• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • ما الدليل على أن جبريل عليه السلام سمع القرآن العظيم من الرب تبارك وتعالى ؟

      بسم الله الرحمن الرحيم
      قال الإمام أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرخي الشافعي في كتابه الذي سماه الفصول في الأصول عن الأئمة الفحول : " سمعت الإمام أبا بكر عبيد الله بن أحمد يقول : سمعت الشيخ أبا حامد الإسفرائيني يقول : مذهبي ومذهب الشافعي وفقهاء الأمصار أن القرآن كلام الله غير مخلوق ، ومن قال مخلوق فهو كافر ، والقرآن حمله جبريل مسموعاً من الله تعالى ، والنبي سمعه من جبريل ، والصحابة سمعوه من النبي ، وهو الذي نتلوه نحن بألسنتنا ، فما بين الدفتين وما في صدورنا مسموعاً ومكتوباً ومحفوظاً ومنقوشاً كل حرف منه كالباء والتاء كله كلام الله غير مخلوق ، ومن قال مخلوق فهو كافر عليه لعائن الله والملائكة والناس أجمعين " . نقله شيخ الإسلام ابن تيمية تعالى في شرح الأصفهانية .
      وقال الإمام ابن القيم تعالى في النونية :
      لكن أهل الحق قالوا إنما = جبريل بلغه عن الرحمن
      ألقاه مسموعا له من ربه = للصادق المصدوق بالبرهان

      قال مقيده عفا الله عنه : وقد تطلبت لهذا الأصل دليلاً ، فوجدت أن أحسن ما يستدل به حديثان الأول مرفوع والثاني موقوف .
      أما الأول : فقد قال إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة تعالى في كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب ص348-349 : " بَاب صفة تكلم الله بالوحي وشدة خوف السموات منه وذكر صعق أهل السموات وسجودهم لله عزوجل
      حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنِ إِيَاسٍ الْمِصْرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي زَكَرِيَّا عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُوحِيَ بِالأَمْرِ تَكَلَّمَ بِالْوَحْيِ أَخَذَتِ السَّمَاوَاتُ مِنْهُ رَجْفَةً أَوْ قَالَ رِعْدَةً شَدِيدَةً خَوْفًا مِنَ اللَّهِ فَإِذَا سَمِعَ بِذَلِكَ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ صَعِقُوا وَخَرُّوا لِلَّهِ سُجَّدًا فَيَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ جِبْرِيلُ فَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ مِنْ وَحْيِهِ بِمَا أَرَادَ ثُمَّ يَمُرُّ جِبْرِيلُ عَلَى الْمَلائِكَةِ كُلَّمَا مَرَّ بِسَمَاءِ سَمَاءٍ سَأَلَهُ مَلائِكَتُهَا مَاذَا قَالَ رَبُّنَا يَا جِبْرِيلُ فَيَقُولُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَالَ الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ قَالَ فَيَقُولُونَ كُلُّهُمْ مِثْلَ مَا قَالَ جِبْرِيلُ فَيَنْتَهِي جِبْرِيلُ بِالْوَحْيِ حَيْثُ أَمَرَهُ اللَّهُ ".
      والحديث أخرجه الطبراني في الكبير كما في مجمع الزوائد (7/94-95) والبيهقي في الأسماء والصفات برقم (435) .
      والثاني : قال الإمام عبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل في كتاب السنة رقم ( 536) : " حدثني أبي نا عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن الأعمش عن مسلم [ بن صبيح وهو أبو الضحى ] عن مسروق عن عبدالله : إذا تكلم الله عز و جل بالوحي سمع صوتَه أهل السماء فيخرون سجداً ، حتى إذا فزع عن قلوبهم ، - قال : سكن عن قلوبهم - نادى أهل السماء ماذا قال ربكم ؟ قال صلى الله عليه و سلم : الحق قال كذا وكذا " .
      قال أبو نصر السجزي في رسالته لأهل زبيد بعد ذكره : " ما في رواته إلا إمام مقبول " .
      قلت : وهذا الأثر لا يستقل بالدلالة على المراد ، وإنما يوضح ما في حديث النواس الأول ، من إبهام في صفة التكليم ، إذ صرح ابن مسعود أن التكليم يكون بصوت مسموع ، والله أعلم

    • #2
      بارك الله فيك ..
      هذا الذي ذكرته مجمع عليه بين السلف ، وقد أطال الإمام السجزي في رسالته "الرد على من أنكر الحرف والصوت" في بيان ذلك، والرد على الجهمية والكلابية ومن وافقهم من أهل الأهواء .
      عمر بن عبدالله المقبل
      أستاذ الحديث بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة القصيم

      تعليق


      • #3
        وفيكم بارك .
        من العلماء نص على أن السلف أجمعوا على أن جبريل سمع القرآن العظيم من الرب ؟ .

        تعليق


        • #4
          أرجو من الإخوة مراعاة عدم الخروج عن الموضوع الأصلي للمشاركة، وقد تم حذف بعض المشاركات التي نحت بالموضوع منحى آخر ليس هذا محله.

          وبالنسبة لهذا الموضوع فقد كتبت عنه ضمن هذه المشاركة:

          المشاركة الأصلية بواسطة أبومجاهدالعبيدي مشاهدة المشاركة
          والمذهب الصحيح الذي عليه أهل السنة والجماعة في كيفية وحي الله إلى جبريل بالقرآن أن جبريل - - قد سمع القرآن الكريم من الله تعالى بكلامه المخصوص وبالكيفية التي يعلمها الله تعالى وحده .
          ويؤيد هذا ويدل عليه ماجاء في الحديث الشريف عن النواس بن سمعان - - عن النبي قال : إذا أراد الله أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي أخذت السماوات منه رجفة ، أو قال : رعدة شديدة خوفاً من الله عزوجل ، فإذا سمع ذلك أهل السموات صعقوا وخرّوا لله سجداً ، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل - - فيكلمه الله من وحيه بما أراد ، ثُمَّ يمر جبريل على الملائكة كلما مرّ بسماء سأله ملائكتها : ماذا قال ربنا يا جبريل ؟ فيقول جبريل : ( قال الحق وهو العلي الكبير ) فيقولون كلهم مثلما قال جبريل ، فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله عزوجل . [هذا الحديث أخرجه الطبري في تفسيره 10/373 ، والبيهقي في الأسماء والصفات 1/511 - 512 رقم [435] وقال محققه : إسناده ضعيف . وأخرجه أيضاً البغوي في تفسيره 6/398 ، وذكره ابن كثير في تفسيره 3/516 وعزاه لابن أبي حاتم ثُمَّ قال : ( وقال ابن أبي حاتم : سمعت أبي يقول : ليس هذا الحديث بالتام عن الوليد بن مسلم - - ) .
          والحديث ضعفه الألباني في ظلال الجَنَّة 1/227 .
          والحديث ثابت بلفظ قريب من هذا ، وهو : ( إذا تكلم الله تعالى بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجرس السلسلة على الصفا ، فيصعقون ، فلايزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل ، حتى إذا جاءهم جبريل فزّع عن قلوبهم ، قال : فيقولون : يا جبريل ! ماذا قال ربك ؟ فيقول : الحق ، فيقولون : الحق الحق ) . فقد ذكره الألباني بهذا اللفظ في الصحيحة برقم [1293] ثُمَّ قال : ( أخرجه أبو داود 2/536 - 537 الحلبي ) وابن خزيمة في التوحيد ص 95 - 96 ، والبيهقي في الأسماء والصفات ص 200 عن أبي معاوية عن الأعمش عن مسلم بن صبيح عن مسروق عن عبدالله قال : قال رسول الله r فذكره . قلتُ : وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ... ) السلسلة الصحيحة 3/282 - 283 . وانظر أيضاً في تخريجه : كتاب شرح لمعة الاعتقاد للشيخ محمد بن عثيمين ، بتحقيق أشرف بن عبدالمقصود ص 76 ، 77 - حاشية ) .]
          ولقراءة هذا الكلام في سياقه ينظر :
          مسائل في الوحي
          محمدبن عبدالله بن جابر القحطاني
          [email protected]

          تعليق


          • #5
            جزاكم الله خيرا شيخنا الفاضل

            تعليق


            • #6
              هذا مقال آخر في المسألة ( أحسن من الأول ) :
              بسم الله الرحمن الرحيم
              الدليل على أن جبريل سمع القرآن العربي من الرب
              البحث هنا في القرآن العربي الذي أنزله الله تعالى على نبيه ، وهو الذي يقرأه المسلمون بألسنتهم ، ويكتبونه في مصاحفهم ويحفظونه في صدورهم ، وهو سور وآيات وحروف وكلمات هل سمعه جبريل من الله تعالى ؟.
              فهذا القرآن العربي لا بُدَّ له من متكلم تكلم به ابتداءً .
              فإما أن يكون الذي تكلم به هو الله أو غيره .
              وقد دل الدليل على الأول .
              وإذا أبطلنا القول بأن المتكلم به غير الله تعالى ، ثبت القول بأنه هو المتكلم به .
              وإذا ثبت أن الله تعالى تكلم به فلا يخلو من أمرين أو أحدهما :
              أن يكون كلاماً مسموعاً : تكلم به تعالى بصوت مسموع .
              أن يكون كلاماً مكتوباً : كتبه بيمينه كما كتب التوراة بيمينه . وهذا أيضاً يسمى كلام الله تعالى ، لأن الله تعالى سمى التوراة كلامه فقال : ﴿ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ .
              وجبريل إما أن يكون أخذ القرآن سماعاً عن الله تعالى ، أو أخذه عن المكتوب .
              وإذا انتفى الثاني ثبت الأول ، وهو المطلوب .

