إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • مصدرية القرآن والسنة للمعرفة

    "من كتاب مصادر المعرفة للدكتور جمال عبد العزيز شريف والبروفسير عبد الله محمد الأمين النعيم"
    -أزمة المعرفة الغربية :
    أ-الجذور التاريخية للأزمة:
    ظلّت الكنيسة الغربية مهيمنة على كل مجالات الحياة في أوربا وكان أسلوبها في التفكير يتجه اتجاهاً معاكساً للحقيقة والواقع، حيث ظلّ موغلاً في تصور ديني مال إلى تأليه المسيح عيسى ( ) والقول بعقيدة التثليث والحلولية والتجسيد. ومن الثابت تاريخياً أنّ المجمع المسكوني الذي انعقد في مجمع نيقية عام 325م لم يحترم تصور الوحدانية الذي مثله آريوس وهو تصوٌُر سيدنا عيسى والحواريين الأوائل، فأصدر ذلك المجمع دستوراً ملزماً بشأن مسألة التثليث وصار ذلك عقيدة وأهمّ سر من أسرار المسيحية وقد مارست الكنيسة اضطهاداً للأسلوب العلمي في التفكير حيث احتكرت وحدها مجال التفكير وحرّمت كل تفكير يخالف تقاليد البابوية ، وشدّدت من قبضتها بتحالفها مع السلطة السَّياسية " النظام الإقطاعي" وصار كلِ منهما يخدم الأخر ، فالكنيسة تقدَّم الأبنية الفكرية التي تحتم على الناس أن يصوغوا وفقها سلوكهم وأساليب تفكيرهم والنظام الإقطاعي العسكري يقدَّم التغطية الأمنية اللازمة لتنفيذ قرارات الكنيسة .
    ولقد أدرك المفكرون المناهضون للكنيسة أنّه لا بد من مناهضة هذين النظامين – الكنسي والإقطاعي ولقد تدخلت عوامل عديدة لتوجيه الصراع لصالح هؤلاء المفكرين كان من ضمنها دخول العلوم الإسلامية خلال القرنين "11-12م" إلى الدُّول الأوربية وقيام طبقة صناعية مناهضة للإقطاعيين . وكان من ضمن تلك العلوم الإسلامية ، العلوم التجريبية القائمة على منهج الاستقراء والملاحظة .
    ولقد أثّر دخول منهج البحث التجريبي لأوربا على أساليب التفكير اللاهوتي التي كانت غارقة في التفكير النظري والتجريد الغيبي "الميتافزيقي" وكانت هذه المرحلة التاريخية مرحلة تحوُّل حاسمة امتد أثرها إلى كل الدول الأوربية وشكّل نواة الثورة العلمية الغربية ووجّه العقول تجاه المعرفة العلمية الحقة
    ومما سبق يتضح لنا أنّ السَّمة المميزة في تاريخ الفكر الغربي القديم - التي ما زالت آثارها باقية حتى الآن - هي وجود صراع بين العلم والديِّن وقد انتهى هذا الصراع بإقصاء الديِّن والتفكير الدَّيني عن مجالات الحياة وحصره داخل جدران المعابد وطرده من مجال النظر العقلي ، وعندما حلّ القرن الثامن عشر كان الفكر الغربي قد قطع أعظم الأشواط في التحرُّر من الفكر الدَّيني حتى أُطلق على هذا القرن عصر التنوير.
    ولم يكن يقصد بالتنوير سوى إبعاد الديِّن " الوحي" عن التوجيه ، وأهمّ ميزة اختص بها عصر التنوير هي الإيمان بقدرة العقل على فهم الكون واستيعابه وإخضاعه لحاجات الإنسان ، ونتج عن هذا مبادئ انطلقت منها النهضة الأوربية وانتهت إليهـــا هي
    1- الإيمان العميق بالعالم الطبيعي على أنّه العالم الوحيد الذي يسعد فيه الإنسان ويجد فيه مطالبه ويلبي حاجياته المادية والرُّوحية.
    2- الإيمان العميق بالإنسان على أنه مركز الثقل في العالم والعامل الفعّال في التطور والإبداع.
    3- الإيمان بالعقل وحده على أنَّه الوسيلة الوحيدة التي تضمن السيطرة على العالم وتسخير إمكاناته بالاعتماد على العلم وحده ، فالنظرة المادية إلى الكون والإنسان هي سمة الفكر الغربي، وهي السِّمة التي عملت الفلسفة الوضعية على ترسيخها بطريقة علمية للوصول إلى مشروعية التصورات المادية للعالم.
    والإنسان الغربي الذي تشبَّع بهذه المنطلقات الفكرية يجب أن يبحث عن كل شيء في محيطه الاجتماعي ؛ قيمه وأخلاقه التي يدين بها ، وإنّ الإنسان ملتزم ومقيَّد بقواعد أخلاقه؛ ولكن صانع القيد هو وجوده المادي نفسه . وهكذا كانت ملامح العلمانية في القرن الثامن عشر الميلادي واضحة ومتغلبة على الاتجاهات الكنسية وبدأت تبسط سلطانها على المرافق التي تشغلها الكنيسة.
    والواقع أنّ الفكر في عصر النهضة الأوربية اتسم بنزعة شديدة العداء للسلطة الدِّينية كما اتسم برغبة جامحة في الخلاص بكل السُّبل من الخضوع للقيادة الفكرية والعلمية لتلك السُّلطة الدِّينية .ولهذا فلم يكن هناك مفر من البحث عن مصدر للحقيقة يكون بديلاً للسُّلطة الدِّينية، وكلما كان ذلك المصدر مناوئاً ونقيضاً للمصدر الدِّيني كلما كان ذلك أفضل، ولم يكن هناك من مصدر أفضل من التركيز على الخبرة الإنسانية واستخدام الحواس كأساس للمعرفة العلمية الحقة؛ فاعتماد الحواس يحرِّر الإنسان ويعطيه قيمته؛ والحس يقلِّل إلى أقصى حد من قيمة المصدر الدَّيني ، ولقد كان للسير فرانسيس بيكون أثر بارز في توجيه العلم للاقتصار على الخبرة الحسِّية وتأسيس الاتجاه الحسي “Empiricism” ويقابل هذا الاتجاه العقلاني “Rationalism” الذي يقلِّل من شأن الحس وكان رينيه ديكارت مؤسساً له
    وكان من نتائج هذا الصراع أن نشأت أزمة معرفية ظهرت واضحة للعيان في مناهج العلوم وأثّرت بدورها على مجمل أوجه ومجالات الحياة، ذلك أنّ إقصاء الوحي من توجيه المعرفة أدى لانحصار المعرفة في مجال العالم المشاهد، وطبع المعرفة بطابع الظنية والنسبية وما ذلك إلا لأنّ المعرفة كانت معرفة بشرية قاصرة عن إدراك ما وراء الحواس.
    ب- جوهر الأزمة الغربية
    ألمحنا فيما سبق لعموميات الأزمة وسوف نتحدث هنا بشيء من التفصيل، فقد كانت المعرفة الغربية في مرحلة سيادة الكنيسة معرفة مستمدة من الوحي رغم ما اعترى الوحي المسيحي من تشوهات
    وكان من نتائج الصراع بين الكنيسة والعلماء أن تحولت المعرفة إلى معرفة بشرية محصورة في الواقع المشاهد ، فالمحسوس والمشاهد الذي يخضع للاستقراء والتجربة والقياس الكمي وحده هو العلم وما عداه أي كل ما لا يخضع للاستقراء والتجربة والقياس الكمي- يعتبر لا علم وتعتبر قضاياه بلا معنى. وهذه هي الرُّوح العلمية التي بلورها بيكون؛ حيث الاقتصار على ما هو موضوع أمامنا في العالم الواقعي التجريبي والإنصات لشهادة الحواس كمصدر للمعرفة وأن الطبيعة هي مملكة المعرفة ويجب الحيلولة دون أن يتجاوزها العقل ، وعلى مدار العصر الحديث تبارى الفلاسفة الإنجليز في تأكيد التجريبية والنظرية الحسية في المعرفة والعزوف عن الغيبيات "الميتافزيقيا".
    وهكذا فإنّ الظروف التاريخية والثقافية والاجتماعية التي نشأ في ظلها العلم الأوربي الحديث وتطوّر قد أدت في النهاية إلى صياغة نظرية المعرفة “Epistemlogy” التقليدية في اتجاهات تنأى بالعلم عن أن يكون له أدنى صلة بالتصورات الدَّينية : اتجاهات تحصر اهتمام العلم في الظواهر التي يمكن مشاهدتها بالحواس والتي تتوقف بالتالي عند دراسة ما هو كائن وواقع دون إعطاء أي مشروعية علمية لتقويم هذا الـــواقع
    مما سبق يمكننا تلخيص جوهر الأزمة المعرفية الغربية في الآتي :
    1- إنّ مفهوم العلم كما بلورته الفلسفة الغربية صار ينظر إليه من زاوية أكثر محدودية حيث صار مفهوم العلم هو " المعرفة المصنفة التي تمّ التوصل إليها باتباع قواعد المنهج العلمي مصاغة في قوانين عامة للظواهر الفردية المتفرقة " وهذا العلم يقوم على الاستقراء الذي يعتمد على الملاحظة ووضع الفروض وإجراء التجارب للتحقق من صحة الفروض ، وعلى هذا فقد أصبح العلم – عندهم – يقتصر على دراسة ما يعرف بالواقع المحسوس أو الواقع الامبيريقي أي الظواهر التي يمكن إدراكها بالحواس. أما عن المنهج فإنّه يركِّز بصفة أساسية على الاستقراء، ومعنى هذا أنّ موضوعات الدراسة التي تتصل بقطاعات أخرى من الظواهر تخرج عن نطاق المشاهدة الحسية مهما كانت أهميتها لسعادة الإنسان فإنّها مستبعدة تماماً عند علماء العصر الحديث من نطاق الدراسة العلمية وكأنّ عالم المحسوسات هو وحده الذي له وجود حقيقي
    2- إن اعتماد النموذج التطبيقي – القائم على منهج الاستقراء- في مناهج البحث قد حقّق نجاحاً باهراً في مجال العلوم الطبيعية وذلك بسبب تعامل هذه العلوم مع ظواهر ذات طبيعة بسيطة التكوين؛ حيث تقوم هذه العلوم على استقراء الظواهر الجزئية المحسوسة وصولاً إلى تعميمات تصدق في كل زمان ومكان بعد ثبوت مطابقتها للواقع المحسوس. وقد استبعدت هذه العلوم تماماً القيم الرُّوحية والدينية أي عدم وجود السياج الأخلاقي. وهو ما أدى إلى حدوث آثار هدّامة.
    3- اعتبر النموذج الطبيعي سلطة مرجعية للعلوم الإنسانية والاجتماعية؛ وذلك لتحقيق أكبر قدر من العلمية؛ على الرغم من أنّ الظواهر الإنسانية والاجتماعية ليست في واقعها وحقيقتها مظاهر حسية فهناك جوانب غير مادية في الإنسان بما في ذلك تفكيره وسلوكه وغاياته التي لا يمكن التعرُّف عليها عن طريق الملاحظة الداخلية أي بفهم المعاني التي تعبِّر عنها هذه التصرفات وهي معاني نابعة من شعور الإنسان وإحساسه الداخلي .
    4- استبعدت العوامل الرُّوحية والقيم من نطاق الدِّراسة ؛ وهي قضايا تشكِّل جزءً مهماً من نشاط الإنسان في تفكيره وثقافته وعاداته وتؤثِّر في توجيه سلوكه وتصرفاته . وبالتالي تم استبعاد ما يتولد عن هذا النشاط الإنساني من علوم مرتبطة بقيم الإنسان ، وهي العلوم العقدية.
    5- زعمت نظريات العلوم الإنسانية والاجتماعية لنفسها حياداً قيمياً لم تلتزم به في الواقع حيث كرست قيم الثقافة الغالبة وجعلتها المعيار الذي يقاس عليه كل تقييم إنساني، أو اتجهت إلى نسبية قيمية أضاعت كل تقييم، وهذا يؤكِّد وجود تحيز معرفي في تلك العلوم
    6- انتهت المنهجية “Methedology” الوضعية إلى إنكار وجود إله خارج الشعور الجماعي لأفراد المجتمع أو خارج شعور أفراد الإنسانية جمعاء فضلاً عن الاعتراف بوجود موجودات عالم الغيب بما في ذلك اليوم الآخر .
    7- الأهم من ذلك كله هو عدم الاعتراف بالوحي مصدراً للمعرفة، وهو العامل الأهم في فساد الفلسفة الوضعية، لأنها بإبعادها الوحي حصرت نفسها في الوجود المادي ولم ترَ وجوداً وراء هذا الكون المحسوس ، وكان من جراء ذلك انتفاء الإحساس بوجود سلطة عليا يكون الإنسان مسؤولاً لديها عن تصرُّفه. ولما كانت شهوات الإنسان وأمانيه لا حدود لها ، وما تحويه البيئة في أي وقت من الأوقات ومكان من الأمكنة محدود بالنسبة إلى ما يتطلبه إشباع تلك الشهوات - فقد صار العلم هو السلاح الذي انتهكت به حرمة البيئة، وكانت التقنية هي سبيل هذا الإنسان الدنيوي لإحداث هذا الانتهاك حتى ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس.. لقد كان سوء استغلال العلوم الحديثة والتقنية التي أنجبتها وإفساد الأرض هو ثمرة طبيعية للفلسفة الوضعية التي لم تر للكون ولا للبيئة حرمة"
    الخلاصة:
    1- نتيجة لانحصار الفلسفة الغربية في دراسة الواقع المحسوس أو عالم الشهادة فقد تمركزت حول الذات الإنسانية والطبيعة ، وأدى هذا إلى تأليه الإنسان والطبيعة ، حيث الإيمان العميق بالعالم الطبيعي على أنه العالم الوحيد الذي يسعد فيه الإنسان ويجد فيه مطالبه ويلبي حاجياته المادية والروحية ، وإيمان عميق بالإنسان على أنه مركز الثقل في العالم ، والإيمان بالعقل وحده على أنه الوسيلة الوحيدة التي تضمن السَّيطرة على العالم وتسخير إمكاناته بالاعتماد على العلم، والنتيجة هي شيوع العلمانية والإلحاد والفوضوية والشك والعدمية
    2- إنّ النجاحات التي حققها المنهج العلمي الوضعي قد انحصرت في مجال العلوم الطبيعية، غير أنّ هذا المنهج التقليدي قد فشل فشلاً ذريعاً في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية حيث سارت هذه العلوم في طريق مسدود لم تستطع تجاوزه في محاولاتها للتوصل إلى فهم واقعي للنفس الإنسانية ، يشهد بذلك ما تعانيه تلك المجتمعات المتقدمة من مآسي إنسانية ومشكلات اجتماعية عميقة يبدو أن لا أمل في حلها من خلال المنظور السائد . وهذا سببه انحياز في النظرة التقليدية الغربية للعلم الذي حصر نفسه في عالم الشهادة وأهمل عالم الغيب بإهماله الوحي ومعارفه.
    وقد احتج بعض العلماء الغربيين على مناهج المعرفة المعاصرة وذكروا أنه لا بد من طريقه جديدة للمعرفة ، ولا بد من معنى أوسع للعلم؛ إذ أنّ ملحد القرن التاسع عشر الميلادي قد حرق البيت بدلاً من أن يعيد ترميمه حيث رمى بجميع الأسئلة التي طرحها الدَّين وأدار ظهره لكل مقررات الدِّين ، لأنّ القائمين عليه قد أتوا بإجابات لا يستطيع قبولها ولكن اليوم وقد أصبح العالم أكثر معرفة واستنارة فقد أصبح واضحاً لديه أنّ موضوعات البحث الدَّينية ومباحث الدَّين والأسئلة التي يطرحها حول النشأة والوجود والمصير قضايا علمية تستحق الاحترام الكامل . وهي قضايا عميقة الجذور في الطبيعة البشرية ويمكن دراستها وتمحيصها بأسلوب علمي رصين ، وأنّ الكنيسة كانت تحاول الإجابة على أسئلة رفيعة ، وهي - وإن أخطأت الإجابة- فإنّ الأسئلة نفسها كانت تستحق القبول والتبرير الكاملين
    3- على الرغم من رفض المنهج العلمي الغربي للمعرفة الدينية والغيبيات وما وراء الطبيعة إلاّ أن الوضعية ظلت غارقة في التأملات الغيبية التي لا تقل خطراً عن خطر الفكر اللاهوتي الذي حاربته ، يقول كارل ما نهايم " إنّ الفلسفة الوضعية ألزمت نفسها بأحكام ميتافزيقية وانطلوجية بالرغم من ادعائها بأنها تقف موقفاً معارضاً ضد التحيُّزات والمزاعم الميتافزيقية " حيث أنّها في سعيها لتأكيد نزعتها الواقعية والحسية المفرطة غضّت الطرف عن إدراك حقائق الوجود كما هي. فالوضعية لم تنكر الجانب الوضعي للإنسان ولكنها رفضت الاعتراف بهذا الجانب كحقيقة موجودة مستقلة عن الواقع المادي الذي يمكن ملاحظته . كما أنها لا تنكر القيم الرُّوحية والمعنوية والدينية ، ولكنها لا ترى لهذه القيم وجوداً خارج المجتمع الإنساني نفسه ، فالعقل الوضعي لا يتصور وجود إله غير الإله الذي يظهر في صورة الإنسانية ، وهذه هي النتيجة التي انتهت إليها الوضعية ، حيث انتهت إلى معتقدات لا تختلف كثيراً عن المعتقد اللاهوتي بل تتبنى كل خصائصه وأفكاره ومُثله . ولم يشفع للوضعية بعد ذلك تعلُّقها بالعقائدية العلمية في مقابل العقائدية الدينية ما دامت النتيجة التي انتهت إليها واحدة
    والآن وقد وضحت لنا معالم الفلسفة الغربية التي تسيَّر الحضارة العالمية اليوم من خلال المدخل المعرفي والذي يتحكم بدوره في كافة مناحي الحياة ، فإنّ التساؤل المشروع هو هل هذه الفلسفة جديرة بالاحتذاء خاصة في العالم الإسلامي الذي لا يفتقر إلى العقيدة الموجَّهة له؟، لقد طُبقتِ قيم هذه الفلسفة الوضعية ومقولاتها في العالم الإسلامي فكانت سبباً من أسباب تخلفّه فكيف حدث هذا ؟ هذا ما سوف نناقشه في المبحث التالي:
    2- أزمة المعرفة الإسلامية:
    أ‌- المرتكزات المعرفية للتصور الإسلامي:
    إنّ التَّصور هو الأساس الذي يقوم عليه البناء في كل عقيدة أو أي مذهب عقدي ، وهذا التصور يعكس نظرة العقيدة أو المذهب للوجود كما يعكس النظرة العامة للحياة والإنسان والكون والمصير وتسمى هذه المكونات في الفلسفة بالأسئلة الكلية. أي التساؤلات عن الإله والإنسان والكون وعلاقة كلٍ منها بالآخر وعن المبدأ والمصير. وعند الحديث عن مرتكزات التصور الإسلامي يبرز لنا الآتي
    1- وحدانية الخالق
    حيث أنّ وحدانية الله هي محور التصور الإسلامي، والإيمان بالله هو العامل الأهم في توجيه سلوك الإنسان، ووفقاً لهذا التصور فإنّ المسلم يؤمن بالله خالق هذا الوجود ومدبِّره ويعرف اتصافه بالكمال وإطلاق الإرادة والتصرف  أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ  ويترتب على وحدانية الخالق وحدة الخلق، وأنّ الكون نظام واحد متكامل من صنعة خالق واحد، وأنّ النظام الكوني يتكون من قوانين الطبيعة التي ليست إلاّ سنن الله السارية في خلق الله المادي أو النفسي أو الاجتماعي أو الأخلاقي.
    2- وحدة الحقيقة ووحدة المعرفة
    ويترتب على ما سبق أنّ العقل بما أودع الله فيه من قوة مدركة للمعاني والأسباب، "والوحي" الذي أرسل الله به رسله يتكاملان في فهم الغايات والأسباب وعلاقاتهما في هذا الوجود كما فطره الله وسخره ... فالوحي يوجِّه العقل لفهم كليات الكون على حقيقتها التي يعلمها الله ليقوم العقل بدوره في توجيه مدركات الحواس وإضفاء المعنى عليها. وبهذا يقوم في الإسلام نسق المعرفة الواحد لفهم الحقيقة الواحدة التي خلقها الله الواحد . وبهذا يتضح أنّ الوجود قائم على عالمين :
    - عالم الغيب وهذا مصدره الوحي ومجال العقل فيه محدود .
    - العالم الثاني هو عالم الشهادة وهذا يمكن فهمه عبر العقل. غير أنّ العقل لا بد له من الاستعانة بتوجيهات الوحي ، وإلاّ كانت النتيجة هي العلمانية، ذلك أنّ الكون "عالم الشهادة" في التصور الإسلامي مخلوق لله ، وخلق من أجل غاية ، وقد سخره الله لهذا الإنسان المخلوق المكرم ليعينه على تحقيق العبودية لله، وواجب الإنسان عمارة هذا الكون وعبادة الله. فإذا تعامل العقل مع الكون بعيداً عن هذه الغائية فإنّ النتيجة حتماً هي الإفساد بدلاً عن الإصلاح والإعمار.
    وتلخيصاً لمرتكزات التصور الإسلامي نقول الآتي:
    1- التوحيد هو الدُّعامة الأساسية للتصور الإسلامي ، وهذا التصور الذي يقوم عليه البناء الإسلامي كله، هو جوهر حضارة الإسلام فلا يمكن الحديث عن التصور الإسلامي بمعزل عن عقيدة التوحيد. فإذا تقرَّرت وحدانية الله فإنّ تأليه الإنسان وتأليه الطبيعة مرفوضان قطعاً في التصور، الإسلامي، ولا يمكن بناء أي نظرية إسلامية أو بناء مجتمع إسلامي وفقاً لعقائد الحلولية؛ إذ أنّ ذلك يعني فشل المشروع الإسلامي كما هو حاصل الآن؛ حيث أنّ فشل مشاريع الأمة وتخلُّفها راجع في الأساس لتبنِّيها النموذج العلماني ومقولاته ومقوماته المستندة إلى عقيدة الحلولية بما فيها من تأليه للإنسان والطبيعة.
    2- الإنسان والكون مخلوقان لله تعالى ، والإنسان مطلوب منه عمارة هذا الكون ليعينه على تكاليف العبادة، والكون مسخر لهذا الإنسان، فعلاقة الإنسان بالله تعالى علاقة عبادة، وعلاقة الإنسان بالكون علاقة تسخير. وهذا الكون مصدر معرفة للإنسان؛ لذلك كانت الدَّعوة للتفكُّر والتدبُّر والتفقه والنظر في ملكوت الله باعتبار أن ذلك يمثِّل مدخلاً للإيمان بالله تعالى.
    3- إنّ الإنسان مكَّلف ومسؤول عن أعماله وإنه محاسب على أعماله الدنيوية في اليوم الآخر، وهذا الحساب يقتضيه العدل الإلهي. وعلى هذا فإنّ الوجود ليس محصوراً في عالم الشهادة وحده بل أنّ هناك عالماً آخر هو عالم الغيب ، وإنّ عدم الاعتراف بعالم الغيب معناه نفي وجود الخالق. وإذا انتفى وجود الخالق فإنّ البديل هو الفوضوية والعبثية والعدمية كما هو ظاهر للعيان في الفلسفات الغربية التي لم تعترف بوجود إله غير الإنسان أو الطبيعة.
    إنّ هذا التصور الإسلامي يعكس تمايزاً بين عالم التنزيه "الألوهية" وعالم الخلق "الكون وموجوداته" وهذا ما لم تنتبه له الفلسفات الغربية حيث لا يوجد هذا التمايز ومن ثمّ فقد حدث الخلل الذي أدى لأزمة الحضارة الغربية . ووجود هذا التمايز وفهم المسلمين الأوائل له هو الذي أدّى إلى سيادة الحضارة الإسلامية لقرون طويلة على العالم شرقيه وغربيه، بل ساهمت في بروز عصر النهضة الأوربية من خلال نزعتها التجريبية، وهي نزعة كرّسها مفهوم عمارة الكون. ولم يبدأ التحلُّل والتآكل في الحضارة الإسلامية إلاّ بعد أن انعدم أو كاد هذا التمايز حيث دخلت العقائد الحلولية وشوّهت عقيدة التوحيد الصافية فكان أن توقفت الحضارة الإسلامية عن العطاء.
    ب- الجذور التاريخية للأزمة الفكرية:
    إنّ عجز منهج المعرفة الإسلامية كما هو اليوم هو السبب في عجز فكر الأمة عن إصلاح حالها والتصدّي للتحديات التي تواجهها ، فجوهر الأزمة هو أزمة في فكر الأمة الإسلامية، وهذه الأزمة تندرج تحتها سائر الأزمات السِّياسية والاقتصادية والاجتماعية
    جـ- جوهر الأزمة:
    إنّ جوهر الأزمة كما بدت ملامحها سابقاً قد تبلورت في نظام التعليم الإسلامي، وتتلخص في انكفاء جماعة من الأمة على التراث دون تطوير واجتهاد ، والتراث - كما أسلفنا- فكر بشري محدود بحدود البيئة المنشئة له ، وهذه الجماعة قد أهملت علوم الطبيعية أهمالاً واضحاً الأمر الذي أفضى إلى الإعراض عن عمارة الكون وكانت النتيجة هي هذا التخلف الحضاري الواضح.
