• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • الحلقة الثانية من المهمات في علوم القرآن ـ للشيخ خالد السبت ـ وعذراً على التأخر .

      بسم الله الرحمن الرحيم
      الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .. أما بعد :
      فالأمر الأول الذي نتحدث عنه في هذه المهمات هو موضوع الوحي
      تعريف الوحي:
      أولاً : معناه في اللغة:
      أصحاب المعاجم اللغوية يذكرون للوحي معاني كثيرة منها :
      1/ الكتابة ومنه قول رؤبة بن العجاج :
      وحى لها القرار فاستقرت وشدها بالراسيات الثُّبَّتِ
      يعني أن الله وحى لها ـ أي الأرض ـ ومعنى وحى لها أي: ألهمها أو أمرها أو كتب لها القرار فاستقرت كما قال الله : (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا* بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا) (الزلزلة:4، 5)
      2/ و من معانيه أيضاً: الإشارة، والرمز، وهو معنىً صحيح من معاني الوحي كما قال الشاعر:
      فأوحى إليها الطرف أني أحبها فأثر ذاك الوحي في وجناتها
      يعني أنه أشار إليها بعينه إشارة معينة فهمت منها رسالة معينة فظهرت الحمرة على وجناتها من الحياء .
      3/ ومن معانيه التي يذكرونها في كتب اللغة أيضاً: الإلهام، وهو أحد التفسيرات لقول رؤبة السابق:
      وحى لها القرار فاستقرت ...................
      أي: ألهمها ذلك .
      4/ ومن معانيه أيضاً: الإعلام في سرعة وخفاء.
      ومن معانيه الأخرى: المكتوب، والبعث، و الأمر ، وبه فسر بعضهم قول رؤبة أيضا :
      وحى لها القرار فاستقرت ........................
      أي: أمرها بالقرار. وكذلك الإيماء والتصويت شيئاً بعد شيء ، وقيل: أصل الوحي التفهيم .وكل ما دللت به من كلام أو كتابة أو رسالة أو إشارة فهو وحي. إلى غير ذلك من المعاني التي لربما بلغت اثني عشر معنىً في كتب اللغة وغيرها كفتح الباري لابن حجر ـ ـ ، لكنها كلها ترجع إلى أصل واحد تدور عليه هذه المعاني الكثيرة وهو ما ذكره ( ابن فارس ) في كتابه المقاييس في اللغة بقوله: " الواو والحاء والحرف المعتل ـ الألف المقصورة ـ ، أصل يدل على إلقاء علم في إخفاء أو غيره، يعني الإلقاء بخفية أو الإلقاء من غير خفية إلى غيرك ... إلى أن قال: وكل ما ألقيته إلى غيرك حتى علمه فهو وحي كيف كان ـ يعني بخفية أو بغير خفية ـ وكل ما في باب الوحي فراجع إلى هذا الأصل الذي ذكرناه."
      والخلاصة: أن معنى الوحي في كلام العرب: يدل على إلقاء علم بخفية أو غيرها، وأكثر ما يستعمل في كلام العرب في الإلقاء السريع الخفي.
      ثانياً:اطلاقات واستعمالات ( الوحي )في القرآن:
      وردت هذه اللفظة ـ الوحي ـ في كتاب الله بمختلف الاستعمالات؛ في اثنين وتسعين موضعاً، ولو أردنا أن نصنف هذه المواضع ونجمع المتماثلات مع بعضها، وننظر في المعنى الذي دلت عليه في كل موضع، فإننا نجد أنها تدور على معانٍ متعددة في كتاب الله ، ومن هذه المعاني ما يلي:
      أولاً: أنها ترد في كتاب الله ويراد بها: الوحي بالمعنى الخاص ، والمقصود بالمعنى الخاص للوحي : الوحي إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقد ورد ذلك في مواضع كثيرة من كتاب الله ؛ كما قال الله :(إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً) (النساء:163) وكما قال سبحانه (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ)(الشورى: من الآية13)، وكقوله سبحانه (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (الزمر:65) ، وكقوله جل شأنه: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ )(يوسف: من الآية3)وكقوله: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا )(الشورى: من الآية52)،وكقوله: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا)(الشورى: من الآية7). فهذه الآيات وغيرها كثير، منها ما يصرح الله فيه بالوحي إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، ومنها ما يصرح فيها بأنه أوحى إلى النبي ، وكل ذلك من الوحي بالمعنى الخاص .
      ثانياً: الاستعمال الثاني الذي ورد في القرآن: وهو الوحي بالمعنى العام فمن ذلك:
      أ- الوحي إلى بعض الآدميين ، ويدخل فيه :
      1- الوحي إلى بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبل النبوة، وهذا ليس من الوحي بالمعنى الخاص؛ لأنه قبل النبوة فهو كالإيحاء لغيرهم ، وإنما هو وحي ببعض المسائل، وليس من جنس وحي البلاغ.
