فلو أفردها أحد بالتصنيف لكان أمرا محمودا

                                                      [1] اخْتُلِفَ فِي أصله؛ فَقِيلَ أَصْلُهُ سَوِيدٌ وِزَانُ كَرِيمٍ وَشَرِيفٍ فَاسْتُثْقِلَتْ الْكَسْرَةُ عَلَى الْوَاوِ فَحُذِفَتْ فَاجْتَمَعَتْ الْوَاوُ وَهِيَ سَاكِنَةٌ وَالْيَاءُ فَقُلِبَتْ الْوَاوُ يَاءً وَأُدْغِمَتْ فِي الْيَاءِ. وَقِيلَ أَصْلُهُ فَيْعِلٌ بِسُكُونِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ وَالْأَصْلُ سَيْوِدٌ، وَقِيلَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ فَيْعِلٌ بِكَسْرِ الْعَيْنِ فِي الصَّحِيحِ إلَّا صَيْقِلُ اسْمُ امْرَأَةٍ وَالْعَلِيلُ مَحْمُولٌ عَلَى الصَّحِيحِ فَتَعَيَّنَ الْفَتْحُ قِيَاسًا عَلَى عَيْطَلٍ، وَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَهُ.
                                                      [2] (جَوَابِر) وزان (فَواعل) وهو من صيغ منتهى الجموع ويجمع عليه ما كان على (فاعلة) مطلقا يعني سواء كان اسما أو وصفا، وسواء كان لعاقل أو لغيره نحو: فاطمة وفواطم وضاربة وضوارب ومنه جابرة وجوابر.
                                                      [3] إسناده حسن والحديث صحيح رواه أحمد (10438/ الرسالة) وللحديث ألفاظ أخرى وشواهد في الصحيحين وغيرهما

                                                      تعليق


                                                      • #27

                                                        52- لَبِثَتْ مِصْرُ فِي الظَّلَامِ إِلَى أَنْ قِيلَ: مَاتَ الصَّبَاحُ وَالْأَضْوَاءُ
                                                        اللغة:
                                                        ظاهرة

                                                        المعنى:
                                                        ظلت مصر في ظلام الاحتلال حتى قيل مات صباح الحرية وأنوارها

                                                        53- لَمْ يَكُنْ ذَاكَ مِنْ عَمًى، كُلُّ عَيْنٍ حَجَبَ اللَّيْلُ ضَوْءَهَا عَمْيَاءُ

                                                        اللغة:
                                                        ظاهرة

                                                        المعنى:
                                                        لم يكن هذا الذى حدث من استكانة أبناء مصر وخضوعهم للمحتل وبقاؤهم في ظلام الاستعباد والذلة وعدم رؤيتهم نور الحرية من عمىً ولكن كل عين حجب الليلُ نورَها عمياء يريد بالليل المحتل الذى يضع الحجب على العيون.

                                                        تعليق


                                                        • #28

                                                          54- مَا نَرَاهَا دَعَا الْوَفَاءُ بَنِيهَا وَأَتَاهُمْ مِنَ الْقُبُورِ النِّدَاءُ
                                                          اللغة:

                                                          ظاهرة
                                                          المعنى:
                                                          ما نرى مصر دعا الوفاءُ أبناءها ليقوموا بحقها، وأتاهم النداء من القبور
                                                          وربما كان معنى هذا أنهم كانوا كالموتى أصحاب القبور لا يتألمون للإيذاء والهوان، فقام من بينهم داعٍ يدعوهم للثأر لكرامتهم والوفاء بحق وطنهم (مصر) بإزاحة المحتل عنه فاستجابوا له كما يستجيب الموتى لدعوة الداعي[1] فانتفضوا وثاروا على العدو المحتل.
                                                          أو لعله أراد بالشطر الثاني: كثرة ظلم المحتل الغاشم لأهل مصر وإعماله القتل فيهم فكان كثرة من يقتل منهم ظلما هو الداعي لهم ليقوموا بثورة ضد هذا المحتل الغاشم. فتأمل.

                                                          55- لِيُزِيحُوا عَنْهَا الْعِدَا فَأَزَاحُوا وَأُزِيحَتْ عَنْ جَفْنِهَا الْأَقْذَاءُ

                                                          اللغة:

                                                          (الأَقْذَاءُ) جمعُ قذى، يقال: قَذِيَتْ الْعَيْنُ قَذًى مِنْ بَابِ تَعِبَ: صَارَ فِيهَا الْوَسَخُ وَأَقْذَيْتُهَا بِالْأَلِفِ أَلْقَيْتُ فِيهَا الْقَذَى وَقَذَّيْتُهَا بِالتَّثْقِيلِ أَخْرَجْتُهُ مِنْهَا وَقَذَتْ قَذْيًا مِنْ بَابِ رَمَى أَلْقَتْ الْقَذَى.
                                                          المعنى:
                                                          أتى النداءُ أبناءَ مصر ليقوموا بحقها ويزيحوا عنها الأعداء ففعلوا وأزاحوا الأعداءَ المحتلين وطردوهم، وأزيحت عن جفون مصر الأقذاء التى كانت ترمض عينها.

                                                          [1] قال قتادة في قوله : وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ [ق: 41]: قال كعب الأحبار: يأمر الله ملكا أن ينادي على صخرة بيت المقدس: أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء.ا.هـ وهذا من الإسرائيليات كما هو ظاهر ولكنه يستأنس به في هذا المعنى أعني أن الموتى يستجيبون لدعوة الداعي.

                                                          تعليق


                                                          • #29

                                                            56- وَأُعِيدَ الْمَجْدُ الْقَدِيمُ وَقَامَتْ فِي مَعَالِي آبَائِهَا الْأَبْنَاءُ
                                                            اللغة:

                                                            ظاهرة
                                                            المعنى:

                                                            وأعيد المجد القديم للمصريين وقام الأبناء في معالي آبائهم يعني أن الأبناء الذين ثاروا على المحتل وطردوه بدأوا يفعلون كآبائهم فبدأوا يشيدون نهضة عظيمة لمصر كما شاد آباؤهم من قبل، وقد عملت فترة الرعامسة[1] على إحياء الأعمال (الكلاسيكية) الخاصة بالدولة القديمة والدولة الوسطى.

                                                            57- وَأَتَى الدَّهْرُ تَائِبًا بِعَظِيمٍ مِنْ عَظِيمٍ آبَاؤُهُ عُظَمَاءُ
                                                            اللغة:

                                                            ظاهرة
                                                            المعنى:

                                                            بعد أن استيقظ المصريون مِنْ سباتهم وطردوا عن نفوسهم ذُلَّ العبودية وقهرَ المحتل جاء الدهر بملك عظيم هو رمسيس الثانى، أبوه رجل عظيم هو سيتي الأول، وجده رجل عظيم وهو رمسيس الأول وهو أول ملوك الأسرة التاسعة عشرة[2].

