• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • عقلانية رأس الفتيكان وسماحته.. قراءة في التاريخ والجذور

      عقلانية رأس الفتيكان وسماحته... قراءة في الجذور والتاريخ!!!

      لم تكن تصريحات رئيس الفتكان الصليبية تفاجئني، وشعرت عندما سمعت بها كأني أسمع صوت ترجيع بقرة أكلت طعاماً يابساً من القرن الرابع عشر الميلادي، ثم علك في القرن التاسع عشر الميلادي ثم أرجع إلى الفم ليعاد هضمه في القرن الواحد والعشرين الميلادي، ولكن نظراً لمرور القرون عليه يبس فحصل منه صوت الهضم المزعج للآمنين.
      الغريب الذي أدهشني هو أن رأس النصارى يتكلم عن العقل والسماحة والأمن، ولا يستحي من تاريخ قومه الدموي وتاريخ دينه المحرف، فكم من جريمة ارتكبت بمباركة "الرب" بزعمهم، منها ما كان ضد بعضهم، وكانه بمزاعمه هذه يريد التستر على هذا التاريخ الأسود، وإسقاط عيوبه ونقصه على غيره في تصريحات استباقية.
      فهل ينسى المسيحيون ما قام به الكاثوليك في عهد الإمبراطور دقلديانوس، الذي تولى الحكم عام 248م, ففي عهده تم تعذيب الأرثوذكس في مصر، حيث ألقوا في النار وهم أحياء، كما تم رمي جثثهم للغربان لتأكلها, وقد قدر عدد الذين قتلوا في عهده بحوالي مليون مسيحي, كما تم فرض الضرائب الباهظة عليهم, مما جعل الكنيسة القبطية في مصر تعتبر ذلك العهد عهد الشهداء وبه أرخوا التقويم القبطي تذكيرا بالتطرف المسيحي (1) .
      أين النصارى من مذبحة باريس بتاريخ 24-8-1572م، والتي قام بها الكاثوليك ضد البروتستانت، وذهب ضحيتها عشرات الألوف حتى امتلأت شوارع باريس بالدماء.
      ودعونا من جرائم الصليبية ضد بعضهم، ولنتكلم بعناوين عن أهم جرائمهم وإرهابهم ضد المسلمين، فهل ينسى النصارى أن محكمة الكنيسة عام 1052م هددت بطرد المسلمين من أشبيلية إذا لم يقبلوا بالديانة المسيحية، ومن خالف ذلك يقتل.
      وهل يذكرون أنواع التعذيب والقتل الذي كان يمارس على المسلمين بقرار محاكم التفتيش التي أنشأت عام 1481م، وخلال أعوام قتل أكثر من 340 ألف، وهناك ألوف تم حرقهم وهم أحياء من أجل تنصيرهم وإبادتهم وممارسة التطهير العرقي (2).
      يقول وليم جايس: (إن العالم لم يعرف الاضطهاد الديني قبل ظهور الأديان الموحدة, لقد كانت المسيحية في الواقع أول مذهب ديني في العالم يدعو للتعصب وإفناء الخصوم).
      ثم ما تزال رائحة دماء المسلمين تفوح من الحروب الضليبية، عبر التاريخ إلى الآن، وهي أول وأكبر جريمة إرهابية عبر التاريخ الإنساني، فبالسلاح الأبيض قتل في يوم واحد عشرات الآلاف من النساء والأطفال والرجال والعلماء، وسالت الدماء وارتفع مستواها كأنك تخوض نهراً طافياً.
      وعندما تهيأ جيش الغزو الإيطالي الصليبي لغزو ليبيا، كان شعاره الصليب، وكان بابا الفاتكان بلباسه الكهنوتي يقف بإجلال أمام الجيش، ثم يقبل الصليب ويبدأ الجنود بالإنشاد، قائلين: أماه لا تحزني .... أماه لا تقلقي .... أنا ذاهب إلى طرابلس .... فرحا مسرورا .... لأبذل دمي في سبيل سحق الأمة الملعونة ....ولأحارب الديانة الإسلامية .... سأقاتل بكل قوتي لمحو القرآن.
