إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • #16
    ب/ مراعاة مستوى العلم البشري:-
    إن العلم البشري مهما تطورت أدواته وتوسعت آفاقه – فإن العلم القرآني فوقه على كل حال ، ولأجل ذلك لا يمكن في مضمار الإعجاز العلمي إنزال درجة مستوى العلم القرآني حتى يناسب العلم البشري الأدنى في كل الأحوال ، وإلا أدى ذلك إلى الزلل والخطأ ، وأدى إلى التكلف في حمل معطيات القرآن ومعانيه على حقائق العلم البشري الأدنى ، ولهذا يجب عدم تقويل القرآن من معارف البشر ما لم يقله وعدم تحميله من خبراتهم الحسية ما لم يحتمله وعدم حمله على فرضياتهم ونظرياتهم المختلفة وإن تدثرت تلك الفرضيات والنظريات بدثار العلم ، وتفصيل ذلك كالآتي:-
    1/ عدم التكلف في إثبات الإعجاز العلمي:-
    من الثابت في العقول أن القرآن ليس في حاجة للدفاع عنه بالباطل ؛ إذ أن الحق لا يدافع عنه إلا بالحق ، وسواء تضمن القرآن حقائق علمية أو لم يتضمنها فهو كلام الله وهو الحق المطلق والصدق التام الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، ولهذا فإنه لا يقبل في مضمار الإعجاز العلمي ما جاء بالتعسف والتكلف والتلفيق.
    ومن أمثلة هذا التكلف ما ذهب إليه الشيخ طنطاوي جوهري في تفسيره من أن عبارة ( وما بينهما ) في قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى) يدخل ضمنها عوالم السحاب والكهرباء وما يتصل بها من علوم طبيعية .
    ومن أمثلة ذلك أيضاً تفسير الإمام محمد عبده والشيخ عبد الرحمن الكواكبي للسجيل الذي تحمله الطير الأبابيل بأنه نوع من جراثيم الجدري أو الحصبة ؛ وأن هذه الطيور من جنس البعوض والذباب.
    ومن ذلك أيضاً تفسير الإمام محمد عبده للملائكة بأنها هي النواميس والأسباب الطبيعية أو القوى الطبيعية ، وسجود الملائكة لآدم (الإنسان) عبارة عن تسخير هذه القُوَى له حيث أنه ينتفع في ترقية الكون بمعرفة سنن الله تعالى في ذلك. أما إبليس واستكباره عن السجود ـ عند الإمام محمد عبده ـ فهو تمثيل لعجز الإنسان عن إخضاع روح الشر.
    ويُفسِّر الإمام محمد عبده (النفَّاثات) في قوله تعالى: (وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ) بأنها النمامون المقطِّعون لروابط الألفة المُحرقون لها بما يلقون عليها من ضرام نمائمهم، وإنما جاءت العبارة كما في الآية، لأن الله جَلَّ شأنه أراد أن يشبههم بأولئك السحرة المشعوذين، الذين إذا أرادوا أن يحلوا عقدة المحبة بين المرء وزوجه - مثلاً - فيما يُوهمون به العامة عقدوا عقدة ثم نفثوا فيها وحَلُّوها ؛ ليكون ذلك حلاً للعقد التي بين الزوجين. والنميمة تشبه أن تكون ضرباً من السحر ؛ لأنها تحوِّل ما بين الصديقين من محبة إلى عداوة بوسيلة خفية كاذبة ، والنميمة تُضَلِّل وجدان الصديقين كما يضلل الليل مَن يسير فيه بظلمته ، ولهذا ذكر (النفَّاثات) عقب ذكر الغاسق. ومن أجل هذا المعنى العجيب ذهب الإمام محمد عبده إلى إنكار الأحاديث الصحيحة التي جاء فيها سحر لبيد بن الأعصم للنبي .
    ومن أمثلة ذلك أيضاً تفسير الكواكبي لقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا) بأنه هو طريقة إمساك الظل أو التصوير الشمسي.
    ومن ذلك أيضاً ما ذهب إليه طنطاوي جوهري من أن قوله تعالى: (وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا) بأنه فيه إشارة إلى استخراج الفحم والبترول من الأرض وما كُشِف في مصر من آثار قدمائها.

    تعليق


    • #17
      2/ عدم تقويل القرآن ما لم يقله:-
      إن القرآن العظيم كتاب شامل لكافة حاجات الإنسان الدنيوية والأخروية ، ولهذا لا بد أن يكون كتاباً جامعاً لكل شيء سواء على الجملة أو التفصيل ؛ يقول عبد الله بن مسعود :(قد بُيِّن لنا في هذا القرآن كلّ علم وكلّ شيء ) ويقول الإمام القرطبي: (إن دلالة القرآن على كل العلوم دلالة مبيّنة مشروحة أو مجملة ) ويقول أيضاً: ( صدق خبر الله بأنه ما فرّط في الكتاب من شيء إلا ذكره إما تفصيلاً وإما تأصيلاً) ويقول ابن كثير : (إن القرآن مشتمل على كل علم نافع من خبر ما سبق وعلم ما سيأتي وكل حلال وحرام ؛ وما الناس إلا محتاجون إليه في أمر دنياهم ودينهم ومعاشهم ومعادهم) ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ( القرآن فيه ما لو جمع إليه علوم جميع العلماء لم يكن ما عندهم إلا بعض ما في القرآن ، ومن تأمل ما تكلم به الأولون والآخرون - لم يجد عند الأولين والآخرين من أهل النبوات ومن أهل الرأي كالمتفلسفة وغيرهم إلا بعض ما جاء به القرآن ، ولهذا لم تحتج الأمة مع رسولها وكتابها إلى نبي آخر وكتاب آخر) ؛ ولأجل ذلك قال ـ عن القرآن ـ :( لا يشبع منه العلماء ولا يملّه الأتقياء ولا يخلق على كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه)
      ولما كان الأمر كما سبق فإن القرآن العظيم قد اشتمل على كل علم ، وليس معنى ذلك أنه اشتمل على تفاصيل العلوم ودقائقها بالصورة التي يؤخذ ذلك منه بصورة مباشرة في كل الأحوال ، بل المقصود أنه تناول تفاصيل بعض العلوم وتناول الأطر العامة لبعض العلوم أيضاً ، فهذا الاشتمال يكون على الإجمال أحياناً وعلى التفصيل أحياناً ، إلا أن البعض قد فهم ذلك فهماً غريباً فحاول تحميل العبارات القرآنية كل معنى في العلم يلوح له ؛ فتم بذلك تقويل القرآن ما لم يقله
      وقد سبق أن القرآن مشتمل على كل علم ، إلا أن ذلك لا يعني احتواؤه على كافة تفاصيل العلوم ودقائقها ؛ إلا أن هذا الأمر قد اختلف فيه المعاصرون اختلافاً كبيراً ؛ فكان ذلك على النحو التالي:-
      ـ ذهب بعضهم إلى أن القرآن كتاب هداية بصورة عامة ؛ وليس كتاب علم ؛ ولا يحتوي على تفاصيل علم الكيمياء أو الطب أو الفلك ، والحق أن هؤلاء قد قصروا العلم على العلوم الطبيعية دون سواها من ناحية ثم أنهم لما رأوا أن القرآن لم يشتمل على تفاصيل هذه العلوم _ رفضوا كونه كتاب علم ، ولكن العلم _ بمفهومه الإسلامي الشامل _ يشمل هذه العلوم وغيرها ؛ وبذلك تغدو مفاهيم الهداية والعلم متداخلة إلى حد كبير ، وصحيح أن القرآن لم يشتمل على تفاصيل تلك العلوم ؛ لكنه أشار لبعضها وحدد أطراً كلية لبعضها ؛ فكونه كتاب هداية لا ينفي كونه كتاب علم ؛ وإن لم يحدد التفاصيل .
      ـ بالغ بعضهم لما رأى أن القرآن قد اشتمل على كل علم ؛ فحاولوا البحث عن تفاصيل تلك العلوم فحمّلوا القرآن ما لا يحتمل وقوّلوه ما لم يقله.
      وقد ذهب الشيخ طنطاوي جوهري إلى أن سبعمائة آية من كتاب الله قد اشتملت على عجائب الدنيا كلها ؛ وأن آيات محدودة منه قد احتلت فرعاً كاملاً من علم الرياضيات ، ولا يتردد الشيخ جوهري في الاستشهاد بعالم الأرواح واستحضارها في الولايات المتحدة وبمسائل في علوم الطب والكيمياء والجيولوجيا ، ويذهب إلى أنها علوم مكنونة في النص القرآني تنتظر من يرفع الحجب عنها ، ولا يقتصر الشيخ جوهري على ذلك بل يتناول عبارات ومفاهيم في غاية الغرابة نحو الأسرار الكيمائية في الحروف الهجائية ونحو ذلك. ويسعي الشيخ إلى بيان أنه ما من علم من العلوم المعاصرة إلا وقد وجد في القرآن ؛ فذكر الميكروبات والكهرباء والذرة والصواريخ والطائرات وغيرها ؛ فخالف قانون اللغة والسياق والنظم حتى حمّل القرآن ما لا يحتمله .
      ولما كان الأمر كذلك فإنه يجب عدم التلفيق وتقويل القرآن ما لم يقله بحمل الألفاظ القرآنية على تفاصيل العلوم الكونية بصورة متكلّفة ، وصحيح أن القرآن قد تناول العلوم الكونية إلا أنه يجب أن لا يُهتم بهذا الأمر في مضمار الإعجاز العلمي إلا بقدر ما اهتم القرآن به حتى يتبين بذلك مقصود الله تعالى من التعبير القرآني بالقدر المناسب الذي ليس فيه تكلف ولا تسرع.