                                                            [1] الرعامسة كلمة تطلق على الفترة التى بلغت حوالى 134 عاما وتُكَوِّنُ الجزء الثانى من الدولة الحديثة (1293 – 1089 ق.م) وكذلك على ملوك هذه الحقبة من فراعنة الأسرتين التاسعة عشرة والعشرين. انظر موسوعة الحضارة المصرية القديمة / 452.
                                                            [2] كان رمسيس الأول زميلا لحور محب ووزيرا له ولم يكن لحور محب وريث من الذكور فاختار زميلا له في الجندية هو رئيس الرماة (با رع مس سو = رمسيس) ولم يكن آباء رمسيس الأول ملوكا بل كان ابن أحد الضباط اسمه سيتى من أبناء الدلتا.

                                                            تعليق


                                                            • #30

                                                              58- مَنْ كَرَمْسِيسَ فِي الْمُلُوكِ حَدِيثًا وَلِرَمْسِيسٍ الْـمُلُوكُ[1] فِدَاءُ

                                                              اللغة:

                                                              (رمسيس): هو رمسيس الثانى، أشهر ملوك الأسرة التاسعة عشرة، تولى الحكم بعد والده سيتي الأول، وقد حكم مصر 67 عاما، وشيد الكثير من المبانى والآثار العظيمة التى أكسبته شهرة عظيمة بين ملوك مصر والعالم.

                                                              (حديثا):
                                                              يعني في ملوك الدولة الحديثة في مصر القديمة.
                                                              المعنى:

                                                              يعني أن رمسيس الثانى ملك عظيم ليس له مثيل في الملوك بل الملوك فداء له لأنهم أقل منه قدرا.

                                                              59- بَايَعَتْهُ الْقُلُوبُ فِي صُلْبِ سِيتِي يَوْمَ أَنْ شَاقَهَا إِلَيْهِ الرَّجَاءُ
                                                              اللغة:

                                                              (سيتى): هو سيتي الأول والد رمسيس الثاني وابن رمسيس الأول
                                                              المعنى:

                                                              يعني أن قلوب المصريين بايعت رمسيس الثانى وهو ما زال في صلب أبيه سيتي الأول وذلك لأن أباه كان ملكا وابن الملك ملكٌ من قبل أن يولد


                                                              [1] قوله: (ولرمسيس الملوك) ضُبِطَتْ في طبعة د. أحمد الحوفي وفي الشوقيات الصحيحة بفتح السين وترك ألف الملوك كما هي بدون تشكيل هكذا (ولرمسيسَ الملوك)، وهذا خطأ؛ فلو أراد ترك (رمسيس) ممنوعة من الصرف للعلمية والعجمة وفتح سينها وجب قطع همزة (الملوك) والنطق بها مفتوحة هكذا (أَلْـمُلوكُ).
                                                              وضبطت في طبعة المكتبة التجارية الكبرى ودار العودة- بيروت بتنوين سين رمسيس هكذا (ولرمسيسٍ الملوك) وهو الصواب، والنون الناتجة من تنوين (رمسيسٍ) الأصل أنها ساكنة ولكنها تُحَرَّكُ بالكسر لالتقاء الساكنين

                                                              تعليق


                                                              • #31

                                                                60- وَاسْتَعَدَّ الْعِبَادُ لِلْمَوْلِدِ الْأَكْـ ـبَـرِ وَازَّيَّنَتْ لَهُ الْغَبْرَاءُ

                                                                اللغة:

                                                                (الْغَبْرَاءُ) بِالْمَدِّ: الْأَرْضُ
                                                                المعنى:

                                                                استعد أهلُ مصر لمولد رمسيس الثانى وأقاموا له احتفالات كثيرة عظيمة في كل مكان وملؤا الأرض زينة وابتهاجا بمولده.


                                                                61- جَلَّ سِيزُوسْتِـرِيسُ عَهْدًا وَجَلَّتْ فِـي صِبَاهُ الْآيَاتُ وَالْآلَاءُ
                                                                اللغة:

                                                                (سيزوستريس): هو رمسيس الثانى، لقب أطلقه اليونان عليه
                                                                المعنى:

                                                                عَظُمَ عهد رمسيس الثانى (سيزوستريس) وجَلَّ إذْ كان من أفضل عهود الحضارة المصرية[1]، وظهرت في صباه دلائل النبوغ.

                                                                __
                                                                [1] قال الأستاذ سليم حسن في موسوعته (مصر القديمة: 6/ ل/ الهيئة المصرية العامة للكتاب): والواقع أن ما لدينا من وثائق يدل دلالة واضحة على أن كل طبقات الشعب في ريف البلاد وصعيدها، مدنها وقراها، كانوا في عيش رغيد. ا.هـ

                                                                تعليق


                                                                • #32

                                                                  62- فَسَمِعْنَا عَنِ الصَّبِىِّ الَّذِي يَعْـــ (م) ـــفُو وَطَبْعُ الصِّبَا الْغَشُومُ الْإِبَاءُ
                                                                  اللغة:

                                                                  (الغشوم): لم تضبط في أي طبعة من طبعات الديوان التي وقفت عليها، والذي يظهر لي أنها صفة لـ (طبع) وليس لـ (الصبا) فتأمله.
                                                                  و(الْغَشْمُ) الظُّلْمُ والغَصْبُ، وَبَابُهُ ضَرَبَ.
                                                                  و(الغَشُوم) الذي يَخْبِطُ الناسَ ويأْخذ كلَّ ما قَدَرَ عليه، والأصل فيه من غشم الحاطب وهو أنْ يحتطب ليلاً فيَقطعُ كلَّ ما قدر عليه بلا نظر ولا فكر.
                                                                  المعنى:

                                                                  ومن الآيات والآلاء التى ظهرت في صباه عفوه وتسامحه مع المذنبين وهذا عجيب لأن من طبع الصبا الغشوم الإباء وعدم المسامحة[1]، ومن المعلوم أن أباه قد أشركه معه في الحكم وهو ما زال صبيا صغيرا لم يتجاوز العاشرة من عمره.

                                                                  63- وَيَرَى النَّاسَ وَالْـمُلُوكَ سَوَاءً وَهَلِ النَّاسُ وَالْـمُلُوكُ سَوَاءُ

                                                                  اللغة:

                                                                  ظاهرة
                                                                  المعنى:

                                                                  ومن الدلائل والآيات التى ظهرت في صباه أنه كان يرى الناسَ والملوكَ سواسيةً؛ لهم الحقُّ أن يعيشوا حياة كريمة، لا أنْ يعيشوا تحت ذل القهر والعبودية وهذا من العجائب أيضا لأن الناس ليسوا كالملوك.