      وذكرت منظمات حقوق الإنسان الدولية والإقليمية حرب الإبادة التي تعرض لها المسلمون في البوسنة والهرسك وكوسوفو، حيث ذكرت تلك التقارير: اغتصاب أكثر من 50 ألف مسلمة، تم زرع نطف الكلاب في أرحام المسلمات. تدمير 614 مسجدا بالكامل. تدمير 534 مسجد تدميرا جزئيت. تدمير مئات المدارس الإسلامية. ولا يمكن نسيان المجازر الجماعية مثل سربنيتشا وغيرها، والتي تمت تحت مرأى ومسمع هيئة الأمم المتحدة وقواتها ومنظمات حقوق الإنسان وكذلك المسلمين.
      ثم نأتي على الحروب التي قام بها النصارى في أندنوسيا التي لم يرحموا فيها طفلاً رضيعاً وأماً ضعيفة وعجوزاً جائعاً أو طالباً في مدرسته، فكثير من المسلمين يجهلون هذه الأعمال الإرهابية الإجرامية التي حصلت وخاصة منها ما بين عام 1998 وعام 2000، بسبب التعتيم الإعلامي ومساندة الدول الكبرى للنصارى، ولكن الحقائق لا بد أن تظهر، فقد أحرقت مدارس دينية تعلم القرآن والفقه واللغة العربية، وأبيد طلابها وأساتذتها عن بكرة أبيهم، وقطعت رؤوسهم ووضعت فوق رماح طويلة ورقص النصارى بها، أما بعض الأساتذة المدرسين فقد نشروا بالمنشار ما بين أقدامهم إلى رؤوسهم ، ومنهم من مثل به وبقرت بطنه وأخرج قلبه وكبده بالأيدي وأكل، نعم ولك أن لا تصدق ولكن عندما تظهر الحقيقة في المستقبل ستصدق.
      ثم حرب بوش الصغير الصليبية في القرن الواحد والعشرين، وأنتم تعلمون ما يحصل للمسلمين مما لا حاجة لشرحه.
      فقد عرضت القناة الأولى الألمانية تقريرا في برنامجها الأسبوعي بانوراما بتاريخ 24-6-2004، والذي أعده جون جوتس وفولكر شتاينيهوف, عن دور بعض الطوائف التنصيرية في العراق، جاء فيه: سيكون العراق مركز الانطلاق للحرب المقدسة.
      نقلت وكالة الأسو شيتد برس يوم 12-4-2004 من خطبة لقسيس في الجيش الأمريكي، ألقاها في يوم الفصح في مدينة الفلوجة العراقية: نحن لسنا في مهمة سهلة، لقد أخبرنا الرب بأنه معنا على طول الطريق, ولسنا خائفين من الموت، لأن السيد المسيح سيعطينا حياة أبدية. هذه جوانب من تاريخ الصليبية السمحة والمسالمة التي يتكلم عنها رأس الفتيكان، الذي يدين العنف باسم الدين!!! .
      أما عن عقلانيته وبالأخص عقلانية عقيدته، فهذا المضحك، يقول أن إرادة الله في عقيدة المسلمين لاتوافق العقل، إذن فحاكموا هذا النص الإنجيلي للعقل مع المقارنة، ففي (مرقس10:27) : (الله قادر على كل شيء فيما عدا ما يناقض جلاله وكماله) ثم يقول: ( لأن كل شيء مستطاع عند الله) وفي (سفر القضاة1: 19) قال: (وكان الرب مع يهوذا فملك الجبل ولكن لم يطرد سكان الوادي لأن لهم مركبات حديد) والمعنى أن الله في معية يهوذا انتصر على الأعداء فوق الجبال ولكنهما لم يستطيعا الانتصار على الأعداء بالوادي لمجرد أن الأعداء بالوادي كانوا يمتلكون مركبات حديد.
      واقرأ هذا النص الذي يوضح مكانة المرأة في الإنجيل وحاكمه للعقل أيضاً، ففي (اللاويين12: 1ـ 5) : (وإن ولدت أنثى تكون نجسة أسبوعين كما في طمثها ثم تقيم ستة وستين يوماً في دم تطهيرها). فالحمد لله على نعمة الإسلام الذي حمانا من هكذا جهالات فأين المرأة عندنا منهم.
      واقرأ محاكماً العقل دون أن تضحك ما في (رؤيا يوحنا اللاهوتي 13: 1 ـ 2) : (ثم وقفت على رمل البحر فرأيت وحشاً طالعاً من البحر له سبعة رؤوس وعشرة قرون وعلى قرونه عشرة تيجان كقوائم دب وفمه كفم أسد وأعطاه التنين قدرته وعرشه وسلطاناً عظيماً) ، ولكن إياك أن تظن بأنك تقرأ قصة خيالية صينية أو من قصص سندباد، بل أنت تقرأ الكتاب المقدس الذي كون عقل رأس الفتيكان وحاشيته.