    أما باقي الأمة فقد رأى في المشروع التغريبي حلولاً لمشاكل الأمة فتبنته بحذافيره على الرغم من أنّ المشروع الغربي كان وليد ظروف تاريخية عايشت صراعاً بين الدين والعلم وهذه الظروف لا تنطبق على الدين الإسلامي ولا العقل المسلم الذي لا يعرف صراعاً بين العقل والدين "الوحي" فلكل منهما مجاله وحدوده وهما يتكاملان لفهم الحقيقة ولا يتناقضان.
    إنّ الخلل في كلا المنظومتين السائدتين في العالم الإسلامي: المنظومة المعرفية المنكفئة على الذات والمهملة لعالم الشهادة والمنظومة المعرفية المنفتحة على عالم الشهادة والملغية لعالم الغيب قد أثر تأثيراً واضحاً على العلم في العالم الإسلامي فأوجد نوعين من العلم: علم ديني وعلم دنيوي. وعلى أساس هذا التقسيم توزعت المؤسسات التعليمية في العالم الإسلامي ما بين المدارس الدينية والمدارس العلمانية
    ومصدر الخلل يرجع في الأساس إلى أنّ الممارسة العملية أدت إلى عدم تكامل المصادر المعرفية في كلا النموذجين؛ إذ من المفترض نظرياً أن يحدث انسجام وتكامل بين المصادر المعرفية في التصور الإسلامي، ذلك أنّ معطيات الدِّين الإسلامي قائمة على العقل، والوحي دائم الحض للناس جميعاً على المشاهدة القائمة على الحواس وعلى التدبر العقلي المتسم بالإخلاص لله سبحانه في البحث عن الحقيقة. ويتجلى تكامل مصادر المعرفة ووسائلها بشكل مثالي في عالم الإسلام في أنّ الوحي يقدِّم للبشر أطراً تصورية يقينية تتصل بكل من:
    أ-المعارف المتصلة بعالم الغيب.
    ب‌- كليات عالم الشهادة.
    وأنّ العقل المهتدي بالوحي يقوم بالربط بين معطيات الحواس لإضفاء المعنى عليها وبدلاً من الاعتماد على مجرد الخيال والتخمين يعتمد على ما يأتي به الوحي من أطر تصورية عامة
    ونتيجة لهذا الخلل فقد كان الفشل والتخلُّف قرين العمل الإسلامي ومشاريع الإصلاح، فالمشروع الغربي في بلاد المسلمين قد فشل، لأنه نتاج ثقافة مغايرة لثقافة المجتمع، فضلاً عن تجاهله لمعادلة الأمة الثقافية والاجتماعية ، وتناقضه مع كينونة الأمة ، وتكريسه للهيمنة الثقافية ، وترسيخه للكبرياء الغربية ، وخصوصيته واعتماده على قواعد الصراع كما فشل المشروع التقليدي الذي أشاع فلسفة العزلة والنفور من الدُّنيا رغم أنّ الدنيا مزرعة للآخرة . ولهذا فقد تعالت الصيحات لأجل إصلاح الفكر الإسلامي وتجديده.
    د- حلول لأزمة المعرفة الإسلامية :
    انتهت النظريات الوضعية في العلوم الاجتماعية إلى نتائج سلبية فيما يتعلق بالأسس المنهجية التي قامت عليها ، وكانت هذه الصورة التي انتهت إليها نتيجة طبيعية للبيئة الثقافية التاريخية التي نشأت فيها ، وعندما دخلت هذه النظريات الاجتماعية إلى عالمنا الإسلامي نقلت معها أزمتها المعرفية القائمة على الصراع بين العلم والدين فجاءت الدراسات الاجتماعية والإنسانية في العالم الإسلامي لتعكس مثيلاتها في العالم الغربي . وعلى غرار التجربة الغربية التي قامت بالدعوة إلى معارضة الدين قامت محاولات مماثلة في العالم الإسلامي لتعكس هذه الخصومة وهدفت إلى جعل دين المنهجية الإسلام مجرد تراث ثقافي يدخل ضمن الإرث التاريخي للأمة وليس واقعاً حيّاً وفكراً حاضراً
    ولهذا فإنّ هناك اتفاقاً يشبه الإجماع بين المهتمين بإصلاح العلوم وإعادة صياغتها وفق التصور الإسلامي الصحيح على ثلاثة أمور هي
    1- إنّ مناهج العلوم الاجتماعية الحديثة ونظرياتها والمسلمات الأساسية التي تقوم عليها تلك العلوم في صورتها الراهنة تتضمن كثيراً مما يتعارض ويتناقض مع التصور الإسلامي الصحيح للإنسان والمجتمع والوجود.
    2- أنّه قد ترتب على هذا القصور والاختلال المعرفي عجز تلك العلوم أو على الأقل قصورها حتى الآن عن التوصل إلى تفسيرات مرضية للسلوك الفردي أو للظواهر الاجتماعية لا في المجتمعات الإسلامية وحدها وإنما في غيرها من المجتمعات كذلك .
    3- أنّ هناك حاجة ماسة إلى إعادة النظر في تلك المناهج والنظريات والمسلمات بطريقة جذرية في ضوء التصور الإسلامي.
    إنّ معالجة الإشكالية المنهجية للعلوم لا تتم إلاّ وفق التصور الإسلامي الصحيح حيث إنّ هذا التصور ينبثق من مصدر إلهي "الوحي" وهو يضع حلولاً لهذه الأزمة تتمثل في النقاط التالية:
    1- إنّ الظواهر الإنسانية ليست في واقعها وحقيقتها مظاهر حسية، وغياب هذا الإدراك الواعي جعل المنهجية الوضعية تقدَّس الطريقة التجريبية كأسلوب وحيد للمعرفة؛ والمذهبية الإسلامية تقرَّر أنّ الحقيقة العلمية ليست حكراً على التجربة وأنّ الوجود الواقعي ليس حكراً على الوجود المادي ، وأنّ التزام الأسلوب العلمي في دراسة الظواهر الاجتماعية لا يتحول بالضرورة إلى الاعتقاد في التجريب كطريق وحيد مشروع ورفض ما عداه من الطرق ، ومعنى هذا أنه ليس من الضروري أن نتحدث عن شكل واحد من أشكال العلمية، فالنموذج الطبيعي في العلوم الفيزيائية لا ينفي وجود أنواع أخرى من العلوم تتعلق بمواضيع ذات طبيعة مغايرة للطبيعة المادية ، كما أنّ تأكيد العلم الطبيعي على الجوانب المادية في الحياة لا ينفي بالضرورة وجود جوانب غير مادية فيها
    2- إنّ الوجود لا ينحصر في هذا العالم المشاهد وحده الذي تستطيع الحواس إدراكه، وإنما هناك وجود لعالم غيبي تخرج معرفته عن نطاق الحواس. ولمعرفة ذلك العالم لا بد من اعتماد الوحي الإلهي مصدراً معرفياً؛ إذ أنّ المعلومات التي يمدنا بها الوحي معلومات يقينية وقطعية ، والمصادر الأخرى مهما كانت فائدتها فهي ليست مصادر يقينية ولا يمكن أن تقدَّم لنا إجابات واضحة ودقيقة للتساؤلات المطروحة . كما أنّ الوحي يستوعب في تفصيلاته حقيقة الإنسان في أصله وخلقه وتكوينه وحركته على الأرض ومصيره المستقبلي .
    3- إن الوحي المطلوب إضافته مصدراً معرفياً هو الوحي الإسلامي المرتكز إلى عقيدة التوحيد وذلك حتى تتمايز الفواصل بين عالم التنزيه "الإلهي" وعالم الخلق ، فتتمايز تبعاً لذلك الحدود بين المعرفة الإلهية والمعرفة الإنسانية النسبية . ومن المعلوم أنّ الوحي في المسيحية قد لحقت به التشوهات فتعدّدت فيه الآلهة وصارت المعرفة البشرية وحياً مقدساً كما ذكرنا سابقاً .
    4- إنه لا بد من التكامل بين المصادر المعرفية ووسائلها، وبين عالمى الغيب والشهادة. وإنّ وجود أي تعارض أو تناقض لا بد أن يكون عجزاً في الأداة سواء كان ذلك في أدوات فهم معارف الوحي أو الاستنباط منها، أو في أدوات تحصيل معارف الكون والطبيعة والإنسان.فمعارف الوحي تتكامل مع معارف الكون والطبيعة والإنسان
    هـ - نموذج لمحاولات الإصلاح المعرفي:
    لقد اتضح لنا من خلال عرضنا السابق أنّ جوهر الإشكالية في النموذجين العلماني والإسلامي ينبع من المنهجية في المقام الأول، حيث أن التقدُّم في أي جانب هو رهين بتحقيق التقدَُم في مسألة المنهج ومن هنا ظهرت دعوى إسلامية المعرفة وإسلام العلوم باعتبارها قضية منهجية تقوم على اكتشاف العلاقة المنهجية بين الوحي والكون ، وهي علاقة تداخل وتكامل تكشف عن استيعاب منهجية القرآن الكريم للكون وسننه وقوانين حركته ، وتتلخص محاور إسلامية المعرفة في
    1- بناء النظام المعرفي الإسلامي:
    ويتم ذلك بإعادة كشف وبناء النظام التوحيدي من حيث تفعيل العقيدة للإجابة على التساؤلات النهائية – وهي تلك التساؤلات المتعلقة بالإله والإنسان والكون والحياة والنشأة والمصير – وكشف النماذج المعرفية التي سادت في تاريخ الإسلام وذلك بغرض تقويم التراث الفكري وتبيين معالم النموذج المعرفي التراثي المستوحى من القرآن الكريم.
    2- بناء المنهجية المعرفية القرآنية :
    الاختلال الذي أصاب العقل المسلم يجعل من إعادة بناء المنهجية المعرفية ضرورة ملحة ، والمنهج هو سبيل للوصول إلى الحقيقة وهو أيضاً الطريق الطريقة التى تسلك في فهم الظواهر وتحليلها ، وهذه المنهجية لا بد أن تكون نابعة من النموذج المعرفي الإسلامي وقائمة على مسلماته وقواعده المنطقية.
    3- بناء منهج للتعامل مع القرآن الكريم :
    القرآن الكريم مصدر للمنهج والمعرفة ومقومات الشِّهود الحضاري والعمراني، وإنّ استدعاء القرآن الكريم في إطار واقع عالمي متغيِّر بوعي جديد أمر ضروري لا مفر منه ، وهذه الضرورة تكمن أهميتها في محاولتها تصحيح كثير من المفاهيم المتعلقة بالتعامل مع القرآن الكريم في الموضوعات الإسلامية كخطوة أولى يؤسَّس بموجبها الوعي المنهجي الإسلامي المعاصر وإعادة التعامل مع القرآن كمصدر منهجي ومعرفي للعلوم الاجتماعية والطبيعية سيجعل هذه العلوم قادرة على مد الحياة الإنسانية بما يخرجها من أزماتها ، وسيعيد الارتباط بين هذه العلوم والقيم ويربطها بمقاصد الحق وغائية الخلق .
    4- بناء مناهج التعامل مع السُّنة النبوية:
    لا بد من الوعي بحقيقة السُّنة النبوية باعتبارها المصدر التفسيري الملزم للنص القرآني. والسُّنة النبوية هي المنهاج التفصيلي في حياة المجتمع والفرد المسلم ، وهي تمثَّل القرآن مفسراً والإسلام مجسَّداً ، ومن الصعب فهم كثير من قضاياها بمعزل عن الواقع الذي كان يتحرك فيه الرَّسـول . ومن الصعب أيضاً تطبيق السُّنة وتحقيق واجب الاتباع والتأسي بالرسول من خلال تتبع الجزئيات دون استنباط منهج للتأسي يضم الجزئيات في إطار منهجي
    5- قراءة التراث الإسلامي قراءة سليمة:
    المقصود بالتراث الإسلامي هنا هو تلك العلوم والمصنفات التي وضعها العلماء السابقون من المسلمين ، ولا يدخل في هذا التراث الوحي كتاباً ولا سنة ؛ وإنما يقتصر على أقوال العلماء التي لا قداسة لها ؛ إذ أنها مجرد آراء نيرة لعلماء أصحاب عقول نيرة ، وهذا التراث الإسلامي على عظمته ورفعة شأنه ليس ملزماً في الأخذ به، وليس المقصود بعدم الإلزام هنا إهماله وضرب الصفح عنه ؛ وإنما المقصود أنه ليس كالقرآن والسنة في وجوب الالتزام به . ومهما يكن من أمر فان تراثنا الإسلامي العظيم رغم عدم قدسيته وإلزاميته- لا يمكن للعالم أو طالب العلم تجاوزه أو إهماله كما يفعل الكثيرون اليوم من أدعياء العلم والمعرفة.
    ولما كان الأمر كذلك فقد اتضح أن هنالك أوجهاً مغلوطة للتعامل مع التراث الإسلامي العظيم وهي:-
    أ‌- الرفض المطلق:
    من الأمور الخاطئة في العصر الحاضر مسألة تجاوز التراث الإسلامي وإهماله بحجة أنّ العلماء السابقين "رجال ونحن رجال" . وهذه القضية -إن استخدمت في هذا الجانب - فما هي إلا دعوى حق أريد بها الباطل ، إذ ليس من المعقول إطلاقاً نبذ هذا التراث الإسلامي العظيم وجهود العلماء الفذة والبدء من جديد ، إذ أن هنالك الكثير من القضايا قد طرحها علماؤنا الأقدمون بعمق شديد لا تجد له مثيلاً في وقتنا الحاضر ؛ ولأجل ذلك كان رفض التراث الإسلامي أمراً خاطئاً لا يقول بصحته عاقل قط.
    ومن الثابت أن علماءنا الأقدمين قد كانوا أكثر معرفة بالوحي وطرق الاستنباط الصحيح للمعاني- إلا أنه يمكن استدراك كثير من الأمور عليهم ، إذ ما هم- في نهاية المطاف - إلا بشر ، ومعلوم أن البشر مهما بلغوا من العلم والمعرفة فانهم يعتريهم الضعف والقصور؛ ولأجل ذلك صح قول الإمام مالك : "كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر" مشيراً إلى قبر الرسول (e).
    ب-القبول المطلق
    عول علماؤنا الأقدمون على العقل وذموا التقليد ذماً شديداً ، ولم يكن هنالك من شيء امقت لهم من هذا التقليد الذي هو إتباع للغير دون مطالبة له بالدليل . ولما كان الأمر كما سبق ، فقد اتضح اتضاحاً لا يدع للشك مجالاً أنّ التقليد الأعمى للعلماء السابقين دون معرفة مناهجهم وأصول آرائهم يعتبر طريقاً خاطئاً؛ فلو أن العلماء السابقين قبلنا كانوا قد اكتفوا بما ورثوه من العلماء قبلهم لرأينا صرح العلم مختلاً وبنيانه متهدماً ؛ ولما كان هنالك من تراث إسلامي عظيم نفخر به الآن .
    ج- الانتقاء العشوائي :-
    إنّ من أخطر الأمور في تعاملنا مع التراث الإسلامي وأقوال العلماء السابقين قضية الانتقاء العشوائي دون معرفة الرأي المتكامل . ومعلوم أنّ الفكر لا ينشأ من العدم ولا ينبثق من الفراغ بحال ، بل لا بد للعالم من مؤثرات فكرية تشكل رأيه وتبلور أفكاره، كما أنّ لكل عالم منهجه الذي يحكم قضية الفكر عنده ؛ فلو لم نراع جانب المنهج وجانب المؤثرات الفكرية للعلماء لأصبح انتقاؤنا لآراء لعلماء انتقاءً عشوائياً خاطئاً.
    وهذا الانتقاء العشوائي من شأنه أن ينسب إلى العلماء آراء ليست بالصحيحة إذ أنّ الرأي قد يكون متعلقاً بأمر ما من جهة أو قد يكون العالم قد تراجع عنه في مصنف آخر له . ولأجل ذلك فقد اتضح أن التعامل المنهجي مع تراثنا العظيم ضرورة منهجية تقتضيها عملية إعادة بناء العلم واستئناف مسيرته.
    6- التعامل مع التراث الغربي
    ما قيل عن التراث الإسلامي ينطبق على التراث الإنساني المعاصر.وهو ليس حكراً على الحضارة الغربية إذ إنّ الإسلام لا يقف موقف العداء من عطاء الآخرين بل هو يتقبل كل فكر يتماشى مع مبادئه ولذلك فإنّه يجعل البحث عن الحكمة ضالة المؤمن فأنَّى وجدها فهو أحق بها.
    ولأجل ذلك لا يمكن رفض المعرفة التي عند الأمم غير المسلمة أصلاً، ولكن هذا الأمر ليس على إطلاقه ؛ بل لا بد للمسلم من ضوابط يتم تكوينها من داخل عقيدته السامية ؛ وهذه العقيدة إنما هي بمثابة المصفاة التي تحصنه من تلك الآراء الفاسدة التي من المحتمل وجودها في تراث الأمم غير المسلمة. ويشهد تراثنا الإسلامي اهتمام المسلمين القدماء بتراث الأمم الأخرى وترجمته إلى العربية للاستفادة منه؛ إذ ليس العلم -حسب رأيهم -حكراً على أحد.
    ولما كان الأمر كذلك فقد اتضح أن التراث الإنساني ليس مقبولاً عندنا قبولاً مطلقاً ولا مرفوضاً كذلك وإنما نأخذ منه ما يوافق عقيدتنا السامية ونطرح منه ما يخالفها .
    ورغم كل ذلك فان الواقع الفكري لدينا اليوم يعكس اتجاهات غير مقبولة على الإطلاق وهي :
    أ‌- الانكفاء على الذات:
    نقصد بهذا الانكفاء : رفض كل المعارف والعلوم والأفكار بحجة أنها ليست صادرة من قبل علماء المسلمين ، ثم العكوف على الذات عكوفاً يكون فيه من التجمد ما فيه ؛ وهذا هو ما يهمش دور المسلمين بين أمم العالم ويجعلهم عرضة للانغلاق والانعزال. ولا شك أن عالمية الإسلام التي جاء بها الوحي الكريم تأبى الانكفاء على الذات دون محاولة إيصال نور الله تعالى الذي بين أيدينا إلى كافة الأمم ؛ وذلك لا يتأتى إلا بالأخذ والعطاء والتحاور والمشاركة.
    ب- الركون إلى تراث الآخر
    إنّ من أسوأ الآثار التي ترتبت على ضعف المسلمين وعدم ثقتهم في أنفسهم اليوم- محاولة التقليد الأعمى وأخذ الأفكار الغربية دون تفحص ونظر ودون إعمال عقل وتقليب للأمور. وهذا الاتجاه أمر ملحوظ عند المسلمين اليوم ، ولا شيء عند العاقل أقبح من التقليد الأعمى الذي يكون المقلد أول ضحاياه كما لا يخفي. وإذا كان علماؤنا الأقدمون قد رفضوا التقليد الأعمى لفكر العلماء المسلمين دون إعمال العقل فيه فما بالك بتقليد غير المسلمين.
    وخلاصة القول هي أنّ الأزمة المعرفية قد نشأت بسبب مصادر المعرفة وأنّ المهمة التي ينبغي أن يقوم بها العلماء المسلمون لتصحيح الوضع تتمثل في التوصل إلى صيغة منهجية ملائمة يمكن بها الجمع بين معطيات الوحي من جهة وبين معطيات الحس والعقل من جهة أخرى في وحدة وتكامل يتبوأ كل منهما مكانه الصحيح دون مغالاة أو تعسُّف.
    الخلاصة:
    إنّ خلاصة القول في الأزمة المعرفية الغربية والإسلامية المعاصرة يمكن تلخيصها على النحو التالي:
    أولاً: إنّ المعرفة الغربية المعاصرة سواء في نشأتها أو في تطورها جاءت وليدة للصراع المرير بين الكنسية والعلماء؛ إذ ظلت المعرفة لقرون عديدة حكراً على الكنيسة وحدها وكان للكشوفات الجغرافية ودخول المنهج التجريبي من العالم الإسلامي لأوربا أكبر الأثر في اضمحلال المعرفة الكنسية وبروز عصر التنوير والنهضة . ولم يكن يقصد بالتنوير سوى إبعاد الدين (الوحي) عن توجيه الحياة والمعرفة على حدٍ سواء .
    ثانياً: كنتيجة لإبعاد الوحي عن التوجيه فإنّ المعرفة في عصر التنوير وما تلاه من عصور تميّزت بالإيمان العميق بالعالم الطبيعي على أنه العالم الوحيد الذي يسعد فيه الإنسان ، والإيمان العميق بالإنسان على أنه مركز الثقل في العالم ، والإيمان بالعقل وحده على أنه الوسيلة الوحيدة التي تضمن السيطرة على العالم وتسخير إمكاناته بالاعتماد على العلم وحده، فالنظرة المادية إلى الكون والإنسان هي سمة الفكر الغربي.
    ثالثاً: انعكس ذلك الفهم على العلوم بشقيها الطبيعي والإنساني فتحولت المعرفة إلى معرفة بشرية محصورة في الواقع المحسوس والمشاهد؛ فالمحسوس الذي يخضع للاستقراء والتجربة والقياس هو وحده العلم وما عداه يعتبر هو اللاعلم. ومعنى هذا أنّ موضوعات الدراسة التي تتصل بقطاعات أخرى من الظواهر وتخرج عن نطاق المشاهدة الحسية مهما كانت أهميتها لسعادة الإنسان فهي مستبعدة تماماً عن نطاق الدراسة العلمية وكأنّ عالم المحسوسات هو وحده الذي له وجود حقيقي.
    رابعاَ: اسُتبعدت العوامل الروحية والقيم من نطاق الدراسات الغربية وهي قضايا تشكِّل جزءً هاماً من نشاط الإنسان وتفكيره وعاداته وتؤثِّر في توجيه سلوكه ، وبالتالي اسُتبعد ما يتولّد عن هذا النشاط الإنساني من علوم وهي علوم قيمية مرتبطة بقيم الإنسان وعقائده.
    خامساً: انتهت المنهجية الغربية الوضعية إلى إنكار وجود إله خارج الشعور الجماعي لأفراد المجتمع أو خارج شعور أفراد الإنسانية جمعاء فضلاً عن الاعتراف بموجودات عالم الغيب بما في ذلك اليوم الآخر. وهذه نتيجة طبيعية لعدم الاعتراف بالوحي الإلهي مصدراً من مصادر المعرفة في النظرية المعرفية الغربية.
    أما خلاصة القول في الأزمة المعرفية الإسلامية المعاصرة فيمكن إجمالها في الآتي:
    أولاً: إنّ جوهر الأزمة الإسلامية هي أزمة فكرية وليست أزمة عقيدة فالعقيدة صاغتها نصوص الوحي وهي نصوص محفوظة بحفظ الله لها، وتبدو هذه الأزمة واضحة للعيان في انكفاء تيار من علماء الأمة على الذات ؛وذلك بتقديس التراث والانصراف والعزلة عن الواقع وتحدياته وتقنياته وفي ذلك إهمال لعالم الشهادة وهو عالم مطلوب من الإنسان المسلم تسخيره وتطويعه وتعميره والاستفادة من إمكاناته ليعينه في أداء مهمة الاستخلاف والعبادة لله . كما تبدو الأزمة واضحة في انسياق التيار الآخر من علماء الأمة وراء مقولات النموذج الوضعي الغربي الغارق في الدنيوية والمهمل لعالم الغيب وهذا الانقسام أثر تأثيراً واضحاً على العلم الإسلامي وعلى واقع ومستقبل الأمة بأسره ؛ ذلك أن التخلُّف بكافة أنماطه وأشكاله إنما هو وليد تبني نموذج معرفي خاطئ لا ينسجم مع عقيدة الأمة وتصوراتها، أو هو وليد الحركة بمنظومة معرفية منقوصة كالذي يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعضه الآخر.
    ثانياً: إنّ مصدر الخلل الأساس هو أنّ الممارسة العملية في العالم الإسلامي المعاصر أدّت إلى عدم تكامل المصادر المعرفية ، إذ من المفترض نظرياً أن يحدث الانسجام والتكامل بين المصادر المعرفية ذلك أنّ معطيات الإسلام قائمة على العقل، والوحي دائم الحض للناس جميعاً على المشاهدة القائمة على الحواس وعلى التدبر العقلي المتسم بالإخلاص لله في البحث عن الحقيقة . ويتجلى هذا التكامل في أنّ الوحي يقدِّم للبشر أطراً تصورية تتصل بالمعارف المتصلة بعالم الغيب والمعارف المتصلة بكليات عالم الشهادة، وأنّ العقل المهتدي بالوحي يقوم بالربط بين معطيات الحواس لإضفاء المعنى عليها معتمداً على ما يأتي به الوحي من أطر تصورية.
    ثالثاً: إنّ التصور الإسلامي الصحيح يمتلك حلولاً لأزمة المعرفة التي تتضح ملامحها في النظام التعليمي ، حيث يقرِّر التصور الإسلامي أنّ الوجود لا ينحصر في العالم المشاهد وحده وإنما هناك وجود لعالم غيبي تخرج معرفته عن نطاق الحواس . ولمعرفة ذلك العالم فلا بد من اعتماد الوحي الإلهي مصدراً معرفياً؛ إذ أن المعلومات التي يقدِّمها الوحي يقينية والمصادر الأخرى مهما كانت فائدتها فإنها ليست يقينية ولا تستطيع تقديم إجابات مقنعة للتساؤلات المطروحة . وأنه لابد من تكامل المصادر المعرفية في البحث عن الحقيقة كما ينبغي التكامل بين عالم الغيب وعالم الشهادة وهذه هي مهمة علماء المسلمين الذين يمتلكون عقيدة تؤهلهم لإحداث التكامل بين المصادر المعرفية ووسائلها.