                                                                  [1] حارب رمسيس الثانى الحيثيين في موقعة قادش - وكان عمره خمسة وعشرين عاما - وكانت لهم الغلبة أولا ثم انتصر عليهم رمسيس أخيرا وأوقع بهم خسائر فادحة مما اضطر ملكهم موتللى إلى طلب الصلح مع رمسيس فوافق عليه ولما مات موتللى خلفه أخوه خوتوسيل فرأى من الحكمة أن يحارب مطامع آشور فآثر التحالف مع مصر وعقد معاهدة صلح مع رمسيس وتعد هذه الوثيقة أقدم وثيقة من نوعها في تاريخ الشرق القديم بل في التاريخ الدولى العام.

                                                                  تعليق


                                                                  • #33

                                                                    64- وَأَرَانَا التَّارِيخُ فِرْعَوْنَ يَمْشِي لَمْ يَحُلْ دُونَ بِشْرِهِ كِبْرِيَاءُ
                                                                    اللغة:
                                                                    (لم يَحُلْ): لم يَحْجِزْ، يقال: حَالَ الشَّيْءُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ يَحُولُ (حَوْلًا) وَ (تَحْويلًا) أَيْ حَجَزَ.
                                                                    المعنى:

                                                                    وأرانا التاريخُ أن الفرعون ملك مصر يمشى بوجه غير عابس لم يَحُلِ الكبرياء بينه وبين أن يلقى الناس بالبِشْر وطلاقة الوجه.

                                                                    65- يُولَدُ السَّيِّدُ الْـمُتَوَّجُ غَضًّا طَهَّرَتْهُ فِي مَهْدِهَا النَّعْمَاءُ
                                                                    اللغة:
                                                                    (غَضًّا): طَرِيًّا، يقال: غَضَّ الشَّيْءُ يَغِضُّ مِنْ بَابِ ضَرَبَ فَهُوَ غَضٌّ أَيْ طَرِيٌّ. وَكُلُّ نَاضِرٍ فهو (غَضٌّ) نَحْوُ الشَّبَابِ وَغَيْرُهُ.
                                                                    المعنى:

                                                                    يولد الملك حين يولد غضا نقيا منعما وهذه النعماء تجعله طاهرا غير حاسد ولا حاقد على أحد.

                                                                    تعليق


                                                                    • #34

                                                                      66- لَمْ يُغَيِّرْهُ يَوْمَ مِيلَادِهِ بُؤْسٌ م وَلَا نَالَهُ وَلِيدًا شَقَاءُ

                                                                      اللغة:

                                                                      ظاهرة
                                                                      المعنى:

                                                                      هذا الملك الذى وُلِدَ طاهرًا نقِيًّا لم يصبه بؤسٌ منذ مولده فيغيره، ولا نَالَهُ شَقَاءٌ؛ فلهذا ظل نقِيَّ القلب من أدران الحسد والحقد والبغضاء.

                                                                      67- فَإِذَا مَا المُمَلِّقُونَ تَوَلَّوْهُ م تَوَلَّى طِبَاعَهُ الْخُيَلَاءُ
                                                                      اللغة:

                                                                      (المُمَلِّقُونَ): جمع مُمَلِّقْ، وهو اسم فاعل من مَلَّقَ يُمَلِّقُ تَمْلِيقًا: إذا بالغَ في التودُّدِ والتضرعِ إليه باللسان. والمراد المنافقون والمداهنون من البطانة التي تحيط بالملوك والأمراء.
                                                                      قلت: لم أقف على هذا الحرف في المعاجم مشددا بهذا المعنى، لكن مخففا (مُمْلِق) ومعناه: فقير، وقال ابن شميل: الإملاق: الإفساد، والمُمْلِق: المفسد.ا.هـ لكن ذُكِرَ مشددا كما سبق في (معجم اللغة العربية المعاصرة) فليراجع.
                                                                      المعنى:

                                                                      فإذا كبر هذا الملك والتف حوله أهل المَلَقِ والنفاق جعلوا يشعرونه بعلو مكانه وعظمته وأنه ليس كباقى الناس بل هو أفضل من كل الناس وهكذا حتى يستولى على طبعه الكبر والخيلاء.

                                                                      تعليق


                                                                      • #35

                                                                        68- وَسَرَى فِي فُؤَادِهِ زُخْرُفُ الْقَوْلِ م تَرَاهُ مُسْتَعْذَبًا وَهْوَ دَاءُ

                                                                        اللغة:

                                                                        ظاهرة
                                                                        المعنى:

                                                                        ويسرى في فؤاده زخرفُ القول من هؤلاء المنافقين المملقين كما يسرى الداء في جسد المريض. وترى زخرف القول هذا كلاما مستعذبا حيث يشعر المقولَ له بأنه شخص مختلف عن الآخرين وأنه أفضل منهم، وأنه وأنه...الخ
                                                                        وهذا الكلام المزخرف وإن بدا جميلا مستعذبا لكنه داء يلقي بأمراض العجب والكبر والخيلاء في النفس.


                                                                        69- فَإِذَا أَبْيَضُ الْهَدِيلِ غُرَابٌ وَإِذَا أَبْلَجُ الصَّبَاحِ مَسَاءُ
                                                                        اللغة:

                                                                        (الهَدِيلُ): الذَّكَرُ مِنَ الْحَمَامِ. وَهُوَ أَيْضًا صَوْتُ الْحَمَامِ، يُقَالُ: (هَدَلَ) الْقُمْرِيُّ يَهْدِلُ بِالْكَسْرِ (هَدِيلًا)
                                                                        (الأَبْلَج): الْمُضِيءُ الْمَشْرِقُ يُقَالُ صُبْحٌ أَبْلَجُ بَيِّنُ.
                                                                        المعنى:

                                                                        فينقلب هذا الممدوح من نقاء الفطرة وسلامتها إلى تلطخها بسواد العجب والخيلاء والعلو في الأرض فينقلب الحمام الأبيض الوديع إلى غرابِ بَيْنٍ وينقلب الصباح إلى مساء فتسْوَدُّ النفس مما يغرسه فيها المملقون من أمراض.

