إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • ذكريات غانم قدوري الحمد........ (الحلقة الثانية)

    [align=center]الرحلة إلى مصر لدراسة الماجستير

    الحلقة الثانية
    .

    قراءة كتب النحو
    السبت 1 أيلول 1973م = 4 شعبان 1393هـ
    [/align]


    وجدت أن سفري إلى مصر وعودتي منها أمر في غاية البساطة ، وكأني قد قضيت الاثني عشر يوماً التي قضيتها في القاهرة كأني قضيتها في بغداد أو في الموصل أو في أية مدينة قريبة ، ليس في الأمر شيء إلا هذا التعب والإرهاق ومعاملات السفر ، لهذا فإني في عودتي لم أكن مهتماً بأن أجد أحداً من الأهل في المطار أو في بغداد ، لا يتطلب الأمر كل ذلك ولا بعضه ، ولهذا وصلت إلى مطار بغداد ولا أحد يعلم ، وقد لقيت أحد أقاربنا يعمل في المطار سعد عمر علي، استغرب من وجودي في المطار ، لا يدري عودتي من ذهابي ، وقد سَهَّلَ لي بعض أمور الدخول ، ووصلت بيت العم مصطفى ، وكان وصولي مفاجأة لهم أيضاً ، وقضيت الليلة عندهم وفي الصباح قلت أزور بيت الخال عبد محمد صالح ، ثم جمعت حقائبي وتوجهت إلى موقف سيارات بيجي ووصلتها بعد الظهر ، وكان وصولي مفاجأة عظيمة جداً للأهل ، وخصوصاً الوالدة التي كانت تتحسر على بعدي ، على كل حال وضعت رحلي وكأني لم أسافر ، وكان علي أن أعمل شيئاً خلال هذين الشهرين ، إذا كتب الله لي العودة للدراسة ، فمن أين أبدأ وأين أنتهي؟! قلت : أقرأ أوَّلاً الكتب التي درسنا بعضها في الكلية خاصة كتب النحو، فكانت الفكرة أن أدرس أبواب النحو في عدة كتب في آن واحد ، أدرس الموضوع في قطر الندى ، وهو أوجز كتاب ، ثم أوضح المسالك ، وبعدها أدرس الموضوع في شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك ، ثم أنتقل لدراسة الموضوع نفسه في شرح الأشموني ، فتكون حلقة متكاملة الأجزاء ، أنتقل مع الموضوع عبر اتساعات متعددة ، أقف خلالها على دقائق الموضوع وأجزائه المهمة ، ويتبين لي خلالها ما تحويه كتب النحو الموسعة مثل شرح الأشموني من التعليل والمحاورات والآراء ، وإذا تمت لي دراسة النحو بهذه الطريقة أدرس بعض الكتب الأخرى في التاريخ وفلسفة النحو . وهناك كتب في المكتبة العامة في بيجي أفكر في الاطلاع عليها ، وسأخصص جزءاً من وقتي للوقوف على ما فيها ، إن شاء الله.

    [align=center]الحرب !
    السبت 6 تشرين الأول 1973م = 10 رمضان 1393هـ
    [/align]
    كان الجو بعد الظهر يثقل على الصائمين لحرارته رغم الغيوم التي تلبد السماء ، وكان الجنود في جيشي مصر وسوريا في تلك اللحظات يهجمون على العدو ، وهم يتدفقون بكامل عدتهم داخل الأراضي التي احتلتها إسرائيل في حرب حزيران سنة 1967 ، والطائرات تشتبك مع الطائرات والزوارق الحربية تعانق السواحل بقذائفها .. اليوم يا الله .. أُعْلِنَتِ الحرب على إسرائيل وقد عُرِفَ أن قوة بحرية إسرائيلية حاولت النزول في خليج السويس في الضفة الغربية من الخليج في الساحل المصري تساندها طائرات إسرائيلية فقامت القوات المصرية بردها، والحملة على القوات الإسرائيلية عبر قناة السويس بعد ظهر اليوم ، وفي سوريا أُعْلِنَتِ الحرب على إسرائيل لرد العدوان الذي قامت به القوات الإسرائيلية على سوريا فاندفعت القوات البرية السورية تساندها الطائرات باتجاه هضبة الجولان مقتحمة معاقل وتحصينات القوات اليهودية ، ويجري على المستوى السياسي كلام طويل عن البادئ بالحرب ، المهم أن الحرب بدأت وأن على العرب ألا تفلت منهم هذه الفرصة إذ إن الساحة العربية لا تحتمل ذُلاًّ بعد الذل الذي لحقها بعد حزيران 1967 ، الأردن لم يشترك في هذه الحرب لحد الآن على الرغم مما قيل إن الملك حسين اجتمع واتصل وأن قواته في حالة الإنذار القصوى ، وقد تأكد أن القوات المصرية عبرت قناة السويس إلى الجانب الشرقي قبل حلول الظلام ، وأنها سيطرت على معظم الجانب الشرقي من القناة وكبدت إسرائيل في جيشها خسائر، وفي سوريا عُلِمَ أن القوات السورية تتقدم ببطء شديد وصعوبة داخل هضبة الجولان وأنها احتلت بعض المواقع الإسرائيلية في جبل الشيخ ، وأن القتال يجري في الجانب الغربي من خط وقف إطلاق النار ، وأُعْلِنَ عن سقوط طائرات من الجانبين وأُعْلِنَ في سوريا أن زوارق من إسرائيل حاولت في الليل الهجوم على اللاذقية فصدتها الزوارق السورية وأغرقت أربعة وأصابت اثنين ، وأسقطت طائرتين سمتيتين ، وبدأت على الصعيد العربي والعالمي حملات سياسية قوية تقودها في جانب الولايات المتحدة لوقف القتال وتقودها في الجانب الآخر الدول العربية تحاول تناسي الخلاف وإيجاد ظروف أفضل للقتال ضد العدو ، لكن التنسيق العربي يأتي في ساعة الصفر غالباً ، ولم تتضح الأمور لحد الآن رغم الثقة التي تظهر بها القوات العربية.

    [align=center]البحث عن وظيفة
    الاثنين 22 تشرين الأول 1973م = 26 رمضان 1393هـ[/align]

    سافرت فجر اليوم إلى بغداد على أثر خبر غير مؤكد يقول : إن وزارة التربية طلبت من مجلس الخدمة تعيين (730) مدرساً في مختلف الفروع العلمية والأدبية، فاستبشرنا خيراً وتأكد الخبر عندما نُشِرَ في الجريدة يوم أمس ، وأن الوزارة طلبت أن يتم التعيين قبل 5/11/1973 ، قلنا : لعل القوم أكثر صدقاً هذه المرة لينقذوا مئات العوائل والأفراد من اليأس القاتل ، وبعد السحور أو بعد صلاة الفجر سرت إلى موقف السيارات ، وهناك التقيت بالأخ صالح سليم الحمد(1) هو الآخر يريد أن يتثبت من هذا الأمر ، وركبنا معا في سيارة واحدة إلى بغداد يحدونا الأمل الذي يراودنا منذ أن ودعنا الكلية عام 1971 ، ومرة كان يشتد ومرة كان يذبل ويضعف ، ورغم كل ذلك كانت تساورنا الشكوك ، وصلنا إلى بغداد وإذا بها تعج بالشرور والمفاسد ، وكأن رمضان لم يحل في بغداد ، تشعر أن كل من في الشوارع مفطرون وأنهم ملحدون بعد أن عمت بلدنا موجات الإلحاد بفضل الوضع الجديد ، ووصلنا إلى مجلس الخدمة حيث عرفنا زواياه ومنعطفاته وأوقات الدوام ، قالوا لا تُفْتَحُ الأبواب حتى العاشرة صباحاً لمناسبة حلول شهر رمضان ، وكان هناك رجال بلباس المغاوير قالوا إنهم حماية الأستاذ خير الله الطلفاح الذي صار حديثاً رئيساً على مجلس الخدمة بعد أن كان محافظاً لبغداد ، وازدحم الناس المنتظرون طالبي التعيين ، نساء ورجالاً ، فهاهنا باب الرحمة الذي تنزل منه إلى البشر ، رحمة الحكومة .. والثورة ، سألنا متى يعلق الإعلان حتى يتسنى لنا التقديم والعودة لانتظار الخطوة التالية ، قيل سيعلق بعد قليل ، هذه أقاويل الناس المنتظرين ، وسألنا موظفاً مسؤولاً عن تعيين المدرسين في المجلس متى سيعلق الإعلان ؟ قال: ربما قبل العيد أو بعده .. وتأكد أن ذلك سيكون بعد العيد ، إذن أين من قال إن التعيينات ستتم قبل 5/11/1973 ، ومع هذا الوعد الجديد فإننا لم نكن مطمئنين من هذا الخبر ، إذ ربما أعلنوا ذلك خلال أيام قلائل وتفوتنا الفرصة، تركت المجلس ودرت على مديرية الملحقيات الثقافية وسفارة مصر ، وبعدها تركت بغداد ، ورأيت في موقف السيارات عدداً من زملاء الدراسة في جامعة الموصل ممن قُبِلَ في دبلوم التربية لإعداد المدرسين ..

