إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • وذكرهم بأيام الله .. عاشوراء والهجرة والقانون العام

    بسم الله الرحمن الرحيم ...



    هي ملاحظات اكدتها آيات قرآنية عديدة ، تثبت بأنّ الهجرة النبوية هي قانون عام يجعله الله تعالى دائما ليكون بداية للعد التنازلي لانتصار الحقّ وهزيمة الباطل ، واظهار كلمة الله تعالى في كل زمان ومكان ...

    في هذه المقالة ، ثلاثة عناصر مهمّة :
    1- الهجرة قانون عامّ ولازم في دعوة الله تعالى .
    2-عاشوراء يوم من أيام الله في شهر الله .
    3-قانون الهجرة بين هجرة موسى وهجرة محمد والرسل السابقين .


    اولا : الهجرة قانون رباني في دعوة الحق
    ...

    كثيرون هم الذين يعتبرون الهجرة حدث هام مرّ في سيرة نبينا ، ويحصرون مكانة الهجرة في ما ترتب عليها من آثار بعدها في ظهور الاسلام وانتشار كلمته ، من غير الانتباه الى أن الهجرة ما يزال قانونا ربانيا ، الى يومنا هذا وهو مستمر مع مسيرة الصراع ( المدافعة ) بين الحق والباطل ..
    أحب أن اضع الموضوع في نقاط حرصا على عدم الاسهاب الطويل ..

    اولا : العمومية ، منهجية نافعة في تدبر القرآن الكريم :
    لقد وضع علماء التفسير قاعدة هامة جدا لكل متدبر للقرآن الكريم ، وهي : العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .
    يحسن بنا ونحن نقرأ القرآن الكريم ، أن نتدبر القرآن بمنهجية العمومية واستنباط القواعد والسنن العامّة ( بما يحتمله النص ) دائما اذ ما كان القرآن الكريم كتابا قصصيا يسرد احداثا ووقائع خاصة بزمان دون زمان ، ثم لا يستفاد منها شيئا بعد انتهاء الوقائع والاحداث والازمان ، ذلك أنه كتاب انزل الى نبي الله ليخرج الناس - كل الناس - دائما من الظلمات الى النور بإذن ربهم ..
    ونبي الله هو خاتم الانبياء وهو للناس كافة ، فكان لا بد ان يُبعث الى الناس كافة والى كل العصور والازمان بعد ذلك مما يؤكد مسألة بقاء صلاحية الكتاب الذي انزله الله تعالى اليه ، ليكون منهاجا عاما ودستوراصالحا ، لاصلاح البشرية ، والمنهاج والدستور (الناموس ) يقتضي ان تجتمع فيه منظومة كاملة وشاملة ، من القوانين والسنن العامة التي تصلح في امتداد الزمان واختلاف المكان دائما وابدا ..

    ولقد تبيّن بالاستقراء في آيات الله تعالى ظهور قانون ( الهجرة ) والذي هو حسب الايات يتعرف بأنه :
    اخراج الرسل واهل الحق من حملة دين الله تعالى من ديارهم التي يفتنون فيها ويُبتلون ( وهو قانون آخر سنفرد له مقالا آخر ان شاء الله تعالى ) ...
    وانتقالهم الى ارض يستطيعون منها الانطلاق بحرية وقوة لتبليغ رسالة الله تعالى في الارض .. وهذا الانتقال من ارض الى ارض هو البداية الحقيقية لمرحلة القوة في المسيرة الربانية وبداية العد التنازلي لنهاية سلطان اهل الباطل وتمكين اهل الحق في الارض ..
    ولا مشاحة في الاصطلاح ..
    غير اننا في صدد تأصيل لهذا القانون العام ، وبيان ادلة ذلك من خلال الامثلة القرآنية وما فيه من آيات دالة على ذلك ..