              ولنرجع لبيان هذا :
              قولي : " البحث هنا في القرآن العربي الذي أنزله الله تعالى على نبيه ، وهو الذي يقرأه المسلمون بألسنتهم ، ويكتبونه في مصاحفهم ويحفظونه في صدورهم ، وهو سور وآيات وحروفٌ وكلمات ، هل سمعه جبريل من الله تعالى ؟ " .
              احترزتُ به عن قرآن الأشعرية الأول ، إذ القرآن عند الأشعرية قرآنان :
              الأول : المعنى القديم القائم بالله تعالى .
              والثاني : هو القرآن العربي ، أي : ذو الألفاظ العربية .
              وهم يثبتون أن القرآن الأول يجوز سماعه من الله تعالى ، ويفسرون السماع بأنه الفهم والإدراك ، كما نص عليه إمام الحرمين في الإرشاد (1 ) ، أما سماع صوته تعالى - الذي ثبت بالأحاديث - فينفونه .
              وكذلك يثبتون نزول القرآن ، ويفسرون النزول بالإعلام والإفهام ، أما النزول المعروف في لغة العرب فينفونه ، بناء على نفي العلو ، قال الباقلاني في الإنصاف : " كلام الله تعالى - القديم الأزلي القائم بذاته - منزل على قلب النبي نزول إعلام وإفهام لا نزول حركة وانتقال " .
              فلا فرق عندهم إذن بين نزول القرآن وسماع القرآن !
              وعليه ، فما نقله السيوطي في الإتقان (2 ) عن البيهقي في معنى قوله تعالى ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾ قال : " يريد - والله أعلم - إنا أسمعنا الملك وأفهمناه إياه ، وأنزلناه بما سمع فيكون الملك منتقلا به من علو إلى أسفل " (3 ) ، خارج عن محل البحث ، لأن كلام البيهقي في الكلام القديم أو القرآن الأول ، وليس في القرآن الثاني .
              وقولي : " فهذا القرآن العربي لا بُدَّ له من متكلم تكلم به ابتداءً " .
              هذه مقدمة ضرورية ، لأن كُلَّ فعلٍ لا بد له من فاعل .
              قولي : " فإما أن يكون الذي تكلم به هو الله أو غيره ، وقد دل الدليل على الأول " .
              قال تعالى : ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (100) وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (102) ﴾ .
              في قوله تعالى : ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ﴾ دليل على أن القرآن العربي منزل من الله تعالى ، والذي يدل على أن الذي نزله روح القدس هو القرآن العربي سياق الآيات ، إذ التبديل والنسخ يحصل في القرآن العربي ، وكذلك القراءة التي تسبقها الاستعاذة .
              والآيات الدالة عن أن القرآن العربي منزل من الله تعالى كثيرة .
              والعبارة الشهيرة عن السلف : " القرآن كلام الله منه بدأ وإليه يعود " تدل على أن الله تعالى تكلم به حقيقية ، وهو معنى : " منه بدأ " .
              قال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي تعالى : سمعت إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يقول : قال سفيان ابن عيينة : قال عمرو بن دينار : أدركت أصحاب النبي فمن دونهم منذ سبعين سنة يقولون : الله الخالق وما سواه مخلوق ، والقرآن كلام الله منه خرج وإليه يعود "(4 ) .
              وروى المروذي أحمد بن محمد قال : قال أحمد بن محمد بن حنبل : " لقيت الرجال والعلماء والفقهاء بمكة والمدينة والكوفة والبصرة والشام والثغور وخراسان ، فرأيتهم على السنة والجماعة وسألت عنها الفقهاء ؛ فكل يقول : " القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود " .
              قال الحافظ ضياء الدين المقدسي في اختصاص القرآن ( 5) : " وقد وردت هذه اللفظة عن جماعة ؛ منهم عبد الله بن مسعود ، وسفيان الثوري ، ووكيع بن الجراح ، وأبو نعيم الفضل بن دكين ، وعبد الله بن المبارك " .
              قال ابن تيمية : " قَوْلُهُمْ : مِنْهُ بَدَأَ : رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ : إنَّهُ مَخْلُوقٌ فِي بَعْضِ الْأَجْسَامِ، وَمِنْ ذَلِكَ الْمَخْلُوقِ ابْتَدَأَ ، فَبَيَّنُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ ؛ مِنْهُ بَدَأَ ، لَا مِن بَعضِ المَخلُوقَاتِ .
              وَإِلَيْهِ يَعُودُ : أَي : فَلَا يَبقَى فِي الصُّدُورِ مِنهُ آيَةٌ ، وَلَا فِي المَصَاحِفِ حَرفٌ " (6 ) .
              قولي : " وإذا أبطلنا القول بأن المتكلم به غير الله تعالى ، ثبت القول بأنه هو المتكلم به " .
              القائلون بأن المتكلم به غير الله تعالى على ثلاثة أقوال ، كلها للأشعرية ، وقد ذكرها السمرقندي ونقلها عنه السيوطي في الإتقان ( 7) قال : " في المنزل على النبي ثلاثة أقوال :
              أحدها : أنه اللفظ والمعنى ، وأن جبريل حفظ القرآن من اللوح المحفوظ ونزل به .
              والثاني : أن جبريل إنما نزل بالمعاني خاصة ، وأنه عَلِمَ تلك المعاني وعبر عنها بلغة العرب ، وتمسك قائل هذا بظاهر قوله تعالى : " نزل به الروح الأمين على قلبك " .
              والثالث : أنَّ جبريل أُلقِى إليه المعنى ، وأنَّهُ عبَّر بهذه الألفاظ بلغة العرب ، وأن أهل السماء يقرؤونه بالعربية ، ثم إنه نزل به كذلك بعد ذلك " .
              وهذه الأقوال الثلاثة عقدها ابن القيم في النونية بقوله :
              والخلف بينهم فقيل محمد =أنشاه تعبيراً عن القرآن
              والآخرون أبوا وقالوا إنما =جبريل أنشاه عن المنان
              وتكايست أخرى وقالت إنه = نقل من اللوح الرفيع الشأن
              فاللوح مبدؤه ورب اللوح قد = أنشاه خلقا فيه ذا حدثان
              هذي مقالات لهم فانظر ترى = في كتبهم يا من له عينان
              ولنبطل هذه الأقوال واحداً واحداً :
              أما الأول - وقد جعله البيجوري (8 ) هو التحقيق - : فقول باطل ، لأنه من المعلوم أن اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَدْ كَتَبَ التَّوْرَاةَ لِمُوسَى بِيَدِهِ ، وبَنُو إسْرَائِيلَ أَخَذُوا كَلَامَ اللَّهِ مِنْ الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ هُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِيهِ ، فَإِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ أَخَذَهُ عَنْ جِبْرِيلَ ، وَجِبْرِيلُ عَنْ الْكِتَابِ ؛ كَانَ بَنُو إسْرَائِيلَ أَعْلَى مِنْ مُحَمَّدٍ بِدَرَجَةِ ، قاله شيخ الإسلام ( 9) .
              وقال في موضع آخر : " لَوْ كَانَ جِبْرِيلُ أَخَذَ الْقُرْآنَ مِنْ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ ، لَكَانَ الْيَهُودُ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ، لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ أَنَّ اللَّهَ كَتَبَ لِمُوسَى التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ وَأَنْزَلَهَا مَكْتُوبَةً ، فَيَكُونُ بَنُو إسْرَائِيلَ قَدْ قَرَءُوا الْأَلْوَاحَ الَّتِي كَتَبَهَا اللَّهُ ، وَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَأَخَذُوهُ عَنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمُحَمَّدٌ أَخَذَهُ عَنْ جِبْرِيلَ ، وَجِبْرِيلُ عَنْ اللَّوْحِ ، فَيَكُونُ بَنُو إسْرَائِيلَ بِمَنْزِلَةِ جِبْرِيلَ ، وَتَكُونُ مَنْزِلَةُ بَنِي إسْرَائِيلَ ، أَرْفَعَ مِنْ مَنْزِلَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " (10 ) .
              أما القول الثاني : فهو أشنعها ، وهو قول الوحيد : الوليد بن المغيرة ، ولا أبلغ في رده من أن الله تعالى توعد قائله بسقر : ﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30) ﴾ .
              ومن المعلوم أن الوليد لم يقل عن الكلام النفسي (قرآن الأشعرية الأول) إنه قول البشر، لأن التحدي والإعجاز كان بالقرآن العربي المنزل .
              ومن قال بأن محمداً عبر عن القرآن بلغة العرب ، فقد قدح في أداءه واجب الرسالة والتبليغ .
              أما القول الثالث : قال شيخ الإسلام: " إنه يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ جِبْرِيلُ أُلْهِمَ القرآن إلْهَامًا، وَهَذَا الْإِلْهَامُ يَكُونُ لِآحَادِ الْمُؤْمِنِينَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ﴿ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي ﴾ ، وَقَالَ : ﴿ وَأَوْحَيْنَا إلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ ﴾ ، وَقَدْ أَوْحَى إلَى سَائِر النَّبِيِّينَ ، فَيَكُونُ هَذَا الْوَحْيُ الَّذِي يَكُونُ لِآحَادِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُؤْمِنِينَ أَعْلَى مِنْ أَخْذِ مُحَمَّدٍ الْقُرْآنَ عَنْ جِبْرِيلَ ؛ لِأَنَّ جِبْرِيلَ الَّذِي عَلَّمَهُ لِمُحَمَّدِ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْوَاحِدِ مِنْ هَؤُلَاءِ " ( 11) .
              وقال : " ثم إنْ كَانَ جِبْرِيلُ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ اللَّهِ وَإِنَّمَا وَجَدَهُ مَكْتُوبًا كَانَتْ الْعِبَارَةُ عِبَارَةَ جِبْرِيلَ ، وَكَانَ الْقُرْآنُ كَلَامَ جِبْرِيلَ تَرْجَمَ بِهِ عَنْ اللَّهِ ، كَمَا يُتَرْجَمُ عَنْ الْأَخْرَسِ الَّذِي كَتَبَ كَلَامًا وَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ " (12 ) .
              وهذا القول اختاره الباقلاني في الإنصاف ، واستدل عليه بقوله تعالى : ﴿ فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلاً ما تذكرون تنزيل من رب العالمين ﴾ ، وقوله تعالى : ﴿ فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين وما صاحبكم بمجنون ولقد رآه بالأفق المبين وما هو على الغيب بضنين وما هو بقول شيطان رجيم فأين تذهبون إن هو إلا ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاءون إلا أن يشاء اللّه رب العالمين ﴾
              قال: " وهذا إخبار من الله تعالى بأن النظم العربي الذي هو قراءة كلام الله تعالى ، قول جبريل لا قول شاعر ولا قول كاهن " .
              قلت : هذا الاستدلال باطل ، وقد رده شيخ الإسلام في مواضع ، والرد عليه من وجهين :
              أولها : أَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ هَذَا فِي الْقُرْآنِ فِي مَوْضِعَيْنِ ؛ وَالرَّسُولِ فِي أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ مُحَمَّدٌ وَالرَّسُولُ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى جِبْرِيلُ ، فَلَوْ كَانَ أَضَافَهُ إلَى الرَّسُولِ لِكَوْنِهِ أَحْدَثَ حُرُوفَهُ أَوْ أَحْدَثَ مِنْهُ شَيْئًا لَكَانَ الْخَبَرَانِ مُتَنَاقِضَيْنِ ، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ أَحَدُهُمَا هُوَ الَّذِي أَحْدَثَهَا امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ الْآخَرُ هُوَ الَّذِي أَحْدَثَهَا .
              ثانيها : أن هذا القول لا تقل شناعته عن القول السابق ، قال شيخ الإسلام : " وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ : هُوَ قَوْلُ بَشَرٍ أَوْ جِنِّيٍّ أَوْ مَلَكٍ ، فَمَنْ جَعَلَهُ قَوْلًا لِأَحَدِ مِنْ هَؤُلَاءِ فَقَدْ كَفَرَ" (13 ) .
              فالصواب : أن الكلام إنما يضاف حقيقية لمن قاله مبتدئاً ، لا من قاله مبلغاً مؤدياً .
              وإذا بطلت هذه الأقوال الثلاثة ثبت أن الله تعالى هو الذي تكلم بالقرآن العربي .
              قولي : " وإذا ثبت أن الله تعالى تكلم به فلا يخلو من أمرين أو أحدهما :
              أن يكون كلاماً مسموعاً : تكلم به تعالى بصوت مسموع .
              أن يكون كلاماً مكتوباً : كتبه بيمينه كما كتب التوراة بيمينه . وهذا أيضاً يسمى كلام الله تعالى ، لأن الله تعالى سمى التوراة كلامه فقال : " أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
              " .
              أقول : ثبتت الآثار بأن الله تعالى يتكلم بالوحي بصوت مسموع :
              قال الإمام عبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل في كتاب السنة (14 ) : " حدثني أبي نا عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن الأعمش عن مسلم ( بن صبيح وهو أبو الضحى ) عن مسروق عن عبدالله : إذا تكلم الله عز و جل بالوحي سمع صوتَه أهل السماء فيخرون سجداً ، حتى إذا فزع عن قلوبهم ، - قال : سكن عن قلوبهم - نادى أهل السماء ماذا قال ربكم ؟ قال صلى الله عليه و سلم : الحق قال كذا وكذا " .
              قال أبو نصر السجزي في رسالته لأهل زبيد بعد ذكره : " ما في رواته إلا إمام مقبول " (15 ) .
              قال الإمام أحمد : " وقد سمت الملائكة كلام الله كلاماً ولم تُسمِّه خلقاً ، قوله : حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم .
              وذلك أن الملائكة لم يسمعوا صوت الوحي ما بين عيسى ومحمد وبينهما كذا وكذا سنة .
              فلما أوحى الله إلى محمد سمع الملائكة صوت الوحي كوقع الحديد على الصفا ، فظنوا أنه أمر من الساعة ففزعوا وخروا لوجوههم سُجَّداً ، فذلك قوله حتى إذا فُزِّع عن قلوبهم ، يقول : حتى إذا انجلى الفزعُ عن قلوبهم رفع الملائكة رؤوسهم فسأل بعضهم بعضاً فقالوا : ماذا قال ربُّكم ، ولم يقولُوا ماذا خلق ربكم .
              فهذا بيان لمن أراد الله هداه " ( 16) .
              قال شيخ الإسلام : " وما ذكره أحمد من الفترة وتكلمه بالوحي بعدها قاله طوائف من السلف ، كما ذكره عبد الرزاق في تفسيره : أنبأنا معمر عن قتادة والكلبي في قوله : ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم ﴾ ؛ قالا : لما كانت الفترة بين عيسى ومحمد ، فنزل الوحي .
              قال قتادة : نزل مثل صوت الحديد على الصخر ، فأفزع الملائكة ذلك ، فقال : " حتى إذا فزع عن قلوبهم " يقول : إذا جلي عن قلوبهم قالوا : ماذا قال ربكم ؟ قالوا : ﴿الحق وهو العلي الكبير ﴾ " ( 17) .
              أما أن الله تعالى كتب القرآن ، فقد أخبر الله تعالى أنه في لوح محفوظ : ﴿ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (22) ﴾ وروى ابن جرير عن أنس بن مالك أن اللوح المحفوظ في جَبْهَة إسرافيل (18) .
              قال شيخ الإسلام : " وَاَللَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ وَمَا لَا يَكُونُ أَنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ كَانَ يَكُونُ ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ قَدْ قَدَّرَ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ وَكَتَبَ أَعْمَالَ الْعِبَادِ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلُوهَا ، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي صَرِيحِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَآثَارِ السَّلَفِ ، ثُمَّ إنَّهُ يَأْمُرُ الْمَلَائِكَةَ بِكِتَابَتِهَا بَعْدَ مَا يَعْمَلُونَهَا ؛ فَيُقَابِلُ بِهِ الْكِتَابَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ عَلَى الْوُجُودِ وَالْكِتَابَةَ الْمُتَأَخِّرَةَ عَنْهُ فَلَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ ، هَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ مِنْ السَّلَفِ ، وَهُوَ حَقٌّ .
              فَإِذَا كَانَ مَا يَخْلُقُهُ بَائِنًا مِنْهُ قَدْ كَتَبَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُ ، فَكَيْفَ يُسْتَبْعَدُ أَنْ يَكْتُبَ كَلَامَهُ الَّذِي يُرْسِلُ بِهِ مَلَائِكَتَهُ قَبْلَ أَنْ يُرْسِلَهُمْ بِهِ ؟ " ( 19) .
              قلت : ولم يخبرنا الله تعالى عن كيفية كتابة القرآن في اللوح المحفوظ ، والبحث في ذلك لا طائل تحته ، لأنه قد تقدم أن جبريل لا يأخذ القرآن من اللوح المحفوظ .
              قولي : " وجبريل إما أن يكون أخذ القرآن سماعاً عن الله تعالى ، أو أخذه عن المكتوب .
              وإذا انتفى الثاني ثبت الأول ، وهو المطلوب
              " .
              قلت : تقدم بيان بطلان القول بأن جبريل تلقى القرآن من اللوح المحفوظ .
              فثبت أنه تلقاه مسموعاً من الله تعالى ، وقد نص الإمام أحمد على ذلك ، فقال : افترقت الجهمية على فرق : فرقةٌ قالوا : القرآن مخلوق ، وفرقة قالوا : كلام الله وسكتت، وفرقة قالوا : لفظنا بالقرآن مخلوق .
              قال الله تعالى في كتابه : ﴿ فأجره حتى يسمع كلام الله ﴾ .
              فجبرئيل تسمَّع من الله تعالى ليسمعَهُ النبي من جبرئيل ، ويسمعه أصحاب النبي من النبي ، فالقرآن كلام الله " (20 ) .
              وقال الإمام أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرخي الشافعي في كتابه الذي سماه ((الفصول في الأصول عن الأئمة الفحول)) : " سمعت الإمام أبا بكر عبيد الله بن أحمد يقول : سمعت الشيخ أبا حامد الإسفرائيني يقول : مذهبي ومذهب الشافعي وفقهاء الأمصار أن القرآن كلام الله غير مخلوق ، ومن قال مخلوق فهو كافر ، والقرآن حمله جبريل مسموعاً من الله تعالى، والنبي سمعه من جبريل ، والصحابة سمعوه من النبي ، وهو الذي نتلوه نحن بألسنتنا ، فما بين الدفتين وما في صدورنا مسموعاً ومكتوباً ومحفوظاً ومنقوشاً كل حرف منه كالباء والتاء كله كلام الله غير مخلوق ، ومن قال مخلوق فهو كافر عليه لعائن الله والملائكة والناس أجمعين " (21 ) .
              وقال الإمام ابن القيم تعالى في النونية بعد أن ذكر أقوال الأشعرية السابقة :
              لكن أهل الحق قالوا إنما = جبريل بلغه عن الرحمن
              ألقاه مسموعا له من ربه = للصادق المصدوق بالبرهان
              لكن يشكل هنا ما ورد عَنِ ابْنِ عباس قال : " أنزلَ القرآنَ جُملةً واحدةً إلىٰ السَّماءِ الدّنيا في ليلةِ القدرِ ، ثم أُنزلَ بعد ذٰلكَ بعشرينَ سنةٍ " ثُمَّ قَرَأ : ﴿ وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً ﴾ (الفرقان : 33) ﴿ وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً ﴾ (الإسراء : 106) ( 22) .
              ووجه الإشكال : أن جبريل إن كان ينزل بالقرآن العربي إلى النبي الأمي من السماء الدنيا ، لم يكن نازلاً به من عند الله ، ولا سمعه منه تعالى .
              وللجواب عليه وجهان :
              الأول : أن يقال : من الذي نزل به من الله إلى السماء الدنيا ؟ ، لا ريب أنه جبريل .
              الثاني : أن يقال : إنه سمعه من الله تعالى ونزل به جملة إلى السماء الدنيا ، ثم نزل به مرة أخرى مفرقاً من عند الله تعالى وليس من السماء الدنيا . والله تعالى أعلم .
              وكتب : محمد براء ياسين
              رجب /1430 هـ
              راجعتها في صفر / 1432 هـ