    [align=center]
    [/align]
    [align=center]صالح سليم ، وغانم قدوري ، في جامعة الموصل
    13/5/1969
    [/align]

    [align=center]وقف إطلاق النار
    الثلاثاء 23 تشرين الأول 1973م = 27 رمضان 1393هـ[/align]

    أُعْلِنَ صباح أمس أن مجلس الأمن الدولي قد صادق على مشروع السلام الأمريكي السوفيتي الذي يقضي بوقف إطلاق النار خلال (12) ساعة من تاريخ مصادقة مجلس الأمن عليه ، ثم البدء بتطبيق قرار مجلس الأمن 242 لسنة 1967 ، والذي صدر عقب حرب 5 حزيران سنة 1967 ، وهذا القرار فيه اختلاف في تفسيره في نقطة واحدة وهي أنه ذُكِرَ فيه أن على إسرائيل الانسحاب عن أراضٍ احتلت في حرب حزيران ، وهناك من يرى أن القراءة الصحيحة للقرار المذكور هي (الانسحاب من الأراضي التي احتلت ) ، وينص القرار على حدود آمنة ، وحرية الملاحة ، وحقوق الشعب الفلسطيني ، ووافقت إسرائيل على المشروع قبل أن يصادق عليه مجلس الأمن! ولزمت مصر جانب الصمت حتى آخر اللحظات من موعد سريان مفعول القرار ، فأعلن الرئيس السادات أن مصر توافق على القرار بشرط التزام العدو بذلك .. وكلام آخر ، وأعلن الأردن موافقته على القرار رغم أنه ليس بلداً محارباً بقوة إلا في الجبهة السورية ، وقال إن تلك القوة تخضع لقرار سوريا بشأن قرار مجلس الأمن ، ورفض العراق القرار تقريباً ( وأنه يحتفظ برأيه) ، وجاء موعد وقف إطلاق النار مساء أمس ، وقالوا إنه توقف على الجبهة المصرية تماماً ، فيما كانت تجثم على الجبهة الغربية من قناة السويس قوة إسرائيلية كبيرة تسيطر على مساحة قدرها 1200 كم مربعاً ، بزعم العدو ، ومصر تقول إن القوات الإسرائيلية محصورة في جيبين صغيرين ، وفي صباح اليوم أعلن ناطق مصري أن العدو استغل وقف إطلاق النار وحاول توسيع الأرض التي يحتلها ، وخاصة غرب القناة ، وعُدَّ ذلك خرقاً لوقف إطلاق النار ، مما اضطر القوات المصرية للرد على العدو ، وأعلن أن معارك عنيفة براً وجواً تدور طوال اليوم في الجبهة المصرية ، فيما استمر القتال على الجبهة السورية ، رغم أن إعلان وقف إطلاق النار قد غَيَّرَ إستراتيجية الحرب ، ولم تعلن سوريا موافقتها على قرار مجلس الأمن ، وعلى هذا تجدد القتال اليوم ، كما كان في الأيام السابقة ، ويبدو أن موقف القوات العربية المحاربة صار حرجاً ، والله أعلم .. والحقيقة ستتبين !

    [align=center]توقف الحرب بدون نصر
    الأربعاء 24 تشرين الأول 1973م = 28 رمضان 1393هـ
    [/align]
    يبدو أن الآمال التي علقتها الشعوب العربية على حرب 6 تشرين قد تبددت الآن في هذا اليوم بالضبط حين وافقت سوريا فجر اليوم على وقف إطلاق النار ومصر قد وافقت من قبل ، وقد ذكرت الأخبار اليوم أن القتال على جبهة سوريا كان هادئا إلا من طلقات متفرقة ، أما في جبهة مصر فإن اليهود قد نكثوا العهد أو أنهم وفوا لأخلاقهم فقد ذكر راديو القاهرة أن جيش اليهود قد استغل وقف إطلاق النار وراح يستولي على الأراضي غرب قناة السويس ويهاجم الأهداف المدنية من الجو ، وذُكِرَ أن جيش العدو يزحف نحو مدينة السويس إلا أن قوات الجيش المصري والجيش الشعبي قامت بصد هجوم العدو وتكبيده خسائر فادحة وأن القوات العربية تقوم بهجوم معاكس مكبدة العدو خسائر ، وقد بدت حراجة موقف مصر العسكري اليوم حينما وجه أنور السادات خطابين مفتوحين إلى ليونيد برجنيف سكرتير الحزب الشيوعي (رئيس الاتحاد السوفيتي) ونكسون رئيس الولايات المتحدة الأمريكية بإرسال قواتهما لضبط وقف إطلاق النار ، فلولا أن موقف مصر العسكري على وشك الانهيار لما طلب السادات ذلك ولاستمر الجيش العربي بالقتال مادام الموقف إلى جانبه ، ويبدو أن الجيش المصري في سيناء هو الآخر في ضائقة ولا ندري ما تخبئ الأيام القادمة للعرب بعد هذه الأحداث الداميات التي قد تذهب سدى ونرضى بالاستسلام لشروط إسرائيل ، ومن يسمع إذاعة العدو وهي تتحدث عن انتصارات مزعومة وعن فرض الحل السلمي على العرب فكأنما صب على نفسه البنزين وأشعل النار في أحشائه ، كنا نتطلع نحن هنا ولا حل لنا ولا عقد إلا من إرسال إخوتنا إلى جبهات القتال طعاماً للمدافع والقنابل كنا نتطلع أننا سندفع الثمن لآخر مرة ، وأن هذا الذي يسمى بالعدو الصهيوني سينتهي أمره شر نهاية ، وأن العرب سيفرضون الحل الذي يناسب آمال شعوبهم والشعب الفلسطيني ، كنا نحسب أن جيش إسرائيل سينهار بعد هذه الحرب الطاحنة فإذا به يصمد بفضل الإمدادات الهائلة التي أخذت ترمي بها أمريكا على العدو ، مئات الطائرات تهبط دفعة واحدة محملة بالدبابات والعتاد منذ الأيام الأولى للحرب وإلى الآن ، العرب لم ينهزموا تماماً لكن قبولهم بوقف إطلاق النار دون ضمانات هو الهزيمة.

    [align=center]العودة للقراءة
    الأحد 28 تشرين الأول 1973م = 2 شوال 1393هـ
    [/align]
    منذ أن عدت من القاهرة ألزمت نفسي قراءة الكتب التي تبحث في اللغة العربية : النحو خاصة من علومها ، كنت أذهب إلى مكتبة بيجي العامة لأتابع ما فيها من كتب العربية ، لدينا في مكتبتنا الخاصة من كتب العربية مالا أجده في مكتبة بيجي العامة ، على كل حال كان المنهج الدراسي الذي اتبعته يمضي قدماً حتى قَرُبَ شهر رمضان أو حَلَّ ، فشعرت أنني لا أستطيع أن أمضي في الدراسة بتلك الهمة التي أجدها في أيام الفطر ، ولا أستطيع أن أحقق نفس النتائج ، فتساهلت في الدراسة ، ساعة أو ساعتين في اليوم ، كان الأمر كذلك في الأسبوع الأول من شهر رمضان ، وجاء العاشر من رمضان وجاء نذير الحرب فتعلقت قلوبنا بأنباء الحرب ، وساحت أبصارها تتأمل نتائجها ، ونقلب النظر فيما سيكون عليه حال أمتنا بعد حين من الزمان ، وانفعلنا مع تصاعد الحرب وحَزِنَّا لإراقة الدم العربي وصبرنا أملاً بالنصر ، وكنت منذ العاشر من رمضان لا أكاد أفتح كتاباً ولا أقرأ شيئاً ، ولا أتصفح الجريدة ، كنت متعلقاً بسماع أخبار الحرب من الراديو ليل نهار، كنت قد حافظت فقط على قراءة القرآن والحمد لله .. وتقدمت الأيام ومشاعرنا تتقد من لهيب المعارك التي لَوَّنَتِ السماء بلون أحمر ، وخابت الآمال عندما بَعُدَ النصر ، وأُسْقِطَ في أيدينا عندما فرضت الدول الكبرى وقف إطلاق النار ، وجيش إسرائيل غربي القناة .. وبدأت تتردد أصداء تستنكر ذلك ، العراق يرفض وقف إطلاق النار ، وأوجز رأيه بالقول: (إذا كنا قد سمعنا أخبار المعارك من الراديو فلا ينبغي أن نسمع أخبار وقف إطلاق النار من الراديو وجيشنا يقاتل في الجولان) ، وخَلَّفَت تلك الأيام العشرون حسرة في قلوبنا ، وزرعت غُصْناَ أخضر لعله يقوى أو يصفر ويذبل ، المهم أنني الآن بعد أن أفطرنا ، وانقطعت أخبار الحرب إلا من ذكر نتائجها وما يجري من محادثات لحل الأزمة من أساسها ، فإني أجد نفسي قد استيقظت من حُلْمٍ أو سِنَةٍ ، وعُدْتُ إلى الكتب من جديد وبهمة عالية ، ولكن ما الغاية من هذا الاندفاع في هذا السبيل ؟ لا شك أن العلم لذاته محبوب ، ولكني كنت آمل أن أسافر للدراسة إلى مصر ، وأنا أعد العدة لذلك ، ولكن بدت احتمالات سفري بعيدة إلى الآن ، إذ لم تصلني ورقة القبول بعد ، والله أعلم كيف ستسير الأمور يعد أن وقعت الحرب .