  • #2
    [align=center]نظرية المعرفة بين النموذجين
    الإسلامي والغربي
    [/align]
    مقدمة :
    إنّ البحث في نظرية المعرفة هو بحث في مبادئ المعرفة الإنسانية وطبيعتها ومصدرها وقيمتها وحدودها وفي الصلة بين الذات المدركة والموضوع المدرك، وبيان إلى أي مدى تكون تصوراتنا مطابقة لواقع الشيء المستقل عن الذهن الذي تناوله .
    ولقد أصبح البحث في المعرفة – ماهية وقيمة ومصدراً – ضرورة علمية وفكرية لا يمكن تجاوزها بدعوى أنها مسألة نظرية ، وذلك بسبب إسهامها الكبير في تشكيل المناخ الثقافي المنشود الذي يؤدي ما يتوافر فيه من صفاء عقدي ونقاء فكري - إلى تلاشي كثير من عوامل الخلل، لا سيما وأنّ مبحث مصادر المعرفة فيها يعتبر أساس فكر البشر ومنطلقه ومنبع كثير من تياراته ومذاهبه ونظرياته.وسوف نحاول في هذا الفصل إعطاء الخطوط العريضة لنظريتي المعرفة الإسلامية والغربية متكئين على ما أوردناه في الفصل الأول المتعلق بأزمة المعرفة في كلا النموذجين .
    أ- مفهوم نظرية المعرفة:
    1- مفهوم النظرية
    النظر هو التفكُّر الذي تطلب به المعرفة أي : أنه فعل صادر عن النفس للحصول على الأمور المجهولة من خلال الأمور المعلومة أما النظرية فهي بمثابة بناء معرفي للفكر الرابط بين الجزئيات و لها عدة معان منها :
    1- إنها موضوع تصور منهجي متناسق تابع في صورته لبعض الموضوعات العلمية التي يجهلها عامة الناس .
    2- إنها بناء فرضي ورأي لعالم أو فيلسوف حول مسألة أو مشكلة.
    3- إنها تركيب عقلي يتوسل به إلى تفسير عدد كبير من الجزئيات .
    4- تركيب عقلي مؤلَّف من تصورات منسقة تهدف إلى ربط النتائج بالمبادي.
    5- هي الإطار الفكري الصريح الذي يربط بين الوقائع والمفاهيم والفروض والقوانين ولا يصرح به إلا بعد تحققه بالشواهد التجريبية ، ولكنها تظل فرضاً واسعاً متضمناً إن لم يتح لها هذا التحقُّق .
    6- هي بحكم اشتقاقها من اليونانية " Theoria " تعني التأمل ، فليست – إذن- نتيجة مباشرة من معطيات الواقع ؛ ولذلك فهي لا تنبثق من تلقاء ذاتها نتيجة للبحث التجريبي بل تأتي بوصفها حلولاً عقلية لمشكلات مثارة . كما أنّها تقدِّم من قبل ذلك الأساس الذي ينبغي أن تحدد بمقتضاه الأسئلة التي يجاب عنها. وتفترض حلول النظرية نسقاً متآزراً -من الوجهة المنطقية -من شأنه أن يجعل الوقائع العلمية وسائر العناصر والخطوات جزءاً من المعرفة العلمية المقبولة .ولهذا تعد النظرية لوناً من ألوان الخيال الملائم.
    7- من الفلاسفة من اعتبر النظرية مرادفاَ للفظ "نسق" الذي هو "مجموعة من القضايا المرتبة في نظام معيَّن بعضها مقدمات لا يبرهن عليها في النسق ذاته ، وبعضها الآخر يكون نتائج مستنبطة من هذه المقدمات"
    2- مهمة النظرية :
    تختلف نظرة العلماء وفلاسفة العلم إلى مهمة النظرية على النحو الآتي :
    1- من الفلاسفة من يقصِّر مهمتها على مجرد الوصف بينما التفسير-عندهم- شيء آخر لا تستهدفه النظرية .
    2-هناك من يرى أن تقدُّم المعرفة العلمية رهين بالتفسير لأنه يعين على التنبؤ بسلوك الأشياء التي عرفت من قبل .
    غير أنه ما دامت النظرية مطلب المنهج العلمي فلابد أن تستوعب مهامه جميعاً من وصف أو تفسير أو تنبؤ أو تحكُّم"
    3- مفهوم المعرفة:
    كان لعلماء الإسلام تعريفات متعددة للمعرفة تفرِّق بينها وبين العلم الذي يجتمع معها في أنّ كلا الأمرين إدراك للأشياء ؛ إلا أن المعرفة –عندهم - إدراك مسبوق بجهل بخلاف العلم . "
    1- ويقول الراغب الأصفهاني " إنّ المعرفة تقال فيما تدرك آثاره وإن لم تدرك ذاته والعلم لا يقال إلا فيما يدرك ذاته ولهذا يقال فلان يعرف الله ولا يقال يعلم الله لما كانت معرفته تعالى ليست إلا بمعرفة آثاره دون معرفة ذاته . وأيضاً فالمعرفة تقال فيما يعلم وجوده وجنسه وكيفيته وعلته ولهذا يقال الله تعالى عالم بكذا ولا يقال عارف به لما كان العرفان يستعمل في العلم القاصر"
    2- ويعرَّف المعاصرون المعرفة بأنّها :كل اعتقاد جازم سواء طابق الواقع أم لم يطابقه. ويتضح من التعريف أنّ كل علم معرفة وليست كل معرفة علماً أي أنّ العلم جزء من المعرفة وليس العكس. و من هنا يظهر الفرق بين العلم الذي هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع ، وبين المعرفة التي هي الاعتقاد الجازم سواء طابق الواقع أم لم يطابقه، وهكذا تترقى المعرفة عند متلقيها لتصبح علماَ عندما يقوم الدليل على مطابقة الاعتقاد الجازم للواقع الذي هو موضوع الاعتقاد
    على ضوء تعريفنا لمعنى النظرية ومعنى المعرفة يتضح لنا أنّ مفهوم نظرية المعرفة يعني:" دراسة منهجية منظمة أو بحث في المعرفة من حيث أصلها وماهيتها وإمكانها وطرق الوصول إليها وطبيعتها وحدودها وقيمتها ، أي بحث في المشكلات الناشئة عن العلاقة بين الذات العارفة "الإنسان" والموضوع المعروف "الأشياء" . والبحث عن درجة التشابه بين التصور الذهني والواقع الخارجي . ومدى خدمة هذا التصور لنظرية الوجود ومن ثم فهي دراسة محورية لا مجرد دراسة وصفية "
    ب- خلاصة لتاريخ نظرية المعرفة:
    1- تاريخ نظرية المعرفة في الفكر الإسلامي:
    كان لعلماء المسلمين – فلاسفة ومتكلمين- السبق في إفراد بحث المعرفة بالدراسة بصورة مستقلة فكتبوا أبحاثاً في العلم والمعرفة نذكر منها : دراسة القاضي عبد الجبار بن أحمد "ت451هـ" الذي كتب في "النظر والمعارف" حيث تحدَّث عن حد النظر والعلم والمعرفة وطرقها وحقيقتها ، وطرق معرفة صحة النظر ودرجات المعرفة من الشك إلى الظن إلى اليقين، وتحدّث عن الدليل العقلي أما الإمام الباقلاني "ت403" فقد قدَّم لكتابه "التمهيد" بــ "العلم وأقسامه وطرقه" وكذلك أفرد البغدادي الفصل الأول من كتابه " أصول الدين" لبيان الحقائق والعلوم وإثباتها وطرق تحصيلها وأقسامها. أما الرازي فإنه يجعله الركن الأول من كتابه " المحصل" في العلم والنظر" ويجعل الإيجي الموقف الأول من كتابه " المواقف" في العلم والنظر. وكذلك الأشعري في مقالاته وغيرهم. ومعنى هذا أنّ علماء المسلمين كانوا على علم بها وإن لم يسموها باسمها المعاصر.
    2- تاريخ نظرية المعرفة في الفكر الغربي :
    أما الفلاسفة الغربيون فقد كانت نظرية المعرفة مبثوثة لديهم في أبحاث الوجود إلى أن جاء جون لوك "1632-1704" فكتب " مقاله في الذهن البشري Essay Concerning Human Understanding” المطبوع عام 1690م ليكون أول محاولة لفهم المعرفة البشرية وتحليل الفكر الإنساني وعملياته" وإن كان قد سبقه " ديكارت في نظرية فطرية المعرفة. ثم جاءت محاولة فريير في القرن التاسع عشر ففصل بحث المعرفة عن بحث الوجود . ثم اتخذت نظرية المعرفة وضعها المستقل لتبحث في العلاقة بين الذات العارفة" الإنسان" والموضوع المدروس والنظر في حدود المعرفة البشرية وقيمتها وطبيعتها ومصادرها. فصارت نظرية المعرفة بذلك تخدم علمي الإنطلوجيا "نظرية الوجود" والإكسيولوجيا " نظرية القيم".
    ج-الملامح العامة لنظريتي المعرفة الغربية والإسلامية:
    هنالك ملامح عامة لكلا النظريتين الغربية والإسلامية حيث أنّ من الملاحظ أنّ لكل نظرية من هاتين النظريتين خصائص ومميزات تختلف اختلافاً جوهرياً عن خصائص ومميزات الأخرى.
    أولاً: مميزات نظرية المعرفة الغربية:
    تتميز نظرية المعرفة الغربية عموماً بمميزات هي:
    1- غلبة الفلسفة التجريبية الحسية:
    انتهى الأمر في نهاية المطاف بعد صراع مرير بين الكنيسة والعلماء بغلبة العلم ثم انقسم العلماء بين تيارين فلسفيين هما:
    - المادية التجريبية .
    - المثالية العقلية.
    وبعد تنافس التيارين انتهى الأمر بغلبة الفلسفة التجريبية وذلك للتطور الهائل في العلوم الطبيعية التي تخبر عن الواقع المشاهد وهي علوم الفيزياء والكيمياء وغيرها ثم لحقت بها العلوم الاجتماعية والإنسانية التي اقتفت أثرها في المنهج رغم الاختلاف الجوهري بين طبائع كل.وبذلك تم حصر المعرفة على عالم الشَّهادة الحسي دون عالم الغيب الذي طريق العلم به هو الوحي .
    2- تمحور المعرفة حول الإنسان :
    أضحى الافتراض الأساس في نموذج المعرفة الغربية الحديثة هو أنه يمكن الوصول إلى الحقيقة النهائية من خلال المعرفة المتمحورة حول الإنسان فقط عن طريق التجربة ؛ إذ أنّ المعرفة –عندهم- لا تتعدى عالم المادة والحس بعد أن صار الوحي بكافة معطياته الغيبية غير منظور إليه في العصر الحديث
    3- تبعية نظرية الوجود لنظرية المعرفة
    أصبحت السِّمة الجوهرية للفلسفة الغربية بعد عصر النهضة هي إقامة دعائم الوجود على أسس معرفية محورها إنسانية المعرفة والمذهب التجريبي أو المذهب المادي، وهذه القضية قد خلقت علاقة إعتمادية بين علم الوجود ونظرية المعرفة، وصار علم الوجود تابعاً لنظرية المعرفة بمعنى أنّ الوجود هو ما يمكن معرفته بالحس دون سواه وذلك عكس نظرية المعرفة الإسلامية التي تتبع المعرفة فيها للوجود.وقد أدى هذا الاتجاه إلى تأليه الإنسان والطبيعة. كما أدى إلى عجز هذه الفلسفة عن الإجابة على التساؤلات الفلسفية النهائية المتعلقة بالإله والإنسان والحياة والمبدأ والمصير، وهي أسئلة عقيدية لا تستطيع أي معرفة بشرية الإجابة عليها بصفة نهائية وإنما الذي يستطيع تقديم الأجوبة هو الوحي الإلهي وقد تم إبعاده من صياغة نظرية المعرفة الغربية.
    ثانياً: مميزات نظرية المعرفة الإسلامية :
    إنّ لنظرية المعرفة الإسلامية مميزات تختلف بها اختلافاً جوهرياً عن نظرية المعرفة الغربية ولها ارتباطات متداخلة تكوَّن شبكة كلية ونظرة شاملة للوجود أو رؤية للعالم “World View” وهذه المميزات هي:
    1- تبعية نظرية المعرفة لنظرية الوجود :
    إنّ نظرية المعرفة الإسلامية تابعة لنظرية الوجود، ويمثِّل توحيد الإله محوراً لهذه النظرية، فهي تنطلق – إذن- من مبدأ التوحيد، والتفكير الإسلامي عموماً يعتمد على الربط بين الوجود والمعرفة من خلال النبوة التي هي الطريق الوحيد للمعرفة الغيبية. ولذا فإنّ ما هو موجود لا يتعلق وجوده بمعرفة الإنسان له أو عدمها وذلك خلافاً للنظربة الغربية ومن هنا كانت تبعية نظرية المعرفة في الإسلام لنظرية الوجود.
    2- محدودية العلم الإنساني:
    إنّ في الإسلام اختلافاً شاسعاً في المستويات المعرفية بين العلم الإلهي وعلم الإنسان إذ لا يمكن المقارنة بينهما إطلاقاً ، فالله تعالى في النظرية الإسلامية هو أصل العلم والمعرفة وهو وحده العالم المطلق العلم الذي وسع علمه كل شئ بينما علم الإنسان محدود ونسبي ؛ وهذا الإقرار باختلاف المستويات المعرفية الذي يسنده الإيمان بالغيب من شأنه أن يمنع من ظهور قاعدة علمانية محورها الإنسان الذي لم يؤت من العلم إلا شيئاً قليلاً كما هو الشأن في النظرية الغربية
    3- تجانس المصادر المعرفية:
    تتجانس المصادر المعرفية في النظرية الإسلامية لإنجاز وحدة الحقيقة ، فالكون مصدر للحقيقة ، والوحي مصدر للحقيقة المطلقة ، والعقل وسيلة لتفسير كل منهما. وكامتداد لهذه الوحدة فإنّ احتمال التناقض بين الوحي والعقل الخالص والكون "عالم الحس" أمر يستحيل وجوده، إذ أنّ وحدة الحقيقة-في الفكر الإسلامي- تنبع من وحدة الألوهية المطلقة ، فالعلاقة على هذا تكاملية لا تنافسية بين الوحي والكون والعقل الخالص، ذلك أنّ الوحي بوصفه منطلقاً للمعرفة يحتَّم التكامل والتطابق مع جوهر الكون والطبيعة والإنسان ويقوم بتوجيه تلك المعارف ؛ وأي تعارض أو تناقض لا بد أن يكون عجزاً في الأداة، سواء كان ذلك في أدوات فهم معارف الوحي والاستنباط منها أو في أدوات تحصيل معارف الكون والطبيعة والإنسان ؛ فمعارف الوحي تتكامل مع معارف الكون والطبيعة والإنسان .
    د- مباحث نظرية المعرفة:
    ومن المعلوم أنّ الدارس لنظرية المعرفة يجد أنّ أبحاث الفلاسفة في صياغتهم لهذه النظرية قد دارت في ثلاثة مباحث هي:
    1- مبحث إمكان المعرفة :
    وهو مبحث يعني بالإجابة على تساؤل:"هل في وسع الإنسان أن يعرف شيئاً؟.
    2- مبحث طبيعة المعرفة :
    وهو مبحث يهتم بتحديد العلاقة بين الإنسان والأشياء ، كما يهتم ببيان وتفسير عملية المعرفة ، وبيان علاقة المعرفة بالوجود، والمعرفة بين الفطرية والاكتساب ، ومعايير صدق الحقيقة.
    3- مبحث مصادر المعرفة :
    والمصادر هي ما تتولد وتستمد منه المعرفة معطياتها ويعتبر من أكثر المباحث أهمية في نظرية المعرفة للقائلين بإمكان المعرفة .
    وفيما يلي نناقش هذه المباحث الفلسفية من خلال نظريتي المعرفة الإسلامية والغربية :-
    أولاً :إمكان المعرفة بين نظرية المعرفة الإسلامية والغربية:
    1- إمكان المعرفة في نظرية المعرفة الغربية:
    إنّ نظرية المعرفة الغربية في دراستها لإمكان المعرفة قد اختلفت باختلاف المنهج الفلسفي ورغم قولها بإمكان المعرفة ووجود الأشياء وجوداً حقيقياً وبقدرة الإنسان على معرفتها إلا أنها قد انقسمت إلى اتجاهين هما:
    1-1 إمكان المعرفة عند أنصار الفلسفة العقلية والمثالية
    من ملامح قضية إمكان المعرفة في الفلسفة العقلية والمثالية الآتي :
    أ- اعترف المثاليون بالواقع الموضوعي للشيء المعروف إلاّ أنهم جعلوا الفعالية للذات العارفة أو العقل ، أي جعلوا للإدراكات العقلية موضوعية أعلى من موضوعية الإدراكات الحسية .
    ب- شك أنصار الفلسفة العقلية والمثالية –لصالح العقل- شكاً معرفياً في الوجود المادي الخارجي وهذا الشك – عندهم - وسيلة وطريق يوصل إلى اليقين وهذا المنهج سلكه ديكارت ودافيدهيوم اللذين أسمياه بالشك العلمي
    1-2 إمكان المعرفة عند أنصار الفلسفة التجريبية :
    من ملامح قضية إمكان المعرفة في الفلسفة التجريبية الآتي:
    أ- تعترف الفلسفة التجريبية بوجود واقع خارجي هو مصدر للمعطيات الحسية بمعنى أنّ الذي يحدد حقيقة الأشياء هو واقع في الخارج وليس الذهن المدرك لها وذلك عكس الاتجاه السابق تماماً .
    ب- ذهب جون لوك إلى أنّ المعرفة الإنسانية مأخوذة من التجربة الحسية والخبرة فحسب وترى الماركسية أيضاً أنّ معرفتنا بقوانين الطبيعة التي تبرهن على صحتها التجربة والتطبيق العلمي هي معرفة صحيحة لها معنى الحقيقة الموضوعية . والتطبيق العلمي عندها هو العمل
    2- إمكان المعرفة في نظرية المعرفة الإسلامية :
    إنّ معرفة الموجودات في الإسلام ممكنة متهيئة لا سبيل إلى إنكارها وبذلك جاء القرآن والسُّنة وعلى هذا اتفق العلماء المسلمون أيضاً ؛ حيث تحدث القرآن عن الوجود والمعرفة وجعلهما دائرين حول خلق الله للإنسان وحول مخلوقية هذا الإنسان لله التي تقتضي وجوب فهم هذا الإنسان لدوره في الحياة ؛ وهذا الدور لا ينتظر منه بحثاً في إمكان المعرفة وعدم إمكانها؛ إذ أنّ الإنسان في إمكانه أن يعلم، وهذه قضية بديهية لا تحتاج إلى إثبات
    ولأجل ذلك لم يحفل القرآن بمسألة إمكان المعرفة ، وهل يعلم الإنسان شيئاً أو لا يعلم شيئاً؛ إذ أنّ التشكيك فيها أمر مخالف لطبيعة المنهج القرآني ولفطرة الإنسان نفسه لأنّ الله تعالى قد جعل العلم أو العقل أو القدرة على التمييز والتعلُّم ميزة الإنسان التي يتميز بها عن سائر المخلوقات  وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً  ولهذا فإنّ لإمكان المعرفة في الإسلام خصائص هي:
    أ- الوجود الواقعي المستقل للأشياء:
    يقرر القرآن أنّ للأشياء وجوداً واقعياً مستقلاً عما في الذهن سواء أدركه الإنسان أم عجز عن إدراكه وذلك خلافاً للنظرة الغربية ؛ ولهذا فإنّ عدم إدراك الإنسان للأشياء –حسب النظرة الإسلامية لا يقتضي عدمها
    ب- إمكانية إدراك عالم الغيب:
    تحدَّث القرآن عن نسبية المعرفة البشرية وما أوتيتم من العلم إلا قيلا  إلا أنّ الوحي – المصدر المعصوم – هو الذي يسِّدد خطى الإنسان في سعيه لتحصيل المعرفة ومن الممكن للعقل البشري إدراك موجودات عالم الغيب والتسليم بوجودها عن طريق هداية الوحي وإرشاده لتتكامل بذلك دائرة المعرفة . ومعلوم أنّ الموجودات بالنسبة للإنسان عموما تنقسم إلى نوعين:
    1- موجودات عالم الطبيعة التي يسميها القرآن عالم الشهادة. وهذه الموجودات يستطيع الإنسان إدراكها بحواسه
    2- موجودات عالم ما وراء الطبيعة التي يسميها القرآن عالم الغيب. وهذه الموجودات لا يستطيع الإنسان إدراكها بالحواس وإنما يستطيع أن يعرفها عن طريق الوحي.
    ج- قابلية الإنسان واستعداده للمعرفة:
    جعل الله للإنسان القابلية والاستعداد للمعرفة وخلق له الوسائل التي يتم بها هذا الإدراك؛قال تعالىوَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ 
    د- ضرورة إعمال الفكر والنظر :
    إنّ القرآن الكريم يقرَّر أنّ في إمكان الإنسان معرفة الكثير من الأشياء إذا ما سلك السُّبل المؤدية إلى المعرفة وقد جاءت آيات كثيرة تحث الإنسان على التفكُّر والتدبر والنظر من أجل هدفين هما:
    1- معرفة الأشياء المبثوثة في الكون من حوله حتى يستفيد منها في حياته المادية ويقوم بواجب الاستخلاف في الأرض .
    2- استشعار عظمة خالق هذه الأشياء ومدبرها ومجريها على سننها الثابتة .
    ويتضح مما سبق أنّ المعرفة لو لم تكن ممكنة لكان الأمر القرآني بالنظر والتدبر والتفكُّر لغواً وباطلاً، والله تعالى منزه عن اللغو والعبث كما هو معلوم" وقد أثبت علماء الإسلام إمكانية تحصيل المعرفة ، وجعل بعض العلماء مداخل كتبهم في "إثبات العلم والحقائق"؛ أو في إثبات العلوم الضرورية ، أو في إثبات العلم وفي إبطال قول من ينفي الحقائق وهم بذلك يردون على السوفسطائية من جانب ، ويسلمون بإمكان المعرفة من جانب آخر ليتسنى لهم البحث في طبيعتها ومصادرها؛ إذ أنّ من ينكر إمكان المعرفة لا يستطيع أن يتحدث عن طبيعتها ومصادرها.
    وتتجلى يقينية المعرفة واضحة لدى فلاسفة المسلمين خاصة الفارابي وابن سينا؛ إذ لم يثيروا شكاً في إمكان المعرفة، ولهذا كان الرأي السائد في الفلسفة الإسلامية هو إمكانية تحصيل المعرفة؛ يقول النسفي " حقائق الأشياء ثابتة والعلم بها متحقق خلافاً للسوفسطائية"
    وقد سبق أنّ المعرفة - حسب النظرة الإسلامية -تتوقف على الوجود ولا يتوقف الوجود عليها ولكن تنعكس هذه النظرة تماماً في الشك المنهجي وذلك لأنّ هذا الشَّك يقتضي طرح كل الأفكار السابقة حتى ولو كانت هذه الأفكار إيمانًا بوجود حقيقي للأشـياء
    ثانياً :طبيعة المعرفة بين نظرية المعرفة الإسلامية والغربية:
    1- طبيعة المعرفة في النظرية الغربية:
    إنّ طبيعة المعرفة في الفلسفة الغربية تتمثل في مذهبين هما :
    1-1 طبيعة المعرفة في الفلسفة المثالية:
    يرد المذهب المثالي كل ما هو في الواقع إلى الفكر ومن ثم لا يعترف بوجود عالم مستقل للأشياء عن الفكر لأنّ ما هو خارج الفكر لا يمكن أن يكون معقولاً ولا موجوداً ؛ فالموجود هو المدرك وما لا يدرك فلا وجود له
    والمثالية تنكر وجوداً واقعياً مستقلاً للأشياء . كما أنّها تنفي أن تكون هناك ثنائية في المعرفة بين عالم الذات " الإنسان" وعالم الموضوع "الأشياء" بل تثبت التطابق بين العالمين الذاتي والخارجي ويذهب فيتشه إلى أن " الذات العارفة ليست فقط مجرد وسيلة تنتهي بالفرد إلى الاتصال بالعالم الخارجي بل هي الأصل في الإيجاد ، إيجاد العالم الذي يستحيل أن يوجد في ذاته بمعنى أنّ كل ما هو موجود فهو من صنع الذات العارفة "العقل الإنساني" فلا يوجد إلا عالم واحد وهو العالم كما يبدو لنا ولا عالم في ذاته وانتهت المثالية بذلك إلى إنكار عالم الشهادة.
    1-2 طبيعة المعرفة في الفلسفة الواقعية:
    إنّ الوجود الواقعي- في الفلسفة الواقعية- هو ميدان المعرفة، وهو وجود مستقل عن الإنسان والمعرفة في طبيعتها مادية ، وتجعل الواقعية من الحس أو التجربة مصدراً للأفكار أو المبادئ وليس العكس.
    2- طبيعة المعرفة : في نظرية المعرفة الإسلامية:
    اهتم علماء المسلمين بإثبات وجود العالم الخارجي وإدراكه في آنٍ واحد ويتضح بذلك أن للفلسفة الإسلامية في هذا المضمار خصائصها وهي:
    2-1 استقلال ووجود الواقع الخارجي:
    تعترف الفلسفة الإسلامية بالمعرفة لدى الإنسان ودورها ، كما تعترف في الوقت ذاته بالواقع الخارجي واستقلاله ، ولهذا فإنّ للأشياء وجوداً خارجياً واقعياً مستقلاً عن الذات العارفة ووجود هذه الأشياء قائم سواء أدركها الإنسان أم لم يدركها .
    2-2 المطابقة بين الوجود الذهني والواقعي:
    إنّ المعرفة البشرية إنما هي ثمرة التقاء بين ذهن الإنسان وبين الموجودات الخارجية ، ويؤمن علماء المسلمين بوحدة الحقيقة والمعرفة ومن ثمّ فإنهم يطابقون بين ما هو موجود في الأذهان وما هو موجود في الواقع ، وهذا لا يعني التلازم التام بين الموجودات وذهن الإنسان . بمعنى أنه ليس كل موجود يمكن معرفته وليس كل تصور واقعاً على شئ خارجي . فهناك من الموجودات ما لا سبيل لوسائل المعرفة الإنسانية إلى معرفتها . كما أنه ليس كل تصور أو حكم واقعاً على حقيقة خارجية عن الذهن، إذ يمكن أن ترد إلى العقل البشري خيالات وصور لا وجود لها في الخارج
    ثالثا :مصادر المعرفة بين نظرية المعرفة الإسلامية والغربية:
    أ. مصادر المعرفة في نظرية المعرفة الغربية:
    مصادر المعرفة في نظرية المعرفة الغربية بعد عصر النهضة وابتداءً من القرن السابع عشر هي وليدة للصراع بين الكنيسة والعلماء إذ احتكرت الكنيسة العلم وتفسير الحقيقة ، وقد انتهى هذا الصراع لصالح العلم حيث كان للكشوف العلمية والاحتكاك بالعلوم الإسلامية الأثر البالغ في انهيار معارف الكنيسة. والواقع أنّ الفكر في عصر النهضة قد اتسم بنزعة شديدة العداء للسلطة الدينية كما اتسم برغبة جامحة في الخلاص بكل السُّبل من الخضوع للقيادة الفكرية والعلمية لتلك السُّلطة الدينية .
    ولهذا فلم يكن هناك مفر من البحث عن مصدر للحقيقة يكون بديلاً للسُّلطة الدِّينية، وكلما كان ذلك المصدر مناوئاً ونقيضاً للمصدر الدِّيني كلما كان ذلك أفضل. ولم يكن هناك من مصدر أفضل من التركيز على الخبرة الإنسانية واستخدام الحواس كأساس للمعرفة العلمية الحقة، فاعتماد الحواس يحرِّر الناس ويعطيهم قيمتهم والحس يقلَّل إلى أقصى حد من قيمة المصدر الدَّيني – ولقد كان للسير فرانسيس بيكون أثر بارز في توجيه العلم للاقتصار على الخبرة الحسِّية وتأسيس الاتجاه الحسي “Empiricism” ويقابل هذا الاتجاه العقلاني “Rationalism” الذي يقلِّل من شأن الحس، وكان رينيه ديكارت مؤسِّساً لهذا الاتجاه وتبعاً لذلك فإنّ مصادر المعرفة انحصرت في مصدرين :
    1- المحسوس عن طريق الملاحظة والتجربة:
    كان من نتائج الصراع بين الكنيسة والعلماء أن تحولت المعرفة إلى معرفة بشرية خالصة ومحصورة في الواقع المشاهد ، فالمحسوس والمشاهد الذي يخضع للاستقراء والتجربة والقياس الكمي وحده العلم وماعداه – وكل ما لا يخضع للاستقراء والتجربة والقياس الكمي يعتبر لا علم وتعتبر قضاياه بلا معنى “Meaning less” وهذه هي الروح العلمية التي بلورها بيكون حيث الاقتصار على ما هو موضوع أمامنا في العالم الواقعي التجريبي والإنصات لشهادة الحواس كمصدر للمعرفة ، والطبيعة هي مملكة المعرفة ويجب الحيلولة دون أن يتجاوزها العقل ، وعلى مدار العصر الحديث تبارى الفلاسفة الإنجليز في تأكيد التجريبية والنظرية الحسية في المعرفة والعزوف عن الميتافزيقيا. وبلغت الذروة مع جون لوك "1632-1704" الذي رفض الادعاء بوجود أفكار مفطورة في العقل البشري ترتكز عليها المذاهب العقلية المقابلة للتجربة . وأكّد لوك أنّ العقل يولد صفحة بيضاء ثم تخطها المعطيات الحسَّية والتجربـة وهذا هو منطلق الفلسفة الوضعية “Positivism” وأساسها المكين .
    2- العقل
    تتلخص مصدرية العقل للمعرفة في القول بأنّ المعرفة البشرية قائمة على التصور والتصديق، فالتصور هو الإدراك البسيط لمعاني الأشياء كتصور معنى الحرارة والنور والتصديق هو الإدراك المنطوي على حكم كالحكم بأنّ النار محرقة . وهذا المذهب بدأ مع أفلاطون من خلال نظريته في التذكُّر التي تقوم على أساس أنّ التصورات كامنة في النفس البشرية وأنها تنبعث منها تباعاً فمصدرها النفس ، ثم تطور القول بمصدرية العقل مع ديكارت، وخلاصة رأيه أنّ المبادئ الأولية تكمن في التصورات وأنّ هذه التصورات تمثَّل أفكاراً بسيطة " مطلقات المعرفة " وهي التي تتكون منها جميع العلوم بعد ذلك
    إلا أن هذا الاتجاه الذي جعل العقل مصدراً للمعرفة قد بدأ يتلاشى نتيجة للنجاحات التي حققها المنهج التجريبي .
    إنّ الدارس لكلام المذهبين الغربيين يلاحظ إبعاد الوحي نهائياً من مصادر المعرفة، مما يعني انحصار العلم في عالم الشهادة، الذي غدا المصدر الوحيد للمعرفة . نتيجة لانحصار الفلسفة الغربية في دراسة الواقع المحسوس أو عالم الشهادة، فقد تمركزت حول الذات الإنسانية والطبيعية، وأدى هذا إلى تأليه الإنسان والطبيعة حيث الإيمان العميق بالعالم الطبيعي على أنّه العالم الوحيد الذي يسعد فيه الإنسان ويجد فيه مطالبه ويلبي حاجياته المادية والروحية ، والإيمان العميق بالإنسان على أنه مركز الثقل في العالم ، والإيمان بالعقل وحده على أنّه الوسيلة الوحيدة التي تضمن السيطرة على العالم وتسخير إمكاناته بالاعتماد على العلم.
    ب- مصادر المعرفة : في نظرية المعرفة الإسلامية:
    مصادر المعرفة لدى علماء المسلمين تنحصر في الوحي والعقل والحس غير أنّ ثمة انتقادات وجِّهت لمصدرية العقل للمعرفة؛ وذلك لأنّ العقل والحواس هي وسائل إدراك للكون المحسوس، وعلى هذا يغدو الكون هو مصدر المعرفة الثاني بالإضافة إلى الوحي . وهذا ما تنبه إليه المعاصرون حيث اتفقت رؤيتهم مع الرؤية القرآنية؛ وذلك بجعلهم للوحي والكون مصدرين متناصرين للمعرفة. وبذلك يمكننا القول أنّ مصادر المعرفة في النظرية الإسلامية تنحصر في مصدرين هما : الوحي والكون.
    1- الوحي
    حيث أنّ الوحي:
    أ‌- يمدنا بالمعارف اليقينية حول ما وراء هذا الوجود وما يتجاوز أبعاد الزمان والمكان ، فالمعلومات التي يقدَّمها الوحي صادقة ويقينية، والمصادر الأخرى مهما كانت فائدتها فهي ليست مصادر يقينية ولا يمكن أن تقدَّم إجابات واضحة ودقيقة للتساؤلات المطروحة.
    ب‌- كما يمدنا الوحي بمعارف يقينية حول كليات السنن الإلهية السارية في هذا الوجود خصوصاً ما اتصل منها بالإنسان المكرَّم المستهدف بهداية الوحي.
    ج- ويستوعب الوحي في تفصيلاته حقيقة الإنسان في أصله وخلقه وتكوينه وحركته على الأرض ومصيره المستقبلي.
    2- الكون
    إنّ الكون بكل عناصره مصدر أساس من مصادر المعرفة الإسلامية، والدَّليل على ذلك هو تلك الآيات الكثيرة في القرآن والتي تحث على التأمل والتدبر والتفكُّر في خلق السماوات والأرض وما بث الله في ثناياها من آيات دالة على عظمة خالقها وانفراده بالتدبير . وما يجدر ملاحظته أنّ الكون هو منشأ الظواهر الطبيعية والاجتماعية وهي مجال دراسة الإنسان من خلال وسيلتي السمع والبصر ولكن لا بد من مدخل الوحي إلى الكون إذا أردنا أن نفهم الكون بالطريقة التي تنجم عنها عبادة الله ومفهوم الاستخلاف لأنّ الدخول علي بوابة الكون دون بوابة الوحي نتيجتة العلمانية التي أفسدت كل شيء
    وإجمالاً فإنّ نظرية المعرفة الإسلامية لا تقوم على أساس رفض معطيات الحس والعقل لأنّ الإسلام كان أول الداعين له؛ ولكن نظرية المعرفة الإسلامية لا تقف عند معطيات الحس وحدها وإنما تضم إليها معطيات الوحي، وانعكس هذا الفهم على الافتراضات الأساسية التي يقوم عليها البحث العلمي في التصور الإسلامي .
    الخلاصة :
    سنحاول في هذه الخلاصة توضيح أهم النقاط والمرتكزات فيما أثرناه سابقاً فنوضح الآتي:
    أولاً : إنّ النموذج الغربي الذي يعبَّر عن الرؤية الفلسفية الغربية قد عجز عن الإجابة على التساؤلات النهائية التي تتصل بالإنسان ووجوده ومصيره وموقفه من الوجود ككل ، على الرغم من أنّ هذا النموذج يقدمُّ باعتباره النموذج العالمي الأرقى.
    ثانياً : كنموذج للخلل في مدارس هذا النموذج الفلسفي فإنّ المثالية أحالت الوجود الموضوعي للأشياء إلى مجرد أفكار وخواطر واستخفت بعالم الشًّهادة بينما ألغت الواقعية قيمة الفكر في مقابل الوجود الخارجي . وجعلت الفكر مجرد انعكاس لذلك الوجود . يضاف إلى ذلك أنّ التمركز حول الذات أو الشخصية الإنسانية هو منطلق المثالية . فالحقيقة النهائية ليست ذات طبيعة خارجية مادية أو واقعية وإنما هي ذات طبيعة ذاتية.
    ثالثاً : لقد برزت المدارس الفلسفية الغربية في أول أمرها داخل وسط لا يشجع على العلم والمعرفة نتيجة لاستحواذ المعرفة اللاهوتية الكنسية على المعرفة عموماً، ونتيجة لهذا فقد كان توجه الفلسفة توجها علمانياً معادياً للدين؛ فصارت قضايا الدين والغيب والأخلاق قضايا لا معنى لها لأنها غير قابلة للتحقق والاختبار التجريبي
    رابعاً: إنّ العلم المعاصر- رغم المفهوم الغربي الضيق له- يقدَّم نفسه على أنه موضوعي تجريبي مبرأ من العيوب، إلا أنّ بعض العلماء قد احتجوا على مناهج المعرفة المعاصرة وذكروا أنّ هذه الأدوات التجريبية ليست كافية في الوصول إلى المعرفة، وأنه لا بد من طريقة جديدة للمعرفة ولا بد كذلك للعلم من معنى أوسع. إذ إنّ ملحد القرن التاسع عشر قد حرق البيت بدلاً من أنّ يعيد ترميمه . فلقد رمى بجميع الأسئلة التي طرحها الدين وبإجاباتها معاً ، وأدار ظهره لكل مقررات الدين لأنّ القائمين على الدِّين قد خرجوا عليه بإجابات لا يستطيع قبولها. ولكن اليوم وقد أصبح العالم أكثر معرفة واستنارة فقد اتضح لديه أنّ موضوعات البحث الدِّينية ومباحث الدِّين والأسئلة التي يطرحها الدين حول النشأة والوجود والمصير هي قضايا علمية تستحق الاحترام الكامل . وهي قضايا عميقة الجذور في الطبيعة البشرية ويمكن دراستها وتمحيصها بأسلوب علمي رصين . وأنّ الكنيسة كانت تحاول الإجابة على أسئلة رفيعة صحيحة . وهي وإنّ أخطأت الإجابة فإنّ الأسئلة نفسها كانت تستحق القبول والتبرير الكاملين"
    خامساً : إنّ الحديث عن اطراح الفلسفة الغربية للمعرفة اللاهوتية يوضح أنّ الوحي كمصدر معرفي لم يكن مقبولاً لدى المدارس الفلسفية الغربية مما جعل معرفتها تقتصر على عالم الشهادة، أي بمنظور القرآن اقتصر علمهم على "ظاهر الحياة الدنيا". ولما كان علمهم قاصراً على الحياة الدنيا فإنّ هذه الفلسفة عملت على تضخيم الذات العارفة بجعل الإنسان مركزاً للكون، وهذا يعني أنّ هذا العلم يسعى لتحقيق اللذة والمنفعة للإنسان أي إشباع غرائزه فظهر الخواء الروحي في العالم المعاصر وتعالت الصيحات المنذرة بالخطر.
    سادساً : إنّ النموذج الإسلامي المنبثق من الوحي على عكس النموذج الغربي العلماني يقدِّم إجابات على الأسئلة النهائية، و يقدِّم الوجود على المعرفة ويجعلها تابعة له . ويؤمن بأنّ الله هو المحيط بكل شيء علماً، وأنّ الإنسان مخلوق لله تعالى وجزء من الوجود ، لا الوجود ذاته مع كونه متميزاً بالعقل الذي هو مناط التكليف.
    سابعاً : إنّ الوجود في المنظور الإسلامي شقان :
    - وجود عالم الشهادة .
    - وجود عالم الغيب .
    وما لاشك فيه أنّ انغماس الفلسفة في دراسة جانب مع اطراح الجانب الآخر من شأنه توليد معرفة مبتورة، أما القرآن فإنّه يربط هذين العالمين بحيث لا ينفكان عن بعضهما وعلى ذلك فإنّ الحقيقة العلمية في النموذج الإسلامي ليست حكراً على التجربة. و الوجود الواقعي ليس حكراً على الوجود المادي أصلاً.
    ثامناً : إنّ الوحي في النموذج الإسلامي مصدر مهم للمعرفة، ولقد انعكس ذلك على المعرفة ذاتها وطبعها بطابع الصدق واليقينية. وهذا ما يميز النموذج الإسلامي عن النموذج العلماني الذي رفض الوحي مصدراً للمعرفة فانعكس ذلك سلباً على المعرفة وطبعها بطابع الظنية والدنيوية.