                                                                        تعليق


                                                                        • #36

                                                                          70- جَلَّ رَمْسِيسُ فِطْرَةً وَتَعَالَى شِيمَةً أَنْ يَقُودَهُ السُّفَهَاءُ
                                                                          اللغة:

                                                                          (جَلَّ) الشَّيْءُ يَجِلُّ بِالْكَسْرِ عَظُمَ فَهُوَ جَلِيلٌ. وَجَلَالُ اللَّهِ عَظَمَتُهُ
                                                                          (فِطْرَة): فَطَرَ اللَّهُ الْخَلْقَ فَطْرًا مِنْ بَابِ قَتَلَ خَلَقَهُمْ وَالِاسْمُ الْفِطْرَةُ بِالْكَسْرِ
                                                                          (تعالَى): التَّعالِي الارتفاع
                                                                          (الشِّيمَةُ): هِيَ الْغَرِيزَةُ وَالطَّبِيعَةُ وَالْجِبِلَّةُ وَهِيَ الَّتِي خُلِقَ الْإِنْسَانُ عَلَيْهَا وَالْجَمْعُ شِيَمٌ مِثْلُ سِدْرَةٍ وَسِدَرٍ.
                                                                          المعنى:

                                                                          عظُمت فطرة رمسيس الثانى حيث جُبِل على العزة والأنفة من الرذائل وتعالت شيمه وأخلاقه حيث تحلى بمعالى الأمور أن يقوده السفهاء من بطانة الملوك.
                                                                          تنبيه:

                                                                          قوله: (جَلَّ... وَتَعَالَى ...) من الألفاظ التي لا يحسن إطلاقها على غير الله ، وإن كانت في سياق شوقي جائزة لأنه قيدها (جَلَّ فِطْرَةً) (تعالَى شِيمةً).
                                                                          ومثلها جواز الصلاة على آحاد الناس كقوله : "اللهم صَلِّ على آلِ أبي أوفى" لكن قد صار العرف على أن بعض الألفاظ تقتصر على مواطنها فلا يقال مثلا: الإمام الشافعي ، وإن كان جائزا.
                                                                          فالجلال والتعالي ينبغي اقتصارهما على الله .
                                                                          والصلاة والسلام ينبغي اقتصارهما على رسول الله .
                                                                          والترضي الأفضل اقتصاره على الصحابة م.
                                                                          والله أعلم.

                                                                          تعليق


                                                                          • #37

                                                                            71- وَسَمَا لِلْعُلَا فَنَالَ مَكَانًا لَمْ يَنَلْهُ الْأَمْثَالُ وَالنُّظَرَاءُ
                                                                            اللغة:

                                                                            (سَمَا) يَسْمُو سُمُوًّا: عَلَا، وَمِنْهُ يُقَالُ: سَمَتْ هِمَّتُهُ إلَى مَعَالِي الْأُمُورِ إذَا طَلَبَ الْعِزَّ وَالشَّرَفَ.
                                                                            (نَالَ) مِنْ مَطْلُوبِهِ يَنَالُ مِنْ بَابِ تَعِبَ نَيْلًا؛ بَلَغَ مِنْهُ مَقْصُودَهُ، وَيَتَعَدَّى بِالْهَمْزَةِ إلَى اثْنَيْنِ فَيُقَالُ: أَنَلْتُهُ مَطْلُوبَهُ فَنَالَهُ فَالشَّيْءُ مَنِيلٌ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ.
                                                                            (النَّظَرَاء): جمع نظِير وهو الْمِثْلُ الْمُسَاوِي، وَهَذَا نَظِيرُ هَذَا أَيْ مُسَاوِيهِ.
                                                                            المعنى:

                                                                            واجتهد في معالي الأمور حتى صنع حضارة عظيمة لمصر في عهده، فنال مكانا لم ينله أمثاله من الملوك؛ حيث لم يستطيعوا أن يفعلوا كفعله.

                                                                            72- وَجُيُوشٌ يَنْهَضْنَ بِالْأَرْضِ مُلْكًا وَلِوَاءٌ مِنْ تَحْتِهِ الْأَحْيَاءُ
                                                                            اللغة:

                                                                            (نهض بالشيء): قام به.
                                                                            المعنى:

                                                                            ومن الأشياء التى صنعها في سموه للعلا جيوشٌ عظيمة تنهض بالمُلك وتحميه، ولواء من تحته الأحياء ذوو العزة والأنفة وليس الأذلاء الذين هم كالأموات.

                                                                            تعليق


                                                                            • #38

                                                                              73- وَوُجُودٌ يُسَاسُ، وَالْقَوْلُ فِيهِ مَا يَقُولُ الْقُضَاةُ وَالْحُكَمَاءُ
                                                                              اللغة:

                                                                              (سَاسَ) الرَّعِيَّةَ يَسُوسُهَا (سِيَاسَةً) بِالْكَسْرِ؛ دَبَّرَ أَمْرَها وَقَامَ بِهِ.
                                                                              المعنى:

                                                                              وحياة سياسية لا يظلم فيها أحد بل يأخذ كل واحد فيها حقه فمن ظُلِمَ رفع أمره للقضاء ليأخذ حقه من الظالم، والجميع يقفون أمام القضاء سواسية لا فضل لغني على فقير ولا لصاحب جاه على غيره بل الجميع سواسية أمام القضاء، وإذا حَكَم القضاةُ بحكم نَفَذَ حُكمهم ولا يستطيع أحد رَدَّه.
                                                                              والمراد أنه ساس أمر الملك والرعية بالعدل والحكمة.

                                                                              74- وَبِنَاءٌ إِلَى بِنَاءٍ يَوَدُّ الْــــخُلْدُ لَوْ نَالَ عُمْرَهُ والبقاءُ

                                                                              اللغة:

                                                                              ظاهرة.
                                                                              المعنى:

                                                                              ومنها ما شاده من الأبنية الكثيرة العظيمة التى ثبتت على مرِّ السنين، فمن بناء عظيم إلى آخر أعظم منه، وكلها باقية لم يؤثر فيها مرُّ السنين؛ فلهذا يود الخلدُ والبقاءُ أن لو نال عمر هذه المبانى.
                                                                              والمراد المبالغة في وصف هذه الأبنية وأنها من شِدَّةِ إحكام بنائها لم يؤثر فيها مَرُّ الليالي واختلافُ الأعْصُرِ

                                                                              تعليق


                                                                              • #39

                                                                                75- وَعُلُومٌ تُحْيِى الْبِلَادَ وَبِنْتَاهُورُ م فَخْرُ الْبِلَادِ وَالشُّعَرَاءُ

                                                                                اللغة:

                                                                                (بنتاهور): شاعر مصرى قديم وخصه بالذكر قبل ذكر الشعراء لفضيلته عليهم وهو من باب ذكر الخاص قبل العام.

                                                                                المعنى:

                                                                                وكذا علوم تحيى البلاد وتزدهر بها الحضارة وفي هذا الجو ينمو الشعر ويزدهر ويرتفع شأن الشعراء وكان منهم شاعر مصر العظيم بنتاهور.