    [align=center]مراجعة مجلس الخدمة
    الأربعاء 31 تشرين الأول 1973م = 5 شوال 1393هـ
    [/align]
    مضيت اليوم في الصباح أحمل نفسي على السفر حَمْلاً مُؤَمِّلاً وضع حد لمتاعب طالت على مر الزمن ، قبل حلول عيد الفطر ذهبت إلى بغداد يوم الاثنين 22/10 لمراجعة مجلس الخدمة للوقوف على صحة ما نُشِرَ ويردده المهرجون، قالوا حينذاك إن الإعلان الخاص بتعيين المدرسين سيعلق بعد العيد مباشرة ، واقتنعنا لأنا حملنا كلامهم محمل الجد والصدق ، وجاء العيد ... وانقضت أيامه وآخر بعدها ، قلت إن شاء الله سيكون هناك شيء جديد ، بل حَدَّثْتُ نفسي أني ربما تأخرت عن الوقت المناسب للتقديم ، كان هناك بعض الزملاء ينتظرون أن أجلب لهم الخبر ، وصلت بغداد بعد الساعة العاشرة ، وذهبت إلى مجلس الخدمة العامة الذي تربع على عرشه منذ فترة وجيزة الأستاذ خير الله الطلفاح الذي تُشَدُّ إليه الرحال ، وتُضْرَبُ به الأمثال ، تصفحت الجدار الذي تلصق به الإعلانات هي نفسها التي وجدناها منذ أيام تصفحت الوجوه لعلني أجد من يحمل إلي الخبر اليقين الذي هو ليس بسر ، وأخيراً ذهبت إلى موظف يقبع في قعر غرفة تتجاوز إليه ثلاثة أبواب حتى تصله يقال إنه مسئول عن تعيين المدرسين في المجلس ، وإذا به يحدثني بحديث جديد ، أرسلنا استفساراً إلى وزارة التربية وننتظر الجواب حتى نعلن ، انتظرْ .. راجعنا الأسبوع القادم قَضِّ عشرة أيام وتعال ، ولا يملك الإنسان بعد كل هذا الهراء أن يعقب بشيء سوى أن يلملم أذيال خيبته ، ليس الذنب ذنب هؤلاء الموظفين البسطاء ، كانت تراودني فكرة سحب الأوراق التي قدمتها منذ فترة إلى المجلس لأحتفظ بها لوقت الحاجة ، وقد وجدت ذلك الرجل العريض الجبهة ذا النظارات الكبيرة والوجه المتجهم ، هو نفسه الذي لاقانا في نفس المكان قبل أكثر من سنتين ، ولكن يبدو أن وضعه قد تحسن حين جعلوا منه موظفاً آخر يقوم بتحريك الأوراق ، وبعد أخذ ورد وجدل ومحاولة (أبي علي) أن يتعامل مع المراجعين في موضع التكرم ، قدمت عريضة لأنتظر ساعة حتى آخذ الأوراق ، إضاعة وقت بالمجان ، المهم تم الأمر وأخذت الأوراق ، ذهبت إلى سفارة مصر العربية لأقف على نتيجة القبول ، ولكن السفارة قد انتهى فيها الدوام وأقفلت أبوابها ، سرت متضايقاً من بغداد ومن تلك الآمال التي أعلقها على أبواب بغداد ، ذهبت إلى سوق الكتب ( السراي وشارع المتنبي) واشتريت بعض الكتب: مع الأنبياء في القرآن، كتاب الشافعي ، كتاب اللغة بين المعيارية والوصفية ، وعرجت من هناك إلى موقف السيارات لأعود إلى بيجي أتلقى السؤال المألوف: إيش سويت؟ الحمد لله ، لا شيء !

    [align=center]انتظار ساعي البريد
    الثلاثاء 6 تشرين الثاني 1973م = 11 رمضان 1393هـ
    [/align]
    لا زلت وجلاً منذ أن عدت من مصر ، كل يوم أتوقع أن يحمل إلي البريد شيئاً ولن يكون هذا الشيء سوى ورقة القبول من دار العلوم ، ولكن طال العهد بعودتي وجاءت الحرب ومرت وخلفت ما خلفت ، وأنا كل يوم أراقب ساعي البريد وأساله لعله يحمل الرسالة ، وشعرت أنه مَلَّ من لقائي ، فاكتفيت بالسلام عليه ، ومرت الأيام ، وقطعت السلام ، كنت أنظر إليه من بعيد من حيث يراني وأسير ، قبل العيد أرسلت رسالة إلى الدكتور أمين ولم يصلني الجواب ، كان الاتفاق لا يتطلب كتابة أية رسالة ، كان قد وعدني أن يرسل إلي بالقبول في أسرع وقت ، ولا أدري فلعل الحرب قلبت الأمور أو لعلها كانت سبباً في تأخير وصول القبول ، وربما لم أُقْبَلْ ، على كل حال لم يصلني الجواب ، هل حصل شيء للدكتور أمين لا سمح الله ، لا أدري ، الصمت يخيم على الموقف ، وأنا في داخلي أزداد هموماً ، إذ إني إذا لم أحصل على القبول من القاهرة سأظل حبيس الدار ، لا أطيق مواجهة الناس ، لن أجد عملاً ، فأنا لم أُقَدِّمْ أوراقي إلى الدبلوم العالي في كلية التربية الذي فُصِلْتُ منه السنة الماضية بسبب عدم التحاقي ، الذي قُبِلَ فيه هذه السنة عدد من الدورات اللاحقة لدورتنا وبعض زملائنا في الدراسة ، وأنا لم أقدم هذه السنة ، والتعيين يبدو أبعد من كل بعيد، ولا أدري ما سأفعله لا سيما أن المستقبل لا يبشر بخير ، ولو أني لا أدري ما قد قَدَّرَ الله لي ، ولكن الشواهد تدل على الخوافي ، المهم قلت أرسل برقية إلى السيد ناطق صالح مطلوب الذي يدرس هناك في القاهرة والذي التقيت به عندما كنت هناك ، اليوم نزلت إلى بغداد مع الأخ سفر الذي يحضر مؤتمر مديري مشاريع الشركة العامة للمقاولات الإنشائية ، وأنا ذهبت لأقف على آخر ما وصلت إليه الأمور في مجلس الخدمة وفي مديرية الملحقيات الثقافية ، ومن بغداد أرسلت برقية للأخ ناطق طلبت فيها منه أن يرسل لي أي خبر ، ومرة أخرى أقف أترقب ساعي البريد ليحمل إلي أي شيء جديد ، وأنا عائد إلى بيجي إن شاء الله قريباً ، لأبدأ الرحلة القديمة من جديد.

    [align=center]البحث عن أي شيء مفيد
    الأربعاء 7 تشرين الثاني 1973م = 12 شوال 1393هـ[/align]

    قضيت اليوم في بغداد أيضاً ، كنت قد ذهبت إلى مديرية الملحقيات الثقافية والبعثات في وزارة التعليم العالي لعل أسماء المقبولين في الجامعات المصرية قد وصلت إليها ، ولكن لم أجد من ذلك شيئاً ، قلت أذهب إلى الملحقية الثقافية المصرية في بغداد لعلها أدرى بالأمر ، ولكنهم قالوا إنه ليس هناك بريد ولا خطاب ولا (جواب) ، وعللوني بالمستقبل القريب ، كل يوم يمر وأنا تزداد في قلبي الهموم والاهتمامات البسيطة تكون عظيمة ، وأنا أفكر في وجودي في البيت أذهب وأجيء من غير فائدة أو من غير عمل ، أنا أشعر بهذا وأتحسر على بطالتي هذه الظاهرية ، ظاهرية لأني الآن أدرس في أكثر الوقت ، ولكن لأي شيء هذه الدراسة ؟! راح زمان الفن للفن على ما يبدو.. ولكن الذي يُصَبِّرُنِي هو أن الأهل يشاركوني مشاعري ولا يحسون تجاهي بأي تضايق ، بل إن الأخ سفر - حفظه الله – يقترح عليَّ أن أسافر إلى القاهرة مرة أخرى لكي أجتلي أمر القبول ، وأنا أتشبث بالانتظار فلعل القبول يصل وتأخذ الأمور مجراها الطبيعي ، ومن هناك ذهبت إلى مجلس الخدمة لأقف على الوعود أو على نتيجة تلك الوعود الكثيرة والأماني التي يمنوننا بها منذ زمان ، قبل العيد بأيام ذهبت إلى بغداد عندما قالوا إن إعلاناً على وشك الصدور في مجلس الخدمة لدعوة الخريجين لتعيينهم مدرسين في مختلف الفروع ، وعندما راجعناهم قالوا إن الإعلان سيصدر بعد العيد ، وجاء العيد ومر العيد ، وذهبت إلى مجلس الخدمة ، وسمعت الشائعات الكثيرة التي تطلق من تحت أحجار الجدران وقالوا الأسبوع القادم ، وهذا هو الأسبوع القادم يوشك على الانتهاء ، وقد فهمت أن شيئاً سيصدر الأسبوع القادم أيضاً ، ولكن الأمل الذي كنا نتشبث به قد أوشك على الأفول عندما ذُكِرَ أن الدرجات الخاصة باللغة العربية هي (45) وهنالك أكثر من خمسين من خريجي كليتي تربية بغداد والبصرة ، أي أكثر من المطلوب ، وهم مُفَضَّلُونَ على خريجي كليات الآداب ، فعلى هذا لن يصلنا الدور هذا العام ، ولعله في أي عام .

