إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • ضوابط الإعجاز العلمي

    مقدمة :-
    إن التعامل مع القرآن سواء كان ذلك في التفسير أو الاستدلال أو الإعجاز أو غير ذلك يرتكز على عنصرين في غاية الأهمية ؛ هما:
    أ/ مراد الله تعالى الذي عبر عنه من خلال النص القرآني .
    ب/ فهم المتلقي للمعاني الإلهية ، وهذا المتلقي له إطاره المعرفي والحضاري والاجتماعي والثقافي الخاص.
    وهذا الإطار الذي يحيط بالمتلقي له دوره السلبي أو الإيجابي في فهم مراد الله تعالى ، ومعلوم أنه لا عبرة بفهم هذا المتلقي إطلاقاً إذا اتضحت مخالفته لمراد الله تعالى ومقاصده ، وإنما تكتسب اجتهادات البشر وفهومهم قيمتها وتحظى بالقبول بقدر نهوض الأدلة التي تؤكد مطابقتها لمراد الله تعالى .
    ولا شك أن اختلاف الدارسين للإعجاز وتنوع بيئاتهم الفكرية والثقافية والاجتماعية ـ من شأنه أن يؤثر في دراساتهم ؛ وما ذلك إلا لأن الفكر لا ينبثق من العدم ولا ينشأ من الفراغ بحال ، ومعلوم أن الواقع الفكري له تأثير عظيم في الأفكار ؛ إذ أن الأفكار غالباً ما تكون طرحاً منظماً مدروساً مبنياً على الواقع بما فيه من ملابسات وتركيبات.

  • #2
    أثر الواقع الفكري على الدراسات الإعجازية :
    إذا كان الأمر كما سبق فإن كل الدراسات للإعجاز القرآني إنما تأثرت بالواقع الفكري للدارسين وما يحيط بهم من عوامل فكرية وثقافية واجتماعية ، ومعلوم أن إبراهيم بن سيار النظام الذي كان أول من ألف في الإعجاز القرآني قد أثرت فيه روح عصره ؛ إذ واجه واقعاً مريجاً اختلفت فيه الآراء والملل ، وكان منتصراً لدين الله في وجه كل مخالف مستعيناً بكل ما استعان به هولاء المخالفون من منطق وبراهين ، ورجل هذا شأنه ـ إزاء أعداء ذوى فكر معقد ـ لابد أن يكون فيه غير قليل من الغرابة ؛ إذ أنكر النظام الإعجاز البلاغي وذهب إلى أن معجزة القرآن في صدق حقائقه ؛ وما ذاك إلا لأنه قد نازل عدواً كثير الحيل معقد الأفكار في معركة شديدة التعقيد ؛ ولهذا كان مقيداً بشروط القتال وتقلّب أحواله وملاحقة عدوه في حركاته وسكناته ، وربما أثرت فيه روح العدو بكثرة الملابسة وتشكلت طريقته بحسب حيله ومكره وردود أفعاله إزاء ذلك ؛ ولهذا تراه أنكر وجهاً من الإعجاز وثبّت الآخر رغم أن القرآن معجز من جميع الوجوه
    وإذا كان النظام قد عوّل على المعاني غير معتد بالبلاغة ولا جاعلاً إياها معجزة فإن تلميذه الجاحظ الذي واجه الشعوبية ـ الذين هاجموا بلاغة العرب ـ قد نظر وبحث ؛ ملابساً الواقع الأدبي والنقدي في عصره ؛ حتى أقام الدليل الساطع على الإعجاز البلاغي بما بسط فيه من القول ؛ راداً على النظام من جهة وعلى من هاجم بلاغة القرآن من الشعوبية والملاحدة وغيرهم.
    ولما امتلأ الأفق الفكري بآراء الزنادقة والملاحدة الذين حاولوا تشويه صورة القرآن واعترضوا فيه بالطعن ولغوا فيه وهجروا وزعموا فيه التناقض واللحن وفساد النظم ـ ألف ابن قتيبة كتابه ( تأويل مشكل القرآن ) للرد عليهم.
    ولما ظهر البديع وزخرفت به الأشعار وزعم أهل ذلك العصر أن هذه الصنعة قد ميزتهم عن من سبقهم وسمت بأدبهم إلى مرتبة لم يبلغها العرب الأقدمون ، واتخذ ذلك أداة للهجوم على أسلوب القرآن العظيم ، إذ جعل ذلك البديع مقياساً للبلاغة ـ عاب الإمام الباقلاني على اللغويين والنحاة انشغالهم بالجزء ودقيق الكلام وغامض الإعراب مع أن الانشغال بالإعجاز أوجب والحاجة إليه أمسّ ؛ فألف كتابه ( إعجاز القرآن ) رافضاً فيه أن يكون الإعجاز من جهة ما يتضمنه القرآن من البديع ؛ وذلك لأن البديع عنده ليس فيه ما يخرق العادة أو يخرج عن العرف بل إنه يمكن استدراكه بالتعلّم والتصنّع له ، كما حمل على بعض الآراء المخالفة لإعجاز القرآن في عصره.
    ولما اشتد الصراع بين الأشاعرة والمعتزلة ، والنحويين والمناطقة ، وتم التعصب للأفكار وأشيعت العموميات غير الدقيقة في الإعجاز وفشا التمسّك باللفظ المجرد وسهولته وغرابته وأوزانه ـ أنشأ عبد القاهر الجرجاني نظريته العظيمة في الإعجاز وهي "نظرية النظم" مستنداً فيها على النحو ومفسّراً للإعجاز به.
    ولا شك أن المعالجات الجيدة في الإعجاز هي التي تستوعب عصرها وتتجاوز ما تسببه مؤثرات هذا العصر من مشكلات ؛ فتصبح حينئذ هذه المعالجات موضوعية صالحة لما يأت بعدها من عصور