                                                                                تعليق


                                                                                • #40

                                                                                  76- إِيهِ سِيزُوسْتِرِيسَ مَاذَا يَنَالُ الْـ ـوَصْفُ يَوْمًا أَوْ يَبْلُغُ الْإِطْرَاءُ
                                                                                  اللغة:

                                                                                  (إِيهِ) اسْمُ فِعْلِ الْأَمْرِ وَمَعْنَاهُ طَلَبُ الزِّيَادَةِ مِنْ حَدِيثٍ أَوْ عَمَلٍ، فَإِذَا قُلْت لِغَيْرِك إيهِ بِلَا تَنْوِينٍ فَقَدْ أَمَرْته أَنْ يَزِيدَك مِنْ الْحَدِيثِ الَّذِي بَيْنَكُمَا الْمَعْهُودِ وَإِنْ وَصَلْته بِكَلَامٍ آخَرَ نَوَّنْته وَقَدْ أَمَرْته أَنْ يَزِيدَك حَدِيثًا مَا لِأَنَّ التَّنْوِينَ تَنْكِيرٌ. وَإِذَا سَكَّتَّهُ وَكَفَفْتَهُ قُلْتَ (إِيهًا) عَنَّا.
                                                                                  المعنى:

                                                                                  لقد بلغت مبلغا عظيما في العلا يا سيزوستريس (رمسيس) بحيث أن الوصف لا يستطيع أن يصل إلى ما فعلته فيصفه، بل ويقصر عنه الثناء.

                                                                                  تعليق


                                                                                  • #41

                                                                                    77- كَبُرَتْ ذاتُكَ العَلِيَّةُ أنْ تُحْـ ـصِي ثناها الألقابُ والأسماءُ

                                                                                    اللغة:
                                                                                    ظاهرة

                                                                                    المعنى:

                                                                                    كما أن صفاتك يقصر عنها الثناء فكذا ذاتُك ذاتٌ عَلِيَّةٌ تقصر الألقاب والأسماء عن أن تُحصى الثناء عليها



                                                                                    78- لَكَ آمُونُ وَالْهِلَالُ إِذَا يَكْـ ـبُرُ وَالشَّمْسُ وَالضُّحَى آبَاءُ
                                                                                    اللغة:
                                                                                    (آمون): معناه " الباطن، أوالخفي، أو المحتجب، أو السر، أو الغيب" ورمزوا إليه برجل جالس على عرش وعلى رأسه ريشتان طويلتان لونهما أخضر وأحمر استقامتا فوق تاج يكون عليه أحياناً قرص الشمس وجسده ملون في الغالب بلون لازوردي وأسموه "ملك الآلهة".
                                                                                    المعنى:
                                                                                    أى ومما زادك رفعة أنك ابن الآلهة (أستغفر الله العظيم ولا إله إلا الله محمد رسول الله) وهذا أن القدماء كانوا يعتقدون أن الملوك أبناء الآلهة.

                                                                                    79- وَلَكَ الرِّيفُ وَالصَّعِيدُ وَتَاجَا مِصْرَ وَالْعَرْشَ عَالِيًا وَالرِّدَاءُ
                                                                                    اللغة:
                                                                                    ظاهرة
                                                                                    المعنى:
                                                                                    ومن مفاخرك أن لك السلطان والدولةَ في الريف والصعيد وتاجا مصر يعني مصر العليا (الصعيد) ومصر السفلى (الوجه البحرى) وعرش مصر ورداء المُلك.

                                                                                    80- وَلَكَ الْمُنْشآتُ فِي كُلِّ بَحْرٍ وَلَكَ الْبَرُّ أَرْضُهُ وَالسَّمَاءُ
                                                                                    اللغة:
                                                                                    (المُنْشآت): أي السفن ويجوز قراءتها بكسر الشين (المُنْشِآت) بمعنى: الظاهرات السير اللاتي يقبلن ويدبرن. ويجوز قراءتها (المُنْشَآتُ )، بفتح الشين، بمعنى المرفوعات القلاع اللاتي تقبل بهنّ وتدبر.
                                                                                    المعنى:
                                                                                    ومن مفاخرك أن لك أسطولا بحريا وسفنا في كل بحر ولك الغلبة على البر أرضه وسمائه.


                                                                                    وفي الحقيقة لقد أساء شوقي -غفر الله له- في هذه الفقرة إساءات بالغة بمحاولته المبالغة في الثناء على قدماء المصريين ومعبوداتهم! بهذه الطريقة، وأنا أنبه إلى هذا أحيانا وليس في كل موضع.

                                                                                    تعليق


                                                                                    • #42

                                                                                      81- لَيْتَ لَمْ يُبْلِكَ الزَّمَانُ وَلَمْ يَبْــــــ ـــــلَ لِمُلْكِ الْبِلَادِ فِيكَ رَجَاءُ
                                                                                      اللغة:
                                                                                      (يُبْلِكَ): (بَلِيَ) الثَّوْبُ (يَبْلَى) مِنْ بَابِ تَعِبَ (بِلًى) بِالْكَسْرِ وَالْقَصْرِ وَ(بَلَاءً) بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ: خَلُقَ فَهُوَ بَالٍ، وَ(بَلِيَ الْمَيِّتُ): أَفْنَتْهُ الْأَرْضُ.
                                                                                      المعنى:
                                                                                      كنت أتمنى أن الزمان تركك ولم يُبلك؛ حتى تنشر العدل بين الرعية، وكنت أتمنى ألا ينقطع الرجاء في أن تَملك البلادَ أو أن يملكها من هو كريم الصفات مثلك.

                                                                                      82- هَكَذَا الدَّهْرُ: حَالَةٌ ثُمَّ ضِدٌّ مَا لِحَالٍ مَعَ الزَّمَانِ بَقَاءُ
                                                                                      اللغة:
                                                                                      ظاهرة
                                                                                      المعنى:
                                                                                      ولكن ما سبق لا يعدو أن يكون أمنية فالدهر لا يبقى على حال واحدة بل الدهر هكذا حالة تستمر حينا من الدهر ثم تنقلب إلى ضدها فما لحال مع الزمان بقاء.

                                                                                      تعليق


                                                                                      • #43

                                                                                        83- لَا رَعَاكَ التَّارِيخُ يَا يَوْمَ قَمْبِيـــــــ ـــــــزَ وَلَا طَنْطَنَتْ بِكَ الْأَنْبَاءُ
                                                                                        اللغة:
                                                                                        (قمبيز): أحد ملوك الفرس استولى على مصر سنة 525 ق.م. وسلك في المصريين مسلك العنف والظلم وخرب المعابد والهياكل، ويوم قمبيز هو الذى انتصرت فيه جيوشه على جيوش أبسمتيك آخر ملوك الأسرة السادسة والعشرين في الفرما ومَنْف، وأخذ الملك فيه أسيرا
                                                                                        المعنى:
                                                                                        يدعو على هذا اليوم؛ يوم قمبيز الذى استولى فيه قمبيز قائد الفرس على مصر وأذاق أهلها صنوف العذاب بأن لا يرعاه التاريخ ولا تذكره الأنباء فيُنسَى.

