إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • علاقة العلوم بالقرآن

    توطئة:
    اهتم القرآن اهتماماً واضحاً بالواقع ؛ إذ أن أحكامه وإرشادته لا تنزل إلا عليه ، وقد ارتبطت العلوم من جهة أخرى بهذا الواقع أشد ما يكون الارتباط وتعلّقت به أقوى ما يكون التعلّق ، ولهذا كانت بين القرآن والعلوم علاقة لا يمكن إغفالها وآصرة لا يمكن تجاوزها ، ولما أكمل الله تعالى الدين وأتم النعمة فإنه لم يغادر في كتابه العزيز مصلحة دنيوية ولا أخروية إلا نبه عليها أو عبر عنها أو أشار إليها ، ولا تخفى علاقة العلوم بمصالح الإنسان ومنافعه .
    ورغم كل ذلك فإن ربط العلوم بالقرآن ليس أمراً تلقائياً يتأتى بالجهد اليسير أو النظر المتعجل أو البحث السطحي ؛ إذ إن هذا الأمر في غاية التعقيد والصعوبة ؛ فلا يمكن بحال – كما يحدث كثيراً – الإتيان بالقرآن من جهة وبالعلم - أياً كان نوعه ومعطياته - من جهة أخرى فيُربط بينهما وُتتلمس أوجه الاتفاق وتُتحسس مواضع التشابه وإلا كان ذلك تلفيقا غير متقبل ولا ممدوح ، وهذا التعقيد الذي نشير إليه في الربط بين القرآن والعلم يرتبط بعنصرين في غاية الأهمية وهما :-
    - طبيعة العلم المراد ربطه بالقرآن ، ومفهوم هذا العلم وكيفية تصنيف أنواعه وفلسفته التي ينطلق منها ورؤيته العامة التي يندرج تحتها ثم أولوياته ومدى مطابقته للحقيقة والواقع .
    - طبيعة تعبير القرآن عن أنواع هذا العلم سواء في التفصيل أو الإجمال أو المقاصد ؛ إذ إن القرآن لم يعن بالعلوم بدرجة واحدة ولا بمستوى متقارب ولا بأسلوب متفق ؛ ولهذا فإن جعل معطيات العلوم هي الأصل - بغض النظر عن طبيعتها - ثم محاولة حمل القرآن عليها منهج خاطئ منذ بدايته ؛ فالقرآن متبوع وليس بتابع وإنما تؤخذ معطياته مأخذ الافتقار إليها والتعويل عليها.
    ولا شك أنه كان لربط القرآن عند المسلمين – قديما وحديثا - اتجاهات تباينت مناهجها واختلفت رؤاها، وتعددت نظراتها لكل من العلم والقرآن ، وهذا الأمر بجوانبه المختلفة يحتاج إلى توضيح وبيان ، وتفصيل ذلك كالآتي:-