    تعليق


    • #3
      أثر الواقع الفكري على دراسة الإعجاز العلمي :
      إن الإعجاز العلمي ليس بدعاً من المناهج التي تناولت أحد الوجوه في دراسة الإعجاز ؛ إذ كانت له مؤثراته الفكرية كما كانت لغيره من المناهج ؛ فالإعجاز العلمي لم ينشأ من فراغ فكرى ولا في فضاء ثقافي منعزل عن الحياة المعاصرة ومعطياتها ؛ بل نشأ هذا الإعجاز في واقع فكري وثقافي واجتماعي وحضاري معين ، ولهذا فإن شأنه كشأن سائر قضايا الواقع المعاصر ولابد أن يوثر فيه هذا الواقع الفكري بشكل من الأشكال ولا مناص له من ذلك إطلاقاً ، وسواء كانت تيارات الواقع الفكري ومذاهبه واتجاهاته ذات توجه موافق أو مخالف أو مناقض أو معضد لتوجه الإعجاز العلمي فلابد من إلقاء ظلالها على هذه القضية سواء كان ذلك بالسلب أو الإيجاب أو التأثير أو رد الفعل أو التأييد أو الرفض أو نحوها ، ومعلوم أن طبيعة العصر قد كان لها أثر في معالجات الإعجاز العلمي بشكل من الأشكال ، كما أن التيارات الفكرية في هذا الواقع قد كان لها صداها الايجابي أو المعاكس في هذه القضية .
      ورغم أن للإعجاز العلمي مؤثرات فكرية كثيرة إلا أن أبرز المؤثرات تقريباً ـ هيمنة العلمانية الغربية ومحاولات إسباغ معطياتها على كافة مجالات الحياة ، وهذه العلمانية كما تبلورت في الفكر الغربي تفصل بين العلم والدين ؛ وتعدهما أمرين لا يمكن أن يلتقيا أبداً ، وقد كان سبب ذلك أن الكنيسة الغربية ظلّت مهيمنة على كل مجالات الحياة في أوربا ، وكان أسلوبها في التفكير يتجه اتجاهاً معاكساً للحقيقة والواقع ، وقد سفكت الكنيسة دماء العلماء الطبيعيين ؛ لأن بعض الحقائق التي اكتشفوها تعارض الكتاب المقدس , وقد عانى العالم غليليو ـ كما هو معروف ـ من ذلك وحوكم ، وأول القضايا التي أثيرت ضده هي قوله "إن الكواكب السيارة أكثر من سبعة " مما أثار رجال الكنيسة ووصفوه بالخروج عن الدين ، واستشهدوا ضده بعدد أيام الأسبوع وفتحات وجه الإنسان ؛ وقد وصفوه أيضاً بالهرطقة والزندقة عندما أعلن عام 1616م تأييده لفكرة كوبرنيكوس القائلة بأن الشمس هي مركز الكون وليس الأرض ؛ ومن ثم فالأرض تدور حول الشمس وليس العكس ، ولما كانت الكنيسة تؤمن بآراء بطليموس التي ترى أن الأرض ثابتة وكل شيء يدور حولها ، فإن غليليو بآرائه ومكتشفاته هذه يخطيء الكنيسة ، والكنيسة ـ عندهم ـ لا يمكن أن تخطيْ ؛ ولذلك ففد استدعي غليليو أمام المجلس البابوي وأجبر إجباراً على أن يعلن على الملأ أن الأرض لا تدور حول الشمس وأنه قد أقلع عن هذه فكرته الخاطئة التي أثبتها علمياً وأقر بأنه لن يتمسك بها أو يعلّمها أو يدافع عنها بوجه من الوجوه ؛ وبعد ذلك كله حكمت المحكمة بإدانته بارتكابه إثماً في حق الكنيسة وحكمت عليه بالسجن مدى الحياة ؛ ثم خفف الحكم إلى إقامة جبرية في منزله حتى مات ؛ مع أن العلم قد أيد آراء كوبرنيكوس وغليليو وأثبت صحتها منذ زمن بعيد ، إلا أن الحكم بالزندقة على غليليو قد بقي محفوظاً في أضابير وسجلات الفاتيكان ؛ حتى رأى البابا يوحنا بولس الثاني سنة 1992م رفع هذا الحكم وإسقاطه ، أي أن الحكم ببراءة غليليو من التهم الموجهة إليه قد صدر بعد وفاته بنحو ثلاثمائة وخمسين عاماً
      وقد أدرك المفكرون قبيل النهضة الأوربية أنه لا بد من مناهضة أفكار الكنيسة ، وقد تدخلت عوامل عديدة لتوجيه الصراع لصالح هؤلاء المفكرين كان من ضمنها دخول العلوم الإسلامية ، وكان من ضمن تلك العلوم الإسلامية العلوم التجريبية القائمة على منهج الاستقراء والملاحظة .وقد اجتاح منهج البحث التجريبي في أوربا أساليب التفكير اللاهوتي التي كانت غارقة في التفكير النظري والتجريد الميتافزيقي ؛ يقول مايرهرف ماكس: “كانت العلوم الإسلامية وهي في أوج عظمتها تضيء كما يضيء القمر فتبدد غياهب الظلام الذي كان يلف أوروبا في القرون الوسطى ....ولما كان لتلك العلوم العربية سهمها الأوفى في توجيه هذا العهد الجديد وحث خطواته، فعلينا أن نقر بأن التراث العربي الإسلامي ما زال يعيش في علومنا حتى الآن"ومما سبق يتضح أنّ السَّمة المميزة في تاريخ الفكر الغربي - التي ما زالت آثارها باقية حتى الآن - هي وجود صراع بين العلم والديِّن ، وقد انتهى هذا الصراع بطرد الدين من مجال النظر والعلم والمعرفة ، وعندما حلّ القرن الثامن عشر كان الفكر الغربي قد قطع أعظم الأشواط في التحرُّر من الفكر الدَّيني وسيطرته ؛ حتى أُطلق على هذا القرن عصر التنوير ، ولم يكن يقصد بالتنوير سوى إبعاد الديِّن، وكان من نتائج الصراع بين الكنيسة والعلماء أن تحولت المعرفة إلى معرفة بشرية محصورة في الواقع المشاهد بعيداً عن الدين الذي هو عدو العلم الأكبر ، فانحصر مفهوم العلم في جانبين هما الحقائق التجريبية والحقائق التحليلية ، أما حقائق الدين فقد اعتبرت بلا معنى “meaningless” ولهذا فإن الدين والعلم في الفكر الغربي لا يجتمعان أبداً فما يكون علمياً لا يكون دينياً وما يكون دينياً لا يكون علمياً.
      ورغم أن العلم والدين في الإسلام لا يمكن أن يتناقضا ؛ إذ أن الكون والوحي مصدران متكاملان متناصران للمعرفة ؛ إلا أن بعض المفكرين المسلمين قد تبنوا المشروع التغريبي بكل ما فيه ؛ فنادوا بعزل الدين عن العلم وكافة شئون الحياة والأخذ بالحضارة الغربية بكافة جوانبها ؛ إذ أن النهضة والتقدم – عندهم – لا يمكن أن تتم إلا بذلك ، وقد كان أبرز أنصار هذا الاتجاه الدكتور طه حسين ، وقد نادي بالفصل بين الديني والعلمي ؛ ولهذا ذهب ـ مؤكداً علمانيته – إلى القول بأن : ( للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل ، وللقرآن أن يحدثنا ، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي ) وعند استجوابه صرح الدكتور بأنه بوصفه مسلماً يقر بذلك ، إلا أنه بوصفه عالماً لا يفعل أي أنه يفصل بين العلم والإيمان .
      وفي الواقع الفكري المعاصر ظهر كذلك تيار الإصلاح الذي رأى أنصاره عدم التناقض بين الأخذ بالدين والأخذ بأسباب العلم ، وإذا كانت تجربة الفكر الغربي ـ عندهم ـ قد وقع فيها هذا التناقض فإن تلك التجربة إنما هي تجربة مختلفة كل الاختلاف عن تجربة الفكر الإسلامي الذي لا يمكن أن يقع فيه هذا التناقض أصلاً ، وإذا كان الوحي المسيحي قد أصابته التشوهات والتغييرات واعتراه التحريف والتزييف فليس كذلك الوحي في الإسلام ، وكان أبرز أنصار هذا التيار الشيخ عبد الرحمن الكواكبي والإمام محمد عبده والشيخ طنطاوي جوهري ، وقد نادى هولاء الإصلاحيون بإصلاح حال الأمة وتبنوا فكرة الإعجاز العلمي والتوفيق بين معطيات القرآن ومعطيات العلم الحديث .
      ويذهب طنطاوي جوهري إلى أن من أسباب تأخر الأمة اهتمامها بعلم دون آخر ؛ إذ اكتفت بالفقه وأهملت علوم الكون والحياة ؛ مع أن اهتمام القرآن بالكون والحياة أكثر من اهتمامه بالفقهيات بصورة واضحة لا لبس فيها ولا خفاء ؛ ولذلك يقول : ( علم الفقه ليس له في القرآن إلا آيات قلائل لا تصل مائة وخمسين آية ؛ فلماذا كثر التأليف في علم الفقه وقلّ في علوم الكائنات التي لا تخلو منها سورة ؛ بل هي تبلغ (750 ) آية صريحة ؛ وهنالك آيات أخرى تقرب من الصراحة ، فهل يجوز في عقل أو شرع أن يبرع المسلمون في علم آياته قليلة ويجهلون علماً آياته كثيرة جداً )
      ولا شك أن من خصائص الوحي " القرآن والسنة " التي لا مراء فيها أنه تناول بعض القضايا الكونية المتعلقة بعالم الحس الذي تعمل في إطاره العلوم الطبيعية ، ولما كان الوحي منزلاً من عند الله والكون مخلوقاً لله فلا يمكن أن يناقض كلامه خلقه ، بل لابد من التطابق بين الأمرين ؛ يقول ابن تيمية :(ولا يجوز أن يكون في القرآن ما يخالف صريح العقل والحس) ولكن ليس معنى موافقة الحقائق القرآنية لعالم الحس موافقتها بالضرورة لمعطيات العلوم الطبيعية التي ما زالت تتدرج في إدراكها لعالم الحس نحو اليقين.

      تعليق


      • #4
        بيان ضوابط الإعجاز العلمي:
        إذا كان الإعجاز العلمي يستند بصورة مباشرة على الوحي والعلم فإن من شأن دراسات هذا الإعجاز أن تتأثر بطبيعة كلا الأمرين وخصائصهما ، ومعلوم أن للعلم مشكلاته ، ولا شك أن لهذه المشكلات أثرها البيّن على كيفيات معالجة الإعجاز العلمي . وليس ذلك فحسب بل إن التعامل مع القرآن أيضاً في مضمار الإعجاز العلمي دون إدراك الخصائص الدقيقة له يفضي بدوره إلى مشكلات أيضاً ، ولذلك كله أثره المباشر على كيفيات المعالجة ، وهذا الأمر يفضي بصورة مباشرة إلى تحديد الأطر وتعيين الضوابط والمعايير.والحق أن الضوابط والمعايير التي يتناولها هذا البحث فيما سيأتي لم تكن بناء ذهنياً مفترضاً ؛ وإنما تأتت بتصفح واقع التعامل مع هذا النوع من الإعجاز ، ومن هذه الضوابط مراعاة قانون العربية في معرفة معاني المفردات والنحو والصرف وغير ذلك ، وكذلك معرفة التناسب القرآني سواء كان هذا التناسب تناسباً داخلياً "يكمن في مراعاة النظم والسياق أو مراعاة ترابط القرآن ببعضه أو عدم المخالفة لمقاصده العامة " أو كان تناسباً خارجياً يكمن في مراعاة الأحوال والمقامات أو دقة الربط بين الحقائق العلمية والمعاني القرآنية ، ومن الضوابط أيضاً مراعاة المستوى الإلهي للقرآن تجنب القضايا الغيبية التي لا يمكن أن ينالها العلم إلا إذا كانت هنالك مداخل حسية مقبولة لذلك ، ومن مراعاة المستوى الإلهي للقرآن أيضاً عدم الربط بين حقائق القرآن وظنون البشر وتخميناتهم وفروضهم ونظرياتهم التي ليست لها أدلة حسية تثبتها إثباتاً قاطعاً وكذلك عدم التكلف وتقويل القرآن ما لم يقله ، ومن الضوابط أيضاً عدم الاعتماد على الأحاديث الموضوعة أو روايات القصاص والإخباريين الواهية أو الإسرائيليات ونحوها ، وتفصيل ذلك كالآتي

