إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • مساهمة في رفع اشكال في فهم آية كريمة

    كتب أخ كريم في ملتقى أهل الحديث يطلب رفع إشكال في فهم آية كريمة. وبما أنني غير مسجل في الملتقى فقد رأيت أن تكون الإجابة هنا. فإذا كانت الإجابة مناسبة فأطمع أن تنقل إلى ملتقى أهل الحديث.




    يقول :"فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيق. خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ . وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ".

    نلاحظ عند تدبر الآيات الكريمة أن خلود أهل النار متعلق بالمشيئة الإلهية غير المُصرَّح بها لنا:" إنّ ربك فعّال لما يريد". أما خلود أهل الجنة فمتعلق بالمشيئة الإلهيّة المصرّح بها:" عطاءً غير مجذوذ". أي غير منقطع. فالله تعالى شاء أن يكون وجود أهل الجنة في النعيم غير المنقطع. وتعبير غير المنقطع يدل على اللانهائية على خلاف تعبير خالد الذي يدل على طول البقاء.

  • #2
    رغم أني لا أرى في الآية إشكال إلا إنه يمكن أن يرجع إلى المحكمات الواردة في بيان الخلود الأبدي لأهل النار نعوذ بالله منها.

    تعليق


    • #3
      الخلاف في هذه المسألة معروف. وإذا كان هناك محكمات تؤكد البقاء اللانهائي للكفار في النار فالعجب أنها خفيت على ابن تيمية وتلميذه ابن القيم. ثم أين غلبة الرحمة على العذاب. ثم عذاب لا يتناهى لحياة دنيوية متناهية ألا يطعن في مفهوم العدل والحكمة. ثم إذا كان الله تعالى يقول: "إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد" فلماذا نصر نحن على الجزم أنه لا نهائي وليس مجرد خلود (أي بقاء طويل).

      تعليق


      • #4
        أخي الكريم أبا الحارث

        إذا سلم لك مُسلِّمٌ بانقطـاع عذاب المشركين والملحدين فهل يكون مآلهم إلى الجنَّة بعد انقطاع العذاب ؟

        لأنَّ الموت استحال على الأنفس بعد الفصل بقول المنادي ( يا أهل النار خلود فلا موت) , والجنَّة حرمها الله على المشركين.
        د. محمـودُ بنُ كـابِر
        الأستاذ المساعد بقسمِ الدِّراساتِ القُـرآنيةِ - جامعة المَلكِ سُعُـود

        تعليق


        • #5
          المشاركة الأصلية بواسطة أبو الحارث العامودي مشاهدة المشاركة
          الخلاف في هذه المسألة معروف. وإذا كان هناك محكمات تؤكد البقاء اللانهائي للكفار في النار فالعجب أنها خفيت على ابن تيمية وتلميذه ابن القيم. ثم أين غلبة الرحمة على العذاب. ثم عذاب لا يتناهى لحياة دنيوية متناهية ألا يطعن في مفهوم العدل والحكمة. ثم إذا كان الله تعالى يقول: "إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد" فلماذا نصر نحن على الجزم أنه لا نهائي وليس مجرد خلود (أي بقاء طويل).
          الأخ الفاضل أبا الحارث
          مشاركتك تحت عنوان "مساهمة في رفع إشكال .." وساهمت بما أراه مع علمي أن الأشكال بل قل الخلاف في الآية لن يرتفع.
          وأرجو أن يبقى الحوار في حدود المدارسة ومحاولة الفهم.
          أما كون أن هناك محكمات تؤكد البقاء اللانهائي للكفار في النار فهذا هو محل الخلاف وهذا القول الذي أختاره.
          وإذا كان بن تيمية وبن القيم يريان عدم الخلود الأبدي ـ مع أني لا أعلمه اختيارا لهما ـ فيقابلهما قول من لا يقل عن رتبتهما إن لم يزد عليهما في العلم والفضل .
          أما قولك أين غلبة الرحمة على العذاب؟
          فهل هو تساؤل مشكك أم من قصر عقله عن إدراك القضية؟
          أما قولك : عذاب لا يتناهى لحياة دنيوية متناهية ألا يطعن في مفهوم العدل والحكمة ؟
          فننتظر منك الإجابة إذا كنت ترى أنه يطعن في العدل والحكمة أن تبين لنا وجه ذلك.
          أم مسألة الاستثناء في الآية فقد ورد مع أهل النار وأهل الجنة فإذا نظرت إليه فانظر إليه في الموضعين .
          ثم إن الله تعالى علق خلود الفريقين بدوام السماوات والأرض فإذا كان المقصود مدة دوام السماوات فهي تحتمل أمرين أن هذا الدوام أبدي أو أن له أمدا وينقضي ، فإن كان أبديا وهذا يحتاج إلى دليل فالفريقان سيمكثون وتبقى المشيئة في أهل النار مطلقة ،وإن كان الدوام إلى أمد وينقضي وهذا يحتاج إلى دليل فمكوث الفريقين سينتهي بانتهاء الأمد ويبقى قوله تعالى عطاء غير مجذوذ محل إشكال.
          على أي حال ما أفهمه أن الآيات في الخلود الأبدي لأهل النار واضحة وتبقى مشيئة الله مطلقة .
          ثم إن الخلاف في المسألة غير مؤثر ولا يتعلق به عمل إلا إذا تعصب البعض وحمل القول المخالف أنه يطعن في عدل الله وحكمته ومن هنا يكون مدخل الشيطان.