  • #2
    مفهوم العلم بين القرآن والفكر الغربي:-
    العلم في القرآن من صفات الله تعالى وقد جاءت هذه الصفة منسوبة إليه تعالى بصيغ مختلفة نحو "أعلم"بصيغة التفضيل في قوله تعالى : (وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ) و"عليم" و"علام" بصيغة المبالغة في قوله : (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) وقوله : (إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ). ولا يمكن تعريف العلم في القرآن تعريفاً دقيقاً إلا من خلال تعريف المفاهيم المرادفة له ؛ ومن ذلك مفهوم (المعرفة) ؛ فالمعرفة في القرآن تطلق على الإدراك بالملامح والسمات العامة ؛ قال تعالى : (لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ) وقال : (وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ) وقال : (وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ) وقال : (وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ) وقال: (يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ) وقال : (تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ) وقال : (ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ) وغير ذلك من الآيات . أما العلم فيطلق على العلم بدقائق الامور وهي صفة ينكشف بها المطلوب انكشافاً تاماً ، وهو (الإدراك الجازم المطابق للواقع) ، أما المعرفة فهي (الإدراك الجازم سواء طابق الواقع أم لم يطابقه) ؛ فالعلم بذلك جزء من المعرفة ؛ وهي ليست جزء منه ؛ بل هو أعلى مستوياتها ؛ إذ إن كل علم معرفة وليست كل معرفة علماً ، ويمكن إطلاق المعرفة على العلم وليس العكس.
    وقد أطلق العلم في القرآن على أمور متعددة منها :-
    1- القرآن كما في قوله تعالى : (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ)
    2- علم الدين كما في قوله تعالى : (قَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالْسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ)
    3- علم الدنيا كما في قوله تعالى : (فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ) وعلوم الدنيا كثيرة فقد تطلق على اللغة كما في قوله : (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا) وتطلق على الصناعة كما في قوله : (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ) وأحياناً يراد بها العلم الحسي كله كما في قوله : (وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)
    وقد ذهب ابن عادل في تفسيره (اللباب في علوم الكتاب) إلى تعريف العلم واطلاقاته في القرآن مذهباً عجيباً ؛ فزعم أن العلم في القرآن هو الآتي:-
    1- القرآن كما في قوله تعالى : (فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ)
    2- النبي (r)كما في قوله تعالى : (فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمْ الْعِلْمُ)
    3- الكيمياء كما في قوله تعالى : (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي)
    4- الشرك كما في قوله تعالى : (فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ)
    وهذا فيه نظر ولم يوافقه عليه أحد من العلماء للآتي:-
    1- إطلاق العلم على النبي(r) ليس صحيحاً ؛ إذ أراد الله ما جاء به النبي (r) من الوحي والرسالة ، ولم يرد شخص النبي (r)منذ مولده ، ولم يقل أحد من المفسرين - غير ابن عادل - أن المراد بالعلم هنا هو النبي (r)وإنما قالوا المراد هو الوحي .
    2- إطلاق العلم على الكيمياء التي هي أشبه بالسحر عند الأقدمين فيه نظر ؛ إذ ربما أراد قارون معرفته بالاقتصاد والمال وتوليده والتجارب للأمور التجارية والمعرفة بالمكاسب ووجوه التجارات. وليس المراد بالكيمياء عند الأقدمين ما نعرفه اليوم من علم وإنما المراد تحويل المعادن الخسيسة إلى معادن نفيسة كريمة ، ولهذا رد ابن كثير هذا القول ؛ فقال : (وقد رُوي عن بعضهم أنه أراد إنه ]أي قارون [كان يعاني علم الكيمياء ، وهذا القول ضعيف؛ لأن علم الكيمياء في نفسه علم باطل؛ لأن قلب الأعيان لا يقدر أحد عليها إلا الله )
    3- إطلاق العلم على الشرك فيه غرابة شديدة ؛ إذ لا يكون الشرك علماً ؛ بل إنه لا يكون إلا جهلاً ، وإنما أراد ما عندهم من العلوم الدنيوية. وذهب المفسرون مذهبا مختلفا عن مذهب ابن عادل وقالوا إنه يريد علمهم بأمور الدنيا ، ومعرفتهم بتدبيرها.
    ولهذا فإن العلم هو المعرفة بدقائق الامور سواء كان هذا العلم وحياً أو ما حوله من العلوم الدينية أو كان علوماً دنيوية باختلاف أنواعها وأشكالها ، ومصادر هذا العلم هي الكون المحسوس والوحي المنزل .
    أما تعريف العلم في الفكر الغربي فهو أضيق من ذلك ، إذ يطلق لفظ "العلم" على الحقائق التجريبية أو التحليلية أما ما سوى ذلك من العلوم الدينية فهي عندهم بلا معنى . ولذلك فإن مفهوم ( العلم ) في الفكر الغربي غير مفهومه في الرؤية الإسلامية ؛ إذ أن النظرة العلمانية التي استبعدت الوحي قد مرت بأطوار عديدة ثم استقرت على المرحلة الأخيرة التي حددت مفهوم العلم وفق ما تبلور في حلقة ( فينا ) في الثلاثينيات من القرن العشرين ؛ فتم بذلك حصر الحقائق العلمية في الحقائق التجريبية والحقائق التحليلية فحسب.
    ولهذا كان مفهوم العلم نفسه في الفكر الغربي يقوم على افتراضات فلسفية لا تستند على أي إثبات أو برهان ؛ وإنما هي قناعات لفلاسفة العلم المعاصرين ؛ ولهذا كان تصورهم للحقيقة يعتمد على قدرة الباحث على استخدام أساليب وأدوات المنهج التجريبي كالملاحظة والتجربة والقياس ، وكل موضوع غير قابل لاستخدام أدوات التحقق التجريبي فهو بلا معنى.
    ولعل مما يستغرب له عدم وجود تعريف دقيق مجمع عليه لـ"العلم" ؛ فكثير من المصادر والقواميس تتحاشى تقديم تعريف محدد للعلم نظرًا لصعوبة هذا الأمر ؛ وقد ذهب العلماء إلى صعوبة تعريف العلم، إلا أنهم أكدوا أن التعريف لا بد أن يتضمن شيئًا من (الطريقة العلمية)، أي الطريقة التي يتم التوصل بها إلى المعلومة العلمية التي من عناصرها الفرضية العلمية والتجربة والاستنتاج المبني على المشاهدة وقابلية الحصول على نفس النتيجة عند إعادة إجراء التجربة تحت الظروف المشابهة.
    وما اختلف هذا المفهوم في الفكر الغربي إلا لاختلاف الفلسفات والمنطلقات ، ومعلوم أن الغربيين حسب معطياتهم الدينية قد عدوا العلم في أول الأمر هو المعصية أو الخطيئة الأولى وقد جاء في سفر التكوين الإصحَاح الثَّالث: (فقَالَتِ الْحَيَّةُ لِلْمَرْأَةِ:لَنْ تَمُوتَا! بَلِ اللهُ عَالِمٌ أَنَّهُ يَوْمَ تَأْكُلاَنِ مِنْهُ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَاللهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ) أما في الإسلام فإن العلم هو سبب التكريم لا سبب الطرد من الرحمة.
    ولهذا فإن العلم لما انفصل عن النسق الديني في الفكر الغربي كانت له فلسفته ومفهومه اللذان يختلفان عن فلسفته ومفهومه في الإسلام ؛ ولأجل ذلك كانت للعلم عندهم خصائص مختلفة ؛ ومن ذلك الآتي :-