    الهجرة قانون وسط بين قانوني ( الفتنة ، والتمكين )
    :
    وبما أننا سنتحدث عن كلا القانونين في مقالين منفردين الا انه تجدر الاشارة السريعة والمهمة في هذا السياق الى ان قانون الهجرة هو قانون وسط بين قانوني الفتنة والتمكين في اطار ( سنة المدافعة وهو الصراع بين الحق والباطل ) ..

    فتكون معادلة الخلافة الاسلامية العالمية في الارض ( في اطار سنة المدافعة ) يتحقق فيها ثلاثة قوانين أساسية :
    1- الفتنة والابتلاء .
    2-الهجرة وانتقال الحق من الضعف الى القوة .
    3-التمكين وبناء الدولة التي تنطلق منها دعوة الحق لتحقيق خلافة الله تعالى في الأرض .

    يمكن رسم هذا التصور العام من خلال :

    الخلافة العالمية = الفتنة والابتلاء + الهجرة والانتقال + قيام دولة النواة ( من اهم عناصرها : - السعة وامكانية المراغمة )
    .


    ﴿
    قانون الهجرة : لفتات ونظرات قرآنية
    ﴾..

    قال تعالى :
    ﴿ ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الارض مراغما كثيرا وسعة .. ﴾
    صيغة الاية الكريمة عامة ، وهي وان نزلت تعقيبا على هجرة النبي واصحابه من مكة الى المدينة الا انها تقرر الفوائد العامة والمنتظرة من عملية الهجرة ..

    ( ومن يهاجر ) وفعل المضارعة يفيد دائما الاستمرارية ، اي ان فعل المهاجرة في سبيل الله مطلوب دائما لانتصار الحق وظهوره في الارض ...
    وهذا الاسلوب القرآني يقرر طلبا ، كقوله تعالى :

    الحج (آية:25):
    ﴿ ..... ومن يرد فيه بالحاد بظلم نذقه من عذاب اليم ﴾ - وهذا قانون خاص بالمسجد الحرام وهو مستمر ودائم -
    الزخرف (آية:36):
    ﴿ ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين ﴾ .. اي نتيجة ترك ذكر الله دائما ، تقييض

    وآيات أخرى ...
    وأما نتيجة هذا القانون وفوائده فهي عائدة الى انتصار الحق واظهار الحق ذاته في الارض ..

    النتائج والفوائد من قانون الهجرة :

    1- يجد في الأرض مراغما كثيرا ... أي مواضع ومجالات يستطيع من خلالها ارغام اعداء الحق من اهل الباطل والانتصار عليهم في جولات وجولات .

    2- وسعة ... وهي امكانية الحركة والتحرك بعيدا عن التضييق والتقييد لحركة العاملين لدين الله تعالى ولا شك بأن هذه السعة المطلقة المطلوبة لن تكون الا في صيغة ( الدولة المستقلة ) ، وانّ من نتائج السعة ( حرية الحركة ) :
    ( بناء القوّة ) .. وبهذا تكون المعادلة الواضحة في فائدة الهجرة ، وهي :
    الحق بحاجة الى قوة تحميه وتبلغه ، والقوة بحاجة الى دولة تحفظها .

    وأمّا الدولة فهي ايضا تعتبر قانونا هاما في انتصار الحق ، حيث لا حق بغير قوة تحميه وتبلغه في الارض ، ولا قوة بغير دولة ذات سيادة وقيادة وارادة ( استقلال) ..
    ﴿ ( واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ...) ﴾
    - ولا يكون هذا الاعداد المطلق الا تحت قيادة اسلامية مستقلة ، وسيادة مطلقة على الارض .. مع ارادة مستقلة قوية .



