إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • ذكريات غانم قدوري الحمد ... (الحلقة الأولى)

    [align=center]يوميات
    الرحلةُ إلى مِصْرَ لدراسةِ الماجستير[/align]

    [align=center]الحلقة الأولى[/align]


    [align=center]تقديم
    بقلم الدكتور عبد الرحمن الشهري
    المشرف العام على ملتقى أهل التفسير ، والأستاذ المشارك في جامعة الملك سعود
    [/align]

    عرفتُ الدكتور غانم قدوري الحمد لأول مرة من خلال كتابه (رسم المصحف : دراسة لغوية تاريخية) عندما اشتريته عام 1414هـ(1994م) من أحد معارض الكتب في مدينة الرياض، وقد انتفعت بذلك الكتاب كثيراً. وأخذت بعدها أتتبع ما أجده من مؤلفات وتحقيقات له في المكتبات أو معارض الكتب. وفي السنوات العشر الأخيرة بدأت تنشر دار عمار في الأردن كتباً جديدة له، مثل كتابه (أبحاث في علوم القرآن) و تحقيقه لكتاب أبي عمرو الداني (التحديد في الإتقان والتجويد) وكتاب القرطبي (الموضح في علم التجويد) وغيرها من البحوث والتحقيقات .
    وقد دفعني ذلك عام 1419هـ لكتابة مقالة عن جهود الدكتور غانم قدوري الحمد في علم التجويد ودراساته التجديدية فيه، على أن أقوم بنشرها في إحدى المجلات، غير أني لم أبعث بها لأي مجلة حينها، وبقيت محفوظةً على جهازي حتى أَسستُ (ملتقى أهل التفسير) أواخر عام 1423هـ ، فكانتْ هذه المقالةُ مِن أولِ ما نشرتهُ على صفحات الملتقى.
    وقد اطلع على هذه المقالة محررو مجلة الفرقان الأردنية وهي مجلة تعنى بالشؤون القرآنية، فنشروها في العدد رقم (44) عام 1426هـ ، ورأيتُ العدد فيما بعدُ فإذا فيه صورة للدكتور غانم وضعها القائمون على المجلة. وقد اطلع الدكتور غانم على المقالة في المجلة ودفعه ذلك للاشتراك في ملتقى أهل التفسير، وراسلني حينها، ثم توثقت العلاقة بيننا بعد ذلك من خلال المكاتبات والمشاركات في ملتقى أهل التفسير طيلة السنوات السبع الماضية.
    والمطالع لمؤلفات الدكتور غانم قدوري الحمد يلمس فيها الجدية العلمية، وحسن العرض، ومتانة المعلومة، كما يلمس الأدب الجم في تناول المسائل وعرضها ومناقشة المخالفين، وهو أدب رائع افتقدناه كثيراً في الآونة الأخيرة، وهو أدبٌ رائعٌ ثمينٌ ، ومِنْ أجودِ مَن يستحقُّ أنْ يُنسَج فيه على منواله الإمامُ محمد بن إدريس الشافعي في (الرسالة) و(الأم) وغيرها من مؤلفاته الرصينة، وقد زادت مؤلفات الدكتور غانم الحمد حتى الآن عن خمسين عملاً علمياً ما بين تأليف وتحقيقٍ تصبُّ كلُّها في خدمة علوم القرآن الكريم ولغته وتجويده وصوتياته، كما تتصل باللغة العربية بسبب لا يبعد عن خدمة القرآن الكريم .
    والدكتور غانم قدوري الحمد ولد في تكريت سنة 1370هـ (1950م)، ودرس في المدارس الحكومية، ثم التحق بكلية الآداب بجامعة الموصل وتخرج في قسم اللغة العربية سنة 1391هـ (1971م)، ثم التحق بدراسة الماجستير في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة سنة 1393هـ(1973م) . وهو في هذه اليوميات والذكريات يحكي لنا طرفاً من أخباره وقصته منذ اتخذ القرار بالسفر من مدينته التي عاش بها وهي مدينة بيجي العراقية ، إلى القاهرة بمصر لمواصلة دراسته العليا . وكيف انتقل من تلك المدينة العراقية الهادئة إلى القاهرة بأجوائها المليئة بالنشاط والحيوية .
    وسوف تجدُ أيها القارئ في هذه المذكرات ما يدلُّك على حرص الدكتور غانم الحمد على وقته، وحسن استثماره في القراءة والاطلاع والاستعداد للدراسة والبحث بعزيمةٍ واجتهادٍ، وكيف تغلَّبَ على عقباتِ الغُربةِ وطلبِ العلمِ بالصَّبرِ والجدِّ والمواصلة، حتى أثمر ذلك أجملَ العواقب له شخصياً وللعلم الذي خدمه بعد ذلك.
    وإنِّي لأجدها فرصةً سانحةً لإخواني طلابَ العلم الذين ما يزالون في بداية الطريق أن يستفيدوا من هذه المذكرات في الصبر والجلد على القراءة والبحث والتنقيب، واغتنام فرصة الشباب والمال والدَّعةِ في الاستزادة من العلم، وعدم الركون إلى اللهو وتضييع الأوقات الثمينة .
    لقد دعوتُ الدكتور غانم الحمد إلى نشر مذكراته ليقيني بأنه سيفيد منها كثير من أمثالي ممن سيقرؤها، وقد تحقق ما كنت أرجوه بعد قراءتي لجزء من هذه المذكرات، وآمل أن تجد بقيةُ الأجزاءِ طريقها للنشر، والذي يعرف كتابات الدكتور غانم ومنهجيته العلمية الهادئة الرزينة يتوقُ إلى التعرف على هذه الشخصيةِ العلمية عن كثبٍ للإفادة من العوامل المؤثرة في تكوينه العلمي وصبغه بهذه الصبغة المتزنة في بحثها وكتابتها، وأرجو أن يجد طالبو المعرفة في هذه الذكريات شيئاً مما يتوقون له.
    وقد لمستُ من خلال قراءتي لهذه المذكرات حرص الدكتور على الوقت، وحسن استثماره لوقته في القراءة والبحث مع ضيق ذات اليد وما أفضت إليه من صعوبات، كما لمستُ حسن خلقه ومراعاته لمشاعر الآخرين، ومبالغته في الاستعداد لكل الأمور. ولا شك أن من يملك مثل هذه الصفات فسوف ينجح في حياته، ويظفر بمطلوبه.
    واليومَ بعد ما يقارب الأربعين عاماً من بدء تدوين هذه الذكريات قد تحقق من الإنجازات العلمية للدكتور غانم الحمد ما دفعنا في مركز تفسير دفعاً إلى أن نقول له باسم المتخصصين في الدراسات القرآنية : شكراً جزيلاً، وذلك في الحفل الذي أقيم بهذه المناسبة في المدينة المنورة يوم الإثنين 23/10/1430هـ تقديراً لجهوده العلمية المتواصلة في خدمة البحث العلمي في حقل الدراسات القرآنية وما يتصل بها، ولو كان مركز تفسير يملك قدرةً على منحه جائزةً عالميةً ماديَّة لفعلنا، ولكنْ حسبه منَّا أنَّنا نحنُ الشريحةُ المستهدفة من بحوثه وكتبه قد أحببناه وانتفعنا بكتبه أيما انتفاع وأحببنا أنْ نعبر له عن شكرنا وتقديرنا العميق لجهوده ومؤلفاته، ولعل صدق حبنا وعميق تقديرنا يفي بتقصيرنا في تكريمه، وهذا من النجاح الذي حققه في الدنيا، وللآخرة خيرٌ وأبقى بإذن الله، والله لا يضيع أجر المحسنين.
    اللهم اغفر لعبدك غانم قدوري الحمد، واجزه عنا وعن العلم خير ما جزيت به عبادَك الصالحين العاملين .

    [align=center]د. عبد الرحمن بن معاضة الشهري
    الأستاذ المشارك بجامعة الملك سعود
    المشرف العام على ملتقى أهل التفسير

    11/1/1431هـ[/align]

  • #2
    الحلقة الأولى ...