    تعليق


    • #3
      1- العلم يستبعد معطيات الوحي في الفكر الغربي :-
      إن مصادر العلم في الإسلام هي : الكون المحسوس الذي جعل الله له نواميس وقوانين تحكمه ويمكن للإنسان بعقله وحواسه إدراك هذه النواميس والقوانين ومعرفة أسباب الوقائع وعللها في هذا الكون، أما المصدر الثاني فهو : الوحي المنزل وهو كلام الله الذي جاء إلى الإنسان ليتدبره وبعرف معانيه ويدرك مراد الله من خلاله ، وينفرد الوحي بأنه يمدّ المعرفة الإنسانية بتلك الحقائق التي لا يتأتى للحس أو العقل إدراكها بصورة مستقلة.
      ذلك ما كان من أمر تجربة الفكر الإسلامي ، أما التجربة الغربية فإنها تختلف كل الاختلاف في ذلك ؛ إذ أرست التعاليم المسيحية المحرفة كثيراً من الخرافات والأباطيل ، وليس ذلك فحسب بل مارست الكنيسة اضطهاداً للأسلوب العلمي في التفكير ، واستمر هذا الأمر حتى نشأ صراع مرير بين العلماء والكنيسة ؛ إذ تعرّف هولاء العلماء على تلك العلوم التجريبية القائمة على منهج الاستقراء والملاحظة القادمة من بلاد المسلمين ؛ ولهذا سمى سان سايمون الفكر الإسلامي بـ( النور الجديد ) ، ثم اشتد هذا الصراع حتى انتهي لصالح العلماء والمفكرين ضد الكنيسة ، وتم بذلك إقصاء الدين والتفكير الديني عن مجالات الحياة واعتبر الحس وحده مصدراً للمعرفة.
      ومعلوم أن الحس مصدر للمعرفة ، ولكنه ليس المصدر الوحيد الذي تستبعد له المصادر الأخرى ، ولكن لما سادت الوضعية انحصر العلم في دراسة المادة ، ثم عمم ذلك على كافة الموضوعات المدروسة وإن كانت روحية أو نفسية أو وجدانية ؛ إذ أن مهمة الوضعية هي وحدة المنهج بغض النظر عن طبيعة الموضوع المدروس وخصائصه ومكوناته ؛ ومن أجل ذلك لم تتصور هذه الوضعية التي لا تؤمن بمعطيات الدين وجود إله أو دين أو مثل أو أخلاق وقيم خارج بنية المجتمع ؛ فالمجتمـع -في نظر هذه الوضعية – هو مصدر كل تلك الأفكار وهو مصدر السلطة الأخلاقية والقيمية ، أما ربط الأخلاق والقيم ونحوها بالدين فهو من سمات المجتمعات المتخلفة ؛ فصارت هذه النظرة الوضعية أو (العلمية) نظرة إلحادية محضة لا تؤمن بمعطيات الدين (العلمية) فحسب بل لا تؤمن حتى بتلك المعطيات التي تميز ذلك الدين نحو وجود الإله والتزام القيم والأخلاق والمثل والمعايير.

      تعليق


      • #4
        2- الوجود تابع لنظرية المعرفة وليس العكس في الفكر الغربي:-
        في الفكر الإسلامي تتبع نظرية المعرفة لنظرية الوجود ؛ إذ أن المعرفة الإنسانية لا يمكن أن تحيط بكل الوجود ، أما الفكر الغربي فقد جعل الوجود تابعاً للمعرفة ؛ ولذلك ينحصر الوجود لديهم في هذا العالم المشاهد الذي تستطيع الحواس إدراكه ، وعلى هذه القاعدة صاغوا مفاهيمهم وأسسهم العلمية ، ولأجل ذلك ذهب بعضهم إلى أن العالم يوجد فقط عندما نتعامل معه.
        والحق أن الوجود في التصور الإسلامي أكبر بكثير من إدراك الإنسان ، ولهذا أقسم تعالى بما نبصر وما لا نبصر؛ أي : بهذا المحسوس لدينا وما لا نحس من الوجود ؛ فقال : (فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ) وحتى هذا المحسوس في الكون فإنه أوسع وأكبر من إدراك الإنسان له ، ووراء حدود هذا الإدراك الحسي عوالم وأسرار لا يدركها الحس ؛ إذ أن الوجود أرحب والحقيقة أكبر من الجهاز الإنساني المزود بقدر محدود يناسب وظيفته في هذا الكون ؛ ولأجل ذلك فإن الذين يحصرون أنفسهم في حدود ما تدرك الحواس إنما يحصرون إدراكهم وعلومهم في عالم ضيق على سعته ؛ ضيق حين يقاس بذلك الوجود الكبير. ولما كان الأمر كذلك فإن القرآن العظيم قد جاء ليبين تلك الحقائق التي هي وراء الحقائق الجزئية التي يدركها الإنسان بحواسه.

        تعليق


        • #5
          3- العلم ليس بالضرورة بحثاً عن الحقيقة في الفكر الغربي:-
          إن العلم لابد له من مطابقة الواقع وإدراك دقائقه في الفكر الإسلامي ، أما الفكر الغربي فلا يرى ذلك ؛ ولهذا حذّر الفيلسوف الوضعي أوجست كونت من محاولة إدراك حقائق الأشياء ؛ إذ أن العلم عندهم لا يبحث عن ماهية الأشياء ؛ وإنما يكتفي بالوقوف على الوصف الخارجي للظاهرة ؛ فما يهم العلم هو كيفية حدوث الظاهرة لا كنهها ، ولهذا فإن العلم حسب المفهوم الغربي يقوم بالتصنيف الصحيح والوصف الظاهري الدقيق ، أما الانشغال بالتأكد من مدى مطابقة العلم للواقع والحقيقة من حيث هي لا من حيث النتائج فهو أمر لا يعني العلم إطلاقاً ؛ أي : أنهم لا يريدون أن يعلموا إلا ظاهراً من الحسيات في هذه الحياة ، ولهذا ذهب فلاسفة العلم إلى أن العلم لا يحرز حقائق يقينية قاطعة وإنما يكفيه رجحان الصدق ، فعبارة ( حقائق علمية ) لا تعني أنها تمثل واقعاً موضوعياً يصف العالم وإنما هي في نظر كذلك فحسب، ولهذا تطلق عبارة الحقائق العلمية على الآتي:-
          أ‌- الحقائق العلمية التي شهدت الحواس بصدقها بصورة قاطعة سواء بواسطة الأجهزة المتطورة أو غيرها ، وهذا النوع يعتبر نوعاً ثابتاً.
          ب‌- الحقائق التي يتم استنتاجها لتفسير التجارب ؛ فهذه الأمور ـ التي تعتبر حقائق في نظر العلم ـ ليست ثابتة، وإنما هي قابلة للانهيار إذا أظهرت التجربة أن هنالك نتيجة واحدة لا يمكن تفسيرها بها.
          وليس ذلك فحسب بل إن الحقائق المختبرية نفسها لا تعطي العلم بها بنفسها ؛ وإنما يدركها الإنسان ؛ ولهذا قد تتأثر بالإنسان وخياله وأوهامه ومدى بعده أو قربه من الدقة في الملاحظات والتوصيف والاستنتاج ؛ فنتائج العلوم – حتى الحسية – إنما هي نتائج تقريبية وعرضة للأخطاء المحتملة في القياسات والمقاربات، وإذا كانت هذه العلوم تقوم على رصد الكمية في الوصف والتنبؤ فهي تقوم على الاحتمالات وتنتهي بها. ويرى بوبر أن مجرد موافقة التجربة لتصور نظري معين لا يعني أن هذا التصور صحيح وإنما يعني فقط أننا لا نملك دليلاً على خطئه.