        تعليق


        • #5
          أولاً : مراعاة قانون العرب:-
          من خصائص القرآن أنه عربي الأسلوب ؛ قال تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) وقال: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) وقال: (وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا) وقال: (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ) وقال: (قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ) وقال: (كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) وقال: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا) وقال: (وَهَذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَانًا عَرَبِيًّا) ، ولهذا لا يجوز إطلاقاً تجاوز هذه الصفة عند التعامل مع القرآن بأي شكل من أشكال التعامل ؛ سواء في الإعجاز العلمي أو في التفسير عموماً أو غير ذلك ؛ ولهذا يقول الإمام الشاطبي : (كلّ معنى مستنبط من القران غير جار على اللسان العربي ـ فليس من علوم القران في شيء لا مما يستفاد منه ولا مما يستفاد به ؛ ومن ادعى فيه ذلك فهو في دعواه مبطل ) ويقول الإمام مالك : (لا أوتى برجل غير عالم بلغة العرب يفسر القرآن إلا جعلته نكالاً) فإذا تجاوز الإنسان هذه الصفة ولم يراع أحكامها ـ لم يكن ما يستخرجه من القرآن شيئاً ولا يعدّ علماً ، فهذه الأحكام العربية تشكل معياراً عاماً يعرف به صحة الاستنباط أو عدمها ، وبذلك تغدو هذه الأحكام إطاراً يؤمّن من الخطأ في تناول معاني القرآن ، وعلي ذلك يجب على العالم الذي يتناول القرآن – أياً كان تخصصه – أن يكون عارفاً بهذه الأحكام العربية ، ولا يمنع ذلك إطلاقاً من ظهور عمق جديد في المعنى لم يكن العربي القديم يعرفه ؛ وهو أمر طبيعي ؛ إذ أن أسلوب القرآن فيه من السعة والمرونة ما يجعل عجائبه دائمة مستمرة لا تنقضي ، وهذا كله يقتضي مراعاة قانون هذه اللغة سواء في معرفة مفرداتها أو بلاغتها ونحوها ؛ وتفصيل ذلك كالأتي:-
          أ/ معرفة مفردات اللغة:-
          نزل القرآن العظيم بلغة العرب ؛ فاستخدم من المفردات ما يستخدمون وبمعانيها التي يعرفون ، ولما كانت مفردات هذه اللغة الشريفة شديدة الدقة فقد اختار القرآن من المفردات ما هو أدل على المقصد الإلهي ؛ ولهذا لا يمكن التعامل مع الإعجاز العلمي إلا بمعرفة معاني المفردات القرآنية بصورة دقيقة. إلا أن بعض الباحثين في الإعجاز العلمي لم يراع هذا القانون الشديد الأهمية ؛ فذهب بعضهم إلى تفسير لفظ "قطر" في قوله تعالى : (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ) بأنه هو الخط الموصل بين نقطتين على المحيط ماراً بمركز الدائرة ، وأن الأقطار لا تكون إلا على الدوائر ؛ وهذا يدل ـ عنده ـ على كروية الأرض ، ومثل ذلك أيضاً "السلطان" في الآية نفسها بأنه هو "العلم" .
          والحق أن كروية الأرض تثبته آيات أخرى ، وقد أدرك الأقدمون ذلك كما سيأتي فلا داعي لإقحام هذه الآية التي لا تدل على الكروية من قريب ولا بعيد . لكن الكاتب تجاهل المعنى المقصود الذي تعرفه العرب وأخذ معنى القطر من الاصطلاح الهندسي الحادث الذي لا تعرفه العرب ؛ والقطر ـ عند العرب ـ هو الجهة والناحية لا الخط المذكور الذي لا مبرر إطلاقاً لتفسير القطر به ، قال تعالى : (وَلَوْ دُخِلَتْ عليهم مِّنْ أَقْطَارِهَا) أي : لو دخل عليهم الأعداء من كل جانب من جوانب المدينة ولهذا فإن معنى آية سورة الرحمن السابقة : إن استطعتم أن تجوزوا أطراف السموات والأرض فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر عليكم فجوزوا ، وقيل بل معنى ذلك : إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفدوا هاربين من الموت فإن الموت مدرككم ولا ينفعكم هربكم منه وأينما كنتم فإنكم لا تخرجون من سلطان الله أي : ملكه ، فأنتم أينما نفذتم نفذتم في هذا السلطان الذي لا تستطيعون أن تنفذوا منه والمعنى أنكم لا تخرجون من ملك الله إلا إلى ملك الله
          والحق أن كروية الأرض أمر معروف عند علماء الإسلام المتقدمين ، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن هنالك إجماعاً بين العلماء على هذه المسألة ، وكذلك ذكر ابن حزم وابن الجوزي وغيرهم ، وذكر العلماء أيضاً أن هذا الأمر يدل عليه القرآن والسنة والإجماع والحس والعقل ولا ينكره إلا العامة ، ودليل هذه الكروية من القرآن قوله تعالى (يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ) وقد ذكر المقدسي في كتابه ( أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم ) والشريف الإدريسي أن الأرض كرة غير صادقة الاستدارة ، وقد ذكر ذلك أيضاً ابن خلكان في كتابه ( وفيات الأعيان ) وابن الجوزي في المنتظم وغيرهم.
          ب/ مراعاة الأحكام النحوية:-
          من أهم الضوابط في معالجة قضايا الإعجاز العلمي مراعاة الأحكام النحوية التي هي قواعد توضح طريقة استنباط المعاني من الكلام العربي بصورة صحيحة ، ولما كان الأمر كذلك فلابد لمن أراد تناول القرآن بالتفسير أن يراعي هذه القواعد حتى يتم استنباط المعاني بالطريقة السليمة ، ولعل الذي يشتغل بالإعجاز العلمي إزاء هذه القواعد على خمس حالات هي :-
          أ‌- أن يأخذ القاعدة المشهورة والإعراب المعروف الذي أخذ به معظم العلماء والمفسرين فيدقق في هذا المعنى ويعمقه بالاكتشافات العلمية الحديثة ؛ وهذا وجه متقبّل بلا شك .
          ب‌- أن يأتي بمعنى جديد لم يقل به أحد من قبل ، ويكون لهذا المعنى تخريج آخر مشهور في النحو ولا يحالف ضوابط الإعجاز العلمي الأخرى ولا يصادم القواعد الكلية المعروفة وينسجم مع السياق ويوافق المقاصد العامة ؛ فهذا أيضاً وجه متقبل وجانب من الاجتهاد ممكن.
          ج/ أن يأتي بمعنى جديد له تخريج بعيد شاذ في النحو ولا يخالف الضوابط العلمية الأخرى ، فهذا يجب التوقف فيه لينظر في تفاصيله ؛ وإن كان إلى الرفض أقرب.
          د/ أن يأتي بمعنى جديد له تخريج بعيد شاذ في النحو ويخالف الضوابط العلمية الأخرى ؛ فهذا وجه مرفوض تماماً.
          هـ / أن يأتي بمعنى جديد يخالف القواعد النحوية ؛ وهذا الوجه يُرفض ابتداء ولا يُنظر في مخالفته لبقية الضوابط أو موافقته لها.
          ولا شك أن النحو يفتح المعاني المغلقة عند الاستنباط ، وهو المعيار الذي لا يُعرف صحيح المعنى المستنبط من سقيمه حتى يرجع إليه ، وهو الذي يؤمّن من الخطأ إذا خاض الإنسان في التفسير وتعاطى التأويل كما ذكر الجرجاني واستنادا على علم النحو هذا فليس صحيحا ما يردده بعض الناس من أن القرآن جعل من العسل شفاء لكل الأمراض ؛ إذ أنّ "التعريف" يراد به الكلية والإحاطة والعهدية ؛ أما التنكير فيفيد في حكم العقل البعضية ، والله تعالى قد قال عن العسل : (فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ) فنكَّر لفظ "شفاء" ولم يقل "الشفاء" حتى يدل على أن الشفاء ضروب وأنواع ؛ وهو في العسل وغيره ؛ وليس منحصراً بكليته فيه ، وإنما العسل - كما دلت الآية - فيه بعض الشفاء لبعض العلل دون بعض ، ولو قال فيه "الشفاء" لكان المعنى الذي يقتضيه العقل هو: إفادة الشمول والإحاطة؛ وليس الأمر كذلك بحال ، وقد ذكر المفسرون أن لفظ (شفاء ) ليس فيه عموم ؛ يقول القرطبي: (ومما يدل على أنه ليس على العموم أن شفاء نكرة في سياق الإثبات ولا عموم فيها باتفاق أهل اللسان ومحققي أهل العلم ومختلفي أهل الأصول) فالعسل ليس شفاءً من كلّ داء كما فهم البعض من الآية ؛ إذ أنه تعالى قد نكَّر لفظ (شفاء) ولم يعرفه ؛ يقول ابن كثير: (قال بعض من تكلّم على الطب النبوي لو قال : فيه الشفاء للناس ؛ لكان دواء لكل داء ولكن قال فيه شفاء للناس ) والحق أن العسل ـ وإن لم يكن علاجا لكل الأمراض بل وقد يضر أصحاب بعضها ـ إلا أنه علاج ناجع جداً لكثير من الأمراض والعلل ؛ وقد أكدت الأبحاث العلمية الحديثة فوائده في عدد من المجالات، ومن أحدث هذه الأبحاث تلك التي قام بها البروفيسور (بيتر مولان) في نيوزيلندة ، وقد قضى وزملاؤه في مخابر البحث عشرين عامًا في تجاربهم العلمية وفق شروط البحث العلمي السليم ـ على العسل، وخرجوا بعشرات الأبحاث العلمية التي نشرت في أشهر المجلات الطبية في العالم ، ولم يكن هو الباحث الوحيد في هذا المجال؛ فقد قام عشرات الباحثين بنشر أبحاثهم أيضًا في مجال العسل. وقد تبين أن في العسل من المواد ما يقتل الجراثيم الفتاكة وبه مقو للمناعة ويشفي بعض أمراض العيون والجلد والأسنان، وهو كذلك عامل مهم لالتئام الجروح ، كما أنه غني بمضادات الأكسدة ويعالج التهاب المعدة والأمعاء.