    تعليق


    • #3
      [align=center]مصدرية الوحي للمعرفة[/align]مقدمة:
      إنّ المعضلة الكبرى في المعرفة الإنسانية تكمن في تلك الآثار التي خلَّفها استبعاد الوحي عن مضمار المعرفة ؛ إذ أعقب ذلك مشكلات منهجية وعقبات معرفية ضخمة . ومن المعلوم أنّ الظروف التي تعرض لها الفكر الغربي فأفضت إلي إلقاء الوحي وراء الظهور إنما هي ظروف في غاية الخصوصية وشديدة التعلق بالفكر الغربي نفسه ؛ إذ لم يتعرض العالم الإسلامي لمثل تلك الظروف العصيبة ولم يمر بتلك المحن المعرفية الصعبة أصلاً ؛ حيث أنّ العلم والدين في الإسلام مرتبطان ببعضهما أشد ما يكون الارتباط وذلك بخلاف الفكر الغربي الذي شهد صراعاً رهيباً بين رجال الدين ورجال العلم فكانت عاقبة ذلك الصراع أن تم إقصاء الوحي عن مضمار المعرفة ، فصار ما لله لله وما لقيصر لقيصر وانحسر الدين واقتصر على الكنسية دون أن يكون له دور فاعل في تشكيل حياة الناس ومعارفهم؛ وبذلك صار المصدر الوحيد للمعرفة-عندهم- هو عالم الشهادة الحسي.
      ولما انحسر دور الدين وتم حصر المعرفة في عالم الحس دون عالم الغيب الذي طريق المعرفة به هو الوحي لا غيره - فقد أفضى ذلك إلى خلل منهجي واضح في بناء العلوم وصياغتها ، ولم يقتصر هذا الخلل على علم دون علم أو تخصص دون آخر وانما عم جميع العلوم – كما سيأتي ، وان كان أثره في العلوم الإنسانية والاجتماعية أكثر وضوحاً ؛ حيث أن هذه العلوم قد احتلت المكانة التي كان يحتلها وحي السماء في إرشاد الناس وتوجههم ، وهذه العلوم - كما هو معروف - تتعلق بكثير من الأمور الغيبية التي لا تستطيع فيها حيلة أو تهتدي سبيلاً ، ولذلك أعلنت هذه العلوم أزمتها وعجزها ليس في عالمنا الإسلامي وإنما في العالم الغربي أيضاً .
      والحق أنّ الوحي يفتح أبواب الغيب ويقدم حلولاً لا يمكن الوصول إليها دون الاستعانة به ، ولأجل ذلك صارت إعادته إلى مضمار المعرفة ضرورة معرفية اقتضاها تطور العلوم من جهة وعجزها عن حل كثير من المشكلات المستعصية من جهة أخرى كما سيأتي.
      وإذا علمنا إن إعادة الوحي إلى مضمار المعرفة ضرورة منهجية ومعرفية -فمن الأهمية بمكان توضيح خصائص هذا الوحي في الإسلام ؛ حتى يمكن التعامل معه بصورة منهجية في إطار المعرفة.
      أولاً: مفهوم الوحي :
      معنى الوحي في اللغة :
      الوحي في اللغة يعني الإشارة والكتابة والرسالة والإلهام والكلام الخفي ؛ يقال: أوحيت إليه : إذا كلمته بكلام أخفيه
      وقد جاء الوحي في القرآن العظيم بمعان لغوية متعددة لم يكن المقصود بها الوحي الإلهي المعروف وهي:
      1- الإشارة السريعة :
      ومنها قوله تعالى عن زكريا عندما جعل آيته له هي عدم استطاعته الكلام فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ  أي أشار إليهم دون أن يتكلم.
      2- الإلهام الغريزي للحيوان :
      ومنه قوله تعالى وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ
      3 - الإلهام الفطري للبشر:
      ومنه قوله تعالى وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ 
      4- وسوسة الشياطين :
      ومنه قوله تعالى وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً 
      5- ما يلقيه الله تعالى للملائكة ومنه قوله تعالى إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا 

