إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • دراسة أصولية فقهية لقوله تعالى: (ويسألونك عن المحيض) لفضيلة الشيخ: جلال بن علي السلمي

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله المتفرد بالخلق والملك، المتوحد بالتدبير، والصلاة والسلام على خيرة خلقه ومصطفاه منهم، وعلى أهل بيته ومن صحبه، وتابعيهم بإحسان, وبعد:
    فإن علم الأصول هو ميزان الشريعة، ومعيار النصوص، وهو أداة الفهم عن الله ورسوله ?، فالمتعين على كل من تصدى لدراسة مسائل الشريعة والإقلال بأعبائها أن يجعل طلب هذا العم شغله، والتحقيقَ فيه رغبته. ومن رام استنباطا صحيحا وفهما رجيحا بلا طلبه فهو كمن يطلب إبرة في رَمْلِ عَالِجٍ، أو من يصيد سمكا في مَفَازَةٍ.

    وبعد.. فهذا بحث أصولي ماتع، حوى في طياته نفائس الأصول، وضم بين جنباته كرائم المحصول، أطال فيه شيخنا -حفظه الله- النفس في تحرير المسائل، ونصب الدلائل، فجزاه الله خيرا كثيرا، على ما جاد وأفاد.

    وكنت قد طلبت من شيخنا الشيخ جلال بن علي السلمي وفقه الله أن يكتب لي جزءا يأتي فيه على مهمات المسائل المتعلقة بهذه الآية الكريمة، إذ هي من مشهور آي الأحكام، وأكثرها مسائل، فأجابني إلى ذلك جزاه الله عني صالحةً. وأصل هذا البحث كتابات قديمة أعاد الشيخ ترتيبها وتهذيبها لتصلح للنشر، ثم أرسلها لي، فرأيت نشرها على حلقات، تنشيطا للإخوة، إذ ربما يمنع الطول البعضَ من القراءة فضلا عن الاستفادة.
    والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
    أبو المقداد
    المدينة النبوية