          تعليق


          • #6
            العلم مجرد أداة في الفكر الغربي:-
            يذهب أنصار المذهب البراغماتي إلى أن العلم مجرد أداة للاستنباط والتنبؤ ؛ وليس خبراً أو وصفاً للواقع ، وقد ذهب كثير من فلاسفة العلم الغربيين إلى أن وظيفة العلم ليس وصف الواقع والأحداث أو مظاهر الطبيعة الغامضة ؛ وإنما للعلم وظيفة دينامية وهي الاكتشاف ثم استخدام هذا الاكتشاف وتسخيره من أجل الرفاهية والسيطرة على الطبيعة.
            وقد تبنت العلمية الغربية المعاصرة مواقف معادية لنظرية ( التطابق مع الواقع ) كمعيار للصدق ؛ إذ أن هذا التطابق ليس صفة جوهرية للعلم ؛ بل يقوم معيار الصدق على الاتساق الداخلي والخلو من التناقض ثم الخصوبة ؛ بمعني : أن تكون المقولة العلمية خصبة بحيث تتولد عنها النظريات داخل ذلك النسق المعرفي ، فليست وظيفة العلم إزالة القلق وإرضاء تطلع الإنسان لمعرفة الحقيقة ولا معرفة أسرار الكون وخفاياه ؛ فهذه مهمة تقليدية قد تجاوزها العلم المعاصر وصار همه هو معرفة خواص الأشياء لاستثمارها في تحقيق الرفاهية والسيطرة ، وقد أحسّ فلاسفة العلم الغربي أن الاستقراء ـ وهو تصفح جميع الجزئيات وتعميم التجربة على كل ما هو من جنس ما وقعت عليه التجارب في جميع الأزمنة والظروف – وسيلة غير مهيأة للإنسان ؛ فارتضوا بدلاً عنها القياس ؛ وهي الوسيلة التي يصل بها الإنسان إلى نتيجة ثم يعمم هذه النتيجة التي يصل إليها ، والحق أن هذا القياس ـ وباعتراف فلاسفة العلم أنفسهم- إنما هو وسيلة تؤدي إلى نتيجة ظنية غير قاطعة. ولما كان الأمر على الوجه الذي سبق فإن محصلة العلم ليست بالضرورة أن تكون حقائق دقيقة تصف الواقع الحسي .

            تعليق


            • #7
              العلم لا يحسم الأسئلة الكلية في الفكر الغربي:-
              إن غايات العلم وأهدافه لم تعد هي تلك الأهداف التقليدية ؛ ولذلك ضرب هذا العلم عن الحقيقة صفحاً ومال إلى تحقيق المنفعة والرفاهية للإنسان ؛ ولذلك ابتعد عن الإجابة على الأسئلة الكلية التي تقود إلى الإيمان ؛ وإن كانت طبيعة العلم – أياً كان – أن ترمي بهذا الإنسان إلى تلك الأسئلة.
              وقد طرح القرآن هذه الأسئلة بصورة مباشرة ؛ فأمر الناس أن يسيروا في الأرض لينظروا كيفية بداية الخلق ؛ إذ أن ذلك يفتح القلب على المشاهد الجديدة ويقوده إلى الله، فالإطلاع على سر الحياة يفضي إلى ما وراء الحقائق المادية ، وقد أنشأ القرآن تصوراً عاماً للوجود يربطه بخالقه ؛ ليقيم الإنسان ـ على أساس هذا التصور ـ علومه بالبحث العلمي والتجريبي حسب القدرة الإنسانية ؛ ولهذا ركز الدين على الأطر العامة أكثر من تركيزه على جزئيات العلوم التي يمكن للإنسان أن ينالها بإعمال العقل والتجربة.
              إلا أن المنهج العلمي المعاصر قد قطع الصلة بين الكون وخالقه، رغم أن هذا الكون طريق موصل له وكتاب للحق مفتوح يُقرأ بكل اللغات والوسائل ، ولا شك أن هذا الأصل ليربط الحقائق المفردة ببعضها ليردها إلى الحقائق الكلية الكبرى ؛ وبذلك يكون العلم مؤثراً في الناس لا مجرد معلومات جافة جامدة لا تكشف سر الكون الكبير ، والعلم البشري تجربة محدودة قاصرة ، وقد حاول هذا العلم الإجابة على بعض الأسئلة الكلية فأخفق، ثم صحح إخفاقه ، ولكنه كان قاصراً في إخفاقه وتصحيحه وفي خطئه وصوابه وفي باطله وحقه ، ومن ذلك على سبيل المثال أنه قد ساد حتى منتصف القرن العشرين أن الكون أزلي أبدي لا بداية له ولا نهاية ، ثم عاد العلم وأثبت محدودية أجل الكون ، إلا أن هذه الأمور الكلية لا يمكن لهذا العلم أن يحسمها ؛ إذ أن العلم يبحث في ما يشاهده من الكون ، إلا أن ما يشاهده يبدو كرقعة صغيرة من موجة تنخفض ثم ترتفع دون يحس بها المحيط الكبير في مراميه البعيدة.
              ولا يعترف العلم المعاصر إلا بما تدركه الحواس ، أما أمور الغيب ونحوها مما تحفل به الأديان فهي بلا معنى في نظره ، وقديماً ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى مناقشة الفلاسفة الطبيعيين في هذا الأمر ؛ فذكر أن كلامهم في الأمور الحسية جيد في الغالب ، أما الغيبيات والكليات والإلهيات فكلامهم فيها قاصر جداً وفيه تخليط كثير ؛ إذ إنهم لا يعرفون إلا الحسيات وبعض لوازمها وما لا يشهده الإنسان من الموجودات أعظم قدراً مما يشاهده ؛ ولهذا كان هولاء كما يقول : ( إذا سمعوا إخبار الأنبياء بالملائكة والعرش والكرسي ـ وهم يظنون أن لا موجود إلا ما علموه ـ نفوه ؛ وليس لهم بهذا النفي علم ؛ فإن عدم العلم ليس علماً بالعدم ، ولكن نفيهم هذا كنفي الطبيب للجن ؛ لأنه ليس في صناعة الطب ما يدل على ثبوت الجن ؛ وإلا فليس في علم الطب ما ينفي وجود الجن ، وبنو آدم ضلالهم فيما نفوه وجحدوه بغير علم أكثر من ضلالهم فيما أثبتوه وصدقوا به قال تعالى : "بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ" ؛ وهذا لأن الغالب على الآدميين صحة الحس والعقل ؛ فإذا أثبتوا شيئاً وصدقوا به كان حقاً عندهم )