      تعليق


      • #18
        3/ عدم التعويل على الفرضيات والنظريات العلمية:-
        إن ما يظهر في الكتب العلمية من معلومات ليس على شاكلة واحدة ؛ بل هو أمور تختلف اختلافاً بيناً فيما بينها ؛ ومنها الآتي:-
        1- الحقائق التجريبية التي ثبتت ثبوتاً قاطعاً واستبانت أبعادها وعرفت أسرارها.
        2- الحقائق التجريبية التي لم تثبت ثبوتاً قاطعاً وإنما هي قيد البحث والنظر.
        3- النظريات العلمية التي هي بناء ذهني يفسر أموراً طبيعية وليست لها أدلة تجريبية تثبتها أو تنفيها.
        4- الفرضيات التي هي تخمينات ممكنة عقلاً ، ويراد تصديقها تجريبياً أو تكذيبها.
        وهذه أمور يعرفها المتخصصون ويفرّقون بينها ، وهي إزاء الإعجاز العلمي ليست على شاكلة واحدة ؛ بل إن بعض هذه الأنواع مرفوض في معالجة الإعجاز العلمي ؛ أما المقبول منها فهو الحقائق الثابتة ثبوتاً قاطعاً ولا يتطرق إليها الشك ولا يزحزحها الارتياب.
        ولما كانت الحقائق القرآنية حقائق قاطعة ونهائية _ فإنه لا يمكن مقابلتها بغير الحقائق الثابتة في العلوم الطبيعية ، ولا يقبل في ذلك الحقائق غير الثابتة ولا الفرضيات والنظريات ، فالنظريات والفرضيات العلمية معرضة للتغيير والتبديل ؛ فإذا ربط بها تفسير الآيات القرآنية كان ذلك مما يثير البلبلة ، ولهذا يقول العقاد: ( نحن لا نحب أن نقحم الكتاب في تفسير المذاهب العلمية والنظريات الطبيعية ، كلما ظهر منها مذهب قابل للمناقشة والتعديل أو ظهرت منها نظرية يقول بها أناس ويرفضها آخرون ، ومهما يكن ثبوت النظريات المنسوبة إلى العلم - فهو ثبوت إلى حين لا يلبث أن يتطرّق إليه الشكّ ؛ ويتحيّفه التعديل والتصحيح . وقريباً رأينا من فضلائنا من يفسّر السموات السبع بالسيارات السبع في المنظومة الشمسية ، ثم تبيّن أن السيارات أكثر من عشر ، وأن الصغار منها تعد بالمئات ؛ ولا يحصرها الإحصاء )
        ومن أمثلة حمل المعاني القرآنية على النظريات التي ثبت فشلها علمياً حمل قوله تعالى: (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا) على نظرية دارون في النشوء والارتقاء ؛ تلك النظرية التي ليس لها من أساس وتخالف أخبار القرآن والتوراة والإنجيل في بدء خلق الإنسان ، وهي نظرية إلحادية لا تقوم على برهان ولا تنهض الأدلة لتأييدها ؛ وإنما تقوم على فلسفة افتراضية تحاول إثبات معطياتها بواسطة العلوم ، وقد فشلت في ذلك فشلاً تاماً وأخفقت أيما إخفاق في ذلك ، وهذه النظرية تفترض أن الحياة قد بدأت بكائن ذي خلية واحدة ثم تم تطوره على مراحل حتى جاءت الأسماك التي تكونت لها فيما بعد أقدام بدلاً عن الزعانف وخرجت للبر ؛ لتكوّن البرمائيات ثم الزواحف ثم الطيور ثم الثدييات التي تطورت بدورها حتى وصلت مرحلة القرد الغوريلا أو الشمبانزي ثم تطورت هذه القرود إلى الإنسان.
        وهذه النظرية رغم تهافتها الواضح – لها أهميتها الكبرى في الفكر الغربي _ ولذلك تعصّب لها أنصارها ؛ رغم أن العلم ما زال يحطم معطياتها تحطيماً ، وتتمثل أهمية هذه النظرية داخل الفكر الغربي في أنها تعضد الفلسفات الغربية العامة ؛ وهي فلسفات مادية إلحادية ؛ كما تفترض هذه النظرية وجود صراع قاس من أجل البقاء ، وهذا الصراع تزول معه الأشكال الأخرى الضعيفة غير الصالحة للبقاء وتبقى الأشكال الأخرى التي نجحت الصدفة في إبداعها بطريقة أكثر إحكاماً ، وقد اتخذ ذلك ذريعة في تبرير الاستعمار والتمييز العنصري بصورة علمية زائفة ، وقد ذكر دارون أن نظريته تواجه مصاعب عديدة وفيها من الثغرات ما يتمنى أن يجد له العلم حلاً ؛ إلا أن العلم خيّب ظنه ؛ إذ وجّه علم الوراثة وعلم التقسيم ضربة عنيفة لنظريته .
        والحق أن تلك الآية لا تشير إلى نظرية دارون من قريب ولا بعيد ، ومعلوم أن القرآن والإنجيل والتوراة تثبت حلق الله الفجائي للإنسان (آدم) بكافة خصائصه التكوينية من الطين الجماد لا من كائن حي آخر ، والنظرية تنفي ذلك ؛ ولو صح توافق الآية مع النظرية لتناقض كلام الله تعالى ، وهذا هو المستحيل بعينه . وخلق الله للإنسان _ بعد آدم _ أطواراً يعني : من نطفة ثم علقة ثم مضغة أي طوراً بعد طور إلى تمام الخلق ؛ وهذا تفسير ابن عباس وعكرمة وقتادة ويحيى بن رافع والسدي ومجاهد والضحاك وابن زيد ، وليس من علماء الأمة الكبار من فسرها بغير ذلك
        وخلق الإنسان طوراً بعد طور من نطفة ثم علقة ثم مضغة أمر قد ذكره القرآن وأثبته العلم أخيراً ، وقد زعم العلم المادي في أول أمره أن الإنسان يتكون من دم الحيض ؛ ثم غيّر رأيه ليقول إن الإنسان يخلق كاملاً "قزماً " في الحيوان المنوي على صورته الإنسانية الكاملة ، وفي القرن العشرين دحض التصوير كافة آراء العلماء وجاءت النتيجة كما قررها القرآن؛ يقول الله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ).وتبين هذه الآية كما يبين العلم أخيراً أن الإنسان يتكون على مراحل وأطوار هي: "مرحلة السلالة" والسلالة في اللغة هي انتزاع الشيء وإخراجه في رفق ؛ وقد تطلق في اللغة أيضاً على نوع من السمك طويل الذيل يشبه الحيوان المنوي إلى حد كبير ثم " مرحلة النطفة"والنطفة في اللغة هي القطرة ويتكون الجنين من قطرة ماء الرجل- بعد خروجها- وقطرة من ماء المرأة ، ثم " مرحلة العلقة"وتطلق العلقة في اللغة على دودة في الماء تمتص دم الحيوانات التي تلتصق بأجسامها ، وهذا الوصف والشكل منطبقان تماماً على الجنين في هذه المرحلة ثم "مرحلة المضغة"وتطلق المضغة في اللغة على شيء لاكته الأسنان وظهرت عليه آثارها ؛ وهذا الشكل يظهر في الجنين في اليوم الثالث عشر والرابع عشر وتظهر على هذا الجنين الفلقات ٍ“Somites”ومن المعلوم في العلم الحديث أن الجنين في هذه المرحلة تتشكل بعض أجهزته ويبقى البعض الأخر ليتشكل لاحقاً ؛ ولهذا قال تعالى : (مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ) ثم تأتي "مرحلة العظام" وفي هذه المرحلة يبدأ الجنين في أخذ المظهر الإنساني ثم "مرحلة الكساء باللحم" وفي الأسبوع الثامن تأتى هذه المرحلة التي تتناسق فيها الأعضاء بصورة أدق
        وبذلك أثبت القرآن أن الإنسان قد خلق منذ أول خلقه إنساناً لا حيواناً ، وأن التفضيل البشري لا يقوم على التطور واللون والجنس كما تدعي نظرية دارون ؛ وإنما يقوم على العمل والتقوى المكتسبة ؛ قال تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)