      أما احترامهم للأنبياء فاقرأ إلى دينهم الذي يؤسس ثقافتهم وتكون أخلاقياتهم، ففي (سفر الملوك الأول 1:1 ـ 3 ) قال: (وشاخ الملك داوود... وكانوا يدثرونه بالثياب فلم يدفأ، فقال له عبيده : ليفتشوا لسيدنا الملك عن فتاة عذراء، فلتقف أمام الملك، ولتكن له حاضنة، ولتضطجع في حضنك فيدفأ سيدنا الملك، ففتشوا عن فتاة جميلة في جميع تخوم إسرائيل فوجدوا أبشيج الشونمية فجاؤا بها إلى الملك.. ) والتتمة يستحي المرء من ذكرها، ولا تنسوا أيضاً ما كتب في (سفر التكوين19: 33) عن قول الإنجيل في ابنتي لوط : ( فسقتا أباهما خمراً في تلك الليلة ودخلت البكر واضطجعت مع أبيها.. )، نسأل الله العفو والعافية؛ ولذلك فإن زنا المحارم في أوربا وأمريكا له أصله عندهم، فلا غرابة من الشذوذ الجنسي عند أساقفتهم وبطاركتهم التي ملأت آذاننا نتناً حتى قام رأس الفتكان السابق يوحنا بالاعتذار رسمياً عن جرائم تلامذته الجنسية في استراليا؛ وهذه الثقافة هي التي يصدرونها للعالم المتخلف بزعمهم لأنها ثقافة البلاد الحرة والعقلانية، والبلاد المحبة للسلام.
      وإذا كان وصفهم لأنبيائهم هكذا فلا غرابة في تهجمهم على خاتم الأنبياء وأشرف المرسلين سيدنا محمد صلى الله وسلم عليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وآلهم وصحبهم!!.
      ولعلكم قرأتم بعض ما كتبه المستشرقون والعلمانيون عن قتل المرتد في الإسلام واعتبارهم لها جريمة مخالفة لحرية العقيدة والتعبير عن الرأي، مع أن قتل المرتد له شروط وأحكام مضبوطة، ولكن ما رأيكم بحرية العقيدة والرأي في التوراة وهي العهد القديم عند النصارى، ففي (سفر التثنية 13: 6 ـ 11) يقول: (وإذا أغواك سراً أخوك ابن أمك، أو ابنك أو امرأة حضنك أو صاحبك الذي مثل نفسك قائلاً نذهب ونعبد آلهة أخرى لم تعرفها أنت ولا آباؤك من آلهة الشعوب الذين حولك القريبين منك أو البعيدين عنك من أقصى الأرض إلى أقصاها فلا ترض منه ولا تسمع له ولا تشفق عينك عليه ولا ترق له ولا تستره، بل قتلاً تقتله حتى يموت لأنه التمس أن يطوحك عن الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية)، نعم يقتله قتلاً بدون استتابة ولا تحرٍّ ولا رحمة ولا مناقشة.
      وأما قوانينهم الحضارية والديمقراطية: فقد جاء في القوانين المجرية :
      مادة 46، كل من رأى مسلما يصوم أو يأكل على غير الطريقة المسيحية أو تمنع عن أكل لحم الخنزير أو يغتسل قبل الصلاة أو يؤدي شعائر دينية, وأبلغ السلطات بذلك، يعطى له جزء من أملاك هذا المسلم مكافأة له.
      مادة 47، على كل قرية مسلمة أن تشيد كنيسة وأن تؤدي لها الضرائب المقررة، وبعد الانتهاء من تشييد الكنيسة يجب أن يرحل نصف مسلمي القرية، وبذلك يعيش النصف الآخر معنا كشركاء في العقيدة, على أن يؤدوا الصلاة في كنيسة يسوع المسيح الرب بطريقة لا تترك شبهة في اعتقادهم.
      مادة 48، لا يسمح للمسلم أن يزوج ابنته رجلا من عشيرته، وإنما يتحتم أن يزوجها رجلا من الجماعة المسيحية.