              تعليق


              • #8
                تصنيف العلوم :-
                تصنيف العلوم ليس أمراً عشوائياً وإنما ينبني هذا التصنيف استناداً على القاعدة الفكرية التي ينطلق منها واعتماداً على الرؤية الفلسفية التي يدور داخلها ؛ فتصنيف المسلمين للعلوم ينبني على تصوراتهم للوجود وارتكازاً على مفهوم العلم عندهم .
                أما الغربيون فإن تصنيفهم ينطلق من رؤاهم المادية وفلسفاتهم التي نشأ منها هذا المفهوم ، والفكر الغربي لا يتصور نشوء العلوم وانبثاق الأفكار العظيمة من خلال النسق الديني ، إلا إن الأمر لدى المسلمين بخلاف ذلك؛ فقد تواصلت الاكتشافات العلمية وظهرت الأفكار العظيمة وقامت العلوم المتنوعة عندهم من داخل النسق الإسلامي ؛ إذ أن الإسلام قد حضّ على طلب العلم والتفكر في أرجاء الكون لمعرفة أسراره وإدراك الحقيقة من خلاله ، فلم يتقدم المسلمون في نوع من العلوم على حساب نوع آخر ؛ إذ ظهرت العلوم الكونية عندهم بجانب العلوم الدينية، وعندما انطفأ الاجتهاد عندهم انطفأ في كلا النوعين من العلوم معاً.
                وقد انبني تصنيف المسلمين للعلم على تصورهم للكون ومعطياته لتحقيق الاستخلاف في الأرض، ولأجل ذلك زاوجوا بين علوم الحياة وعلوم الآخرة ولم يفرقوا بينهما بل رأوا أن البحث في علوم الحياة فرض كفاية يجب أن تقوم به الأمة.
                وقد ذهب ابن خلدون إلى أن العلوم صنفان صنف طبيعي للإنسان يهتدي إليه بفكره وصنف نقلي ، وقسم الغزالي العلوم إلى شرعية وغير شرعية ، فالشرعية هي التي استفيدت من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، أما غير الشرعية فمنها ما هو محمود ومنها ما هو مذموم ومنها ما هو مباح فالمحمود ما يرتبط بمصالح الدنيا كالطب والحساب والمذموم كالسحر والطلسمات والشعوذة والمباح كالعلم بالشعر وتواريخ الأخبار.
                ويبدو واضحاً أن تقسيم المسلمين يعتمد على الوحي والكون معاً والوحي خاص بالمسلمين والكون مشترك بينهم وبين الناس ؛ ولذلك قسم ابن حزم العلوم إلى علوم خاصة بالأمة وعلوم مشتركة .
                أما الفكر الغربي فيعتمد على الكون فحسب ، وقد ذهب أرسطو قديماً إلى أن العلم قسمان : عملي ونظري ، وقد انبنى التصنيف الغربي للعلوم على تصورهم الذي يجنح إلى المادة والتجريب فلم يعتدوا بعلم من العلوم إلا إذا كان قابلاً للمنهج التجريبي ؛ ولذلك كان الأصل عندهم هو العلوم الطبيعية وليس غيرها ، ولما حاول علماء العلوم الإنسانية والاجتماعية تطبيق المنهج التجريبي وتوظيف الأدوات الكمية والإحصائية ألحقت هذه العلوم بتلك العلوم الطبيعية ، أما الحقائق الدينية عندهم فهي أمور لا معنى لها .ولهذا انقسمت العلوم عند الغربيين إلى علوم طبيعية وعلوم اجتماعية وعلوم إنسانية، فالعلوم الطبيعية هي التي تدرس المادة بشكل مباشر يدخل فيها الطب والأحياء وعلوم الأرض وطبقات الجو والفلك ونحوها أما العلوم الاجتماعية فهي مجموعة من التخصصات العلمية التي تدرس النواحي الإنسانية وتفترق من العلوم الإنسانية في تأكيدها على تطبيق المنهج العلمي وقواعده ومعاييره الصارمة، ويدخل في هذا النوع علم الاقتصاد والسياسة والآثار وعلم الاجتماع وعلم السكان والجغرافيا ونحوها أما العلوم الإنسانية منها مجموعة من التخصصات تتناول النشاط البشري ويدخل في هذا النوع الفلسفة والآداب والموسيقي والفن ونحوها ويطلق في كثير من الأحيان على هذين النوعين اسماً واحداً وهو العلوم الإنسانية لعدم الفصل الدقيق بينهما ؛ ولهذا يقسمون العلوم أحياناً إلى قسمين فحسب : علوم طبيعية من جهة وعلوم إنسانية واجتماعية من جهة أخرى . ومعلوم أن الفصل بين العلوم جميعها إنما هو أمر افتراضي غير دقيق، إذ أن التخصص الواحد لا يسلم من التدخل في مجال آخر ، وليس ذلك فحسب بل إن قسمي العلوم الطبيعي والإنساني يعترض عليه في بعض الأحيان، إذ ليس من المقبول مثلاً نزع صفة الإنسانية عن العلوم التجريبية؛ فعلم الطب مثلا - وهو علم تجريبي - شديد التعلق بالإنسان ولا يمكن نزع صفة الإنسانية عنه.