        تعليق


        • #19
          رابعاً : عدم التعويل على الأخبار الواهية:-
          معلوم أن في ثقافة البشر ـ مهما ارتقت حضارتهم ـ كثير من الأباطيل والأساطير والخرافات ، ولا تكاد تنجو من ذلك أمة أو يسلم شعب ، ففي التراث الإسلامي خاصة والتراث العالمي عامة بعض الأخبار التي لا توافق حقائق القرآن والسنة ولا أحكام العقل ومعطيات الحس والواقع وطبائع الأشياء ، ولهذا يجب التنبه وبشدة في مضمار الإعجاز العلمي لمثل هذه الأمور التي يمكن لبعض الباحثين الاستشهاد بها دون فحصها وتمحيصها ونقدها ، وينبغي للمشتغل بالإعجاز العلمي أن يكون دائم النقد فلا يقبل من معطيات التراث الإسلامي أو العالمي إلا ما قام دليله ونهضت حجته ، ولا يجوز أخذ الأخبار الواهية أو الأساطير والأباطيل والخرافات ، ولما كان مجال الإعجاز عموماً مجال تحدٍ وإثبات فإن من شأن إقحام هذه الأمور فيه أن تشوه هذا المجال تشويهاً شديداً ، ولما كان الأمر كذلك فإن الأخبار التي يمكن أن تدخل على المتعامل مع القرآن في مضمار الإعجاز العلمي على قسمين هما:-
          أ‌- الأخبار الواهية الداخلية
          ب‌- الأخبار الواهية الخارجية
          وتفصيل ذلك كالآتي:-

          تعليق


          • #20
            أ/ الأخبار الواهية الداخلية:-
            نقصد بالأخبار الداخلية الواهية تلك الأخبار التي لا أصل لها في تراث الأمة ، وهذه الأخبار شديدة الخطورة في الإعجاز العلمي وغيره إذا تم أخذها والاستشهاد بها ، وتنقسم هذه الأخبار في هذه الدراسة على قسمين هما :-
            1/ روايات القصّاص والإخباريين الواهية
            2/ الأحاديث الموضوعة
            وتفصيل ذلك كالآتي:-

            تعليق


            • #21
              / عدم الاعتماد على روايات القصّاص الواهية:-
              كان لعلمائنا الأقدمين مناهجهم في كتبهم ، وقد يجنح المؤلف منهم في تأليفه إلى منهج الرواية فيعزو الأقوال إلى قائليها والآراء لأصحابها دون تعليق ؛ وإن لم يكن مقتنعاً بهذه الأقوال
              ولاشك أن الأخبار التي لا يراعى فيها الموضوعية وأحكام العقل وطبائع الأشياء وكيفية وقوع الحوادث إنما هي أخبار مرفوضة ؛ ولا يجوز الاعتماد عليها ؛ ولهذا لا يمكن للعلماء أن ينقلوا الأقوال الشاذة من التفاسير وكتب التراث دون نقدها وبيان زيفها.
              ومن ذلك ما ذكره ابن كثير عن القصّاص المبالغين الذين ذكروا أن ذا القرنين تجاوز الشمس نفسها وصار يمشي في الظلام ؛ يقول ابن كثير : (من زعم من القصاصين أن ذا القرنين جاوز مغرب الشمس وصار يمشي بجيوشه في الظلمات مدداً طويلة فقد أخطأ بعد النجعة وقال ما يخالف العقل والنقل) وما ذلك إلا لاعتقاد هولاء القصاصين أن ذا القرنين قد بلغ المكان الذي تغرب فيه الشمس نفسه ، فلما اعتقدوا ذلك زادوا فيه فبالغوا ، وليس الأمر كذلك بحال.

              تعليق


              • #22
                2/ تجنب الأحاديث الموضوعة:
                الأحاديث الموضوعة التي وضعها بعض الناس ولم تثبت نسبتها إلى الرسول بوجه من الوجوه لا يعول عليها في الإعجاز العلمي ولا في غيره ، ولهذا فإنها لا تصلح دليلاً ولا يجوز البناء عليها ، وقد ألف علماء الإسلام كتباً جمعوا فيها هذه الأحاديث ليحذرها الناس
                وهذا النوع من الحديث لا يجوز الاستدلال به في مضمار الإعجاز العلمي ولو ثبتت صحة ما فيه بالتجريب فرضاً وهو أمر بعيد في الغالب ، فلا يمكن لباحث في الإعجاز العلمي مثلاً أن يستعين بحديث ( عليكم بالعدس فإنه مبارك يرقق القلب ويكثر الدمع ) و( الباذنجان لما أكل له ) و( والباذنجان شفاء من كل داء ) ، و مثله : ( الجوز دواء والجبن داء فإذا صار في الجوف صار شفاء )و :( بئس البقلة الجرجير من أكل منها ليلاً بات ونفسه تنازعه ويضرب عرق الجذام في أنفه )
                أما الحديث الضعيف ـ كما هو معروف ـ فهو أقوى بكثير من الحديث الموضوع ؛ إذ أن هنالك احتمال في نسبته إلى النبي ، ولكن لم تقو أدلة أهل العلم في نسبته إليه ، ولما كان مجال الإعجاز العلمي مجال تحد فإنه من الخطورة بمكان الاستشهاد فيه بغير الثابت ، ولهذا لا يجوز البناء على الأحاديث الضعيفة أيضاً إلا كأدلة معضدة لأدلة أخرى ؛ وإلا انفتح هذا الباب وجاء الناس بكل ضعيف وغريب فأنشئوا أسساً مهددة بالهدم والانهيار.