          تعليق


          • #6
            الأخ الكريم الشنقيطي
            الكافر لا يدخل الجنة، ويبدو أنه يلحق بالعدم؛ فالوجود إما موت وإما حياة:" الذي خلق الموت والحياة". ويقابل الوجود العدم وهو الاحتمال الثالث، وقد يدل على ذلك قوله تعالى:"ثم لا يموت فيها ولا يحيا" بعد قوله تعالى" الذي يصلى النار الكبرى ثم.." فبعد أن يصلى النار مدة طويلة، تدل عليها ثم، لا يعود ميتاً ولا حياً.

            الأخ الكريم حجازي
            لابن تيمية مناقشة تزيد عن 250 صفحة ينتصر فيها للقول بعدم لا نهائية النار، أما ابن القيم فكلامه مشهور نقله عنه صاحب المنار والقرضاوي. أما العدل والحكمة فهي مرجحات في حال الاختلاف في فهم النصوص. ولنا أن نفهم العدل والحكمة وفق ما رسخته نصوص القرآن والسنة.
            قلت في حل الإشكال: "نلاحظ عند تدبر الآيات الكريمة أن خلود أهل النار متعلق بالمشيئة الإلهية غير المُصرَّح بها لنا:" إنّ ربك فعّال لما يريد". أما خلود أهل الجنة فمتعلق بالمشيئة الإلهيّة المصرّح بها:" عطاءً غير مجذوذ". أي غير منقطع. فالله تعالى شاء أن يكون وجود أهل الجنة في النعيم غير المنقطع. وتعبير غير المنقطع يدل على اللانهائية على خلاف تعبير خالد الذي يدل على طول البقاء".
            اللافت أن القرآن الكريم يستخدم عند الحديث عن أهل النار الألفاظ الدالة على التوقيت على خلاف الحديث عن أهل الجنة، انظر مثلاً:" عذاب يوم عظيم"، "لابثين فيها أحقابا" أما أهل الجنة فلم يقل:" نعيم يوم" " لابثين فيها أحقابا"....الخ.
            وفي الختام: يصعب البت في مدى خلود أهل النار، ولله في هذا حكمة. أما خلود أهل الجنة فمعناه ومداه واضح في نصوص القرآن والسنة، فلا خلاف.

            تعليق


            • #7
              [align=center]
              المشاركة الأصلية بواسطة محمود الشنقيطي مشاهدة المشاركة
              أخي الكريم أبا الحارث

              إذا سلم لك مُسلِّمٌ بانقطـاع عذاب المشركين والملحدين فهل يكون مآلهم إلى الجنَّة بعد انقطاع العذاب ؟

              لأنَّ الموت استحال على الأنفس بعد الفصل بقول المنادي ( يا أهل النار خلود فلا موت) , والجنَّة حرمها الله على المشركين.