                تعليق


                • #9
                  النزاع في كيفية العلاقة بين القرآن والعلوم عند المسلمين :-
                  يجمع المسلمون على قوة العلاقة بين القرآن العظيم والعلوم ؛ وإن اختلفوا في هذه العلوم وفي كيفية استمدادها منه، فكانوا في ذلك على اتجاهات، وتفصيل ذلك كالآتي:

                  تعليق


                  • #10
                    1- اتجاه استمداد تفاصيل العلوم من القرآن :-
                    ذهب كثير من العلماء والباحثين إلى تلمس جزئيات العلوم وتفاصيلها داخل القرآن ؛ واستدلوا في ذلك بقوله تعالى : (مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ) وما دام القرآن لم يدع من شئ صغيراً أو كبيراً إلا ذكره - فإنه لابد أن تكون فيه عندهم كل التفاصيل والجزئيات ؛ واستدلوا في ذلك أيضاً بقول ابن عباس : (لو ضاع مني عقال بعير لوجدته في القرآن) ، ورغم غرابة هذا الاتجاه إلا أنه اتجاه شائع جداً.
                    ولهذا ذهب بعضهم إلى تلمس كل شئ في القرآن فذهب ابن سينا إلى تلمس آراء الفلاسفة وأفكارهم في القرآن بطريقة عجيبة ، وحمل ابن رشد معطيات هذه الفلسفة على القرآن بالتأويل ، وذهب طنطاوي جوهري في هذا العصر إلى تلمس تفاصيل الأسرار العلمية داخل القرآن .
                    وقد كان فعل ابن سينا إبطالاً لحقائق القرآن الصريحة ، إذ جعل الفلسفة حاكمة على القرآن ؛ حتى ذهب إلى أن القرآن رموز فلسفية لا يفهمها الأعراب الجفاة ؛ بل يفهمها العلماء والفلاسفة ؛ ولذلك فسر العرش في قوله تعالى : (وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ) بأنه الفلك التاسع الذي هو فلك الأفلاك ، وفسر الملائكة الثمانية التي تحمل العرش بأنها الأفلاك الثمانية التي تحت الفلك التاسع . وفسر الجنة بأنها العالم العقلي والنار بأنها العالم الخيالي .
                    وذهب ابن رشد في كتابه (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال) إلى تلمس علاقة القرآن بالفلسفة ، ولكنه أيضاً مال إلى التأويل حتى يحمل معطيات القرآن على الفلسفة ، وإن كان صنيعه أقل شناعة من صنيع ابن سينا . وقد أنكر ابن رشد على الغزالي تكفيره لبعض الفلاسفة كابن سينا في بعض الأمور ؛ لأنه لا يمكن القطع – عنده - بكفر من خرق الإجماع في التأويل في أمثال هذه الأشياء.وذهب إلى أن في القرآن أسراراً يفهمها الخواص وفرضٌ عليهم تأويلها ، وفرضٌ على الجمهور حملها على ظاهرها.
                    وقد نهج طنطاوي جوهري أيضا في تفسيره (الجواهر) منهجاً عجيباً في تلمس العلاقة بين القرآن والعلوم، فذهب إلى أن سبعمائة آية من كتاب الله قد اشتملت على عجائب الدنيا كلها ؛ وأن آيات محدودة منه قد احتلت فرعاً كاملاً من علم الرياضيات ، ولا يتردد الشيخ جوهري في الاستشهاد بعالم الأرواح واستحضارها في الولايات المتحدة ، وعندما تعرَّض طنطاوي جوهري لقوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً) عقد بحثاً في عجائب القرآن وغرائبه، فذكر ما انطوت عليه هذه الآيات من عجائب في علم تحضير الأرواح ، ثم ذكر نبذة طويلة عن مبدأ ظهور هذا العلم، وكيف كان انتشاره بين الأمم.
                    وقد استعان جوهري كذلك بمسائل في علوم الطب والكيمياء والجيولوجيا ، وذهب إلى أنها علوم مكنونة في النص القرآني تنتظر من يرفع الحجب عنها ، ولا يقتصر الشيخ جوهري على ذلك ؛ بل يتناول عبارات ومفاهيم في غاية الغرابة نحو الأسرار الكيمائية في الحروف الهجائية ونحو ذلك. ويسعي الشيخ إلى بيان أنه ما من علم من العلوم المعاصرة إلا وقد وجد في القرآن ؛ فذكر الميكروبات والكهرباء والذرة والصواريخ والطائرات وغيرها ؛ فخالف قانون اللغة والسياق والنظم حتى حمّل القرآن ما لا يحتمله .