    [align=center]مطالبة بتسديد ديون
    الأحد 11 تشرين الثاني 1973م = 16 شوال 1393هـ
    [/align]
    كعادتي منذ زمن ، كنت أنزل إلى السوق كل ضحى ، وأجلس برهة عند الوالد في الدكان(2)، ثم أشتري جريدة ، وأتطلع خلال ذلك إلى موزع البريد وكأنه مدين لي بشيء أنتظر منه سداده ، الحق أن شكوكاً كثيرة أخذت تتطرق إلى ذاكرتي ، ماذا سأفعل إذا ما ظللت هذه السنة من غير عمل ، كان ذلك يدور في مخيلتي ، ومرة أحدث نفسي بالذهاب إلى الموصل ومحاولة التقديم إلى الجامعة لعلي أقبل فيها ، خاصة أن رئيس القسم قد تغير ، وذهبت أُمَنِّي نفسي بأني قد تعينت وأني سأذهب لإكمال الدراسة ، وسأفعل كذا وأفعل كذا ، ولكنها مجرد أحلام يقظة يوحيها اليأس .. وبينما أنا كذلك إذا بالوالد يرمي إلي برسالتين اثنتين ، وكأنما قفز في قلبي شيء ، ثم تعثر وما تيسر له القيام عندما علمت أن تلك الرسالتين خطابان رسميان من جامعة الموصل ، واحد لي والآخر للعم مصطفى الحمد ، الجامعة تطالبني بالمساعدة المالية التي استلمتها حين كنت أسكن في القسم الداخلي في أثناء الدراسة ، وهي مبالغ السنتين الأخيرتين فقط ، لأن السنتين الأولى والثانية كانت المخصصات تُعْطَى للطلاب بصورة منحة لا تسترد ، ولما جاءت الثورة ورسخت أقدامها وأخذ اتحاد الطلبة يحقق مطالب الطلاب ويحمي مكاسبهم جعلوا مخصصات القسم الداخلي سلفة تسترجع من الطالب بعد سنة التخرج ! وقد جاءني كتاب بشأن تلك الفلوس منذ أن كنت جندياً ، وتم إرسال كتاب من الوحدة العسكرية إلى الجامعة يؤيد كوني جندياً ، حتى يتريثوا في طلب استرجاع المبلغ من الكفيل العم مصطفى ، وزاد ذلك الطين بلة واليأس وجوماً ، ولا أدري ما الذي أنا فاعله ، ولكن لابد من السفر إلى الموصل ومراجعة الجامعة حتى أتمكن من تأجيل تسديد المبلغ أو أي أمر آخر يمكن أن يكون ..

    [align=center]السفر إلى الموصل
    الاثنين 12 تشرين الثاني 1973م = 17 شوال 1393هـ[/align]

    بعد ظهر هذا اليوم عزمت على السفر إلى الموصل ، ونزلت إلى الشارع العام حيث يمكن أن أجد سيارة تقلني إلى الموصل التي ربما مضت عليَّ سنة لم أدخلها ، وركبت في إحدى تلك السيارات التي تنقل المسافرين من بغداد إلى الموصل بـ(300 فلس) وكنت طول الطريق أفكر في سني الدراسة في جامعة الموصل وكم مرة ذهبت إلى الموصل وعدت منها إلى بيجي ، وكيف انقضت تلك السنون وأهلها وكأنها وكأنهم أحلام ، تبددها اليقظة ، المهم وصلت الموصل ، وكنت أفكر في النزول في فندق نظيف وإن كان أجره غالياً ، مثل فندق الكرامة ، لكني أخيراً نزلت في فندق الحدباء الذي كنت أنزل فيه كل مرة ، وهو ليس رديئاً في ظني ، قبل حلول الظلام قلت أزور صديقي الحاج (فارس) وهو ينزل في مدينة النبي يونس ، ووصلت إلى هناك عند صلاة المغرب ، هو الآن يعمل في بلدية الموصل منذ زمان طويل إلا أنه قد صار معاون ملاحظ بعد أن كان بعنوان مراقب ، بعد أن نال شهادة البكلوريوس من جامعة الوصل من قسم اللغة العربية ، اقترح علي أن نزور الأستاذ حازم عبد الله(3) ، وخاصة أنه يريد أن يسافر إلى القاهرة لإكمال الدراسة والحصول على الدكتوراه ، وبيت الأستاذ يقع في حي الجامعة شمال المجموعة الثقافية قرب منطقة الغابات ، وقضينا عنده أكثر من ساعة حدثنا فيها بعض الأحاديث وحفنا بود كبير ، وأبدى اهتماماً بأمري واقترح أن أزور رئيس قسم اللغة العربية الجديد ، وأعرض عليه الحال لعله يمكن أن يقدم أية مساعدة ، ووعدني أنه سيحاول إرسال نتيجة القبول حال وصوله إلى القاهرة واستقراره فيها ، وعدت أنا إلى الفندق وذهب الأخ الحاج فارس إلى منزله بعد إلحاح منه أن أنزل عندهم الليلة وليتني فعلت ، أو انتقلت إلى فندق آخر ، فقد كان نصيبي في الغرفة قرويان كان أحدهما رجلاً متقدماً في العمر ، وقد سَعَلا طيلة الليل سُعَالاً مدويا يَقُضُّ المضاجع ، فنمت وكأني أنام في ميدان حرب وقتال.

    [align=center]زيارة رئيس قسم اللغة العربية
    الثلاثاء 13 تشرين الثاني 1973[/align]

    في الصباح أسرعت إلى المجموعة الثقافية ، وقابلت الأستاذ حازم طه (وهو غير حازم عبد الله) وعرضت عليه الأمر ، وطلبت منه أن يساعدني ويذهب معي إلى رئيس القسم فهو صديق له ، وكأنه اعتذر عن ذلك بكلام طويل ، ونصحني أن أذهب منفرداً ، ولم أتأخر حتى لا تذهب الفرصة ، دخلت إلى غرفة رجل يجلس بكآبة خلف طاولة إلى جانبه امرأة ربما كانت زوجته تعينه على قراءة شيء فهو كفيف قد غطى عيونه بنظارة سوداء ، وعلمت أنه كان أستاذاً في كلية الشريعة بجامعة بغداد وقد دَرَّسَ الأخ سالم فيها ، وأن زوجته مصرية ، بعد السلام والاستئذان بالكلام طلب مني الجلوس وبعد شرب الشاي شرحتُ له الأمر وذكرت له أملي في أنه بإمكانه أن يساعدني ، وأن يحقق لي شيئاً ، ولكنه كان مثل من كان قبله ، اعتذر لي بأن التعيينات أصبحت تصدر من مجلس الخدمة وأن الجامعة لا حول لها ولا طول سوى أن تبعث إلى مجلس الخدمة وتطلب منه أن يعلن عن حاجتها عن كذا موظف ، أخيراً شكرته وتركت الكلية مسرعاً إلى رئاسة الجامعة التي تقع قرب المستشفى راجعت السادة في قسم الحقوق المالية ، وأبوا علي إلا تقسيط المبلغ الذي بذمتي ، وحاولت ولكن ذهبت محاولتي هباء ، وأخيراً ذهبت إلى الدكتور عامر سليمان المسجل العام ومعاون رئيس الجامعة للشؤون الإنسانية ، فهو يعرفني ، كنت له تلميذاً يوماً ما ، وشرحت له الأمر ، فاهتم بالأمر نسبياً وتلفن إلى السيد مدير الحقوق وطلب منه مساعدتي، فاستجاب على أن أقدم طلباً إلى المفتش العام أطلب فيه تأجيل دفع المبلغ ستة أشهر ، وفعلت وبعد حركة خفيفة في أروقة رئاسة الجامعة أتممت الطلب وتم لي تأجيل الدفع ستة أشهر ، وقالوا لي إذا جئتهم بورقة تؤيد أني طالب فيما إذا قبلت مستقبلا في كلية دار العلوم بمصر– فإنهم سيؤجلون طلب تسديد المبلغ فترة أخرى ، حاولت مقابلة مدير معهد المعلمين في الموصل وذهبت إلى بناية المعهد ولكن المدير لم يأت ، قيل إن هناك حاجة في المعهد إلى محاضرين في اللغة العربية ، لم يبق لي شيء في الموصل سوى أن أقفل راجعاً إلى بيجي .