              لله درك 000


              أقول: يكفي في رد مسألة فناء أهل النار أنه وقع فيها الخلاف , فيستحيل أن تكون مسألة كهذه ولا يكون فيها بيانا صريحا من الشارع , كيف وقد جاء في النصوص الصريحة المحكمة ما ينافيها 0

              - ثم إذا قلنا بفناء أهل النار فما هي فائدة إخراج الموحدين منها ؟؟!! [/align]

              تعليق


              • #8
                المشاركة الأصلية بواسطة أبو الحارث العامودي مشاهدة المشاركة
                الأخ الكريم الشنقيطي
                الكافر لا يدخل الجنة، ويبدو أنه يلحق بالعدم؛ فالوجود إما موت وإما حياة:" الذي خلق الموت والحياة". ويقابل الوجود العدم وهو الاحتمال الثالث، وقد يدل على ذلك قوله تعالى:"ثم لا يموت فيها ولا يحيا" بعد قوله تعالى" الذي يصلى النار الكبرى ثم.." فبعد أن يصلى النار مدة طويلة، تدل عليها ثم، لا يعود ميتاً ولا حياً..
                الأخ الفاضل أبا الحارث سلمك الله:

                ومن أين جيء "بـيبدو" هذه ؟

                فهذا مبحثٌ غيبيٌّ أخرويٌّ لا مجال فيه للتوقع والاجتهاد , وقولكم إن الوجود إما موتٌ أو حياة صحيحٌ في ذاته , وخطأٌ فيما سيق له من الاستدلال على انتهاء عذاب الكفرة المشركين وانقطـاعه.

                ولو سلم لكَ إخوتُـك بصحة انقطـاع العذاب عن المشركين والكفرة فلن تختلف معهم في أنَّ الصيرورة من العذاب الدائم أحقاباً - والمُتَـجَـرَّع فيهِ الحميمُ والسمومُ والزقزم - إلى العدم والفناء سيكون تخفيفاً أو موتاً.

                وكلا الأمرين مما نفى الله جوازه على من خلدهُ في النار فقال (لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها) فماذا سنسمي هذا الانتقال من العذاب إلى العدم؟

                وأين المفر من إقرارنا بأنه تخفيفٌ كما بين ذلك القرآنُ حين جاء فيه تمني الكافر أن لو صار إلى تراب (ويقول الكافر ياليتني كنتُ ترابا) فهي أمنيةٌ ما حملهُ عليها إلا الفرارُ من العذابُ والعلمُ بأنها أخفُّ وألطفُ بنفسه من جهنَّم.

                والآيةُ الكريمة التي جئت بها ( ثم لا يموت فيها ولا يحيى) هي في الحقيقة عليك لا لك , لأنَّ الضمير "فـي" فيصلٌ في انَّ الكافر الأشقى باقٍ في جهنمَ بقاءً لا حياة فيه لهول ما يلاقيه ولا موتَ فيه فيستريحَ من عذاب جهنم.

                ولو عدنا لنظائر هذه الآية في القرآن لتبين الأمر لنا بجلاء , فتأمل معي قول الله (إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى) ولاحظ مجيئ الضمير (في) كما جاء في سابقتها.

                وتأمل قول الله (وَيَأْتِيهِ الموت مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ) فبعد نفيه موت المعذبين مع إتيان الموت لهم من كل مكانٍ لهول ما لاقوه بين أن من وراء هذه الشدة عذاباً غليظاً ولم يشر لعدمٍ أو فنـاءٍ وفيه بيانٌ أنَّ هذه الحالة التي هي مرحلةُ اللاحياة ولا موت متوسطةٌ بين مراحل العذاب أجارنا الله منها , ويمكنُ القول بأنها داخلةٌ في عموم قوله سبحانه (وآخر من شكله أزواج) وليست هي آخر العذاب ولا منتهاه كما فهمتَـهُ أنت سلمك الله من آية سورة الأعلى.