              ------------------------------------
              (1 ) ص134.
              (2 ) ص293 ، ط مجمع الملك فهد .
              (3 ) الأسماء والصفات (1/561) ، ط مكتبة السوادي .
              (4 ) الرد على الجهمية ص189 ، ط بدر البدر .
              (5 ) ص21 ، ط الجديع .
              ( 6) مجموع الفتاوى (12/561).
              (7 ) ص292-293 .
              ( 8) شرح الجوهرة ص95 .
              ( 9) مجموع الفتاوى (12/127-128) .
              (10 ) مجموع الفتاوى (12/520) .
              (11 ) مجموع الفتاوى (12/128) .
              ( 12) مجموع الفتاوى (12/521) .
              ( 13) مجموع الفتاوى (12/136) .
              (14 ) الأثر رقم ( 536) .
              (15 ) الرد على من أنكر الحرف والصوت .
              ( 16) الرد على الزنادقة والجهمية .
              (17 ) التسعينية ص522-523 .
              (18 ) جامع البيان (24/342) .
              ( 19) مجموع الفتاوى (12/127) .
              (20 ) رواه صالح بن الإمام أحمد في المحنة ص72 ، وعنه رواه الإمام إبراهيم الحربي في رسالته في أن القرآن غير مخلوق ص34-36
              ( 21) نقله في شرح الأصبهانية ، وعنه ابن عيسى في شرح النونية .
              (22 ) رواه النسائي في «السنن الكبرىٰ» (113) والحاكم (2/242) والبيهقي في «شعب الإيمانِ» (2249،2250) . قال الحاكم : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ الإسناد ولم يخرجاه . وصححه ابن حجر في «الفتح» (9/4) والسُّيوطيُّ في «الإتقان» (1/118) .

              حمل المقال من هنا

              تعليق


              • #7
                جزى الله المشايخ الأفاضل خيرا على حرصهم على الإفادة، وجعل ما قدموا في موازين حسناتهم.
                وفي الحقيقة لا زال ذلك الإشكال قائما عندي ولم يرفعه عني هذا الجواب بوجهيه؛ لأن القرآن إنما نزل مسموعا، ولم ينزل مكتوبا، ولعل مما يحل هذا الإشكال -والله تعالى أعلم - ما ذهب إليه بعض العلم، كالشعبي من المتقدمين، ومن المتأخرين: ابن عثيمين -رحمة الله عليهم أجمعين- من أن القرآن الكريم إنما ابتدئ إنزاله في ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك منجما في أوقات مختلفة، مباشرة يسمعه جبريل عن رب العزة، وينزل به إلى النبي . ينظر: الإتقان للسيوطي (1/274)، ط/ المجمع، وتفسير سورة البقرة لابن عثيمين (2/337).

                تعليق


                • #8
                  بارك الله فيكم؛ قلتم "من أن القرآن الكريم إنما ابتدئ إنزاله في ليلة القدر"

                  ما المقصود؟ هل نزوله على الرسول عليه الصلاة و السلام أم نزوله إلى السماء الدنيا ?

                  تعليق


                  • #9
                    جوابا على سؤال الأخ سليم الشابي أقول: إن أهل العلم اختلفوا كما هو معلوم في كيفية نزول القرآن على ثلاثة أقول ذكرها الإمام الزركشي في البرهان - النوع الثاني عشر: في كيفية إنزاله- و الإمام السيوطي في الإتقان -النوع السادس عشر: في كيفية إنزاله-:
                    - أحدها وهو الأصح الأشهر أنه نزل إلى سماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة ثم نزل بعد ذلك منجما في عشرين سنة أو ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين على حسب الخلاف في مدة إقامته بمكة بعد البعثة.
                    - القول الثاني أنه نزل إلى السماء الدنيا في عشرين ليلة قدر أو ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين في كل ليلة ما يقدر الله إنزاله في كل السنة ثم نزل بعد ذلك منجما في جميع السنة .
                    - القول الثالث أنه ابتدئ إنزاله في ليلة القدر ثم نزل بعد ذلك منجما في أوقات مختلفة من سائر الأوقات وبه قال الشعبي.
                    و لا ريب أن الصحيح أن القرآن نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في ليلة القدر من رمضان، ثم نزل منجما على رسول الله صلى الله عليه و سلم مدة ثلاث و عشرين سنة، و قد روي عن ابن عباس أنه قال:" فصل القرآن من الذكر، فوضع في بيت العزة من السماء الدنيا، فجعل جبريل ينزل به على النبي صلى الله عليه و سلم- أخرجه الحاكم بسنده عن سعيد بن جبير عنه-.
                    و هذا القول هو الذي رجحه كثير من أهل العلم كالحافظ ابن حجر تعالى حيث قال:" و الأول هو الصحيح المعتمد"، و كذا الإمام السيوطي، و الإمام الزركشي حيث قال بعد أن ذكر الأقوال الثلاث:"والقول الأول أشهر وأصح وإليه ذهب الأكثرون ويؤيده ما رواه الحاكم في مستدركه عن ابن عباس قال:" أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا في ليلة القدر"-قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين- .
                    و هذا هو قول الجمهور،
                    و مما يؤد هذا القول:
                    - أن فيه أحاديث عن حبر الأمة ابن عباس ، و كلامه مما لا مجال للرأي أو الاجتهادفيه لأنه من علم الغيب فيكون حكمها الرفع.
                    -كما أن الآيات التي ذكر فيها نزول القرآن جاء اللفظ فيها عاما، قال تعالى" شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن" و قال جل في علاه:" إنا أنزلناه في ليلة القدر" و قال سبحانه:" إنا أنزلناه في ليلة مباركة"، و الضمير يعود على القرآن، والأصل حمل اللفظ على عمومه ،فيحمل لفظ القرآن على كل القرآن لا على بعضه. فالإنزال أضيف إلى القرآن، فاقتضى ظاهر الآيات: أن القرآن أنزل كله في ليلة واحدة، أي نزل جملة، و ذلك في ليلة القدر، فيكون المقصود في الآيات نزول القرآن جملة إلى بيت العزة من السماء الدنيا.

                    تعليق


                    • #10
                      قال ابن تيمية : ( وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ: إنَّ جِبْرِيلَ أَحْدَثَ أَلْفَاظَهُ وَلَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا إنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَهَا فِي الْهَوَاءِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ وَلَا إنَّ جِبْرِيلَ أَخَذَهَا مِنْ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ بَلْ هَذِهِ الْأَقْوَالُ هِيَ مِنْ أَقْوَالِ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ. ) مجموع الفتاوى 12 / 308

                      تعليق


                      • #11
                        السلام عليكم
                        جزاكم الله خيرا
                        ما قولكم فى قول القائل : القرآن جُعل عربيا بعد أن لم يكن كذلك فى أم الكتاب ، كما ورد فى أول الزخرف " حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (4) ، ..؟

                        تعليق


                        • #12
                          وعليكم السلام
                          قال الإمام القرطبي : ومعنى : ( جعلناه ) أي : سميناه ووصفناه ، ولذلك تعدى إلى مفعولين ، كقوله تعالى : ما جعل الله من بحيرة . وقال السدي : أي : أنزلناه قرآنا . مجاهد : قلناه . الزجاج وسفيان الثوري : بيناه .

                          تعليق


                          • #13
                            وقال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في موسوعة الألباني في العقيدة جزء ٧ صـ ٨٧٥:


                            باب الرد على من استدل على خلق القرآن بقوله تعالى: إنا جعلناه قرآنا عربيا فقال: المجعول لا يكون إلا مخلوقا.
                            [ذكر الذهبي في "العلو" أن أهل الضلال قالوا أن القرآن كلام الله وتنزيله وأنه مخلوق", وذكروا في دليلهم [إنا جعلناه قرآنا عربيا] وقالوا: والمجعول لا يكون إلا مخلوقا].

                            [فعلق الإمام على ذلك قائلا]:
                            هذا القول باطل ظاهر البطلان، وكأنه لذلك لم يتعرض المصنف لرده، لكن لا بد لنا في هذا التعليق من الإشارة إلى بعض الآيات التي استدل بها أهل الحديث على بطلانه، فقد قالوا ما ملخصه: إن لفظة "جعل" لا تأتي بمعنى "خلق" كلما ذكرت، وفي أي مكان وقعت، كقوله تعالى: ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب، فليست هنا بمنى الخلق قطعا، بل إن الله تعالى قد أضاف هذه اللفظة إلى بعض المخلوقين فقال في يوسف : «جعل السقاية في رحل أخيه» بل قال في المشركين: وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا فهل المعنى أن المشركين خلقوا الملائكة ... ؟! تعالى الله عن تفسير المبتدعة لكلامه علوا كبيرا.

                            فإذا تبين هذا كان لا بد من تفسير اللفظة المذكورة بالنظر إلى الموضع الذي وردت فيه، فإذا كان قوله تعالى: جعلنا قرآنا عربيا إنما هو القرآن قطعا، وكان القرآن من كلامه تعالى قطعا، وكان كلامه صفة من صفاته، وصفاته تعالى كلها أزلية غير مخلوقة كذاته، لم يجز حينئذ أن تفسر هذه اللفظة بما ينافي هذه الأمور المقطوع بها، قالوا: فالمعنى: إن الله تعالى لما كان يعلم الألسنة كلها وهو قادر على أن يتكلم بما شاء منها متى شاء، فإن شاء تكلم بالعربية، وإن شاء تكلم بالعبرية، قال جعلناه قرآنا عربيا أي جعله عربيا من كلامه، كما جعل التوراة والإنجيل عبريا من كلامه، ذلك لأنه أرسل كل رسول بلسان قومه ليبين لهم، كما قال تعالى في كتابه, فمعنى قوله "جعلناه": صرفناه من لغة إلى أخرى، وليس خلقناه."انظر الرد على المريسي" (ص 123 - 124).

                            "مختصر العلو" (ص175).