      مادة 49، إذا زار شخص ما مسلما، أو إذا دعا مسلم شخصا لزيارته فيجب أن يأكل الضيف والمضيف معا لحم خنزير
      هذه بعض النصوص المؤسسة لعقلانية رأس الفتيكان وأعقل رجال القوم، وفي الإنجيل الكثير مما تدمى له القلوب ويعرق له الجبين من الخزايا والخرافات.(3)
      ولكن عدت لأقول: إن رأس الفتيكان وحاشيته ليس غريباً عليهم القيام بهذه الإسقاطات على غيرهم، ومهاجمتهم الإسلام، فمواقف رأس الفتيكان قديمة من الإسلام، ولكن يتضح موقف الفاتيكان ورأسه من القضايا الاسلامية بجلاء من خلال الاجتماع السري الذي عُقد في مدينة كاستيل جوندولوفو الإيطالية بحضور البابا في سبتمبر من عام 2005م، وحضره الأسقف جوزيف فيسيو من فلوريدا بالولايات المتحدة الأمريكية، الذي نقل عنه أن البابا تحدث في الاجتماع المغلق عن الإسلام.
      ذكر فيسيو " إن البابا أعرب عن رأيه في الإسلام بخلاف كل الأديان الأخرى بقوله أنه لا يمكن إصلاحه، وهو لن يتوافق أبداً مع الديمقراطية، لأن حدوث ذلك يقتضي إعادة تفسير جذرية للإسلام، وهذا مستحيل بسبب طبيعة القرآن نفسه وعلاقة المسلمين به".
      وعندما ناقشه أحد الأساقفة أن ذلك ما يزال ممكناً، اعترض البابا بوضوح كما ينقل عنه الأسقف جوزيف فيسيو قائلاً إن البابا علق على ذلك بهدوء ووضوح قائلاً "هناك مشكلة أساسية في هذا الرأي".
      كما ذكر الباحث سمير خليل سمير الذي حضر أيضاً الاجتماع السري "إن البابا يرى إمكانية تغير الإسلام ، في حالة واحدة وهي إعادة تفسير القرآن بشكل جذري وكامل، وإعادة النظر بالكامل في مبدأ عصمة الوحي ".
      قال أحد الصحفيين في منتصف هذا العام بعدما سأل رأس الفتكان بشكل مباشر ومفاجئ " هل إن كان الإسلام دين سلام.." ، رفض البابا أن يصف الإسلام بدين السلام ، قائلاً: "إنني لا أرغب في استخدام الكلمات الكبيرة لوصف أمور عامة.. إن الإسلام بالتأكيد يحتوي على عناصر يمكن أن تميل إلى السلام، ولكنه أيضاً يتكون من عناصر أخرى.. ولابد لنا أن نختار دائماً أفضل العناصر" (4).
      واليوم يخرج علينا بكلمات تهاجم الإسلام والمسلمين ،ويدعي في بيانه أنه يحترم بعمق المسلمين ويأمل أن يفهم المسلمون المعنى الحقيقي لكلماته، لأن ما يقوله فوق الفهم.
      وعلى كل حال فإني أرى أن يعرض رأس الفتكان وحاشيته على مصحة نفسية ليخرج من عقده المركبة كالشعور بالذنب والتبرير والإسقاط والسادية ... لعله يشفى، نسأل الله العافية.
      ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ
      (1) ـ ينظر دراسة للباحث الدكتور نبيل لوقا بباوي تحت عنوان "انتشار الإسلام بحد السيف بين الحقيقة والافتراء"
      (2) ـ ينظر للاستزادة كتاب دمروا الإسلام أبيدوا أهله جلال العالم، وكتاب: التسامح في الإسلام للدكتور شوقي أبو خليل
      (3) ـ انظر القانون الدستوري لستيغا نودي فريس الصفحات: 135،148،157
      (4) ـ المصدر: وكالة الأخبار الإسلامية / نبأ / : 16 سبتمير, 2006 ،تحت عنوان:البابا...ومرور عام علي الاجتماع السري في إيطاليا
      مرهف عبد الجبار سقا
      دكتوراه في التفسير وعلوم القرآن
      أستاذ مساعد في كلية التربية - جامعة المجمعة
      https://www.facebook.com/d.marhafsakka?ref=tn_tnmn