                تعليق


                • #23
                  ب ـ الأخبار الخارجية الواهية:-
                  نقصد بالأخبار الخارجية الواهية تلك الأخبار والأساطير التي جاءت إلى الأمة الإسلامية من خارجها ودخلت في كتب تراثهم العلمي الثرّ سواء كان ذلك من أهل الكتاب أو من غيرهم ، فهذه الأخبار شديدة الخطورة في مجال الإعجاز العلمي إذا تم أخذها فيه ، وتنقسم هذه الأخبار الخارجية في هذه الدراسة إلى قسمين هما:-
                  1/ الإسرائيليات التي لا أساس لها
                  2/ أقوال الأمم الأخرى كاليونان والفرس والروم والغربيين المعاصرين مما لا أصل له ولا دليل عليه
                  وتفصيل ذلك كالآتي:-
                  1/ عدم التعويل على الإسرائيليات:-
                  انتقلت الإسرائيليات إلى القصاص ورواة الأخبار حتى دخلت في كتب تفسير القرآن أيضاً ، وهي – حسب تعريفها- : الأخبار المنقولة من أهل الكتاب التي تسربت إلينا منهم ، وقد ذكر العلماء أنها ليست لها ثبات ولا يعوّل عليها
                  ومن ذلك أيضا أن (ق) في قوله تعالى :(ق وَالقُرْآنِ المَجِيدِ) اسم جبل من زبرجدة خضراء يحيط بالأرض كلها ؛ قال كعب الأحبار : (قاف جبل أخضر محيط بالخلائق ) وكلام كعب ليس صحيحاً ؛ إذ أن "ق" حرف كبقية الحروف في أوائل السور نحو " ص ، ن ، الم ، ألمر "وغيرها. وأما من حيث السياق فقد قال الفراء : (إن كان "ق" اسم وليس حرف هجاء كان يجب أن يظهر فيه الإعراب) أي لكان "قافٌ" بضمتين لا (ق) بالسكون ؛ لأنه مبتدأ ؛ يقول ابن كثير: (هذا من خرافات بني إسرائيل التي أخذها عنهم بعض الناس .... وعندي أن هذا وأمثاله وأشباهه من اختلاق بعض زنادقتهم يلبسون به على الناس أمر دينهم )
                  وهذه الأخبار الواهية من هذه الإسرائيليات الواردة في كتب التفسير لا يجوز نقلها في مضمار الإعجاز العلمي ولا غيره ؛ فلا يجوز لأحد أن يبحث عن شيء محيط بالأرض ليحمل عليه جبل ( ق ) الذي لا أصل له ولا أساس
                  والحق أن بعض زنادقة أهل الكتاب قد كانوا بعيدي النظر في الطعن على القرآن وإظهاره بالمظهر الخرافي ؛ فوضعوا أقوالاً في الكونيات تخالف الطبيعة من جهة ولم يقل بها القرآن من جهة أخرى ، فالتقطها القصاص ورواة الأخبار _ وهم حطاب ليل_ فدخلت إلى التفسير ، وهذا يكشف عن عظم الكيد والخبث ، وقد تسرب هذا السم إلى التفسير والحديث ؛ فحاربه العلماء حتى لا يتلوث هذا الدين الطاهر ، ومن هذه الإسرائيليات في هذا المضمار ما يتعلق بعمر الدنيا وبدء الخلق وأسرار الوجود وأسباب الكائنات وتعليل بعض الظواهر الكونية تعليلاً خرافياً باطلاً ، ومن ذلك : ابتلاع الحوت للشمس عندها غروبها ، وأن الشمس قد وكل بها تسعة أملاك يرمونها بالثلج ولولا ذلك ما أتت على شيء إلا أحرقته ، وأن الأرض على الماء والماء على صخرة والصخرة على ظهر حوت يلتقي طرفاه بالعرش ، وأن المجرة التي في السماء هي لعاب حية تحت العرش ، وغير ذلك من هذه الخرافات التي لا أصل لها ، ومن المفارقات العجيبة أن هنالك كثيراً من المواقع في الانترنت التابعة لأهل الكتاب تحاول التقاط هذه الإسرائيليات من التفاسير فإذا وجدتها احتفت بها احتفاء عظيماً وحذفت وأضافت ثم نسبتها إلى المفسر أولاً ثم حاولت وتحايلت حتى نسبتها إلى القرآن العظيم نفسه ؛ وهم أحق بها لأنها منهم اجتلبت وعنهم أخذت.

                  تعليق


                  • #24
                    2/ عدم التعويل على الأقوال الواهية للأمم الأخرى :-:
                    سبق الحديث عن دخول الإسرائيليات إلى الفكر الإسلامي والتحذير من محاولة تفسير القرآن بها ، وفي هذا المضمار أيضاً يتناول الباحث مشكلة من المشكلات الخارجية التي لها أثر بالغ السوء عند محاولة فهم القرآن بها ؛ وهي التأثر بأقوال الأمم الأخرى التي لا دليل عليها ؛ وذلك نحو التأثر بأقوال فلاسفة اليونان نحو أفلاطون وأرسطو وسقراط وفيثاغورس وغيرهم ومحاولة قرن ذلك بمعاني القرآن ومضامينه الإلهية . وقد مال بعض الفلاسفة الإسلاميين إلى التأويل ولي أعناق المعاني حتى توافق آراءهم الفلسفية ؛ وقد حكَّم هولاء الفلاسفة النظريات الفلسفية في القرآن حتى ذهبوا إلى أن كل ما خالف تلك النظريات من القرآن والسنة فهو قابل للتأويل ؛ ولم يزل بعض هولاء الفلاسفة يؤولون حتى زعموا ـ استناداً على رأي أفلاطون ـ أن الحقائق التي جاء بها الرسول إنما هي أمثال خيالية ورموز وإيماءات ومَن لم يقف على معاني رموز الرسل ـ عندهم ـ لم ينل الملكوت الإلهي، و محمد لا يمكن أن يوقف الأعراب الجفاة على أسرار العلم ، ولما كانت حقائق الدين ـ عند هولاء الفلاسفة ـ أمثالاً خيالية ورموزاً وإيماءات فقد ذهب ابن سينا والفارابي وغيرهما إلى تأويل ما جاء به القرآن حتى يوافق معطيات الفلسفة اليونانية .
                    وقد فسر ابن سينا قوله تعالى : (وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ) بأن العرش هو الفلك التاسع الذي هو فلك الأفلاك ، والملائكة الثمانية هي الأفلاك الثمانية التي تحت الفلك التاسع.
                    ومثل ما كان الأخذ من فلاسفة اليونان خطراً فكذلك الأخذ من المنظرين والفلاسفة المعاصرين مما لا دليل عليه من آرائهم وكذلك علماء الإنسانيات والاجتماعيات ؛ إلا إذا ثبت قولهم يقيناً ، ولا يقف الأمر على ذلك بل يتعداه إلى علماء الطبيعيات أيضاً في فرضياتهم ونظرياتهم ، أما ما ثبت حساً من أقوال علماء الطبيعيات وعلماء الإنسانيات والاجتماعيات فإنه يؤخذ بلا ريب .

