إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • من قواعد البحث في الإعجاز العلمي: حسن التعامل مع نصوص المفسرين والأدب معهم.

    من قواعد البحث في الإعجاز العلمي: حسن التعامل مع نصوص المفسرين والأدب معهم.
    د. مرهف عبد الجبار سقا
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
    يأخذ الحماس بعض الكاتبين في الإعجاز العلمي نحو التسرع في الحكم على كلام المفسرين واللغويين، فيقوم بتقييم كلامهم وقياس معانيهم، مع أن الكاتب قد لا يكون من أهل التخصص الشرعي أو على الأقل ليس له دراية في علم اللغة ولم يعانيها كما عاناها المتقدمون من أهل العلم، ثم يصدر حكمه عليهم بالخطأ والتضعيف والرد، فكثيراً ما نجد هذا التعبير في أبحاث الإعجاز العلمي (وقد أخطأ المفسرون القدامى في كلامهم، أو: وكلامهم هذا بعيد)، أو ما يشبهه من التعبير كتجهيلهم من غير مبرر سوى أن الكاتب وجد معلومة لم توافقها آراء المفسرين واللغويين ويعتبرها هو مسلمة ثم يرمى بالقاضية على السابقين.
    وأني هنا لا أدعي العصمة لغير الرسول ، كما لا أدعو إلى التسليم لآراء المفسرين دون دراسة وتمحيص، ولكني أدعو إلى احترام التخصص العلمي، وأن يدخل الميدان أهله، وأدعو الباحثين إلى عدم المجازفة العلمية وخاصة عند التعامل مع آراء السلف الصالح ، مع أننا لو أنصفنا في التعامل مع نصوص المفسرين وآرائهم لوجدنا لكلامهم اعتبار بل ربما يكون الصواب ما يقولونه، ونجد رأي من عاب عليهم رأياً فاسدا علته من الفهم السقيم.
    وكم يعجبني قول الدكتور عبد الحفيظ حداد في قواعد كتابة أبحاث الإعجاز العلمي إذ جعل من هذه القواعد: (تحاشي العبارات التي تحمل طابع التسفيه لأقوال العلماء السابقين من سلف هذه الأمة حتى ولو ظهرت لهم أخطاء، بل يتأدب في رد الخطأ مع الأخذ بعين الاعتبار أنه ربما ظهر وجه يجعل كلامهم الذي قالوه معتبراً، وكم عاب إنسان غيره وكان العيب عنده لقصور فهمه) .
    ولذلك يجب على المشتغل في أبحاث الإعجاز والتفسير العلمي أن يحسن التعامل مع نصوص التفسير وآراء العلماء من حيث الفهم والسبك، وأن ينزلها منزلتها في الاعتبار، وأن لا يحملها ما لا تحتمل، أو يجعلها في موضع لا تدل عليه، وأضرب مثلاً على ذلك بما فعله بعضهم عندما تناول قوله تعالى (( خلق من ماء دافق)) [الطارق:6]، تحت عنوان "لماذا خرج القرآن عن المعهود ووصف المني بالماء الدافق بدلاً من المدفوق"، ثم يجيب عن ذلك بأن هذا التعبير (يعني أنه حي التكوين فاعل، تتسابق مكوناته في نشاط، وجرده من صفة البشرية بجعله مادة أولية يتخلق منها الإنسان، وهذا ما يطابق الحقيقة العلمية، لأن الخلية البشرية الأولى التي تحتوي على العدد الكامل من الفتائل الوراثية المستمدة من الأبوين هي البويضة الملقحة في المصطلح الطبي أو النظفة الأمشاج في مصطلح القرآن، ولكن تلك الحقيقة العلمية كانت خفية طيلة قرون عديدة بعد نزول القرآن مما جعل المفسرين في حيرة أمام وصف المني ذاته بالفاعل)،ثم نقل كلام المفسرين واللغويين في معنى "دافق"، وكلامهم كله يصب في أن دافق تأتي لغة بمعنى مدفوق، أي اسم مفعول، ورجح بعضهم أنها اسم فاعل، ثم يقول: (ها أنت ترى كم كانت حيرة المفسرين أمام هذا السر الدفين وهو الحركة الذاتية لعناصر حية في المني ومع ذلك بلغوه بترك تعبير اقرآن "ماء دافق" على ظاهره حتى كشفت الأيام تأويله).