    آيات من كتاب الله تدل على اطّراد قانون الهجرة
    :

    وأنا هنا اسردها سردا ، واترك للقاريء الكريم أن يستنبط القانون من هذه التطبيقات القرآنية والامثلة التي جاءت في كتاب الله تعالى.....
    فلنحاول ان نتدبر على ضوء ما سبق من تقرير قانون الهجرة ، وهو :
    ( اخراج الرسل واهل الحق مقدمة انتصار الحقّ ، واهلاك سلطان اهل الباطل ) :



    سورة الاعراف(82)
    ﴿ وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82) فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (83) ﴾



    الاعراف (آية:88):
    ﴿ قال الملا الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين امنوا معك من قريتنا او لتعودن في ملتنا قال اولو كنا كارهين ﴾ ...... الى قوله : ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴾ ..



    سورة النمل :
    ﴿ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56) فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (57) ﴾


    التوبة (آية:40):
    ﴿ الا تنصروه فقد نصره الله اذ اخرجه الذين كفروا ثاني اثنين اذ هما في الغار اذ يقول لصاحبه لا تحزن ان الله معنا فانزل الله سكينته عليه وايده بجنود لم تروها وجعل كلمه الذين كفروا السفلى وكلمه الله هي العليا والله عزيز حكيم ﴾

    في سورة الحج

    ( انتبه الى ثلاثية القوانين : ابتلاء - إخراج - تمكين ) :


    قال الله تعالى
    ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39 ﴾) قانون الابتلاء .

    ﴿ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) ﴾
    قانون الإخراج من الارض بغير حق ، من قبل اهل الباطل .

    ﴿ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41) ﴾
    قانون التمكين وبناء الدولة والسلطان .

    وفي سورة ابراهيم

    ( لاحظ ثلاثية القوانين الثلاثة : فتنة ايذاء - اخراج أو محاولة الاخراج - تمكين وسكنى الارض ( دولة ) - )


    ﴿ قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَعلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11) وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (12) ﴾
    في هاتين الايتين يتبين قانون ( الابتلاء والايذاء )

    ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) ﴾
    في هذه الاية التالية لما سبقها يتبين قانون ( الهجرة والاخراج أو محاولة الاخراج )


    ﴿ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (14) ﴾
    في هذه الاية التالية لما سبقها يتبين قانون ( التمكين واقامة الدولة على ارض يسكنها المؤمنون )


    وفي سورة الاسراء

    (لاحظ ثلاثية القوانين السابقة ) :

    ﴿ وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (73)
    وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً (74)
    إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75) ﴾
    قانون الفتنة .

    ﴿ وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً (76)
    سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً (77) ﴾
    قانوني ( الهجرة (ليستفزونك من الارض ليخرجوك منها ) ثم التمكين بدلالة ( واذا لا يلبثون خلافك الا قليلا )

    محمد (آية:13):
    ﴿ وكاين من قريه هي اشد قوه من قريتك التي اخرجتك اهلكناهم فلا ناصر لهم ﴾ ..

    ولعل اخواني يبحثون في هذا الاتجاه فيجدون غير ذلك ...



    عاشوراء ، وقصة الهجرة في أيام الله ...
    ..

    ذكر النبي عاشوراء فقال :
    ( عاشوراء يوم من أيام الله فمن شاء صامه ومن شاء تركه ) .

    وقبل النبي السبب الذي يُصام عاشوراء من أجله ، وهو انه يوم صالح نجى الله فيه موسى وقومه من فرعون وجنوده واغرقهم ..

    والجمع بين الحديثين يقتضي ، أنّ يوم انجاء الله تعالى لموسى من ملاحقة فرعون وظلمه واستضعافه للمؤمنين مع موسى برسالته ( الاسلامية ) ، هو يوم من أيام الله .. التي ينسبها الله تعالى الى نفسه تعظيما لما حدث فيها من انتصار الحق بعد اغراق طاغية الباطل فرعون مع قوته كلها ..

    ومن اللافت أن ينسب النبي ، شهر محرم الذي يتضمن يوم عاشوراء في عاشره ، الى الله تعالى كذلك ، فيقول عنه :
    ( شهر الله الذي تدعونه المحرم ) ..
    فعاشوراء اذا :
    يوم من ايام الله تعالى، في شهر الله المحرم ..
    هو يوم لله في شهر الله .