                                                                                        تعليق


                                                                                        • #44

                                                                                          84- دَارَتِ الدَّائِرَاتُ فِيكَ وَنَالَتْ هَذِهِ الْأُمَّةَ الْيَدُ الْعَسْرَاءُ
                                                                                          اللغة:
                                                                                          (دَارَتْ عَلَيْهِ الدَّوَائِرُ): أي نَزَلَت به المصائب والدَّواهِي. ومنه قولُه تَعالَى: وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ [التوبة: 98]،
                                                                                          والدائرة: المصيبة والداهية والهزيمة، قال : فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ [المائدة: 52].
                                                                                          (الْيَدُ الْعَسْرَاءُ): يُقَال: رَجُلٌ أَعْسَرُ، وامرأَةٌ عَسْراءُ، إِذا كانَتْ قُوَّتُهُما فِي أَشْمُلِهِما، ويَعْمَلُ كلُّ وَاحِد مِنْهُمَا بشِمَالِه مَا يَعْمَلُه غيرُه بيَمِينِه. وَفِي حديثِ رافِعِ بنِ سالِم، وَفينَا قَوْمٌ عُسْرَانٌ يَنْزِعُون نَزْعاً شَدِيداً: وَهُوَ جمعُ أَعْسَرَ: الَّذِي يَعْمَل بيَده اليسْرَى، كأَسْوَدَ وسُودانٍ. يُقَال: لَيْسَ شئٌ أَشَدَّ رَمْياً من الأَعْسَرِ. والعُسْرُ: ضِدُّ اليُسْرِ وَهُوَ الضِّيقُ والشِّدَّةُ والصُّعُوبَةُ، ويَومٌ عَسِرٌ وعَسِيرٌ وأَعْسَرُ: شَدِيدٌ ذُو عُسْرٍ. قَالَ الله تَعالَى فِي صِفَة يَوْم القِيَامة: فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ [المدثر: 9، 10]. أَو يَوْمٌ أَعْسَر: شُؤْمٌ.
                                                                                          المعنى:

                                                                                          يذكر هنا السبب الذي من أجله دعا على يوم قمبيز، وذلك أنه اليوم الذي دارت فيه الدائرة على المصريين فانهزموا، وأصابتهم الخيبة والذلة والمهانة في هذا اليوم وما بعده، فكأنما رَمَى هذه الأمَّةَ (أمَّة المصريين) في هذا اليوم (يوم قمبيز) رَامٍ أعسرُ شديدُ الرَّمْيِ فأصابهم وأهلكهم.

                                                                                          85- فَبِمِصْرٍ مِمَّا جَنَيْتَ لِمِصْرٍ أَىُّ دَاءٍ، مَا إِنْ إِلَيْهِ دَوَاءُ

                                                                                          اللغة:
                                                                                          (مَا): نافية بمعنى ليس،
                                                                                          و(إِنْ): زائدة
                                                                                          المعنى:

                                                                                          فبمصر داء عظيم مما جنيته على مصر وهو داء ليس له دواء

                                                                                          تعليق


                                                                                          • #45

                                                                                            86- نَكَدٌ خَالِدٌ وَبُؤْسٌ مُقِيمٌ وَشَقَاءٌ يَجِدُّ مِنْهُ شَقَاءُ

                                                                                            اللغة:
                                                                                            (نَكَدٌ): نَكِدَ نَكَدًا مِنْ بَابِ تَعِبَ فَهُوَ نَكِدٌ؛ تَعَسَّرَ. وَنَكِدَ الْعَيْشُ نَكَدًا اشْتَدَّ.
                                                                                            (خَالِدٌ): مقيم، يقال: خَلَدَ بِالْمَكَانِ خُلُودًا مِنْ بَابِ قَعَدَ؛ أَقَامَ.
                                                                                            (الْبُؤْسُ): بِالضَّمِّ وَسُكُونِ الْهَمْزَةِ الضُّرُّ وَيَجُوزُ التَّخْفِيفُ[1]، وَيُقَالُ بَئِسَ بِالْكَسْرِ إذَا نَزَلَ بِهِ الضُّرُّ.
                                                                                            (الشَّقَاءُ): ضد السعادة، شَقِيَ يَشْقَى شَقَاءً ضِدُّ سَعِدَ فَهُوَ شَقِيٌّ وَالشِّقْوَةُ بِالْكَسْرِ وَالشَّقَاوَةُ بِالْفَتْحِ اسْمٌ مِنْهُ وَأَشْقَاهُ اللَّهُ بِالْأَلِفِ.
                                                                                            (يَجِدُّ): جَدَّ الشَّيْءُ يَجِدُ بِالْكَسْرِ جِدَّةً فَهُوَ جَدِيدٌ وَهُوَ خِلَافُ الْقَدِيمِ.
                                                                                            المعنى:

                                                                                            هذا تفصيل للذي جناه يوم قمبيز بمصر، يقول: إن مما جنيته لمصر؛ نكد دائم، وبؤس مقيم ثابت، وشقاء متجدد.

                                                                                            87- يَوْمُ مَنْفِيسَ وَالْبِلَادُ لِكِسْرَى وَالْمُلُوكُ الْمُطَاعَةُ الْأَعْدَاءُ

                                                                                            اللغة:

                                                                                            (مَنْفِيسُ): هى مدينة منف وكانت العاصمة القديمة لمصر واستمرت عاصمة لمصر من الأسرة الأولى إلى الأسرة الثامنة عشر، وهي الآن تقع بالقرب من منطقة سقارة على بُعْدِ 20 كيلو مترا جنوب القاهرة على الضفة الغربية لنهر النيل. والقرى التي تمثلها الآن هي ميت رهينة ودهشور وأبو صير، وهي قرى تابعة لمركز البدرشين بالجيزة. وقد أطلق عليها المصريون (من نفر) ثم حرف هذا الاسم الإغريق إلى (ممفيس)، ثم أطلق عليها العرب (مَنْفَ)، ويقال لها أيضا: (الجدار الأبيض).
                                                                                            (كِسْرَى): مَلِكُ الْفُرْسِ قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: بِكَسْرِ الْكَافِ لَا غَيْرُ. وَقَالَ ابْنُ السَّرَّاجِ كَمَا رَوَاهُ عَنْهُ الْفَارِسِيُّ وَاخْتَارَهُ ثَعْلَبٌ وَجَمَاعَةٌ: الْكَسْرُ أَفْصَحُ. والمراد بكسرى هنا: قمبيز.
                                                                                            (الملوك) مبتدأ، و(الأعداء) خبر
                                                                                            المعنى:

                                                                                            ومن الشقاء والبؤس الذى حل بمصر، يومُ منفيس وكان كسرى وهو قمبيز مستوليا على مصر وكانت الملوك المطاعة هم الأعداء. وسيذكر تفصيلا وتمثيلا لذلك فيما يأتي.