                            تعليق


                            • #14
                              هل يمكن تلخيص ما سبق ؟ هل هناك دليل صريح على أن الله تكلم بالقرآن تحديداً حرفاً وصوتاً ؟ وهل نقله جبريل - وهي مسألة مغايرة - إلى النبي حرفاً وصوتاً أم كله عن طريق " صلصلة الجرس " كما ورد في البخاري ؟ وهل " صلصلة الجرس " تفسير لقول الله " على قلبك لتكون من المنذرين " أم هذا شئ وهذا شئ ؟

                              أعتذر عن التشعب ولكن لا أعرف من غيركم أسأل

                              تعليق


                              • #15
                                أخي عمر
                                ١. ما ثمرة هذا السؤال ؟
                                ٢. وما مآلات (الإحاطة بكنه) القرآن الكريم الذي سمعه جبريل من الخالق ؟
                                ٣. وهل (الإحاطة بكنهه) مطلوباً شرعاً ؟

                                * فإذا كان مطلوباً شرعاً : هل الوصول إليه يكون بالاجتهاد أم بالسماع (الخبر الصحيح)؟
                                الأستاذ الدكتور عبدالرحيم الشريف
                                أستاذ التفسير وعلوم القرآن
                                نائب عميد كلية الشريعة
                                جامعة الزرقاء / الأردن

                                تعليق


                                • #16
                                  المشاركة الأصلية بواسطة عبدالرحيم الشريف مشاهدة المشاركة
                                  أخي عمر
                                  ١. ما ثمرة هذا السؤال ؟
                                  ٢. وما مآلات (الإحاطة بكنه) القرآن الكريم الذي سمعه جبريل من الخالق ؟
                                  ٣. وهل (الإحاطة بكنهه) مطلوباً شرعاً ؟
                                  الرد عليهم جميعاً واحد
                                  ما ثمرة دفاع البخاري وأحمد بن حنبل عن قضية " القرآن كلام الله فهل هو مخلوق أم غير مخلوق ؟ أهل السنة يصرون على انه غير مخلوق والمعتزلة يصرون على أنه مخلوق "
                                  ما ثمرة ذلك ؟
                                  نفس ثمرة العلم بكنه القرآن ، لأني دخلت في حوار مع نصراني وبدأت معه بإثبات أن القرآن وحي من عند الله عن طريق شرح كيف وصلنا القرآن منطوقاً ، فأريته سند الدكتور أيمن سويد الذي عرضه على قناة اقرأ كمثال في برنامج الإتقان لتلاوة القرآن، فقال لي هذا النصراني بعد أن رأى السند كاملاً : حفص عن عاصم عن أبي عبد الرحمن السلمي عن زيد بن ثابت، فبعد زيد بن ثابت، الرسول، وبعد الرسول، جبريل، وبعد جبريل، الله ، فهل الرسول سمع القرآن من جبريل بألفاظه كما هي ؟ وهل جبريل سمع القرآن من الله بكلماته كما هو ؟ فلم أجد رد لجهلي بالأسئلة التي وضعتها في مشاركتي السابقة

                                  وكل هذا يدخل تحت " الوحي وشبهاته " كأحد علوم القرآن



                                  المشاركة الأصلية بواسطة عبدالرحيم الشريف مشاهدة المشاركة
                                  * فإذا كان مطلوباً شرعاً : هل الوصول إليه يكون بالاجتهاد أم بالسماع (الخبر الصحيح)؟
                                  لما سبق ذكره أعتقد أن سؤالي مطلوب شرعاً، ولذلك سألت، ولا يثبت ذلك إلا بحديث مرفوع، وعلى أقل الأحوال قول صحابي أو تابعي، ولا أنزل من ذلك . لاحتمال تلقي الثاني عن الأول وتلقي الأول عن الرسول . أما بعد ذلك فيكون - بحسب فهمي - محض رأي .

                                  تعليق


                                  • #17
                                    وفقكم الله وأعانكم وكتب لكم أجركم وافياً
                                    أنصحك أخي بقراءة ما كتب الزرقاني في مناهل العرفان عن الوحي
                                    وكذلك مناع القطان في مباحثه
                                    الأستاذ الدكتور عبدالرحيم الشريف
                                    أستاذ التفسير وعلوم القرآن
                                    نائب عميد كلية الشريعة
                                    جامعة الزرقاء / الأردن

                                    تعليق


                                    • #18
                                      نفس ثمرة العلم بكنه القرآن ، لأني دخلت في حوار مع نصراني وبدأت معه بإثبات أن القرآن وحي من عند الله عن طريق شرح كيف وصلنا القرآن منطوقاً ، فأريته سند الدكتور أيمن سويد الذي عرضه على قناة اقرأ كمثال في برنامج الإتقان لتلاوة القرآن، فقال لي هذا النصراني بعد أن رأى السند كاملاً : حفص عن عاصم عن أبي عبد الرحمن السلمي عن زيد بن ثابت، فبعد زيد بن ثابت، الرسول، وبعد الرسول، جبريل، وبعد جبريل، الله ، فهل الرسول سمع القرآن من جبريل بألفاظه كما هي ؟ وهل جبريل سمع القرآن من الله بكلماته كما هو ؟ فلم أجد رد لجهلي بالأسئلة التي وضعتها في مشاركتي السابقة
                                      الواضح اخي عمر ، أن النصراني يطعن في نبوة الرسول عليه الصلاة والسلام ، أو أنه جاهل بكتابه ، لماذا ؟ لانهم يعرفون الملائكه وعلاقة الملائكه بالله ، ويعرفون أن الملك لايكذب على الله أبدا .

                                      الدليل في كتبهم ..
                                      “Behold, I send an Angel before thee, to keep thee in the way, and to bring thee into the place which I have prepared. Beware of him, and obey his voice, provoke him not; for he will not pardon your transgressions: for my name is in him.” Exodus 23:20-21
                                      The Bible teaches that these angels are always obedient to God and do His will
                                      “Bless the LORD, ye his angels, that excel in strength, that do his commandments, hearkening unto the voice of his word. Bless ye the LORD, all ye his hosts; ye ministers of his, that do his pleasure.” Psalm 103:20-21
                                      فلا تخطي وتثبت له موضوع متخصص في ديننا ، يبعدك عن هدفك ويزيده جهلا وغيا ، بل استوضح منه باسئلة معاكسه ، تظهر حقيقة مطلبه ، وجادله .. بطريقه احمد ديدات ، وزاكير نايك ، وأهم من ذلك كله ، الاقتداء بهديه عليه الصلاة والسلام عند دعوته للنصارى ، وقوله تعالى ( وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ (سورة الكهف )

                                      والله أعلم
                                      سأقول فيها بجهد رأيي فإن كان صوابا فمن الله وحده وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان منه -ابن مسعود رضي الله عنه

                                      تعليق


                                      • #19
                                        المشاركة الأصلية بواسطة عمر احمد مشاهدة المشاركة
                                        الواضح اخي عمر ، أن النصراني يطعن في نبوة الرسول عليه الصلاة والسلام ، أو أنه جاهل بكتابه ، لماذا ؟ لانهم يعرفون الملائكه وعلاقة الملائكه بالله ، ويعرفون أن الملك لايكذب على الله أبدا .

                                        الدليل في كتبهم ..


                                        The Bible teaches that these angels are always obedient to God and do His will
                                        أولاً: بخصوص الكلام الإنجليزي هل يمكن عزو هذا الكلام إلى مصدره كما يكون في البحث العلمي ؟ وأين أجد ترجمته ؟

                                        ثانياً: هذا فيما يتعلق بتلقي جبريل القرآن عن الله، فماذا عن تلقي الرسول القرآن عن جبريل ؟ هل " صلصة الجرس " الواردة في الكلام عن طرق الوحي في أول صحيح البخاري هي تفسير " على قلبك لتكون من المنذرين " ؟ أم هذا شئ وهذا شئ ؟

                                        تعليق


                                        • #20
                                          الاقتباس كان من سفر الخروج والمزامير موجود في الانترنت بكثره يمكنك البحث ، بهذا الموقع ايضا لانه مختص بكل شي يتعلق بالاناجيل على الرابط خذ نسخا أول سطر بالانجليزي وضعه على الموقع وسوف تظهر لك النتيجه ، ورايت فيه ترجمه بالعربي ولكنها لم تكن دقيقه في ظني

                                          اما سؤالك الثاني فلا علم لي الان ، اشاركك انشاء الله تعالى إن ظهر لي شيئا، ولعل الاخوة يفيدونك .

                                          والله أعلم
                                          سأقول فيها بجهد رأيي فإن كان صوابا فمن الله وحده وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان منه -ابن مسعود رضي الله عنه

                                          تعليق


                                          • #21
                                            المشاركة الأصلية بواسطة عمر احمد مشاهدة المشاركة

                                            اشاركك انشاء الله تعالى إن ظهر لي شيئا
                                            أشكرك على المساعدة وأرجو أن يكون هذا خطأ بسبب سرعة الكتابة لأن الصحيح هو " إن شاء الله " وليس " إنشاء الله " لأن الثانية لها معنى مختلف .

                                            تعليق


                                            • #22
                                              نعم كان خطا في الطباعة والصحيح كما نصحت
                                              الصحيح : (إن شاء الله تعالى )

                                              وبارك الله فيك
                                              سأقول فيها بجهد رأيي فإن كان صوابا فمن الله وحده وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان منه -ابن مسعود رضي الله عنه

                                              تعليق


                                              • #23
                                                هل الكتب كالإنجيل و التواراة مثل القرآن سمعها جبريل عليه السّلام من الله و سمعها عيسى و موسى,, من جبريل؟ بارك الله فيكم

                                                تعليق


                                                • #24
                                                  كان النبي صلوات الله وسلامه عليه يتلقى عن جبريل على حالتين:
                                                  1- أن ينسلخ النبي من حالته الشريفة العادية، إلى حالة أخرى، بها يحصل له استعداد، لتلقي الوحي من جبريل ، وهو على حالته الملكية وفي هذه الحالة قد يسمع عند مجيء الوحي صوت شديد كصلصلة الجرس.. وأحيانا يسمع الحاضرون صوتا عند مجيء الوحي كدويّ النحل.. وتأخذ النبي حالة شديدة روحانية، يغيب فيها عما حوله، ويثقل جسمه، حتى لتكاد الناقة التي يركبها تبرك، وإذا جاءت فخذه على فخذ إنسان تكاد ترضّها ويتصبب عرقه، وربما يسمع له غطيط كغطيط النائم، فإذا ما سرّي عنه وجد نفسه واعيا لكل ما سمع من الوحي فيبلغه كما سمعه، وهذه الحالة أشد حالات الوحي على النبي ، ويشير إلى هذا قوله تعالى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل: 5]؛ وعلى هذه الحالة تلقى القرآن.
                                                  2- أن يتحول جبريل من الملكية إلى الصورة البشرية، فيأتي في صورة رجل، فيأخذ عنه الرسول ويسمع منه.. وكثيرا ما كان جبريل يأتي في هذه الحالة في صورة دحية الكلبي، أو صورة أعرابي لا يعرف، وهذه الحالة أهون الحالين على الرسول. يدل على هاتين الحالين: ما رواه البخاري، في صحيحه بسنده عن عائشة : أن الحارث بن هشام رضي الله تعالى عنه سأل رسول الله : كيف يأتيك الوحي فقال: «أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي، فيفصم عني، وقد وعيت منه ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا، فيكلمني فأعي ما يقول» قالت عائشة : ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، وأن جبينه ليتفصّد عرقا. وإنما اكتفى النبي في الجواب بهاتين الكيفيتين دون غيرهما من الكيفيات والأنواع؛ لأن الظاهر أن السؤال كان على الوحي الذي يأتي عن طريق جبريل.
                                                  والقرآن الكريم لم ينزل منه شيء إلا عن طريق جبريل ولم يأت شيء منه عن تكليم أو إلهام أو منام، بل كله أوحي به في اليقظة وحيا جليّا، ولا يخالف هذا ما ورد في صحيح مسلم عن أنس قال: بينا رسول الله بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة.. ثم رفع رأسه مبتسما، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله فقال: «إنه نزل عليّ آنفا سورة، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ» [سورة الكوثر].
                                                  إذ ليس المقصود بـ الإغفاءة في الحديث: النوم، وإنما المقصود: الحالة التي كانت تعتريه عند نزول الوحي، وهي الغيبوبة عما حوله.
                                                  وقد ذكر العلماء أنه كان يؤخذ عن الدنيا، وبهذا يفسّر أيضا ما ورد في بعض روايات هذا الحديث: أنه أغمي عليه.
                                                  وقال السيوطي في الإتقان بعد أن ذكر أن من كيفيّات الوحي تكليم الله إما في اليقظة وإما في المنام: وليس في القرآن من هذا النوع شيء فيما أعلم نعم يمكن أن يعد منه آخر سورة البقرة لما تقدم، وبعض سورة الضحى وألم نشرح، فقد أخرج ابن أبي حاتم من حديث عديّ بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سألت ربي مسألة وددت أني لم أكن سألته، فقلت: أي رب، اتخذت إبراهيم خليلا، وكلمت موسى تكليما، فقال: يا محمد، ألم أجدك يتيما فآويت، وضالا فهديت، وعائلا فأغنيت، وشرحت لك صدرك، وحططت عنك وزرك، ورفعت لك ذكرك، فلا أذكر إلا ذكرت معي».
                                                  وما أشار إليه فيما تقدّم: هو ما أخرجه مسلم في صحيحه عن ابن مسعود قال: لما أسري برسول الله انتهى إلى سدرة المنتهى..
                                                  الحديث وفيه: فأعطي رسول الله منها ثلاثا، أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لا يشرك- من أمته- بالله شيئا.. المقحمات.. وفي الكامل للهذليّ: نزلت آمَنَ الرَّسُولُ إلى آخرها بقاب قوسين.
                                                  وأعقب على ما ذهب إليه الإمام السيوطي إمكانا: بأن رواية مسلم ليس فيها تصريح بنزول خواتيم سورة البقرة عن طريق تكليم الله، فلعلّ المراد بإعطائه إيّاها: إعلام الله له باختصاصه وأمته بما تدلّ عليه؛ تمنّنا عليه في هذا الموقف العظيم.. ألا ترى أنه أعطي الصلوات الخمس، وفرضت مع أنها لم ينزل فيها قرآن هذه الليلة! وليس في رواية الهذليّ على فرض صحّتها التصريح بنزول الآيتين عن طريق التكليم.
                                                  وأيضا فالإسراء والمعراج كان قبل الهجرة بمكة، وسورة البقرة كلها مدنية، فكيف تنزل خواتيمها بمكة!
                                                  وأما حديث عدي بن ثابت الذي أخرجه ابن أبي حاتم، فليس فيه أن الله أنزل هذه الآيات وإنما كل ما فيه: التمنن عليه بالمنن التي ذكرت في هذه الآيات، ولاسيما وألفاظ الحديث مغايرة للنص القرآني للآيات، مما يستبعد معه أن تكون الآيات نزلت في هذا التكليم، والظاهر أن السورتين نزلتا قبل ذلك؛ لأن التمنن إنما يكون بأمر معروف معلوم للمخاطب.
                                                  فالحق ما قاله الإمام السيوطي أولا، وهو أنه ليس في القرآن من هذا النوع شيء.
                                                  .تلقي النبي القرآن عن جبريل وهو على ملكيته:

                                                  والذي نقطع به والله أعلم أن القرآن الكريم كله نزل في الحالة الأولى، وهي الحالة التي يكون فيها جبريل على ملكيته، وتحول النبي من البشرية إلى الملائكية، وهذا هو الذي يليق بالقرآن الكريم، ونفي أي احتمال، أو تلبيس في تلقيه، ولم أقف قط على رواية تفيد نزول شيء من القرآن عن طريق جبريل، وهو في صورة رجل، وكل ما جاء من ذلك في الأحاديث الصحاح كحديث جبريل المشهور وسؤاله النبي عن الإسلام، والإيمان، والإحسان، والساعة وأشراطها، فإنما هو في وحي السنة لا في وحي القرآن.
                                                  نعم هناك قرائن لا تصل إلى حد الأدلة تدل على نزول القرآن بالطريق الأول، فمن ذلك قول الله تعالى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل: 5] أي ثقيلا تلقيه، وثقيلا علمه، وذلك إنما يكون في الحالة التي تسود فيها الملائكية عند تلقي الوحي، وقيل: ثقيلا العمل به، والقيام بفرائضه وحدوده، وقيل: ثقيل من الوجهين معا.
                                                  وفي الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن ابن عباس في قوله تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ [القيامة: 16] قال: كان رسول الله يعالج من التنزيل شدة، وكان مما يحرك شفتيه... وهذه الشدّة لن تكون إلا في الحالة الأولى.
                                                  وروى الإمام أحمد بسنده عن عبد الله بن عمرو قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: هل تحسّ بالوحي فقال رسول الله : «أسمع صلاصل، ثم أسكت عند ذلك، فما من مرة يوحى إليّ إلّا ظننت أن نفسي تقبض» رواه أحمد، وروى ابن جرير أن النبي كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته وضعت جرانها فما تستطيع أن تحرك حتى يسرّى عنه، وعن زيد بن ثابت أنزل على رسول الله وفخذه على فخذي، فكادت ترضّ فخذي، رواه البخاري في الصحيح.
                                                  وأيضا فلو أنزل شيء من القرآن في الحالة الثانية وهي مجيء جبريل في صورة رجل لكان هذا مثارا للشك، والتلبيس على ضعفاء الإيمان، ولكان فيه مستند للمشركين في قولهم: إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ....
                                                  وقد أشار الله إلى هذا في قوله حكاية لمقالة المشركين وردّا عليهم: وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ * وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ [الأنعام: 8- 9]، فكان من الرحمة بالعباد، وعدم التلبيس عليهم أن لا ينزل القرآن إلا في هذا الجو الملائكيّ، الروحانيّ.
                                                  .ما الذي نزل به جبريل على النبي:

                                                  الذي نقطع به، أن القرآن الكريم كلام الله سبحانه، وهو الذي يدل عليه قوله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ [سورة التوبة: 5]، وأن القرآن لفظه ومعناه من عند الله سبحانه قال تعالى: تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [سورة الزمر: 1]، حم * تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [سورة غافر: 1- 2]، وقال: وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ [سورة الإسراء: 105].
                                                  وأن الذي نزل به هو أمين الوحي جبريل قال تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ وأن الذي نزل به جبريل هو هذا اللفظ العربي من غير أن يكون له فيه شيء ما، ومن غير أن يزيد فيه حرفا، أو ينقص منه حرفا.
                                                  وكذلك ليس للنبي في القرآن شيء إلا التبليغ، وهذا هو الحق الذي يجب على كل مسلم أن يعتقده ويؤمن به، ولا تلتفت إلى ما زعمه بعض من يهرف بما لا يعرف، أو من يفتري ويختلق؛ من أن جبريل أوحي إليه المعنى، وأنه عبر بهذه الألفاظ الدالة على المعاني بلغة العرب ثم نزل على النبي كذلك، أو أن جبريل أوحى إلى النبي المعنى، وأن النبي عبر عن هذه المعاني بلفظ من عنده، متمسّكا بظاهر قوله تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [سورة الشعراء 193- 195]، فإنه زعم وخرص لم تقم عليه أثارة من علم، وما تمسك به هذا الزاعم من الآية لا يشهد له؛ فإن القلب كما ينزل عليه المعنى، ينزل عليه اللفظ، وإنما آثر الحق هذا التعبير للدلالة على أن القرآن كما وعته الأذنان، وعاه القلب اليقظان.
                                                  وهذا القول خلاف ما تواتر عليه القرآن والسنة، وانعقد عليه إجماع الأئمة: من أن القرآن- لفظه ومعناه- كلام الله، ومن عند الله، ولو جاز الزعم لما كان القرآن معجزا، ولما كان متعبّدا بتلاوته.
                                                  وهذا الزعم لا يقول به إلا جاهل استولت عليه الغفلة، أو زنديق يدسّ في الدين والعلم ما ليس منه، ولا تغتر بوجوده في بعض الكتب الإسلامية فأغلب الظن: أنه مدسوس على الإسلام والمسلمين.
                                                  وإنا لنبرأ إلى الله أن يقول هذا عالم مسلم، متثبّت.
                                                  وقد بلغ النبي القرآن كما نزل إلى الأمة من غير زيادة ولا نقصان، ولا تحريف ولا تبديل، ولا كتمان لشيء منه، ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم كاتما شيئا من الوحي، لكتم الآيات التي فيها عتاب له وتنبيه بلطف إلى ترك الأولى في باب الاجتهاد، وبحسبك أن تقرأ معي قول الله : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ [سورة المائدة: 67]، وقول الله سبحانه: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [يونس: 15]، وقوله تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ * لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ [الحاقة: 44- 47].

                                                  تعليق


                                                  • #25
                                                    .نزول جبريل بالسنة:
                                                    وما ذكرنا من محافظة جبريل على تبليغ اللفظ كما سمعه، من غير تغيير حتى ولو كان اللفظان بمعنى واحد... إنما هو فيما يتعلق بتبليغ القرآن، أما وحي السنة فلا يلتزم فيه جبريل اللفظ الذي سمعه، لأن تبليغ السنة مبناه: المعنى لا اللفظ، إذ ليس لفظها معجزا، ولا متعبدا بتلاوتها كالقرآن.
                                                    وللإمام الجوينيّ في هذا المقام كلام حسن ذكره السيوطي في الإتقان وعلق عليه وإليك هذا الكلام.
                                                    .الفرق بين الوحيين:

                                                    قال الجويني: كلام الله المنزل قسمان؛ قسم قال الله لجبريل: قل للنبي الذي أنت مرسل إليه إن الله يقول: افعل كذا- وكذا وأمر بكذا ففهم جبريل ما قاله ربه، ثم نزل بعد ذلك إلى النبي وقال له ما قاله ربه، ولم تكن العبارة تلك العبارة، كما يقول الملك لمن يثق به: قل لفلان: يقول لك الملك اجتهد في الخدمة، واجمع جندك للقتال، فإذا قال الرسول: يقول لك الملك: لا تتهاون في خدمتي، ولا تترك الجند تتفرق، وحثهم على المقاتلة.. لا ينسب إلى كذب، ولا تقصير في أداء الرسالة.
                                                    وقسم آخر: قال الله لجبريل: اقرأ على النبي هذا الكتاب، فنزل جبريل بكلمة من الله من غير تغيير كما يكتب الملك كتابا ويسلمه إلى أمين، ويقول: اقرأه على فلان، فهو لا يغير منه كلمة ولا حرفا.
                                                    قال السيوطي قلت: القرآن هو القسم الثاني، والقسم الأول هو السنة، كما ورد أن جبريل كان ينزل بالسنة كما ينزل بالقرآن، ومن هنا جاز رواية السنة بالمعنى؛ لأن جبريل أداها بالمعنى، ولم تجز القراءة بالمعنى لأن جبريل أداه باللفظ، ولم يبح له إيحاءه بالمعنى، والسر في ذلك: أن المقصود منه، التعبد بلفظه، والإعجاز به؛ فلا يقدر أحد أن يأتي بلفظ يقوم مقامه، وأن تحت كل حرف منه معاني، لا يحاط بها كثرة؛ فلا يقدر أحد أن يأتي بما يشتمل عليه، والتخفيف على الأمة، حيث جعل المنزل إليهم على قسمين، قسم يروونه بلفظه الموحى به، وقسم يروونه بالمعنى، ولو جعل كله مما يروى باللفظ لشق، أو بالمعنى لم يؤمن التبديل والتحريف، فتأمل، وسئل الزهري عن الوحي فقال: الوحي ما يوحي الله به إلى نبي من الأنبياء، فيثبته في قلبه، فيتكلم به ويكتبه وهو كلام الله، ومنه ما لا يتكلم به، ولا يكتبه لأحد، ولا يأمر بكتابته، ولكنه يحدث به الناس حديثا ويبين لهم أن الله أمره أن يبينه للناس ويبلغهم إياه.
                                                    وحي السنة: أما وحي السنة فمنه ما يكون عن طريق أمين الوحي جبريل، وفي إطار الحالة الأولى، وهي الحالة الملائكية. وذلك كما في قصة يعلى بن أمية؛ روى البخاري في صحيحه بسنده عن يعلى قال: قلت لعمر أرني رسول الله حين يوحى إليه، قال فبينما النبي في الجعرانة جاءه رجل فقال: يا رسول الله كيف ترى في رجل أحرم بعمرة، وهو متضمخ بطيب، فسكت النبي ساعة، فجاءه الوحي، فأشار عمر إلى يعلى، وعلى رسول الله ثوب قد أظلّ به، فأدخل رأسه، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم محمّر الوجه، وهو يغط، ثم سري عنه، فقال: «أين السائل عن العمرة» فأتي بالرجل. فقال: «اغسل الطيب الذي بك ثلاث مرات؛ وانزع عنك الجبة، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجتك».
                                                    وبعضه في إطار الحالة الثانية كما في حديث جبريل، وبعضه بالمكالمة كما حدث ليلة الإسراء والمعراج، وبعضه بالإلهام والمنام، وبعضه بالقذف في القلب، وسواء أكانت السنة بوحي جلي أو خفي فلفظها من عند النبي .
                                                    .حكم نزول القرآن منجما مفرقا:

                                                    لنزول القرآن الكريم على النبي مفرقا حكم كثيرة، وأسرار عديدة نجملها فيما يأتي:
                                                    .الحكمة الأولى:

                                                    تثبيت فؤاد النبي وتطمين قلبه وخاطره وهي ما أشار إليها الحق في رده على المشركين أو اليهود حيث قال: كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا [سورة الفرقان: 32]، وهذه الحكمة من أجلّ الحكم وأعظمها، ولذا ذكرها الله أول ما ذكر في الرد على هؤلاء.
                                                    ويندرج تحت هذه الحكمة:
                                                    1- تثبيت فؤاد النبي، وتقوية قلبه، وإلهاب حماسه، وتسليته، وذلك بسبب تكرر نزول الوحي، وتوالي آياته وما اشتملت عليه الآيات من أن رسالته حق لا شك فيها، وأن العاقبة للمتقين، والنصر إنما هو للأنبياء وأتباعهم، وأن الله مؤيده وناصره، وكان النبي كثيرا ما يتحسر ويحزن، لعدم إيمان قومه، كما قال تعالى: فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً [سورة الكهف: 6]. فكانت تنزل عليه الآيات مسلية له، فتارة تنهاه أن يذهب نفسه عليهم حسرات، كما قال تعالى: فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ [سورة فاطر: 8].
                                                    وتارة يبين له: أن هدايتهم إنما هي على الله، وإنما عليك البلاغ كما قال تعالى: لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [سورة البقرة: 272]، إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [سورة القصص: 56] وقال: فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ [سورة الرعد: 40].
                                                    وكان كلما آذاه قومه ونالوا منه، وسفهوا عليه، نزلت الآيات داعية له إلى التحمل والصبر والثبات عليه، وأن العاقبة للصابرين، كما قال تعالى: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [سورة الأحقاف: 35]، وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ [سورة النحل: 127]، وقال: وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [سورة هود: 115].
                                                    وتارة تنزل الآيات قاصّة على النبي أخبار الأنبياء مع أممهم وما لاقوه منهم من عنت ومشقة، وكيف كان تحملهم من أقوامهم وما الـ إليه أمرهم من الفوز والنصر على الأعداء والمكذبين وذلك مثل قصص نوح وإبراهيم وولوط وهود وصالح وموسى وما لاقاه من بني إسرائيل. وقد ذكر الله هذا في قوله: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ [سورة هود: 120].
                                                    وحينا آخر- تنزل الآيات بوعيد المكذبين للأنبياء والمناهضين لدعوتهم كما قال تعالى: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ [سورة الأعراف: 97- 98]. وقال: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ [سورة فصلت: 13]، قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ [سورة الأنفال: 38].
                                                    وآونة.. كانت تنزل الآيات بالحجج والبراهين مبطلة لعقائدهم الزائفة، ورادة عليهم ما يتمسكون به من شبه واهية؛ كالآيات الواردة في إثبات الله وصفاته وتوحيده، واستحقاقه للعبادة، وإثبات البعث والحشر، وأحوال اليوم الآخر، وإثبات رسالة الرسل وحاجة البشر إليهم. وكان من ثمرة هذا التثبيت: أن أبدى النبي غاية الثبات والشجاعة، والوثوق بالله تعالى في أحرج المواقف وأشدها هولا؛ ألا ترى إلى قوله للصديق في الغار: لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا وإلى ثباته يوم أحد وحنين يدعو إلى الله وقد فرّ عنه الكثيرون فما زاده إلا إيمانا وثباتا!
                                                    2- تيسير حفظه وفهمه على النبي فقد كان حريصا على ذلك غاية الحرص، ولقد بلغ من حرصه أنه كان لا ينتظر حتى يفرغ جبريل من قراءته، بل كان يتعجل القراءة، فأنزل الله عليه: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [سورة طه: 114]، وقوله: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ [سورة القيامة: 16- 19] فضمن الله لنبيه الحفظ والفهم.
                                                    وطبعيّ أن نزول القرآن مفرقا أدعى إلى سهولة حفظه وفهمه، وأيسر وأوفق بالفطرة البشرية.
                                                    وهذا المعنى الذي أراده الحق سبحانه- فيما أراده من حكم لنزول القرآن منجما ومفرقا قطعا قطعا- هو غاية ما وصل إليه أهل التربية في حفظ النصوص الطويلة، وتسهيل فهمها.
                                                    وهذا المعنى التربوي ما كان يجول بخاطر بشر في هذا العصر، وفي هذه البيئة البدوية، مما يدل على أن منزّل القرآن على هذه الطريقة البديعة هو الله.. العالم بالطبائع البشرية، والنفوس وأسرارها.
                                                    .الحكمة الثانية:

                                                    التدرج في تربية الأمة دينيّا وخلقيّا واجتماعيّا، وعقيدة وعلما وعملا، وهذه الحكمة هي التي أشار إليها الحق بقوله: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا [سورة الإسراء: 106]، ويندرج تحت هذه الحكمة ما يأتي:
                                                    التدرج في انتزاع العقائد الفاسدة، والعادات الضارة والمنكرات الماحقة، فقد بعث النبي إلى قوم يعبدون الأصنام، ويشركون بالله غيره، ويسفكون الدماء، ويشربون الخمر، ويزنون، ويغتصبون الأموال، ويئدون البنات خشية العار، ويقتلون الأولاد خشية الفقر، ويظلمون النساء، ويتزوجون نساء الآباء، ويجمعون بين الأختين، كما كانوا يتظالمون، ويقع بينهم الحروب لأوهى الأسباب كناقة رعت من حمى، أو سبق فرس، أو نحو ذلك. وكانت الحروب تدوم بينهم عشرات الأعوام حتى تأكل الأخضر واليابس، وكان التكافل والتعاون بينهم يكاد يكون معدوما فلا تراحم بين الأغنياء والفقراء، ولا بين السادة والعبيد ولا بين الأقوياء والضعفاء.
                                                    ومعلوم: أن النفس يشق عليها ترك ما تعودته مرة واحدة وشديد عادة منتزعة، والإقلاع عما اعتقدته بمجرد النهي عنه؛ لأن للعقائد- حتى ولو كانت باطلة- وللعادات- ولو كانت مستهجنة- سلطانا على النفوس، والناس أسراء ما ألفوا، ونشئوا عليه، فلو أن القرآن نزل جملة واحدة، وطالبهم بالتخلي عمّا هم منغمسون في حمأته من كفر وجهل ومنكرات مرة واحدة لما استجاب إليه أحد، ولما وفّق الرسول في أداء مهمته، ولعاد ذلك بالنقض على الشريعة الجديدة.
                                                    لذلك اقتضت حكمة الله سبحانه- ولله الحكمة البالغة- أن يتدرج معهم في انتزاع هذه العقائد والمنكرات، فينهاهم عن عبادة غير الله، فإذا ما أقلعوا عنه، أخذ في النهي عن منكر غيره.. وهكذا.
                                                    وكذلك كان القرآن يتدرج معهم في انتزاع المنكر الواحد، كما حدث في تحريم الخمر، فقد نزل فيها أول ما نزل: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ [البقرة: 219] فشربها قوم، وتركها آخرون، ثم إن بعض المسلمين صنع طعاما، ودعا أصحابه؛ فأكلوا وشربوا ثم قام أحدهم ليصلي بهم، فقرأ: قل يا أيها الكافرون، أعبد ما تعبدون، فأنزل الله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى [النساء: 43] فكانوا يتركونها عند الصلوات، وفي الأوقات القريبة منها؛ حتى لا يقعوا في مثل هذا الخلط.
                                                    وبذلك صار من السهل تحريمها تحريما باتّا قاطعا؛ فقد صنع بعض المسلمين طعاما، فأكلوا وشربوا حتى لعبت الخمر برءوسهم فتقاولوا الأشعار فتشاجروا حتى شج أحدهم رأس الآخر، فقال الفاروق عمر: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا، فحرّمها الله تحريما باتّا بقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إلى قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [سورة المائدة: 90- 91] فقال عمر: انتهينا فمن ثم.. اقتضت الحكمة نزول القرآن مفرقا.
                                                    2- التدرج في تثبيت العقائد الصحيحة، والأحكام التعبدية والعملية والآداب والأخلاق الفاضلة، فأمرهم أولا: بالإيمان بالله وصفاته، وعبادته وحده، حتى إذا ما آمنوا بالله دعاهم إلى الإيمان باليوم الآخر، ثم بالإيمان بالرسل، والملائكة، حتى إذا ما اطمأنت قلوبهم بالإيمان وأشربوا حبّه، سهل عليهم بعد ذلك تقبل الأوامر والتشريعات التفصيلية، والأحكام العملية والفضائل والآداب العالية، فأمروا بالصلاة والصدق والعفاف، ثم أمروا بالزكاة، ثم بالصوم ثم بالحج، وبيّنت لهم أحكام النكاح والطلاق والرجعة والمعاملات، من بيع وشراء، وتجارة وزراعة، ودين ورهن..
                                                    إلى غير ذلك من المعاملات الصحيحة منها وغير الصحيحة.
                                                    ولذلك كان مدار الآيات في القسم المكي على إثبات العقائد والفضائل التي لا تختلف باختلاف الشرائع. بخلاف القسم المدني، فكان مدار التشريعات فيه على الأحكام العملية والتشريعات التفصيلية التي تتعلق بصيانة الدماء، والأعراض، والأموال، وصيانة العقول، والمحافظة على الأنساب سواء منها ما يتعلق بالمجتمع الصغير وهي الأسرة، أو ما يتعلق بالمجتمع الكبير وهي الأمة، وذلك كأحكام النكاح والطلاق والرجعة والعدة، والحضانة والنفقة، وكالحدود، والعقود، والمعاهدات والسياسات ونحوها. وتفصيل ما أجمل قبل ذلك من الآداب والفضائل.
                                                    وقد أشارت السيدة العاقلة العالمة، التي تربت في منزل الوحي عائشة إلى هذه الحكمة، فقالت كما ورد في صحيح البخاري: إنما نزل من القرآن أول ما نزل منه سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدا.
                                                    ولا شك أن من طبيعة التدرج نزول آيات القرآن، وسوره بعضها في أثر بعض، وقد دل القرآن بهذه السياسة الرشيدة في إصلاح الشعوب وتهذيبها على أنه معجز، وأنه من عند الله؛ فما كان لبشر- مهما كان ذكيّا- أن يتوصل إلى هذه الطرق الحكيمة في ذلك الوقت الذي بعث فيه النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما ذلك من صنع الحكيم العليم الخبير.
                                                    3- تيسير حفظه وفهمه على الأمة، فقد أوجب الله على المسلمين حفظ ألفاظه، كما أوجب عليهم فهم معانيه، قال تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ [سورة ص: 29]، أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها [سورة محمد: 24].
                                                    وقد ابتلي المسلمون في مكة بالمشركين، كما ابتلوا في المدينة باليهود والمنافقين هذا إلى اشتغالهم بأمور معايشهم، وبإقامة الدين، ونشر الإسلام، والدفاع عن دعوته، فلو نزل القرآن مرة واحدة لما أمكنهم حفظه ولا فهمه مع وجود هذه الملابسات والظروف المحيطة بهم.
                                                    لذلك اقتضت حكمته أن ينزل القرآن مفرقا، حتى إذا ما نزلت قطعة منه أمكنهم أن يحفظوها ويجيدوا فهمها.
                                                    4- تثبيت قلوب المؤمنين، وتعويدهم على الصبر والتحمل بذكر قصص الأنبياء والسابقين الفينة بعد الفينة، وتذكيرهم بأن النصر مع الثبات والصبر، وأن العاقبة للمتقين، والخذلان والخسران للكافرين، اقرأ- إن شئت- قوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [سورة البقرة: 214]، فقد ذكر عطاء أن المسلمين لما هاجروا إلى المدينة، وتركوا الأهل والوطن والمال، وآثروا رضاء الله ورسوله، وتعرضوا لألوان من الإيذاء والجهد والفقر والمرض، ومعاداة اليهود والمنافقين لهم، شق ذلك على نفوسهم، فأنزل الله هذه الآية.
                                                    وقال تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [سورة ال عمران: 142]، وقال تعالى: الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ [سورة العنكبوت: 1- 3].
                                                    بل اقرأ هذا الوعد الذي يستحث الهمم، ويقوي العزائم إلى الجهاد والكفاح حتى تقوم لهم دولة ويكون لهم سلطان: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً [سورة النور: 55].
                                                    وطبعي: أن دواعي هذا التذكير والإرشاد والتوجيه لم تكن في وقت واحد، بل كانت في أزمنة متعددة متفاوتة، فاقتضى ذلك نزول القرآن مفرّقا على حسب ذلك.

                                                    تعليق


                                                    • #26
                                                      .الحكمة الثالثة:
                                                      مجاراة الحوادث والنوازل والأحوال والملابسات في تفرقها وتجددها، وهذه الحكمة هي التي أشارت إليها الآية الكريمة في قوله تعالى: وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً [سورة الفرقان: 33].
                                                      ويندرج تحت هذه الحكمة ما يأتي:
                                                      1- بيان حكم الله في الأقضية والوقائع التي تحدث بين المسلمين، فقد اقتضت رحمة الله بعباده أنه كلما وقعت لم يكن حكمها معروفا عند المسلمين أن تنزل الآية أو الآيات عقبها، مبينة حكم الله فيها، ومثال ذلك حادثة الإفك، فقد نزلت فيها آيات من فوق سبع سماوات، ببراءة السيدة الحصان الرزان عائشة وإدانة الذين رموها بدون شهود وبينة، وبيان حكم الله فيهم، وهي قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ إلى قوله: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [سورة النور: 11- 20].
                                                      ومثل حادثة خولة بنت ثعلبة التي ظاهر منها زوجها أوس بن الصامت، أي قال لها: أنت عليّ كظهر أمي، فجاءت تشتكي إلى رسول الله صلوات الله وسلامه عليه وتقول: إن أوسا أخذني وأنا شابة مرغوب فيّ حتى كبرت سني ونثرت له بطني ظاهر مني وإن لي أولادا إن ضممتهم إلي جاعوا، وإن ضممتهم إليه ضاعوا، فقال رسول الله: «ما أراك إلا قد حرمت عليه ولم أؤمر في شأنك بشيء». فجعلت تجادل رسول الله وتحاوره، رغبة منها أن يجد لها مخرجا في عشرة زوجها، فأنزل الله سبحانه أول سورة المجادلة ببيان حكم الظهار في الإسلام: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ إلى قوله تعالى: وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ [سورة المجادلة: 1- 4]، وغير ذينك كثير.
                                                      وطبعيّ.. أن الحوادث لم تكن تقع في وقت واحد، فنزل القرآن في هذه الحوادث مفرقا لذلك.
                                                      2- إجابات السائلين على أسئلتهم التي كانوا يوجهونها إلى النبي صلى الله عليه وسلم سواء أكانت هذه الأسئلة لغرض التثبت والتأكد من رسالته، أم كانت للاسترشاد والمعرفة.
                                                      ومن النوع الأول: قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: 85] وقوله: وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً... [الكهف: 83 وما بعدها].
                                                      ومن الثاني قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [سورة البقرة: 189] وقوله: يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [سورة البقرة: 215]، وقوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ [سورة البقرة: 219]، وقوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ [سورة الأعراف: 187].
                                                      وطبعي.. أن هذه الأسئلة لم تكن في وقت واحد، بل كانت تحدث متفرقة فكان نزول القرآن مفرقا لذلك.
                                                      3- تنبيه المسلمين من وقت لآخر إلى أخطائهم وأغلاطهم، وتحذيرهم من معاودتها والوقوع فيها؛ وذلك مثل ما حدث في أحد، فقد خالف الرماة نصيحة رسول الله، متأولين، فكانت النتيجة: أن أتي المسلمون من جهتهم وأن شاعت الهزيمة بينهم، وشج وجه النبي، وكسرت رباعيته، واستشهد منهم عدد كثير، فأنزل الله في ذلك آيات عدة، مسجلة الأغلاط، ومحذرة لهم من المخالفة، والفرار عند اللقاء.. اقرأ- إن شئت- قوله تعالى: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ الآيات [سورة ال عمران: 152 وما بعدها].
                                                      ومثل ما حدث في حنين، فقد اغتر المسلمون بكثرتهم، حتى قال قائل في هذا اليوم: لن نهزم من قلة. ولم يعتمدوا على الله حق الاعتماد في طلب النصر، فكانوا أن منوا بالهزيمة أولا، ولولا تدارك الله تعالى لهم برحمته، وثبات النبي صلى الله عليه وسلم وحوله فئة قليلة من أبطال أصحابه، وإنزال الملائكة مثبتة لقلوبهم ومقوية لروحهم لكانت الهزيمة ساحقة ماحقة اقرأ معي قول الله سبحانه: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ * ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [سورة التوبة: 25- 27].
                                                      وقد كانت حنين درسا تعلم منه المسلمون: أن النصر ليس بالعدد والعدّة فحسب، وإنما هو من عند الله، وأن الاغترار ليس من خلق المسلم، وأن الأسباب العادية لا ينبغي أن تشغل المسلم عن اللجوء إلى الله: وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [سورة ال عمران: 126].
                                                      ومثل ما حدث من حاطب بن أبي بلتعة قبيل الفتح فقد كان رسول الله حريصا على أن تتم غزوة الفتح في سرية تامة ولكن حاطبا كان له أهل في مكة وكانوا ضعفاء فأحب أن تكون لهم يد على قريش كي يكرموا أهله فأرسل إلى قريش رسالة في السر بخبر الغزوة ولكن الوحي نزل مخبرا لرسول الله، فأرسل من أحضر الرسالة، وقد حاول بعض الصحابة قتله، زاعما أنه بعمله صار منافقا ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم لما استمع إلى وجهة نظره وعلم صدقه عفا عنه، فأنزل الله في ذلك آيات وهو قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ... الآيات [سورة الممتحنة: الآية الأولى وما بعدها].
                                                      ومعلوم أن هذه الأغلاط لم تقع في وقت واحد: فكان نزول القرآن مفرقا لذلك.
                                                      4- تحذير المسلمين من المنافقين، والكشف عن خبيئة نفوسهم فقد كانوا بحكم تظاهرهم بالإسلام، يختلطون بالمسلمين، ويطلعون على أسرارهم وأحوالهم فينقلونها إلى الأعداء، أو يرجفون بها في المدينة، فكان ضرر هؤلاء المخالطين المداجين على المسلمين أشد من ضرر الأعداء المكاشفين، فلا عجب أن كشف الله أستارهم، وشنع عليهم أشد التشنيع في كثير من الآيات، فقد كان لهم بالمرصاد، فكلما بيتوا أمرا أطلع الله عليه رسوله والمؤمنين، أو كادوا مكيدة ردها الله في نحورهم، أو أخفوا قولا أظهره الله.
                                                      وطبعي أن هذه الأمور المبيّتة، والمكايد المدبرة، والأقوال السيئة التي كانت تصدر عنهم لم تكن في وقت واحد، بل كانت في أزمنة متفرقة، فمن ثمّ جاء القرآن مفرقا.
                                                      وإن شئت أمثلة لما كان يفعله المنافقون ويقولونه، وإظهار الله لحالهم، فاقرأ معي- قول الله- سبحانه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ إلى قوله: إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [سورة البقرة: 8- 20]، وقوله: إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسَالَى الآيتين [النساء: 142- 143].
                                                      وقد أنزل الله في شأنهم سورة بتمامها، وهي سورة المنافقون كما ذكر الكثير من أحوالهم في سورة التوبة. وما زال الله سبحانه يقول في هذه السورة، ومنهم... ومنهم... حتى فضحهم أشد فضيحة، وجعلهم مثلا لسوء الطباع، والأخلاق والنذالة، والدّسّ، والوقيعة- في الأولين والآخرين.
                                                      .الحكمة الرابعة:

                                                      بيان إعجاز القرآن الكريم على أبلغ وجه وآكده؛ لأن القرآن لو نزل جملة واحدة؛ لقالوا: شيء جاءنا مرة واحدة فلا نستطيع أن نعارضه، ولو أنه جاءنا قطعا قطعا لعارضناه فأراد ربك أن يقطع عليهم دابر المعذرة والتعلل؛ فأنزله مفرقا.
                                                      وكأن الله سبحانه يقول لهم بعد نزول كل قطعة منه: إن كنتم ترتابون في أن هذا المنزل على هذا الوضع من عند الله؛ فأتوا أنتم بقطعة مشابهة له.
                                                      وقد ذكرنا سابقا: أن الله تحدى الناس كافة بالقرآن على مراتب متعددة؛ كي تقوم عليهم الحجة تلو الحجة، ولو أن القرآن نزل جملة واحدة لما أمكن تكرر التحدي المرة بعد المرة وثبوت عجزهم المرة تلو المرة.
                                                      وهكذا يتبين لنا: أن القرآن بنزوله منجما قد أعطاهم بعد كل نجم فرصة يعارضون فيها؛ فإذا ما عجزوا كان ذلك أدل على الإعجاز، وأقطع للمعذرة.
                                                      وأيضا فالقرآن على نزوله مفرقا، وتباعد ما بين أزمان النزول يكوّن سلسلة ذهبية مترابطة الحلقات متآخية الفقرات، منسجمة الشكل؛ لا تنبو كلمة عن كلمة، ولا تنفر آية من آية، بل كله في غاية الفصاحة والبلاغة والإحكام، ولا يسمو بأسلوبه في بعض الآيات وينزل في البعض الآخر، ولا تنبل الغاية والمقصد في بعض الآيات، وتسف في البعض الآخر مما يدل أعظم الدلالة على أنه ليس من عند بشر.
                                                      ولو أنك نظرت في مؤلفات أديب من الأدباء، مهما بلغ، فإنك- لا شك- واجد تفاوتا بيّنا بين ما ألفه في أول حياته، وما ألفه في آخر حياته سواء أكان في لفظه ومعانيه، أم في أغراضه ومراميه، أم في أسلوبه وتفكيره.
                                                      وإذا كان القرآن لم يأت على غرار ما يصنع البشر، فقد تعين أن يكون من عند الله خالق القوى والقدر.
                                                      هذا.. وليست هذه نهاية الحكم، فهناك لمن أحكم النظر، وأجال البصر حكم وحكم.

                                                      تعليق


                                                      • #27
                                                        تتمّة: مقدار ما كان ينزل به جبريل من الآيات:
                                                        الذي استقرئ من الأحاديث الصحيحة وغيرها، أن القرآن كان ينزل به جبريل على النبي بحسب الحاجة: خمس آيات، وعشر آيات، وأكثر أو أقل.
                                                        وقد صح نزول العشر الآيات في قصة الإفك جملة، وصح نزول عشر آيات من أول سورة المؤمنون جملة، وصح نزول: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وحدها، في قوله تعالى: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ... [سورة النساء: 95] الآية، وكذلك قوله: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [سورة التوبة: 28] نزل بعد أن نزل أول الآية، كما حرره الإمام السيوطي في أسباب النزول وقد ورد في بعض الآثار نزول بعض السور جملة واحدة كسورة الإخلاص والكوثر والمرسلات.
                                                        ولا يخالف ما ذكرنا ما رواه البيهقي في الشّعب بسنده عن عمر قال: تعلموا القرآن خمس آيات خمس آيات؛ فإن جبريل كان ينزل بالقرآن على النبي خمسا.. خمسا، وما أخرجه ابن عساكر من طريق أبي نضرة قال: كان أبو سعيد الخدري يعلمنا القرآن خمس آيات بالغداة وخمس آيات بالعشيّ، ويخبر أن جبريل نزل بالقرآن خمس آيات، خمس آيات، فإن المراد- إن صح- إلقاؤه إلى النبي هذا القدر حتى يحفظه، ثم يلقي إليه الباقي، لا إنزاله بهذا القدر خاصة.
                                                        ويشهد لهذا التفسير ما أخرجه البيهقي عن أبي العالية قال: تعلموا القرآن خمس آيات، خمس آيات؛ فإن النبي كان يأخذ من جبريل خمسا خمسا، ويصح أن يراد به أن ذلك هو الغالب الكثير فلا ينافي حصول الوحي بأكثر أو بأقل.
                                                        وما كان لنا- وقد تكلمنا عن إنزال القرآن- أن نغفل الكلام عن الوحي إذ الإنزال متوقف على معرفة معنى الوحي وكيفيته، وإمكانه ووقوعه، وهو ما سنتكلم عنه الآن.
                                                        .الوحي: لغة واستعمالاته:

                                                        ما هو الوحي..
                                                        للوحي معنى في اللغة، ومعنى في الاصطلاح، أما في اللغة.. فإليك ما قاله العلماء في هذا:
                                                        قال في الأساس: أوحى إليه وأومئ إليه بمعنى، ووحيت إليه وأوحيت إذا كلمته بما تخفيه عن غيره، وأوحى الله إلى أنبيائه، وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ [سورة النحل: 68].
                                                        وفي القاموس المحيط: الوحي: الإشارة والكتابة والمكتوب والرسالة، والإلهام والكلام الخفي، وكل ما ألقيته لغيرك.
                                                        وقال الراغب: أصل الوحي: الإشارة السريعة، ولتضمن السرعة قيل: أمر وحى، يعني: سريع، وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض، وقد يكون بصوت مجرد عن التركيب، وبإشارة ببعض الجوارح وبالكتابة، وقد حمل على ذلك قوله تعالى عن زكريا : فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [سورة مريم: 11]، أي: أشار إليهم ولم يتكلم.
                                                        ومنه: الإلهام الغريزي، كالوحي إلى النحل، قال تعالى: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ [سورة النحل: 68]، وإلهام الخواطر بما يلقيه الله في روع الإنسان السليم الفطرة، الطاهر الروح، كالوحي إلى أم موسى، ومنه ضده، وهو وسوسة الشيطان، قال تعالى: وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ [سورة الأنعام: 121]، وقال: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [الأنعام: 112].
                                                        فالخلاصة في معنى الوحي اللغوي: أنه الإعلام الخفي السريع، وهو أعم من أن يكون بإشارة أو كتابة أو رسالة، أو إلهام غريزي، أو غير غريزي، وهو بهذا المعنى لا يختص بالأنبياء، ولا بكونه من عند الله سبحانه.
                                                        وأما في الشرع: فيطلق ويراد به المعنى المصدري، ويطلق ويراد به المعنى الحاصل بالمصدر، ويطلق ويراد به: الموحى به.
                                                        ويعرف من الجهة الأولى: بأنه: إعلام الله أنبياءه بما يريد أن يبلغه إليهم من شرع أو كتاب بواسطة أو غير واسطة، فهو أخص من المعنى اللغوي لخصوص مصدره ومورده؛ فقد خص المصدر بالله سبحانه، وخصّ المورد بالأنبياء.
                                                        ويعرف من الجهة الثانية: بأنه عرفان يجده الشخص من نفسه مع اليقين بأنه من عند الله، سواء أكان الوحي بواسطة أم بغير واسطة.
                                                        ويعرف من الجهة الثالثة: بأنه ما أنزله الله على أنبيائه، وعرّفهم به من أنباء الغيب والشرائع والحكم، ومنهم من أعطاه كتابا، ومنهم من لم يعطه.
                                                        .أقسام الوحي الشرعي وكيفياته:

                                                        ينقسم الوحي باعتبار معناه المصدري إلى ما يأتي:
                                                        .1- تكليم الله نبيه بما يريد من وراء حجاب:

                                                        إما في اليقظة: وذلك مثل ما حدث لموسى قال تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً ومثل ما حدث لنبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه ليلة الإسراء والمعراج.
                                                        والسلف والمحققون من العلماء على أن موسى وغيره من الأنبياء كنبينا محمد عليه الصلاة والسلام قد سمع كلام الله حقيقة لا مجازا، والواجب علينا أن نؤمن بما ورد من صفة الكلام في القرآن والسنة الصحيحة من غير تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل.
                                                        وأما ما زعمه المعتزلة وموافقوهم، من أن معنى كونه متكلما: أنه خالق للكلام كما خلق الكلام في الشجرة لموسى فزعم باطل لمخالفته للقواعد اللغوية والشرعية، وأقوى دليل في الرد عليهم قول الله تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً، فقد أجمع النحويون على أن الفعل إذا أكّد بذكر المصدر انتفى احتماله للمجاز.
                                                        وكذلك ما زعمه الأشاعرة من التفرقة بين الكلام النفسي، والكلام اللفظي المسموع، وأن الأول قديم دون الثاني، فزعم باطل أيضا، ترده النصوص المتكاثرة من القرآن الكريم القطعي المتواتر، والسنة الصحيحة المتكاثرة وأظهر دليل في الرد عليهم قول الله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة: 6].
                                                        والإجماع على أن المراد بكلام الله في الآية هو القرآن الكريم، والآية غير محتملة للتأويل قطعا.
                                                        وإما في المنام: كما في حديث معاذ مرفوعا: «أتاني ربي، فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى...» الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده، والترمذي في سننه وقال: حسن صحيح.
                                                        .2- الإلهام أو القذف في القلب:

                                                        بأن يلقي الله أو الملك الموكل بالوحي في قلب نبيه ما يريد مع تيقنه أن ما ألقي إليه من قبل الله تعالى، وذلك مثل ما ورد في حديث: «إن روح القدس نفث في روعي: لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب» رواه الحاكم وصححه عن ابن مسعود.
                                                        .3- الرؤيا في المنام:

                                                        ورؤيا الأنبياء وحي؛ وذلك مثل: رؤية إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام أن يذبح ابنه، ورؤية نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه في منامه أنهم سيدخلون البلد الحرام وقد كان، وفي الحديث الصحيح، الذي رواه البخاري: أول ما بدئ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح...
                                                        .4- تعليم الله أنبياءه بوساطة ملك:

                                                        والمختص بذلك من ملائكة الله هو أمين الوحي جبريل وهذا القسم يعرف بـ الوحي الجلي.
                                                        وقد بين الله سبحانه هذه الأقسام بقوله: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ [سورة الشورى: 51] إذ المراد بالوحي في الآية: الإلهام أو المنام، لمقابلته للقسمين الآخرين: التكليم من وراء حجاب أو بواسطة رسول، والوحي الذي بوساطة جبريل.. له حالات ثلاث:
                                                        أ- أن يأتي جبريل في صورته التي خلقه الله عليها، وهذه الحالة نادرة، وقليلة، وقد ورد عن السيدة عائشة: أن النبي لم ير جبريل على هذه الحالة إلّا مرتين: مرة في الأرض، وهو نازل من غار حراء ومرة أخرى في السماء، عند سدرة المنتهى ليلة المعراج، رواه أحمد.
                                                        ب- أن يأتي جبريل في صورة رجل كدحية الكلبي، أو أعرابي مثلا، ويراه الحاضرون ويسمعون قوله، ولا يعرفون هويته، ولكن النبي يعلم علم اليقين: أنه جبريل، وذلك كما في حديث جبريل الطويل في الصحيحين وحديث أم سلمة، ورؤيتها رجلا على صورة دحية الكلبيّ، فظنته هو، حتى بيّن النبي لها أنه جبريل.
                                                        ج- أن يأتي على صورته الملكية، وفي هذه الحالة لا يرى، ولكن يصحب مجيئه صوت كصلصلة الجرس، أو دوي كدوي النحل، وقد دلّ على هاتين الحالتين حديث سؤال الحارث بن هشام النبي : عن كيفية مجيء الوحي إليه وهو في صحيح البخاري كما تقدم.
                                                        والوحي بجميع أنواعه يصحبه علم يقيني ضروري من الموحى إليه بأن ما ألقي إليه حق من عند الله ليس من خطرات النفس ولا نزعات الشيطان، وهذا العلم اليقيني لا يحتاج إلى مقدمات، وإنما هو من قبيل إدراك الأمور الوجدانية، كالجوع والعطش والحب والبغض.