                    تعليق


                    • #25
                      أخيرا أرى أن المشكلة ليست في جزئيات العلم بالمنظور الغربي فحسب بل هنالك مشاكل أكثر ضخامة تتعلق بفلسفة هذا العلم ومنهجيته ونحو ذلك ولأجل ذلك كان له العلم طبيعته التي يجب بيانها قبل بناء الإعجاز العلمي على معطياته الجاهزة ومن ذلك الآتي :
                      العلم في الغرب تم بناؤه بعيدا عن الوحي ابتداء :-
                      سبق أنه تم إقصاء الدين والتفكير الديني عن مجالات العلم تماما فنشأ العلم بناء على هذا الأساس في كافة جوانبه ولذلك تم فيه تعميق النزعة المادية وجُعل الإنسان هو مركز الثقل في العالم.ومعلوم أن الحس مصدر للمعرفة ، ولكنه ليس المصدر الوحيد الذي تستبعد له المصادر الأخرى ، ولكن لما سادت الوضعية انحصر العلم في دراسة المادة ، ثم عمم ذلك على كل شيء
                      الوجود تابع لنظرية المعرفة وليس العكس في الفكر الغربي :-
                      جعل الفكر الغربي الوجود تابعاً للمعرفة ؛ ولذلك ينحصر الوجود لديهم في هذا العالم المشاهد الذي تستطيع الحواس إدراكه ولذلك ذهب بعضهم إلى أن العالم يوجد فقط عندما نتعامل معه
                      والحق أن الوجود أكبر بكثير من إدراك الإنسان ، ولهذا أقسم تعالى بما نبصر وما لا نبصر أي بهذا المحسوس لدينا وما لا نحس من الوجود فهم لا يدركون إلا القليل .
                      القاعدة المادية لمفاهيم العلم في المنظور الغربي:-
                      النظرة العلمانية التي استبعدت الوحي قد مرت بأطوار عديدة ثم استقرت على المرحلة الأخيرة التي حددت مفهوم العلم وفق ما تبلور في حلقة ( قينا ) في الثلاثينيات من القرن العشرين ؛ فتم بذلك حصر الحقائق العلمية في الحقائق التجريبية والحقائق التحليلية ، أما حقائق الوحي فهي ليست ذات معنى إطلاقاً ، مفهوم العلم نفسه – عندهم - يقوم على افتراضات فلسفية لا تستند على أي إثبات أو برهان ؛ وإنما هي قناعات لفلاسفة العلم المعاصرين
                      العلم ليس بحثاً عن الحقيقة في المنظور الغربي:-
                      يكتفي العلم بفلسفته الغربية بالوقوف على الوصف الخارجي للظاهرة ؛ فما يهم العلم هو كيفية حدوثها لا كنهها ، ولهذا فإن العلم حسب المفهوم الغربي يقوم بالتصنيف الصحيح والوصف الظاهري الدقيق ، أما الانشغال بالتأكد من مدى مطابقة العلم للواقع والحقيقة من حيث هي لا من حيث النتائج فهو أمر لا يعني العلم إطلاقاً ؛ أي : أنهم لا يريدون أن يعلموا إلا ظاهراً من الحسيات في هذه الحياة ، ولهذا ذهب فلاسفة العلم إلى أن العلم لا يحرز حقائق يقينية قاطعة وإنما يكفيه رجحان الصدق ، فعبارة ( حقائق علمية ) لا تعني أنها تمثل واقعاً موضوعياً يصف العالم وإنما هي في نظر كذلك فقط
                      وليس ذلك فحسب بل إن الحقائق المختبرية نفسها لا تعطي العلم بها بنفسها ؛ وإنما يدركها الإنسان ؛ ولهذا قد تتأثر بالإنسان وخياله وأوهامه ومدى بعده أو قربه من الدقة في الملاحظات والتوصيف والاستنتاج ؛ فنتائج العلوم – حتى الحسية – إنما هي نتائج تقريبية وعرضة للأخطاء المحتملة في القياسات والمقاربات، وإذا كانت هذه العلوم تقوم على رصد الكمية في الوصف والتنبؤ فهي تقوم على الاحتمالات وتنتهي بها.
                      وهنالك بعض الحقائق العلمية قد دحضها العلم نفسه ولكن تم الاحتفاظ بها وتدريسها والعناية بها لأسباب أخرى لا تقوم على الحقيقة والواقع ؛ ومن ذلك على سبيل المثال ( قانون الجاذبية )
                      والحق أن كل النظريات لا يوجد لها برهان تجريبي ؛ وإنما تؤخذ حسب بساطة التصور ومعقولية الافتراض وعمق الفكرة
                      العلم مجرد أداة في المنظور الغربي:-
                      يذهب أنصار المذهب البراغماتي إلى أن العلم مجرد أداة للاستنباط والتنبؤ ؛ وليس خبراً أو وصفاً للواقع ، ووظيفة العلم عندهم ليس وصف الواقع والأحداث أو مظاهر الطبيعة الغامضة ؛ وإنما الاكتشاف ثم استخدام هذا الاكتشاف وتسخيره من أجل الرفاهية والسيطرة على الطبيعة.
                      فالتطابق بين الواقع والفكرة ليس صفة جوهرية للعلم ؛ بل يقوم معيار الصدق فيه على الاتساق الداخلي والخلو من التناقض ثم الخصوبة ؛ بمعني : أن تكون المقولة العلمية خصبة بحيث تتولد عنها النظريات داخل ذلك النسق ولأجل ذلك ارتضوا القياس ؛ وهي الوسيلة التي يصل بها الإنسان إلى نتيجة ثم يعمم هذه النتيجة التي يصل إليها ، والحق أن هذا القياس ـ وباعتراف فلاسفة العلم أنفسهم- إنما هو وسيلة تؤدي إلى نتيجة ظنية غير قاطعة.
                      العلم لا يحسم الأسئلة الكلية:-