          تعليق


          • #6
            ثانياً: ضابط التناسب:-
            من أهم خصائص القرآن تناسبه وانسجامه وارتباط بعضه ببعض ، إذ ليس فيه من تضاد أو تنافر أو اضطراب أو تناقض ، وهذا التناسب الذي هو سمة جوهرية للقرآن لا بد من مراعاته عند التعامل مع القرآن سواء في الإعجاز العلمي أو في غيره ، ولا شك أن كل تعامل مع القرآن وأغفل هذا التناسب فإنه لا يأمن الزلل والغلط إطلاقاً ، ولأجل ذلك كانت مراعاة هذا التناسب بأشكاله المختلفة من الضوابط المهمة جداً في تناول الإعجاز العلمي ؛ وتفصيل ذلك كالآتي:-

            تعليق


            • #7
              أ- التناسب الداخلي:-
              هذا النوع من التناسب شديد الأهمية في مضمار الإعجاز العلمي ، إذ به تدرك المعاني بشكل سليم وبه ينضبط الاستنباط من القرآن ، وينقسم هذا النوع من التناسب إلى تناسب المعاني الجزئية مع المقاصد العامة من جانب وإلى تناسب المعاني القرآنية مع بعضها من جانب آخر وإلى تناسب المعنى المستنبط من القرآن في الإعجاز العلمي مع النظم والسياق من جانب ثالث ، وهذه الأشكال من التناسب منها ما يشكل إطاراً عاماً ومنها ما هو أقل عمومية ، وكلها شديدة الأهمية في تناول الإعجاز العلمي ؛ إذ أن إهمالها يؤدي – وبشكل مباشر – إلى الخطأ في الاستنباط والاستدلال ، ولا شك أن الخطأ الناشئ من عدم مراعاة هذا التناسب من شأنه أن يجهض قضية الإعجاز العلمي في ذلك الموضع ويهدمها من أساسها ، ولهذا كان هذا التناسب - بأشكاله المختلفة – من الأهمية بمكان في مضمار دراسة الإعجاز العلمي ، وتفصيل ذلك كالآتي:-

              تعليق


              • #8
                1/مراعاة النظم والسياق:-
                إن من أهم الأمور في دراسة الإعجاز العلمي النظر إلى السياقات والنظوم ؛ إذ أن للسياق دوراً كبيراً وأثراً واضحاً في تحديد الدلالات ومعرفة المعاني وإدراك المقاصد ، وقد ذكر العلماء أن القرآن قد نظمت مفرداته نظماً محكماً لا يلحقه معه خلل، ولهذا فإن هذا الترابط يشير وبصورة واضحة إلى المعاني الخفية ، إذ أن أكثر أسرار القرآن مودعة في الترتيبات والروابط كما ذكر الرازي، وقد اعتني الصحابة والتابعون بهذه السياقات عناية كبيرة ؛ فعن عبد الله بن مسلم بن يسار عن أبيه قال: ( إذا حدثت عن الله حديثا فقف حتى تنظر ما قبله وما بعده) وقال ابن مسعود : (إذا سأل أحدكم صاحبه : كيف يقرا آية كذا وكذا؟ فليسأله عما قبلها وعما بعدها ) ويقول الشيخ ولي الدين الملوي : (والذي ينبغي في كل آية أن يبحث أول كل شيء عن كونها مكملة لما قبلها أو مستقلة ، ثم المستقلة ما وجه مناسبتها لما قبلها ؛ ففي ذلك علم جم) وذكر الجاحظ أن أعرابياً سمع رجلاً - في زمان عمر بن الخطاب - يقرأ خطأ : "فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله غفور رحيم"فقال الأعرابي : لا يكون ؛ وذلك لعدم المناسبة بين الجملة الأولى والثانية ؛ إذ أن الضلال بعد معرفة الهدى لا يقابل بالغفران والرحمة ، والصحيح في القرآن هو : ) فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (
                ولما كان الأمر كذلك فقد اتضح أن السياق من أهم الضوابط في قبول الإعجاز العلمي وغيره ، ومعلوم أن المعنى المستنبط من القرآن في الإعجاز العلمي إذا لم يحتمله السياق فإنه يصبح باطلاً وإن كانت الحقيقة العلمية صحيحة ؛ وما ذلك إلا لأن السياق لا يدل عليها ؛ ومن أمثلة ذلك ما ذهب إليه بعضهم من أن قوله تعالى : (وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ) يدل على تنبؤ القرآن بوسائل الاتصال الحديثة ؛ إذ صار الإنسان يتصل مع غيره من مكان بعيد بواسطة الهاتف وأن يسمع الإذاعة والتلفاز من دولة بعيدة ، وهذا الادعاء يكذبه سياق الآية ؛ إذ أنها معطوفة على ما قبلها ؛ وهو قوله تعالى : (وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ) فهو كلام عن الكفار يوم الفزع الأكبر ، وتوضح ذلك الآيتان اللتان قبلها ؛ قال تعالى (وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَكَانٍ بَعِيدٍ ) إذن معنى القذف بالغيب ليس وسائل الاتصال الحديثة ؛ وإنما معناه الرمي بالظن ؛ ومثله قوله تعالى في سورة الكهف : (رَجْمًا بِالْغَيْبِ) وقد كان الكفار يرمون بالظن في الدنيا ؛ فيقولون : لا بعث ولا نشور
                ومن ذلك أيضاً ادعاء بعضهم أن قوله تعالى : (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ) يدلّ على ما هو مقرر في علم النيات من دور الرياح في تلقيح النبات ؛ إذ تحمل هذه الرياح مادة الذكورة حيث تلتقي بمادة الأنوثة فيكون الإخصاب ، وهذه حقيقة علمية صحيحة ، ولكن هل الآية تدل عليها؟ لا ، لأن السياق لا يتناول النبات وإنما يتحدث عن السحاب وتلقيحه ؛ لا تلقيح النبات ؛ ولهذا ذكر الله تعالى إنزال الماء بعد وصف الرياح بأنها (لَوَاقِحَ ) فقال: (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ) وصحيح أن هنالك علاقة وطيدة بين إنزال الماء والنبات ؛ إلا أن الآية ذكرت سقي هذا الماء للناس لا إنبات النبات به . ولما كان السياق يشير وبصورة مباشرة إلى تلقيح السحاب فإن هذا المعنى تعضده آيات أخرى تم فيها ربط الرياح بالمطر ؛ نحو قوله تعالى : (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) وقوله : (وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا) وقوله : (اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاء كَيْفَ يَشَاء وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ) وقوله (وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) ، وهذا التلقيح المذكور في الآية والذي تقوم به الرياح بين السحب على ثلاثة أنواع هي : تلقيح السحب الحارة بالباردة الأمر الذي يزيد التكاثف ؛ فينتج عند ذلك نزول المطر ، أما النوع الثاني فهو : تلقيح السحب ذات الشحنة الموجبة بالسحب ذات الشحنة السالبة ؛ فيحدث التفريغ الذي ينتج الشرر الكهربائي أو الرعد ، ويتمدد الهواء من جراء هذا التفريغ فينتج صوت الرعد، ؛ وفي هذه الحالة يكون المطر مصحوباً بالبرق والرعد ، أما النوع الثالث فهو: تلقيح الرياح للسحاب بنويات مكونة من الأملاح والاكاسيد والأتربة ، وهذه النويات ضرورية في التكاثف ؛ إذ يتجمع عليها جزئيات بخار الماء ؛ فتصير نقطاً نامية داخل السحب ، وهذا النوع الأخير أخذت منه فكرة ( المطر الصناعي ) ؛ إذ تقوم بعض الطائرات برش السحب المكونة أصلاً ببعض المواد التي تعمل كنويات يتكاثف حولها المطر فينزل.