      المعنى الاصطلاحي للوحي:
      إنّ المعنى الاصطلاحي الذي نقصده ونهدف إليه في دراستنا هذه هو ما يلقيه الله إلى أحد أنبيائه ورسله؛ نحو إنزاله القرآن على سيدنا محمد وإنزاله الإنجيل على سيدنا عيسى وإنزاله التوراة على سيدنا موسى وإنزاله الزبور على سيدنا داود .
      ولا شك أنّ الجانب الذي يهمنا في هذه الدراسة هو ذلك الوحي المنزل على سيدنا محمد إذ أننا -وإن كنا نؤمن بكافة الكتب التي أنزلها الله على أنبيائه صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- إلا أننا نجد عملياً أن تلك الكتب قد تغيرت عن أصلها الأول الذي أنزلها الله بها واعتراه من التبديل والتغيير ما اعتراها؛ ولأجل ذلك لا يمكن الاعتماد عليها .
      وإذا اقتصرنا على ما أنزل على محمد فإننا نجد أنّ الوحي ينقسم إلى قسمين هما :
      1- القرآن الذي أنزل عليه بلفظه ومعناه كما سيأتي .
      2- السنة التي أوحيت إليه من الله بمعناها وإنّ كان اللفظ من قبله
      ثانياً: مفهوم القرآن :
      1- معنى القرآن في اللغة :
      كلمة "قرآن" في اللغة تشير إلى معنى الجمع والضم
      وقد سمى القرآن بذلك عند العلماء لعدة أسباب منها :
      1- لأنه جامع لثمرة جميع العلوم
      2- لأنه جامع لثمرة الكتب السماوية التي أنزلها الله من قبل
      3- لأنه جامع للسور (1).
      2-المعنى الاصطلاحي للقرآن:
      لعلماء الإسلام تعريفات متعددة للقرآن منها ما يلي :
      1-يقول الشوكاني " حد القرآن اصطلاحاً هو الكلام المنزل على الرسول المكتوب في المصاحف المنقول إلينا نقلاً متواتراً "
      2-عرف بعض العلماء القرآن بقولهم " هو اللفظ العربي المنزل للتدبر والتذكر الذي نقل بالتواتر "
      3-يقول الشوكاني"قيل في حد القرآن هو الكلام المنزل للإعجاز بسورة منه"
      مفهوم السنة :
      1-تعريف السنة لغة :
      لكلمة " سنة" في اللغة عدة معان منها:
      1- الطريق المسلوكة
      2-الدوام والطريقة المعتادة سواء كانت حسنة أو سيئة كما في الحديث " من سنَّ سنَّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سنَّ سنَّة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة " وسنة كل أحد ما عهد منه المحافظة عليه والإكثار منه سواء كان ذلك من الأمور الحميدة أو غيرها وفي الأصل تطلق السُّنة على الطريقة المحمودة وقد تستعمل في الطريقة المذمومة وتأتي في هذه الحالة مقيدّة بالصفة فيقال سنة سيئة كما في الحديث السابق .
      2-معنى السُّنة في الاصطلاح:
      للسنة معان اصطلاحية متعددة ، وذلك كالآتي
      1-تطلق عند أهل الشرع ويراد بها قول النبي وفعله وتقريره.
      2-تطلق عند أهل الحديث بالمعنى العام ويراد بها الواجب وغير الواجب.
      3-تطلق عند الفقهاء ويراد بها ما ليس بواجب وذلك في تقسيمهم للأحكام باعتبارها " واجب وسنة ومندوب ومكروه ومباح ....الخ".
      4-تطلق عند علماء العقيدة في معنى يقابل البدعة ؛ إذ يقال فلان من أهل السنة.
      والمعنى الذي نريده في هذا المضمار هو المعنى الأول الذي هو ما صدر عن النبي من الأدلة الشرعية في أقواله وأفعاله وتقريراته التي هي غير القرآن
      رابعاً: الفرق بين القرآن والسنة:
      ذهب كثير من العلماء المحققين إلى أن السنة وحي وإرسال الهي بالمعنى ؛ لا باللفظ والمعنى معاً كالقرآن؛ ولأجل ذلك يذكر الإمام القرطبي أن رسـول الله قد أوتى الوحي الباطن غير المتلو مثل ما أوتى الوحي الظاهر المتلو وهو القرآن ؛ فيكون الوحي الوارد في السنة واجب العمل به ولازم القبول كالقرآن تماماً.
      ويقول الآمدى " إنّ الوحي منه ما يتلى ويسمى قرآناً ومنه ما لا يتلى ويسمى سنة"
      ويذكر ابن حزم أنّ الوحي ينقسم إلى قسمين:
      أحدهما : متلو معجز النظام " أي البلاغة" وهو القرآن .
      الثاني : مروي منقول غير مؤلف ولا معجز " أي في البلاغة أيضا"
      ولأقوال هؤلاء العلماء التي ذكروها أدلة من القرآن والسنة أما الدليل من القرآن فهو قوله تعالى: وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى 
      و الدليل من السنة قوله :" ألا أني أوتيت القرآن ومثله معه"
      وعن عبد الله بن عمر  قال: كنت أكتب كل شئ أسمعه من رسول الله أريد حفظه فنهتني قريش فقالوا: إنك تكتب كل شئ تسمعه من رسول الله ورسول الله بشر يتكلم في الرضا والغضب فأمسكت عن الكتابة فذكرت ذلك لرسول الله فقال: اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا الحق"
      والحق أنّ رسول الله بشر؛ ولكنه بشر موحى إليه ؛ وهذا الاختلاف الجوهري بينه وبين سائر البشر يجعل كل كلامه وحياً ؛ قال تعـــالى : قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَــــــى إِلَيَّ 
      وإذا ثبت أن كل ما صدر عن رسول الله وحي- فإنه من الضرورة بمكان بيان الفرق بين كلامه وكلام الله تعالى المتحدى به ؛ ويكمن هذا الفرق في الآتي:
      1-إن القرآن العظيم صادر من الله تعالى بلفظه ومعناه ؛ ولأجل ذلك ثبت له الإعجاز في الأمرين كما سيأتي.
      2-إن السنة الشريفة وحي صادر من الله بمعناه لا بلفظه ؛ إذ أن الألفاظ صادرة من رسول الله ولأجل ذلك صح إعجاز السنة في الحقائق وصدقها؛ لا في البلاغة والنظم كما هو شأن القرآن وسيأتي الحديث عن ذلك .
      خصائص الوحي :
      إنّ للوحي خصائص ومميزات وهذه الخصائص تشمل نوعي الوحي جميعهما ؛ إلا أنها من الدقة بحيث يمكن أن تختلف في كل من النوعين اختلافاً بيناً ؛ وهذا أمر شديد الأهمية كما سيأتي ؛ وهذه الفروق بين النوعين ليست بالكثيرة ؛ ولكنها جوهرية على كل حال كما سيأتي .
      والحق أنّ بيان الخصائص من أهم الأمور المنهجية في تعاملنا مع الوحي ، وذلك لأن التعامل المطلوب والمنهج المنشود لا يتأتى دون بيان هذه الخصائص من جهة ودون معرفة المسالك التي ينبغي أن تسلك من جهة أخرى.
      وهذه الخصائص والمميزات التي يتميز بها الوحي في الإسلام أمور لا بد من التعامل معها بفهم ودراية ، إذ أن من شأن التدبر المصحوب بالفهم والدراية أن يهدي إلى الحق وإلى سواء السبيل ، وتتمثل هذه الخصائص في الآتي:
      1-إلهية المصدر :
      سبق أنّ كلاً من القرآن والسنة - باعتبارها وحياً - صادرين عن الله تعالى لا عن سواه ؛ ولكن القرآن صادر من الله لفظاً ومعنى ؛ بينما السنة صادرة من الله بالمعنى فحسب.
      2-الإعجاز :
      الإعجاز هو نسبة العجز إلى البشر عند التحدي ، ومعلوم أن القرآن العظيم قد تحدى البشر قاطبة في غير ما آية أن يأتوا بمثله فما استطاعوا، وقد بين الله تعالى استحالة الإتيان بمثل القرآن ؛ وذلك كما في قوله تعالى: قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً
      وقوله: وَمَا كَانَ هَـذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللّهِ 
      يقول الإمام القرطبي وذلك " لإعجازه ولوصفه ومعانيه وتأليفه"
      ويقول ابن عطية " وجه التحدي في القرآن إنما هو بنظمه وصحة معانيه وتوالى فصاحة ألفاظه"
      ويقول ابن كثير " القرآن معجز من وجوه كثيرة منها فصاحته وبلاغته ونظمه وتراكيبه وما تضمنه من الأخبار الماضية والمستقبلة وما اشتمل عليه من الأحكام المحكمة الجلية "
      ويتضح مما سبق أنّ الإعجاز عند العلماء على ثلاثة أنواع :
      1-إعجاز الفصاحة وجودة اللفظ؛ وحسنه؛ بحيث لا يستطيع البشر الإتيان بمثله.
      2-إعجاز النظم والتراكيب ؛ بحيث لا يستطيع أحد أن يأتي بسبك مثله سبكه ولا تركيب مثل تركيبه ونظمه .
      3- صحة المعاني ؛ حيث إنّ القرآن قد نزل من الله الذي أحاط بكل شئ علماً ؛ فجاء لذلك صادقاً في أخباره الماضية والمستقبلة كما جاء عادلاً في أحكامه متوخياً مصلحة العباد فيها.
      إعجاز السنة :
      لما كانت معاني السنة وحياً يوحى فإنّ المعاني والعلوم التي فيها أيضاً صادرة من الله تعالى؛ ومن هنا يمكن أن يقال أن السنة الصحيحة معجزة من حيث معناها؛ بما اشتملت عليه من صدق الأخبار وعدل الأخبار.
      الفرق بين إعجاز القرآن وإعجاز السنة :
      يجتمع القرآن والسنة والكتب السماوية في أصولها الصحيحة في كونها جميعاً معجزة المعنى لصدورها من الله تعالى كما ذكر كثير من العلماء ، إلا أن إعجاز الفصاحة والنظم أمور تفرد بها القرآن دون غيره، ورغم أن ألفاظ السنة الشريفة صادرة من أفصح العرب وقد بلغت درجة عالية من الفصاحة وجودة النظم - إلا أنه لم يقل أحد من علماء المسلمين بإعجازها في هذا الجانب. ويشهد التاريخ ما لحق بالسنة من وضع وتدليس وتزوير، وهذا يدل دلالة واضحة على أن السنة ليست بالغة التميز في الفصاحة والنظم - كما هو شأن القرآن الذي لا يمكن حدوث التزوير فيه أبداً لإعجازه في هذين الجانبين وتفرده فيهما.
      الفرق بين إعجاز القرآن والكتب السماوية :
      إنّ الكتب السماوية - وإن تنوعت شرائعها واختلفت مناهجها - إلا أنها في حقيقة الأمر ذات دين واحد وهو التوحيد ، ولكن من الناحية العملية فهناك فروق جوهرية بين القرآن وسائر الكتب ينبغي مراعاتها ؛ حتى نتمكن من البناء المنهجي عليها؛ ومن هذه الفروق ما يأتي :
      1- يجتمع القرآن والسنة والكتب السماوية في كونها جميعها صادرة من الله .
      2- لما كانت الكتب السماوية بالإضافة إلى السنة صادرة من الله - فهي معجزة من حيث صدق الأخبار وعدل الأحكام.
      3- إن الكتب السماوية -وإن كانت في أصلها الأول معجزة المعنى- إلا أن هذا الأصل لم يعد بين أيدينا الآن ؛ إذ حرفت هذه الكتب وبدلت؛ وهذا يدل على أن إعجاز المعاني أيضاً في الكتب السماوية الأخرى قد أصبح إدراكه والتسليم به الآن أمراً مستحيلاً .
      4-العالمية :
      نزل الوحي في أرض العرب وعلى نبي عربي ؛ إلا أن هذا الدين لم يكن كغيره من الأديان السماوية السابقة ؛ إذ لم يقتصر على أمة دون أمة ولا على شعب دون شعب وإنما كان للناس جميعاً ، قال تعالى:
      قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً 
      وقال أيضا: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ 
      وقال :" بعثت إلى الأحمر والأسود " أي العرب وغيرهم .
      ويدل على ذلك ما اشتهر من دعائه لطوائف الجبابرة من العرب وغيرهم
      ومن هنا يظهر الفرق بين رسالة محمد وغيره من الأنبياء في العالمية والقومية ؛ وذلك كالآتي :
      1-جاءت رسالة محمد للناس كافة عربيهم وعجميهم مشركهم والكتابي منهم.
      2-إن الرسالات السابقة كانت ذات طابع قومي ، فشريعة الأنبياء السابقين لم تكن ملزمة لغير أقوالهم:
      لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ 
      4-اللسان العربي:
      نزل القرآن وجاءت السنة بلسان العرب ؛ يقول الله تعالى :
      إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً 
      وتترتب على هذه الصفة أمور هي :
      1-إن المعاني لا تقوم بأنفسها دون وعاء يحملها ؛ ومن المعلوم أن الوعاء العربي الذي يحمل المعاني الإلهية هو القانون الذي به تدرك معاني القرآن والسنة.
      2-ذهب العلماء إلى أن أي معنى مستنبط من القرآن ليس فيه مراعاة لهذه اللغة الشريفة ولا جريان على قانونها فهو فاسد ؛ يقول الإمام الشاطبي : "كل معنى مستنبط من القرآن غير جار على اللسان العربي فليس من علوم القرآن في شئ لا مما يستفاد به ولا مما يستفاد منه ومن ادعى فيه ذلك فهو في دعواه مبطل "
      1- ما من أحد يهمل القانون العربي الذي جرى عليه القرآن والسنة إلا وفي طبعه هوى لتفسير القرآن بما يلوح له دون التحقق من مراد الله.
      5-الخلود :
      أنزل الله تعالى القرآن وحفظه على مر الأيام وتقادم الدهور؛ قال تعالى:
      إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ 
      وهذا الحفظ له سمات وخصائص أيضاً هي:
      1-أحكم الله تعالى نظم القرآن بحيث لا يمكن تغييره ولا تبديله .
      2-خص الله هذه الأمة الإسلامية بالرواية والإسناد المتواتر وجعل ميراث النبوة يحمله من كل جيل عدوله من أهل العلم ينفون عنه تحريف المنحرفين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.
      3-إن رسول الله هو خاتم الرسل وليس بعده من نبي ينتظر ولا كتاب يرتقب؛ وهذا الكتاب الذي أنزله الله عليه مصدق لما بين يديه من الكتب ومهيمن عليها فلو دخل فيه التحريف لما بقى لله على وجه الأرض دين صحيح.
      6-الهيمنة :
      إنّ القرآن لما كان آخر الكتب السماوية فقد صدق ما قبله الكتب لكونها جميعاً من مصدر واحد وهو الله تعالى ؛ ولكن تأخيره في الزمان وخلوده مع تحريف تلك الكتب وتبديلها جعل منه كتاباً مهيمناً عليها ؛ وتتمثل هذه الهيمنة في الآتي:
      1-إنّ القرآن شاهد بصدق تلك الكتب ومؤيداً للحقائق التي وردت فيها.
      2-إنّ القرآن شاهد بكذب اليهود والنصارى بما حرفوه من التوراة والإنجيل ، إذ حرفوا ما أنزله الله فصحّحه القرآن وثبته.
      3-إنّ القرآن حاكم على تلك الكتب ؛ وذلك بإقراره ما أقره الله ونسخ ما نسخه ؛ فهو كما كان حاكماً في الأخبار فهو أيضاً حاكم في الأوامر والنواهي
      4-إنّ معجزات الأنبياء السابقة هي صدق كتبهم عند انطباقها على الواقع بالإضافة إلى المعجزات الحسية المصاحبة كانفلاق البحر وقلب العصا حية لموسى وإبراء المرضى وإحياء الموتى لعيسى , أما القرآن فيختلف في ذلك اختلافاً جوهرياً ، إذ هو معجز في نفسه أولاً ثم معجز في صدق أخباره وعدل أحكامه عند انطباقها على الواقع الخارجي.
      7- الرحمة والمصلحة :
      جاء الوحي إلى رسول الله رحمة للعالمين وتلطفاً بهم ؛ إذ هو يحقّق مصالحهم ويدفع عنهم المفاسد ؛ قال تعالى :
      وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ 
      حيث أنه يحقق السعادة لهم
      وتتمثل هذه الرحمة في الآتي :
      1-بعث رسول الله رحمة للعالمين وذلك بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها ، ولأجل ذلك كان كل ما أمر الله به فيه مصلحة راجحة للعباد وكل ما نهى عنه ففيه مفسدة وضرر راجحين لهم
      2-ذكر كثير من العلماء أن التكاليف في الإسلام بما فيها من أوامر ونواه مبنية أصلاً على المصالح والمفاسد لا على غير ذلك
      3-لما أكمل الله تعالى للمسلمين الدين وأتم عليهم النعمة فإنه لم يهمل في كتابه مصلحة دنيوية ولا أخروية إلا نبّه عليها .
      4-لم تبن التكاليف في الشرائع الإلهية السابقة - كما ذكر كثير من العلماء - على جلب المصالح ودرء المفاسد كما هو في شريعة الإسلام ؛ وإنما ارتبط التحريم في بعض الأحيان بالعقوبة لا بالمصلحة والنعمة ؛ ولأجل ذلك قال تعالى عن اليهود: فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ
      ويذكر ابن تيمية أنه قد حُرمت على اليهود ثلاثمائة وستين نوعاً من الأطعمة الطيبة ومع تحريم الله تعالى عليهم كثيراً من الطيبات فإن بعض الخبائث قد حللها لهم. ولما جاءت شريعة عيسى حللت لهم قليلاً مما حرم عليهم ؛ ولكن شريعة عيسى أيضاً لم تكن مبنية على المصالح
      أما شريعة الإسلام فيقول الله عن نبيها :وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ
      ويذهب ابن تيمية -مبيناً الأمور التي انبنى عليها التحليل والتحريم في الإسلام – إلى أن وصف الحلال بالطيب والحرام بالخبيث ليس لكونها حلالاً وحراماً؛ أي لم تكتسب صفة الطيب والخبث من أحكامها ؛ وإنما بنيت هذه الأحكام أصلا على أوصاف تلك الأشياء في أنفسها لا العكس.
      8-موافقة الحس:
      إن الوحي منزل من عند الله والكون مخلوق لله ، والوحي مشتمل على وصف لعالم الغيب والشهادة ، ولهذا فانه لا يمكن بحال أن يناقض الوحي عالم الشهادة والحس ؛ يقول ابن تيمية " لا يجوز أن يكون في القرآن ما يخالف صريح العقل والحس"
      إلا أن لهذا الأمر خصائص وهي:
      1- رغم أن القرآن وعالم الحس متوافقان كل التوافق إلا أن البشر – كما يذكر ابن تيمية – قد تخفى عليهم الألفاظ في القرآن والسنة.
      2- إن البشر رغم معرفتهم بالألفاظ في بعض الأحيان قد تخفى عليهم المعاني
      ولما كان الأمر كذلك فإن إدراك أمر التوافق بين الحس والقرآن يحتاج إلى ضوابط وهي معرفة القرآن وأسلوبه ومعانيه من جهة ومعرفة الكون وعالم الحس وخصائصه من جهة أخرى ؛ وسيأتي الحديث عن ذلك .
      9- موافقة العقل :
      إنّ الوحي الإلهي موافق للعقل الصريح ولا تجوز المخالفة والتناقض بين الأمرين ؛ يقول ابن تيمية " العقل الصريح مطابق للسمـع الصحيح"
      ولما كان الأمر كذلك فقد وجب إدراك التوافق بين العقل والوحي ؛ وذلك حتى يتم استهداء العقل بالوحي ؛ يقول ابن تيمية " لا يكفي مجرد العقل ؛ بل كما أنّ نور العين لا يرى إلا مع ظهور نور قدامه - فكذلك نور العقل لا يهتدي إلا إذا طلعت عليه شمس الرسالة"
      ولما كان العقل مطابقاً للوحي وموافقا له فقد وجب التعامل مع الأمرين دون عزل لأحدهما عن الآخر؛ ويذكر شيخ الإسلام أن هنالك نوعين من الناس في عزل الوحي عن العقل كلاهما مذموم وهما:
      1-الذين جعلوا العقل هو الأصل والقرآن والسنة تابعين له.
      2-الذي رأوا أنّ العقل ليس بشيء يعتد به في أمر الدين فتعاملوا مع الوحي والإيمان دون إعمال للعقل .
      ومن الملاحظ أن الله تعالى سمى من يقرؤون الوحي دون فهم لمعانيه ومقاصده بالأميين قال: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ 
      وقد فسرّ العلماء "الأماني " بأنها "التلاوة" فهؤلاء الناس سماهم الله تعالى بالأميين؛ رغم أنهم يعرفون التلاوة والقراءة والكتابة ؛ ويذهب ابن تيمية إلى أن من لا يفهم معاني القرآن فهو أمي وان كان يحفظ القرآن ويعرف المكتوب
      ويقول ابن قيم الجوزية " نزل القرآن ليتدبر ويعمل به فاتخذوا تلاوته عملاً ، فليس بشيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده وأقرب إلى نجاته من تدبر القرآن وإطالة التأمل فيه وجمع الفكر على معاني آياته ؛ فإنها تطلع العبد على معالم الخير والشر بحذافيرها وعلى طرقاتها وأسبابها وغاياتها وثمراتها ومآل أهلها وتنله في يده كنوز السعادة والعلوم النافعة وتثبت قواعد الإيمان في قلبه وتشيد بنيانه وتوطد أركانه وتريه صورة الدنيا والآخرة "
      وخلاصة ما سبق من كلام عن موافقة الوحي للعقل الآتي:
      أ- إن الوحي والعقل الصريح لا يمكن أن يتعارضا ، فحقائق الوحي موافقة للعقل وإن خفيت عليه في بعض الأحيان.
      ب- لا يمكن الاكتفاء بالعقل دون الوحي ولا بالوحي دون العقل ؛ إذ أن الوحي مصدر للمعرفة والعقل وسيلة هذه المعرفة ، فإذا عطلت ملكات العقل فإنه لا يمكن الاستفادة من الوحي ، وكذلك الأمر إذا عزل الوحي عن العقل واعتد بهذا العقل دونه.
      10- التنجيم
      ذكر العلماء أن القرآن قد نزل كله جملة واحدة في ليلة القدر إلى بيت العزة بالسماء الدنيا ، ثم أخذ ينزل على النبي أجزاء متفرقة خلال ثلاث وعشرين سنة
      وقد كان هذا التنجيم والتفرق لعدة أسباب هي :
      أ-تثبيت فؤاد النبي
      قال الله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً ولا شك أنّ رسول الله قد مرّ بمحن كثيرة خلال دعوته ؛ فأخذ القرآن ينزل عليه تسلية له وتذكيراً له بأحوال الرسل السابقين وإعانة له في مواصلة دعوته والصبر على الكفار الجاحدين .
      ب-إنزاله على الواقع:
      كان القرآن ينزل على النبي حلاً لكثير من المشكلات في الواقع سواء كانت هذه المشكلات أسئلة من الكفار والمشركين أو استفسارات من المؤمنين ، وكان للنزول أسبابه التي تؤكد ارتباط القرآن الوثيق بواقع الناس وشئونهم ومشكلاتهم التي ساهم التنجيم في حلها حلاً مباشراً .
      ج- تيسير الحفظ:
      إن من حكم التنجيم الحفظ والخلود وتيسير الفهم على المؤمنين ؛ فلو أن القرآن أنزل جملة واحدة لكان فهمه وتدبره على الجملة، ولكن نزوله منجماً قد ساهم مساهمة فاعلة في جودة فهمه وإنزاله إلى الواقع .
      ومن المعلوم أنّ القرآن قد نزل على محمد فتلقاه تلقياً وحفظه في قلبه ولم ينزل مكتوباً كالتوراة؛ ولهذا كان اعتماد أهل الكتاب على ما هو مكتوب ، أما المسلمون فقد حفظوا كتابهم حفظاً ولم يفرطوا في حرف منه؛ يقول ابن تيمية "أنزل القرآن مفرقاً ليحفظ فلا يحتاج إلى كتـاب"
      د- التدرج في الأحكام :
      إن من الحكم التي تحققت بالتنجيم التدرج في الأحكام ، ومن المعلوم أن بعض العادات الاجتماعية الذميمة قد تكون متأصلة في المجتمع ؛ بحيث لا يمكن اقتلاعها مرة واحدة ، ولهذا جاء الوحي متلطفاً بهم متدرجاً بهم في مصاعد الرقي شيئاً فشيئاً ومن الأمثلة على ذلك "تحريم الخمر " الذي مرّ بعدة مراحل يتلو بعضها بعضاً ، وقد كان شرب الخمر من الأمور التي لم يكن يتصور العقل اقتلاعها مرة واحدة وهي من مفاخر العرب وعاداتهم ؛ إلا أنّ الوحي قد اقتلع هذه العادة المتأصلة من جذورها؛ إذ أخذ يأتي بالآيات التي تزيد من حصار هذه الظاهرة حتى قضى عليها في نهاية المطاف قضاء تاماً، وذلك على مراحل متتالية هي:
      المرحلة الأولى : مرحلة التلميح:
      يمثل هذه المرحلة قوله تعالى : وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً  وقد أنزلت هذه الآية بمكة وهي كما هو واضح تلمح إلى ان السكر ليس رزقاً حسناًً .وقد أخذ المسلمون يشربون الخمر رغم التلميح الذي يقرر أن السكر ليس رزقاً حسناً ؛ فأحس معاذ وعمر ونفر من الصحابة بذلك التلميح ؛ فقالوا : يا رسول الله أفتنا في الخمر فإنها مذهبة للعقل مسلبة للمال.
      المرحلة الثانية: مرحلة الترجيح:
      لما قال الصحابة لرسول الله أفتنا في الخمر فإنها مذهبة للعقل مسلبة للمال نزل قوله تعالى: يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا  وهذه الآية ترجح الضرر على المنفعة ، فشربها من المسلمين قوم وتركها آخرون.
      المرحلة الثالثة : مرحلة التوقيت:
      دعا عبد الرحمن بن عوف ناساً من الصحابة فشربوا وسكروا فقرأ أحدهم "قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون" فنزل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ  فصار المنع متعلقاً بأوقات الصلاة لا غير.
      المرحلة الرابعة : مرحلة التحريم:
      دعا عتبان بن مالك وسعد بن أبي وقاص نفراً من الصحابة فلما سكروا افتخروا وتناشدوا ؛ فأنشد سعد شعراً فيه هجاء الأنصار فضربه أنصاري فجرحه؛ فشكى إلى رسول الله فقال عمر : اللهم بيَّن لنا في الخمر بياناً شافياً فنزل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ  فقال عمر انتهينا يا رب
      10-عمومية الأحكام وإلزاميتها:
      جاء الوحي متضمناً الشَّريعة السمحاء التي تلزم المؤمنين وتخرج الناس من أهوائهم المتعددة إلى مراد الله تعالى الذي ينصلح به أمرهم في الدنيا والآخرة.وقد تساوى الناس في أحكام الشَّريعة التي لم تستثن أحداً ، ومن المعلوم أن الأصل مشاركة النبي لأمته في هذه الأحكام حيث يقول:" صلوا كما رأيتموني أصلي" "وخذوا عني مناسككم"
      وغيره من الأدلة التي لا تخرج حتى الرسول من هذه الأحكام، إلا أن بعض الأحكام قد جاءت خاصة به دون غيره من المؤمنين،
      11- تفرد الأسلوب:
      ويتميز أسلوب الوحي – قرآناً وسنة - بثلاث خصائص هي :
      أ- الأسلوب التفصيلي:
      المقصود بالأسلوب التفصيلي أو الهدى التفصيلي تلك الأمور التي حددها الوحي تحديداً وتفصيلاً من ناحية عددها أو كيفيتها أو تحديد زمانها أو مكانها ، وهذا الهدى التفصيلي له خصائص هي :
      - الأسلوب التفصيلي أكثر ما يكون في المواضع التعبدية التي يقل فيها الاجتهاد وإعمال العقل .
      -الأسلوب التفصيلي يكون في السنة أكثر من القرآن ؛ وما ذلك إلا لأنّ السنة مفسرة للقرآن مبينة ما غمض منه ومفصلة ما أجمل فيه.
      - يكون التفصيل بأشكال متعددة منها:
      أ- التفصيل الكيفي نحو تحديد كيفية العقوبات الحدية وغيرها.
      ب- التفصيل الكمي نحو تحديد عدد الزوجات وعدد الصلوات وعدد الركعات فيها وغير ذلك.
      ج- التحديد الزماني نحو تحديد زمن الصيام وأشهر الحج وغيرهما.