                      إن غايات العلم وأهدافه لم تعد هي تلك الأهداف التقليدية ؛ ولذلك ضرب هذا العلم عن الحقيقة صفحاً ومال إلى تحقيق المنفعة والرفاهية للإنسان ؛ ولذلك ابتعد عن الإجابة على الأسئلة الكلية التي تقود إلى الإيمان ؛ وإن كانت طبيعة العلم – أياً كان – أن ترمي بهذا الإنسان إلى تلك الأسئلة.فالمنهج العلمي المعاصر قد قطع الصلة بين الكون وخالقه، رغم أن هذا الكون طريق موصل وكتاب للحق مفتوح يُقرأ بكل اللغات والوسائل ، ولا شك أن هذا الأصل يربط الحقائق المفردة ببعضها ليردها إلى الحقائق الكلية الكبرى
                      والحق أن هذا العلم بالمنظور الغربي رغم ما فيه قد أحرجت تطوراته الموقف الشكلي البسيط الذي يفصل بين الحقائق العلمية والمذاهب الفكرية وفضحت ضعفه أمام الأبواب المفتوحة نحو إشباع طموح الإنسان في الوقوف على أسرار الخليقة وطبيعة الأشياء
                      ذلك ما يتعلق بالعلوم الطبيعية أم العلوم الإنسانية فالأمر فيها أدهى وأمر ؛ إذ إن ما يعتري العلوم الاجتماعية والإنسانية من المشكلات أكثر
                      والحق أن القرآن العظيم الذي جاء لهداية البشر قد عالج بناء الإنسان وقضاياه أكثر مما عالج جزئيات العلوم الطبيعية ؛ فأنشأ لهذا الإنسان تصوراً خاصاً ونظاماً خاصاً ؛ فمادة القرآن هي الإنسان وتصوره واعتقاده وسلوكه وأعماله وروابطه وعلاقاته ، أما العلوم المادية فإن الإنسان يمكن أن ينالها بعقله وحواسه وتجاربه وكشوفه ؛ إذ أنها أساس خلافته في الأرض فهو لذلك مهيأ لها بطبيعة تكوينه ، والقرآن قد اهتم بهذا الإنسان ذاته أكثر مما اهتم بجزئيات تلك العلوم ؛ لأن الإنسان هو الذي يكشف تلك المعلومات وينتفع بها.
                      ولما استبعد العلم الحديث الوحي عن مضمارهـ ، واحتلت العلوم الاجتماعية والإنسانية تلك المكانة الرفيعة التي كان يحتلها هذا الوحي في توجيه الإنسان وإرشاده ـ فقد أصبحت مشكلات هذه العلوم أكبر من مشكلات تلك الطبيعة بكثير ؛ إذ أريد منها أكثر مما تستطيع تقديمه ؛ فغاية ما تفعله هذه العلوم أنها تدرس سلوكيات الإنسان وتصوغها في قوانين ونظريات عامة ، إلا أنها ـ رغم كل ذلك ـ لم تبن نفسها بناء صحيحة من جهة ولا اتخذت سلطة مرجعية مناسبة من جهة أخرى ؛ ولأجل ذلك يجب في هذا المضمار بيان بعض خصائص هذه العلوم ؛ وتفصيل ذلك كالآتي:-
                      معاملة العلوم الاجتماعية بصورة مادية:-
                      لما كان الإطار المادي مسيطراً على العلوم المعاصرة سيطرة تامة فقد عوملت العلوم الاجتماعية بصورة مادية ؛ شأنها في ذلك شأن العلوم الطبيعية ، رغم اختلاف طبائع كل نوع من هذه العلوم ؛ فالظواهر الإنسانية ليست في واقعها وحقيقة أمرها مظاهر حسية ، إلا أن المنهجية الوضعية قد قدست التجريب وجعلت الحقيقة العلمية حكراً على التجربة ، وذلك يتنافى تماماً مع طبيعة تلك العلوم ، وقد اعتبرت هذه العلوم الإنسان جزءً لا يتجزأ من الوجود الطبيعي، إذ ليس له – حسب هذه النظرة – كيان أو خصوصية غير مادية ؛ فعقله ووعيه ونفسه وروحه كلها مادة شأنها في ذلك شأن كل مواد الطبيعة المحسوسة ، وبناء على هذا الافتراض فقد نشأ فصل حاد بين المعارف الإنسانية وبين العلم التجريبي ؛ فاصطدم هذا العلم بالوجود الروحي والقيم ؛ وهي أمور لا يمكن قياسها كمياً ، ولما كانت هذه العناصر الأساسية غير قابلة للتجريب والقياس الكمي فقد اعتبر البعض هذه العلوم ليست علوماً بالمعنى الصارم
                      فهذه العلوم لم تتجاوز الفرضيات ولم ترق نتائجها إلى مستوى الحقائق العلمية كالعلوم المادية ؛ ولهذا لم تصل إلى درجة ( علم ) ؛ وما ذلك إلا لاعتمادها على نفس المناهج التي استعيرت لها من تلك العلوم ؛ رغم الاختلاف الكبير . وقد لاقت الدراسات الاجتماعية صعوبة كبيرة ؛ إذ ليس بها حقائق على النحو الذي يوجد في العلوم التجريبية ، وحقائقها لا يمكن أن تقاس بوحدات نمطية ؛ إذ لا توجد علاقات نمطية بين هذه الوحدات.
                      الأهداف غير العلمية للعلوم الاجتماعية:-
                      إن من أخطر الأمور وأكبر العقبات في العلوم الاجتماعية ـ سيادة الأهداف الأيديولوجية ؛ إذ أن هذه الأهداف تفقد هذه العلوم علميتها بصورة مباشرة ؛ وما ذلك إلا لأن هذه الأهداف قد حوّلت المشتغلين بالعلوم الاجتماعية في بعض الأحيان من علماء محايدين إلى موظفين فقدوا الموضوعية والأمانة والحياد ، فتحوّل العلم بتحوّل هولاء المشتغلين به – من أداة معرفية إلى أداة أيديولوجية لا تبحث عن الحقائق في ذاتها وإنما تبحث عن ما يثبت هذه الإيديولوجية ويحقق مصالحها
                      الاختلافات الحادة بين علماء الاجتماعيات:-
                      لما كانت الأسس التي تقوم عليها دراسة العلوم الاجتماعية مختلفة وليس فيها اتفاق بين أنصار المدارس ـ فقد اختلفت النتائج باختلاف الأسس والمعالجات ؛ فالمفاهيم والقيم والعناصر غير متفق عليها ؛ وبذلك ظهر التناقض الحاد ، ولهذا ذهب ديكارت إلى أنه ليس في مضمار فلسفة العلوم الاجتماعية والإنسانية أمر واحد ليس موضع خلاف
                      أبعد هذا كله أما آن للإعجاز العلمي أن يغير منهجيته تغييرا كليا بدلا من تلمس الضوابط فحسب

