إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم , الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون)

    (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم , الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون)


    لقد تكرر في القرآن الكريم ذكر معرفة أهل الكتاب - وهم اليهود والنصارى - لهذا القرآن ;
    أو لصحة رساله محمد [ ] وتنزيل هذا القرآن عليه من عند الله . .
    تكرر ذكر هذه الحقيقة سواء في مواجهة أهل الكتاب أنفسهم ,
    عندما كانوا يقفون من النبى [ ] ومن هذا الدين وقفة المعارضة والإنكار والحرب والعداء
    [ وكان هذا غالبا في المدينة ] أو في مواجهة المشركين من العرب ;
    لتعريفهم أن أهل الكتاب , الذين يعرفون طبيعة الوحي والكتب السماوية , يعرفون هذا القرآن ,
    ويعرفون صدق رسول الله [ ] في أنه وحي أوحى به ربه إليه كما أوحى إلى الرسل من قبله .

    وهذا الآية - كما رجحنا - مكية .
    وذكر أهل الكتاب فيها على هذا النحو - إذن - يفيد أنها كانت مواجهة للمشركين بأن هذا القرآن الذي ينكرونه ,
    يعرفه أهل الكتاب كما يعرفون أبناءهم ;
    وإذا كانت كثرتهم لم تؤمن به فذلك لأنهم خسروا أنفسهم , فهم لا يؤمنون .
    شأنهم في هذا شأن المشركين , الذين خسروا أنفسهم , فلم يدخلوا في هذا الدين !
    والسياق قبل هذه الآية وبعدها كله عن المشركين . مما يرجح مكيتها كما قلنا من قبل في التعريف بالسورة . .

    وقد جرى المفسرون على تفسير مثل هذا التقرير: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم). .
    على أنهم يعرفون أنه منزل من عند الله حقا ;
    أو على أن النبى [ ] رسول من عندالله حقا , يوحى إليه بهذا القرآن . .

    وهذا جانب من مدلول النص فعلا
    ولكنا نلمح - باستصحاب الواقع التاريخي وموقف أهل الكتاب من هذاالدين فيه –
    أن هناك جانبا آخر من مدلول النص ;
    لعل الله - سبحانه - أراد أن يعلمه للجماعة المسلمة ,
    ليستقر في وعيها على مدار التاريخ , وهي تواجه أهل الكتاب بهذا الدين . .


    إن أهل الكتاب يعرفون أن هذا الكتاب حق من عند الله ;
    ويعرفون - من ثم - ما فيه من سلطان وقوة ; ومن خير وصلاح ;
    ومن طاقة دافعة للأمة التي تدين بالعقيدة التي جاء بها ; وبالأخلاق التي تنبثق منها ; وبالنظام الذي يقوم عليها .
    ويحسبون كل حساب لهذا الكتاب وأهله ; ويعلمون جيدا أن الأرض لا تسعهم وتسع أهل الدين ! . .

    إنهم يعرفون ما فيه من حق , ويعرفون ما هم فيه من باطل . .
    ويعرفون أن الجاهلية التي صاروا إليها , وصارت إليها أوضاع قومهم وأخلاقهم وأنظمتهم ,
    لا يمكن أن يهادنها هذا الدين , أو يبقى عليها . .
    وأنها - من ثم - معركة لا تهدأ حتى تجلو الجاهلية عن هذه الأرض , ويستعلي هذا الدين , ويكون الدين كله لله . .
    أي أن يكون السلطان في الأرض كله لله ; وأن يطارد المعتدون على سلطان الله في الأرض كلها . وبذلك وحده يكون الدين كله لله . .

    إن أهل الكتاب يعلمون جيدا هذه الحقيقة في هذا الدين . . ويعرفونه بها كما يعرفون أبناءهم . .
    وهم جيلا بعد جيل يدرسون هذا الدين دراسة دقيقة عميقة ; وينقبون عن أسرار قوته ;
    وعن مداخلة إلى النفوس ومساربه فيها ;
    ويبحثون بجد:
    كيف يستطيعون أن يفسدوا القوة الموجهة في هذا الدين ؟
    كيف يلقون بالريب والشكوك في قلوب أهله ؟
    كيف يحرفون الكلم فيه عن مواضعه ؟
    كيف يصدون أهله عن العلم الحقيقي به ؟
    كيف يحولونه من حركة دافعة تحطم الباطل والجاهلية
    وتسترد سلطان الله في الأرض وتطارد المعتدين على هذا السلطان , وتجعل الدين كله لله . .
    إلى حركة ثقافية بارده , وإلى بحوث نظرية ميتة , وإلى جدل لاهوتي أو فقهي أو طائفي فارغ ؟

    كيف يفرغون مفهوماته في اوضاع وأنظمة وتصورات غريبة عنه مدمرة له ,
    مع إيهام أهله أن عقيدتهم محترمة مصونة ؟!
    كيف في النهاية يملأون فراغ العقيدة بتصورات أخرى ومفهومات أخرى واهتمامات أخرى ,
    ليجهزوا على الجذور العاطفية الباقية من العقيدة الباهتة ؟!