    ولعلّ اهم ما احتضنه شهر الله المحرم ، هو :
    1- عاشوراء يوم نجى الله موسى ومن معه ، من فرعون واغرقه مع جنوده في هذا اليوم .
    2- هجرة نبينا ونجاة الصحابة من ظلم قريش وقهرها لهم .

    هجرة موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام ( وذكرهم بأيام الله ) ... بين سورة ابراهيم وسورة الاسراء .

    يتبع ان شاء الله تعالى ..

  • #2
    [align=center]

    الحمد لله

    كلام رصين متين ...وأدلة قرآنية في مكانها

    غير أني لا أوافقك أخي الكريم على مسألة واحدة في قولك

    2- وسعة ... وهي امكانية الحركة والتحرك بعيدا عن التضييق والتقييد لحركة العاملين لدين الله تعالى ولا شك بأن هذه السعة المطلقة المطلوبة لن تكون الا في صيغة ( الدولة المستقلة )



    فيظهر لي - بادي الرأي - أن هذا الحصر في الدولة المستقلة غير صواب و الدليل على هذا هو الهجرة الاولى الى

    الحبشة ...فقد كانت بأمر رسول الله ....وما كانت الحبشة دولة اسلامية مستقلة بل كانت تدين

    بالنصرانية فيما أعلم...والنجاشي مع اسلامه لم يجعلها دولة اسلامية مستقلة

    وقد يشفع لقولك تقييد السعة بالمطلقة فحينئذ أوافقك تماما على هذا الكلام دون تردد.

    .والله اعلم.


    [/align]

    تعليق


    • #3
      بسم والحمد لله ..

      أخي الكريم المجلسي الشنقيطي ..
      اشكرك على المتابعة والاهتمام وجزاك الله خيرا على الملاحظة ..

      يبدو بأن الحديث عن مفهوم الدولة في هذا المقام هو باعتبارها افضل صيغة يمكن ان تتاح فيها الحركة الواسعة غير المقيدة لأننا لا يمكن ان نتصور تحرك مطلق في اطار دولة لا تتبع لاهل الحق والايمان ، فكان تقييد السعة بالدولة المستقلة اي التابعة بقيادتها وسيادتها الى اهل الحق والايمان ، وان قرائتنا للسيرة تثبت قيامها فعلا ، وكذلك دولة اهل الحق والايمان في فلسطين من بعد موسى ، على عهد طالوت وداوود وسليمان ، وقبل ذلك على عهد يوشع بن نون ..
      ولأمر حكيم استفاض القرآن الكريم في قص سيرة بني اسرائيل ، مبينا كل مسيرة النبوة وما جرى لموسى مع قومه بل وما كان من بعد عهد موسى من تمكين لبني اسرائيل في الارض قبل انحرافهم الاخير عن العهد النبوي وآخر ذلك مجابهتهم لعيسى ..

      فهناك أمتنا يبين الله تعالى مسارهما تحديدا هما امة بني اسرائيل ، وامةتنا باعتبارها الوارثة لعهد الرسالات من بعد بني اسرائيل ، ومن هنا يمكن فهم كثير من خيوط الربط بين المسارين في سورة الاسراء .. وهو ما نرجيء الحديث عنه بعد ان نضع القاريء الكريم في صورة التشابه الكبير بين هجرة موسى ومحمد عليهما افضل الصلاة واتم التسليم ..

      وذكّرهم بأيام الله ..
      ..

      قال تعالى في طلبه لموسى :
      ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (5) ﴾ ..

      فلبى موسى الطلب ، من خلال ذكره لهذه الايام العظيمة المنسوبة الى الله ةعلى وجه الخصوص يوم أغرق الله تعالى فرعون وجنوده ونجى المؤمنين مع موسى من قومه :

      ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ (6) ﴾ ..