                      تعليق


                      • #26
                        المصادر والمراجع :
                        ـ أحمد بن حنبل الشيباني : مسند الإمام أحمد ط/ مؤسسة قرطبة
                        ـ امزيان : محمد محمد : منهج البحث الاجتماعي بين الوضعية والمعيارية ، المعهد العالمي للفكر الإسلامي 1991م.
                        ـ البخاري : محمد بن إسماعيل الجعفي : صحيح البخاري ، تحقيق مصطفى ديب البغا ط/ دار ابن كثير بيروت 1987م
                        ـ الترمذي : محمد بن عيسى : الجامع الصحيح ، تحقيق أحمد محمد شاكر ط/دار إحياء التراث العربي بيروت
                        ـ ابن تيمية :
                        (أ) العقيدة الأصفهانية : تحقيق إبراهيم سعيداي: ط/ 1 مكتبة الرشد الرياض 1415هـ
                        (ب) منهاج السنة النبوية في نقض الشيعة القدرية ط/ القاهرة
                        (ج) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ط/ مكة 1404هـ.
                        (د) النبوات تحقيق محمد عبد الرحمن عوض ط /أ دار الكتاب العربية بيروت 1985م
                        ـ الجاحظ : عمرو بن بحر : البيان والتبيين تحقيق عبد السلام هارون ط الخانجي القاهرة 1985م
                        ـ الجرجاني : عبد القاهر بن عبد الرحمن : دلائل إعجاز: محمود محمد شاكر ط / الثالثة مكتبة القاهرة 1992م
                        ـ الجمال: حمد صادق ، اتجاهات الفكر الإسلامي المعاصر في مصر ط / دار الكتب للطباعة والنشر عام 1994م
                        ـ جوهري : طنطاوي ، الجواهر في تفسير القرآن الكريم ، ط/2 مصطفي البابي الحلبي سنة 1350هـ
                        ـ ابن حبان : محمد بن حبان :صحيح ابن حبان ، تحقيق شعيب أرناؤوط ط/ 2 مؤسسة الرسالة 1993م
                        ـ ابن حزم : الأحكام في أصول الأحكام ط/ دار الحديث القاهرة
                        ـ أبو داود : سليمان بن الأشعث السحستاني : سنن أبي داود : تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد .
                        ـ الزركشي : بدر الدين: محمد بن بهادر : البرهان في علوم القرآن: تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ط / دار الجيل بيروت 1988م،
                        السيوطي : الإتقان : تحقيق خليل محمد العربي ، ط/ دار الفاروق الحديثة القاهرة 1415هـ
                        الشاطبي :أبو إسحاق: الموافقات تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد 1969م
                        الصنعاني : أبو بكر عبد الرزاق بن همام: مصنف عبد الرزاق / تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي ، ط، / 2 المكتب الإسلامي بيروت ، سنة 1403هـ
                        ـ الإمام الطبري :محمد بن جرير:
                        أ ـ جامع البيان : ط/ دار الفكر بيروت سنة 1405
                        ب ـ تاريخ الأمم والملوك ، ط/ دار إحياء التراث العربي بيروت 1/1
                        ـ ابن قتيبة :تأويل مشكل القرآن : تحقيق أحمد صقر ط/ دار إحياء الكتب العربية
                        -القرطبي : الجامع لأحكام القرآن : تحقيق أحمد عبد العليم البردوني ط/3 دار الكتب المصرية
                        -ابن كثير : إسماعيل بن عمر :
                        (أ‌) تفسير القرآن العظيم : دار الفكر 1981م
                        (ب‌) البداية و النهاية ط/ مكتبة المعارف بيروت
                        ـ المجذوب : مبارك محمد على ، خلق الإنسان في القرآن ط/ معهد إسلام المعرفة جامعة الجزيرة
                        -الإمام مسلم : مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري : صحيح مسلم ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ط/ دار التراث العربي بيروت
                        -المصلح :عبد الله بن عبد العزيز : الإعجاز العلمي في القرآن والسنة ، ط/ جدة مطبوعات الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة .
                        -النسائي :أحمد بن شعيب : المجتبى من السنن ، تحقيق عبد الفتاح أبو غدة ط/ 2 مكتبة المطبوعات الإسلامية حلب 1986م

                        تعليق


                        • #27
                          المشاركة الأصلية بواسطة د. جمال الدين عبد العزيز مشاهدة المشاركة
                          1 ومن ذلك أيضاً ادعاء بعضهم أن قوله تعالى : (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ) يدلّ على ما هو مقرر في علم النيات من دور الرياح في تلقيح النبات ؛ إذ تحمل هذه الرياح مادة الذكورة حيث تلتقي بمادة الأنوثة فيكون الإخصاب ، وهذه حقيقة علمية صحيحة ، ولكن هل الآية تدل عليها؟ لا ، لأن السياق لا يتناول النبات وإنما يتحدث عن السحاب وتلقيحه ؛ لا تلقيح النبات ؛ ولهذا ذكر الله تعالى إنزال الماء بعد وصف الرياح بأنها (لَوَاقِحَ ) فقال: (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ) وصحيح أن هنالك علاقة وطيدة بين إنزال الماء والنبات ؛ إلا أن الآية ذكرت سقي هذا الماء للناس لا إنبات النبات به . ولما كان السياق يشير وبصورة مباشرة إلى تلقيح السحاب فإن هذا المعنى تعضده آيات أخرى تم فيها ربط الرياح بالمطر ؛ نحو قوله تعالى : (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) وقوله : (وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا) وقوله : (اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاء كَيْفَ يَشَاء وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ) وقوله (وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) ، وهذا التلقيح المذكور في الآية والذي تقوم به الرياح بين السحب على ثلاثة أنواع هي : تلقيح السحب الحارة بالباردة الأمر الذي يزيد التكاثف ؛ فينتج عند ذلك نزول المطر ، أما النوع الثاني فهو : تلقيح السحب ذات الشحنة الموجبة بالسحب ذات الشحنة السالبة ؛ فيحدث التفريغ الذي ينتج الشرر الكهربائي أو الرعد ، ويتمدد الهواء من جراء هذا التفريغ فينتج صوت الرعد، ؛ وفي هذه الحالة يكون المطر مصحوباً بالبرق والرعد ، أما النوع الثالث فهو: تلقيح الرياح للسحاب بنويات مكونة من الأملاح والاكاسيد والأتربة ، وهذه النويات ضرورية في التكاثف ؛ إذ يتجمع عليها جزئيات بخار الماء ؛ فتصير نقطاً نامية داخل السحب ، وهذا النوع الأخير أخذت منه فكرة ( المطر الصناعي ) ؛ إذ تقوم بعض الطائرات برش السحب المكونة أصلاً ببعض المواد التي تعمل كنويات يتكاثف حولها المطر فينزل.
                          دكتور جمال الدين
                          السياق لا يخصص عموم ما دل عليه اللفظ فقوله " الرياح لواقح " هي كذلك في السحاب والنبات ، ثم أيضا إن العواصف الممطرة تحمل في مائها الكثير من اللقحات بل ما هو أكثر من ذلك.

                          تعليق


                          • #28
                            المشاركة الأصلية بواسطة د. جمال الدين عبد العزيز مشاهدة المشاركة
                            2/ دقة الربط بين الحقائق العلمية والمعاني القرآنية:-
                            ومن أمثلة الربط المتكلّف بين معنى من معاني القرآن وبعض الحقائق العلمية ما فعله صاحب الجواهر الذي استدل بقوله تعالى : (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) ثم انطلق في بيان ما لحاستي السمع والبصر من دقة في التركيب وتكامل في الوظائف ؛ الأمر الذي يؤكد – عنده – أن هذه الآية معجزة في دلالاتها ، والحق أن هذه الآية لم تتناول حاستي السمع والبصر ؛ ولم تشر لهما ولا أشارت لذلك الآية التي قبلها ولا التي بعدها أيضاً ، وإنما جاءت هذه العبارة بعد الحديث عن مراحل تطور الجنين ، وتمام الآيات كالآتي : (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) ولا علاقة لذلك بحاستي السمع والبصر إلا بصورة بعيدة لم تتطرق إليها الآية الكريمة أصلا ، وعبارة (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) شديدة الارتباط بما ذكر من مراحل تطور الجنين ، ويسمى ذلك في البلاغة بالتوشيح ؛ وهو أن يكون أول الكلام نفسه يدل على آخره ويُعلم هذا الآخر قبل ذكره ؛ فينزل المعنى عندئذ منزلة الوشاح ويسمى أيضا بالمطمع ؛ لأن أوله مطمع في آخره ؛ انظر إلى عبارات (الخلق) في الآية : (وَلَقَدْ خَلَقْنَا ... ثُمَّ خَلَقْنَا ......فَخَلَقْنَا ..... فَخَلَقْنَا ........ خَلْقًا ........ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) ؛ ولهذا يروى أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لما سمع صدر الآية إلى قوله : (خَلْقًا آخَرَ) قال : (فتبارك الله أحسن الخالقين) فقال رسول الله هكذا أنزلت .
                            وأغلب الظن أن الشيخ طنطاوي جوهري _ لما ربط بين هذه العبارة وبين السمع والبصر _ لم ينظر إلى هذه الآية ولا إلى سياقها ونظمها ؛ وإنما انصرف ذهنه إلى دعاء النبي عند سجوده في الصلاة: (اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت ، أنت ربي ، سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره تبارك الله أحسن الخالقين) ؛ إذ أن هذا الدعاء هو النص الوحيد الذي يربط بين تلك العبارة وبين السمع والبصر، ولو استدل جوهري بذلك لكان استدلاله مقبولاً .
                            اسمح لي أن أخالفك مرة أخرى يا دكتور جمال
                            فالربط هنا ليس متكلفاً فقوله تعالى"ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ" رابط قوي جداً فهو إشارة إلى تكوين الإنسان بصورته الكاملة، وأظهر مافيه من دقة الصنع وعجيبه هو السمع والبصر ، وتأمل قول الله تعالى : (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ) سورة الإنسان(2).