    فانظر كيف جعل الاختلاف اللغوي الصرفي الدلالي للعلماء حيرة، أي:شكاً في دلالة الآية، واعتبر حيرتهم هذه بسبب جهلهم بالسر الذي اكتشفته العلوم الحديثة وبينه هو في بحثه، ونسي أن هؤلاء الأئمة لم يكونوا يجهلون أن خلق الإنسان كان من نطفة أمشاج قال ابن كثير: (قال ابن عباس في قوله: مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ يعني: ماء الرجل وماء المرأة إذا اجتمعا واختلطا، ثم ينتقل بعد من طور إلى طور، وحال إلى حال، ولون إلى لون. وهكذا قال عكرمة، ومجاهد، والحسن، والربيع بن أنس: الأمشاج: هو اختلاط ماء الرجل بماء المرأة.) وهو المصطلح عليه طبياً بالبيضة الملقحة، وماأظهره الكاتب من سر عظيم – كما يقول- نعم: كان سراً على الغربيين في أزمنة مديدة لكنه كان بداهة عند من وصفهم بالحيرة، وكان الأولى به أن يستثمر هذا الاختلاف في بيان الدلالة العلمية في كون الماء دافق أم مدفوق، فإن كان مدفوقاً فمن كان سبباً في اندفاقه، وما هي الآلية التي جعتله مدفوقاً، وإن كان دافقاً فكيف حصل هذا الاندفاق القوي الذي كان من أثره النطفة الأمشاج.
    ولنقارن بين هذا الكلام السابق وما قالته إحدى الباحثات في تفسير هذه الآية مستثمرة الدلالة اللغوية بعدما ذكرت معنى دافق في المعاجم اللغوية وكتب التفسير، ثم تقول: (يخرج ماء الرجل متدفقاً كما تشير هذه الآية ومما يلفت النظر أن القرآن يسند التدفق للماء نفسه مما يشير إلى أن للماء قوة دفع ذاتية. وقد أثبت العلم في العصر الحديث أن المنويات التي يحتويها ماء الرجل لا بد أن تكون حيوية متدفقة متحركة وهذا شرط للإخصاب.
    وقد أثبت العلم أيضاً أن ماء المرأة الذي يحمل البيضة يخرج متدفقاً إلى قناة الرحم (فالوب)، وأن البيضة لا بد أن تكون حيوية متدفقة متحركة حتى يتم الإخصاب. ومن المعلوم أن ماء الرجل يحوي بالإضافة إلى المنويات عناصر أخرى تشارك وتساعد في عملية الإخصاب مثال ذلك البروستاكلاندين التي تحدث تقلصات في الرحم مما يساعد في نقل المنويات إلى موقع الإخصاب.
    وتعريف الحيوانات المنوية هي كائنات حية نشطة تسبع في سائل منوي الذي يخرج من الرجل عند القذف وتحتوي الدفعة الواحدة حوالي 400 مليون حيوان منوي كما يتدفق السائل بشكل سريع ويحتوي الحيوان على ذيل طويل ورأس مصفح يساعد على السباحة السريعة.)(1) .
    فانظر إلى البون الكبير بين من يستفيد من المعلومات الطبية ويستثمرها في خدمة الدلالات اللغوية وبين من يسيء فهمها واستخدامها ويتهم الأكابر مجازفة.
    إني أعذر هذا الكاتب فيما ذهب إليه لأنه طبيب لا دراية له باللغة والبيان، ولكني لا أعذره في المجازفة في الحكم – وهو غير أهل لذلك - على نصوص الأئمة ووصفها بذلك الوصف ليعظم نتيجته، ويظهر بديع تفسيره الذي لم يأت بجديد، وإن هذه الطريقة الشائعة في بعض أبحاث الإعجاز العلمي تجعل لدى المتخصصين ردة فعل غير محمودة العاقبة، كما أنها تجعل أبحاث الإعجاز والتفسير العلمي عرضة للتشويه والاعتراض.
    ـــــــــــــــــ
    (1) - الضابط اللغوي في التفسير العلمي للقرآن الكريم، هدى هشام الزيدي صـ330، بحث مقدم لكلية التربية للبنات جامعة بغداد 2005.
    مرهف عبد الجبار سقا
    دكتوراه في التفسير وعلوم القرآن
    أستاذ مساعد في كلية التربية - جامعة المجمعة
    https://www.facebook.com/d.marhafsakka?ref=tn_tnmn