    • #2
      شكر الله لك أخي مرهف , وجزاك الله خيراً .
      الدكتور أحمد بن محمد البريدي
      الأستاذ المشارك بجامعة القصيم

      تعليق


      • #3
        تاريخ النص الذي استقى منه

        أشكر لك أخي د أحمد على مرورة بالموضوع وأسأل الله أن يثيبك وأضيف هنا هذا المقال من موقع قناة الجزيرة لمزيد من الفائدة كما هو:
        النص الذي أثار الاحتجاج الإسلامي الواسع على محاضرة البابا بنديكت السادس عشر (الثلاثاء 12 سبتمبر/ أيلول 2006) هو نص مقتبس من كتاب بعنوان "ستة وعشرون حوارا مع فارسي".

        كاتب هذا العمل هو الإمبراطور البيزنطي مانويل الثاني بالايلوغوس الذي ولد عام 1350 وتوفي عام 1427، وهي فترة بالغة الاضطراب في تاريخ بيزنطة وعاصمتها القسطنطينية، لا سيما من جهة علاقة البيزنطيين بالقوة العثمانية الإسلامية الصاعدة.

        ولكنها أيضا كانت فترة بالغة التعقيد، رسم ملامحها التداخل الكبير بين البزنطيين والعثمانيين، الذي انتهى بسقوط القسطنطينية وإعلان شهادة وفاة الإمبراطورية.

        وإن قبلنا التاريخ المتفق عليه لولادة وانطلاق الدولة العثمانية عام 1298، فإن مانويل الثاني كان شاهدا على القرن الأول من تاريخ السلطنة التي ستصبح مصدر القلق الرئيس لأوروبا طيلة عدة قرون تالية.

        "
        إن قبلنا التاريخ المتفق عليه لولادة وانطلاق الدولة العثمانية في 1298، فإن مانويل الثاني كان شاهدا على القرن الأول من تاريخ السلطنة التي ستصبح مصدر القلق الرئيس لأوروبا طوال عدة قرون تالية
        "
        في 1373، تمرد أندرونيكس الرابع الشقيق الأكبر لمانويل على والدهما الإمبراطور يوحنا الخامس. بعد هزيمة أندرونيكس، سارع الإمبراطور الوالد إلى إعلان ابنه الأصغر مانويل وليا للعهد والذي أصبح بالتالي (وعلى الطريقة البيزنطية المتأخرة) إمبراطورا مشاركا.

        بعد ثلاث سنوات، ثار الابن المتمرد من جديد ونجح في السيطرة على القسطنطينية والعرش. ولم يستطع يوحنا الخامس ومانويل الثاني استعادة العاصمة والعرش إلا بمساعدة عثمانية حاسمة.

        في 1390، قاد يوحنا السابع ابن أندرونيكس ثورة أخرى ضد جده وعمه، واستطاع بدوره طردهما من القسطنطينية والجلوس على العرش.

        وفي هذه المرة أيضا لم يتمكن الإمبراطور وولي عهده من استعادة العاصمة والعرش إلا بدعم عثماني عسكري. في مقابل هذا الدعم، كان على الإمبراطور يوحنا الخامس توقيع معاهدة تحالف مع العثمانيين تتضمن تقديم العون لهم عند الحاجة.

        ولضمان المعاهدة واتباعا لتقاليد العصور الوسطى، أرسل مانويل الثاني للعيش في معية السلطان العثماني بايزيد الأول في العاصمة العثمانية الأولى بورصة، بمعنى أن مانويل الثاني أصبح رهينة لدى العثمانيين، لتوكيد حسن النية في العلاقة بين الإمبراطورية البيزنطية والدولة العثمانية.