      د- التحديد الوصفي نحو تحديد مصارف الزكاة كالفقراء والمساكين وغيرهما .
      ب- الأسلوب الكلي:
      المقصود بالأسلوب الكلي أو الهدى الكلي تلك الأمور التي حددها الوحي بصورة كلية ولم يحدد تفاصيلها ولا جعل لها أمكنة ولا أزماناً نحو أمره بالعدل والإحسان في قوله تعالى: إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ 
      فالعدل والإحسان ونحوهما معان كلية متروك للعقل تحديدها حسب ضوابط الشرع، ومن المعلوم أن هذه المعاني مفهومة ؛ ولكنها كلية واسعة ؛ وليست كالأسلوب التفصيلي المحدد تحديداً قاطعاً؛ فالعدل هو ذلك المعنى الذي هو ضد الجور والظلم , أما الإحسان فمشتق من الحسن وهو ضد القبح واتساع المعنى واضح لا خلاف فيه . ولهذا الأسلوب الكلي في الوحي خصائص وهي:
      • الأسلوب الكلي يكون في القرآن أكثر من السنة .
      • يكون الأسلوب الكلي في المعاملات بصورة أكثر من العبادات ، وبذلك يكون المعنى في المعاملات وتصرف الإنسان واسعاً ليشمل كل أنواع المعنى المطلوبة ؛ فإذا أمر الله بالعدل ونهى عن الظلم امتد هذا المعنى فشمل كافة أنواع العدل المأمور به وكافة أنواع الظلم المنهي عنه.
      ج- الأسلوب المقصدي :
      الأسلوب المقصدي في الوحي أعم من الأسلوبين السابقين ؛ لأنه أكثر كلية منهما ، والمقصود بالأسلوب المقصدي هو ذلك الأسلوب الذي يحدد الهدف والمقصد بصورة كلية ،وينقسم هذا الهدى المقصدي إلى قسمين هما :
      أن تجتمع مجموعة من نصوص الوحي لتحدد هدفاً واحداً ، وقد درس علماؤنا المتقدمون هذا الموضوع وجمعوا علل الأحكام وأسبابها فوجدوا أنّ الشَّريعة الإسلامية كلها تخدم خمسة مقاصد كلية هي :
      • حفظ الدين .
      • حفظ النفس.
      • حفظ العقل.
      • حفظ النسل.
      • حفظ المال.
      12- شموله للعلوم :
      إن القرآن كتاب إلهي شامل لكافة حاجات الإنسان الدنيوية والأخروية ، ولهذا لا بد له من أن يكون كتابا جامعاً لكل شئ ؛ سواء على الجملة أو التفصيل، قال تعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ 
      وقال أيضاً: مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ  وعن على قال سمعت رسول الله يقول:" ستكون فتن كقطع الليل المظلم قلت يا رسول الله وما المخرج منها قال كتاب الله فيه نبأ من قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل"
      ويقول عبد الله بن مسعود " قد بُين لنا في هذا القرآن كل علم وكل شئ "
      والحق أن الوحي عموماً -سواء كان قرآناً أو حديثاً مفصلاً له – قد حوى كل العلوم إما على الجملة والعموم أو بالتفصيل .
      ويذكر الإمام القرطبي: " أن دلالة القرآن على كل العلوم دلالة مبينة مشروحة أو مجملة"
      ويقول أيضاً " صدق خبر الله بأنه ما فرط في الكتاب من شئ إلا ذكره إما تفصيلاً وإما تأصيلاً"
      ويقول ابن كثير " إن القرآن قد اشتمل على كل علم نافع من خبر ما سبق وعلم ما سيأتي وكل حلال وحرام وما الناس إلا محتاجون إليه في أمر دنياهم ودينهم ومعاشهم ومعادهم "
      13- صلاحيته لكل زمان ومكان:
      جاءت رسالة محمد خاتمه للرسالات ؛ قال تعالى عن النبــي :وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ 
      ولما كان الأمر كذلك فقد لزم أن يكون القرآن الذي نزل للناس كافة في كل زمان ومكان صالحاً إلى قيام الساعة ؛ حيث أنه لا ينسخه كتاب سماوي آخر ؛ بل هو الناسخ لكل ما سبقه .
      وقد أنزلت آيات كثيرة في الصحابة رضوان الله عليهم فكانت وقائعهم سبباً في النزول ؛ إلا أن العلماء قد اتفقوا على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ؛ بمعنى أن الآيات لا تقتصر على أؤلئك الذين نزلت فيهم ؛ بل تتعداهم إلى كل من انطبقت فيه الصفات في كل زمان وفي أي مكان ، ومن الملاحظ أن القرآن لم يذكر من أسماء المعاصرين للنزول إلا اثنين ؛ أحدهما : صحابي والآخر مشرك ، وذلك في قوله تعالى: فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا  وقوله: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ 
      وذلك لتعم الآيات كل من صدقت فيه الصفات في كل زمان ومكان ولا تقتصر على أناس بأعينهم ؛ إذ أن خطابه تعالى عام.
      14- توحيد الآراء :
      يقول رسول الله عن القرآن :" وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة ولا تتشعب معه الآراء "
      ولما كان الأمر كذلك فإنّ من شأن الوحي أن يوحّد الآراء المختلفة ويقارب بينها ورغم أن العلماء قد يختلفون في بعض القضايا - إلا أنّ الوحي يجمعهم في الأصول والثوابت الكبرى ولا شك أنّ الناس إذا ما انفلتوا عن هدى الوحي وأعرضوا - اختلفت آراؤهم وتشعبت أفكارهم ؛ ويبدو ذلك واضحاً في الفكر الغربي ؛ حيث إنّ العلماء فيه - رغم انهم قد اتفقوا على العلمانية وإبعاد الدين واعتماد المادة - إلا انك تجد في العلوم الاجتماعية والإنسانية خاصة من الاختلافات وتعدد المدارس وتضارب الأفكار ما يتعجب المرء له ؛ وليس ذلك الأمر بخافٍ.
      15- التكامل :
      إن من أبرز خصائص الوحي التكامل والانسجام ؛ يقول الله تعالى :
       وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً 
      ولكنه لما كان من عند الله فقد وجد فيه العلماء تناسقاً وانسجاماً وتكاملاً ليس له مثيل في سواه .
      ولما كان الأمر كذلك فقد ثبت أن الوحي وحدة متكاملة بحيث يفسرّ بعضه بعضاً ويخصّص مخصصه عامه ويقيدّ مقيده مطلقه وهو على اختلاف ما يتصرف فيه يجعل المختلف كالمؤتلف والمتباين كالمتقارب الأمر الذي تجد خلافه في كلام البشر. ولهذا التكامل أوجهاً متعددة منها .
      أ- التكامل في التخصيص:
      التخصيص يكون بأن يأتي في القرآن موضع عام المعنى يخصصه معني آخر في موضع آخر من القرآن أو السنة ؛ والقرآن يخصص نفسه والسنة ؛ و كذلك السنة تخصص القرآن ونفسها أيضاً ؛ وما ذلك إلا لأنّ الوحي كله وحدة متكاملة لا تتجزأ ؛ يقول الإمام الشوكاني " احتج العلماء بأن القرآن كالكلمة الواحدة في أنها لا تتناقض " وكما أن القرآن في نفسه كالكلمة الواحدة فهو أيضاً مع السنة كذلك ؛ يقول ابن حزم " إن القرآن والحديث الصحيح متفقان لا تعارض بينهما ولا اختلاف "
      وللإمام الآمدي فصلان في كتابه " الإحكام في أصول الأحكام" أحدهما :عن تخصيص عموم السنة بخصوص القرآن، والآخر: عن تخصيص عموم القرآن بخصوص السنة.
      ومثال تخصيص القرآن بالسنة ما يأتي : قال تعالى:
      وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ 
      حيث تحلل الآية كل أصواف الأنعام وأو بارها وأشعارها ، ولكن السنة خصصت ذلك بقوله :
      " ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت"
      ومن الأمثلة أيضاً قوله تعالى:
      يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ 
      خصصته السنة باستثناء الابن الكافر أو القاتل .
      ومن الأمثلة أيضاً قوله تعالى بعد أن ذكر عدداً من محرمات النساء: وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ  خصصته السنة بما رواهـ أبو هريرة:"لا تنكح المرأة على عمتها"
      د- التكامل في المعنى:
      لما كان الوحي وحدة متكاملة فقد لزم جمع الآيات والأحاديث ذات الموضوع الواحد عند محاولة دراسة ذلك الموضوع ؛ حتى يمكن الخروج بمعنى متكامل لهذا الموضوع ، ومن المعلوم أن التجزئة والتفريق والاعتماد على النصوص المفردة المنعزلة عن بعضها من أخطر الأمور في الدراسة .
      وهذه الوحدة لا تقتصر على آيات القرآن وحده بل تتعداه إلى السنة أيضاً ، إذ أنّ كلا الأمرين وحي كما سبق ، ولهذا وجب الجمع بين القرآن والحديث ؛ إذ أنهما يتكاملان ولا يتعارضان ؛ يقول ابن حزم " إن القرآن والحديث الصحيح متفقان لا تعارض بينهما ولا اختلاف ويوفق الله لفهم ذلك من شاء من عباده ويحرمه من شاء كما يؤتي الفهم والذكاء من شاء ويؤتي البلادة وبعد الفهم من شاء .... وصح بما ذكرنا بطلان قول من يضرب القرآن بعضه ببعض أو يضرب الحديث بعضه ببعض"
      سادساً: مصدرية الوحي للعلوم الطبيعية والاجتماعية
      إنّ من الأمور الواضحة عندنا أن الوحي مصدر للمعرفة الحقة ، وهذا أمر لا يجادل فيه مسلم قط ؛ إلا أن الواقع العلمي والتعليمي الآن عندنا لا يعتمد الوحي عملياً مصدراً للمعرفة أصلاً، وهذه مفارقه كبرى .
      ورغم ما سبق من خصائص الوحي المعروفة التي تجعله يمثل مركزاً متميزاً من مصادر المعرفة - إلا أنّ هنالك أموراً قد ساهمت مساهمة كبيرة في إقصاء هذا الوحي عن مضمار المعرفة ، وهذه الأمور بعضها يتعلق بعوامل داخلية نحو نظم التعليم عندنا من جهة وكوننا متلقين للعلم عن الغرب دون فحص ولا تمحيص من جهة أخرى . أما العوامل الخارجية المتعلقة بالفكر الغربي نفسه فمنها سيادة العلمانية من جهة وتصور الفكر الغربي الضيق للعلم والوجود من جهة أخرى ؛ وتفصيل ذلك كالآتي :
      1- العوامل الداخلية لإقصاء الوحي كمصدر معرفي:
      أ-نظم التعليم :
      إنّ النظام التعليمي الحالي في العالم الإسلامي قد أثر تأثيراً سالباً في تعامل المسلمين مع الوحي باعتباره مصدراً من مصادر العلوم والمعرفة، ويبدو ذلك في ازدواجية هذا التعليم الذي انقسم إلى : ما هو ديني وما هو دنيوي ، وقد سبق أن من خصائص الوحي في الإسلام مراعاة مصالح الناس في دنياهم وأخراهم وارتباطه الشديد بواقعهم واهتمامه بإصلاح هذا الواقع ؛ وهذا أمر يدحض هذه الازدواجية منذ البداية ، ورغم ذلك إلا أن النظام التعليمي قد قسم التعليم إلى اتجاهين ولم يحسن التعامل مع أي منهما وهذان الاتجاهان هما :
      1- التعليم الديني:
      انفصل التعليم الديني عن التعليم الدنيوي ، وأخذ بمنهج التلقي والحفظ من جزئيات تراثنا العظيم وأقوال علمائنا الأجلاء دون أن يكون لهذا التعليم دور في تعريف المتعلمين بمناهج تفكير هؤلاء العلماء وأسس جهودهم ؛فأدى ذلك إلى تخريج أجيال من حفظة الجزئيات - التي قد تنسى حال تخرجهم - دون أن يكون لهم دور واضح في التفكير والاجتهاد ومعرفة المناهج العلمية السديدة عند علمائنا الأقدمين .
      2- التعليم الدنيوي:
      الحق أنه ليس هنالك من تعليم يسمى بالدنيوي في مقابل آخر يسمي بالديني في الفكر الإسلامي عندنا ؛ إذ أن هذا التقسيم ليس بتقسيم منطقي تعضده المسوغات والدواعي ، ولكننا نتعامل مع هذا الأمر كأمر واقع قد نشأ من تقليد المناهج الغربية . ومما يزيد الأمر سوءاً أن تعاملنا مع العلم الوافد من الغرب كمقلدين قد أفضى إلى أخذ جزئياته كمسلمات علمية لا تقبل النقاش دون النظر إلى مناهج التفكير فيها من جهة ودون النظر إلى ما ورائها من أطر فلسفية كلية من جهة أخرى .
      3- التبعية للغرب
      انتقلت العلوم من الغرب إلى العالم الإسلامي في ظل تبعية شاملة غطت كل المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية ، ومع نقل الغرب لما هو مفيد نقل معه تراثه الفكري والعلمي بكل ما فيه حيث لم يستثن هو ولا نحن شيئاً ؛ فكانت نتائج ذلك ما يأتي :
      * أخذ العالم الإسلامي علوماً اجتماعية وإنسانية لم تنبع من ذاته ؛ ولم تكن حلاً لمشاكله ؛ وإنما كانت صدى لمشكلات الغرب الخاصة التي عمل على ترويج أنها مشكلات عالمية باعتبار أنه مركز العالم ؛ ولأجل ذلك لم تنجح هذه العلوم في حل مشكلات العالم الإسلامي من جهة بينما ناقشت قضايا تعتبر جانبية في العالم الإسلامي من جهة أخرى.
      * عملت العلوم الاجتماعية على تحقيق الأهداف الاستعمارية وفرض المعايير والأنماط الثقافية الغربية بكافة مناهجها وقيمتها مع خنق الثقافة المحلية المناهضة
      * لما لم تكن العلوم الاجتماعية والإنسانية علوماً محايدة - فقد أدى اعتمادها في العالم الإسلامي إلى الجهل بالذات وعدم إدراك الفوارق الذاتية لكل من المجتمعات الإسلامية والغربية.
      2- العوامل الخارجية لإقصاء الوحي:
      سبق أن الفكر الغربي قد مرّ بمشكلات معرفية لم يتعرض الفكر الإسلامي لمثلها طوال مسيرته الطويلة عبر التاريخ ، ولكن رغم ذلك تبنى العالم الإسلامي تلك العلوم الوافدة من الغرب بكل مشاكلها الخاصة التي تمثلت في الآتي:
      (أ) سيادة العلمانية:
      سبق أنّ العلمانية وإبعاد الدين قد غلبا في الفكر الغربي على كل ما هو ديني لاهوتي ، وربما كان للغرب عذره الموضوعي في ذلك ؛ إلا أن العالم الإسلامي ليس له من عذر في إسقاط هذه المشكلة الخاصة على نفسه ؛ وذلك لأسباب منها:
      • إنّ هذه المشكلة - في الأساس- إنما هي مشكلة خاصة تتعلق بالفكر الغربي في نفسه ؛ وليس للفكر الإسلامي بها من شأن إطلاقاً.
      • إذا كانت النصرانية التي يدين بها الغرب قد حرفت وبدلت فناقضت معطيات الكون - فإنّ ما سبق من خصائص الوحي التي ذكرناها تؤكد أنّ الوحي الإلهي في الإسلام قد ظل محفوظاً على حاله الذي به نزل من جانب كما أنه لا يناقض معطيات الكون ولا يناهضها ؛ بل هو العلم الأكبر الذي يؤيد العلم الحق ويهديه إلي سواء السبيل.
      ب- التصور الغربي الضيق للعلم والوجود:
      سبق أنّ العالم الإسلامي قد استمد في العصر الحاضر من الغرب علومه ومعارفه بكافة أبعادها رغم ما فيها ؛ فأثر ذلك في رؤيتنا للعلم الذي تم تحديد مفهومه وفق أطر فكرية واجتماعية معينة لم يشهدها العالم الإسلامي ؛ ولم يكن له من شأن بها ، ولأجل ذلك تم استبعاد الوحي عن علومنا المعاصرة كما استبعده الغرب تماماً ؛ إذ لم نعد – للأسف - إلا تابعين ومقلدين له في كل شيء حتى ولو دخل جحر ضب - كما قال رسول الله - لدخلناه .
      ومعلوم – كما سبق – أنّ النظرة العلمانية التي استبعدت الوحي عن مضمار المعرفة قد مرت بأطوار عديدة ؛ ثم استقرت على هذه المرحلة الأخيرة التي حددت مفهوم العلم وفق ما تبلور في حلقة "فينا" في الثلاثينات من القرن العشرين، وقد تم ذلك استبعاد الغيبيات التي يحويها الوحي ، وتم حصر الحقائق العلمية في جانبين لا تتعداهما إلى سواهما وذلك كالآتي :
      • إنّ الحقائق العلمية يجب أن تكون تجريبية يعتمد صدقها على مطابقة العالم الخارجي
      • إنّ لم تكن الحقائق العلمية تجريبية فيجب أن تكون تحليلية يعتمد صدقها على العقل الأولي
      ولما تم حصر الحقائق العلمية في الحقائق التجريبية والتحليلية - فقد استبعد أنصار حلقة فينا حقائق الوحي ولم يعتبروها كاذبة فحسب ؛ بل اعتبروها بلا معنى “meanigless”
      وهذه النظرة الضيقة للعلم لم تمر بسلام ؛بل إنها قد أثرت في هذه العلوم نفسها وأدخلتها في أزمة منهجية كبرى اشتكى منها حتى الغربيون أنفسهم .
      سابعاً: حاجة العلوم المعاصرة إلى الوحي :
      ذكر علماؤنا الأقدمون - كما سبق - أنّ الوحي يشتمل على كافة العلوم إما تفصيلاً أو تأصيلاً ؛ أي : إما بتفاصيلها أو على الإجمال ، ولا زال الوحي يؤكد أن عجائبه لا تنقضي ؛ وإنّ العلماء كلما أمعنوا النظر فيه خرجوا بحقائق علمية في غاية الدقة.
      ولما كان الأمر كذلك فقد فقدت المعرفة - باستبعاد الوحي - رافداً من أهم روافدها فدخلت في أزمة خانقة ؛ ولم تقتصر هذه الأزمة على العلوم الاجتماعية والإنسانية التي باتت هذه الأزمة فيها واضحة ظاهرة ؛ وإنما تعدتها إلى العلوم الطبيعية التي يتوهم الكثيرون أنها بمعزل عن هذه الأزمة من جهة وأن علاقتها بالدين والوحي ليست بالمباشرة كعلاقة العلوم الاجتماعية والإنسانية من جهة أخرى.
      أ. حاجة العلوم الطبيعية للوحي:
      يتوهم الكثيرون – كما سبق – أنّ العلوم الطبيعية كالطب والهندسة والزراعة والكيمياء والفيزياء وغيرها من العلوم الطبيعية لا حاجة لها بالوحي وذلك للآتي :
      • الارتباط الشديد بين هذه العلوم وبين الواقع المادي ، إذ أن طبيعة معطيات تلك العلوم مادية يعتمد إدراكها على التجريب والقياس الذي يمكن به دراسة الواقع المادي بصورة ممتازة . وهذا أمر لا خلاف عليه .
      • تشهد هذه العلوم يوماً بعد يوم تطوراً هائلاً وتقدماً ممتازاً ؛ الأمر الذي يدل دلالة واضحة على أنها لا تعاني أزمة منهجية ولا معرفية . ولكن هذه الأمور مع كونها صحيحة في النظر الجزئي - إلا أنها قاصرة قصوراً شديداً عن التصور الكلي الصحيح؛ والحق أن من يقول ذلك إنما يتوهم أن هذه العلوم حرفاً يدوية ومهناً لا تختلف عن غيرها من المهن العمالية التي لا تقتضي عند العامل تصوراً كلياً للأشياء ؛ ويقول البروفسير محجوب عبيد عالم الفيزياء الشهير " هذا التصور قد يكون مقبولاً حين كان العلم في بداياته يتدرج نحو صقل طرق القياس وتطوير سبل الاستنباط والاستدلال والبرهان حين كان هذا العلم أقرب إلى حنكة الحرفة منه إلى عمق الفكر والمبدأ ، ولكن التطورات المعاصرة في الفيزياء النظرية وعلم الكون والهندسة الوراثية قد تجاوزت ذلك الموقف الشكلي وقربت تطوراتها قضايا هذه العلوم من موضوعات البداية والنهاية وأطلت به على مشارف قضايا كبيرة في العقيدة والفلسفة ، وهذه التطورات قد أحرجت الموقف الشكلي البسيط الذي يفصل بين الحقائق العلمية والمذاهب الفكرية وفضحت ضعفه أمام الأبواب المفتوحة نحو إشباع طموح الإنسان في الوقوف على أسرار الخليقة وطبيعة الأشياء
      ولما كان الأمر على الوجه الذي ذكرناه فقد اتضح أنّ بالعلوم الطبيعية حاجة ماسة إلى الوحي ومعطياته وإن كانت حاجة العلوم الاجتماعية والإنسانية أقوى وأكبر كما سيأتي ، وتتمثل حاجة العلوم الطبيعية للوحي في أمور منها:
      *عندما يتحول المرء من الطبيعة المادية في هذه العلوم إلى الأطر الكلية الفلسفية يجد أنّ هذه العلوم تدخل بصورة مباشرة في أسئلة لا يمكن إيجاد حل لها إلا في وحي السماء .
      *يؤكد علماء الطبيعيات أنه ليس هنالك من برهان تجريبي قط على صدق أي نظرية علمية تتعلق بالعلوم الطبيعية ؛ فهذه النظريات - وانّ كانت مبنية على الملاحظات والحقائق التجريبية - إلا أنّ تشكيل النظريات يقتضي مفاهيم مترابطة ونسقاً متماسكاً؛ وهنا يدخل التصور الذهني الافتراضي الذي لا يمكن التحقق منه تجريبياً
      *رغم أنّ الفكر الغربي قد استبعد المعرفة الغيبية التي مصدرها الوحي وحدد مفهوم العلم تحديداً صارماً - إلا أنّ علماء الطبيعيات في تشكيل نظرياتهم قد وقعوا في مفارقات منهجية ؛ حين لم يتحرجوا من اللجوء إلى غيبيات متخيلة تساعد على فهم المشاهد والمحسوس ، وقد مثّل البروفسير محجوب عبيد لاستعانة علماء الطبيعيات بغيبيات متخيلة بفرضية وجود جسيم النيوترون التي لوحظ فيها أن قدراً معيناً من الطاقة يختفي في بعض التفاعلات النووية دون سبب معلوم وللاحتفاظ بمبدأ "حفظ الطاقة" قدمت فرضية بوجود شيء غيبي ما يظهر عند حدوث هذه التفاعلات يختفي حاملاً معه الطاقة المفقودة وبتكرار التجارب حددت له خصائص عديدة توضح متى يتوقع ظهوره ومتى لا يتوقع وأصبحت هذه الفرضية متسقة مع كل التجارب وتوخذ في الاعتبار على أنها حقيقة لمدة عشرين عاماً قبل اكتشاف النيوترون تجريبياً وقد مثل البروفسير بأمور غيبية كثيرة يقتضيها التوفيق بين التجربة والمبدأ النظري
      ولما كان الأمر كما سبق فليس من المعقول إطلاقاً أن ترفض الحقائق الغيبية التي جاء بها الوحي وكانت من الصدق بحيث لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها ؛ ثم تقبل خيالات العلماء وتصوراتهم التي لا يمكن التحقق من صدقها تجريبياً.
      ب. حاجة العلوم الاجتماعية والإنسانية للوحي:
      إذا كانت العلوم الطبيعية - رغم طبيعتها المادية ورغم دقتها وصحة جزئياتها - قد احتيج فيها إلى معطيات الوحي ؛ فإنّ العلوم الاجتماعية والإنسانية لهي أكثر حاجة للوحي من تلك العلوم الطبيعية ؛ وتتمثل هذه الحاجة في أمور كثيرة منها:
      • إنّ العلوم الإنسانية والاجتماعية ذات طبيعة تختلف كل الاختلاف عن تلك العلوم الطبيعية ؛ ولأجل ذلك يكثر فيها من التنظير ما لا يكثر في العلوم الطبيعية الأمر الذي يجعل الإنسان أكثر تدخلاً فيها وأكثر تثبيتاً للأمور الذاتية
      • إنّ الصفة العلمية – حسب المفهوم الغربي – في العلوم الاجتماعية والإنسانية مهتزة إلى حد كبير إذ أن موادها غير قابلة للتجريب والتحقق العلمي الأمر الذي يتيح تدخل الأهواء والخيالات البشرية في تفسير الظواهر تدخلاً مباشراً .
      • إنّ العلوم الاجتماعية والإنسانية لما كانت ذات طبيعة قيمية فقد احتلت المكانة السامية التي كان يحتلها وحي السماء في إرشاد الناس وتوجيههم لما يصلحهم دون الاستعانة بمعطيات هذا الوحي الأمر الذي جعلها تتخبط تخبطاً شديداً دون أن تصل إلى شيء مقبول.
      • إذا كان الوحي يساهم مساهمة فاعلة في تشكيل الرؤى الكلية للعلوم الطبيعية وإذا افترضنا أنه لا يمكن دخوله في جزئيات هذه العلوم ذات الطبيعة المادية ؛ حيث يمكن إدراك هذه الجزئيات من الواقع المادي المحسوس مباشرة في أكثر الأحيان - فإن هذا الافتراض في العلوم الاجتماعية والإنسانية غير مقبول ابتداء ؛ إذ أن هذه العلوم تحتاج إلى الوحي ليس في تشكيل الرؤى الكلية ولا في بلورة النظريات فحسب بل يتعدى الأمر ذلك إلى جزئيات هذه العلوم وتفاصيلها الدقيقة أيضاً ، إذ أن طبيعة بنائها يقتضي ذلك .
      • لما لم تجد العلوم الاجتماعية والإنسانية بعد استبعاد الوحي من سلطة مرجعية ترتكز عليها فقد اتخذت هذه العلوم – من العلوم الطبيعية سلطة مرجعية تحاول تقليدها في كل شيء ؛ رغم الاختلاف الكبير بين الطبائع في كلا النوعين من العلوم ، ولأجل ذلك ظهرت المفارقة الكبرى في نظريات هذه العلوم ، الأمر الذي يستوجب إعادة الوحي إلى مضمار المعرفة حتى يخرج هذه العلوم من مآزقها المعرفية.
      • لما احتلت هذه العلوم الاجتماعية والإنسانية المكانة العالية التي كان يحتلها الوحي في توجيه الناس وإرشادهم وأصبحت بديلاً له رغم عدم اعترافها بمعطياته - كانت ثمرة ذلك أنها لم تبن نفسها بناء صحيحاً ولا اتخذت سلطة مرجعية مناسبة ولا قدمت حلولاً معقولة للمشكلات خاصة مشكلات العالم الإسلامي المعاصر.
      الخلاصة :
      - إنّ الوحي يشمل القرءان والسنة.
      - إلهية المصدر من أهم خصائص الوحي.
      - من خصائص الوحي الإعجاز ويتعلق إعجاز القرءان باللفظ والمعنى والنظم بينما يتعلق إعجاز السنة بالمعنى فقط.
      - الكتب السماوية تشارك القرءان في كونها جميعاً صادرة من الله ومعجزة في أخبارها عن الغيوب.
      - الوحي الإلهي موافق لأحكام العقل الصريح.
      - جاء الوحي بأسلوب متفرد لا يشابهه فيه أسلوب آخر .
      - جاء الوحي صالحاً لكل الأزمنة والأمكنة.
      - إنّ نظام التعليم عندنا اليوم باعتبار أننا متلقين للعلم من الغرب قد ساهم مساهمة فاعلة في إبعاد الوحي كمصدر للمعرفة؟.
      - الوحي مصدر للمعرفة عند المسلمين إلا أنهم لا يتعاملون مع هذه الحقيقة علمياً وواقعياً.
      - إنّ نظام التعليم الديني عندنا اليوم يعتمد على التلقي وحفظ الجزئيات دون التعرف على أسس جهود العلماء السابقين ومناهجهم.
      - إنّ نظام التعليم الدنيوي قد نشأ من تقليد مناهج الغرب فأصبح المتعلمون يتعاملون مع معطيات العلوم الوافدة كمسلَّمات لا تقبل النقاش دون معرفة بخلفيات هذه المعطيات.
      - أخذ العالم الإسلامي من الغرب علوماً اجتماعية وإنسانية لم تنبع من ذاته ولم تنشأ حلاً لمشكلاته الخاصة.
      - إذا كان الغرب قد استبعد الدين لأنه خالف معطيات العلم وعالم الحس لكون الأصل الصحيح للمسيحية قد حرف ، فإن الوحي في الإسلام قد ظل محفوظاً كما نزل من جهة ، ثم أنه لا يناقض عالم الحس ولا يعارضه من جهة أخرى ، بل إن الأمرين في الإسلام متوافقان كل التوافق.
      - فقد العلم باستبعاده للوحي أهم مصدر من مصادره ولهذا دخلت العلوم الخاصة الاجتماعية والإنسانية منها في أزمة خانقة.
      - تحتاج العلوم الطبيعية إلي الوحي في بلورة الرؤى الكلية فضلاً عن المرامي والأهداف وصياغة الفروض.
      - إذا كانت العلوم الطبيعية تحتاج إلي الوحي فإنّ العلوم الإنسانية والاجتماعية أكثر حاجة للوحي ، إذ إنّ طبيعة العلوم الإنسانية والاجتماعية قيمية ولهذا يكثر فيها التنظير.