                وأضف إلى ذلك أنَّ أولئك حين قالوا لخازن جهنم (يامالك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ) لم يقل لهم إن لكم أجلاً أو أمداً أو يحلْهُـم إلى سؤال الله بل كان عندهُ العلمُ بحالهم فقال الله عنه ( قَالَ إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ ) وحذفُ الظرف الزمنيِّ بعد (ماكثونَ) يدل على الامتداد والخلود.
                د. محمـودُ بنُ كـابِر
                الأستاذ المساعد بقسمِ الدِّراساتِ القُـرآنيةِ - جامعة المَلكِ سُعُـود

                تعليق


                • #9
                  كنتُ أيام دراستي بالمدينة سألتُ أستاذنا الدكتور السالم الجكني - حفظه الله - عن هذه الآية ؟ فأخبرني أنَّ هناك كلاماً للشيخ العلامة المفسّر محمد الأمين الشنقيطي - - ثم أتاني به ، وهي عبارة عن مذكرة بخط الشيخ أحمد بن محمد الأمين - ابن عم الشيخ محمد الأمين الشنقيطي - الموجود بالمسجد النبوي عند مكتبة باب عمر بن الخطاب - في تلك الفترة - فقرأتُ هذه المذكرة، وأعجبني بما فيها، وطلبتُ من شيخنا السالم - وفقه الله - أن أصوّر . فقال: إنه سيستأذن من الشيخ أحمد في ذلك . ثم أخبرني بأنَّ الشيخ رفض التصوير، ثم أرسلتُ أحد الإخوة المقربين من الشيخ وكلَّمه بشأن هذه المذكرة، فأخبره بأنه سيطبعها - وانتظرتها طويلاً ثم رأيتها في إحدى المنتديات جزءاً منها كتبه أخونا هذا - جزاه الله خيراً .

                  أحببتُ أن يطلع عليه الإخوان في هذا الملتقى المبارك ، وها هو دونك :

                  -حوار بين الشيخ محمد بن إبراهيم والشيخ الشنقيطي رحمهما الله حول فناء النار

                  الكتاب مجالس مع فضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي من صفحة 50 إلى صفحة 72:
                  قال الشيخ أحمد بن محمد الأمين:
                  لقد استدعى المسؤولون الشيخين: شيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، والشيخ عبدالرحمن الإفريقي رحمة الله على الجميع، استُدعيا للتدريس بالمعاهد والكليات، وأُنزلا بدار الضيافة، واستقبلهما المسؤولون بحفاوة وتكريم .
                  وحدثني شيخي : أن يوماً من الأيام حضرت جماعة من الأساتذة المصريين للسلام عليهما , ودار بحث في المنطق بين هؤلاء وفضيلة الشيخ محمد الأمين يسألونه عن الفصل بالنسبة للإنسان , فكان يقول:
                  إذا قلنا الإنسان حيوان شاركه في هذا التعريف كل حيوان , وإذا قلنا هو حيوان منتصب القامة يمشي على قدمين عاري الجسد , كان بإمكان صاحب سفسطة أن يأخذ دجاجاً وينتف ريشه حتى يكون عاري الجسد، ويقول : هذا منتصب القامة يمشي على قدمين , وإذا قلنا هو الحيوان الضاحك شاركه القرد في ذلك , لكن إذا قلنا هو الحيوان الناطق اختص الإنسان بهذا الوصف , فهو الفصل بالنسبة إليه .
                  كل ذلك البحث والشيخ عبد الرحمن ينتظر على مائدة الإفطار !
                  فقال لشيخنا : أليس يا شيخ بإمكاننا أن نقول الإنسان حيوان يأكل , فضحك الجميع والتحقوا به ما ألطف نكتته هذه .
                  ولقد أقبل المسؤولون على فضيلة الشيخ محمد الأمين بغاية التقدير والاحترام، وكان هناك مصريٌّ حَضَريٌّ أزهري من أصحاب الشهادات المبروزة، وكان قبل قدوم الشيخ يُعتبر كأنه كبيرُ المدرسين ولما رأى حفاوة المشايخ بفضيلة الشيخ دونه لعل ذلك أخذ بخاطره ـ ولا أظن إلا خيراً ـ، فصار يتحين الفرص له .
                  أخبرني شيخي عليه رحمة الله، قال: عندما كنت خارجاً من فصلٍ كنتُ فيه في درس تفسير، ودخلتُ غرفة استراحة المدرسين، وكان الشيخان: سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبداللطيف آل الشيخ وأخوه الشيخ عبداللطيف بن إبراهيم، كانا موجودين في غرفة استراحة المدرسين، الأول مفتي الديار السعودية، والثاني المدير العام للمعاهد والكليات، فعندما دخلتُ غرفة الاستراحة، إذا ذلك المصري يقول: يا شنقيطي سمعتك تقرر في الدرس أن النار أبدية، وعذابها لا ينقطع ؟ .
                  قلتُ: نعم .
                  فقال: كيف تسمح لنفسك يا شنقيطي! أن تعلّم أولاد المسلمين أن النار أبدية، وعذابها لا ينقطع، وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية والمجدد محمد بن عبد الوهاب يقرران أنها تخبو وينبت في قعرها الجرجير ؟؟ .
                  قال الشيخ: وكنتُ آنذاك حديثَ عهد بالصحراء أغضبُ إذا استغضبت، فقلتُ له: يا مصري! من أخبرك أن الرسول الذي أرسل إليَّ، ووجب عليَّ الإيمان بما جاء به اسمه محمد بن عبد الوهاب؟ إن الرسول الذي أرسل إليَّ ووجب عليَّ الإيمان بما جاء به اسمه محمد بن عبد الله ، ولد بمكة ولم يولد بحريملا، ودفن بالمدينة ولم يدفن بالدرعية، وجاء بكتاب اسمه القرآن، والقرآن أحمله بين جنبيَّ، وهو الذي يجب عليَّ الإيمان بما جاء به؛ ولما تأملت آياته وجدتها مطبقةً على أن النار أبدية، وأن عذابها لا ينقطع، علمتُ ذلك لأولاد المسلمين لمَّا ائتمنني وليُّ أمر المسلمين على تعليمهم، أسمعتَ يا مصري؟؟ .