        لم تطل فترة بقاء مانويل الثاني في بورصة أكثر من عام، إذ ما أن تناهى إلى سمعه في 1391 أن والده توفي حتى سارع إلى الهرب من بورصة والعودة إلى القسطنطينية بصفته الخليفة الشرعي للإمبراطور الراحل.

        وقد استمر جلوس مانويل الثاني على عرش الإمبراطورية إلى 1425، أي حتى قبل سنتين من وفاته. والمؤكد أن ابنه وولي عهده، يوحنا السابع، أصبح له دور كبير في الشأن البيزنطي خلال السنوات الأخيرة من ولاية والده.

        وربما كانت سياسات يوحنا السابع هي التي رفعت مستوى التوتر مع السلاطين العثمانيين في النصف الأول من القرن الخامس عشر، وفتحت بالتالي الطريق لحملة محمد الفاتح الحاسمة على القسطنطينية في 1453.

        بالنظر إلى الدور الذي تعهده العثمانيون في حماية مانويل الثاني ووالده في مناسبتين متتاليتين، كان المتوقع أن يشعر مانويل الثاني بالامتنان للسلطنة العثمانية.

        ولكن الأمر لم يكن بتلك البساطة. فقد ولدت الدولة العثمانية في منطقة الثغور الإسلامية، وسط جموع المرابطين والأخائيين وفي محيط من الروح الصوفية الجهادية.

        وقد أولى قادة الدولة دائما أهمية خاصة للغزو والتوسع، لاسيما بعد أن نجحت القوة العثمانية في توحيد الإمارات التركية– السلجوقية المتنازعة في الأناضول وعبور البوسفور إلى الجانب الأوروبي غير المسلم.

        ورغم أن الإمبراطورية البيزنطية كانت قد تقلصت إلى حد كبير، فمنذ نهاية القرن الرابع عشر شهدت القسطنطينية جدلا كبيرا بين من رأوا في العثمانيين حليفا ومن رأوا فيهم خطرا داهما على ما تبقى من بيزنطة وما تمثله من الميراث المسيحي.

        "
        ينبغي أن يقرأ كتاب مانويل باعتباره نصا تاريخيا أيدولوجيا استهدف تقديم صورة بشعة عن الإسلام والمسلمين في نهايات القرن الرابع عشر واستنهاض المسيحيين (الأرثوذكس المنقسمين على أنفسهم، والكاثوليك المتقاعسين) لمواجهة التوسع العثماني
        "
        في 1396، استولى العثمانيون على ثيسالي، ربما لضرورات إستراتيجية يتطلبها تأمين وجودهم في البلقان. وربما كان هذا التطور هو ما حسم موقف مانويل الثاني من العثمانيين.

        فقد بادر الإمبراطور البيزنطي مباشرة بعد سقوط ثيسالي إلى الانطلاق في رحلة طويلة، زار خلالها روما وميلان ولندن، وأقام في باريس عامين كاملين.

        كان هدف مانويل الثاني هو استنهاض الأوروبيين الكاثوليك لنجدة بيزنطة والتصدي للخطر العثماني. المعروف بالطبع أن الكنيسة البيزنطية كانت تنظر إلى الكنيسة الكاثوليكية نظرة استعلاء (على الأقل)، ولكن سياسة اللجوء لأوروبا الكاثوليكية لمواجهة التوسع الإسلامي لم تكن جديدة.

        فالحملات الصليبية التي استمرت أكثر من 100 عام منذ نهاية القرن الحادي عشر الميلادي، انطلقت أصلا بعد هزيمة البيزنطيين الكبرى أمام السلاجقة في معركة ملاذكرد في 1071، المعركة التي فتحت آسيا الصغرى للاستيطان الإسلامي للمرة الأولى منذ موجة الفتوحات الإسلامية الأولى.

        استقبل مانويل الثاني استقبالا جيدا في مختلف المدن الأوروبية التي زارها، إلا أن الممالك الأوروبية الكاثوليكية لم تكن في وضع يسمح لها بتعهد حملة جديدة باتجاه الشرق.