                    تعليق


                    • #11
                      2- اتجاه الإمام الشاطبي المعارض :-
                      أبرز أصحاب هذا الاتجاه المعارض الإمام أبو إسحاق الشاطبي ، وقد رد الشاطبي على أصحاب الاتجاه السابق وبالغ في رده عليهم ، إذ رفض ربط القرآن بالعلوم الفلسفية وغيرها ، وذهب إلى أن هذه الشريعة المباركة شريعة أمية لم تأت إلا بما يعرفه العرب من العلوم ولم تخرج عما ألفوه ، يقول الشاطبي : (إن كثيرًا من الناس تجاوزوا في الدعوى على القرآن الحد، فأضافوا إليه كل علم يذكر للمتقدمين أو المتأخرين، من علوم الطبيعيات، والتعاليم، والمنطق، وعلم الحروف، وجميع ما نظر فيه الناظرون من هذه الفنون وأشباهها، وهذا لم يصح، فإن السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم كانوا أعرف بالقرآن وبعلومه وما أودع فيه، ولم يبلغنا أنه تكلم أحد منهم في شيء من هذا المدعى، سوى ما تقدم وما ثبت فيه من أحكام التكاليف، وأحكام الآخرة، وما يلي ذلك، ولو كان لهم في ذلك خوض ونظر، لبلغنا منه ما يدلنا على أصل المسألة، إلا أن ذلك لم يكن، فدل على أنه غير موجود عندهم، وذلك دليل على أن القرآن لم يقصد فيه تقرير لشيء مما زعموا، نعم، تضمن علوما هي من جنس علوم العرب، أو ما ينبني على معهودها مما يتعجب منه أولو الألباب، ولا تبلغه إدراكات العقول الراجحة) وقد عاب الشاطبي على أصحاب هذا الاتجاه تعلقهم بقوله تعالى : (مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ) وقال : إنه أراد أنه ما فرط من شيء من أمور التعبد إلا ذكره أو أنه قصد بـ" الكتاب" اللوح المحفوظ .
                      وقد أيد الدكتور الذهبي في كتاب "التفسير والمفسرون" منهج الإمام الشاطبي ، وذهب إلى أن هذه العلوم لو ذكرها القرآن فخاطب بها العرب لخرج إلى عدم مراعاة المخاطب ؛ لأن العرب كانوا يجهلون هذه المعاني ، ثم أن القرآن - في نظره- لا يهتم بهذا اللون من حياة الناس ولا يتعهده بالشرح ولا يتولاه بالبيان حتى يكون مصدرهم الذي يرجعون إليه في ذلك ، والاتجاه السابق – عنده - اتجاه متكلف يخرج بالقرآن عن هدفه الإنساني الاجتماعي في إصلاح الحياة ورياضة النفس والرجوع بها إلى الله تعالى ؛ ولذلك ذكر أن القرآن عنده ليس كتاب فلسفة ولا طب ولا هندسة .

                      تعليق


                      • #12
                        اتجاه ربط أصول العلوم بالقرآن :-
                        ذهب أصحاب هذا الاتجاه إلى أن القرآن قد ذكر أصول العلوم والصنائع التي تتعلق بحياة الناس ؛ فذهب الإمام السيوطي إلى أن أصول الهندسة في قوله تعالى : (انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ) وأن أصول الحدادة في قوله تعالى : (آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ) و أن أصول الغزل في قوله : (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا) و أن أصول النسيج في قوله : (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا) و أن أصول الفلاحة في قوله : (أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ) و أن أصول الغوص في قوله : (وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ) و أن أصول الصياغة في قوله : (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ) و أن أصول الفخارة في قوله : (فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا) و أن أصول الملاحة في قوله : (السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ) ونحو ذلك .
                        وذكر القرطبي أن بعض من طعن في الدين قال: إن اللّه تعالى يقول في كتابكم : (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) فأين ذكر التوابل المصلحة للطعام من الملح والفلفل وغير ذلك ؟ فقيل له في قوله : (بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ)
                        وذكر الشيخ الشعراوي أن الشيخ محمد عبده سأله بعض المستشرقين : تقولون في القرآن (مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْءٍ) فهات لي من القرآن : كم رغيفاً في إردب القمح؟ فما كان من الشيخ إلا أن أرسل لأحد الخبازين وسأله هذا السؤال فأجابه : في الإردب كذا رغيف . فاعترض السائل : أريد من القرآن! ؛ فردَّ الشيخ : هذا من القرآن؛ لأنه يقول : (فاسألوا أَهْلَ الذكر إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ)

                        تعليق


                        • #13
                          اتجاه ربط العلوم بمقاصد القرآن :-
                          ويمثل هذا الاتجاه الإمامان أبو حامد الغزالي قديماً والإمام محمد الطاهر ابن عاشور حديثاً، وقد بيّن الغزالي في كتابه (جواهر القرآن) مقاصد القرآن ، وقسمها إلى التعريف بالمدعو إليه (الله) والتعريف بالصراط المستقيم وتعريف الحال عند الوصول إلى الله وأحوال السالكين والناكبين ومحاجة الكفار ومجادلتهم وتعريف عمارة منازل الطريق (الدنيا) ، وتكمن عمارة الدنيا عنده في حفظ النفس والنسل والمال وأسباب المعيشة والديانة وضبط السياسات الدينية ، وعلى هذا الأساس بيّن انشعاب العلوم من هذه المقاصد وقسمها إلى قسمين هما :-
                          1- علوم الصدف والكسوة (اللغة والنحو والقراءات والتفسير ومخارج الحروف)
                          2- علوم اللباب وهي عنده طبقتان ؛هي :
                          - الطبقة السفلى (القصص ومحاجة الكفار والمبتدعة وعلم الحدود الموضوعة للاختصاص بالأموال والنساء)
                          - الطبقة العليا (معرفة الله واليوم الآخر والعلم بالطريق المستقيم وطريق السلوك)
                          ثم ذكر أن هنالك أنواعاً من العلوم ليست لها صلة مباشرة بهذة المقاصد وإنما هي مغترفة من بحار معرفة الله .
                          أما ابن عاشور فقد بيّن مقاصد القرآن وقسمها ، ولما كان المقصد الأعلى من القرآن عنده هو صلاح الأحوال الفردية والجماعية والعمرانية ولما كان الكل لا يصلح إلا بصلاح أجزائه – فقد ربط ذلك بنوعين من العلوم هما :-
                          - علم المعاملات (السياسة المدنية) كما سماه
                          - علم العمران (الاجتماع)
                          وذلك لأن الصلاح العمراني عنده هو حفظ نظام العالم الإسلامي وضبط التصرفات بما يحفظ مصالح الجميع .