                  قال: فقال سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم: سَمْ ؟! وهي بلهجة أهل نجد من مدلولها ما تقول ؟ .
                  فقال الشيخ الأمين: فقلتُ لهُ: ذاك إنسان يعي ما يقول !
                  قال: وكان (أي: ابن إبراهيم ) رجلاً عاقلاً، وقد علم أني مُحْتَدٌ .
                  فقال سماحته: أطال الله عمرك، منك نستفيد ـ يعني أفدنا ـ .
                  قال الشيخ الأمين: إني قلت ما قلت بعد أن اطلعتُ على ما استدل به ابن القيم تقريراً لمذهب شيخه .
                  لقد استدل بآية النبأ( لابثين فيها أحقابا * لا يذوقون فيها برداً ولا شرابا * إلا حميماً وغساقا )، وبآية هو ( خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد ) .
                  واستدل بأربعة أحاديث ثلاثة منها في غاية الضعف، ولا يمكن الاحتجاج بها، والرابع حديث طاووس عن عبد الله: ( يأتي على النار زمان تخفق أبوابها، وينبت في قعرها الجرجير) ، وهو حسن السند صالح للاحتجاج به .
                  واستدل ببيت شعر هو قول الشاعر :
                  لمخلف إيعادي ومنجز موعدي ........
                  قال: لا مانع من أن يكون ما يجمل عند العرب كله موجود في القرآن، والعرب يجمل عندهم إخلاف الوعيد وإنجاز الوعد، فلا مانع إذا من إخلاف وعيده لأهل النار بالخلود .
                  قال: وذكر ابن القيم سفسطةً للدهريين هي قولهم: إن الله أعدل من أن يعصيه العبد حقباً من الزمن فيعاقبه بالعذاب الأبدي، قالوا: إن الإنصاف أن يعذبه قدر المدة التي عصاه فيها .
                  وأنا أُجِلُّ ابن القيم عن أن يكون ذكر هذه السفسطة للاحتجاج بها، وإنما ذكرها استطراداً .
                  فقال سماحته: أفدنا أطال الله في عمرك
                  قال شيخنا: فقلتُ له: إني أصبحت وإياك على طرفي نقيض، أنتم تمثلون طائفة من المسلمين تقول بفناء النار وانقطاع عذابها، وأنا أمثل طائفة من المسلمين تقول النار أبدية وعذابها لا ينقطع، والله تعالى يقول: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) إلى قوله تعالى ( ذلك خير وأحسن تأويلا ) .
                  فقد أصبحنا يا سماحة الشيخ بمثابة المتناظرين، ولا بد للمتناظرين من حَكَمٍ يُحكمانه بينهما يرجعان إليه لئلا يتسع الخلاف .
                  قال سماحته: فماذا ترى أن نحكم بيننا؟ .
                  قال شيخنا: أرى أن نحكم بيننا كتاب الله تلاوةً لا تأويلا، معناه أنه لا يقبل من أحدنا الاستدلال إلا بآية يشهد له منطوقها بدلالة المطابقة .