  • #2
    جزاك الله خيراً يا دكتور مرهف , جهد موفق .
    أستاذ الدراسات القرآنية المشارك في جامعة الباحة
    aaly999@gmail.com
    https://twitter.com/nifez?lang=ar

    تعليق


    • #3
      الكلام الرصين والمتوازن يوفّر على أهل الملتقى الكثير من المعارك والجدال. جزيت خيراً يا مرهف الإحساس.

      تعليق


      • #4
        بوركت وسددت ايها الفاضل د. مرهف سقا
        أعمالنا في الحياة هي وحدها الحياة، لا أعمارنا ولا حظوظنا
        هناك فجرٌ لا يُوقِظُ العيونَ من أحلامِها، ولكنه يُوقِظُ الأرواحَ لأحلامِها

        الرافعي

        تعليق


        • #5
          شكر الله لك دكتور مرهف

          وأقف عند قولك:

          المشاركة الأصلية بواسطة مرهف مشاهدة المشاركة
          وكم يعجبني قول الدكتور عبد الحفيظ حداد في قواعد كتابة أبحاث الإعجاز العلمي إذ جعل من هذه القواعد: (تحاشي العبارات التي تحمل طابع التسفيه لأقوال العلماء السابقين من سلف هذه الأمة حتى ولو ظهرت لهم أخطاء، بل يتأدب في رد الخطأ مع الأخذ بعين الاعتبار أنه ربما ظهر وجه يجعل كلامهم الذي قالوه معتبراً، وكم عاب إنسان غيره وكان العيب عنده لقصور فهمه) .
          .
          وأقول:
          أتمنى أن يتبع نفس الأسلوب مع الباحثين في مجال الإعجازمن قبل منتقديهم حتى يثمر الثمرة الحسنة لأن الحقائق كثيرا ما تضيع في وسط الردود المتشجنة.

          وفق الله الجميع لما فيه الخير
          وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد

          تعليق


          • #6
            شكر الله لكم مروركم وأجزل مثوبتكم وأسعدكم في الدنيا والآخرة أيها الأكارم.
            مرهف عبد الجبار سقا
            دكتوراه في التفسير وعلوم القرآن
            أستاذ مساعد في كلية التربية - جامعة المجمعة
            https://www.facebook.com/d.marhafsakka?ref=tn_tnmn

            تعليق


            • #7
              جزاكم الله خيرا .
              موضوع مهم بارك الله فيك.

              تعليق


              • #8
                أصبت المحز -كعادتك- وفقك الله.

                وقد كنت اليوم أتبادل الحديث مع أحد الإخوة في هذا الجانب فكان مما دار في اللقاء أن من أكثر ما يرد عن الحق في هذه المسائل هو سوء استخدام الكلمة في التعبير عن المقصود، سواء كان المتحدث من أنصار الإعجاز العلمي أو من منتقديه -إذا صحت هذه القسمة-، فتجد الفريق الأول بسوء استخدامه للألفاظ وعدم أدبه مع السلف واحترامِه لقوة وسداد آرائهم -كما أسلفت في المقال- يثير حفيظة الفريق الآخر، فيجيبه بما يؤكد مكانة السلف ووجوب التحاكم إلى أقوالهم وأن الحق لم يخرج عنها، دون التطرق إلى نهجهم في الاستنباط والتدبر، وسعة الأفق، وبعد النظر...مما يظن معه الأول أن وجوب الرجوع إلى أقوالهم متناقض مع منهج التجديد في التفسير.