    [align=center]مقدمة[/align]
    الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحابته أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد
    فإن حياة الإنسان تمضي بلا توقف ، وقد لا يجد الإنسان فرصة للالتفات إلى الوراء لتأمل ما مر به من أحداث ، ومراجعة ما قام به من أعمال ، وقد تأتي تلك الفرصة لكن الذاكرة لا تسعفه بكثير من تفاصيل ما مر به ، فيستأنف مسيرته في ظل متطلبات الحياة المتتابعة ، حتى تحين ساعة مغادرته هذه الحياة ، فَتُطْوَى الصحف ، وتَنْدَرِسُ الآثار ، ويُفْضِي الإنسان إلى ما قَدَّمَ من عمل ، قد سُجِّلَ في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها .
    فإن أُتِيحَتْ للإنسان فرصة لتدوين بعض ما يمر به من أحداث أو يراه من مشاهد فإن مراجعة تلك المدونات قد تكون مبعث سلوة أو مصدر عبرة للإنسان إذا عاد إليها ، لاسيما إذا تقادم عليها الزمن ، وانمحى كثير من تفاصيلها من الذاكرة ، وقد يجد فيها الآخرون مثل ما يجد كاتبها إذا عاد إليها ، وقد يجدون فيها أشياء تجتذبهم لم تكن في حسبان كاتبها .
    وكنتُ في سِنِيِّ حياتي الأولى في الجامعة أميل إلى كتابة يوميات بدأتْ بتسجيل أحوال الطقس ، وما ينزل من مطر ، أو يمر من موجات البرد أو الحر ، أو تسجيل رحلاتي من بلدتنا (بيجي) إلى مدينة الموصل للدراسة في جامعة الموصل والعودة إليها ، أو ذكر رحلة ترفيهية قمت بها مع مجموعة من الأصحاب إلى الجبل أو النهر ، أو تدوين خبر وفاة قريب ، أو نحو ذلك من أمور عامة أو خاصة ، وكانت هذه اليوميات لا تتجاوز بضع كلمات أُدَوِّنَها في مفكرة صغيرة من الحجم الصغير الذي يوضع في الجيب ، وأقْدَمُ مفكرة أحتفظ بها اليوم تعود إلى سنة (1968م = 1387-1388هـ) ، وهي تضم أيام الفصل الثاني من السنة الدراسية الأولى ، والفصل الأول من السنة الدراسية الثانية في قسم اللغة العربية في كلية الآداب بجامعة الموصل ، وقد مضى على تدوينها أربعون سنة ! كما أحتفظ بمفكرة سنة (1970م = 1389-1390هـ) ، وهي من الحجم الصغير لكن صفحاتها تبدو ممتلئة وموضوعاتها متنوعة .
    ويبدو أن صفحات المفكرة الصغيرة لم تعد تتسع لما كنت أرغب بتدوينه في تلك اليوميات ، فاقتنيت المفكرة الكبيرة ، بدءاً من سنة 1972م ، وكانت المفكرات الصغيرة عرضة للضياع ، فلم يبق منها إلا اثنتان ، أما المفكرات الكبيرة فإنها بقيت كلها ، وبعضها أكثر صفحاتها مكتوبة ، وبعضها أكثر صفحاتها بيضاء ، وأكبر قدر أحتفظ به من يوميات الأيام الخالية هو ما كتبته بين سنة 1972م وسنة 1976م ، والسبب في ذلك هو أني عشت أكثر تلك الأيام وحيداً بعيداً عن الأهل ، والوحدة والغربة من أكثر ما يثير العواطف ويبعث الأشجان ، وقد يلجأ الإنسان إلى التعبير عن ذلك من خلال الكتابة ، أما في الأيام التي عشتها بين الأهل في دعة ، ثم في أسرتي التي تكونت سنة 1977م في ظل صخب الأطفال أو هموم متطلبات البيت فإني لم أكتب في هذه الأيام إلا القليل من اليوميات ، اللهم إلا في أيام الحروب التي حدثت في العراق ، خاصة بعد سنة 1991م ، فإنها كانت مثيرة لكتابة يوميات تلك الأيام العصيبة .
    وكنت أرجع إلى تلك اليوميات في بعض ساعات الفراغ ، وأقرأ فيها ، وأستعيد بعض ذكريات تلك الأيام وأتأملها ، فتثير الشجن حيناً ، وتبعث الدهشة حيناً ، فأحمد الله تعالى على توفيقه ، وأشكره على جميل ستره ، ولم تحدثني نفسي بنشر تلك اليوميات ، لكن بعض المحبين الذين يعرفون بعض أخبارها كانوا يُزَيِّنُونَ لي إظهار بعضها ، ولم أُقْدِمْ على ذلك لشعوري أنها لا تستحق عناء طباعتها ونشرها وإشغال القراء بها ، وكنت قد أشرت إليها في آخر قائمة أعمالي المخطوطة التي أوردها أخي الفاضل الأستاذ عمار الخطيب في الترجمة المختصرة التي نشرها في ملتقى أهل التفسير في صيف سنة 2009م.
    ويبدو أن تلك الإشارة لفتت نظر بعض الإخوة الذين قرؤوا الترجمة ، وكان الأخ الدكتور عبد الرحمن الشهري ، المشرف على ملتقى أهل التفسير ، أكثر الإخوة رغبة في إظهار تلك اليوميات ، وتوقع أن يكون فيها ما يمتع القارئ ويستهويه ، وأبدى استعداده للمساعدة في تهيئتها للنشر ، وقد يسر الله تنضيدها بالحاسبة ، وآمل أن يتحقق فيها ذلك الظن الحسن ، إن شاء الله.
    ويتجاوز عدد المفكرات التي تضم تلك اليوميات خمس عشرة مفكرة ، مع بعض الكراسات الأخرى ، وهي بين كبيرة الحجم ومتوسطته ، وتتفاوت في ما هو مكتوب فيها ، فبعضها أكثر كتابة من بعض ، وقد لا يكون إخراج نسخة متسلسلة تاريخياً منها هو الصيغة المثلى لنشرها ، وقد يكون تصنيفها في موضوعات متجانسة أكثر ملاءمة لذلك ، ووجدت أنه يمكن إخراجها في عدة أجزاء حسب هذه الصيغة ، أهمها :
    (1) الرحلة في البحث عن الطريق: (يوميات سنة 1972 حتى نهاية النصف الأول من سنة 1973م) ، وهي يوميات تحكي الأيام التي قضيتها بعد تخرجي من الكلية أبحث عن عمل مناسب للعيش ، وتقلبت فيها بين الجندية ، والبحث عن الوظيفة ، والعمل في شركة ، وانتهت بالسفر إلى مصر للدراسة .
    (2) الرحلة إلى مصر لدراسة الماجستير ( يوميات النصف الثاني من سنة 1973م حتى آخر سنة 1976م ) ، وهي تحكي قصة سفري إلى القاهرة لدراسة الماجستير في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة ، وقد أقمت في القاهرة إقامة متواصلة طيلة ثلاث سنوات ، تخللتها زيارة الأهل في العراق في صيف سنة 1974م ، وقد تكللت تلك الرحلة بالحصول على شهادة الماجستير ، والعودة إلى العراق ، والحصول على وظيفة في كلية الشريعة بجامعة بغداد ، والحمد لله.
    (3) يوميات على هامش الحرب ، وهي اليوميات التي كتبتها في أثناء أيام الحرب التي وقعت سنة 1973 بين العرب وإسرائيل ، والحرب التي جرت بين العراق وأمريكا في سنة 1991م ، وفي سنة 2003 ، وانتهت باحتلال العراق ، يَسَّرَ الله تحريره من المحتلين .
    (4) مذكرات أسير ، وهي تحكي قصة ما حصل لي في أثناء اختطافي مع مجموعة من الأصدقاء سنة 1983م ، واعتقالي سنة 2003م.
    (5) يوميات متفرقة ، لم تدخل في المجموعات السابقة ، وهي من سنوات شتى ، وموضوعاتها مختلفة .
    (6) مجموعة رسائل شخصية ، فقد كنت أكتب مسودة الرسائل التي أرسلها في المفكرات التي أكتب فيها اليوميات ، قبل أن أكتبها في الورقة المبيضة التي أرسلها بالبريد لإخواني أو أقاربي أو أساتذتي أو أصدقائي ، وذلك قبل أن يظهر البريد الإلكتروني في السنوات الأخيرة ، وقد لا يكون مناسباً نشر هذه الرسائل ، لأن أكثر موضوعاتها شخصية ، ليست ذات قيمة أو أهمية للقارئ .
    وبين يديك أخي القارئ المجموعة الثانية من اليوميات ، وهي تحكي قصة رحلتي للدراسة إلى مصر ، وتحكي قصة تأليف كتاب ( رسم المصحف دراسة لغوية تاريخية ) وهو رسالة الماجستير التي تقدمت بها إلى كلية دار العلوم بجامعة القاهرة ، وقد أبقيت تلك اليوميات على نحو ما كُتِبَتْ في المفكرات ، سوى أني أضفت إليها عناوين فرعية لكل يومية ، وقد يكون فيها ما يحتاج إلى مراجعة في الصياغة أو وضوح في الفكرة ، لكني أبقيتها على حالها لتكون معبرة بصدق عن حالي في تلك الأيام ، كما عشتها ، وكما كتبتها يوماً بيوم ، فقد اعتدت أن أكتب تلك المذكرات يومياً في الليل قبل النوم ، ولعل بعضها كُتِبَ في اليوم التالي ، لكن معظمها كتب في اليوم نفسه ، فهي يوميات وليست مذكرات ، وإن كانت تحمل في طياتها أعز الذكريات(1).
    وحتى لا أخفي على القارئ شيئاً من أمر هذه اليوميات فإني لا أجد حرجاً من القول بأني قد حجبت بعض يوميات الرحلة ، وهي لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة ، أو تزيد قليلاً ، دفعاً للحرج عني أو عن غيري ، وإن كانت تحكي أحداثاً وقعت ، أو تعبر عن مشاعر حقيقة حصلت ، لكني إذا كنت قد وجدت مسوغاً لتسجيلها حين وقعت فإني لا أجد مسوغاً لنشرها اليوم ، وهي مسجلة في صحائف أعمال من تعنيهم ، والله يغفر لنا ولهم .
    وكتبتُ تعليقات موجزة على بعض المواضع في هذه اليوميات ، إذا وجدت ذلك يساعد القارئ على الوقوف على المراد فيها . ولا يخفى على القارئ أنه قد مضى على كتابة هذه اليوميات أكثر من خمس وثلاثين سنة ، تبدلت فيها الأحوال، وتغيرت فيها العوائد ، وتبدلت فيها المواقف ، فليس من الضروري أن يكون ما جاء في هذه اليوميات يعبر عن قناعتي اليوم كما عبر عنها في ذلك الوقت ، وأعتذر إلى من قد يجد فيها ما لا يرتاح إليه ، وأستغفر الله إن كنت قد جانبت الصواب في بعض ما كتبت ، ( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ) .
    وأود في هذا المقام أن أتوجه بالشكر الجزيل والدعاء بالخير للأخ الأستاذ عمار الخطيب الذي أشار إلى هذه اليوميات ، ثم قرأها بعد طباعتها ، وللأخ الدكتور عبد الرحمن بن معاضة الشهري الذي شَجَّعَ على إخراجها ونشرها ، وتفضل بكتابة تقديم لها ، فاجعل اللهم لهما نصيباً من خيرها وأجرها ، واجعل تبعة ما فيها من تقصير على كاتبها ، واغفر اللهم لي ولوالدي – رحمهما الله - ولأخي المهندس سفر – - الذي كانت له الأيادي البيضاء عليَّ في توفير أسباب الرحلة المادية والمعنوية ، إنك أنت الغفور الرحيم .