                  قال سماحة الشيخ محمد: فقد حكمنا بيننا كتاب الله تلاوة لا تأويلا .
                  فقال الشيخ الأمين: إذا شاء سماحتكم بحثنا هذه المسألة بالدليل الجَدَلي المعروف بالسبر والتقسيم، والذي أتى به صاحب مراقي السعود ـ المسلك الرابع من مسالك العلة ـ حيث يقول :
                  والسبر والتقسيم قسم رابع أن يحصر الأوصاف فيه جامع
                  ويبطل الذي لها لا يصلح فما بقي تعيينه متضح
                  ومعنى البيتين: أن يجمع المتناظران أو المتناظرون الأوصاف التي يحتمل أن تكون مسألة النزاع متصفة بها، فإن اتفقا أو اتفقوا أنَّ أوصاف المسألة محصورة فيما جمعوا، شرعوا في سبرها، أي: في اختبارها، أي: بعرضها واحدة بعد واحدة على المحكم، فما رد منها المحكم وجب رده، وما بقي تعيَّن الأخذ به .
                  فقال سماحة الشيخ محمد: وافقنا على بحث المسألة بالسبر والتقسيم .
                  قال شيخنا: قيدوا ما تتفقون عليه من احتمالات للمسألة لتتمكنوا من عرضها على المحكم واحدة بعد الأخرى، فمثلاً :
                  يحتمل: أن النار تخبو .
                  ويحتمل: أنها تأكل من أُلقي فيها حتى لا يبقى من أهلها شيء .
                  ويحتمل : أنهم يخرجون منها فراراً منها .
                  ويحتمل: أنهم يموتون فيها، والميت لا يحس ولا يتألم .
                  ويحتمل: أنهم يتعودون حرَّها فلا يبق يؤلمهم .
                  ويحتمل: أنه لا يقع شيء من ذلك كله، وأنها أبدية وعذابها لا ينقطع .
                  ولمّا اتفق الحضور على أنه لا يوجد احتمال بعد هذه الاحتمالات الستة المقيدة، ابتدؤوا بعرض الاحتمالات على المحكم .
                  قالوا: يحتمل أنها تخبو، فإذا المحكم يقول: (كلما خبت زدناهم سعيراً)، ومعلوم أن (كلما) أداة من أدوات التكرار بلا خلاف، فلو قلت لغلامك: كلما جاءك زيد أعطه كذا من مالي، فإذا منعه مرة ظلمه بلا خلاف .
                  وقالوا: يحتمل أنها تأكلهم حتى لم يبق منهم شيء، فإذا المحكم يقول: (كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب)، فلم يبق لهذا الاحتمال نصيب بموجب هذه الآية .
                  وقالوا: يحتمل أنهم يخرجون منها هاربين، فإذا المحكم يقول: (كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها)، ويقول: (وما هم منها بمخرجين)، فلم يبق لهذا الاحتمال أيضاً نصيب من الاعتبار .
                  وقالوا: يحتمل أنهم يموتون فيها والميت لا يحس ولا يتألم، فإذا المحكم يقول: (إنه من يأت ربه مجرماً فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحي)، ويقول: (ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت)، فلم يبق لهذا الاحتمال نصيب من الاعتبار .
                  وقالوا : يحتمل أنهم يتعودون حرها فلم يبق يؤلمهم لتعودهم عليه، فإذا المحكم يقول: (فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا)، ويقول: (إن عذابها كان غراماً)، والغرام: الملازم، ومنه جاء تسمية الغريم، ويقول المحكم: (فسوف يكون لزاما)، فلم يبق لهذا الاحتمال أيضاً نصيب من الاعتبار .
                  قال شيخنا: فلم يبق إلا الاحتمال السادس، وهو أنها أبدية وعذابها لا ينقطع، وقد جاء ذلك مبيناً في كتاب الله العزيز في خمسين موضعاً منه .
                  فسردها لهم مرتبة بحسب ترتيب مصحف عثمان ، وكأنها جاءت مسرودة في صفحة واحدة .
                  قلت أنا الفودري سبحان الله سرد الشيخ خمسين آية في مسألة واحدة من أول القرآن إلى آخر القرآن وكأنها في صفحة واحدة بارك الله في ذاكرة العلماء وجعلني الله وإياكم ممن يتمتعون بذاكرة مثلهم
                  وعند ذلك قال سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي الديار السعودية، قال: آمنا بالله وصدقنا بما جاء في كتاب الله .
