• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • أثر القرآن في تقوية الإحساس بالأخوة

      مقال نشر في مجلة البيان العدد 133
      أثر القرآن في تقوية الإحساس بالأخوة
      د .أحمد بن شرشال

      الاشتغال بفهم القرآن وتفسيره والتفقّه فيه يرقق إحساس المسلم ويقوي شعوره ، وينمي فيه حب الآخرين ؛ بحيث يتألم لآلامهم ، ويفرح لفرحهم ، ويسعد لسعادتهم .
      ومن الأساليب القرآنية في التعبير عن هذا الإحساس أن جعل قتل الرجل
      لغيره قتلاً لنفسه ، وجعل إخراج الرجل من داره إخراجاً لنفسه ، وجعل ظن السوء
      بالغير ظناً بنفسه ، وجعل لمز الغير لمزاً لنفسه ، والسلام على الغير سلاماً على
      نفسه ؛ وكل ذلك ذكره القرآن . قال الله تعالى في سياق أخبار بني إسرائيل : ] وَإذْ
      أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ
      تَشْهَدُون ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ [ [البقرة : 84 ، 85] . فجعل دم كل فرد من
      أفرادهم كأنه دم الآخر عينه حتى إذا سفكه كان كأنه قتل نفسه وانتحر ذاته .
      قال القرطبي : (ولما كانت ملتهم واحدة وأمرهم واحداً ، وكانوا كالشخص
      الواحد جعل قتل بعضهم بعضاً وإخراج بعضهم بعضاً قتلاً لأنفسهم ونفياً لها) [1] .
      ومثل هذا السياق قوله تعالى : ] فَاقْتُلُواً أََنفُسَكُمْ [ [البقرة : 54] ومعناه :
      فليقتل بعضكم بعضاً بأن يقتل من لم يعبد العجل عابديه ؛ فإن قتل المرء لأخيه كقتله
      لنفسه .
      قال القرطبي : (وأجمعوا على أنه لم يؤمر كل واحد من عَبَدَة العجل بأن يقتل
      نفسه) ثم نقل عن الزهري قوله : (أن يقتل من لم يعبد العجل من عبد العجل) [2] .
      وقال الله تعالى في سياق هذه الأمة : ] وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ [ [النساء : 29] أي : لا يقتل بعضكم بعضاً ، فجعل قتل الرجل لغيره قتلاً لنفسه ، قال القرطبي :
      (أجمع أهل التأويل على أن المراد بهذه الآية النهي أن يقتل بعض الناس بعضاً ، ثم
      لفظها يتناول أن يقتل الرجل نفسه بقصد منه) [3] . قال الحافظ ابن كثير : (وهو
      الأشبه بالصواب) [4] ، قال الزمخشري : (شبّه الغير بالنفس لشدة اتصال الغير
      بالنفس في الأصل أو الدين ؛ فإذا قتل المتصل به نسباً أو ديناً فكأنما قتل نفسه) [5] ، وقال الحافظ ابن كثير : (إن أهل الملة الواحدة بمنزلة النفس الواحدة) [6] . وقد
      بيّن الله أن من قتل نفساً بغير حق فكأنما قتل الناس جميعاً ، فقال : ] .. كَتَبْنَا عَلَى
      بَنِي إسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأََرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ
      جَمِيعاً [ [المائدة : 32] .
      ومن تعبيرات القرآن بالنفس وإرادة الأخ في الدين قوله تعالى : ] يَا أََيُّهَا
      الَذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أََنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ [ [المائدة : 105] . حكى
      الفخر الرازي مقالة لعبد الله بن المبارك أنه قال : (هذه أوْكد آية في وجوب الأمر
      بالمعروف والنهي عن المنكر ، فإنه سبحانه قال : ] عَلَيْكُمْ أََنفُسَكُمْ [ يعني عليكم
      أهل دينكم ، ولا يضركم من ضل من الكفار ، بأن يعظ بعضكم بعضاً ، ويُرغّب
      بعضكم بعضاً في الخيرات وينفره عن القبائح والسيئات) [7] لأن المؤمنين إخوة في
      الدين . ومن تعبيرات القرآن بالنفس وإرادة الغير قوله تعالى : ] فَإذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً
      فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً [ [النور : 61] والمعنى :