      تعليق


      • #4
        [align=center]تكامل الكون والوحي في مصدريةً المعرفة[/align]

        مقدمة
        كان خلق الكون دلالة على بديع صنع الله تعالى وعظيم قدرته وقد جعل الله للإنسان من الحواس المدركة ما يمكنه من معرفة هذا الكون المحسوس، ولهذا قال تعالى : قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ  أي جعل لكم من الوسائل ما تدركون به المسموعات والمبصرات والمعقولات .
        ولما كان الأمر كذلك فقد كان الكون مصدراً للمعرفة ماثلاً بين يدي الناس تناله بالمعرفة حواسهم التي لا يتفاوتون فيها ولا يتفاضلون ، ولهذا لم ينازع في مصدريته للمعرفة مسلم ولا كافر ولا علماني ؛ اللهم إلا بعض النزعات الطفيفة في الفكر الغربي دحضتها النزعة المادة التجريبية كما سبق .
        وقد دعا القرآن العظيم للسير في الأرض والنظر في الكون والتفكر في المخلوقات سواء كانت هذه المخلوقات في الأرض أو في السماء قال تعالى: قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ 
        ولما كان الأمر كذلك فقد كانت مصادر المعرفة في الإسلام منحصرة في أمرين هما :
        1- مصدر تشارك في الاعتراف به المعرفة العلمانية ؛ وهو الكون الذي لا نزاع في مصدريته.
        2- مصدر تفرد به الإسلام عن المعرفة العلمانية وهو وحي السماء الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
        ولأجل ذلك ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن مصادر العلم أمران هما :
        الحس "وهو المعنى الذي يشار به إلى إدراك الكون المحسوس ".
        الخبر " ويقصد به وحي السماء"
        وقبل التوغل في خصائص هذا الكون ينبغي النظر في مفهومه عند العلماء وهو على النحو التالي:
        أولاً : مفهوم الكون :
        1- المعنى اللغوي للكون :
        الكون مشتق من الفعل " كان" في حالة كونه فعلاً تاماً ، تقول أعرفه منذ كان أي منذ خلق وبهذا المعنى يكون المقصود بالكون هو كل ما خلق الله تعالى وأحدث
        2- المعنى الاصطلاحي للكون :
        مفهوم الكون عند علماء التأصيل باعتباره مصدراً للمعرفة يطلق على عالم الحس الذي يمكن إدراكه بالحواس البشرية الخمس وقد أطلق على الكون أسماء متعددة منها :
        أ‌- عالم الحس :
        ويراد به الكون الذي يمكن إدراكه بالحواس- كما سبق- ويطلق هذا المعنى في مقابل المعنوي والغيبي.
        ب‌- عالم التجربة "المختبر" أو العالم التجريبي :
        العالم التجريبي منسوب إلى التجربة التي هي ملاحظة العلماء الحسية للظواهر الطبيعية في شروط معينة ، ويسمى المنهج الذي يدرك به هذا العالم بالمنهج التجريبي الذي يراد به الطريقة المشتملة على الملاحظة والتصنيف والتجريب والتحقيق؛ ويطلق اسم عالم المختبر في مقابل عالم الخبر الذي هو الوحي.
        جـ- عالم الشهادة :
        يطلق على الكون عالم الشهادة؛ وذلك لأنّ البصر المشاهد أقوى الحواس ؛ ولهذا غلب عليها في هذه التسمية ، وعالم الشهادة مقابل لعالم الغيب وهي تسمية قرآنية كما هو معروف ؛ يقول تعالى عن نفسه:
        "عالم الغيب والشهادة" وذلك في عشرة مواضع من القرآن العظيم
        د- كتاب الله المنظور :
        ويطلق هذا الاسم على الكون في مقابل كتاب الله المسطور الذي هو الوحي يقول تعالى:  وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ * وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ * وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ 
        فيكون الأمر في ذلك على قسمين كما هو واضح؛ هما:
        • كتاب الله المنظور "الكون".
        • كتاب الله المسطور "الوحي".
        ثانياً: خصائص الكون :
        إنّ للكون الذي هو مصدر أصيل للمعرفة سواء في النظرة الإسلامية أو العلمانية خصائص؛ وهذه الخصائص منها ما تتفق فيه النظرتان ومنها ما تنفرد به النظرة الإسلامية، ولأجل ذلك يجب بيان الرؤية الإسلامية في هذه الخصائص مع مقارنة النظرة العلمانية بها، وتفصيل ذلك كالأتي:
        1- مخلوقية الكون :
        من الأمور الثابتة عند الناس جميعهم مؤمنهم وكافرهم أنّ الله تعالى هو خالق الكون بكل ما فيه ؛وليس هنالك من شيء لا يتعلق به خلقه ؛ لأن كمال قدرته وعزته يبطل ذلك
        ولما كان خلق الله تعالى للكون أمر ثابت والناس عليه مفطورون - فقد أقر بذلك الكفار أيضاً ؛ يقول تعالى عنهم:  وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ  وقال أيضاً عنهم: وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ 
        ولا شك أن السبب في إقرار الناس جميعهم بذلك هو الفطرة التي تدفع الناس دفعاً إلى الإقرار بأن الله هو خالقهم .ويذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن قيم الجوزية إلى أن الفطرة أمر آخر غير الإسلام ، يقول ابن تيمية " إنهم كانوا يعلمون جميع ذلك ولم يكونوا بذلك مسلمين"
        ورغم أنّ خلق الله للكون أمر ثابت في العقيدة الإسلامية ورغم إثبات القرآن لكون البشر جميعهم مقرين - في أنفسهم- بخلق الله للكون سواء كانوا مؤمنين أو كفاراً . إلا أن الغربيين قد انقسموا إلى قسمين هما:
        أ- قسم عاند الفطرة وقال بعدم وجود الله أصلاً وعزى كل أفعال الله للطبيعة وهم أصحاب المعسكر الشرقي .
        ب- قسم أقر بخلق الله للكون ولكنه أنكر دوره في تدبير وتسييره وهو القسم الثاني من الفكر الغربي كما سيأتي.
        3- التدبير الكوني:
        يقر المسلمون حسب عقيدتهم السامية أن الله مدبر للكون ومتصرف فيه وفقاً لحكمته ؛ يقول الله تعالى:
         إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ  (3) .
        ويقول أيضاً:  قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ 
        وقال أيضاً :  اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ 
        ولما كان الله تعالى كما جاء في القرآن هو المدبر لشؤون الكون فقد كان الإيمان بالقضاء والقدر ركناً أساسياً في عقيدة المؤمن ، إذ أنّ الله تعالى متصرف في هذا الكون تصرفاً ثابتاً لا ينازع فيه مؤمن.
        ورغم كل ما سبق إلا أنّ الفكر الغربي قد انقسم في هذا الأمر إلى تيارين هما:
        1-التيار المعاند :
        أنكر هذا التيار وجود الله أصلاً ، وإذا كان هذا التيار قد أنكر الوجود - فمن الطبيعي أن ينكر التدبير أيضاً ، وقد ذهب أنصار هذا التيار إيغالاً في العناد إلى أنّ الكون قد تشكَّل بالصدفة لا عن طريق القصد والإرادة ؛ وزعموا أن عناصر الذرة قد تلاءمت وتناسبت بمرور السنين، وقد وجدت الحياة في شكل خلية أولية تنامت على مرّ السنين ؛ وليس وراء ذلك من إرادة هادفة ؛ وإنما هي صدف وموافقات ومنهم من ذهب إلى أن التنوعات الحادثة إنما حصلت بطريق الضرورة في البيئات المختلفة ؛ وليس وراء ذلك تدبير أو إرادة هادفة ، ولكن من مفارقات هذا التيار أن الحارس الشخصي لستالين ذكر أنه رغم كراهيته للقساوسة والرهبان إلا أنه متدينا متعبدا في السر بحيث لا يراه أحد وكان يدعو الله الذي تنكر وجوده فلسفتهم
        2-التيار المعتدل مقارنة بغيره :
        رغم أن التيار المعتدل في الفكر الغربي قد أقر بوجود الخالق - إلا أنه أنكر أن يكون له دور في تدبير الكون وتصريفه ، إذ أن الله تعالى عندهم قد وضع في الأشياء قوانين ذاتية طبيعية تسير بها أنفسها دون حاجة إلى تدبيره وتصرفه المباشر ؛ إذ أن الله تعالى عندهم ليس إلا كالمهندس الذي صنع الساعة ابتداء ثم تركها تدور وفق قانون معين وضع أساسه هو؛ وليس له بعد ذلك من دور في تسيير هذه الساعة أو مواصلتها لعملها الدائب.
        وخلاصة القول في هذا المضمار أن العقل يكشف عن خلل كبير في الرؤية الكلية التي انبتت عليها العلوم الحديثة ؛ فإذا كان الله تعالى بقدرته العظيمة قد خلق هذا الكون البديع أفليس من السهل عليه وهو الذي خلق الكون بهذه الدقة الفائقة – أن يكون مدبراً عالماً بما يجري فيه يقول تعالى: أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ 
        أما التيار الثاني في الفكر الغربي فقد ألغى التمايز بين عالم التنزيه الإلهي وعالم الخلق؛ إذ أنكر العالم الإلهي وعزى كل شيء إلى الطبيعة ، وهذا الرأي الإلحادي قد شابه رأياً قديماً في وحدة الوجود وإلغاء الفوارق بين الخالق وخلقه وجعل الكون والطبيعة هي بعينها الخالق العظيم ، وقد ناهض علماؤنا الأقدمون هذا الاتجاه الإلحادي وهاجموه بشدة إذ ليس من المعقول في حكم العقل أن يخلق أحد شيئاً ثم يتحد معه في الذات؛ والله من صفاته أنه متكبر متعال عن جميع خلقه كما وضح القرآن وجاءت السنة.
        3-المصلحة والرحمة :
        خلق الله تعالى الكون رحمة للبشر وتلطفاً بهم ومن أجل منافعهم ومصالحهم؛ قال تعالى:  هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً
        أي جعل لكم وتفضل عليكم وأنعم بكل ما في الأرض، وهذه الآية دليل على أنّ الأصل في الأشياء الإباحة حتى يقوم الدليل على الحظر بمعنى أنّ الله قد خلق كل الأشياء لمصلحة العباد ومنفعتهم ، إلا أنه إذا بينّ حرمة بعض الأشياء فإنها تصبح محرمة مع بقاء غيرها على الحلية والإباحة .
        وقد خلق الله كل هذه الأشياء مع إمكان أن لا تخلق ؛ ولكنه لما راعى مصلحة العباد ؛ فقد خلقها لهم وهو الغني المستغني عن كل شـيء وهذا الأصل قد عول عليه كثير من علماء الإسلام ؛ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية " إنّ الأصل في جميع الأعيان الموجودة على اختلاف أصنافها وتباين أوصافها أن تكون حلالاً مطلقاً للآدميين وأن تكون طاهرة لا يحرم عليهم ملابستها ولا مباشرتها ومماستها، وهذه كلمة جامعة ومقالة عامة وقضية فاضلة عظيمة المنفعة واسعة البركة يفزع إليها حملة الشريعة فيما لا يحصى من الأعمال وحوادث الناس"
        ورغم أنّ كل الأشياء قد خلقها الله لمصلحة عباده إلا أنه ينبغي مراعاة الضوابط الشرعية حتى يمنع الإنسان -من شهوات نفسه - ما منعه الله تعالى وحتى تسير اللذات والشهوات الإنسانية في هذا الكون وفق ما أراده الله ؛ ولكن الفكر الغربي قد استباح كل شيء حتى ظهر الفساد في البر والبحر ولم يعد لإشباع رغبات الإنسان وشهوات نفسه من حدود ولا ضوابط ، إذ تعدى الإنسان- مراعاة لمصالحه -على مصالح الآخرين ، أما الإسلام فقد كان على خلاف ذلك ؛ إذ جعل اللذات والشهوات في هذه الدنيا على قسمين :
        1- شهوات ولذات أنكرها الشرع الحنيف وجعلها محرمة وهي تلك الشهوات التي لا ضابط لها.
        2- شهوات ولذات ومصالح أقرها الشرع وجعل قضاءها عملاً صالحاً وهي تلك السائرة وفق حدوده وضوابطه ، يقول ابن تيمية " إنما خلق الله سبحانه اللذات والشهوات في الأصل لتمام مصلحة الخلق فإنهم بذلك يجتلبون ما ينفعهم كما خلق الغضب مثلاً ليدفعوا به ما يضرهم وحرم من الشهوات ما يضر تناوله وذم من اقتصر عليها؛ أما من استعان بالمباح الجميل ؛ فهذا من الأعمال الصالحة"
        4- التوازن :
        خلق الله الكون وجعله متوازناً بحيث لا يختل نظامه ولا يفسد ؛ وهذا التوازن من شأنه أن يكون وفق قوانين إلهية كونية ضابطة ، قال الله تعالى: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً أي أعطى كل شيء هداه وصلاحه
        ويقول الإمام القرطبي " قدر الله كل شيء على ما أراد لا عن سهوة وغفلة ؛ بل جرت المقادير على ما خلق الله إلى يوم القيامة "
        وقد اقتضت حكمة الله أن يكون الخلق متوازناً، إذ خلق كل شيء بقدر وحكمة مرادة، وهذا التوازن يشير إلى وحدانية الخالق قال تعالى عن السموات والأرض  لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا 
        ولكن لما يكن من إله غير الله - فقد صار الكون في توازن ونظام بديع، ويتجلى هذا التوازن في الكون في كلا الصعيدين : الطبيعي والإنساني؛ وتفصيل ذلك كالآتي:
        1-التوازن الطبيعي :
        لما كان الكون مخلوقاً لأجل الإنسان ومرتبطاً بمصلحته ارتباطاً وثيقاً- فقد ذهب علماؤنا الأقدمون إلى مناقشة قضية خلق الله للمؤذيات كالحيات والعقارب وغيرها ويذهب ابن تيمية إلى أن " جميع المخلوقات قد خلقت لغاية مقصودة ... وهذا مما يبين أن الله قد خلق الأشياء لحكمة"
        والحق أن كل شيء فيه مصلحة وحكمة سواء خفيت هذه الحكمة أو ظهرت وكلها تشير في نهاية المطاف إلى التوازن والمصلحة الكونيين. ومن المعلوم أنّ للصين تجربة في قتل الطيور التي عندما تم القضاء المبرم عليها من جهة تكاثرت الفئران من جهة أخرى فأحدثت فساداً أكبر مما كانوا يخشونه ، وهذا يدل دلالة واضحة على التوازن الكوني.
        2- التوازن الاجتماعي والإنساني:
        ذكر الله تعالى في كتابه العزيز أنه قد جعل الكون متوازناً ومنع عنه الفساد بدفع قوة بعض الناس بقوة الآخرين ؛ يقول تعالى:
         وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ 
        فالعالم ليس مسيراً بأهواء الناس وشهواتهم ؛ وإلا وقع الفساد والإفساد؛ وإنما هو مسير بقدرة الله تعالى وتدبيره قال تعالى
         وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ 
        ومعلوم أنّ تدخل الإنسان بغروره وطموح شهواته التي ليس لها حد ولا ضابط - في كل شيء في الكون سوف يقلب الكون عليه جحيماً لا يطاق .
        5- الغائية وعدم العبث :
        ذكر الله تعالى في كتابه العزيز أنه ما خلق هذا الكون لاعباً أو عابثاً؛ وإنما خلقه لغاية وهدف وحكمة ؛ قال تعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً  وقال أيضاً:  وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ 
        وقال أيضاً: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ 
        وقال أيضاً:  وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ 
        ولا شك أنّ الإنسان إذا اقتصر على الكون المادي دون تجاوز ذلك بالنظر فإنه لا يمكن أن يدرك عظمة الله ولا قدرته ولا حكمته من خلال هذا الكون ؛ ويكون علمه بذلك علماً بظاهر الحياة الدنيا بصورة سطحية لا تعمق فيها ولا تفكر ولا نظر.
        ومعلوم أن الحس وحده لا يدرك أمراً كلياً ؛ وإنما يدرك الجزئيات ؛ والذي يدرك الكليات - كما ذكر العلماء هو العقل لا الحواس ، كما أن العقل ينفرد عن الحس بأنه يدرك العواقب والمآلات وما وراء هذه الأمور الحسية
        ولأجل ذلك يجب إعمال العقل حتى يتمكن الإنسان من إدراك الحكمة الإلهية وراء خلق الله للكون. ومن الجدير بالذكر في هذا المضمار أنّ العقل - وإن كان يمكنه الوصول إلى الله ومعرفة حكمته من خلال الكون - إلا أنّ الله تعالى قد أنزل للبشر من النور ما به يمكن للعقل أن يرى الأشياء بوضوح ؛ ولأجل ذلك كان العقل وحده ليس سبباً في السعادة والوصول إلى الله ؛ يقول ابن تيمية " الذكاء والفطنة لا يوجبان السعادة ولا ينفع الإنسان ذلك شيئاً إلا أن يعبد الله وحده لا شريك له ويؤمن برسله واليوم الآخر"
        6- محدودية الأجل :
        خلق الله الكون من العدم ؛ فكانت لحظة الخلق هي البداية ، ولما كان الكون حادثاً بعد أن لم يكن - فقد كان من الطبيعي أن تكون له نهاية يفنى فيها ؛ وبهذا المعنى جاء القرآن وتكلمت السنة .ورغم أن ذلك أمر ثابت في عقيدة المسلمين إلا أن العلم الطبيعى قد ساد فيه حتى منتصف القرن العشرين أن الكون أزلي دائم لا بداية له ولا نهاية ولكن تكَّشف لهذا العلم أخيراً ما يوافق ما جاء به القرآن .