      مثاله: قول الله عن يوسف :(فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) (يوسف:15) فقد أوحى الله إليه ذلك وهو غلام صغير، ولم يكن نبيا في ذلك الوقت، لأن الله آتاه النبوة بعد ذلك كما قال الله : (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً )(يوسف: 22)فهذا الوحي الذي حصل ليوسف في ذلك الحين، يمكن أن يقال في معناه: بأن الله أنزل إليه مَلًكاً يُثَبِّتُه في وقت الشدة ، ويمكن أن يقال: بأن الله ألهمه بأن هذه المحنة ستنجلي، وأن الله سيرفعه بعد ذلك على إخوته ، كما قال الله بعد ذلك ( كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ )(يوسف: 76) فهذا ليس من الوحي بالمعنى الخاص .ويمكن أن يلحق بذلك ما ذكر الله عن يحي أنه قال في حقه (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً) (مريم:12) ومعلوم أن يحيى  لم يتول ملكاً؛ بل قتل عليه الصلاة والسلام واستضعف، فإذاً يمكن أن يفسر الحكم الذي أعطيه يحيى عليه الصلاة والسلام وهو صبي: بأنه الحكمة . ويمكن أن يلحق بذلك أيضا قول الله عن عيسى عليه الصلاة والسلام: (وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ) (آل عمران:46) يعني في كهولته . وعيسى أخبر الله عنه أنه تكلم فعلاً في المهد (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً*وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً) (مريم:31.30) مع أن عيسى عليه الصلاة والسلام لم ينبأ إلا بعد ذلك حينما بلغ الثلاثين، وقوله : ( وَجَعَلَنِي نَبِيّاً)(مريم: 30) هذا من قبيل الإخبار عن الأمر الذي يكون في المستقبل بالماضي لأنه متحقق الوقوع. كما قال الله : (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ)(النحل: من الآية1) مع أن الساعة لم تأت بعد لكن لما كانت متحققة الوقوع عُبر عنها بذلك. ثم قال عيسى ( وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً)(مريم: 31) ومعلوم أن عيسى ويوسف عليهم الصلاة والسلام لم ينبؤوا في ذلك الحين وإنما نُبِّؤوا بعد ذلك فهذا وحي إلى بعض الأنبياء في بعض الأمور الخاصة قبل النبوة.
      2- الوحي إلى بعض أمهات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهذا الوحي ليس بكتاب، ولا رسالة، فليس هو من الوحي بالمعنى الخاص. مثال ذلك : أن الله أوحى إلى أم موسى فقال (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمّ)(القصص: من الآية7)وهي ليست نبية، وكذلك مريم ؛ قال الله عنها ( فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً*قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً) *قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً) (مريم:19.18.17) فأرسل لها جبريل عليه الصلاة والسلام وكلمها وهي ليست نبية.
      3- الوحي إلى الحواريين ـ وهم خلاصة أصحاب عيسى ، وقد اختلف في عددهم؛ فقال بعضهم: هم اثنا عشر رجلاً، وبعضهم يوصلهم إلى السبعين، ولا يثبت في ذلك شيء، ويمكن أن يجمع بين هذا وهذا، فيقال: لربما بلغوا السبعين وصفوتهم وخلاصتهم ورؤسهم هم هؤلاء الاثنا عشر ـ فقال الله : (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ) (المائدة:111)فهذا الوحي إلى الحواريين؛ يمكن أن يقال: إنه أوحى إليهم عن طريق عيسى ، أي: أمر الله عيسى أن يبلغهم أن الله يأمرهم بذلك، ويمكن أن يقال: أن الله ألهمهم ذلك بأن قذف في قلوبهم صدق عيسى فآمنوا به.
      ب - أنه يأتي بمعنى الإشارة والرمز وذلك كما في قوله عن زكريا عليه الصلاة والسلام حينما قال: (قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيّاً) (مريم:10) بمعنى أنك لا تستطيع الكلام ثلاث ليال من غير علة ولا عاهة ولا مرض ؛ فهذه علامة أنه سيرزق بالولد . ثم قال الله ـ وهذا موضع الشاهد ـ (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّاً) (مريم:11) ومعنى أوحى إليهم: أي رمز إليهم ، ويفسر ذلك الآية الأخرى وهي قوله: ( قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً )(آل عمران: من الآية41) فخرج عليهم فرمز إليهم بهذا الرمز، أي: أشار إليهم بهذه الإشارة .
      ج - الوحي إلى الملائكة عليهم الصلاة والسلام، وهو نوعان : وحي تبليغي: أي أن الله عز و جل يأمرهم فيه بالبلاغ . والثاني: وحي تكليفي: أي أن الله يوحي إليهم ليكلفهم ببعض التكاليف. فمن الأول – وهو الوحي التبليغي ـ قوله (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ)(الحج: 75)أي يصطفى رسلاً فيرسلهم إلى الرسل والأنبياء من البشر، يبلغون رسالات الله . ومن الوحي التبليغي أيضاً قوله : (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ*عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ) (الشعراء:194.193) والروح الأمين هو : جبريل عليه الصلاة والسلام. ومنه أيضاً قوله عن جبريل : (فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى)(النجم:10) أي: أوحى جبريل إلى النبي  . وكذلك قوله (يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ )(النحل: من الآية2) أي: ينزلهم بالوحي، وسمى الله الوحي روحاً؛ لأنه به حياة القلوب. وأما الوحي التكليفي: فكما في قوله : (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) (لأنفال:12) فهذا وحي تكليفي، كلف الله الملائكة بتثبيت قلوب المؤمنين، وبضرب أعناق الكافرين وتقطيع أطرافهم؛ فلا يستطيعون حمل السلاح. وكذلك كما في قوله : (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا)(البقرة: من الآية34) فهذا وحي تكليفي ،وكذلك كما في قوله: ( عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ )(التحريم: من الآية6)أي: ما كلفهم به .
      د - وهو الوحي الإلهامي التسخيري لبعض الكائنات: وهو خاص وعام ، فالعام هو: كل ما في الوجود فهو مسخر بأمر الله ، والخاص هو: ما ورد فيه أن الله أوحى إلى بعض المخلوقات فيما أخبرنا؛ كما قال الله عن النحل: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ) (النحل:68) فمعنى ذلك ـ والله تعالى أعلم ـ :أنه ألهمها وغرس في فطرها هذا الأمر.
      هـ - الوحي التسخيري لبعض الجمادات كقوله : ( ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ*فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ ) (فصلت: 12.11) فهنا كلمها مباشرة ـ كما هو ظاهر هذه الآية ـ ( فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً)(فصلت: من الآية11) وهذا من أنواع الوحي ، ثم أيضاً قال الله في تمام هذه الآية : ( وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا )(فصلت: من الآية12)وهذا يحتمل معنيين : فيحتمل أن يكون أوحى إليها ما يقوم به أمرها ونظامها، ويحتمل أنه أوحى إلى ملائكة كل سماء بأوامره إليهم، فيكون على تقدير والأصل عدمه، ويمكن أن يجمع بين المعنيين فيقال: إن الله أوحى إلى كل سماء ما يقوم به نظامها وما يقوم به أمرها، وأوحى أيضاً إلى ملائكة كل سماء بما شاء ، مما كلفهم به من التكاليف . وقال الله عن الأرض: (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا*بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا) (الزلزلة:5.4) تحدث أخبارها بسبب أن ربك أوحى لها فتكون الباء هنا سببيه ، أوأنها تنطق بما أوحى الله إليها، أي: بما أوحى الله إليها، فعلى الثاني: تكون محدِّثة بالموحى إليها، وعلى الأول: تتحدث بسبب أن الله أوحى إليها أن تتحدث فتخبر بما عمل عليها. وهذا هو الأقرب والله تعالى أعلم.
      و - وحي الشياطين إلى أوليائهم: وجاء ذلك في قوله : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) (الأنعام:112) فهؤلاء يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً، فشياطين الجن توسوس لشياطين الإنس، وتوحي لهم وتقذف في قلوبهم الشبهات التي يبرزونها ويظهرونها؛ فيشككون بما جاء به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ويوحون إليهم بالأمور التي يحصل بها الإفساد للخلق .وقد جاء عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه وكان زوجاً لأخت المختار الثقفي الذي ادعى النبوة في آخر أمره ثم قتله مصعب بن الزبير ـ رضي الله تعالى عنه ـ فقيل لابن عمر: إن المختار يزعم أنه يوحي إليه. فقال: صدق، ثم قرأ هذه الآية ( وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ )(الأنعام: من الآية121)،فهو يوحى إليه؛ لكن الذي يوحي إليه الشيطان، فالشياطين توحي إلى الآدميين . وآية الأنعام الأخرى تدل على ذلك (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورا)(الأنعام: من الآية112) فمما كانوا يوحونه إليهم أنهم كانوا يقولون لهم: ما ذبحتموه بأيديكم تقولون حلال، وما ذبحه الله بيده الكريمة تقولون حرام ـ يعنون الميتة ـ إذاً أنتم أحسن من الله! ألقوا إليهم هذه الشبهة فقال الله : (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ)(الأنعام: من الآية121)
      وهذا النوع من الأنواع التي وردت في كتاب الله وهي من الوحي بالمعنى العام .
      و الوحي بالمعنى الخاص هو الذي يعيننا هنا وهو المهم ؛ لأن إثبات الرسالات يتوقف عليه ، ولما قال بعض اليهود على سبيل المكابرة رداً لنبوة محمد : ( مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ )(الأنعام: من الآية91)فعمُّوا؛ لأن لفظة( شيء ) نكرة جاءت في سياق النفي فتعم. فاحتج الله عليهم بحجة ألقمتهم حجراً فقال: ( قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى )(الأنعام: من الآية91) فمعنى ذلك أنكم تنكرون نبوة موسى لكونه داخلاً في هذا العموم .