    [align=center]غانم قدوري الحمد
    تكريت - الجمعة
    5/10/1430هـ
    25/9/2009م[/align]

    تعليق


    • #3

      [align=center]ترك العمل في الشركة(2)
      الخميس 9 آب 1973م = 11 رجب 1393هـ[/align]

      [align=center][/align]
      [align=center]صورة للصفحة الأولى من يوميات الرحلة إلى مصر9/8/1973م[/align]

      كنت أمشي وحيداً ورجلي تغطس في الرمل الذي طحنته عجلات المكائن والسيارات ، أود لو أني أسير في باطن الأرض لأتخلص من ذلك اللهب المحرق الذي تغدقه الشمس على وجه الأرض ، أتلفت حولي إلى هذه المباني الشامخة المكتملة البنيان إلا من أكداس من الأنقاض تَحُفُّ بها ، وفَكَّرْتُ في اليوم الذي التحقت فيه بالعمل حين كان معظم هذه البنايات لا يرتفع عن وجه الأرض كثيراً ، ومنذ ذلك الحين 20/11/1972 كان العمل يسير سيراً حثيثاً حتى بلغ ذروته ثم بدأ ينحسر تدريجياً مُخَلِّفاً ذلك البناء الشامخ ، وأمامي هذه الأكداس من المواد وغُرَفُ الخشب والصفيح تضم أشتات المواد المتبقية فائضة من العمل . حقاً شعرت وأنا أسير إلى مخزن مشروع أبنية تكريت لأقضي آخر ساعة في العمل ثم أذهب بعدها إلى حيث يشاء الله ، كنت أشعر بحزنٍ في داخلي وفراغ أُوشك أن أنتهيَ إليه ، هل ذلك لأني سأفقد هذه الدراهم التي أتقاضاها عند نهاية كل شهر ، أم أني سأفارق أناساً عشت معهم ردحاً من الزمن ، أم أني سأفارق أرضاً سرت عليها وتآلفت معها ، أَلِفْتُ وديانها وغبارها ومطر الشتاء وحر الصيف فيها ، أم أني سأبدأ مرحلة جديدة بعد مفارقة الشركة ، مرحلة تحتاج من الحزم والجلد ما جعلني أشعر بحزن حين بدأت أقترب منها ، فتركي العمل في مشروع مباني تكريت هو أول مرحلة في تلك الرحلة الشاقة .
      في صباح هذا اليوم وفي طريقنا إلى العمل كنت جالساً إلى جانب أخي المهندس سَفَر في السيارة ، وحدثته عن ضرورة التهيؤ للرحلة المقبلة ومراجعة بعض المواضيع وقراءة كتاب أو كتابين في اللغة العربية والنحو ، واستوضحت رأيه في تركي العمل لعلي أستطيع خلال الأيام القليلة المقبلة أن أحقق بعض ذلك ، مادام سفري صار قاب قوسين أو أدنى ، فوافق على ذلك ، وأكملت الأمور الإدارية التي تتعلق بالاستقالة من العمل ، وفي حدود الساعة الرابعة بعد الظهر غادرت السيارات تنقل العمال عائدين إلى مساكنهم ، وأنا منهم ولكني لن أعود معهم إلى العمل بعد اليوم.

      [align=center]الإعداد لبدء الرحلة
      الأحد 12 آب 1973م = 14 رجب 1393هـ
      [/align]
      بدأت أُعِدُّ العُدَّةَ وأراجع الماضي الذي يمكن أن يكون أساساً للمستقبل ، وبدأت أُصْغِي ساعاتٍ طويلة لحديث مع نفسي ، ماذا يمكن أن أفعل بعد هذه السنين التي قضيتها خارج ميدان الدرس التعليمي ، وما رافق ذلك من تشرد وانقطاع عما كنت قد حققته في ذلك الزمان الغابر ، وهل يمكن أن أبدأ المسيرة من جديد من الصفر ، أو من أعلى من ذلك ، كنت هذه الأيام أذهب إلى مكتبة بيجي العامة أُقَلِّبُ في كتبها ، أَتَعَرَّفُ أسماء الكتب وأخص بعضها بالقراءة ، وقد استعرت كتاباً بحثتُ عن موضوعه كثيراً حتى عثرت عليه وهو كتاب (القاهرة) يبحث في تاريخ مدينة القاهرة قديماً وحديثاً مع صور مُوَضِّحَة ، وقد توسعت معلوماتي ونظرتي إلى مدينة القاهرة وإلى مصر عامة ، بالإضافة إلى ذلك بدأت أُنَظِّم وأراجع بعض كتب النحو ، أنظر فيها ، في الحقيقة لا أستطيع أن أقول إني سأملك كل مشاعري الآن إذ كثيراً ما شَرَدَ الفكر بعيداً ، مرة أنظر إلى الرحلة بأنها شيء عملي وطبيعي ولا بد منها بعد مشيئة الله ، ومرة أنظر إليها على أنها مغامرة غير مأمونة العواقب ، لا بل غير مأمونة البدايات ، وربما تكون العواقب حميدة ، أفكر أحيانا أفكاراَ بعيدة ، هل سأعود إلى هذا البيت الذي أظلني وأجده ومن فيه بخير ، الوالد والوالدة والإخوة والأخوات والأطفال .. حال مدينتنا كيف سيكون ، العراق ومن فيه ، أنتقل من حياة إلى حياة ، قضية الموت تقلقني كثيراً الآن ، وهو واقع أينما كان الذي كُتِبَ عليه الموت ، لكنها رغبة بشرية تحدثنا أحياناً بالبقاء ، دموع الوالدة لا أحتمل التفكير بدلالاتها ، وهي تظن في تفكيرها بأني ربما لن أعود وتخسرني إلى الأبد ، أو أني سأعود ولا أجدها وأخسرها إلى الأبد ، تفكير يدفعنا إليه أحياناً التعلق بالحياة ، ولكن بصورة عامة أجد الأهل أكثر دفعاً لي في هذا الاتجاه ، والوالدة لا تبالي بالنتائج ، لكنها دموع الوالدة!
      [align=center]