      فليسلم بعضكم على بعض ، وهم أهل البيوت التي يدخلونها ؛ لأنهم بمنزلة أنفسهم
      في شدة المحبة والمودة والألفة ، ولأنهم منهم في الدين ، فكأنهم حين يسلمون عليهم
      يسلمون على أنفسهم . وقد أنكر الشيخ ابن عاشور على من فهم من الآية أن الداخل
      يسلم على نفسه فقال : (ولقد عكف قوم على ظاهر هذا اللفظ وأهملوا دقيقه ، فظنوا
      أن الداخل يسلم على نفسه إذا لم يجد أحداً ، وهذا بعيد من أغراض التكليف
      والآداب) [8] . وهذا هو المأثور عن سعيد بن جبير والحسن البصري وقتادة
      والزهري ؛ حيث قالوا : (فليسلم بعضكم على بعض) [9] .
      ومن تعبيرات القرآن بالنفس وإرادة الأخ في الدين قوله تعالى : ] وَلا تَلْمِزُوا
      أَنفُسَكُمْ [ [الحجرات : 11] والإنسان لا يلمز ولا يعيب نفسه ، وإنما اللامز يلمز
      غيره إشارة إلى أن من عاب أخاه المسلم فكأنما عاب نفسه ، فنزّل البعض الملموز
      منزلة نفس الإنسان لتقرير معنى الإحساس بالأخوة وتقوية الشعور بها .
      ومن تعبيرات القرآن عن الغير بالنفس قوله تعالى : ] لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ
      المُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً [ [النور : 12] .
      المراد بأنفسهم هنا إخوانهم في الدين والعقيدة ، والمعنى : فهلاّ وقت أن
      سمعتم حديث الإفك هذا ظننتم بأنفسكم أي : بإخوانكم وأخواتكم ظناً حسناً جميلاً ؛ إذ
      لا يظن المرء بنفسه السوء ، وفي هذا التعبير عن إخوانهم وأخواتهم في العقيدة
      بأنفسهم أسمى ألوان الدعوة إلى غرس روح المحبة والمودة والإخاء والإحساس
      الصادق ؛ حتى لكأن الذي يظن السوء بغيره إنما يظنه بنفسه [10] . قال الرازي :
      (فجعل الله المؤمنين كالنفس الواحدة فيما يجري عليها من الأمور ؛ فإذا جرى على
      أحدهم مكروه فكأنه جرى على جميعهم) [11] .
      فهذا الأسلوب القرآني ، وهذا الخطاب الرباني يؤكد معنى وحدة الأمة ،
      ويُحدِث في النفس أثراً وإحساساً يبعثها على الامتثال ؛ فالمسلم الذي يُربى على هذه
      المعاني ، وهذه الدقائق القرآنية ، لا شك في أنها تؤثر فيه وتغرس في أعماقه هذا
      الإحساس وهذا الشعور .
      ومن تدبر هذا الأسلوب القرآني علم أنه لا قوام لهذه الأمة إلا بمثل هذا
      الشعور وهذا الإحساس ، وشعور كل فرد من أفرادها بأن نفسه نفس الآخرين ودمه
      دمُ الآخرين ، وظن السوء بهم ظنّ بنفسه ، والسلام عليهم سلامٌ على نفسه ، وعيبهم
      عيبٌ لنفسه ؛ لا فرق في المحافظة على الروح التي تجول في بدنه والدم الذي
      يجري في عروقه ، وبين الأرواح والأبدان التي يحيا بها إخوانه قال تعالى : ] يَا
      أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ [ [ النساء : 1] وقال : (مثل
      المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو
      تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) [12] ، وكل هذه المعاني كامنة في القرآن
      والتفسير يكشفها ويجلّيها .

      (1) الجامع للقرطبي (2/19) .
      (2) الجامع للقرطبي (1/376) .
      (3) الجامع للقرطبي (3/136) .
      (4) تفسير ابن كثير (1/524) .
      (5) التحرير والتنوير (18/376) .
      (6) تفسير ابن كثير (1/129) .
      (7) تفسير الرازي (6/118) .
      (8) التحرير والتنوير (18/303) .
      (9) تفسير ابن كثير (3/336) .
      (10) الجامع للقرطبي (6/186) .
      (11) تفسير الرازي (12/178) .
      (12) أخرجه مسلم ، البر والصلة (2586) .

    • #2
      جزاكم الله خيرا

      تعليق

      19,988
      الاعــضـــاء
      237,774
      الـمــواضـيــع
      42,712
      الــمــشـــاركـــات
      يعمل...
      X