                                                        تعليق


                                                        • #28
                                                          إمكان الوحي ووقوعه:
                                                          مبنى الوحي ومداره على أمرين:
                                                          1- وجود موح وهو الله أو الملك الذي يبلّغ الوحي وينقله من الله إلى الرسل، والملك: جسم نوراني لا يرى، ولكنه قادر على التشكل بالأشكال المختلفة.
                                                          2- وجود نفس بشرية صافية صالحة لتلقي الوحي من الله أو الملك.
                                                          أما الأول: فالله سبحانه قد قام على وجوده وكماله الدليل العقلي وتواترت عليه الأدلة الآفاقية، والأنفسية، والتنزيلية.
                                                          وأما الملائكة، فقد أخبر بهم الأنبياء وجاءت بوجودهم الشرائع والكتب السماوية، وقد استفاض القرآن والسنة بالإخبار عنهم بما لا يدع مجالا للشك في وجودهم، والفلاسفة، والعلماء قديما وحديثا- إلا الشرذمة المادية- يقرون: بوجود عالم غير محسوس، وراء هذا العالم المحسوس، وأن الإنسان ليس هو هذا الجسم المحسوس فحسب، وإنما هو جسم وروح.
                                                          أما الثاني: وهو استعداد النبي للتلقي عن الله أو الملك، فلا بعد فيه، إذ الأنبياء لهم من سمو فطرتهم، وصفاء أرواحهم، وإعداء الله سبحانه لهم إعدادا خاصّا: جسمانيّا وروحيّا ما يؤهلهم لتلقي الوحي من الله، أو الملائكة، والفهم منهم، والتجاوب معهم، وليس لنا في هذا الأمر أن نقيس الغائب على الشاهد، أو عالم الروح على عالم المادة.
                                                          وإذا ثبت هذان الأمران، فقد ثبت- لا محالة- إمكان الوحي، وأنه لا استحالة فيه.
                                                          .العلم يؤيد معنى الوحي وإمكانه:

                                                          وإذا ثبت وجود عالم الروح، لم يبق مجال إذا لإنكار وجود الملائكة وقد استفاضت الأخبار بوجودهم، عن الأنبياء والشرائع السماوية.
                                                          وقد تمخض العصر الحديث عن علم يسمى علم التنويم الصناعي أو التنويم المغناطيسي وقد أثبت هذا العلم وجود قوة خفية وراء هذا الهيكل الإنساني، وهي الروح، وبهذه القوة الخفية، أو الروح يتسلط المنوّم- بكسر الواو- على المنوّم- بفتح الواو- ويلقي الأول إلى الثاني ما يشاء، ويستجيب الثاني إلى ما يريد الأول، وقد أجريت في هذا تجارب عدة حتى أصبح أمرا مسلما به، وهذا يقرب معنى الوحي إلى حد كبير وقد أصبح هذا شجى في حلوق المادّيين، ولم يجدوا لدفعه سبيلا.
                                                          ثم إن بعض المخترعات الحديثة كاللاسلكي، والمذياع، والتلفزيون ونحوها قد أمكن للإنسان بوساطتها أن يبلغ كلامه إلى من هو أبعد منه بآلاف الأميال، فإذا توصل الإنسان على عجزه- إلى هذه المخترعات، أفنستبعد على خالق القوى والقدر، العليم الخبير- أن يبلغ رسله ما يريد بوساطة، أو بغير وساطة وأن يهيئ للموحى إليهم من الوسائل ما يجعلهم مستعدين لتلقي الوحي.
                                                          .الدليل على وقوع الوحي:

                                                          وإذا ثبت أن الوحي ممكن وقد أخبر بوقوعه الصادق المصدوق فقد ثبت أنه واقع وثابت لا محالة.
                                                          أما الأخبار بوقوعه فكثيرة في القرآن والسنة الصحيحة الثابتة، فمن ذلك قوله : وَالنَّجْمِ إِذا هَوى * ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى * وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [سورة النجم: 1- 4] وقوله سبحانه: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ * وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ... [سورة الشورى: 52- 53] وقوله: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً [سورة النساء: 163]، وقوله: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً [سورة الجن: 1] إلى غير ذلك من الآيات.
                                                          ومن السنة قوله : «ما من نبي من الأنبياء إلا وأوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان ما أوتيته وحيا أوحاه الله، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» رواه الشيخان، وحديث عائشة في الصحيحين: أول ما بدئ به رسول الله الرؤيا الصادقة في النوم.. وحديث الحارث بن هشام: سألت رسول الله : كيف يأتيك الوحي قال: «أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشدّه عليّ فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول» قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد وإن جبينه ليتفصّد عرقا. رواه البخاري، إلى غير ذلك من الأحاديث المتكاثرة التي تدل بطريق التواتر المعنوي على ثبوت الوحي ووجوده.
                                                          وأما صدق الرسول فقد قامت عليه الدلائل المتكاثرة، والمعجزات المتواترة، المعنوية والحسية الدالة على صدق دعوته القائمة مقام قول الله سبحانه: صدق عبدي فيما يبلّغ عنّي.
                                                          وقد أورد الملحدون وأعداء الأديان على الوحي شبها، وإليك هذه الشبه وردها.
                                                          .الشبه التي أوردت على الوحي المحمدي:

                                                          لقد حاول الماديون الذين لا يؤمنون بوجود قوى روحية غيبية وراء المادة، ومن على شاكلتهم ممن يحملون الحقد والضغن للإسلام ونبيه حاول هؤلاء أن يشكّكوا في الوحي المحمدي فنفوا أن يكون وحيا من خارج نفس النبي وقالوا: إنه وحي من داخل نفسه فليس هناك ملك تلقى عن الله ثم ألقى ما جاء به على النبي ولا غير ذلك من أنواع الوحي وإليك هذه الشبهة والرد عليها.
                                                          .شبهة الوحي النفسي:

                                                          قالوا: نحن لا نشك في صدق محمد في خبره عما رأى وسمع، وإنما نقول: إن منبع ذلك من نفسه، وليس فيه شيء جاء من عالم الغيب الذي يقال: إنه وراء عالم المادة والطبيعة الذي يعرفه جميع الناس، فإن هذا الغيب شيء لم يثبت عندنا وجوده، كما أنه لم يثبت عندنا ما ينفيه ويلحقه بالمحال، ونحن نفسر الظواهر غير المعتادة بما عرفنا، وثبت عندنا، دون ما لم يثبت، فهذا الموحى الذي أخبر به محمد إنما هو إلهام كان يفيض من نفس النبي الموحى إليه لا من الخارج؛ ذلك أن منازع نفسه العالية، وسريرته الطاهرة، وقوة إيمانه بالله وبوجوب عبادته وترك ما سواها من عبادة وثنية، وتقاليد وراثية رديئة- يكون لها في جملتها من التأثير ما يتجلى في ذهنه، ويحدث في عقله الباطن الرؤى، والأحوال الروحية، فيتصور ما يعتقد وجوده إرشادا إلهيّا نازلا عليه من السماء بدون وساطة، أو يتمثل له رجل يلقنه ذلك، يعتقد أنه من عالم الغيب وقد يسمعه يقول ذلك في المنام الذي هو مظهر من مظاهر الوحي عند الأنبياء، فكل ما يخبر به النبي من كلام ألقي في روعه، أو عن ملك ألقاه على سمعه فهو خبر صادق عنده، ولكن تفسيره عندنا ما ذكرنا من أن ما تخيله إنما هو نابع من نفسه ومن عقله الباطن.
                                                          وضربوا مثلا للوحي النفسي قصة جان دارك الفتاة الفرنسية التي اعتقدت أنها مرسلة من عند الله لإنقاذ وطنها، ودفع العدو عنه، وادعت أنها تسمع صوت الوحي، فأخلصت في دعوتها وتوصلت بصدق إرادتها إلى رئاسة جيش صغير تغلبت به على العدو، ثم ماتت غبّ انتصارها لما خذلها قومها، ووقعت في يد عدوها فألقوها في النار حية، وقد ذهبت تاركة وراءها اسما يذكر في التاريخ، وقد حظيت بتعظيم قومها، وإجلالهم لها، حتى قررت الكنيسة الكاثوليكية قداستها فيما بعد موتها بزمن.
                                                          ومما يؤسف أن هذا التصوير الذي يصورون به ظاهرة الوحي قد سرت شبهته إلى كثير من المسلمين المرتابين، الذين يقلدون هؤلاء الماديين في نظرياتهم المادية أو يقتنعون بها، وأغلب هؤلاء من المتعلمين الذين تلقوا العلم في الغرب، وليس عندهم من الثقافة الإسلامية العميقة ما يعصمهم من الانسياق وراء هؤلاء.
                                                          .المقدمات الست التي استندوا إليها:

                                                          ولأجل أن يؤيدوا فكرة الوحي النفسي ذكروا مقدمات تخيلوها أو تصيدوها زاعمين أنها أساس هذه التشريعات والعلوم التي امتلأ بها عقل النبي الباطن ثم فاضت بها نفسه فقالوا:
                                                          أ- إن محمدا كان يصحب عمه أبا طالب في كثير من رحلاته التجارية وأنه استفاد من هذه الرحلات بما كان يسمعه من الأعراب الذين كانوا يسكنون الديار التي يمر عليها كديار ثمود، ومدين وغيرهما، وما كان يسمعه من أحبار اليهود ورهبان النصارى وذلك مثل بحيرى الراهب الذي لقيه في مدينة بصرى بالشام، وقالوا: إنه كان نسطوريّا من أتباع آريوس في التوحيد، وينكر ألوهية المسيح، وعقيدة التثليث، وإن محمدا لابد أن يكون علم منه عقيدته بل غالى بعضهم فزعم أنه كان معلما للنبي ومصاحبا له بعد رسالته.
                                                          2- إن ورقة بن نوفل كان من متنصّرة العرب العالمين بالنصرانية وكان يعرف العبرانية، وله علم بالكتب السابقة، وكان قريبا لخديجة وهو الذي ذهبت إليه خديجة ومعها النبي لما أخبرها بخبر الوحي وغرضهم بهذا إثبات أن النبي أخذ عنه بعض علم أهل الكتاب.
                                                          3- ما كان من انتشار اليهودية والنصرانية في بلاد العرب قبل الإسلام ومن تنصر بعض فصحاء العرب وشعرائهم كقس بن ساعدة الإيادي وأميّة بن أبي الصّلت، وإشادة هؤلاء بما كانوا يسمعونه من علماء أهل الكتاب عن قرب ظهور النبي الذي بشّر به موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء وغرضهم بهذا أن النبي استفاد من هؤلاء، واستغل البشارة لنفسه.
                                                          4- زعموا أنه كان بمكة أناس من اليهود والنصارى وأنهم كانوا عبيدا أو خدما، وكانوا يسكنون أطرافها.
                                                          وكان هؤلاء يتحدثون بالكثير من القصص الذي جاءت به كتبهم فسمع منهم النبي ما سمع واستفاد منهم الكثير مما ذكره من قصص الأولين.
                                                          5- ذكروا ما كان من رحلتي قريش: رحلة الشتاء إلى اليمن، ورحلة الصيف إلى الشام، واجتماعهم بالأحبار والرهبان في كلّ منهما كلما مروا بدير أو صومعة، وكان هؤلاء يتحدثون بقرب ظهور نبي من العرب، فتعلقت نفسه بما سمع، وظهر ذلك على لسانه بدعوى النبوة.
                                                          6- قالوا: إن محمدا توصل إلى ما توصل إليه من عقائد بالخلوة في غار حراء، والانقطاع إلى عبادة الله وحده، والتفكر في خلق السموات والأرض من نجوم وكواكب وسهول ونجود وبحار ذات أمواج، وليل ونهار، وكان لهذا التعبد والتفكر أثرهما في صقل نفس محمد، وامتلاء قلبه بوحدانية الله ونظامه البديع في الكون، وما زال يفكر ويتأمل وينفعل بما يرى ويسمع، ويتقلب بين الآلام والآمال، حتى أيقن أنه هو النبي المنتظر الذي سيبعثه الله لهداية البشر، فتجلى له هذا الاعتقاد في الرؤيا المنامية، ثم قوي حتى صار يتمثل له الملك ويلقنه الوحي في اليقظة.
                                                          وأما المعلومات التي جاء بها في هذا الوحي فهي مستمدة من تلك الينابيع التي ذكرناها سابقا، وما هداه إليه عقله وتفكره في التمييز يبن ما صح منها وما لا يصح، ثم تجلى له أنها نازلة من السماء، وأنها خطاب الخالق جلّ وعلا؛ بوساطة الناموس الأكبر، ملك الوحي جبريل الذي كان ينزل على سلفه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلى غير ذلك من الأباطيل والتّرهات التي أرادوا بها تقريب فكرة الوحي النفسي وأن كل ما جاء به النبي من عقيدة، وتشريع وآداب، فهي من ذات نفسه وعقله الباطن لا من شيء خارج عن نفسه، وهو الوحي عن الله .

                                                          تعليق

                                                          20,125
                                                          الاعــضـــاء
                                                          230,569
                                                          الـمــواضـيــع
                                                          42,258
                                                          الــمــشـــاركـــات
                                                          يعمل...
                                                          X