      خارطة العراق وتظهر فيها المدن التي كثرت الإشارة إليها في اليوميات ، وهي :
      بغداد ، وتكريت ، وبيجي ، والموصل
      [/align]


      [align=center]إنجاز أوراق السفر إلى مصر
      الأربعاء 15 آب 1973م = 17 رجب 1393هـ
      [/align]
      مع إطلالة الصباح حملت حقيبتي ونزلت أريد السفر إلى بغداد لأكمل أوراق السفر ، تأشيرة الدخول من السفارة المصرية ، حجز مكان في الطائرة ، تحويل النقود ، وظهر لي شيء جديد وهو دفتر الصحة العالمية ، أشياء متعلق بعضها ببعض ، ذهبت إلى سفارة مصر في بغداد لأخذ التأشيرة في جواز السفر ، لكنهم رفضوا ذلك إلا بعد تحويل مبلغ بالعملة الصعبة ، تحولت إلى مكتب الخطوط الجوية العراقية أريد حجز مكان على الطائرة إلى القاهرة ، سلمت مقدار الأجرة ، وهو16 ديناراً عراقياً و400 فلس ، لكنهم رفض تحديد اليوم والساعة إلا بعد الحصول على التأشيرة ، عندها كنت ملزماً بالذهاب إلى البنك لتحويل مقدار من الدنانير ، لا أعرف هذه الأمور ليس لي بها سابقة أو أي إلمام ، تنقلت هنا وهناك أخيراً وجدت محل التحويل في فرع مصرف الرافدين الرئيسي في بغداد ، وتساءلت كم أُحَوِّل من الدنانير ، قلت أحول بعضها وآخذ البعض الآخر دنانير عراقية أتصرف بها في مصر كيف أشاء أحولها كلما احتجت إلى فلوس ، حَوَّلت فقط ثلاثين ديناراً عراقياً، وصارت أربعين باوناً إسترلينياً على شكل شيك مسافرين ، وأسرعت بعد ذلك إلى السفارة المصرية وأودعت جواز السفر لديهم لتأشيره ، ومضيت أطوف في بغداد ، زرت الأخ قيس سليمان في دارهم المؤجرة في العيواضية ، لم أجده لكني وجدت أحمد عبد الملك الطالب اليماني في كلية الطب وجماعة ، زرت الأخ علي حميد الذي يسكن في العيواضية أيضا في دار قريبة مع مجموعة ، هو الآن جندي بعد تخرجه من كلية الهندسة ، ويوشك على التسرح من الجيش في الشهر العاشر ، وسرت معه في عدة اتجاهات في بغداد أخيراً مضى لسبيله ليهدأ من أتعاب اليوم ، ومضيت أنا إلى بيت العم مصطفى حيث ألقيت عصاي ، ومررت بمحل الأخ المهندس مولود مصطفى للتصليحات الكهربائية ، واستفسرت منه عن بعض الأمور في السفر إلى الخارج لأنه قد سافر عدة مرات ، وعزمت على إكمال معاملات اليوم غداً ، إن شاء الله ، إضافة إلى أخذ دفتر الصحة العالمية .

      [align=center]السفر إلى مصر
      الاثنين 20 آب 1973م = 22 رجب 1393هـ[/align]

      كان الصباح لطيفاً لكن الأفكار بدأت تثقل علي ، وأنا أتحرك هنا وهناك في بيت العم مصطفى في بغداد وذكرى الأمس تطن في أذني وتجعلني أفكر في المستقبل ، الوالدة معي وهي ليست أقل مني حزناً داخلياً ، ولكن رغم كل ذلك كنت متماسكاً أنتظر الساعة العاشرة لكي أغادر إلى مطار بغداد الدولي، صاحبتني إلى هناك الوالدة والحاجة أم نوفل (خالتي) .. في المطار التقيت بالأخ سفر وكذلك قدم أخي صالح من بيجي للتوديع ، ولن أنسى تلك القبلات التي طرزتها الوالدة على رقبتي وهي تودعني في المطار ، وأنا شارد الفكر ، وأقول في نفسي : هل سأعود إليكم وألقاكم جميعا بخير ، وأنال هذه القبلات الحنون منك .. يا أماه ! ساعة الوداع تستحق من الإنسان لو كان شاعراً قصيدة تقطر عاطفة لكني لست بشاعر ، ولُذْتُ بالصمت والساعة تمضي مسرعة وآن وقت الفراق ، صافحتُ الجميع واندفعت إلى صالة المغادرين وأنا ألوذ بالصمت .. وتطلعت عبر الزجاج إلى الطائرة وهي تجثم قريباً منا ، والعمال يخدمونها باهتمام شديد ، ورميت بنفسي في ركن من الصالة في أحد المقاعد ، والناس المسافرون يروحون ويجيئون ويشربون ويشترون من السوق الحرة !! ويثرثرون ، وأنا بعيد عنهم أتصور حياتي الجديدة في القاهرة ، وألتفت أحياناً إلى بيجي وأهلها .. أتذكرهم ، وداع الأخ سالم يبعث في نفسي أسىً عميقاً لتأثره الشديد ، ولأول مرة تطأ رجلي الطائرة ، وهي من نوع "الترايدنت" ، وركبت بسم الله ، وأخذت مكاني ، كل ما في داخل الطائرة لطيف ، كنت أود لو كان مقعدي ملاصقاً للنافذة ، فإذا به الثالث من الداخل ، على كل حال كنت أتطلع عبر المسافرينِ المجاورين إلى الخارج ، وانطلقت الطائرة .. ورأيت الوالدة ومن معها على شرفة المودعين ، كان صعود الطائرة صعباً على المسافرين ، وأخذت مجراها إلى القاهرة مباشرة عبر سوريا والبحر المتوسط ، كانت صورة الأرض تبدو غير واضحة المعالم وكأننا في حلم ، ورأيت الساحل الشمالي لمصر واضحاً لطيفاً وأمواج البحر وزرقته ، ومالت الطائرة نازلة حوالي الساعة الثالثة بعد الظهر ، بعد أن أمضت ساعتين ونصفاً في الجو، كانت هناك مزعجات مرت بسلام ، ونزلت بالتكسي إلى قلب القاهرة ، إلى ميدان التحرير ، ونزلت في فندق أنجلو سويس 14 شارع شامبليون ، لم أجد بداً من زيارة أستاذي الدكتور أمين السيد في منزله(3) ، وكان منه فوق ما توقعت بكثير ، وتعرفت على ولده أشرف ، ووعدني الدكتور أمين خيراً ، فجزاه الله ألف خير .
      [align=center][/align]
      [align=center]15/3/1970 صورة من الحفل التكريمي للدكتور أمين علي السيد في مناسبة عودته من الحج الذي أقامه طلبة السنة الثالثة في قسم اللغة العربية في كلية الآداب في جامعة الموصل
      ويظهر في الصورة الدكتور أمين وإلى يساره : غانم قدوري و عبد الغني وخالد ، وخلفه حقي من طلبة السنة الثالثة
      [/align]