        7- محدودية علم الإنسان بالكون:
        من الثابت في الإسلام أنّ الإنسان مهما بلغ من العلم والمعرفة فإن علمه يبقى محدوداً قاصراً ؛ قال تعالى : وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً 
        إلا أن الإنسان - لغروره الكبير- قد قيد الوجود بمعرفته فما عرفه فهو موجود وما لم يعرفه فهو غير موجود ؛ ولأجل ذلك كانت نظرية الوجود في الفكر الغربي تابعة لنظرية المعرفة وهذه مشكلة كبرى ، يقول ابن تيمية متحدثاً عن اتجاه قديم شبيه بذلك "إنهم يظنون أن لا موجود إلا ما علموه هم ... فإنّ عدم العلم ليس علماً بالعدم ؛ ولكن نفيهم كنفي الطبيب للجن لأنه ليس في صناعة الطب ما يدل على ثبوت الجن ؛ وإلا فليس في علم الطب ما ينفى وجود الجن ، وهكذا تجد من عرف نوعاً من العلم وامتاز به على العامة الذين لا يعرفونه فيبقى بجهله نافياً لما لا يعلمه ، وبنو آدم ضلا لهم فيما جحدوه ونفوه بغير علم أكثر من ضلالهم فيما أثبتوه وصدقوا به ، قال تعالى:  بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ  "وهذا لأنّ الغالب على الآدميين صحة الحس"
        ولا يقتصر الأمر على الغيبيات المتعلقة بالكون؛ بل إن الإنسان قد يعجز عن إدراك ما تدركه الحواس؛ كما أن الحس نفسه قد يعرض له ما يوجب غلطهومن الأمثلة على ذلك قضية تطور الجنين في بطن أمه وهى مسألة مادية حسية - زعم العلم المادي في أول أمره فيها: أن الإنسان يتكون من دم الحيض؛ ثم غير رأيه ليقول إن الإنسان يخلق كاملاً "قزماً " في الحيوان المنوي على صورته الإنسانية الكاملة ، وفي القرن العشرين دحض التصوير كافة أراء العلماء وجاءت النتيجة كما قررها القرآن
         وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ 
        وإذا كان الوحي الإلهي العظيم يمكنه مد المعرفة الحسية بأمور حسية من صميم اهتمامها فمن باب أولى أن يمدها بما لا يمكن إدراكه إطلاقاً بالحواس من الغيبيات .
        7- ارتباط العلم الكوني بالعقل:
        سبق أنّ الحواس يمكنها إدراك عناصر الكون المادية - إلا أنها تدرك الجزئيات لا الكليات والعواقب والمآلات ؛ أي: أنّ الحكم على المدركات الحسية يرجع في نهاية المطاف إلى العقل؛ خاصة وأن الأمور الحسية لا تقدم التفسيرات بنفسها؛ كما أن علاقة التشابه والتقارب والسببية بين الأشياء ليس بذات صدق داخلي ؛ وإنما هي أمور ترجع إلى العقل البشرى الذي يدرك هذه الأمور
        ولما كان الأمر كذلك فإنّ النظريات العلمية إنما هي أمور عقلية وليس هنالك من دليل تجريبي واحد على صحة أي نظرية علمية- كما ذكر البروفسير محجوب عبيد فيما سبق- ولأجل ذلك فإنّ النظريات العلمية إنما هي مجرد فروض وخيالات ملائمة لتفسير الظواهر الطبيعية، ولكن إذا كان الوحي العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إلهي المصدر وموافقا لعالم الحس أيضاً؛ إذ أن كلا الأمرين صادر من الله تعالى ألا يجدر بنا صياغة الفرض العلمي “Hypothesis” - على الأقل - من معطيات الوحي الكريم بدلاً من خيالات العلماء وأوهامهم التي ليس لها من دليل تجريبي واحد .
        8- ارتباط العلم الكوني بالغيبيات:
        إنّ الجانب المدرك بالحس من الوجود ليس هو كل شئ ؛ بل إنّ هذا الواقع المادي يرتبط ارتباطاً عميقاً بأمور غيبية ليس هنالك من طريق لمعرفتها إلا عن طريق الوحي العظيم ، وقد أدرك الغربيون أخيراً أنّ الطريقة المادية التجريبية ما هي إلا طريقة واحدة فقط من بين عدد من التصورات الممكنة ، وقد نظر مؤرخو العلم في بداية الأمر إلى العلم الحديث باعتبار أنه سلسلة مترابطة ومتراكمة من الانتصارات على الجهل والخرافة، ولكن التطبيق العملي جعلهم يعيدون النظر في الطريقة الحسية التي اعتمدوها دون سواها وذلك للآتي :
        • إنّ العلم الآن يواجه مشكلات أخلاقية كبرى.
        • هناك قوى خارجية كثيرة تضغط على العلم وتؤثر عليه دون أن يكون هنالك سبيل إلى إدراكها.
        • أنّ التطور التكنولوجي الهائل الذي لا ضابط له ولا أخلاق قد نجمت عنه مخاطر جمة يعود ضررها على الإنسان نفسه .
        9- توافق الكون والوحي :
        سبق أنّ الكون مخلوق لله والوحي منزل من عنده كذلك ؛ولأجل ذلك فمن الطبيعي أن يكون هنالك توافق بينهما ما دام الاثنان من مصدر واحد ، وقد سيطرت فكرة التوافق بين الوحي والكون على علمائنا الأقدمين فصرحوا بها كما سبق ، وليس ذلك فحسب بل إنّ العلماء الذين قاموا بنقد المتن في الحديث قد اشترطوا فيه أن لا يكون مناقضاً للأمور الظاهرة في الكون وإلا ردوه ، ولا شك أنّ الوحي -كما سبق- إنما جاء لإصلاح حال البشرية في الدنيا والآخرة ، ولاشك أنّ ارتباط الدين بالدنيا وواقع الناس من شأنه أن يجعل الرابطة بين الوحي والكون الذي يعيش فيه الناس حياتهم الدنيا – قوية ووثيقة، وقد اشترط الفقهاء المعرفة بالواقع المعيش وسموا ذلك بـ"تحقيق المناط " وذلك لأنّ الواقع الكوني سواء كان طبيعياً أو اجتماعياً له تداعيات ومآلات ومتغيرات لو لم يعرفها الفقيه خيف على الأحكام أن تنزل على غير ما وضعت له أو أكثر مما وضعت له أو أقل .
        وخلاصة القول في هذا المضمار أنّ الوحي العظيم موافق لعالم الحس تمام التوافق بحيث لا يتناقصان ولا يتعارضان ، وهذه القضية قد جرَّت بعض الباحثين المعاصرين إلى مأزق كبير وهو محاولة التوفيق بين معطيات الوحي ومعطيات العلوم الحديثة ؛ ومعلوم أنّ الوحي كلام إلهي مطلق الصدق والصحة ؛ والعلوم الحديثة ليست كذلك؛ بل منها ما ثبت صدقه ومنها ما لم يتكشف سره انكشافاً تاماً ومنها النظريات التي لا دليل على صدقها ولا سبيل إلى تكذيبها بواسطة المنهج التجريبي حتى الآن على أقل تقدير ، ولهذا فإننا نقول بشكل لا يقبل التنازل أن العلوم يجب أن تكون ثمرة من ثمرات القرآن وليس مجرد شاهد على صحته ، إذ أن محاولة البحث عن الشواهد العلمية المثبتة لصحة القرآن تقود مباشرة إلى التوفيق والتلفيق كما سيأتى .
        10-تفاوت الخلق:
        ذكر الله تعالى أن الأشياء الكونية متفاوتة الخلق حيث أن بعض المخلوقات أعظم من الأخر وهذا التفاوت ليس متعلقاً بقدرة الله تعالى، إذ أن خلقها لديه واحد ، ولكن هذا التفاوت يتعلق بالمخلوقات في أنفسها ، وليس الإنسان بأعظم خلقاً مما سواه ، يقول الله تعالى:
         فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ 
        وقال أيضاً:  أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا 
        وهذا الأمر يدل دلالة واضحة على أنّ الإنسان ليس أعظم المخلوقات خلقاً ؛ وإنما هنالك من المخلوقات ما هو أعظم وأعقد، ولكن الإنسان ينظر إلى نفسه ويجهل لغروره قدرة الله تعالى التي لا تحدها حدود . ورغم هذا التفاوت الواضح بين المخلوقات إلا أنها جميعاً -كما سبق عند الله - يسيرة وعلى درجة واحدة ؛ وما خلق واحد من الناس عنده إلا كخلق الناس كلهم.؛ قال تعالى:
         مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ 
        11- استخلاف الإنسان في الكون:
        جعل الله تعالى الإنسان خليفة له يحكم بالعدل بين خلقه ، والمقصود بالخليفة الحق هنا الإنسان الذي يقوم بطاعة الله لا الذي يفسد في الأرض ويسفك الدماء قال رسول الله : "من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه"
        وقد علق الإمام القرطبي على ذلك بقوله : " هذه منقبة عظيمة وفضيلة كريمة شريفة " ولا شك أنّ الاستخلاف في الأرض يقتضي الإعمار وتسخير الكون قال تعالى:هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا 
        وقال أيضاً: هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ 
        ولما كان الأمر كذلك فيجب على الإنسان أن يراعي أوامر من جعله خليفة له ويجتنب نواهيه في تعامله مع الكون ؛ وإلا فإنّ سعي الإنسان للفساد في الكون وسفك الدماء جرياناً وراء طموحه الذي لا ينتهي سوف يعود بالضرر على الإنسانية جمعاء كما هو حادث في الحضارة الغربية السائدة الآن.
        12- إمكانية إدراك عناصر الكون:
        من الأمور الثابتة عند المسلمين كما سبق أنّ المعرفة ممكنة ؛ وليس هنالك من شيء يمنع الإنسان عن هذه المعرفة ، وقد أمر الله تعالى في كتابه العزيز بالسير في الأرض والتفكر في خلق السماوات والأرض قال تعالى:  قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ 
        وقال أيضاً:  أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ 
        فهذه الآيات الكريمة تدعو للنظر والتفكر فيما خلق الله من شيء، ولو لم تكن المعرفة ممكنة ومتاحة لما كان لهذا الأمر الإلهي من معنى.
        والحق أنّ المسلمين الأوائل قد تعاملوا مع هذه الأوامر تعاملاً جاداً فأتوا بالمنهج التجريبي فترجموا هذه الأوامر الإلهية إلى منهج عملي. وقد أصبح المنهج التجريبي معلماً واضحاً من معالم الحضارة الإسلامية حيث استخدم في التعامل مع الطبيعة. ومن الذي طبقوا هذا المنهج التجريبي من الأطباء ابن الهيثم الذي استقرأ وتصفح وخرج بالنتائج ، ومن علماء النبات ابن البيطار الذي ذهب إلى إثبات ما صح عنده بالمشاهدة والنظر والخبرة وغيرهما كثيرون.
        ولا شك أنّ المنهج الإستقرائي “Induction” الذي يقوم بتصفح الجزئيات للخروج بالقاعدة الكلية التي تستند على العلية والاطراد قد كان أكبر خدمة قدمت من علماء المسلمين للبشرية جمعاء يقول بريفولت " إن ما نسميه بالعلوم قد جاء نتيجة لمناهج في التجربة والملاحظة والقياس أدخلت إلى أوربا بواسطة العرب . إن العلم الحديث هو أكبر إسهامات الحضارة الإسلامية"
        وتقول زيغريد هونكة "إن المسلمين قد أسسوا الطرق التجريبية في أنواع العلوم وقدموا اكتشافات كثيرة في فروع المعرفة وبالإضافة إلى هذا قدموا للغرب أثمن هدية وهي طريقة البحث العلمي الصحيح التي مهدت أمام الغرب طريقه لمعرفة أسرار الطبيعة"
        ولم يكن هذا المنهج الذي تفرد به المسلمون وأصبح فيما بعد أهم أساس من أسس التقدم العلمي في الغرب – قد أتى من فراغ أو نشأ من العدم؛ وإنما كان ذلك بتأثير من الوحي الكريم ، يقول الدكتور الزنيدي " كان المسلمون هم الذين أقاموا المنهج التجريبي وأحدثوا التميز في طرائق البحث العلمي وكان ذلك بتأثير مباشر من القرآن والسنة"
        ثالثاً: مصدرية الكون للعلوم:
        لما كان الكون مسخراً لمصلحة الإنسان ومهيأ له- فقد كان إدراك عناصره وجزئياته واستغلاله والاستفادة منه أمراً ضرورياً لا غنى عنه لكل البشر. ولأجل ذلك اتفقت النظرتان الإسلامية والعلمانية في هذا الجانب من المعرفة دون سواه ؛ إذ عدّت كلا النظرتين الكون مصدراً أصيلاً للمعرفة ، وقد سبق أنّ النظرة الإسلامية في المعرفة أكثر اتساعاً من تلك العلمانية التي أبعدت الوحي إبعاداً تاماً عن مضمار المعرفة ، بينما النظرة الإسلامية قد آخت بين الكون والوحي الذي يتيح للعقل البشري رؤية أكثر وضوحاً وثبوتاً، وهذه هو جوهر الخلاف بين النظريتين الإسلامية والعلمانية.
        1- مصدرية الكون للعلوم الطبيعية:
        إنّ من خصائص العلوم الطبيعية أنها ذات سمة مادية وصفة حسية وترتكز على القياس والتجربة الحسية ؛ ولما كان الأمر كذلك فإنّ طبيعة هذه العلوم قد ساهمت مساهمة فاعلة في توافق هذه العلوم وانسجامها مع المنهج التجريبي الذي عمل فيها بنجاح واضح خلافاً لتلك العلوم الاجتماعية والإنسانية التي تعثر فيها هذا المنهج تعثراً واضحاً.
        ولا شك أنّ الحواس – وإن كانت تقوم بعملية الإدراك الحسي إلا أنها ؛ كما سبق لا تستقل بتحصيل المعرفة ؛ إذ أنها غير كافية في إدراكها ولهذا فإنّ العقل البشري يتدخل بصورة مباشرة ليقوم بالترتيب والتنظيم و الاستنتاج ومن ثم تحصل المعرفة.
        ولا يقتصر دور العقل على ذلك فحسب بل أنه يقوم بالفروض اللازمة لتفسير المادة من جهة وبناء النظريات العلمية التي هي خيال ملائم من جهة أخرى.
        وإذا كانت الفروض العلمية والأطر الأخلاقية الموجهة لتلك العلوم تحتاج إلى هدى الوحي بصورة لا تخفى - فإنّ إدراك الجزئيات ومعرفة خصائصها من خلال الكون باعتباره المصدر المادي للمعرفة أمر تتفق فيه البشرية. ولما كان الكون مصدراً للمعرفة حيث استعين به في معرفة جزئيات المادة وخصائصها وكيفية استغلالها والاستفادة منها، فإنّ ذلك قد منح العلوم الطبيعية قوة وجعلها في تقدم مستمر وازدهار متنام- إلا أنّ الأطر الأخلاقية لهذه العلوم قد ظل خاضعاً للأهواء والنزعات الإنسانية الفوضوية.
        ولا شك أنّ هذه العلوم إذا تم ضبطها وتأطيرها بالوحي العاصم من الزلل - فإنّ ذلك من شأنه أن يعود بالسعادة على البشرية جمعاء.
        2- مصدرية الكون للعلوم الاجتماعية:
        إنّ العلوم الاجتماعية والإنسانية تختلف اختلافاً واضحاً عن تلك العلوم الطبيعية وذلك لأنّ معطيات العلوم الاجتماعية والإنسانية غير قابلة للتجريب كمعطيات العلوم الطبيعية ، ولهذا تعثر تطبيق المنهج التجريبي فيها إلى حد كبير.
        وإذا كان الكون مصدراً أصيلاً للمعرفة لا خلاف عليه فإنّ الخلل المنهجي ليس في اعتماد الكون مصدراً للمعرفة ؛وإنما هو في الاقتصار عليه وإبعاد الوحي ، إذ ليس من المعقول إطلاقاً أن يستبعد الهدى الرباني في علوم تحاول توجيه الإنسان وتضبط سلوكه من ناحية بينما طبيعة هذه العلوم من ناحية أخرى ليست مادية بحيث تخضع للفحص في طاولة التشريح ؛ بل إنّ طبيعتها قيمية بالدرجة الأولى .
        خلاصة القول :
        1- الكون مصدر للمعرفة ماثل بين أيدي الناس لا يكاد يشك في ذلك أحد. ولهذا اتفقت النظرة الإسلامية والنظرة الغربية في عده مصدراً للمعرفة .
        2- من خصائص الكون أنه مخلوق لله تعالى وهذه حقيقة أقر بها المؤمنون والكفار على السواء كما ذكر القرآن. وإن كان هنالك اتجاه في الفكر الغربي قد عاند فأنكر وجود الله وخلقه للكون.
        3- إنّ الله مدير لهذا الكون ومصرف لشؤونه وهذه فكره ثابتة عند المسلمين إلا أن .الغربيين قد أنكروا تدبير الله تعالى للكون فانقسموا فريقين فريق أقر بالخلق وأنكر التدبير وفريق أنكر الخلق والتدبير معاً .
        4- خلق الله الكون لمصلحة عباده ولهذا وجب التعامل مع هذه المصالح وفق ما أراد الله .كما خلق الله الكون متوازناً غير مختل؛ وحفظ له هذا التوازن ومعلوم أن الله قد خلق هذا الكون لهدف وغاية ولم يخلقه عبثاً ولعباً . كما إن هذا الكون ليس أزلياً خالداً وإنما له أجل محدود ينتهي به ، وهذه حقيقة ذكرها الله في القرآن واكتشفها العلم حديثاً بعد أن ظل طويلاً يظن أن الكون أزلي خالد.
        5- إنّ علم الإنسان بالكون محدود ولهذا يجب على هذا الإنسان أن لا يعد العدم ما لم يعرفه والوجود ما عرفه بل إنّ في الوجود أشياء كثيرة يجهلها الإنسان .
        6- يرتبط الكون بأمور غيبية كثيرة وقد أحس الغربيون أنفسهم بذلك ولهذا يطالب بعضهم بتغيير مفهوم العلم الضيق .
        7- الكون موافق للوحي بحيث لا يتعارضان ولا يتناقضان وموافقة الكون التامة للقرآن ليست هي بالضرورة موافقة القرآن للعلوم الحديثة ، إذ ان القرآن ذو صدق مطلق والعلوم الحديثة ليست كذلك بل هي لا زالت قاصرة عن إدراك الكون حسب ما يرى العلماء أنفسهم.
        8- خلق الله الأشياء في الكون خلقاً متفاوتاً وهذا التفاوت يتعلق بالأشياء في أنفسها ولا يتعلق بقدرة الله تعالى ، إذ أن خلفها جميعاً تحت قدرته واحد.
        9- أقام المسلمون المنهج التجريبي الذي عليه قامت الحضارة الغربية وهذا أكبر دليل على إحسان المسلمين التعامل مع الكون .
        10- أنّ كل العلوم سواء كانت طبيعية أو اجتماعية وإنسانية في حاجة ماسة إلى هدى الوحي وإرشاده وإن كانت حاجة العلوم الاجتماعية أكبر وأعظم.

        تعليق


        • #5
          المشاركة الأصلية بواسطة د. جمال الدين عبد العزيز مشاهدة المشاركة
          "من كتاب مصادر المعرفة للدكتور جمال عبد العزيز شريف والبروفسير عبد الله محمد الأمين النعيم"

          إنّ عجز منهج المعرفة الإسلامية كما هو اليوم هو السبب في عجز فكر الأمة عن إصلاح حالها والتصدّي للتحديات التي تواجهها ، فجوهر الأزمة هو أزمة في فكر الأمة الإسلامية، وهذه الأزمة تندرج تحتها سائر الأزمات السِّياسية والاقتصادية والاجتماعية
          جـ- جوهر الأزمة:
          إنّ جوهر الأزمة كما بدت ملامحها سابقاً قد تبلورت في نظام التعليم الإسلامي، وتتلخص في انكفاء جماعة من الأمة على التراث دون تطوير واجتهاد ، والتراث - كما أسلفنا- فكر بشري محدود بحدود البيئة المنشئة له ، وهذه الجماعة قد أهملت علوم الطبيعية أهمالاً واضحاً الأمر الذي أفضى إلى الإعراض عن عمارة الكون وكانت النتيجة هي هذا التخلف الحضاري الواضح.
          أما باقي الأمة فقد رأى في المشروع التغريبي حلولاً لمشاكل الأمة فتبنته بحذافيره على الرغم من أنّ المشروع الغربي كان وليد ظروف تاريخية عايشت صراعاً بين الدين والعلم وهذه الظروف لا تنطبق على الدين الإسلامي ولا العقل المسلم الذي لا يعرف صراعاً بين العقل والدين "الوحي" فلكل منهما مجاله وحدوده وهما يتكاملان لفهم الحقيقة ولا يتناقضان.
          .
          هذا في نظري تسطيح كما يقولون للأمور.
          إن جوهر الأزمة في الأمة ليست أزمة فكر، فبين هذين الخطين المذكورين تحت عنوان جوهر الأزمة خط ثالث يؤمن بأن قوة الأمة ونهوضها يقوم على المزاوجة بين الإيمان والحياة ، وكان هذا هو طابع الأمة منذ نشأتها وفي عصور ازدهارها.

          ولكن هذا الخط الثالث ـ وهو فكر الأغلبية ـ لا يراد له أن يظهر فضلا عن أن يقود أو يسود.

          إن مشكلة الأمة في القرار السياسي ، الذي لا يزال يتمسك بالطريقة المسكونية في تسييس الدين ،فيستخدم المنكفئين تارة والتغريبيين أخرى ، ولا يهمه من شأنهما إلا ما يحقق مصالحه فقط لا غير.

          أما الخط الثالث فلن يكون له أثر في الأمة حتى يكون القرار السياسي جزء منه وإليه ينتمي.

          تعليق


          • #6
            قولك أن هنالك خطا ثالثا يؤمن بأن قوة الأمة ونهوضها يقوم على المزاوجة بين الإيمان والحياة ، وكان هذا هو طابع الأمة منذ نشأتها وفي عصور ازدهارها.فهذا ما نريد بالضبط وهذا ما نبتغيه من كل هذا الكلام ومن هذا البحث
            أما قولك إن هذا التيار هم الغالبية فيا ليت
            وما دمت تقول أنهم الغالبية فإن الأزمة من الطبيعي عندك أن لا تكون أزمة فكر
            وصحيح أن الأزمة متعلقة بشكل كبير بالسياسة لكنها لا تقتصر على هذا الجانب فحسب فهي أزمة معرفية في المقام الأول
            شكر الله لك أخي محب القرآن ملاحظاتك القيمة

            تعليق


            • #7
              النقد والنقد الذاتي

              أفضّل مصطلح الإشكالية على الأزمة لأن الحديث عن الأزمة معناه التسليم بضرورة حدوث القطيعة، وهذا ما تميل إليه النخبة الحداثية وبأشكال مختلفة مما أدى إلى إنتاج أدبي فكري لا يحرك ساكنا ولا يسكن متحركا. لأنه يقلّد ولا يستفيد. الإستفادة لا تكون من مصدر التقليد إذ يضفي إلى الإسقاط فيمنع الحركة المعرفية من خلال النزاع الذاتي أو حتى ربما "جلد الذات" بدل النقد الذاتي وهذا بلا قيمة دون نقد الآخر، الشيء الغائب في الإنتاج الحدثي، مما أدى إلى أزمة: التخبط ومزيد من التخبط في التعامل مع التراث على أساس أنه عبء. حين أن التجريبة اليابانية والكورية الجنوبية نجحت، ليس فقط لأن عوامل سياسية أخرى توفرت لديهم، بل كذلك لأنهم تعاملوا مع الآخر بالإستفادة لا بالتقليد، وإنما التقليد في بعض المظاهر جاء لاحقا. هذا تاريخ الدولة العباسية في التعامل مع الحضارة الفارسية في بعض الشؤون التدبيرية الإدارية والتنظيمية، وجاء التقليد لاحقا مما أدى إلى نشوء الحركة الباطنية وانعكاساتها السلبية على المجتمع. إذن: لا أزمة وإنما إشكالية: التعامل مع الآخر دون إعمال نقده ونقد الذات في آن واحد.

              تعليق


              • #8
                الحمد لله رب العالمين

                جزاك الله خير

                لكن القرآن متجدد دائما بالعلم

                تعليق

                19,946
                الاعــضـــاء
                231,793
                الـمــواضـيــع
                42,499
                الــمــشـــاركـــات
                يعمل...
                X