      تعريف الوحي بالمعنى الخاص:
      فالوحي بالمعنى الخاص : هو إعلام الله لأنبيائه ورسله بما يريد إبلاغه لهم من شرع أو كتاب بالكيفية التي يريدها .
      وعرفه بعضهم كالحافظ ابن حجر : بأنه الإعلام بالشرع .
      شرح التعريف:
      فقولنا: (بالكيفية التي يريدها ) هذا يتعلق ببيان أنواع الوحي إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام .والمقصود هنا؛ الوحي بمعناه ومفهومه الخاص، وأجمع آية وردت في هذا النوع هي قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) (الشورى:51) فهذه الآية جمعت ثلاثة أنواع: أولها: قوله: (إلا وحياً ) ،ثانيها: قوله: ( مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ )، ثالثها: قوله: ( أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً)فجمعت هذه الآية عامة أنواع الوحي.
      فقوله : (إلا وحياً ) يدخل تحته أمور متعددة من أنواع الوحي؛ أولها: الرؤيا الصادقة وهي من أنواع الوحي، كما قالت عائشة : (أول ما بدئ به رسول الله الرؤيا الصادقة ـ أو الصالحة ـ فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح) أخرجاه في الصحيحين ( خ/ 3، م / 231 ) فأول ما بدئ به رسول الله هي الرؤيا الصالحة . وقد بقي ستة أشهر قبل نزول الملك يرى هذه الرؤى التي تأتي مثل فلق الصبح، وقد صح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال:: " الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ " ( خ/ 6474) ويتبين معنى هذا الحديث من خلال الحديث الذي ذكرته قبل قليل، فمدة بقاء النبي في مكة ثلاث عشرة سنة ، وفي المدينة على الأرجح عشر سنوات، فالمجموع ثلاث وعشرون سنة ، فلو قسمت هذه الثلاث وعشرين على ستة أشهر فيكون ستا وأربعين ، والرؤيا الصالحة استمرت ستة أشهر فهي جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة؛ هذا يمكن أن يفسر به الحديث والعلم عند الله ، ولا يقطع به، ولكنه احتمال.
      ومما ورد في كتاب الله من هذا النوع من الوحي ـ وهو الرؤيا الصادقة ـ قول الله عزوجل عن إبراهيم (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) (الصافات:102) فهنا قال (إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ) فاحتج بالرؤيا، و بنى عليها العمل ( وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ)(الصافات: من الآية103) وكذلك استجابة إسماعيل له بقوله: ( يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ )(الصافات: من الآية102)، ثم قوله: (افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ) يدل على أنه أمر من الله ، و لهذا قال الله : (وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ*قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) (الصافات:105.104) . و كذلك قال في حق النبي : ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ)(الاسراء: من الآية60) و هذه الرؤيا بعض العلماء يقولون: هي ما رآه النبي ليلة الإسراء و المعراج فهي رؤيا عين؛ وليست رؤيا في المنام، والقول الآخر وهو الأقرب، وهو أنها تفسر بقوله في سورة الفتح: (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً) (الفتح:27) وهو فتح خيبر. فهذه الرؤيا التي رآها النبي حيث رأى نفسه يطوف آمنا مع أصحابه بالبيت، وتعلقت قلوب الصحابة رضي الله تعالى عنهم بمقتضى هذه الرؤيا ومضمونها. ولا شك أن رؤيا الأنبياء حق. وحينما نقول بأن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة . فيتنبه هنا إلى أنه لا يجوز أن يبنى على الرؤى حكم من الأحكام لا في الأمور الشرعية ولا في غيرها من القضايا العلمية أو العملية، بمعنى أنه لا يجوز للإنسان أن يتعبد بعبادة بناء على رؤيا رآها، إذا كانت هذه العبادة لم يشرعها الله ، ولا يجوز للإنسان أن يبني على ذلك قضية علمية أو عملية؛ بمعنى أنه مثلا رأى في المنام أن تركيب الدواء الفلاني يفيد من المرض الفلاني، فهذا لا يُبنى عليه حكم، ولا يصح أن يعتمد عليه، وهكذا أيضا بما يتعلق بالقضايا العلمية من الحب والبغض و اعتقاد ولاية إنسان أو فساده أو نحو ذلك.