      [align=center]تقديم الأوراق
      الثلاثاء 21 آب 1973[/align]

      في مساء الأمس اتفقت مع الدكتور أمين أن أذهب معه لتقديم الملف الخاص بالدراسة إلى إدارة الوافدين ، وقد أصر أن يصحبني إلى هناك ، وأبدى لي من المساعدة ما لا يبديه أخ لأخيه ، رجل كبير في السن يحمل شهادة عالية يسير معي مغتبطاً مهتماً بأمري كاهتمامي به ، وفي إدارة الوافدين عرف مدير الدائرة أستاذ رياض ، وعرفنا أنه لا بد أن تمر الأوراق بالملحقية الثقافية في سفارة العراق في مصر ، وذهبنا إلى السفارة في شارع محمد مظهر باشا في الزمالك ، هناك سمعت أصوات العراقيين وعرفتهم من لحنهم في القول ، ووصلنا إلى معاون الملحق الثقافي ، واسمه محمود وجلسنا في مكتبه ، كان معي ملف لأحد المعارف من العراق جايد زيدان مخلف(4) ، كانت الأوراق تحتاج إلى بعض الإكمال ، أنا أريد أن أقدم إلى دار العلوم في جامعة القاهرة ، وجايد يريد أن يقدم إلى جامعة الأزهر ، أما أوراقي فقد قال معاون الملحق إنها تبقى في الملحقية وترسل مع الملفات الأخرى إلى إدارة الوافدين ، وأما الأوراق المقدمة للأزهر فيمكن أخذها باليد ، وأخذت أوراق الأخ جايد لأقدمها إلى الأزهر وتركت أوراقي لأتابعها بعد أسبوع في إدارة الوافدين ، وكل هذه المتاعب كان شريكي فيها بل احتمل القسط الأكبر منها الدكتور أمين ، وأخذني نسير في شوارع القاهرة من الزمالك إلى (كوبري أبو علا) وصلينا الظهر في جامع السلطان أبو العلا ، وبعد ذلك التمست منه أن يذهب كي يرتاح ، وواصلت الرحلة وحدي إلى شقة أحد الطلاب العراقيين ، واسمه مجاهد مصطفى بهجت(5) في شارع سامي أمين باشا رقم 19 الطابق الرابع ، شقة 8 ، وكنت قد جلبت رسالة من الأستاذ الدكتور عدنان محمد سلمان في العراق إليه كي يساعدني في العثور على الشقة المناسبة لسكني ، وقضيت آخر النهار معه ، وتعرفت على أخ آخر اسمه سرحان السامرائي يدرس في الدراسات العليا في الأزهر أيضاً ويسكن معه خليل الحديثي(6) ، وصحبته إلى شقتهم في شارع جسر السويس بمصر الجديدة 110 ، ولكن لم أعثر على مكان مناسب للسكن ، وعدت إلى الفندق ، الفندق مريح ، ويقال إن أجوره ليست مرتفعة ، وهي 69 قرشاً في الليلة ، في غرفة منعزلة بسرير واحد .

      [align=center]في الأزهر
      الأربعاء 22 آب 1973م = 22 رجب 1393هـ[/align]

      كان أحد المعارف من العراق وهو الأخ جايد زيدان مخلف قد أرسل معي ملفاً فيه أوراق يريد تقديمها إلى جامعة الأزهر ، كلفني بذلك ، خرجت في الصباح ، وفي ميدان التحرير بحثت عن السيارة التي تصل إلى الأزهر (الشريف) وجدتها وهي رقم (66) ، ولكن هناك زحام شديد ولابد من الوصول إلى هناك قبل ضياع الوقت ومضي النهار ، وتعلقت في باب (الأوتوبيس) ، ظاهرة عامة في القاهرة هذا الزحام في وسائط النقل ، وصلت إلى الأزهر حيث المنائر المتقابلة تشمخ في السماء ، والطلاب مزدحمون بين أطراف البنايات ، ورأيت البناية القديمة للجامع والبنايات الأحدث الملحقة به ، وبحثت عن مكان تقديم الملف وظهر أنه في مكان آخر اسمه مراقبة البعوث الإسلامية في شارع بور سعيد ، وهناك وصلت إلى موظف اسمه محمد شحاته ، في الأرشيف قدمت الملف ، وكان رقم الصادر في قنصلية السفارة العراقية 2/2 129 في 21/8/1973 ورقم الوارد في مراقبة البعوث 752 في 22/8/1973 والعنوان الكامل هو 317 شارع بور سعيد ، إدارة المعاهد الدينية ، مراقبة البعوث الإسلامية الطابق الثامن ، وسرت من هناك على الأقدام، وصلت إلى ميدان العتبة حيث توجد دائرة بريد ، أرسلت منها برقية إلى الأهل : (وصلت القاهرة بخير ، تحياتي للجميع) بعد الظهر وجدت فسحة في الوقت ، وكانت لدي رسالتان للسيد ناطق صالح مطلوب وكان علي إيصالهما ، وذهبت إلى حيث يسكن في الدقي بمدينة الضباط 6 ميدان الجمهورية المتحدة ، الشقة السابعة يسكن هو وزوجته وهي تعمل مدرسة في العراق ، وجدته مشغولاً في طبع رسالة الماجستير ، وهي تحقيق ودراسة كتاب مؤلفه (أحمد بابا) وقد حَمَّلَنِي بعض ملزمات الرسالة كي أقرأها وأصحح ما فيها من غلط نحوي وإملائي ، وعدت إلى الفندق ، تعرَّفت في الفندق على السيد محمد فضيل الكبيسي ، وهو طالب عراقي ينتظر أن يناقش رسالته في الماجستير فرع التأريخ بجامعة عين شمس.

      [align=center]جولة في القاهرة
      الخميس 23 آب 1973م = 25 رجب 1393هـ[/align]

      لم يكن لدي اليوم أي عمل يمكن أن أقضيه في دائرة رسمية ، خرجت أتجول في شوارع القاهرة منطلقاً من ميدان التحرير نحو الشرق ومع انعطافات الشوارع والأزقة ، خلق كثير وازدحام شديد ووسائط النقل تعج والناس متدلون من أبواب الأوتوبيسات ، وهذا الزحام لا يكف إلا في ساعة متأخرة من الليل ، جاوزتِ الساعة الثانية عشرة ظهراً بل الواحدة ، وأحسست بالحاجة إلى أن آكل شيئاً ، والأكل هنا مشكلة لم أجد الحل المناسب لها بعد ، فمطاعم الأكلات المعروفة عندنا في العراق تكاد تكون معدومة ، دخلت مطعماً يبدو نظيفاً وطلبتُ أكلاً ، وإذا المطعم خالٍ من (المرق والتمن) ، الوجبة هنا رز مع أشياء مضافة عليه خالية من اللحم تشبه ما يخلط لعمل (شيخ محشي عندنا) على كل حال كان أكلاً مقبولاً ورخيصاً (5) قروش ، ولاحظت أن معظم الآكلين في المطاعم الشعبية في القاهرة يأكلون منه ، واسمه (كُشَرِي) . وصليت الظهر في جامع نسيت اسمه وما أكثر الجوامع (زاد الله ساكني أهل الديار إيماناً) ، والظاهرة المفقودة عندنا في العراق أن الجوامع تبقى مفتوحة بعد الأوقات ويقضي بها بعض الرجال ساعات القيلولة ، ومضيت حتى انتهيت إلى شارع يؤدي إلى جامعين متقابلين وإذا بهما جامع السلطان حسن يقابله جامع الرفاعي ، بناء ضخم مرتفع ومنائر ذات نمط خاص تثير الإعجاب ، ويبدو أن الصلاة فيهما معطلة ، وأنهما مفتوحان للسواح والزوار ، وبانت من هناك مباني القلعة في الشرق ، ومضيتُ في رحلتي رغم أن الجهد قد أخذ مني مأخذه ، وإذا ساحة واسعة على ذلك التل يشغلها بنيان صخري ضخم وأحياء سكنية مجاورة ، ولم أستطع التمييز بين بناء الأيوبيين واللاحقين وإنما عرفت فقط جامع السلطان الناصر صلاح الدين لا يزال قائما ، ثم صعدت إلى قلعة محمد علي وجامعه الشهير ، وهو حقاً آية من آيات الزخرفة والفن ، ويبدو أن جانباً من قصر محمد علي قد احترق ، ويقول أحد الواقفين إن عصابة دبروا الحريق قبل مدة وسرقوا أشياء ، وبانت القاهرة من هناك ، ومن بعيد تبدو الأهرام الكبيرة الثلاثة ، عدت إلى الفندق (بتكسي) ، وذهبت في المساء إلى بيت الدكتور أمين بدعوة منه ، وذهبت معه إلى كازينو النهر في الجزيرة ، وكانت أمسية جميلة.