                            تعليق


                            • #29
                              بارك الله فيكم .
                              الموضوع مهم . ولكنه كأنه يتكلم عن التفسير وضوابطه أكثر مما يتكلم عن ضوابط الإعجاز العلمي, حقيقة أن يكون التفسير وفقا للأمر الأول وهو "ان يكون مراد الله " هذا صعب في بعض الآيات وخصوصا فيما يتعلق بالإعجاز العلمي .
                              فلا يمكن ان نجزم أن هذا مراد الله الا في:
                              - القطعي , والقران قطعي الثبوت , ولكن ما يتعلق بالاعجاز العلمي فأغلبه ظني الدلالة على الموضوع "الاعجاز العلمي"
                              -الظني المحفوف بقرينة قطعية : وبما أن القران قطعي الثبوت فالظنية هنا تبعا للدلالة , فلا يعتبر باحتمال اللفظ أكثر من معنى إذا اتفق على معنا مقصود , او دلة قرينة على ذالك المعنى دون سواه .

                              الأمر الآخر وهو مهم : لماذا لا يتطرق دائما عن الضوابط فيما يتعلق بالعلم الطبيعي , وخصوصا أن العديد ممن يتكلم عن الإعجاز العلمي يدلل على الآيات يتكلم عن تفسير محتمل للآية .وما يستدل به هو نظرية وليست قطعية .فكيف يستدل بها ؟!!
                              سألت مرة دكتور فاضل أيام الدراسة ,كيف نستدل به وقد يأتي وقت يتبين فيها فساد النظرية ؟, فأجابني : نغير التفسير!

                              وهذا خطأ لأن ذلك قد يستدل به عند اعداء الاسلام على عدم صحة الإعجاز ,بل وقد يضر ببعض العوام خصوصا عند الكلام عن الاعجاز الذي يتكلم به من أجل تثبيت الناس على دينهم .

                              وفقكم الله وارجوا ان تأخذ ملاحظتي عن الشق الآخر من الموضوع وهو خصوصية ما يستدل به من امور علمية .

                              تعليق


                              • #30
                                المشاركة الأصلية بواسطة د. جمال الدين عبد العزيز مشاهدة المشاركة
                                1/ تجنب القضايا التي لا يمكن أن ينالها العلم:-
                                ورغم أن العلم المعاصر يتقاصر عن إدراك الحقائق الغيبية التي ذكرها القرآن إلا أن بعض القضايا الغيبية لها مداخل حسية تثبتها ؛ ولذلك يمكن للإعجاز العلمي تناول هذه المداخل الحسية دون تناول القضايا الغيبية في ذاتها ، ومعلوم أن وجود الله تعالى وهو أكبر حقيقة غيبية تثبتها _ ضرورة _ حقائق حسية كثيرة جداً ، ويمكن للعلم تناول هذه الحقائق الحسية لإثبات وجود الله تعالى بلا خلاف .
                                ومن القضايا الغيبية التي لها مداخل حسية تثبتها فتناولها الإعجاز العلمي قوله : (إذا سمعتم أصوات الديكة فإنها رأت ملكا فاسألوا الله وارغبوا إليه ، وإذا سمعتم نهاق الحمير فإنها رأت شيطانا فاستعيذوا بالله من شر ما رأت) وذكر بعض المشتغلين بالإعجاز العلمي أن هذا الحديث الصحيح تؤيده حقائق علمية ؛ إذ ثبت الاختلاف الشديد بين رؤية الديك و رؤية الحمار ؛ فالديك يرى ( الأشعة البنفسجية) والحمار يرى ( الأشعة تحت الحمراء ) . والملك مخلوق من نور ( الأشعة البنفسجية ) وتركيب عين الديك تمكنه من رؤية هذه الأشعة كما ثبت علمياً ، أما الجان فمخلوق من نار ( الأشعة تحت الحمراء ) وتركيب عين الحمار تمكنه من رؤية هذه الأشعة.
                                هذا الحديث رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة أن النبي قال:
                                " إِذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ فَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا وَإِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحِمَارِ فَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهَا رَأَتْ شَيْطَانًا"

                                فكون الحديث صحيح وثابت لا يحتاج إلى تأييد الاكتشافات العلمية وإنما العلم فسر لنا السر لماذا الحمار يرى ما لا يرى الديك والديك يرى ما لايرى الحمار.

                                ومثله حديث سماع أصوات المعذبين في القبور:
                                "وَأَمَّا الْكَافِرُ أَوْ الْمُنَافِقُ فَيَقُولُ لَا أَدْرِي كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ فَيُقَالُ لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ إِلَّا الثَّقَلَيْن" رواه البخاري من حديث أنس .

                                قال شيخ الإسلام في الفتاوى:
                                وَفِي صَحِيحِ أَبِي حَاتِمٍ البستي عَنْ أُمِّ مُبَشِّرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا فِي حَائِطٍ وَهُوَ يَقُولُ : تَعَوَّذُوا بِاَللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ لِلْقَبْرِ عَذَابٌ ؟ فَقَالَ : إنَّهُمْ لَيُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ عَذَابًا تَسْمَعُهُ الْبَهَائِمُ . قَالَ بَعْضُهُمْ : وَلِهَذَا السَّبَبِ يَذْهَبُ النَّاسُ بِدَوَابِّهِمْ إذَا مَغَلَتْ إلَى قُبُورِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمُنَافِقِينَ ؛ كالإسماعيليةِ والنصيرية وَسَائِرِ الْقَرَامِطَةِ : مِنْ بَنِي عُبَيْدٍ وَغَيْرِهِمْ الَّذِينَ بِأَرْضِ مِصْرَ وَالشَّامِ وَغَيْرِهِمَا ؛ فَإِنَّ أَهْلَ الْخَيْلِ يَقْصِدُونَ قُبُورَهُمْ لِذَلِكَ كَمَا يَقْصِدُونَ قُبُورَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى . وَالْجُهَّالُ تَظُنُّ أَنَّهُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ فَاطِمَةَ وَأَنَّهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ . فَقَدْ قِيلَ : إنَّ الْخَيْلَ إذَا سَمِعَتْ عَذَابَ الْقَبْرِ حَصَلَتْ لَهَا مِنْ الْحَرَارَةِ مَا يُذْهِبْ بِالْمَغْلِ ." انتهى كلامه

                                وقد أثبت العلم والتجربه أن الحيوانات لها من القدرات السمعية ما ليس للإنسان وبخاصة الخيل.

                                فالعلم يفسر لنا لماذا تسمع الحيوانت أصوات المعذبين والإنسان لا يسمع.

                                تعليق

                                19,940
                                الاعــضـــاء
                                231,718
                                الـمــواضـيــع
                                42,466
                                الــمــشـــاركـــات
                                يعمل...
                                X