                تعليق


                • #9
                  2/ مراعاة الترابط القرآني:-
                  إن القرآن شديد الترابط والانسجام ؛ فمقيده يقيد مطلقه وخاصه يخصص عامه ، وليس ذلك فحسب بل إنه يفسر بعضه بعضاً ؛ فربّ مفردة أو عبارة لم يُفهم معناها فلما رُجع إلى ما يفسرها من آيات أخرى _ اتضح المعنى وفهم المقصود ؛ ومن ذلك على سبيل المثال أن الصحابة رضوان الله عليهم قد أشكل عليهم لفظ ( الظلم ) في قوله تعالى : (الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ) فقالوا : أينا لم يلبث إيمانه بظلم فأرجعهم النبي إلى قوله تعالى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) ففسر الظلم بالشرك ، وقد أورد البخاري ذلك في (باب ظلم دون ظلم) ولهذا فإنه قد اتضح أن المقصود بالظلم في الآيتين هو الشرك وذلك بخلاف الظلم في مواضع كثيرة أخرى من القرآن .
                  ومن ذلك أيضاً في مضمار الإعجاز العلمي لفظ " الضلال " في قوله تعالى -في آية الدين - : (وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى) ومن الملاحظ أن الآية الكريمة قد عدلت إلى (الضلال) كمقابل للتذّكر (تَضِلَّ ... فَتُذَكِّرَ) بدلاً عن (النسيان) ؛ ليفيد معنى دقيقا خاصا ؛ ومعلوم أن مفهوم (الضلال) في القرآن مفهوم واسع ؛ فهو يكون أحياناً ضد الرشاد والهدى ؛ ومنه قوله تعالى: (قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاء بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ) ، والضلال عن الشيء : الذهاب عنهومنه قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا ) و الضَلال : موت الإنسان فيدفن حتى يصير تراباً ويختلط بالأرض فلا يتبـيَّن شيء من خَـلْقه ؛ ومنه قوله تعالى: (وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) ؛ ومعناه أَإِذا متنا وصرنا ترابا وعظاما فـي الأَرض فلـم يتبـين شيء من خَـلقنا أما الضلال في الشهادة فهو حالة مختلفة نوعا ما عن النسيان وإن كان بقاربه ؛ يقول القرطبي : (الضلال عن الشهادة إنما هو نسيان جزء منها وذكر جزء ويبقى المرء حيران بين ذلك ضالا ، ومن نسي الشهادة جملة فليس يقال : ضل فيها ) وهذا الضلال المقارب في معناه للنسيان هو بمعنى الالتباس الذهني ؛ ومنه قوله تعالى: (لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى) ؛والألفاظ لا تترادف ، وسياق الآية يثبت أن الضلال الذهني غير النسيان ؛ وقد أجرى أحد الباحثين بجامعة الجزيرة دراسة سيكولوجية مطولة في قوله تعالى (أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى) فأثبتت الدراسة الآتي :
                  1- هنالك فروق جوهرية بين الذكر والأنثى في عملية التذكر ؛ فربما فاق الرجل المرأة في بعض الحالات وفاقته في أخرى .
                  2- في الأرقام بالذات ( والدين أرقام ) إما أن يتذكر الرجل الأرقام بدقة أو يعترف بالنسيان ، وليس هنالك من موقف ثالث كما هو عند المرأة التي قد تستبدل رقماً بآخر في بعض الأحيان ثم تصر عليه ؛ وهي حالة الالتباس والاختلاط الذهني التي وصفها القرآن بـ"الضلال" ؛ وهي ليست تذكرا ولا نسيانا ؛ وقد أرجع الباحث ذلك إلى فروق في الخلايا الدماغية لدى كل من الرجل والمرأة

                  تعليق


                  • #10
                    3/ عدم مخالفة المقاصد العامة:
                    جاء القرآن الكريم والسنة المطهرة بأحكام وأوامر جليلة ؛ وقد عكف الفقهاء والأصوليون على دراسة هذه الأحكام قروناً طويلة ؛ فتبين لهم _ بعد طول دراسة _ أن هذه الأحكام مبنية على أسباب وعلل ومصالح ؛ فقاموا باستقراء علل الأحكام هذه ؛ فتجلّت لهم المقاصد العامة للشريعة الإسلامية ؛ وهي على الأشهر كالتالي: "حفظ الدين وحفظ النفس وحفظ العقل وحفظ النسل وحفظ المال"ولهذا فإن كل حكم تم استخراجه بالقياس أو الاجتهاد فخالف هذه الأصول الكلية فهو مردود ، إذ أن هذه الأصول الكلية تمثل الإطار العام للشريعة ؛ فما خرج عن ذلك الإطار فليس جزءً من هذه الشريعة .
                    وقد وجد العلماء أن هنالك أحاديث موضوعة مكذوبة على النبي تخالف مقاصد الشريعة ؛ ولعل أظهر دليل على كونها موضوعة مكذوبة هو هذه المخالفة ؛ وهي مخالفة لأكثرية أحكام القرآن والسنة ؛ ومن ذلك على سبيل المثال ما جاء عن الزهد الشديد في البنين ببعض الأزمنة ؛ نحو : ( لو ربى أحدكم جرو كلب خير له من أن يربي ولداً ) الذي ذهب بدر الدين العيني إلى أنه لا التفات إليه لأنه موضوع، فلا يمكن مثلاً أن يحاول أحد من الباحثين في الإعجاز العلمي أن يأخذ شيئاً من هذه الأحاديث ؛ فيربط مثلاً بينها وبين نظرية مالتوس أو أن يفهم قوله تعالى : ( وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ) وقوله : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ) فهماً جزئياً مغلوطاً فيزهّد في البنين كما زهّد مالتوس ، وكل ذلك مردود ؛ فالحديث موضوع باطل وفهمه للآيات مغلوط والنظرية متهافتة ، وكل ذلك مخالف لعموم القرآن والسنة. وقد ذهب توماس روبرت مالتوس في نظريته هذه إلى أن النمو السكاني يتم بموجب متوالية هندسية، بينما يتزايد معدل إنتاج الغذاء -المعبر عنه اقتصاديا بالناتج المحلي الإجمالي– بموجب متوالية عددية ، وقد ذهب مالتوس إلى أنه طالما أن الموارد الاقتصادية بطبيعتها نادرة ومحدودة مهما أدخلت عليها من تحسينات وإضافات رأسية أو أفقية _ فإن من الطبيعي أن يأتي وقت ما لا تجد فيه الأعداد المتزايدة والمتكاثرة من البشر كفايتها الحدية من إنتاج الموارد الاقتصادية طالما تعدت نسبة النمو السكاني نسبة النمو في الناتج المحلي السنوي، ومعنى ذلك أن سبب الفقر هو البشر الذين يتكاثرون بسرعة كبيرة جداً ؛ ولأجل ذلك اقترح مالتوس تخفيض الولادات أو العقم كوسيلة لتحسين أوضاع الفقراء. وقد حاول علماء اجتماع غربيون متعددون ؛ أمثال”فوفت” - بناء على المالتوسية - إثبات أن الحروب والكوارث والأوبئة هي الوسيلة المثلى لتحسين الظروف البشرية ؛ لأنها تقضي على فائض السكان ؛ وبذلك تؤدي الحروب والأوبئة وظيفة اجتماعية ممتازة ، وذهب آدم مورد (Adam Moord) إلى وجوب حرمان الفقراء من المسكن ؛ لإيقاف عملية تزايدهم ، ولكن رغم كل ذلك إلا أن نظرية تحديد النسل هذه إنما هي نظرية أحادية الجانب تبحث في جزء ضيق من الواقع وتغفل عوامل أساسية كثيرة فيه ؛ ولهذا واجهت هذه النظرية العديد من الحجج التي تدخضها ونهدم أبنيتها ؛ ومن ذلك رد (ميشيل توماس سادلر) الذي نشر مؤلفاً من مجلدين تحت عنوان (قانون السكان)، وفد جاء ثلث هذا المؤلف لمعارضة هذه النظرية التي تغفل الجانب العمري للسكان ؛ فالعلاقة التي حددتها نظرية مالتوس قائمة على حركة نمو المجتمع وثبات إنتاج الغلة، وهذه علاقة غير حقيقية ؛ إذ أن إنتاج الغلة قائم على عدة عناصر متحركة وليست ثابتة، هذا فضلا عن التوسع في استغلال الأراضي والمياه والبذور وقوة الإنتاج وساعات العمل .كما أن للتطور العلمي في وسائل الإنتاج دوره الواضح في تحسين الغلة والإنتاجية. وقد رأى البعض أنّ التزايد السكاني ظاهرة إيجابية في الإنتاج ؛ إذ أن زيادة عدد السكان هي التي تخلق زيادة في الإنتاج وليس العكس ، ولهذا فإنّ تحديد النسل يعدّ بداية لمشكلة الإنتاج، وليس حلاً لها ؛ ولذلك ذهبوا إلى رفض فكرة تحديد النسل رفضاً قاطعاً. وقد جاء في القرآن أن على الله رزق كل إنسان أو حيوان ؛ فالموارد غير نادرة، والرزق ليس بضيق ؛ إذ أن الله لما خلق الأرض ـ بارك فيها وقدّر فيها أقواتها وخلق للإنسان ما فيها جميعا وسخره له وسخر له الأنهار والبحار التي هي ثلاثة أرباع الكرة الأرضية وما فيها من أشياء وأحياء ، وعلى أساس هذا الضمان كانت دعوة النبي أمته إلى التكاثر : ( تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم ) وكان ينهى عن التبتل وعدم الزواج نهيا شديدا ؛ لأن كثرة النسل تقوي الأمة ، والحق أن تجارب الدول الغربية تؤكد بطلان نظرية مالتوس ؛ إذ تضاعف سكان أوربا منذ أن صدع (مالتوس) بنظريته هذه عدة مرات، ولم يسبب ذلك المسغبة أو المجاعات التي كان ينذر بها ، بل على العكس من ذلك تماما ؛ إذ زاد الإنتاج حتى بلغ الفائض من الطعام حدا جعل الحكومات تقوم بحرق الفائض منه أو تنبذه في البحر حتى لا ينخفض السعر في السوق العالمي ، ولأجل ذلك أصبحت دول كثيرة تدعو إلى زيادة النسل. وفكرة مالتوس المتهافتة هذه والتي تدعو إلى تخفيض الكثافة السكانية بالإجهاض والعقم بل وبالحروب أيضاً كما هو الأمر عند ”فوفت” لا يوافقها إلا تلك الفكرة البدائية التي عابها القرآن على أهل الجاهلية فقال :( وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءًا كَبِيرًا) بل من الواضح جداً أن المالتوسية لهي أكثر شناعة من الفكرة الجاهلية نفسها .