      [align=center]الإسراء والمعراج
      الجمعة 24 آب 1973م = 26 رجب 1393هـ[/align]

      لم يكن لدي من عمل اليوم سوى أن أتهيأ لصلاة الجمعة ، وسمعت عن ازدحام الناس في الجوامع في مصر ، كنت أود أن أصلي في أحد الجوامع الكبيرة والشهيرة في القاهرة ، ولكني التزمت بموعد مع ناطق صالح مطلوب ، وهو يسكن بمدينة الضباط بالدقي ، فلا بد أن أصلي في مسجد قريب من المنطقة، كان ذلك الجامع هو مسجد الإمام علي بن أبي طالب وعن الصحابة أجمعين ، ازدحم الناس بشكل كثيف وكانت الشوارع قد فرغت ، وفعلاً يحس المرء أن حدة الزحام تخف في مثل هذا الوقت ، وغص الجامع بالمصلين وبأحذيتهم إذ إن أول وصية لداخل مساجد القاهرة أن يحذر من سرقة حذائه ! على كل حال كان توالي أركان الجمعة كما هي في العراق ، ووقف الخطيب يخطب الناس عن الإسراء والمعراج ، وقال إنه في الخطبة السابقة قد تحدث عن الإسراء وهو اليوم يتحدث عن المعراج ، وكان ذلك موضوع الخطبة ، وكذلك كان هذا الموضوع هو موضوع الخطبة في مساجد أخرى في القاهرة ، موضوع إسراء الرسول ومعراجه موضوع يأخذ شكل احتفال ديني، فبالإضافة إلى خطب المساجد يوم الجمعة هناك حفل يحضره وزير الأوقاف وشؤون الأزهر وشيخ الأزهر وعلماء الدين ، ولكن هناك بعض مظاهر التطرف في بحث هاتين الفكرتين ، فالإسراء ثبت بالنص القرآني والمعراج ثبت في الحديث النبوي ، ونجد أن حديث المعراج ربما شابته شائبة من الأخبار ، والله أعلم بصحتها ، هذا الأمر جعل أحد الخطباء كما روى لي صديق صلى في أحد المساجد في القاهرة ، وهو محمد أحمد محمود ، ينكر قصة المعراج ، وأن يقول لا أصل لها ، وإنما هي من وضع واختلاق اليهود وأثر من آثار الإسرائيليات في التراث الإسلامي ، ومهما يكن فهو موضوع شائك وقد أكثرت الصحف الإخبارية اليومية الحديث عنه ، وفيه حديث وكلام قديم ، ونقف عند النصوص الصحيحة مُسَلِّمِين مؤمنين ، ثم ذهبت بعد صلاة الجمعة إلى شقة ناطق ابن أستاذنا صالح المطلوب، بناء على دعوة سابقة.

      [align=center]الأهرامات
      السبت 25 آب 1973م = 27 رجب 1393هـ[/align]

      اتجهت صباحاً إلى سفارتنا الموقرة في القاهرة ، فقد كنت قد قدمت الملف إلى الملحق الثقافي منذ يوم الثلاثاء ، ووعد بإرساله مع الملفات الأخرى إلى إدارة الوافدين مطلع الأسبوع وهو اليوم ، قلت أَمُرُّ عليه لعل في ذلك دافعاً يدفعه إلى إرسالها ، قال : الموظفة التي تعمل على الآلة الكاتبة مجازة ، الحمد لله ، وأراح نفسه من عناء الكلام ، ونبذ كل ما قطعه على نفسه من أنه سيرسل الأوراق اليوم وراء ظهره ، ولم أجد بدًّا من مغادرة المكان بعد أن أخذت منه – سيد محمود معاون الملحق الثقافي- وعداً بإرسالها يوم غد .
      قبل أيام قلائل تطلعت إلى القاهرة من قلعة صلاح الدين ، وبانت معظم معالمها واضحة ، ومنها الأهرام من الجانب الغربي تبدو على نسق جميل ، قلت أزورها فإن الكلام عن عظمتها كثير ، ومن ميدان التحرير انطلقت السيارة وهي تغص بالناس ، وصلتُ إلى أسفل منطقة الأهرام التي تليها مرتفعات تجثم عليها الأهرام ، وسرت على الشارع الذي يؤدي إليها آخذاً بالارتفاع حتى تبدو أحياء القاهرة قريبة أسفل منك ، والذي أثار انتباهي هو هذه الخيل والجمال الموشاة والحمير يقتادها أصحابها ، وما فهمت أمرها إلا حين عرض علي أحدهم الركوب على جمله والتجوال في أنحاء الآثار في المنطقة ، إنهم يؤجرونها للزائرين للنزهة عليها ، بدا الهرم جبلاً عاليا منظم الأطراف ترفع نظرك إلى السماء حتى تنتهي إلى آخره ، ولا يقل ضلعه من الأسفل عن ثمانين متراً على شكل صخور ضخمة بعضها آخذ برقاب بعض تتناقص حتى تكون في القمة رأساً يكاد يكون مدبباً ، ورأيت الناس يتسلقون عدة صخرات من الهرم وهنالك كهف ينفذون بداخله ، وأخذت البطاقة الخاصة بذلك ودخلت مع الداخلين ، وقبل الدخول اعترضني شيخ مصري تبدو عليه علامة النشاط وهو يقول : (أَزَوْرَك أَفَرْجَك) ، شكرتُهُ ، ودخلت في دهليز لا يرتفع عن الرأس كثيراً حتى انتهى إلى سلم يرتفع داخل الهرم بدرجة لا تقل عن 45 والصاعد لا يمكن أن يرفع قامته بل يتحرك حَبْواًً أو شبيهاً بذلك ، ولم أتابع رحلتي إلى آخر المطاف حيث يقال إن في الأعلى غرفة صغيرة هي مكان لقبر فرعون ، تركت المكان ولم تثر الأهرام بفخامتها في نفسي من عجب إلا الرثاء لأولئك المساكين الذين هلكوا بنقل الصخور ، زرت أيضاً حديقة الحيوان وفيها ما لا يمكن التحدث عنه هنا من الحيوان ، ومظاهر البشر الحيوانية .

      [align=center]التفكير بالعودة إلى العراق
      الثلاثاء 28 آب 1973م = 30 رجب 1393هـ[/align]

      بدأت أفكر بالعودة إلى العراق بعد أنْ علمتُ أن الدراسة لا تبدأ إلا في بداية الشهر الحادي عشر ، وأن وجودي في القاهرة لفترة أطول لا مبرر له ، خاصة أن الدكتور أمين قد تكفل بعمل كل ما تحتاجه المعاملة ، وأنه سيرسل لي القبول إلى العراق ، ولكن حدثت لي اليوم مفاجآت ، أول مفاجئة حين أردت الحجز على الطائرة ، كانت بطاقة سفري إلى القاهرة للوصول دون العودة ، وكان علي أن أحجز من جديد ولكن الأمر أدهشني عندما كان أقرب موعد للسفر إلى بغداد بالطائرة العراقية هو يوم 12/9 واستبعدت ذلك التأريخ ، وبدأت أفكر في محاولة لتقريب الموعد ، قلت أسافر على الخطوط الجوية المصرية فإذا الموعد أبعد من ذلك 17/9 ، قلت لو سافرت عن طريق البحر إلى لبنان ومن هناك إلى سوريا فالعراق ، ولكن الموعد ليس أقرب من ذلك ، بالإضافة إلى ما يصاحب هذه الرحلة من متاعب لا أعرف نهايتها ، وعلى هذا بقيت متردداً في دوامة من الأفكار ، تركت الأمر إلى هنا ، وقد كان أستاذي الدكتور أمين السيد قد دعاني إلى دارهم عصراً ، هو الآن يرغب في أن أزورهم عصر كل يوم حيث أقوم معه بقراءة رسالة مقدمة من طالب لنيل شهادة الماجستير في النحو ، والموضوع (التضام في النحو العربي) موضوع طريف وليس بجديد ، إذ إن الدكتور أمين أحد أعضاء المناقشة ، ويتخلل في ذلك الكثير من الحديث اللطيف من الأستاذ الكريم الذي لا يضن علي بمشورة أو نصيحة ، حتى إني كنت أستمر معه حتى ما قبل الثانية عشرة من الليل بقليل ، الحقيقة أن موقف الدكتور أمين موقف سأظل أذكره طيلة حياتي ، موقف كريم ، ليس لي عليهم من فضل سابق سوى أني كنت أحد طلابه في الموصل .. عندما وصلت إلى القاهرة أول ليلة وزرتهم في البيت في نفس الليلة ، وكان أشرف ولد الأستاذ أمين موجوداً في الغرفة ، فقال مُوَجِّهاً الكلام لأشرف : (يا أشرف ترى غانم زَيَّك بالنسبة لي) .