      تنبيه: إذا علم أن رؤيا الأنبياء حق و أن الرؤى الصالحة من أنواع الوحي إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فلا يعني ذلك أن شيئاً من القرآن قد نزل على النبي وهو في حال النوم . نعم أوحي إلى النبي بأشياء وهو في حال النوم ليس منها القرآن. وقد يشكل على البعض ما صح عن النبي فيما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه ( 607 ) من حديث أنس ـ ـ :" بينما رسول الله بين أظهرنا، إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسما، فقلنا ما أضحكك يا رسول الله ؟ فقال أنزل علي آنفا سورة، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) (الكوثر:1)... إلى آخرها"
      فالجواب : أن هذه ( إغفاءة ) كما عبر أنس بن مالك ـ رضي الله تعالى عنه ـ ولم تكن نومة ، ومعلوم أن الإغفاءة نومة يسيرة فالنبي جالس بين أصحابه يحدثهم، ولا يتصور أنه عليه الصلاة والسلام ينام بينهم في مجلسه ، و إنما هذه هي الحالة التي كانت تعتريه عند نزول الوحي، والتي يقال لها برحاء الوحي، فقد كانت تعتري النبي حالة يتربد لها وجهه، و يسيل منه العرق، ويلاحظ ذلك أصحابه، فهذه الحالة التي اعترته فعبر عنها أنس بن مالك بذلك.
      فإذاً ينبغي أن نفرق بين ثلاثة أشياء:
      بين دعوى ما نزل من القرآن مناماً، وبين أن الرؤيا نوع من أنواع الوحي، وبين أن بعض القرآن نزل عليه وهو في فراشه، فيمكن أن نقول: إن بعض القرآن نزل والنبي في فراشه، ولكن وجود الإنسان في فراشه لا يعني أنه نائم، وهذا ما يسميه السيوطي فيما سبق من العناوين التي سردتها قبل بالفراشي والنومي ، فنقول: نزل على النبي بعض الآيات وهو في فراشه، كما في قوله تعالى: ( وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ )(المائدة: من الآية67) لأن النبي بات ليله قلقاً وتمنى أن يُحرس، فسمع قعقعة السلاح فقال من هذا ؟ فقال : سعد بن مالك ـ سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه ـ فهيأ الله له ما تمناه، فأنزل الله عليه ( وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ )(المائدة: من الآية67) فقال: انصرفوا" ( خ/ 2672، م/ 4427 )
      هذا ما يتعلق بالرؤيا الصالحة، وهي النوع الأول الذي يدخل تحت قوله: ( إِلَّا وَحْياً )(الشورى: من الآية51)
      النوع الثاني: الذي يدخل تحت قوله: : ( إِلَّا وَحْياً )وهو: النفث في الرُّوع كما صح عن النبي أنه قال: ( إن روح القدس – يعني جبريل – نفث في رُوعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها و أجلها فاتقوا الله و أجملوا في الطلب) فالنفث في الرُّوع داخل تحت قوله : ( إِلَّا وَحْياً )
      ويشبهه النوع الثالث: الداخل تحت قوله : ( إِلَّا وَحْياً )وهو: الإلهام. وحقيقته: إلقاء المعاني في القلب، ولو من غير نزول الملك.
      إذاً هذه ثلاثة أنواع تدخل تحت قوله : : ( إِلَّا وَحْياً ).
      ثم قال الله ( أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب)(الشورى: من الآية51)كما كلم الله موسى ، وكما كلم محمداً عليه الصلاة والسلام قال تعالى: ( وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً)(النساء: من الآية164)وقال: (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ )(لأعراف: من الآية143) وقال: ( إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي )(لأعراف: من الآية144)و أما النبي فقد وقع له الكلام الإلهي المباشر في ليلة المعراج، ويفهم ذلك من آية النجم، ومن حديث