                  فقال شيخنا على رحمة الله: وعلينا أن نجيب عن أدلة ابن القيم، وإلا تركنا المسلمين في حيرة، ولنجيبنَّ عليها بالكتاب تلاوة لا تأويلا، فنقول :
                  أما آية النبأ، فلا دليل فيها لما يريد الاستدلال بها عليه، إذ غاية ما تفيده آية النبأ هذه، هو: أن أهل النار يمكثون أحقاباً من الزمن في نوع من العذاب هو الحميم والغساق، ثم ينتقلون منه إلى آخر بدليل قوله تعالى في (ص): (هذا فليذوقوه حميم وغساق * وآخر من شكله أزواج)، ومعلوم أن عذاب أهل النار أنواع، وخير ما يفسر به القرآن القرآن .
                  وأما استدلاله ببيت الشعر فإن ما قاله يمكن اعتباره لولا أننا سمعنا الله تعالى يقول في كتابه: إن وعيده لأهل النار لا يخلف، قال في (ق): (قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد * ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد)، وقال أيضاً في نفس السورة: (كل كذب الرسل فحق وعيد ) .
                  وأما سفسطة الدهريين التي ذكرها استطراداً، فقد تولى الله تعالى الجواب عنها في محكم تنزيله، وهو الذي يعلم المعدوم لو وجد كيف يكون، وقد علم في سابق علمه أن الخُبث قد تأصل في أرومة هؤلاء الخبثاء بحيث إنهم لو عذبوا القدر من الزمن الذي عصوا الله فيه، ثم عادوا إلى الدنيا لعادوا لما يستوجبون به العذاب، لا يستطيعون غير ذلك، قال تعالى في سورة الأنعام: (ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين * بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون ) .
                  فيبقى لدينا من أدلة ابن القيم آية هود، وهي قوله تعالى: (خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد)، وحديث أبي داود وهو قوله : (يأتي على النار زمان تخفق أبوابها وينبت في قعرها الجرجير)، أو كما قال ، فإنهما دليلان صالحان للاحتجاج بهما، فيجب علينا البحث والتنقيب عن وجه يمكن به الجمع بين الأدلة، لأن إعمال الدليلين أولى من طرح أحدهما كما هو مقرر في فن الأصول، قال في مراقي السعود:
                  والجمع واجب متى ما أمكنا إلا فللأخير نسخ بينا
                  إن عندنا أدلة على أن النار أبدية ولا ينقطع عذابها، وهذه الآية التي من سورة هود وهذا الحديث الحسن دليلان يفيدان أن النار تفنى، فما العمل؟ .
                  والجواب: أننا نرى إمكان الجمع بين هذه الأدلة، بحمل آية هود وحديث أبي داود على الدَّرك من النار المخصص لتطهير عصاة المسلمين، فإنه يخرج منه آخر من بقلبه مثقال ذرة من إيمان، ويخبو وتخفق أبوابه وينبت في قعره الجرجير، أما دركات النار المعدة سجناً وعذاباً للكفار فهي أبدية وعذابها لا ينقطع .
                  وهنا تنسج الأدلة الشرعية في بوتقة واحدة لا تعارض بينها، ولا يكذب بعضها بعضا، وبالله تعالى التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل .
                  فقال سماحة المفتي الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبداللطيف آل الشيخ: (يا عبداللطيف ـ يعني أخاه المدير العام للمعاهد والكليات ـ الرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الباطل، من الآن قرروا أن النار أبدية، وأن عذابها لا ينقطع، وأن تلك الأدلة المراد بها الدرك من النار المخصص لتطهير عصاة المسلمين)، وبالله تعالى التوفيق .
                  تنبيه :
                  وحيث إن سماحة المرحوم بإذن الله العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم آل عبداللطيف آل الشيخ هو المرجع الأول للعلم ورعايته وإنه اقتنع بعد هذا المجلس بخلود عذاب أهل النار المشركين بالله وأمر بتقرير ذلك في البرامج التعليمية , فما كان يدور بخلدي أنه بقي من يتشبث بهذا القول .