                          تعليق


                          • #14
                            تعليق على هذه الاتجاهات :-
                            من الملاحظ أن هذه الاتجاهات ليست على درجة واحدة من الدقة ؛ إذ أن منها المتوازن ومنها المبالغ ؛ إلا أنها جميعاً فيها شيء من الصحة بصورة عامة من جانب وفيها شئ يحتاج إلى تصحيح وتدقيق ؛ ولا نقصد بالصحة صحة المعالجات في كل الأحوال ، ولأجل ذلك سوف ننظر إليها جميعاً في إطار ضابطين مهمين هما :
                            أ‌- طبيعة العلوم التي يراد ربطها بالقرآن
                            ب‌- طبيعة تعبير القرآن عن معطيات هذه العلوم ؛ وتفصيل ذلك في الآتي

                            تعليق


                            • #15
                              1- تعليق على اتجاه ربط تفاصيل العلوم بالقرآن :-
                              ذهب أصحاب الاتجاه المضاد لهذا الاتجاه أن المقصود بـ"الكتاب" في قوله تعالى : (مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْءٍ) ليس القرآن وإنما اللوح المحفوظ ، لكن هذا الرد فيه نظر ؛ إذ إن الأظهر والأرجح أن المقصود بالكتاب هو القرآن . وذهب بعض العلماء أيضاً إلى أن المراد به القرآن إلا أنهم دققوا في هذا المعنى فقالوا وإنه عام أريد الخصوص وهو كقوله تعالى (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا) وهي لم تدمر الجبال ولا السماء والارض ، وفي الآية الأولى أراد : أنه لم يفرط فيه من شيء من أمور الدين أو الأحكام التكليفية أو مما يحتاجه الناس في أمر دينهم ، لكن ذلك ليس مسوغا لإخراج تفاصيل بعض العلوم الدنيوية ؛ إذ إن الدين الإسلامي متعلق بالدنيا وواقع الناس أشد التعلق ، ولا يمكن أن ينفصل عنها بحال ، يقول الإمام الغزالي (مقاصد الخلق مجموعة في الدين والدنيا ، ولا نظام للدين إلا بنظام الدنيا ؛ فإن الدنيا مزرعة الآخرة ، وهي الآلة الموصلة إلى الله .. وليس ينتظم أمر الدنيا إلا بأعمال الآدميين وحرفهم وصناعاتهم) وهذه الأعمال والصناعات تتعلق بالعلوم تعلقاً كبيراً ، ولما كانت أحكام القرآن وإرشادته لا تكون ولا تطبق إلا على واقع ؛ سواء كان واقعاً كونياًُ أو إنسانياً أو اجتماعياً - فقد ارتبط القرآن بالضرورة بالعلوم المتعلقة بالواقع وإن لم يكن بتفاصيلها في كل الأحوال كما سيأتي .
                              والقول الراجح في هذه المسألة أن القرآن قد ذكر كل شئ سواء على الجملة أو التفصيل أو على مستوى المقصد ؛ يقول عبد الله بن مسعود :(قد بُيِّن لنا في هذا القرآن كلّ علم وكلّ شيء ) ويقول الإمام القرطبي: (إن دلالة القرآن على كل العلوم دلالة مبيّنة مشروحة أو مجملة ) ويقول أيضاً: ( صدق خبر الله بأنه ما فرّط في الكتاب من شيء إلا ذكره إما تفصيلاً وإما تأصيلاً) ويقول ابن كثير : (إن القرآن مشتمل على كل علم نافع من خبر ما سبق وعلم ما سيأتي وكل حلال وحرام ؛ وما الناس إلا محتاجون إليه في أمر دنياهم ودينهم ومعاشهم ومعادهم) ولكن ذلك ليس مسوغاً للبحث عن كل التفاصيل والجزئيات لكل العلوم داخل القرآن ؛ وإنما يرتكز ذلك على كيفية تعبير القرآن عن المسألة المطلوبة فإن ذكر الجزئيات بحثنا في الجزئيات وإن ذكر الكليات بحثنا في الكليات وإن ذكر المقاصد بحثنا في المقاصد .
                              أما استدلال هذا الاتجاه بقول ابن عباس (لو ضاع مني عقال بعير لوجدته في القرآن) ففيه نظر للآتي :-
                              - رغم شيوع هذه المقولة إلا أن الباحث لم يجد لها أصلاً في كتب الحديث ولا رويت بسند سليم أو غير سليم ، وإن كان قد ذكرها السيوطي وابن عجيبة ، وذكرها من المتأخرين الألوسي والشنقيطي.
                              - كل الذي أوردوا هذه المقولة إنما أخذوها من تفسير ابن أبي الفضل المرسي ، وهو قد ذكر ذلك ضمن كلام كثير عن القرآن في تفسيره ، والمرسي من علماء القرن السابع 655هـ.
                              - لم يرد عن السلف أنهم بحثوا في القرآن بتلك الطريقة التفصيلية عن كل شئ ، وإنما ربطوا أحياناً جزئياتهم بكليات القرآن .
                              وأخيرا يبدو من الواضح جدا من خلال معالجات أصحاب هذا الاتجاه - وهو اتجاه استمداد تفاصيل وجزئيات العلوم كلها من القرآن - أنه اتجاه متعسف متكلف خطير حاول حمل القرآن على ما عنده بالتأويل البعيد ، والقرآن متبوع وليس بتابع ، وقد حذّر رسول الله (r) من مثل هذا الاتجاه فقال : (اتبعوا هذا القرآن ولا يتبعنكم القرآن فإنه من يتبع القرآن يهبط به في رياض الجنة ومن اتبعه القرآن يزخ في قفاه فيقذفه في جهنم)

                              تعليق

                              19,956
                              الاعــضـــاء
                              231,892
                              الـمــواضـيــع
                              42,557
                              الــمــشـــاركـــات
                              يعمل...
                              X