المعراج، ففي آية النجم؛ قال الله : (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى*فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى*فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى) (لنجم:10.9.8) فالتفسير المشهور لهذه الآية: أن جبريل ـ ـ دنا فتدلى، فكان قربه من النبي قاب قوسين أو أدنى، فأوحى جبريل إلى عبد الله وهو محمد ما أوحى، يعني ما أمره الله تعالى أن يوحيه إليه ، هذا هو المعنى المشهور، وهو الأرجح في تفسير الآية ولا شاهد فيه، و إنما ذكرت هذه الآية بناء على التفسير الآخر، وهو أن قوله (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى) الدنو هو دنو النبي من الجبار ، فكان فيه بالقرب القريب، وهذا يوضحه رواية عند البخاري( 6963 ) في النسخة اليونينية ( ثم دنا للجبار، فأوحى الله إلى عبده ما أوحى)، وفي بعض النسخ (ثم دنا الجبار).
      لكن الأقرب أن الذي دنا فتدلى هو جبريل عليه الصلاة والسلام،فإن هذه اللفظة ( ثم دنا الجبار ) مما انفرد به شريك في حديث الإسراء المشهور، وقد عدها بعض أهل العلم من جملة أوهامه في هذا الحديث، ثم هو خلاف المشهور عن الصحابة رضوان الله عليهم في تفسير هذه الآية كما سبق، ويرجحه القرينة التي في الآية؛ وهي قوله : (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى) (لنجم:13) أي: رأى جبريل مرة أخرى على هيئته الحقيقية الملائكية.
      و أما من السنة: فحديث مالك بن صعصعة الذي أخرجه البخاري في صحيحه ( 3598 )، في قصة فرض الصلاة، وفيه: ـ ثم فرضت علي خمسون صلاة، فأقبلت حتى جئت موسى فقال: ما صنعت قلت: فرضت علي خمسون صلاة ، فقال: أنا أعلم بالناس منك، عالجت بني إسرائيل أشد المعالجة ... إلى أن قال: فرجعت ـ يعني إلى الله ـ فسألته فجعلها أربعين ـ ثم تكرر ذلك مع موسى ثم رجع النبي إلى ربه ثم بعد ذلك ـ "نودي أني قد أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي و أجزي الحسنة عشراً) وفي رواية:" فراجعت ربي قال: هي خمس ، وهي خمسون لا يبدل القول لدي" يعني خمس فرائض والحسنة بعشر أمثالها فهي خمسون في الميزان. فظاهره أنه كلام مباشر من الله .
      فالله كلم موسى وهو في الطور بتكليم مباشر، وكلم النبي وهو في السماء.
      ومن النصوص المتعلقة بالكلام الإلهي المباشر؛ وهي داخله تحت الكلام من وراء حجاب؛ ما ورد في كتاب الله في ثلاث سور، وهي أربع آيات لا خامس لها؛ ففي سورة البقرة (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ)(البقرة: من الآية253)، وفي النساء (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ) إلى قوله ( وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيم)(النساء: 163، 164)، و في الأعراف آيتان (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ )(لأعراف: من الآية143). وقوله: (قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) (لأعراف:144) و أما قوله ( أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً)(الشورى: من الآية51) فيحتمل معنيين:
      المعنى الأول: أنه يرسل رسولاً ملائكياً إلى رسولٍ بشري، و هذا هو الغالب مع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
      المعنى الثاني: أنه يرسل رسولاً من البشر إلى نظرائه من الآدميين، لأن الله لا يخاطب أولا يوحي إلى كل واحد من بني آدم، و إنما يرسل منهم رسولاً إليهم لينذرهم و يبشرهم. فهذان المعنيان تحتملهما الآية، و لا تعارض بينهما، فكلاهما صحيح.