      [align=center]زيارة مرقد الإمام الشافعي ، وجامع عمرو بن العاص
      الأربعاء 29 آب 1973م = 1 شعبان 1393هـ
      [/align]
      استقرت فكرتي على الحجز في الطائرة العراقية للسفر إلى بغداد ولو أن التاريخ بعيد ، ولكن ذلك سيجنبني المتاعب التي ربما تعرضت لها لو أني سلكت طريقاً آخر أسرع للوصول إلى بغداد ، عندما راجعت مكتب الخطوط الجوية العراقية إذا هم يريدون أن تكون الجنيهات المصرية محولة بالسعر الرسمي أي حوالي دينار عراقي لكل جنيه مصري ، وفي ذلك خسارة لي إذ إن التحويل بالسعر التشجيعي (السياحي) يساوي ما لا يقل عن جنيه ونصف مصري لكل دينار عراقي ، واضطررت أن أحول ثلاثين باوناً إسترلينياً من الشيكات السياحية وبلغت (28) جنيهاً مصرياً ، فدفعت (22) جنيهاً للخطوط الجوية ، والباقي احتفظت به ، وكانت هذه الثلاثين باوناً لو حُوِّلَت بالسعر (التشجيعي) لبلغت (45)جنيهاً أو أكثر ، على كل حال خسارة لا بد منها.
      كنت أفكر بزيارة مرقد الإمام الشافعي عليه رحمة الله ، قلت لأزوره هذا اليوم ، وذهبت إلى هناك حيث زرت الجامع ، وصليت فيه الظهر ، وزرت مرقد الإمام الشافعي ، الإمام الشافعي ومرقده يقعان في منطقة أكثرها مقابر ومساجد قديمة وبيوت شعبية ، وقد لاحظت بعض العامة يمسكون بأخشاب الضريح يقبلونها ويتبركون بها ، بل ربما طلبوا قضاء حاجة !! قلت أزور مسجد عمرو بن العاص ، وأسرعت بي سيارة التاكسي إلى مصر القديمة حيث يقع الجامع في منطقة أثرية وشعبية ، وإذا به بناء قديم ، واستحضرت ساعتها صور ومواقف أولئك الأبطال الذين حملوا الهداية إلى مصر وجاوزوها إلى أقصى الديار ، هناك عمل ضخم لتجديد جامع عمرو بن العاص ، وربما كان أضخم جوامع القاهرة أو يقف إلى جانب الجوامع الكبيرة المشهورة إذا تم البناء الجديد فيه.
      في الليل حدث شيء لم يكن في الحسبان ، هناك طالب عراقي يدرس الماجستير (محمد فضيل الكبيسي) ، وهو ينزل في الفندق الذي أنزل فيه ، قد حجز بالطائرة يوم 31/8 و 3/9 فوعد بأنه يمكن أن يتنازل لي عن حجزه على الطائرة يوم 31/8 إذا وافق المكتب.

      [align=center]الحجز على الطائرة
      الخميس 30 آب 1973م = 2 شعبان 1393هـ[/align]

      في الصباح ذهبت أنا والسيد محمد فضيل الكبيسي إلى مكتب الخطوط الجوية العراقية لمحاولة إدخال اسمي محل اسمه في قائمة المسافرين على الطائرة العراقية إلى بغداد يوم غد ، وقد انزعج مدير المكتب لمثل هذا التصرف بحجز أكثر من مقعد في وقت واحد ، وأخيراً وافق على طلبنا ، وأتم لنا ذلك في لحظات ، وقد كان اغتباطي كبيراً ، إذ إن وجودي في القاهرة حوالي نصف شهر بدون عمل شيء يثقل على النفس ، فقد فرَّج هذا كربتي ، وزرت في الصباح بعد ذهابي إلى مكتب الخطوط أستاذي الدكتور أمين السيد ، وشرحت له أمر سفري وأدار الحديث عن المستقبل ، وكنت قد أودعت نقودي عنده فأخذتها وأبقيت عنده ثلاثين جنيهاً مصرياً أمانة ، لأني لا يمكنني أخذها معي إلى العراق ، فإذا عدت فهي من نصيبي وإلا فهو يصرفها لوجه الله ، وودعني عند مغادرتي الدار بكل جميل ، إن هذا الرجل الكريم يتصرف معي كأنه أخي الكبير يساعدني ، اللهم فاحفظه واغفر له وبارك له في عمله ، زرت بعد ذلك الإخوة الساكنين مع خليل إسماعيل الحديثي ولم أجد إلا واحداً ، وبعدها ذهبت إلى مراقبة البعوث الإسلامية للوقوف على نتيجة ملف الأخ جايد زيدان مخلف ، إذ يبدو أنه تنقصه وثيقة التخرج التي فيها المعدل العام ، والحق أنهم لو تساهلوا لقبلوا الملف لأن فيه وثيقة الدرجات كاملة ، وعليه لابد من إبلاغه إن شاء الله بذلك . زرت أيضا السيد ناطق صالح مطلوب ومعه السيد محمد أحمد محمود ، وأعربت عن استعدادي لأي طلب . وقعت لي مشكلة صغيرة وهي أنه حضر بالأمس إلى الفندق رجل اسمه (مُهَنَّا) فهمت أنه يدرس في إحدى كليات طب القاهرة ، وهو من العراق وأبوه معاون مدير تربية بغداد – الكرخ ، جاء إلى محمد الكبيسي يطلب نقوداً على أساس أن نقوده قد نفدت ، فاعتذر محمد بأنه ليس لديه إلا ما يكفيه ، وطلب مني أن أقرضه أنا هنا جنيهات وآخذ مقابلها دنانير من أهله في بغداد ، والحق أني لم أكن حازماً من أول الأمر ، وأخيراً كنت اليوم صريحاً معهما في عدم تمكني من إقراض أي مبلغ ، لعدم وجود أي ضمان في المسألة ، وخشية من الوقوع في عملية احتيال!!