        وتدلل الرحلة نفسها على أن مانويل الثاني (الذي ما كان له أن يصل إلى العرش دون العون العثماني) بات يرى العثمانيين من زاوية الخطر.

        نحن لا نعرف الكثير عن الأشهر التي قضاها مانويل الثاني في مدينة بورصة، وليس ثمة ما يوضح هوية الشخص "الفارسي" الذي يدعي مانويل في كتابه أنه خاض حوارات معه.

        وينبغي أن يقرأ كتاب مانويل باعتباره نصا تاريخيا– أيديولوجيا استهدف تقديم صورة بشعة للإسلام والمسلمين في نهايات القرن الرابع عشر واستنهاض المسيحيين (الأرثوذكس، المنقسمين على أنفسهم، والكاثوليك، المتقاعسين) لمواجهة التوسع العثماني.

        أنهى مانويل الثاني العامين الأخيرين من حياته، بعد اعتزال الحكم، في دير للرهبان، ولكن ليس هناك من دليل على أنه كان يعرف الإسلام حقا.

        ففي القرن الرابع عشر، كانت الثقافة الإسلامية وصلت ذروة نضجها، واتضحت في صورة بالغة الثراء من المذاهب العقلية والتقليدية والنصية، من الفلسفة والتصوف، ومن الشرائع والقوانين.

        ولم يكن الفضاء العثماني وريثا للسلاجقة وحسب، ولكنه كان أيضا على اتصال وثيق بجواره المملوكي حيث تبلورت نهضة إسلامية فكرية هائلة.

        ولكن هدف مانويل في لحظة اليأس والشعور المتعاظم بالخطر لم يكن المعرفة بل التحريض. وهذا ما ينبغي أن يطرح التساؤل حول دوافع البابا بنديكت السادس عشر في اقتباس نص مانويل الثاني.

        باعتباره جوزيف راتسينغر، عمل البابا الحالي قبل التحاقه بالفاتيكان أستاذا جامعيا. هذا إذن رجل دين بخلفية أكاديمية طويلة، يعرف دلالات الاقتباس الأكاديمي.

        "
        إن لم يكن البابا يسعى إلى استدعاء وتوكيد رؤية مانويل الثاني للإسلام فقد كان عليه أن يورد النص المقتبس في سياق التحليل النقدي. ولكنه لم يفعل بل قام بعكس ذلك تماما إذ إنه أورد النص في سياق شجب سطحي ومتسرع لعلاقة المسلمين بالعقل والإرادة الإلهية
        "
        إن لم يكن البابا يسعى إلى استدعاء وتوكيد رؤية مانويل الثاني للإسلام فقد كان عليه أن يورد النص المقتبس في سياق التحليل النقدي. ولكنه لم يفعل، بل قام بعكس ذلك تماما، إذ إنه أورد النص في سياق شجب سطحي ومتسرع لعلاقة المسلمين بالعقل والإرادة الإلهية.

        ويدرك البابا بنديكت السادس عشر على الأرجح أن مانويل الثاني كان يكتب في سياق تاريخي معين من التدافع والصراع، وأن كتابه لا يمكن أن يعتبر وثيقة لمعرفة الإسلام والميراث الإسلامي. بل أكثر من ذلك، فإن الأعمال الألمانية (لغة البابا الأم) الاستشراقية تعتبر من أفضل الأعمال الأوروبية الحديثة في دراسة الإسلام، ودراسة العقائد الإسلامية على وجه الخصوص.

        وقد وضعت هذه الأعمال من قبل زملاء لجوزيف راتسينغر الأكاديمي، وفي جامعات عمل بها شخصيا أو في جامعات قريبة منها. الخشية أن يكون بنديكت السادس عشر يدرك هذا كله، وأنه قصد توجيه الإهانة للإسلام والمسلمين عن سابق تصميم وتصور.

        سواء قبل تنصيبه البابوي، عندما كان مسؤولا عن مجمع العقيدة في الفاتيكان، أو بعد أن أصبح رأس الكنيسة الكاثوليكية، عبر الكاردينال راتسينغر/ البابا بنديكت السادس عشر عن آراء معادية للإسلام.