      الأحوال والصور التي يأتي عليها الملك للرسول البشري:
      والملك حينما يأتي للرسول البشري، أو لنبينا يأتيه بصور متعددة:
      الصورة الأولى منها: أن يأتيه على صورته الحقيقية، وقد حصل ذلك للنبي مرتين:
      المرة الأولى: أنه رآه النبي على كرسي أو على عرش بين السماء والأرض؛ كما في حديث جابر عند البخاري( 4541، م/ 233): ( فبينا أنا أمشي سمعت صوتا من السماء فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء و الأرض) وفي رواية ( ثم نوديت فرفعت رأسي فإذا هو قاعد على العرش في الهواء ـ يعني جبريل ـ فأخذتني رجفة شديدة".
      المرة الثانية: حين رآه النبي عند سدرة المنتهى ؛ كما في قول الله (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى*عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى) (النجم:14.13)

      الصورة الثانية: أن يأتيه ولا يراه النبي ، ولكن تُرى بعض الآثار على النبي ، وقد تُسمع بعض الأصوات، ولكن جبريل لا يُرى، فالصحابة ـ ـ كانوا يسمعون عند وجه النبي إذا نزل عليه جبريل صوتاً كدوي النحل عند وجهه ـ عليه الصلاة والسلام ـ، ويتفصد العرق من جبينه في اليوم الشاتي، ويدل على ذلك حديث عائشة رضي الله تعالى عنها عند البخاري(2) ومسلم (4304): أن الحارث بن هشام سأل رسول الله فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟! فقال النبي :" أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال" وذكر النبي للحارث بن هشام الحالة الثانية ؛ وهو ( أن يأتيه على هيئة رجل فيكلمه فيعي ما يقول) فالحالة الأولى المذكورة في حديث الحارث بن هشام: "أن يأتيه على مثل صلصلة الجرس" ؛ يعني: أن النبي يسمع صوتا كصلصلة الجرس، والصلصلة: هو صوت متدارك وهو معروف والجرس معروف وهو: الجلجل. و بعض أهل العلم يقولون: إن النبي يسمع هذا الصوت، والصحابة يسمعون كدوي النحل عند وجهه عليه الصلاة والسلام، فبالنسبة إليهم يسمعون كدوي النحل وبالنسبة للنبي يسمع صوتا كصلصلة الجرس.
      ومما يدل على ذلك أيضاً ما أخرجه الترمذي ( 3097 ) من حديث عمر بن الخطاب أنه قال: ( كان النبي إذا نزل عليه الوحي يُسمع عند وجهه كدوي النحل فأنزل عليه يوما فمكثنا ساعة ثم سُرِّي عنه فقرأ (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) (المؤمنون:1) وكذلك ما أخرجه مسلم ( 4305 ) من حديث عبادة بن الصامت قال: ( كان النبي إذا نزل عليه كَرِب لذلك وتربد له وجهه"،و قالت عائشة : "ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا" وهذا هو الغالب من الحالات التي كان يأتي بها جبريل إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام.
      الحالة الثالثة: أن يأتي إلى النبي على هيئة (صورة) رجل، ويدل على ذلك: حديث الحارث بن هشام الذي روته عائشة ـ ـ وفيه: "و أحيانا يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول"
      وكذا حديث ابن عمر عند أحمد( 5592) :"كان جبريل يأتي النبي في صورة دحيه الكلبي" وهو رجل من الصحابة.
      وكذلك: حديث عمر وهو ما يعرف بحديث جبريل المشهور في مسلم ( 8 ) (لما جاء جبريل في هيئة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يعرفه منهم أحد ولا يرى عليه أثر السفر).
      ومن ذلك أيضاً: ما وقع للنبي في طفولته (حيث جاءه رجلان فشقا صدر النبي ...الحديث) في مسلم ( 236) فهذا كله مما يستدل به على هذه الحالة.
      تنبيه :
      قد يرد هنا سؤال وهو: أن الحارث بن هشام عندما سأل النبي عن كيفية مجيء الوحي إليه؛ أجابه النبي بصورتين فقط ؛ مع أن هناك بعض الصور الأخرى من صفات الوحي وحالاته، كدوي النحل، والنفث في الروع، والإلهام، والرؤيا، والتكليم بلا واسطة، وكذلك مجيء جبريل بصورته الحقيقية، فهذه خمس صور لم ترد في حديث الحارث بن هشام لما سأل النبي .
      فيقال:إن النبي ذكر له حالتين فقط ؛لأنها هي الغالب.
      وقيل:إن ما ذكر وقع بعد سؤال الحارث بن هشام؛ وهذا فيه بعد، بل هو غلط وإن قاله بعض أهل العلم؛ لأن جبريل جاء للنبي بصورته الحقيقية في أول النزول في مكة، وكذا الرؤيا الصالحة، وقصه الحارث بن هشام كانت في أواخر العهد المدني، لأن الحارث بن هشام أسلم عام الفتح, لما دخل النبي مكة فاتحا. فهذا الجواب لا يصلح.