    [align=center]تردد بين النحو وفقه اللغة
    الأربعاء 14 تشرين الثاني 1973م = 19 شوال 1393هـ
    [/align]
    بعد عودتي من الموصل وقر في نفسي أن دراسة النحو إذا قُبِلْتُ في القاهرة للحصول على الماجستير قد بدت لي غير مناسبة ، أولاً مع تقدمي في النحو وقابليتي العلمية فيه فإني أبغض بعض تشعباته وتعليلاته ، وثانياً إن المختصين في النحو قد ازدادوا في العراق زيادة ملحوظة أكثر من حاجة المدارس والمعاهد والكليات إليهم وبعد أربع أو خمس سنوات سيزدادون أكثر ، ومعنى هذا أنه إذا كتب الله لي أن أكمل الدراسة في النحو فإن حالي سيكون مثل حالي اليوم ، فوقر في نفسي أن أغير اتجاهي وأدرس فقه اللغة أو البلاغة أو النقد وما أكثر ميلي إلى فقه اللغة ، وبدأت في محاولة دراسة بعض الكتب المتوفرة لدي في مجال فقه اللغة ، وفطنت إلى نقطة مهمة وهي أن فقه اللغة يحتاج إلى تمكن في اللغة الإنكليزية مما أفتقده تقريباً وأن هذا ربما سيكلفني كثيرا ، وسيشكل صعوبة إذا درست ، ولكن رغم كل هذا فأنا كثيراً ما يشط بي الفكر وأرمي بالكتاب جانباً وأنزوي في داخلي في مساحة ضيقة محاولاً أن أضع خطوطاً عريضة للمستقبل لكنها دائما غير واضحة المعالم مما يسبب لي بعض الآلام المكتومة ، وبدأت أنصت إلى ما يعلن من وظائف جديدة لعلي أجد ما يناسبني فأجعله أملاً إذا خابت الآمال ، وأيضاً هذه الفكرة لا تكاد تتحقق ، ومرة أقول إنني يمكن أن أذهب مع الحجاج إلى السعودية بصفة حاج – الوالد والوالدة سيحجون هذا العام إذا يسر الله - وخلال ذلك يمكن أن أتشبث وأجد لي عملاً وطريقاً في الحياة ! أيسر وأعز من هذه الحياة التي توغل في القتام بعد أن سيطر على أطراف الملك ضراغمة الجهل وغوغائية اليسار ودعاة الإلحاد ، وتحالفت أطراف الكفر في أحلاف تقتات على قوت الشعب ولا تنميه ، لا بل إنها تقتات من دماء هذا الشعب الذي يعاني كل يوم من جديد ، لا أدري ، حيرة أنتظر عند الله لها مخرجاً وسبيلاً .

    [align=center]قبولي في دار العلوم
    الأربعاء 21 تشرين الثاني 1973م = 26 شوال 1393هـ[/align]

    ذهبت بعد ظهر هذا اليوم إلى المكتبة العامة في بيجي ( مكتبة ابن النديم) وأنا كثيرا ما أُلِمُّ بها هذه الأيام ، وللرجال أربعة أيام في الأسبوع ، وبعد أن مكثت فيها سويعات عدت قبل الغروب إلى البيت عجلا لعلي ألحق بوقت صلاة العصر قبل أن تدنو الشمس للمغيب ، وبينما كنت أصلي إذا بالوالد يرمي أمامي شيئاً قبل أن أنهي الصلاة ، وتبين أنها ورقة خضراء ، وأخذت الأفكار تجول في ذهني وأنا في الصلاة ، حتى أوشكتِ الأفكار تفسد علي صلاتي ، تناولتها فإذا هي ما انتظرته طويلاً ، جاءت على غير توقع أو سابق إشارة ، إنها برقية من ناطق صالح من القاهرة يخبرني فيها أني مقبول ، طبعاً في كلية دار العلوم ، وهنا أسرعت وأخبرت الأخ سالم ومن في البيت ، وما حل الظلام إلا وجميع الأهل يعلمون بالأمر ، وبدأت الأفكار تراودهم وتراودني ، وما سيحل من الفراق والبعد ، ولكني كنت غير ملتفت إلى هذه الأفكار ، فقد ذقت الأمَرَّيْنِ من العراق وما يمكن أن يأتي به من أشياء جديدة ، ولكن هذه الورقة لا يمكن أن تقوم مقام الورقة الرسمية التي بواسطتها يمكن أن أسافر إلى مصر بصفة طالب ، ولكن إذا وصلت هذه ربما سيصلني تمام الأمر بعد أيام ، كان الأخ سفر قد اقترح عليَّ أن أسافر بصفة زائر ومن هناك أتابع الأمر وأكمله ، وأنا أتريث منذ زمن ، وأنتظر لعل شيئا يَجِدُّ ، وأخيراً عزمت وتوكلت على الله أن أبدأ في إكمال متطلبات السفر يوم السبت القادم ، وعليَّ أن أذهب إلى بغداد وأستطلع الأخبار من سفارة مصر ومديرية البعثات ومديرية الملحقيات الثقافية العراقية.
    الذي يجب أن أذكره دائماً ، والذي يجب ألاَّ أنساه أبداً ، هو ما يقوم به الأخ سفر وقام به منذ سفري وإلى الآن ، وما به مستقبلاً ، وأنه سيهيئ لي كل ما أحتاج ، وفعلاً فأنا لدي الآن ما يقرب من مئتي دينار أكثرها منه.

    [align=center]الإعداد للسفر
    السبت 24 تشرين الثاني 1973م = 29 شوال 1393هـ
    [/align]
    في الصباح وقبل شروق الشمس ، وفي ظل فجر الخريف البارد شديد البرودة ، نزلت إلى سيارات بيجي التي تذهب إلى بغداد ، أريد الذهاب إلى بغداد كي أقرر ماذا يجب أن أفعل في هذه الأيام الآتيات ، وركبنا في سيارة الأجرة ، وصلت بغداد بعد العاشرة وذهبت من الموقف إلى سفارة مصر حيث استفسرت منهم عن المقبولين في جامعات مصر ، وجاء الجواب (ما نعرفشِ حاجة) وذهبت بعدها إلى مديرية البعثات العراقية حيث سمعت أن برقية قد وصلت فيها أسماء المقبولين في جامعات مصر ، وانتظرت حتى أمكنني رؤية ما فيها فإذا هي خاصة بالبكالوريوس ، وبعد أن تأكدت من سفارة مصر ومن المديرية أنه يمكن السفر إلى مصر بصفة زائر ، وإذا كنت مقبولاً يمكنني أن أداوم وأكمل الأوراق من هناك ، وعلى هذا قررت إكمال أوراق السفر فذهبت إلى مديرية السفر والجنسية وكتبت العريضة ، كان هذا حوالي الساعة الثالثة بعد الظهر ، فهذه المديرية في هذه الأيام لا تقفل أبوابها إلا بعد مضي ساعات من الليل فهي تموج بمئات من الناس من الصباح حتى إقبال الليل ، إنهم الحجاج يعملون أوراق سفرهم ، خلق كثير ، أكثرهم نساء يتدافعون ويتصايحون ولكن المعاملات تجري بسرعة ، وكنت على بعض العلم بما يمكن أن أفعله كي أنهي تأشير الجواز ، ولكن هناك عقبة صعبة الاجتياز في المعاملة فلا بد أن تمر عبر ضابط الأمن ، ولا شك أنه سيحيلها إلى مديرية الأمن العامة لتأخذ قسطاً من الراحة ، ولكن عندما وصلت إلى ذلك الضابط كان حاضراً عنده ملازم أول في الجيش ونظر في أوراقي ويبدو أنه عرفني وسألني عن العم نعمة والخال عبد محمد صالح ، وأسَرَّ إلى ضابط الأمن أن هذا ليس عليه شيء ، فتجاوزت الصعوبة وخاصة أن طلبي الأول في الصيف كان قد أشَّرَ عليه مدير السفر بتأييد من الخال أبي عادل بألاَّ شيء ضدي، إلى هنا والساعة قد تجاوزت السابعة مساء ، ولم يبق لي من إكمال المعاملة إلا شيء قليل.

    [align=center]تحديد موعد السفر
    الأحد 25 تشرين الثاني 1973م = 1 ذو القعدة 1393هـ [/align]

    قضيت الليل في بيت العم مصطفى في بغداد ، وفي الصباح ذهبت إلى مديرية السفر والجنسية لأكمل تأشير الجواز ، ورغم شدة الازدحام ، فهو أشد من ازدحام مساء الأمس ، فقد تسلمت الجواز كاملاً قبل العاشرة ، وخرجت وقلبي يخفق لو كنت مع هؤلاء الذاهبين إلى الديار المباركة ، وأسرعت إلى سفارة مصر كي أحصل على التأشيرة ، وهناك قال لي الموظف لابد من مضي 24 ساعة على استلام الجواز ، فشرحت له أني من خارج العاصمة وأني أريد أن أكمل المعاملة حتى أعود إلى الأهل أياماً ، فاقتنع وقال لي انتظر بعض الوقت ، ولم تمض إلا برهة لا تتجاوز نصف ساعة حتى استلمت الجواز وعليه تأشيرة الدخول ، ومن هناك ذهبت إلى مكتب الخطوط الجوية العراقية لأحجز مكاناً في الطائرة المغادرة فإذا المواعيد الاثنين والأربعاء ، فاستعجلت الأمر وقلت الأربعاء ، ولو أني قد ندمت على ذلك ، ماذا لو تأخرت إلى يوم الاثنين بعد الأربعاء ، مضى الأمر وسجلت يوم سفري الأربعاء الآتي إن شاء الله ، وكانت الأجور ذهاباً وإياباً (32) ديناراً و(800) فلس ، وهي مخفضة خمسين بالمئة ، استناداً إلى ما يسمى بأجور الشباب ، وهي نفس أجور الطلاب ، ولكني أنفقت عشرين ديناراً في تأشيرة الجواز ، ومن هناك ذهبت إلى مديرية صحة العاصمة حيث أخذت شهادة الصحة العالمية ، ولم يبق لي إلا أن أذهب إلى سوق الكتب لأحاول شراء كتاب كان قد أوصاني بشرائه الدكتور أمين ، وهو خزانة الأدب للبغدادي ، فوجدت نسخة واحدة وكان طلب صاحبها عشرة دنانير ، فلم أشترها..! سافرت إلى بيجي وأنا أفكر في زيارة الأصدقاء والإخوان والأقرباء ، ولكن أصبح الوقت ضيقاً ، وعليَّ أن أعود لأقضي هذه السويعات عند الأهل الذين خفقت قلوبهم كما خفق قلبي حين علموا قرب موعد سفري ، وأنا أحس بثقل الأيام الآتيات ، وأتوجه إلى الله أن يخفف علي أهوالها وصعابها .