      [align=center]الوصول إلى بغداد
      الجمعة 31 آب 1973م = 3 شعبان 1393هـ[/align]

      كنت حتى الظهر غير مطمئن إلى سفري اليوم ، مررت في الصباح إلى مكتب الخطوط الجوية العراقية للتأكد من الأمر ، وموعد الطائرة ، ودفعت لصاحب الفندق حسابه حوالي (8 جنيهات) وغادرت الفندق حوالي الحادية عشرة، دخلت المطار من باب المغادرين ، الحق أن مطار القاهرة أكثر تنظيماً من مطار بغداد أو انه أضخم منه ، وإذا المسافرون يزدحمون أمام القطعة المكتوب عليها الخطوط الجوية العراقية في داخل المبنى ، حقائب أضعاف عدد المسافرين ، هناك واحد اسمه فائق من تكريت تعرفت عليه في مصر قريباً كلفني أن أحمل في يدي شيئاً مما حملوه من مصر حتى يخف الوزن ، كانت لدي بعض الجنيهات المصرية ، قلت أحولها إلى دنانير عراقية فإذا الأمر ما إليه سبيل إذ إن التحويل لا يكون إلا بالعملة الصعبة ، قلت أحولها إلى باونات إسترلينية فإذا الأحد عشر تصير سبعة ، تجاوزت مرحلة وزن الحقائب وتأشير الجواز ، ودخلت قاعة الانتظار ، والناس قد اشتروا من الهدايا ما تعجز عن حمله الإبل ، قلت : وأنا لم اشتر شيئاً للأهل من مصر ، وركبنا في الطائرة العراقية نوع ( ترايدنت) جميلة بحفظ الله وتيسيره ، وجلست في آخر مقعد من عند النافذة لكن مؤخرة جناح الطائرة كانت تحجب عني الأرض إلا قليلاً ، رغم ذلك تمتعت بالنظر إلى سطح الأرض .. من بحر إلى جبل إلى سهل ، والغريب الذي لاحظته أن القائمين على أمر الطائرة يقومون ببيع بعض الأشياء في داخل الطائرة ، وأكثر المواد رغبة من قبل المسافرين هو الخمر، نعوذ بالله ، فإن الطائرة محملة بالخمر ، فما ظنك بقوم هذا همهم وهذه رغبتهم ، طارت الطائرة ، ووصلنا بغداد ، والحمد لله ، ونزلنا إلى ساحة المطار ، فلفحنا شيء من حر الصيف ، وشعرت بحرارة الجو مما لم نعهده في القاهرة ، نزلت عند بيت العم مصطفى ، وكان وصولي مفاجأة لهم !

      نُشرتْ يوم الجمعة 29/1/1431هـ


      ** ذكريات غانم قدوري الحمد........ (الحلقة الثانية)

      تعليق


      • #4
        جزاك الله خيراً أستاذنا الفاضل د. غانم على مشاركتنا هذه الذكريات التي حركت في ذاكرتي أشياء كثيرة مشابهة فكلنا اغتربنا عن الأهل والوطن والذي يجمعنا في هذه المرحلة كثير مع اختلاف وجهات السفر.
        بانتظار المراحل المقبلة لكم الشكر ولمشرفنا الفاضل د. عبد الرحمن الشكر الجزيل لإتاحة هذه الفرصة لنا للتعرف على شخصكم الكريم أكثر.
        وفقكم الله تعالى لكل خير ونفع بكم
        سمر الأرناؤوط
        المشرفة على موقع إسلاميات
        (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

        تعليق


        • #5
          ذكريات جميلة جدًا ، والحمد لله الذي وفقك لكتابة هذه الذكريات ، وسنتابع بشوق هذه الذكريات ، وشكر الله للدكتور عبد الرحمن هذه المبادرة في تقديم هذه الذكريات .
          د. مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار
          أستاذ مشارك بجامعة الملك سعود
          attyyar@gmail.com

          تعليق


          • #6
            استمتعت بقراءة الحلقة الأولى من هذه الذكريات الماتعة , فشكر الله للدكتور/ عبد الرحمن الشهري على تشجيعه للدكتور/ غانم قدوري الحمد , على نشر هذه الذكريات , وشكر الله للدكتور غانم استجابته الكريمة أسأل الله أن يجزيكما خير الجزاء وأن يكتب لكما أجر من ينتفع بها .
            وفي انتظار البقية .
            د. محمد بن عمر الجنايني
            عضو هيئة التدريس بقسم القراءات بجامعة الطائف

            تعليق


            • #7
              غانم قدوري:" الحمد كنت أمشي وحيداً ورجلي تغطس في الرمل الذي طحنته عجلات المكائن والسيارات ، أود لو أني أسير في باطن الأرض لأتخلص من ذلك اللهب المحرق الذي تغدقه الشمس على وجه الأرض ، .... وأنا أسير إلى مخزن مشروع أبنية تكريت لأقضي آخر ساعة في العمل ثم أذهب بعدها إلى حيث يشاء الله
              قلت: صدق القائلون في قولهم :" إن البداية المحرقة تثمر نهاية مشرقة "

              " وكم من محنة حملت منحة" .

              هات ما عندك يا عالمنا الجليل فكلنا شوق لأخذ المزيد من عطاء العلماء .
              الشكر الجزيل لأخينا المكرم الدكتور عبد الرحمن حفظه الله.
              عبد الفتاح محمد خضر
              أستاذ ورئيس قسم التفسير بجامعة الأزهر ـ ورئيس الجمعية العلمية الأزهرية بمصر
              khedr299@hotmail.com
              skype:amakhedr

              تعليق


              • #8
                وقد دفعني ذلك عام 1419هـ لكتابة مقالة عن جهود الدكتور غانم قدوري الحمد في علم التجويد ودراساته التجديدية فيه، على أن أقوم بنشرها في إحدى المجلات، غير أني لم أبعث بها لأي مجلة حينها، وبقيت محفوظةً على جهازي حتى أَسستُ (ملتقى أهل التفسير) أواخر عام 1423هـ ، فكانتْ هذه المقالةُ مِن أولِ ما نشرتهُ على صفحات الملتقى.
                وقد اطلع على هذه المقالة محررو مجلة الفرقان الأردنية وهي مجلة تعنى بالشؤون القرآنية، فنشروها في العدد رقم (44) عام 1426هـ ، ورأيتُ العدد فيما بعدُ فإذا فيه صورة للدكتور غانم وضعها القائمون على المجلة. وقد اطلع الدكتور غانم على المقالة في المجلة ودفعه ذلك للاشتراك في ملتقى أهل التفسير، وراسلني حينها، ثم توثقت العلاقة بيننا بعد ذلك من خلال المكاتبات والمشاركات في ملتقى أهل التفسير طيلة السنوات السبع الماضية.
                الترحيب بانضمام الدكتور غانم
                http://vb.tafsir.net/showthread.php?t=3342
                من هنا كانت بداية استاذنا وشيخنا الدكتور غانم في هذا الملتقى المبارك وإلى هنا ونحن نستمتع بهذه الذكريات الطيبة المباركة نسأل الله الانتفاع بها وجزى الله كل خير من كان سببا في عرضها
                الدكتور إياد سالم السامرائي
                أستاذ مساعد في كلية التربية بجامعة سامراء

                تعليق


                • #9
                  إن في الاطلاع على تجارب الآخرين وذكرياتهم فوائد عديدة ومعلومات قيمة، وفي ذكريات أخينا الفاضل الدكتور غانم الكثير منها بإذن الله.
                  قرأت محتويات هذه الحلقة بشغف - وأنا ممن يحب قراءة كتب الذكريات والرحلات - وانتفعت مما فيها من أمور ومعلومات، وبانتظار المزيد ....
                  أحمد خالد شكري
                  كلية الشريعة
                  الجامعة الأردنية

                  تعليق


                  • #10
                    ذكريات جميلة ومليئة بالفوائد والعبر ، لقد أفدت منها كثيراً ، دعواتي للدكتور غانم بالتوفيق والتسديد ، ولمن كان سبباً في نشر هذه اليوميات .

                    تعليق


                    • #11
                      حفظ الله شيخنا الأستاذ الدكتور ورعاه وأطال عمره ونفعنا به، وحشرنا وإياه مع رسول الله ، مع رجائي منه الدعاء لي.
                      وبارك الله فيه ورفع من قدره

                      تعليق


                      • #12
                        ذكريات جميلة ومواقف وعبر

                        شكر الله للشيخ غانم هذه الصفحات الجميلة

                        تعليق


                        • #13
                          ذكريات جميلة تحمل بين طياتها الدروس والحكم , واصل أستاذنا الغالي فنحن بانتظار ما خطته يمينك بأخبار ما وطئته قدماك الغاطسة في الرمل .
                          الدكتور أحمد بن محمد البريدي
                          الأستاذ المشارك بجامعة القصيم

                          تعليق


                          • #14
                            رفع الله قدرك شيخنا الكريم , وذكريات تحمل في طياتها العبر والفوائد واصل وصلك الله برحمته .

                            تعليق


                            • #15
                              ما أجملها من ذكريات
                              شكرا لك يادكتور غانم

                              تعليق

                              19,840
                              الاعــضـــاء
                              231,470
                              الـمــواضـيــع
                              42,361
                              الــمــشـــاركـــات
                              يعمل...
                              X