      ويمكن أن يقال: إن النبي لم يذكر صورة الملك حينما يأتي بصورته الحقيقية لأن ذلك نادر، وأيضاً: لم يذكر الرسول الإلهام والرؤيا، لأن هذه أمور قد تقع لغير الأنبياء ولا غرابة فيها، وإنما سأله كيف يأتي إليه الملك فيوحي إليه بالوحي الذي تظهر آثاره على النبي ، أو كيف يأتيه بصورة لا يأتي بها الناس سوى رسول الله . أما الإلهام والرؤيا الصالحة فيقعان للناس ،فهو لم يسأل عن ذلك.
      ويمكن أن يقال أيضاً: بأن دوي النحل لا يتعارض مع صلصلة الجرس الذي ذكرها النبي للاعتبار التي ذكرته فيما سبق. والعلم عند الله .
      وكذلك النفث في الرُّوع؛ يمكن أن يعاد إلى أحدى الحالتين: فيأتيه الملك فينفث في رُوعه بصورة صلصلة الجرس الذي يسمعه النبي ، أو يأتي على هيئة رجل ثم ينفث في رُوع النبي ، ولا مانع من ذلك و الأحاديث تحتمله. والعلم عند الله .
      ويمكن أن يقال أيضاً: إن السؤال كان عن صفة الوحي الذي يأتي بحامل لا مجرد الرؤيا ولا مجرد الإلهام، وهكذا التكليم الإلهي المباشر كالتكليم ليلة المعراج فإنه لم يسأل عن ذلك.
      فهذه احتمالات يذكرها العلماء في الجواب عن هذا الإشكال.
      وقد يرد هنا سؤال آخر وهو: أن آية الشورى تضمنت الأنواع الخمسة التي ذكرناها، و قلنا هي أجمع آية في أنواع الوحي، لكن من أنواع الوحي أن يكتب الله لنبي من الأنبياء كتابا، أو ينزل عليه كتاباً وهذا لم يرد في آية الشورى فيما يتبادر لمن نظر فيها؛ فما الجواب عن ذلك ؟!
      فيقال : إن مسألة الكتابة و إنزال الكتب مسألة ثابتة لاشك فيها؛ والله أخبر أنه أنزل التوراة على موسى وكتب له في الألواح، كما في سورة الأعراف حين قال: (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا) (لأعراف:145) وكذلك في قوله عن موسى : (وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدىً وَرَحْمَةٌ )(لأعراف: من الآية154)، وفي الصحيحين (خ/ 3157، م / 4793) في قصة محاجة آدم وموسى عليهم الصلاة والسلام :" فَقَالَ لَهُ آدَمُ أَنْتَ مُوسَى اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِكَلَامِهِ وَخَطَّ لَكَ بِيَدِهِ " وفي رواية:" كَتَبَ لَكَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ "
      فيمكن أن يجاب عن الإشكال السابق بعدة أجوبة:
      الأول : أن يقال بأن الآية تكلمت عن طرق تكليم الله لأنبيائه صلى الله عليهم وسلم، وما تكلمت عن الكتابة فالله تعالى يقول: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً)(الشورى: من الآية51).ويمكن أن يناقش أيضاً هذا الجواب.
      الثاني:أن يقال: إن الكتابة هي أحد اللسانيين فهي لون من الكلام، فقوله تعالى:( أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً)...إلخ فالكلام يكون عن طريق الوحي، ويمكن أن يكون منه الكتابة.
      الثالث:أن يقال إنها يمكن أن تدخل تحت قوله : ( أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً)(الشورى: من الآية51) فيكون الملك قد جاء بهذه الألواح أو بالتوراة . وعلى هذا فالكتابة إما أن تدخل تحت قوله ( إِلَّا وَحْياً)(الشورى: من الآية51) أو تدخل تحت قوله ( أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً)والله تعالى أعلم.
      فائدة:
      الأقرب في معنى هذه الألواح؛ أنها هي التوراة، بدليل الحديث السابق: " ...وكتب لك التوراة بيده "، وكذلك في قوله ( مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ)(لأعراف: من الآية145).وأما قول بعض أهل العلم بأن الألواح هي الوصايا العشر؛ فهذا فيه نظر. والله تعالى أعلم.

    • #2
      جزاك الله خيراً ونأمل المواصلة في نقل الموضوعات القيمة .
      الدكتور أحمد بن محمد البريدي
      الأستاذ المشارك بجامعة القصيم

      تعليق


      • #3
        أبشر يا شيخ أحمد ، سأسعى إلى ذلك جاهدا، شاكرا لك دعاءك ودعمك ، والله يحفظك

        تعليق


        • #4
          للرفع

          تعليق


          • #5
            للرفع

            تعليق


            • #6
              وهذا موضوع فصلت فيه القول في أهم مسائل هذا الموضوع

              مسائل في الوحي
              محمدبن عبدالله بن جابر القحطاني
              [email protected]

              تعليق

              20,173
              الاعــضـــاء
              230,951
              الـمــواضـيــع
              42,370
              الــمــشـــاركـــات
              يعمل...
              X