                                                                                            (1) أي الْبُوسُ

                                                                                            تعليق


                                                                                            • #46

                                                                                              88- يَأْمُرُ السَّيْفُ فِي الْبِلَادِ وَيَنْهَى وَلِمِصْرٍ عَلَى الْقَذَى إِغْضَاءُ
                                                                                              اللغة:

                                                                                              (القَذَى): قَذِيَتْ الْعَيْنُ قَذًى مِنْ بَابِ تَعِبَ: صَارَ فِيهَا الْوَسَخُ. وَ(أَقْذَيْتُهَا) بِالْأَلِفِ: أَلْقَيْتُ فِيهَا الْقَذَى وَ(قَذَّيْتُهَا) بِالتَّثْقِيلِ: أَخْرَجْتُهُ مِنْهَا. وَ(قَذَتْ) قَذْيًا مِنْ بَابِ رَمَى: أَلْقَتِ الْقَذَى.

                                                                                              (إغضاء):
                                                                                              أَغْضَى الرَّجُلُ عَيْنَهُ بِالْأَلِفِ: قَارَبَ بَيْنَ جَفْنَيْهَا، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي الْحِلْمِ فَقِيلَ: أَغْضَى عَلَى الْقَذَى إذَا أَمْسَكَ عَفْوًا عَنْهُ.

                                                                                              المعنى:

                                                                                              في هذا اليوم كان السيف هو الذى يأمر وينهى في البلاد، يريد أن كسرى (قمبيز) صارت له الولاية المطلقة والسلطان التام في هذا اليوم فاستعْمَلَ سياسة العسف والقهر فيهم، وقد أغضت مصر على هذا القذى والإيذاء.
                                                                                              والظاهر أن الإغضاء هنا ليس عفوا بل قهرا، لكن يمكن أن يقال: إن الإغضاء هنا وقع عفوا أيضا لا قهرا لِمَا سيذكرُهُ بَعْدُ من ثورة المصريين على المحتل الغاشم، فتأمل.

                                                                                              89- جِيءَ بِالْمَالِكِ الْعَزِيزِ ذَلِيلًا لَمْ تُزَلْزِلْ فُؤَادَهُ الْبَأْسَاءُ
                                                                                              اللغة:

                                                                                              (البأساء): الشدة
                                                                                              المعنى:

                                                                                              شرعَ شوقي هنا يذكر قصة من خياله –غير حقيقية- ليدل على مبلغ الشدة والذلة والهوان الذي أصاب المصريين في هذا اليوم، وقد بحثت عن هذه القصة في كتب تواريخ الفراعنة فلم أجدها، ولم أُكْثِرِ البحث للتحقق عنها لقلة فائدة ذلك، على أن سياقها يدل على أنها موضوعة كما سيأتي، والله أعلم.
                                                                                              يقول: أُخِذَ الملكُ الذى كان عزيزا فأذيق صنوف الذل ولكنه كان قويا ثابتا لم تزلزل هذه الشدة فؤادَه.
                                                                                              وسيبين هذه الشدة والبأساء فيما سيأتي.

                                                                                              تعليق


                                                                                              • #47

                                                                                                90- يُبْصِرُ الْآلَ إِذْ يُرَاحُ بِهِمْ فِي مَوْقِفِ الذُّلِّ عَنْوَةً وَيُجَاءُ
                                                                                                اللغة:

                                                                                                (الْآلُ): أَهْلُ الشَّخْصِ وَهُمْ ذَوُو قَرَابَتِهِ، وَقَدْ أُطْلِقَ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَعَلَى الْأَتْبَاعِ.
                                                                                                قَالَ الْبَطَلْيُوسِيُّ فِي كِتَابِ الِاقْتِضَابِ: ذَهَبَ الْكِسَائِيُّ إلَى مَنْعِ إضَافَةِ (آلِ) إلَى الْمُضْمَرِ فَلَا يُقَالُ: آلُهُ، بَلْ أَهْلُهُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ، وَتَبِعَهُ النَّحَّاسُ وَالزُّبَيْدِيُّ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ إذْ لَا قِيَاسَ يَعْضُدُهُ وَلَا سَمَاعَ يُؤَيِّدُهُ.
                                                                                                قَالَ بَعْضُهُمْ أَصْلُ الْآلِ أَهْلٌ لَكِنْ دَخَلَهُ الْإِبْدَالُ وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِعَوْدِ الْهَاءِ فِي التَّصْغِيرِ فَيُقَالُ أُهَيْلٌ.

                                                                                                (عنوة):
                                                                                                أي قَسْرًا

                                                                                                المعنى:

                                                                                                ورأى الفرعون الأسيرُ أهلَه يُهانون وهو لا يستطيع نصرهم

                                                                                                تعليق


                                                                                                • #48

                                                                                                  91- بِنْتُ فِرْعَوْنَ فِي السَّلَاسِلِ تَمْشِي أَزْعَجَ الدَّهْرَ عُرْيُهَا وَالْحَفَاءُ

                                                                                                  اللغة

                                                                                                  (زَعَجَه): كمَنَعَه: أَقْلَقَه وقَلَعَهُ من مَكَانهُ، (كأَزْعَجَه)، رباعيًّا، (فانْزَعَجَ). وَفِي (اللِّسَان) : الإِزْعاجُ نقيضُ الإِقرارِ، تَقول: أَزْعَجْتُه من بِلادِه فشَخَصَ. قَالَ ابْنُ دُريد: يُقَال: زَعَجه وأَزْعَجَه: إِذا أَقْلَقه. وَفِي حَدِيث أَنَس: (رأَيتُ عُمَرَ يُزْعِج أَبا بكرٍ إِزْعَاجاً يومَ السَّقِيفَةِ) ، أَي يُقِيمُه وَلَا يَدَعُه يَستَقرُّ حتّى بَايَعَه.

                                                                                                  (العُرْيُ):
                                                                                                  بالضَّمِّ: خِلافُ اللُّبْسِ. عَرِيَ الرَّجُلُ من ثِيابِهِ، كرَضِيَ، عُرْياً وعُرْيَةً، بضمِّهِما. وَفِي الصِّحاحِ: عُرِّياً، بضمَ فكسْرٍ مَعَ تَشْديدٍ، وبكسْرِ العَيْن أَيْضا هَكَذَا ضُبِطَ فِي النسخِ؛ و رجُلٌ عارٍ، الجمع عُرَاةٌ؛ وَهِي بهاءٍ؛ يقالُ: امرأَةٌ عُرْيانَةٌ وعارِيَةٌ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وَمَا كانَ على فُعْلانٍ فمؤَنَّثُه بالهاءِ.