      ومن خلال هاتين الايتين يتبين لنا ما يلي :
      1- جعل الله تعالى أيامه العظيمة التي ينصر فيها الحق واهله وعدا ثابتا ومستمرا ما دام الصراع بين الحق والباطل ، ولكنه مشروط بكثرة الصبر بل والاصطبار والمصابرة ،والاعتراف بنعم الله كثيرا ( الشُكور ) وهذا مأخوذ من قوله تعالى :
      ﴿ وذكرهم بأيام الله إنّ في ذلك لآيات لكل صبّار شكور ﴾
      2- يوم نجاة قوم موسى ( والذين آمنوا معه ) هو ذلك اليوم الذي ذكر به موسى قومه وهو من ايام الله .



      وبهذا تنسجم نصوص الكتاب والسنة على اعتبار يوم نجاة موسى ومن معه من ظلم واستضعاف فرعون لهم ، هو يوم من ايام الله تعالى العظيمة التي خلدها القرآن ..ثمّ أكدت السنة عظمة هذا اليوم من ايام الله تحديدا من خلال مشروعية صيامه مع التأكيد على مخالفة اليهود باعتبار أنهم لا ينتسبون - حقيقة - الى دعوة موسى لأنهم انحرفوا عن دينه وحرّفوا كتابه ..

      ومن الواضح تماما بأنّ يوم النجاة هنا هو يوم الخروج من مصر الى سيناء (دار هجرة موسى ومن معه ).. تحقيقا لقانون الهجرة الذي شرحناه :
      ﴿ ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الارض مراغما كثيرا وسعة ... ﴾.

      المتدبر للقرآن الكريم ، يجد الشبه كبيرا بين هجرة موسى وهجرة محمد صلى الله عليه وسلّم باعتبارهما يحملان ذات الحقّ الذي انزله الله تعالى على الناس .

      ولا شك بأن يوم هجرة موسى ونجاته مع قومه من ظلم فرعون هو اعظم أيام موسى في دعوته الى الله تعالى .
      وإذا كان من حق يمكن أن يتبعه من يدعي انتسابه الى موسى فهو باعتبار ذلك اليوم بداية التأريخ الصحيح للأمة اليهودية ..
      غير ان انحرافهم وعدم صدقهم في الانتساب الى موسى ودعوته وتحريفهم للحق ، جعلهم غير مستأهلين لتوفيق الله تعالى في اتخاذ هذا اليوم ..

      الأمر الذي اختلف مع امتنا الاسلامية التي وفقت - في زمن الفاروق - الى اعتبار يوم الهجرة ونجاة المؤمنين من ظلم قريش واستضعافها ، هو يوم البداية الفارقة في انتصار الحق الذي حملوه .

      فالحق هو أن يؤرخ لأمة الرسالة الربانية ، من عند اليوم الذي كان حاسما في نجاة اهل الايمان والذين بهجرتهم حسمت مسألة القضاء على دعوة الحق ..

      أن الانتقال من ارض الابتلاء والفتنة ترتب عليه قيام دولة الحق ّ والتي نعتبرها قانونا لازما لحماية الحق وتأمين طريق الدعوة اليه وتبليغه للناس .

      لقد كانت اقامة تلك الدولة الحامية للحق والمجاهدة في سبيله على عهد نبينا محمد بعد الهجرة بعشر سنين اي بعد فتح مكة حيث استطاعت بعد الفتح تحقيق البعد العالمي للرسالة الاسلامية فكانت بذلك خلافة الله على الارض ...
      فكانت الفترة من الهجرة الى استقرار امر دولة الدعوة لتكون عالمية بعد ذلك عشر سنين .
      وأما دولة الحق بعد نجاة موسى ومن معه فلم تقم مباشرة بعد الانتقال الى ارض سيناء ، حيث كانت الفترة من خروج موسى الى دخول الارض المقدسة اربعين سنة .