    [align=center]السفر إلى بغداد
    الثلاثاء 27 تشرين الثاني 1973م = 3 ذو القعدة 1393هـ[/align]

    كنت أروح وأجيء في البيت وخارج البيت ، وربما كنت أبدو طبيعياً في الظاهر ، أي أن سفري إلى مصر الذي سيكون غداً إن شاء الله كأنه طبيعي ، وأني غير مفكر في مستقبل هذا الفراق الذي ربما يطول ويطول ، وكنت أرقب وجوه الأهل وإذا بهم يرقبون حركاتي أيضا وكأنهم يشيعونني منذ اليوم ، وهم يفكرون في هذا المغادر ما بين مغتبط لسفره متطلع إلى ما سيجنيه من ثمرة وآخر مشفق حزين لهذا السفر ، رغم الحب والدعاء له بكل خير ، والوالدة خصوصاً تنظر إلي وأشعر أنها قد تفكر في أني قد لا أعود وأنها لن تراني مرة أخرى ، وكثيراً ما أخذ صوتها يثقل وهي تحاول نقش الذكريات في آخر اللحظات ، والدي لم أسمع منه منذ أن درست إلا التشجيع والدعاء بالسلامة ، إخوتي ، أخواتي ، كل من في البيت ، وأنا أيضاً كنت أحاول أن أحفر الذكريات بعمق ، ولكني أرى الساعات تمر بانتظام والليل يتقدم ويخيم بظلامه على النفوس ، وقضيت الليل في سمر مع الجميع ، العم سليمان الحمد كان يحضر كل ليلة إلى دارنا يقضي أول الليل مع الوالد ومن حضر مع الحاضرين ، وأخذت الأضواء تنطفئ في أطراف البيت ويحل الظلام ، وأخذ هذا الظلام يتسرب إلى داخلي ، ويقعدني وأنا وحيد في الغرفة ، الوالد ينام في غرفة الضيوف الكبيرة وأنا أنام في الثانية الصغيرة ، وجلست في ظل ذلك الظلام الداخلي والخارجي ، أفكر وأبعد بالتفكير ، وأخذت الأفكار السوداء التي يوسوس بها الشيطان إلى النفوس أحياناً ، تقفز إلى السطح وأحاديث الموت والحياة هي الأخرى ظهرت ، وأخذت أتلمس الجدران بيدي وبعيوني أتفحصها وأتتبع منحنياتها ، كيف سأتذكر كل هذا وأنا بعيد، كيف سيكون موقفي وأنا وحيد هناك في البلاد البعيدة ؟! ولكن كلما أتذكر ما صارت إليه أموري في العراق وقلق المستقبل كل ذلك يحفزني إلى احتمال كل ما سيكون من مصاعب ، الوالدة تحدثني أنها لم تهنأ بنوم منذ يومين ..! على كل حال فإن كل من في البيت يود لي السفر للدراسة والكل يدعو بالعودة بسلام وبالنتيجة الجيدة ، ليس من اليسير أن أنسى ذلك البيت الذي عشت فيه حياتي آمالي وأحلامي وذكرياتي ، أبي أمي إخوتي أخواتي الأطفال أبناء إخواني ، إنه جزء من كياني.

    [align=center]الوصول إلى القاهرة
    الأربعاء 28 تشرين الثاني 1973م = 4 ذو القعدة 1393هـ[/align]

    لم أكن إلا نصف نائم طيلة الليل ، ومنذ أذان الفجر بل قبل ذلك استيقظت وإذا في البيت حركة لم تكن في الصباحات الماضية ، وإذا الكل يقظون وعلى عجل جعلت كل أمتعتي في الحقائب الثلاث ، واحدة ليس لي بها إلا جلد الحقيبة فهي هدايا من أهل ناطق صالح ومن أهل عامر بن سيد عبد الكريم ، وكلمات التوديع أسمعها وأحس حرارتها ، حتى الأطفال ، لم نعهد هذا عندما كان أحدنا يسافر إلى بلدة داخل العراق ، كنا ننتظر السيارة ، أنا والأخ سالم والوالد والوالدة ، سالم لديه إجازة حتى نهاية الأسبوع هو الآن يُدَرِّسُ في ثانوية بيجي للبنين ، الوالد والوالدة يريدون الذهاب إلى بغداد لتوديعي ولعمل أوراق السفر الخاصة بالحج فإنهم سيذهبون إلى الديار المقدسة للحج للمرة الثانية ، الأخ سفر ذهب لعمله صافحته ، والأخ صالح ، والأخوات .. ومضت السيارة وأنا أتلفت إلى الدار .. الشارع ، بيوت بيجي من بعيد .. وصلنا إلى بغداد بعد التاسعة نزلنا عند بيت العم مصطفى ، وبعد فترة وجيزة حملتنا السيارة إلى المطار ، الأخ نوفل – ابن عمي مصطفى- صاحبنا بسيارته أيضاً ، وبعد تسليم الحقائب والوزن علمت أن موعد إقلاع الطائرة قد تغير من الثانية عشرة إلى الرابعة عصراً ، الشيء الغريب الذي وقعت فيه نتيجة الجهل هو أنه كان عندي زيادة في وزن الأمتعة المسموح بها حوالي (16) كيلو ، وكان ذلك مما أرسله الأصدقاء من الهدايا ، إذ إن وزن أمتعتي لا يتجاوز الوزن المسموح به ، كان ثمن تلك الزيادة (7) دنانير ، ولكن الله يعوض ذلك لي إن شاء ، عدنا من جديد إلى بيت العم مصطفى .. الوالد والوالدة والأخ سالم ذهبوا إلى مديرية السفر والجنسية وقد أكملوا حتى الثانية والنصف ظهراً أكثر الأوراق ، حوالي الثالثة غادرت بيت العم مصطفى بسيارة الأخ نوفل معه الأخ سالم والعم مصطفى ، وودعت الوالد في بيت العم مصطفى ، ومررنا إلى بيت الخال عبد وسلمت عليهم ، وهناك ودعت الوالدة ، لقد جذبتني بقوة وحرارة لا يمكن أن تنسى ، من فضل الله أني وجدت الأخ خليل إسماعيل الحديثي الذي يدرس في القاهرة يريد أن يسافر في نفس الطائرة ، وكان قد أرسل لي بأن نسكن معاً في القاهرة ، بعد إقلاع الطائرة مرت بدمشق لم نر إلا المطار وقت غروب الشمس والجبال تبدو من بعيد ، وصلنا القاهرة ، والحمد لله بسلام ، أنا نزلت في نفس الفندق الذي نزلت فيه في الصيف على أمل العثور على شقة في الأيام القادمة.

    [align=center]البحث عن سكن في القاهرة
    الجمعة 30 تشرين الثاني 1973م = 6 ذو القعدة 1393هـ
    [/align]
    كانت اليوم أمامنا مهمة العثور على السكن ، منذ الصباح خرجت أنا والأخ خليل للبحث عن المكان المناسب للسكن ، لاشك في أني لا أعرف المناطق المناسبة ولا طريقة المساومة مع أصحاب العقارات الذين بلغوا من المكر ما يذهب غير المحنك ضحية لمكرهم ، هناك أمور يجب ملاحظتها في أمر السكن هي أولاً القرب إلى مكان العمل أو المكان الذي نحتاج إلى مراجعته كثيراً ، وثانياً هدوء المنطقة ونقاؤها من أمراض الحضارة المعاصرة ، ثم السعر لا بد أن يكون معقولاً على الأقل بالنسبة لي، ثم المواصلات أهم أمر في الموضوع ، أنا أجد أن المنيرة التي تقع فيها كلية دار العلوم والتي يسكن فيها الشيخ مجاهد مصطفى مكان ممتاز من جهة قربها من الكلية ، وهي كذلك ليست بعيدة بالنسبة للأخ خليل ، ولكن المنيرة بنظر الأخ خليل غير مناسبة للدراسة لأنها وسط منطقة تكثر فيها الحركة ومنطقة شعبية ، وهو يرى أن نبحث عن شقة في منطقة الجيزة في حي المهندسين أو المناطق المجاورة ، أو قرب سكن ناطق صالح في مدينة الضباط ، هذه المنطقة هادئة نسبياً ونظيفة وعماراتها واطئة لا تزيد على خمسة أدوار ، ولكن ربما لا نحصل على شقه بأقل من ثلاثين جنيها ، والمواصلات في هذه المنطقة مقبولة وإن لم تكن جيدة ، لعل مشكلة المواصلات في هذا البلد المشكلة رقم واحد ، ففي أي مكان وفي أي وقت تجد كافة وسائط النقل مزدحمة بشكل كبير ، درنا اليوم دورات طويلة في القاهرة ، في منطقة حي المهندسين وما يجاوره ثم إلى الأزهر ، ومن هناك ذهبنا إلى مدينة نصر حيث صلينا الجمعة في أحد جوامعها ، والتقينا بأخ عراقي اسمه جاسم ، وقبل ذلك كنا قد زرنا مجيد رشيد التكريتي ووجدنا معه أخاه الحاج توفيق ، وبعد كل ذلك عرجنا على العمارة رقم 110 جسر السويس حيث ينزل الأخ خليل مؤقتاً، واتفقنا على أن نبدأ غداً مرحلة جديدة من البحث عن السكن إن شاء الله ، في الفندق الذي أنزل فيه تحولت من الغرفة التي نزلت فيها أول أمس إلى غرفة أخرى أقل راحة رغم سعتها ، وأنا لو لم أكن أترقب العثور على الشقة لما مكثت في الفندق فترة أخرى.