                    تعليق


                    • #11
                      ب- التناسب الخارجي:-
                      هذا التناسب يختلف عن التناسب الداخلي ، إذ أن التناسب الداخلي إنما هو تناسب عناصر معينة داخل القرآن ، أما هذا النوع من التناسب فيقصد به في هذا المضمار تناسب المعاني القرآنية مع عناصر أخرى خارج النص القرآني نحو الحوادث التي نزلت فيها الآيات أو الحقائق الواقعية التي يراد إثبات انطباق المعاني القرآنية عليها ، وهذا التناسب الخارجي شديد الأهمية في دراسة الإعجاز العلمي ؛ إذ أن إغفاله يودي أيضاً إلى الخطأ في إثبات هذا الإعجاز ، وتفصيل ذلك كالآتي:-

                      تعليق


                      • #12
                        / مراعاة مقتضي الحال وأسباب النزول:-
                        من الأمور المهمة جداً في محاولة إدراك المعاني القرآنية ـ عند معالجة الإعجاز العلمي ـ مراعاة الحال الذي لا يمكن فهم الكلام فهماً سليماً بدونه ، وما ذاك إلا لأن الكلام يختلف اختلافاً بيناً بحسب الأحوال والوقائع ، واستحضار المقام يتم بأمور ؛ منها معرفة أسباب النزول ؛ يقول ابن تيمية : ( معرفة أسباب النزول تعين على فهم الآية ؛ فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب) ويقول ابن دقيق العيد: (بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن) ويقول الواحدي : ( لا يمكن تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان سبب نزولها ) ويقول السيوطي عن هذا العلم: ( من فوائده الوقوف على المعنى و إزالة الإشكال) ويقول أيضاً : ( وقد أشكل على جماعة من السلف معاني آيات حتى وقفوا على أسباب نزولها فزال عنهم الإشكال)
                        وليس معنى التركيز على أسباب النزول قصر الآية على الواقعة التي نزلت بها ؛ إذ أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ؛ أي أن المعنى يتعدى إلى الوقائع المشابهة ، إلا أن معرفة أسباب النزول تعصم عن تعدي المعنى إلى الوقائع غير المشابهة ؛ ولهذا كانت شديدة الأهمية في هذا المضمار ؛ فمعرفة أسباب النزول تمنع من إقحام المعنى غير المناسب في الآية ؛ ومن ذلك تفسير الكواكبي لقوله تعالى : (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ) بأنه يشير إلى أن القمر قد انشق وانفتق من الأرض كما أثبت العلم الحديث ، ولكن سبب النزول ينفي ما ذهب إليه الكواكبي من معنى ، كما أن الآية التي تلي تلك الآية التي استشهد بها مباشرة تؤكد أن الكافرين قد رأوا هذه الحادثة رأي العين ولم ينفوها ؛ بل زعموا أنها ضرب من ضروب السحر ؛ لئلا يعترفوا لمحمد بالنبوة وبما أتى به من معجزات ؛ قال تعالى : (وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرّ)ٌ؛ أي : سحر مطرد كغيره من الأمور التي جاء بها من قبيل السحر
                        وعن عبد الله بن مسعود أنه قال ـ في هذه الآية ـ : (بينما نحن مع رسول الله بمنى إذا انفلق القمر فلقتين ؛ فكانت فلقة وراء الجبل وفلقة دونه ؛ فقال لنا رسول الله : أشهدوا)
                        ويقول ابن كثير : (قد اتفق العلماء مع بقية الأئمة على أن انشقاق القمر كان في عهد رسول الله ، وقد وردت الأحاديث بذلك من طرق تفيد القطع عند الأمة) وبعد هذا الانشقاق ـ الذي هو معجزة ظاهرة لم يختص بها أهل مكة بل جميع أهل الآفاق ـ قال الكفار : لئن كان سحرنا فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم ؛ فاسألوا من يأتيكم من بلد آخر هل رأوا هذا ؛ فسألوهم فأخبروهم أنهم رأوا مثل ذلك ، وليس ذلك فحسب بل هنالك من الأدلة العلمية ما يؤكد وقوع هذه المعجزة