        وباعتباره حارس العقيدة، أشرف الكاردينال راتسينغر خلال الفترة الأخيرة من حياة البابا السابق يوحنا بولس الثاني على صياغة المبدأ العقدي القائل بأن الطريق الوحيد الصحيح إلى الله هو الطريق المسيحي، في وقت كان الفاتيكان يؤكد على سعيه إلى حوار إنساني بين الأديان والثقافات.

        وقد صرح البابا بنديكت السادس عشر في مناسبتين على الأقل بمعارضته دخول تركيا، بصفتها دولة إسلامية، الاتحاد الأوروبي.

        كما أعرب عن قلقه لارتفاع عدد أبناء الجاليات الإسلامية في الدول الأوروبية وعزوف الشعوب الأوروبية الملحوظ عن الالتزام بالدين المسيحي.

        ثم جاءت ملاحظاته الأخيرة، التي اقتبس بعضها من سياق صراع وتدافع بين أتباع الديانتين، لتضيف مزيدا من الأدلة إلى حالة القلق، وربما الخوف، البابوي من الإسلام والمسلمين.

        كتب ونشر الكثير خلال السنوات القليلة الماضية حول الدور الذي لعبه البابا السابق يوحنا بولس الثاني في السنوات الأخيرة من الحرب الباردة. كان يوحنا بولس الثاني من أصل بولندي، وقد تعهد دورا رئيسيا وواضحا في التصدي الفكري والثقافي والديني للشيوعية.

        ولم يكن غريبا، بالنظر إلى الدعم البابوي الهائل لنقابة التضامن البولندية الحرة المعادية للنظام الشيوعي، أن تكون بولندا بداية التشقق الأوروبي في جسم الكتلة الشيوعية والستار الحديدي.

        "
        بدلا من أن يكون البابا ضميرا للمعذبين والمعتدى عليهم، وصوتا للحوار والتقارب، يتحول بنديكت السادس عشر إلى صوت لإثارة الجدل حول الإسلام والمسلمين وموقعهم في العالم المعاصر
        "
        ولا تخلو الدراسات المكرسة لسيرة يوحنا بولس الثاني من تفسير مؤامراتي يعزو انتخابه لكرسي البابوية إلى إرادة أميركية في وقت كانت واشنطن تبحث فيه عن وسيلة لتنشيط دور الفاتيكان في الصراع ضد الاتحاد السوفياتي.

        وربما لا يحتاج الأمر اللجوء إلى القراءة المؤامراتية لندرك أن يوحنا بولس الثاني استجاب لمتطلبات مرحلة كانت تستدعي نضال الكنيسة ضد خصم شيوعي كبير، وأنه كان مهيأ لمثل ذلك الدور.

        القلق الذي ينبغي أن ينتاب أهل الحكمة وقادة الرأي العام المسلمين أن يكون بنديكت السادس عشر بات يرى لنفسه دورا في الحرب ضد الإرهاب، التي تأخذ في شكل متزايد الحرب ضد الإسلام، شبيها بالدور الذي تعهده سلفه ضد الشيوعية.

        بدلا من أن يكون ضميرا للمعذبين والمعتدى عليهم، وصوتا للحوار والتقارب، يتحول بنديكت السادس عشر إلى صوت لإثارة الجدل حول الإسلام والمسلمين وموقعهم في العالم المعاصر.

        إن كان هذا هو الدور الذي يراه البابا لنفسه، فربما كانت ملاحظاته الأخيرة بداية وليست نهاية طريق شائك وطويل. ما يحتاج البابا ربما لرؤيته، أكثر من أي شيء آخر، أن ثمة فرقا شاسعا بين الطغيان السلطوي الشيوعي ومئات الملايين من المسلمين المتمسكين بدينهم، والذين يعيشون ظلما وعدوانا هائلا على بلادهم وحياتهم ومقدراتهم
        مرهف عبد الجبار سقا
        دكتوراه في التفسير وعلوم القرآن
        أستاذ مساعد في كلية التربية - جامعة المجمعة
        https://www.facebook.com/d.marhafsakka?ref=tn_tnmn

        تعليق

        20,173
        الاعــضـــاء
        231,013
        الـمــواضـيــع
        42,386
        الــمــشـــاركـــات
        يعمل...
        X