                فالشاهد أننا لو أحسنَّا التعبير عما نريد، وتحدثنا دون دوافع أو انفعلات سابقة لوجدنا أننا نتفق أكثر مما نختلف..
                ولو اختلفنا ففي دائرة ضيقة واضحة المعالم مسورة بقانون العلم، وأدب العلماء.
                محمد بن حامد العبَّـادي
                ماجستير في التفسير
                alabbadi@tafsir.net

                تعليق


                • #9
                  الأخوان الكريمان: مجدي والعبادي حفظكما الله تعالى:
                  أشكر لكما مروركما بالمشاركة وأود أن أقول: إن الباحث العلمي المخلص في الوصول إلى الحق لا يربط فكرته بذاته ثم يدافع عن ذاته ونفسه من وراء فكرته، فهذه من شهوات النفس التي ذمها الشرع، وكم بحاجة - نحن معاشر طلاب العلم - إلى تهذيب نفوسنا حتى نتحاور لنصل إلى الحق بدل أن نتحاور لندافع عن فكرتنا (النفس الأمارة بالسوء)، يقول الإمام الشافعي ورضي عنه: (ما ناقشت أحداً إلا وتمنيت أن يظهر الله الحق على يديه). ا.هـ
                  مرهف عبد الجبار سقا
                  دكتوراه في التفسير وعلوم القرآن
                  أستاذ مساعد في كلية التربية - جامعة المجمعة
                  https://www.facebook.com/d.marhafsakka?ref=tn_tnmn

                  تعليق


                  • #10
                    المشاركة الأصلية بواسطة مرهف مشاهدة المشاركة
                    الأخوان الكريمان: مجدي والعبادي حفظكما الله تعالى:
                    أشكر لكما مروركما بالمشاركة وأود أن أقول: إن الباحث العلمي المخلص في الوصول إلى الحق لا يربط فكرته بذاته ثم يدافع عن ذاته ونفسه من وراء فكرته، فهذه من شهوات النفس التي ذمها الشرع، وكم بحاجة - نحن معاشر طلاب العلم - إلى تهذيب نفوسنا حتى نتحاور لنصل إلى الحق بدل أن نتحاور لندافع عن فكرتنا (النفس الأمارة بالسوء)، يقول الإمام الشافعي ورضي عنه: (ما ناقشت أحداً إلا وتمنيت أن يظهر الله الحق على يديه). ا.هـ
                    جزاكم الله خيرا . وهذا الأدب مرتبط ارتباطا كبيرا بصفة التواضع وعدم الكبر , وقد أخبرنا الله عن ذلك فقال :
                    "إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ "[غافر/56]
                    ثم انه نفى هذه الصفة عن الذين أمنوا :
                    "الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آَمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ "[غافر/35]
                    وذلك أن المتكبر لا يمكنه أن يجلس جلوس المتعلم , بل دائما يسفه الآخر ولا يقبل من شيء . ولا شك أن من أخذ علما من غيره سيستفيد هو ويفيد غيره ولم يكن العلم الا بالتواضع والخضوع للحق اينما كان :
                    روى عن أبي الدرداء أنه قال: إنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم، ومن يتحر الخير يعطه، ومن يتوق الشر يوقه، وثلاثة لا ينالون الدرجات العلا، من تكهن أو استقسم أو رجع من سفر من طيرة.
                    فالجزء الاول صح مرفوعا بلفظ:
                    " إنما العلم بالتعلم و الحلم بالتحلم و من يتحر الخير يعطه و من يتوق الشر
                    يوقه " .

                    تعليق

                    19,943
                    الاعــضـــاء
                    231,737
                    الـمــواضـيــع
                    42,473
                    الــمــشـــاركـــات
                    يعمل...
                    X