                        تعليق


                        • #13
                          2/ دقة الربط بين الحقائق العلمية والمعاني القرآنية:-
                          سبق أن القرآن وعالم الحس متوافقان كل التوافق ولا يمكن أن يتناقضا إطلاقا ؛ إذ أن القرآن كلام الله والكون خلق الله ؛ ولا يمكن أن يناقض كلام الله تعالى خلقه ؛ وليس معنى موافقة القرآن لعالم الحس موافقته بالضرورة لمعطيات العلوم الطبيعية التي لا زالت تتدرج في إدراكها لعالم الحس نحو اليقين ، ولما كان الأمر كذلك _ فإنه يجب التعويل في هذا المضمار على الحقائق الثابتة يقيناً لا على معطيات العلم التي لم تثبت ولا على الفرضيات والنظريات ، وإذا وجب الاعتماد على الحقائق الثابتة فإن ذلك الأمر أيضاً تكتنفه عدة أمور وهي :-
                          ـ يجب أن يكون الاستنباط من القرآن صحيحاً ؛ إذ أن فهم الإنسان للقرآن قد يكون قاصراً في بعض الأحيان ، والفهم الصحيح كما هو معلوم له شروطه وضوابطه وأدواته
                          ـ يجب أن تكون الحقيقة العلمية التي يُعتمد عليها في الإعجاز العلمي ثابتة لا يتطرق إليها الشك وليست مبنية على الفرضيات كما يجب على الباحث في هذا الشأن أن يكون عالماً بطبيعة هذه الحقائق ومتعمقاً في التخصص .
                          ـ إذا صحت الحقيقة وصحّ الاستنباط من القرآن فهنالك عنصر ثالث وهو دقة الربط بين المعنى القرآني والحقيقة العلمية ؛ وهذا يجب أن يتم بصورة صحيحة
                          ومن الملاحظ أن بعض الباحثين في الإعجاز العلمي يستنبط معنى صحيحاً من القرآن ثم يأتي بحقيقة علمية صحيحة أيضاً ، إلا أنه بعد ذلك كله لا يحسن الربط بينهما ؛ حيث لا رابط منطقي مباشر بين الأمرين الصحيحين ؛ فيجنح الباحث عندئذ إلى الإسهاب والتطويل وتمطيط معنى الآية حتى يدخل في إطار الحقيقة العلمية ؛ فيتفقان حيث لا اتفاق ويرتبطان حيث لا ارتباط ؛ فيظهر التكلف الواضح ويتعب الذهن في إدراك هذا الربط الذي لم يتأت إلا بمجهود كبير ومشقة بالغة من قبل الباحث أيضاً ؛ فيكون هذا الربط مجرد إشارة بعيدة ، وربما ذهب بعض الباحثين إلى التقاط مفردة وردت في آية من آيات القرآن وهذه المفردة تدخل في تخصصه ؛ فيطيل الحديث ويورد كل ما يعرفه من حقائق علمية عن هذه المفردة ؛ فيتحول البحث إلى بحث علمي مجرد لا علاقة له بالقرآن إلا من حيث ورود هذه المفردة في جملة من جمله أو عبارة من عباراته ، وهذا ليس من الإعجاز العلمي في شيء ؛ إذ أن القرآن العظيم لم يشر إلى تلك الحقائق التي أوردها إطلاقا ، ومعلوم أن الإعجاز العلمي يسعي إلى إثبات صدق الحقائق القرآنية بالنظر إلى تحقق معنى هذه الحقائق في عالم الحس بواسطة هذه العلوم ، وذلك المسعى الذي أشرنا إليه لا يدخل في هذا الإطار إطلاقا ، ولا شك أن طغيان المادة العلمية على الإشارة القرآنية _ بمفردة واحدة _ يعدّ إظهاراً للحقائق العلمية المجردة لا إظهارا للإعجاز القرآني ؛ كما يعدّ هذا التفسير تفسيراً للظواهر الكونية لا تفسيراً للقرآن أو بياناً لمعناه حيث يراعي تفاصيل الحقائق العلمية ولا يراعي معنى الآية ودلالاتها .
                          ومن أمثلة الربط المتكلّف بين معنى من معاني القرآن وبعض الحقائق العلمية ما فعله صاحب الجواهر الذي استدل بقوله تعالى : (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) ثم انطلق في بيان ما لحاستي السمع والبصر من دقة في التركيب وتكامل في الوظائف ؛ الأمر الذي يؤكد – عنده – أن هذه الآية معجزة في دلالاتها ، والحق أن هذه الآية لم تتناول حاستي السمع والبصر ؛ ولم تشر لهما ولا أشارت لذلك الآية التي قبلها ولا التي بعدها أيضاً ، وإنما جاءت هذه العبارة بعد الحديث عن مراحل تطور الجنين ، وتمام الآيات كالآتي : (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) ولا علاقة لذلك بحاستي السمع والبصر إلا بصورة بعيدة لم تتطرق إليها الآية الكريمة أصلا ، وعبارة (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) شديدة الارتباط بما ذكر من مراحل تطور الجنين ، ويسمى ذلك في البلاغة بالتوشيح ؛ وهو أن يكون أول الكلام نفسه يدل على آخره ويُعلم هذا الآخر قبل ذكره ؛ فينزل المعنى عندئذ منزلة الوشاح ويسمى أيضا بالمطمع ؛ لأن أوله مطمع في آخره ؛ انظر إلى عبارات (الخلق) في الآية : (وَلَقَدْ خَلَقْنَا ... ثُمَّ خَلَقْنَا ......فَخَلَقْنَا ..... فَخَلَقْنَا ........ خَلْقًا ........ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) ؛ ولهذا يروى أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لما سمع صدر الآية إلى قوله : (خَلْقًا آخَرَ) قال : (فتبارك الله أحسن الخالقين) فقال رسول الله هكذا أنزلت .
                          وأغلب الظن أن الشيخ طنطاوي جوهري _ لما ربط بين هذه العبارة وبين السمع والبصر _ لم ينظر إلى هذه الآية ولا إلى سياقها ونظمها ؛ وإنما انصرف ذهنه إلى دعاء النبي عند سجوده في الصلاة: (اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت ، أنت ربي ، سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره تبارك الله أحسن الخالقين) ؛ إذ أن هذا الدعاء هو النص الوحيد الذي يربط بين تلك العبارة وبين السمع والبصر، ولو استدل جوهري بذلك لكان استدلاله مقبولاً .

                          تعليق


                          • #14
                            ثالثاً :مراعاة المستويات:-
                            إن القرآن – وإن كان إلهي المصدر – إلا أن الله تعالى يسره للبشر فخاطب جميع الناس على اختلاف مستوياتهم وثقافاتهم وعلومهم ومعارفهم ، فكان بذلك إدراكه على وجوه ، ومعلوم أن إدراك العلماء نفسه على درجات يعلو بعضها فوق بعض ، وكلما زاد علم الإنسان انفتح له من آفاق القرآن ما لم يكن منفتحاً ، إلا أن هذا الإنسان مهما أوتي من العلم فإن علمه يظل محدوداً بطاقاته وقدراته ، والعلم المعاصر يكتفي بالوقوف على الوصف الخارجي للظاهرة ؛ فما يهم العلم هو كيفية حدوثها لا كنهها ، ولهذا فإن هذا العلم يقوم بالتصنيف الصحيح والوصف الظاهري الدقيق ، ؛ أي : أنهم لا يريدون أن يعلموا إلا ظاهراً من الحسيات في هذه الحياة ، ولهذا ذهب فلاسفة العلم إلى أن العلم لا يحرز حقائق يقينية قاطعة وإنما يكفيه رجحان الصدق ، فعبارة ( حقائق علمية ) لا تعني أنها تمثل واقعاً موضوعياً يصف العالم وإنما هي في نظر العلم كذلك فحسب، ومن هنا يبرز نوعان من المستويات يجب مراعاتهما عند دراسة الإعجاز العلمي ؛ وهما :-
                            أ/ المستوى القرآني
                            ب/ مستوى العلوم البشرية
                            وتفصيل ذلك كالآتي:-