    إن أهل الكتاب يدرسون هذا الدين دراسة جادة عميقة فاحصة ;
    لا لأنهم يبحثون عن الحقيقية - كما يتوهم السذج من أهل هذا الدين !
    - ولا لينصفوا هذا الدين وأصله –
    كما يتصور بعض المخدوعين حينما يرون اعترافا من باحث أو مستشرق بجانب طيب في هذا الدين ! –
    كلا !
    إنما هم يقومون بهذه الدراسة الجادة العميقة الفاحصة , لأنهم يبحثون عن مقتل لهذا الدين !
    لأنهم يبحثون عن منافذه ومساربه إلى الفطرة ليسدوها أو يميعوها !
    لأنهم يبحثون عن أسرار قوته ليقاوموه منها !
    لأنهم يريدون أن يعرفوا كيف يبني نفسه في النفوس
    ليبنوا على غراره التصورات المضادة التي يريدون ملء فراغ الناس بها !
    وهم من أجل هذه الأهداف والملابسات كلها يعرفونه كما يعرفون أبناءهم !
    ومن واجبنا نحن أن نعرف ذلك . . وأن نعرف معه أننا نحن الأولى بأن نعرف ديننا كما نعرف أباءنا !



    إن الواقع التاريخي من خلال أربعة عشر قرنا ينطق بحقيقة واحدة . .
    هي هذه الحقيقة التي يقررها القرآن الكريم في هذه الآية: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم). .
    ولكن هذه الحقيقة تتضح في هذه الفترة وتتجلى بصورة خاصة . .

    إن البحوث التي تكتب عن الإسلام في هذه الفترة تصدر بمعدل كتاب كل أسبوع ; بلغة من اللغات الأجنبية . .
    وتنطق هذه البحوث بمدى معرفة أهل الكتاب بكل صغيرة وكبيرة عن طبيعة هذا الدين وتاريخه ,
    ومصادر قوته , ووسائل مقاومته , وطرق إفساد توجيهه !
    ومعظمهم - بطبيعة الحال - لا يفصح عن نيته هذه ;
    فهم يعلمون أن الهجوم الصريح على هذا الدين كان يثير حماسة الدفاع والمقاومة ;
    وأن الحركات التي قامت لطرد الهجوم المسلح على هذا الدين - الممثل في الاستعمار –
    إنما كانت ترتكز على قاعدة من الوعي الديني أو على الأقل العاطفة الدينية ;
    وأن استمرار الهجوم على الإسلام - ولو في الصورة الفكرية - سيظل يثير حماسة الدفاع والمقاومة !
    لذلك يلجأ معظمهم إلى طريقة أخبث . .
    يلجأ إلى إزجاء الثناء لهذا الدين , حتى ينوم المشاعر المتوفزة , ويخدر الحماسة المتحفزة ,
    وينال ثقة القارى ء واطمئنانه . .

    ثم يضع السم في الكأس ويقدمها مترعة . . هذا الدين نعم عظيم . .
    ولكنه ينبغي أن يتطور بمفهوماته ويتطور كذلك بتنظيماته ليجاري الحضارة "الإنسانية " الحديثة !
    وينبغي ألا يقف موقف المعارضة للتطورات التي وقعت في أوضاع المجتمع , وفي أشكال الحكم , وفي قيم الأخلاق !
    وينبغي - في النهاية - أن يتمثل في صورة عقيدة في القلوب ,
    ويدع الحياة الواقعية تنظمها نظريات وتجارب وأساليب الحضارة "الإنسانية " الحديثة !
    ويقف فقط ليبارك ما تقرره الأرباب الأرضية من هذه التجارب والأساليب . . وبذلك يظل دينا عظيما . . !!!


    وفي أثناء عرض مواضع القوة والعمق في هذا الدين - وهي ظاهريا تبدو في صورة الإنصاف الخادع والثناء المخدر –
    يقصد المؤلف قومه من أهل الكتاب ; لينبههم إلى خطورة هذا الدين , وإلى أسرار قوته ;
    ويسير أمام الأجهزة المدمرة بهذا الضوء الكشاف , ليسددوا ضرباتهم على الهدف .
    وليعرفوا هذا الدين كما يعرفون أبناءهم !


    إن أسرار هذا القرآن ستظل تتكشف لأصحابه ; جديده دائما ; كلما عاشوا في ظلاله ;
    وهم يخوضون معركة العقيدة ; ويتدبرون بوعي أحداث التاريخ ; ويطالعون بوعي أحداث الحاضر .
    ويرون بنور الله . الذي يكشف الحق , وينير الطريق . .

    (في ظلال القرآن)
19,943
الاعــضـــاء
231,759
الـمــواضـيــع
42,478
الــمــشـــاركـــات
يعمل...
X