    [align=center]استمرار البحث عن السكن
    الاثنين 3 كانون الأول 1973م = 9 ذو القعدة 1393هـ
    [/align]
    مثل ما جرى في اليومين الماضيين ، خرجنا مبكرين مع الصباح نبحث عن السكن المناسب ، أقول المناسب لأننا الآن نسكن ولكنه سكن غير مناسب ، الأخ خليل ضيف عند أصدقاء له ، ولا يمكن أن يدوم ذلك له أكثر من هذه الأيام القلائل فهو لا يمكن أن يدرس وهذا حاله والمضيفون قد يملون ذلك رغم الأخوة . وأنا أسكن في لوكاندة أنجلو سويس ، في غرفة كبيرة تتناثر في زواياها قطع أخشاب الصاج ، أرضها من خشب قد بلي وسرير كبير قد أصبح ظهره تضاريس لا يمكن أن يطمئن عليه النائم ، وبصورة عامة فإنه سكن غير مريح ، وهو ما يدفعنا إلى التعجيل في العثور على السكن المناسب ، كنت أتصور أن أحسن مكان يلائمني هو منطقة المنيرة التي تقع فيها كلية دار العلوم ، هذا من الناحية النظرية، أولاً هو قريب ، وثانياً قد يكون أقل إيجاراً ، ولكنه مكان مزعج كثيراً ، وخاصة لمن يبغي الدراسة والإنتاج ، ومرة أخرى نجد أنفسنا مع السماسرة مثل سيد وسعد و(أبو المجد) ، دخلنا كثيراً من الشقق ، وأعجبنا بعضها لكن أسعارها مرتفعة ، ارتفاعاً غير معقول خمسين وستين جنيها ، ولم نجد بعد كل هذه الجهود في الدوران من حي إلى حي ، وكل حين نركب في تاكسي ونسأل في هذه العمارة وتلك ، تجاوزنا المنطقة التي كان الأمل معقوداً على أن نجد فيها السكن المناسب إلى أبعد من ذلك ، فوصلنا قريباً من جسر الزمالك ، في منطقة الإعلام وامتداد شارع 26 يوليو ، ووجدنا شقة أعجبتنا على الشارع الرئيس 26 يوليو في الدور الثاني إلا أن أصحابها أبوا إلا أربعين جنيها ، أنا أريد أن أسكن في سكن مريح ولكنني دائماً أنظر إلى السعر ، أنا لا يمكن أن أتصرف كيف أشاء فربما جر ذلك مزيداً من المصاريف مما لا طوق للأهل به ، وعدنا في المساء كل إلى داره على أمل ضعيف ، وبانتظار ما سيحمله (أبو المجد) الذي سيقابل أصحاب تلك الشقة ، وجاءني (أبو المجد) إلى الفندق في المساء وأخبرني أنهم أبوا إلا أربعين جنيهاً شهرياً ، كنا قد رضينا بسبعة وثلاثين جنيها ، ولكن (أبو المجد) وعد أن هناك شققاً أخرى سيعرضها علينا يوم غد ، وهنا شيء لطيف يذكر وهو أن أبا المجد بدأ يلف ويدور عندما حاول الخروج من الغرفة ومغادرة الفندق(لا مؤاخذة ..) ومثل هذا الكلام أخيراً صَرَّحَ أنه حضر بتكسي ، وأنه (عاوز) أجرة السيارة ، لا بأس لعل الله يجعل بعد عسر يسراً !

    [align=center]المنزل الجديد
    الثلاثاء 4 كانون الأول 1973م = 10 ذو القعدة 1393هـ[/align]

    ومع الصباح أيضا خرجنا ، والأمل ضعيف بعد تلك الأيام التي قضيناها في البحث ، وأسرعنا إلى لقاء أبي المجد ، لعلنا نرى ما لديه ، ولكنه استقبلنا هاشًّا باشًّا ، لا مؤاخذة .. كلمنا الأستاذ كمال حول الموضوع وبعدين وافقوا ، ومرة أخرى أجرينا فحصاً للشقة وأحسن ما فيها أنها نظيفة و(فرشها) جيدة ، وهي قريبة من عقدة المواصلات ، إذ إن هناك عدة سيارات تؤدي إلى ميدان التحرير ، وغير التحرير ، وأخيراً استقر الرأي على مضض أن نؤجرها ، وعلى الله التوكل ، رغم أني إلى الآن لم أتأكد من تحقق قبولي في كلية دار العلوم ، المهم كتبنا العقد باسم الأخ خليل ، وبعد الظهر ذهبت إلى الفندق وجمعت لوازمي وأمتعتي ، ودفعت الحساب وكان 5 جنيهات و51 قرشاً ، واقتسمنا الشقة بيننا ، فيها غرفتان للنوم لكل واحد غرفة ، وفيها صالة وحمام ومطبخ ، الحق أني عندما وضعت كل شيء في مكانه من الغرفة شعرت براحة لم أجدها منذ أن نزلت في مصر ، فكأنما كنت حاملاً حقائبي الثلاث وأدور بها في مصر ، واليوم آن لها ولي أن يجلس كل منا ليستريح ، واليوم وبعد اليوم سأتمكن من أن أفتح وأتصفح وأقرأ في الكتب ، وأن أجد الأشياء مهيأة ، فقد ذهب الأخ خليل اليوم إلى امرأة (شغالة) يعرفها منذ السنة الماضية زوجها حاج ، وأنها لا تشتغل في أي مكان ، على أساس أن تأتي وتشتغل لنا في السكن ، الطبخ والتنظيف وغسل الملابس ، وعلى هذه الطريقة ربما ستتضاعف المصروفات أو تزيد ، ولا بد من ذلك ، أجور السكن تصل إلى 20 جنيها ، مصروفات بيت تصل إلى 15 جنيهاً ، وعشرة جنيهات مصروفات أخرى أي أنني سأصرف شهريا بحدود 40-45 جنيهاً ، وهو ما يساوي 25-30 ديناراً عراقياً تقريباً ، وهذا المبلغ أشعر أنه كثير ، وآمل أن يكون في طوق الأهل أن يدفعوه ، وإذا ما كتب الله لي الاستمرار في الدراسة فإن كل عشرة أشهر سأصرف ما لا يقل عن (300 دينار) عراقي ، وأنا لا أبغي من وراء هذه المصروفات العيش المُرَفَّه إنما أن أهيئ لنفسي الراحة التي لا أجد معها حجة في التواني عن بذل كل الجهود.

    [align=center]في انتظار بدء الدراسة
    الخميس 6 كانون الأول 1973م = 12 ذو القعدة 1393هـ
    [/align]
    اليوم الأول من الأسبوع الثاني وأنا في القاهرة ولم أحقق إلى الآن شيئاً سوى أني استقررت ظاهرياً من حيث السكن ، فالدراسة وهي أهم ما في الموضوع لم تبدأ بعد ، القبول الرسمي الذي هو أساس وجودي في القاهرة لم يظهر إلى الآن رغم أن الدكتور أمين قد طمأنني على القبول ، المهم تعليق الأسماء في إعلان والمهم أن أبدأ الدراسة ، الحمد لله الذي يسر حضوري إلى القاهرة قبل بدأ الدراسة ، إذ إنها لو كانت قد بدأت لتعبت كثيراً ، ولأسفت وظللت أذكر هذا التخلف كثيراً في المستقبل ، ربما تبدأ الدراسة الأسبوع القادم يوم السبت ، مجموع ساعات الدراسة الأسبوعي هو ست ساعات في التخصص ، وساعتان في اللغة الأجنبية ، أي أن الدراسة ثماني ساعات فقط ، ويبقى لي من الأسبوع على أساس ثماني ساعات عمل لكل يوم يبقى ستة أيام ، يوم جمعة ، تبقى خمسة أيام أي أربعين ساعة عمل لتغطية ثماني ساعات فقط ، مع أنها مرحلة متقدمة وخطرة فأنا بعد توفيق الله وتيسيره أجد الأمر يسيراً ، وخاصة بعد أن استقر الرأي على دراسة النحو ، مع أن التسجيل الرسمي لا يزال في فرع علم اللغة ، لعل الله تعالى أراد لي خيراً حين غيرت فكرتي إلى النحو ، فقد حدثني الدكتور أمين السيد أن معيداً في دار العلوم نفسها يدرس علم اللغة مع أحد الأساتذة مضى له بعد السنة التمهيدية خمس سنوات حتى استطاع أن يكمل رسالة الماجستير ، وهذه المدة طويلة جداً ، لا يمكن أن أبقى حبيسها في موضوع قد تكون نتيجته الإخفاق ، في حين أن النحو إذا يسر الله وجرت الأمور على ما يرام من إنجاز الرسالة بعد السنة التمهيدية إذا أمد الله في العمر وجعل حليفي النجاح ربما أنجزتها في أقل مدة يمكن فيها الطالب أن يناقش ، وهي سنة بعد السنة التمهيدية كما لَمَّحَ لي الدكتور أمين ، على كل حال أنا الآن في انتظار ما يمكن أن تأتي به الأسابيع المقبلة فإنها حاسمة في رسم خطوط المستقبل ، من حيث السكن أنا أعيش الآن عيشة مريحة ، الشقة نظيفة لطيفة ، والأكل رغم أننا نفتقد إلى اليوم الرز واللحم فإنه أيضاً جيد والحمد لله ، وإن كان ذلك يكلف الأهل غالياً.