                            تعليق


                            • #15
                              أ‌- المستوى القرآني:-
                              معلوم أن القرآن العظيم فائق لملكات البشر ومقدراتهم ومهاراتهم وعلومهم ومعارفهم وأفكارهم ، ولو لم يكن الأمر كذلك لم يكن لادعاء الإعجاز بوجوهه كلها من معنى ، ولهذا كان من شأن مراعاة المستوى القرآني أن تعصم من الزلل في معالجة الإعجاز العلمي ، ومعلوم أن هنالك في القرآن أموراً غيبية لا يمكن للعلم الراهن بأدواته الحسية أن ينالها ، إذ أن هذا العلم البشري قاصر عن إدراك مثل هذه العناصر ، وليس ذلك فحسب بل هنالك أمور حسية أيضاً ذكرها القرآن وهي رغم حسيتها بعيدة المنال ويصعب على العلم الراهن إدراكها ، ولأجل ذلك فإن العلم القرآني المعجز يبقي دائماً فوق العلم البشري مهما تطورت أدواته وتوسعت آفاقه ، وتفصيل ذلك كالآتي:-
                              1/ تجنب القضايا التي لا يمكن أن ينالها العلم:-
                              تناول القرآن العظيم قضايا تتعلق بعالم الشهادة وأخرى تتعلق بعالم الغيب ، فالقضايا التي تتعلق بعالم الشهادة والحس يمكن أن يتناولها العلم فتثبت بصورة يقينية في بعض الأحيان فيكون إثباتها إعجازاً علمياً وبياناً لصدق الحقائق القرآنية ، أما القضايا التي تتعلق بعالم الغيب كالأمور المتعلقة بالله واليوم الآخر مما لا مدخل لعالم الحس فيه فلا يمكن محاولة إقحام الإعجاز العلمي فيها ، وذلك نحو محاولة بعضهم حساب القيامة حساباً فلكياً ونحو تفسير مظاهر يوم القيامة بالمقاييس الفلكية ونحو تفسير العرش والكرسي ببعض الأجرام السماوية وغير ذلك .
                              ولا يعترف العلم المعاصر إلا بما تدركه الحواس أما أمور الغيب ونحوها مما تحفل به الأديان فهي بلا معنى في نظره ، وقديماً ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى مناقشة الفلاسفة الطبيعيين في هذا الأمر ؛ فذكر أن كلامهم في الأمور الحسية جيد في الغالب ، أما الغيبيات والكليات والإلهيات فكلامهم فيها قاصر جداً وفيه تخليط كثير إذ أنهم لا يعرفون إلا الحسيات وبعض لوازمها وما لا يشهده الإنسان من الموجودات أعظم قدراً مما يشاهده ؛ ولهذا كان هولاء : ( إذا سمعوا إخبار الأنبياء بالملائكة والعرش والكرسي ـ وهم يظنون أن لا موجود إلا ما علموه ـ نفوه ؛ وليس لهم بهذا النفي علم ؛ فإن عدم العلم ليس علماً بالعدم ، ولكن نفيهم هذا كنفي الطبيب للجن ؛ لأنه ليس في صناعة الطب ما يدل على ثبوت الجن ؛ وإلا فليس في علم الطب ما ينفي وجود الجن ، وبنو آدم ضلالهم فيما نفوه وجحدوه بغير علم أكثر من ضلالهم فيما أثبتوه وصدقوا به قال تعالى : "بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ" ؛ وهذا لأن الغالب على الآدميين صحة الحس والعقل ؛ فإذا أثبتوا شيئاً وصدقوا به كان حقاً عندهم )
                              ورغم أن العلم المعاصر يتقاصر عن إدراك الحقائق الغيبية التي ذكرها القرآن إلا أن بعض القضايا الغيبية لها مداخل حسية تثبتها ؛ ولذلك يمكن للإعجاز العلمي تناول هذه المداخل الحسية دون تناول القضايا الغيبية في ذاتها ، ومعلوم أن وجود الله تعالى وهو أكبر حقيقة غيبية تثبتها _ ضرورة _ حقائق حسية كثيرة جداً ، ويمكن للعلم تناول هذه الحقائق الحسية لإثبات وجود الله تعالى بلا خلاف .
                              ومن القضايا الغيبية التي لها مداخل حسية تثبتها فتناولها الإعجاز العلمي قوله : (إذا سمعتم أصوات الديكة فإنها رأت ملكا فاسألوا الله وارغبوا إليه ، وإذا سمعتم نهاق الحمير فإنها رأت شيطانا فاستعيذوا بالله من شر ما رأت) وذكر بعض المشتغلين بالإعجاز العلمي أن هذا الحديث الصحيح تؤيده حقائق علمية ؛ إذ ثبت الاختلاف الشديد بين رؤية الديك و رؤية الحمار ؛ فالديك يرى ( الأشعة البنفسجية) والحمار يرى ( الأشعة تحت الحمراء ) . والملك مخلوق من نور ( الأشعة البنفسجية ) وتركيب عين الديك تمكنه من رؤية هذه الأشعة كما ثبت علمياً ، أما الجان فمخلوق من نار ( الأشعة تحت الحمراء ) وتركيب عين الحمار تمكنه من رؤية هذه الأشعة.
                              2/ مراعاة السقوف المعرفية:-
                              معلوم أن القرآن قد جاء ميسراً لكل الناس ، فهو سهل التناول من جهة وبعيد الغور من جهة أخرى ؛ فهو لذلك يخاطب كل الناس على اختلاف مستوياتهم ، ولهذا يفهمه العامي كما يفهمه العالم ؛ إلا أن فهم العالم _ بطبيعة الحال _ أعمق بكثير من فهم العامي كما هو معروف ؛ وما ذاك إلا لأن المعاني القرآنية في نفسها سهلة عميقة جداً ؛ وهذا سر من أسرار القرآن.
                              والحق أن اختلاف العصر وتنوع الأدوات التفسيرية ذات أثر بيّن في فهم معاني القرآن ؛ ولهذا يقول الزركشي : (من كان حظه في العلوم أوفر كان نصيبه من علم القرآن أكثر) ، ويقول ابن حزم : (على من قصد التفقه في الدين أن يستعين على ذلك من سائر العلوم ، وحاجته إليها في فهم كلام ربه تعالى وكلام نبيه ) وما ذاك إلا لأن القرآن شديد العمق ويتعلق بكافة العلوم ، والقرآن كما ذكرنا سابقاً يتعلق فهمه بكل الناس ؛ وإن كان فهم العلماء أكثر عمقاً، ولهذا ذهب ابن عباس إلى تقسيم هذا الفهم على أربعة أنواع :
                              ـ وجه لا يعذر أحد فيه بجهالته
                              ـ وجه تعرفه العرب من كلامها
                              ـ وجه يعلمه العلماء
                              ـ وجه لا يعلمه إلا الله
                              ففهم العلماء _ بناء على هذا التصنيف _ يشتمل على فهم العرب المبني على قانون كلامهم وأساليبهم كما يشتمل على فهم الكافة البسيط؛ ثم أن فهم العلماء هذا يتجاوز فهم هذين النوعين بإضافة عمق آخر ، ومن الملاحظ أن كل فهم من هذه الفهوم يشتمل على الفهوم السابقة ويتجاوزها ، وسوف نركز في هذا المضمار على فهم العلماء.
                              ومعلوم أن فهم العلماء مقيد بقانون اللغة وقواعد العرب، ولهذا فإن من شروط هذا الفهم أنه يجري على قانون اللغة ويحتمله النظم والسياق، وفهم العلماء نفسه يتطور بتطور العلوم ويزداد المعنى القرآني وضوحاً بقدر زيادة العلوم والأدوات التفسيرية ؛ ولهذا كان فهم العلماء نفسه على درجات، وتنقسم هذه الدرجات بحسب اختلاف السقوف المعرفية لدي العلماء ، ومعلوم أن المتخصص في علم من العلوم يتنبه إلى ما لا يتنبه إليه غير المتخصص من الحقائق القرآنية التي تدخل في إطار ذلك التخصص ، وبذلك يزداد المعنى القرآني وضوحاً ويزداد الفهم عمقاً ويزداد ذلك العمق كلما تطور العلم، فليس الفهم متوقفاً على القدماء أو المعاصرين ؛ بل سوف يأتي بلا شك من هو أبعد سقفاً من المعاصرين في المستقبل ؛ ولهذا لا يجوز لمن علم وجهاً من وجوه التفسير أن يزدري الفهوم السابقة، وليعلم أن اكتشافه هذا ما هو إلا درجة من درجات الفهم ،
                              ومعلوم أن وجوه التفسير _ عند العلماء الأقدمين _ مختلفة متباينة ، ويجوز للمعاصر أن يأخذ منها ما يرجحه ، ويجوز له أيضا أن يخالفها جميعاً إن التزم بالضوابط والمعايير . أما ما أجمع عليه المفسرون فيجب أن لا يُسارَع في نقضه وبيان بطلانه ، والحق أن إجماع العلماء والمفسرين غالباً ما يكون هو دلالة القرآن الواضحة ، وما دل عليه القرآن بصورة قاطعة لا تقبل التأويل لا يمكن تكذيبه بمعطيات العلوم الطبيعية ولا بغيرها، ومن المعلوم أن هنالك حقائق قرآنية لم يصل إليها العلم ؛ وذلك نحو السموات السبع والأرضيين السبع التي قال تعالى فيها : (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) فلا يمكن قبول رأي العلم في هذه السماوات التي يتعسر عليه إدراكها، حيث يذهب العلم الحديث إلى أن هنالك فضاء لا نهائي وليس وراءه إلا الفضاء أيضاً ؛ ولهذا ذهب بعض من نظر في الإعجاز العلمي إلى السماء في قوله تعالى : (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ) فقال هي المجموعة الشمسية كلها والتي يجمعها الله تعالى يوم القيامة ؛ وهذا وجه من التفسير مرفوض، لأن الآية لم تتناول المجموعة الشمسية ؛ وإنما تناولت السماء التي تطوي طياً حسياً يوم القيامة .والسماء بهذا المعنى _ لفرط اتساعها وبعدها وسموها _ من الاستحالة بمكان أن يدركها العلم إلا تنظيراً ورجماً بالغيب والظن ، ويلاحظ الباحث أن هذه الآية الوحيدة التي ذكر فيها الأرضون السبع _ وذكر فيها السماوات السبع التي ذكرت في مواضع أخرى أيضا _ قد ختمت بإشارة لطيفة وهي: ( وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) ليعلم الناس مدى قدرة الله وأن علمه محيط بهذه السماوات السبع والأرضين السبع وكل ما فيهن ؛ كأنما يشير إلى أن علمهم مهما بلغ فلا يمكن أن يحيط بذلك ؛ وليس ذلك فحسب بل إن التصور المعتاد للبشر لا يرقى إليه ؛ ولهذا قال ابن عباس عن هده الآية : (لو حدثتكم بتفسيرها لكفرتم ؛ وكفركم : تكذيبكم بها) وقد سأل رجل ابن عباس أيضا عنها فقال: (ما يؤمنك إن أخبرتك بها فتكفر) وإذا كانت هذه هي السماء فكيف ما فوقها ؛ يقول ابن مسعود : (ما السماوات السبع وما فيهن وما بينهن والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة)

                              تعليق

                              19,940
                              الاعــضـــاء
                              231,718
                              الـمــواضـيــع
                              42,466
                              الــمــشـــاركـــات
                              يعمل...
                              X