                                                                                                  (الحَفَاء):
                                                                                                  بفتْحِ الحاءِ، قالَ ابنُ برِّي: كذلِكَ ذَكَرَه ابنُ السِّكِّيت وغيرُهُ، وَهُوَ الَّذِي لَا شَيْء فِي رِجْلِه من خُفٍّ وَلَا نَعْلٍ، فأمَّا الَّذِي رقَّتْ قَدَماهُ من كَثْرةِ المَشْي فإنَّه حافٍ بَيِّنُ الحَفَا. والحَفَا مقصور؛ المَشْيُ بغيرِ خُفَ وَلَا نَعْلٍ. قالَ الجوهرِيُّ: أمَّا الَّذِي حَفِيَ مِن كثْرَةِ المَشْي أَي رقَّتْ قَدَمُه أَو حافِرُه فإنَّه بَيِّنُ الحَفَا، مَقْصورٌ، وَالَّذِي يَمْشِي بِلا خُفَ وَلَا نَعْلٍ حافٍ بَيِّنُ الحَفاءِ، بالمدِّ. وقاَل الزجَّاجُ: الحَفا، مَقْصورٌ، أَن يكثُرَ عَلَيْهِ المَشْيُ حَتَّى يُؤْلِمَهُ، قالَ: والحَفاءُ مَمْدودٌ، أَن يَمْشِيَ الرجُلُ بغيرِ نَعْلٍ حافٍ بَيِّنُ الحَفا، وَحَفٍ بَين الحفا مَقْصورٌ، إِذا رَقَّ حافِرُه.

                                                                                                  المعنى

                                                                                                  ومن هذا الذل أن السلاسل وضعت في رجلَيْ بنتِ فرعون بحيث صارت تمشي في السلاسل والقيود وهو مما أزعج الدهر حيث صارت بعد العزة والنعيم إلى العُرْيِ والحفاء والسلاسل والقيود.



                                                                                                  92- فَكَأَنْ لَمْ يَنْهَضْ بِهَوْدَجِهَا الدَّهْـــــ ــــرُ وَلَا سَارَ خَلْفَهَا الْأُمَرَاءُ

                                                                                                  اللغة

                                                                                                  (الهَوْدَجُ): مركبٌ للنساءِ مُقَبَّبٌ وَغَيْرُ مُقَبَّب، وَفِي الْمُحْكَمِ: يُصْنَعُ مِنَ العِصِيِّ ثُمَّ يُجْعَلُ فَوْقَهُ الْخَشَبُ فيُقَبَّبُ. ويجمع: الهَوادِج.

                                                                                                  المعنى

                                                                                                  فكأن الدهر لم ينهض بهودجها يعني أنه من النعيم الذى كانت فيه كان كل مَنْ في الدهر كأنه خدم لها فإذا ركبت هودجها كانوا تحت هودجها ينهضون به، وكأن الأمراء لم يكونوا يسيرون خلفها يبتغون رضاها.

                                                                                                  تعليق


                                                                                                  • #49

                                                                                                    93- وَأَبُوهَا الْعَظِيمُ يَنْظُرُ لَمَّا رُدِّيَتْ مِثْلَمَا تُرَدَّى الْإِمَاءُ

                                                                                                    اللغة

                                                                                                    (ردّاها): ألبسها الرداء و(تَرَدَّى) أصلها تتردى أى تلبس الرداء
                                                                                                    المعنى

                                                                                                    ومن الذلة والمهانة في هذا اليوم أنهم ألبسوا ابنة فرعون رداءً مثل رداء الجوارى وأبوها الفرعون العظيم ينظر إليها وهى في ثياب الذلة.


                                                                                                    94- أُعْطِيَتْ جَرَّةً وَقِيلَ إِلَيْكِ النْــنَهْرَ قُومِي كَمَا تَقُومُ النِّسَاءُ
                                                                                                    اللغة
                                                                                                    (الْجَرَّةُ) بِالْفَتْحِ: إنَاءٌ مَعْرُوفٌ، وَالْجَمْعُ جِرَارٌ مِثْلُ: كَلْبَةٍ وَكِلَابٍ، وَجَرَّاتٌ، وَجَرٌّ أَيْضًا، مِثْلُ: تَمْرَةٍ وَتَمْرٍ. وَبَعْضُهُمْ يَجْعَلُ الْجَرَّ لُغَةً فِي الْجَرَّةِ.
                                                                                                    المعنى

                                                                                                    وإمعانا في الذلة أعطوا ابنةَ فرعونَ جرةَ ماءٍ وقالوا لها: اذهبى إلى النهر فاملئيها واحمليها على رأسك كما تفعل نساء العامة من الرعية.

                                                                                                    تعليق


                                                                                                    • #50

                                                                                                      95- فَمَشَتْ تُظْهِرُ الْإِبَاءَ وَتَحْمِي الدَّمْــــعَ أَنْ تَسْتَرِقَّهُ الضَّرَّاءُ
                                                                                                      اللغة:

                                                                                                      (استرقه): مَلَكَهُ
                                                                                                      (الضراء): الشدة
                                                                                                      المعنى:

                                                                                                      فأخذت الجرة ومشت تظهر التجلد للشامتين والإباء على الذل وتخفي الدمع أن تُظهره الشدة والضراء التي هى فيها.

                                                                                                      96- وَالْأَعَادِي شَوَاخِصٌ وَأَبُوهَا بِيَدِ الْخَطْبِ صَخْرَةٌ صَمَّاءُ
                                                                                                      اللغة:

                                                                                                      (شواخص): جمع شاخص وهو الناظر بحيث لا تطرف عيناه
                                                                                                      المعنى:

                                                                                                      وكان الأعادى يُحِدُّون النظر إليها وإلى أبيها ولا يطرف لهم جفن مخافة أن يفوتَهم ظهورُ تأَثُـرٍ على الفرعون أو ابنته ربما أخْفَيَاهُ سريعا، أو دمعةٌ تسبق من عين أحدهما فلا يرونها، ولكن كانت هي تظهر الإباء وكان أبوها في هذا الخطب العظيم يظهر تجلدا عظيما وكان كالصخرة الصماء التى لا تتأثر بشيء.

                                                                                                      تعليق

                                                                                                      20,040
                                                                                                      الاعــضـــاء
                                                                                                      238,110
                                                                                                      الـمــواضـيــع
                                                                                                      42,822
                                                                                                      الــمــشـــاركـــات
                                                                                                      يعمل...
                                                                                                      X