    [align=center]تأمُّل
    الجمعة 7 كانون الأول 1973م = 13 ذو القعدة 1393هـ[/align]

    بدأت أتحول إلى الحياة الجديدة .. جديدة في مكانها فقط وبعض الجدة في أسلوبها ، لا شك في أنها نقلة كبيرة من بلدتي الصغيرة بيجي التي تتشبث بأطراف الحضارة إلى مدينة تقف إلى جانب أكبر مدن العالم نفوساً وحضارة عريقة ، طريقة الحياة العادية هنا تختلف عما نحسه هناك ، الناس هنا تسيطر عليهم المادة في الظاهر ولو أني لم أسبر أغوار المجتمع المصري ، وأنَّى لي ذلك ، لكن عن طريق تعاملي مع عدد محدود ألمس ذلك ، المادة كل شيء ، لها وزنها وقيمتها ، اللقمة صعبة الحصول ، أما أنا الوافد من أرض الرافدين فليست اللقمة بعيدة عن متناول يدي بفضل الله وبفضل الأهل والإخوة الذين يسروا لي بعد تيسير الله السفر إلى هنا للدراسة ، لا شك أني الآن أقتطع من كل لقمة يدفعها أحدهم إلى فيه شيئاً بل ربما ناصفتهم في حياتهم أنا واحد وهم جمع ولكن ربما ناصفتهم ، الحياة غالية خصوصاً إذا أردت أن ترتاح وأن تدرس وتحقق شيئاً ، المهم بدأت أعهد الحياة الجديدة : الدار الجديدة ، مشرق الشمس ومغربها ، التوقيت الجديد ، والناس من حولك في الشوارع بدأت أعهدهم ، أعهد هذا الزحام في سيارات النقل العام .. وبدأت أتذكر رأي أبي حنيفة في أن مس المرأة لا ينقض الوضوء عندما تضطر كلما تركب إلى التدافع مع جموع النساء والرجال على حد سواء ، أذكر الأهل من الزاوية التي أقبع فيها داخل غرفتي التي أنزلها في الدار ، أتذكر حياتي هناك ، ولكن الأمل هو الذي أحاول أن أقرنه إلى الذكرى، الأمسيات الجميلة في دارنا تنقضي وسط صخب الأطفال وهمسات الكبار ، وهكذا ينقضي العمر والأيام التي كُتِبَ أن نقضيها على الأرض ، أملي في العودة هو الذي يدفعني إلى العمل وإلى تحمل هذا الفراق ، حقيقة أن المسلم أينما حل فهو سيد نفسه لا تخذله الغربة ولا تحرفه عن جادة الحق ، لا يقلقه الموت ولا يخيفه ، مُسَلِّمٌ أمره لله ، الحمد لله الذي يسر وجعل في هذا البلد حماة لهذا الدين ودعاة إلى الله . صلينا اليوم الجمعة في جامع قرب جسر الزمالك هز الخطيب فيها جموعاً متكاثرة من الشباب والشيوخ
    .



    * ذكريات غانم قدوري الحمد ... (الحلقة الأولى) .

    نشرت الحلقة الثانية يوم الجمعة 7 صفر 1431هـ .

  • #2
    [align=center]1- اللغة بين المعيارية والوصفية هو كتاب أستاذنا الدكتور تمام حسان.
    2- هذا التردد بين النحو وفقه اللغة هو قصة حياة(كما يقول الأمريكيون) أكثر المتخرجين من أقسام اللغة العربية.[/align]

    تعليق


    • #3
      الناس هنا تسيطر عليهم المادة في الظاهر ولو أني لم أسبر أغوار المجتمع المصري ، وأنَّى لي ذلك ، لكن عن طريق تعاملي مع عدد محدود ألمس ذلك ، المادة كل شيء ، لها وزنها وقيمتها
      صدقت وما ظلمت ولا افتريت
      ذكريات مفيدة وأخبار غالية لأنها ذكريات عالم نحبه في الله ونسأل الله له التوفيق
      أبقاك الله لنا مفيدا نافعا وحفظك من كل سوء ونفع بك وبعلمك أينما كنت وحيثما حللت
      قسم التفسير وعلوم القرآن
      جامعة الأزهر

      تعليق


      • #4
        متابعون لكم باهتمام ، ولكن أود أن ألفت نظركم الكريم الى فقرة قد التبس معناها بسبب عدم استخدام علامات الترقيم فيها ، وتلك هى الفقرة :
        وأسرعنا إلى لقاء أبي المجد ، لعلنا نرى ما لديه ، ولكنه استقبلنا هاشًّا باشًّا ، لا مؤاخذة .. كلمنا الأستاذ كمال حول الموضوع وبعدين وافقوا
        وتجدها قد وردت تحت عنوان : المنزل الجديد
        وأعتقد أن صحتها أن تكتب على النحو التالى :
        . . . هاشا باشا : " لا مؤاخذة ، كلمنا الأستاذ كمال حول الموضوع وبعدين وافقوا "
        أقول هذا لأنى فى البداية أعتقدت أن عبارة " كلمنا الأستاذ كمال " هى من كلامكم أنتم ، لا من كلام ( أبى المجد ) كما فهمت أخيرا بعد أن استنبطت علامات الترقيم بمفردى ، وقد أدى هذ اللبس الى تعجبى فى البداية ، لأنكم لم يسبق أن ذكرتم شيئا عن المدعو ( الأستاذ كمال ) ، فلم أعرف من يكون من بين شخصيات السيرة ؟

        فى انتظار باقى الحلقات ، والله يوفقكم

        تعليق


        • #5
          ما اشبهه اليوم بالبارحة ، يبدو ان قولهم : ( ان التأريخ يعيد نفسه ) مقولة صحيحة إلى حد ما ، فما عانيته شيخنا الكريم من قساوة الحياة والبحث عن تعين أو قبول في الدراسات العليا قاسيناه ونقاسيه اليوم نحن في العراق ، فالسير وراء المجهول يبدو أنه اصبح من المألوف عند العراقي وهذا قدرنا والحمد على كل حال، فقد اثارت هذه المذكرات الشجون والذكريات في نفسي فقد قاسينا من صعوبة الاستمرار في مواصلة الدراسة ماقاسيناه قد ننفق في الشهر الواحد آلاف الدنانير على الدراسة ومن ثمة قد لايجد احدنا وظيفة وإذا وجد فراتبه دراهم معدودات ، فما الذي دفعنا إلى اكمال الدراسة في هكذا ظروف في ذاك الوقت ؟ هذا السؤال يرد في خَلْدي كثيرا وأنا اتذكر الآيام الخوالي ، ولعل وجودكم بيننا شيخنا العزيز هو الذي بث فينا الأمل والتفاؤل والاستمرار ، بارك الله فيك وفي سيرتك ونفع الله بها
          الدكتور إياد سالم السامرائي
          أستاذ مساعد في كلية التربية بجامعة سامراء

          تعليق


          • #6
            بارك الله بك , شكراً أخي الكريم

            تعليق


            • #7
              باتت اليوم ذكريات إذ كانت بالأمس هموماً ..
              ذكريات ممتعة .. إذ فيها صناعة المجد ومقارعة الغربة ومجاهدة الفقر ..
              أقووووووووول :
              كم بهذه السيرة يتجدد الأمل في النفوس من جديد بعد أن بددته آلام الحياة ..
              كم هم الشباب بحاجة لمثل هذه السير ..
              ما افتقدته في هذه المذكرات : الواسطة والرشاوي يبدو أن الحياة آنذاك لم يكن لهما وزناًَ خلافاً لحالنا اليوم .
              أما مبتكرات الشيخ حفظه الله : المنهج الدراسي بلا معلم والذي اعتمده لنفسه ..
              وسر النجاح : هو قوله العلم محبوب لذاته
              إذن يمكن للإنسان البسيط مثل ما كان الشيخ وقت كتابة هذه السطور أن يرقى إلى الثريا كما هو الشيخ الآن حفظه الله ونفع به الأمة .. دون واسطة أو رشوة ..

              تعليق


              • #8
                المشاركة الأصلية بواسطة التواقة مشاهدة المشاركة
                كم بهذه السيرة يتجدد الأمل في النفوس من جديد بعد أن بددته آلام الحياة ..
                كم هم الشباب بحاجة لمثل هذه السير ..
                هذا أجمل ما في الموضوع..
                وما زلتُ أتابع وأتابع...


                جزاك الله خيرا يا أستاذنا الجليل على هذه الهدية الأسبوعية...
                محمد بن إبراهيم بن محمدنور بن سيف
                رئيس قسم القراءات في كلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية
                الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

                تعليق

                19,957
                الاعــضـــاء
                231,886
                الـمــواضـيــع
                42,547
                الــمــشـــاركـــات
                يعمل...
                X