                  ( انتهت بحمد الله من رسالة ( مجالس مع فضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ) للشيخ أحمد بن محمد الأمين )

                  تعليق


                  • #10
                    بارك الله فيك أخانا أبا إسحاق على هذه الفائدة الجليلة

                    رحم الله الشيخ محمد الأمين رحمة واسعة كان آية في تقرير المسائل العلمية واستنباط الأحكام وأضواء البيان خير شاهد على ذلك.

                    أعلم أن للشيخ تعالى أشرطة تحوي بعض دروسه في التفسير التي كان يلقيها في المسجد النبوي ولا أدري هل قام أحد بتفريغها واخراجها أم لا ؟

                    تعليق


                    • #11
                      فوائد قيمة بارك الله فيكم جميعاً .
                      وأشكر أخي أبا إسحاق الحضرمي على هذا النقل المفيد عن الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ، وهو مثال قيم لحسن الحوار حول المسائل العلمية، وتحديد المرجعية عند الاختلاف، وطريقة فرز الاحتمالات الممكنة (السبر والتقسيم) ، وتوظيف علوم الآلة في الوصول للنتائج العلمية (المنطق - أصول الفقه - علم الجدل - دقة الاستنباط من الدليل) ونحن في حاجة ماسة إلى إبراز الأمثلة الكثيرة على هذه الطريقة حتى نستفيد منها في تعلمنا ودراستنا للتفسير وفهم القرآن الكريم .
                      عبدالرحمن بن معاضة الشهري
                      أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود

                      تعليق


                      • #12
                        المشاركة الأصلية بواسطة حجازي الهوى مشاهدة المشاركة
                        أعلم أن للشيخ تعالى أشرطة تحوي بعض دروسه في التفسير التي كان يلقيها في المسجد النبوي ولا أدري هل قام أحد بتفريغها واخراجها أم لا ؟
                        لقد فُرغتْ أشرطة التفسير للشيخ الشنقيطي التي كان يلقيها في المسجد النبوي، وقام بهذا الجهد الشيخ الفاضل خالد بن عثمان السبت - حفظه الله - باسم ( العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير ) أو نحو هذا .
                        ثم طبعت ضمن أعمال الشيخ التي أشرف عليها تلميذه العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد - - والتي تشرفت بطباعتها دار عالم الفوائد بمكة المكرمة . وقد أهداني شيخي عبد الله بن الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ( ابن الأمين ) نسخة منه - جزاه الله عني خيراً - .

                        تعليق


                        • #13
                          بارك الله فيكم جميعا، نقل مفيد جدا عن العلامة محمد الأمين الشنقيطي تعالى

                          تعليق

                          19,962
                          الاعــضـــاء
                          231,992
                          الـمــواضـيــع
                          42,584
                          الــمــشـــاركـــات
                          يعمل...
                          X