      ولكن من الممكن أن تكون سيناء خلال فترة الاربعين سنة ، بؤرة تستقطب اليها المؤمنين الجدد حتى اجتمع امرهم بعد ذلك تحت لواء نبي الله يوشع بن نون فدخل الارض المقدسة ، وقامت دولة الحق ، وبهذا الاعتبار فإن سيناء هي الدار التي جعلها الله تعالى لهجرة المؤمنين ، وان مقصدهم بعد ذلك كان دخول الارض المقدسة لتكون دولة الحق ومنطلقه ..

      وكذلك استمرت الهجرة في سيرة نبينا عشر سنين الى ان تم للمؤمنين فتح مكة ، لتكون ارض الجزيرة كلها هي دولة الاسلام ومنطلقه الى العالم ، وفي هذا يقول النبي :
      ( لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية ) ...
      الا ان الهجرة - وان انتهت بمفهومها المحدد في السيرة - الا ان ما تضمنته من معاني ( النصرة والايواء ) ما زالت مطلوبة في كل جولة من الصراع بين الحق والباطل ..

      ومما احب ان ابينه هنا هو بعص صور التشابه بين معاني الهجرتين كما في الايات القرآنية الكريمة ، وآخذ من هذا التشابه في المعاني الايمانية ، هو معنى اليقين والثقة بوعد الله ونصر الله تعالى ..
      جاء في سياق قصة موسى :
      الشعراء (آية:61 - 62 ):
      ﴿ فلما تراءى الجمعان قال اصحاب موسى انا لمدركون
      قال كلا ان معي ربي سيهدين ﴾

      وجاء في سياق قصة هجرة نبينا :
      التوبة (آية:40):
      ﴿ الا تنصروه فقد نصره الله اذ اخرجه الذين كفروا ثاني اثنين اذ هما في الغار اذ يقول لصاحبه لا تحزن ان الله معنا فانزل الله سكينته عليه وايده بجنود لم تروها وجعل كلمه الذين كفروا السفلى وكلمه الله هي العليا والله عزيز حكيم ﴾

      ولسوف نجد هذا التشابه وايجاد العلاقة بينهما في سورة الاسراء
      وعلى هذا سيأتي التفصيل ، ان شاء الله رب العالمين ...

      تعليق


      • #4
        أبو البراء مهدي

        زادك الله من فضله..

        تعليق


        • #5
          أشكرك أخي أبو عبد العزيز .....

          متابعة لما أسلفت من استقراء التشابه الموجود في سورة الاسراء بين هجرتي محمد وموسى عليهما الصلاة والسلام ...

          في أمر هجرة محمد نجد الايات تنطق بالوضوح ، عن المعنى العام من قانون الهجرة الذي يعبر عنه بالاستفزاز من الارض بهدف اخراج المؤمنين منها ...
          وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً (76)
          سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً (77)

          وفي أمر هجرة موسى من قوم فرعون وأذاه نقرأ :
          فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا (103)
          وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُواْ الأَرْضَ فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (104)


          فما هو دلالة هذا التشابه بين سياق الكلام عن كلا الهجرتين ؟؟
          وهل يمكن أن يكون هناك متابعة تهم أمتنا في هذا الزمان ، خاصة أن الصراع بين الحق والباطل اليوم هو فعلا بين كلا الامتين ، امتنا وهي حاملة لواء الحق ، وأمة اليهود حاملة لواء الشر والباطل ...
          فالى مزيد تدبر واياكم ان شاء الله تعالى في كمالة الكلام ..

          تعليق


          • #6
            كتب هذا الموضوع اللطيف في مثل هذه الأيام..
            يرفع للفائدة.
            محمد بن حامد العبَّـادي
            ماجستير في التفسير
            alabbadi@tafsir.net

            تعليق

            19,840
            الاعــضـــاء
            231,388
            الـمــواضـيــع
            42,340
            الــمــشـــاركـــات
            يعمل...
            X