    ﭧ ﭨ ﮋ ﮠ ﮡ ﮢﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﮊ
    المسألة الأولى:
    سبب نزول الآية:
    آيات القرآن يمكن تقسيمها إلى قسمين اثنين: ابتدائية، وسببية، فالابتدائية هي: ما نزل من غير سبب يتعلق بالمخاطبين، والسببية هي: ما نزل لسبب يتعلق بهم، والغالب في آيات القرآن الثاني، ويدل على ذلك الاستقراء، ثم إن السببية تنقسم إلى قسمين:
    ما يدل نظمها على السبب، وما ليست كذلك، والآية التي معنا سببية لا ابتدائية، ونظمها يدل على السبب، فقوله تعالى: ﮋ ﮠ ﮊ يدل على أن هذه الآية نزلت بسبب سؤال جماعة من الناس للنبي عن المحيض، وهذه الجماعة هم أصحاب النبي ، فقد روينا في صحيح الإمام مسلم تعالى من حديث أنس بن مالك : أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوهن في البيوت فسأل أصحاب النبي النبي فأنزل الله تعالى ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض إلى آخر الآية، فقال رسول الله : «اصنعوا كل شيء إلا النكاح»، وجاء في المراسيل عن السدي وغيره أن السائل هو ثابت بن الدحداح الأنصاري، والإرسال نوع من الانقطاع، والقاعدة في الأصول: [أن الانقطاع في الخبر يقتضي رده]، وإذا قلنا بمفاد المرسل ففي الآية تجوز إطلاق الجمع (ضمير الجمع الواو في قوله يسألونك) على المفرد، أو تجوز إطلاق السؤال على المقر للسائل، وفي حديث أنس تأكيد للظاهر وأن السؤال وقع من جماعة، وذلك في قوله: فسأل أصحاب رسول الله ، وفيه أيضا بيان الباعث للصحابة على سؤال النبي ، ألا وهو فعل اليهود ومعاملتهم لنسائهم حال الحيض.
    وفي أحكام القرآن لابن الفرس المالكي (1/228) أن العلماء اختلفوا في سبب نزول هذه الآية، وذكر قولين اثنين:
    القول الأول: أن الصحابة سألوا النبي لأن العرب في المدينة وما والاها كانوا قد استنوا بسنة بني إسرائيل في تجنب مؤاكلة الحائض ومساكنتها، فنزلت هذه الآية، قاله قتادة وغيره.
    القول الثاني: أنهم-أي الصحابة- كانوا يتجنبون النساء في الحيض، ويأتونهن في أدبارهن مدة زمن الحيض، فسألوا النبي ، فنزلت الآية، قاله مجاهد.
    والصحيح في سبب النزول ما قدمته في أول البحث، وفي كلام قتادة قدر زائد على ذلك إذ لا دليل على أن العرب قد استنوا باليهود في ذلك، وما نقل عن مجاهد لا يثبت عنه، فقد أخرجه الطبري في تفسيره وفي إسناده خصيف بن عبد الرحمن الجزري سيء الحفظ، ثم لو ثبت عنه فلا يصح مرفوعا لإرساله، فالإرسال ضرب من الانقطاع، والقاعدة في الأصول: [أن الانقطاع في الخبر يقتضي رده].
    مبحث مهم:
    ما الفائدة من معرفة أسباب النزول للفقيه المجتهد الناظر في الدليل القرآني لاستنباط الحكم الشرعي؟
    الجواب: لذلك فوائد كثيرة منها:
    1- معرفة وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم.
    2- تخصيص الحكم به عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب.
    3- الوقوف على المعنى الصحيح للآية.
    قال أبو الفتح القشيري : "بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني الكتاب العزيز وهو أمر تحصل للصحابة بقرائن تحتف بالقضايا"، وقال الإمام ابن تيمية : "ومعرفة سبب النزول يعين على فهم الآية؛ فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب؛ ولهذا كان أصح قولي الفقهاء: أنه إذا لم يعرف ما نواه الحالف، رجع إلى سبب يمينه وما هيجها وأثارها"، وقال الشاطبي : "أن الجهل بأسباب التنزيل موقع في الشبه والإشكالات، ومورد للنصوص الظاهرة مورد الإجمال...".
    4- عدم جواز تخصيص محل السبب فيما إذا كان نص الآية عاما، لأن دخول السبب في العموم قطعي، ومأخذ قطعيته أمران اثنان:
    الأول: أنه يلزم من القول بجواز تخصيصه تأخير البيان عن وقت الحاجة ولا يجوز.
    الثاني: أن القول بجواز تخصيصه فيه عدول عن محل السؤال فيما إذا كان السبب سؤالا، وذلك لا يجوز في حق الشارع لئلا يلتبس الحال على السائل.
    .................................................. ........................
    المسألة الثانية:
    في الآية دليل على جواز السؤال عن الأحكام الشرعية ولو كانت متعلقة بإتيان النساء، ومأخذ الجواز من قوله: ﮋﮠﮊ فهذا فعل من الصحابة ، وأقرهم النبي على ذلك، والقاعدة في الأصول: [أن إقرار النبي على الفعل يدل على الجواز]، وهذا ثابت في حق الصحابة الذين سألوا، والقاعدة في الأصول: [أن ما ثبت في حق بعض الأمة يثبت في حق جميعها ما لم يرد دليل بالتخصيص]، ولا دليل، وهذا استدلال بالسنة الواردة في القرآن، ولها نظائر، وهي نوع من السنة المتواترة، إذ القرآن الذي هو مصدر أدائها متواتر، والسؤال إما أن يقع من عالم أو غير عالم، وأعني بالعالم المجتهد، وغير العالم المقلد، وعلى كلا التقديرين؛ إما أن يكون المسئول عالما أو غير عالم؛ فهذه أربعة أقسام، ومرادي بالسؤال في أصل المسألة سؤال المتعلمين للعلماء، فهذا هو الأصل في السؤال، وهو حال الصحابة مع النبي ، والجواز ثابت في السؤال عن إتيان المرأة في الحيض بالنص، وفي غيرها من المسائل بالإلحاق بنفي الفارق، والقاعدة في الأصول: [أن الإلحاق بنفي الفارق حجة في إثبات الأحكام]، وهو أي الجواز ثابت في سؤال النبي بالنص، وفي سؤال غيره من العلماء بالإلحاق بنفي الفارق، والقاعدة في الأصول: [أن الإلحاق بنفي الفارق حجة في إثبات الأحكام].
    .................................................. ........................
    المسألة الثالثة:
    في الآية دليل على وجوب إجابة السائلين عن الأحكام الشرعية، ومأخذ الحكم من قوله تعالى: ﮋ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮊ ، فهذا أمر، والقاعدة في الأصول: [أن الأمر المطلق للوجوب]، وهذا ثابت في حق النبي ، والقاعدة في الأصول: [أن ما ثبت في حق النبي يثبت في حق أمته ما لم يرد دليل بخلافه]، ولا دليل، والوجوب ثابت في مسألة إتيان النساء في الحيض بالنص، وفي غيرها من المسائل بالإلحاق بنفي الفارق، والقاعدة في الأصول: [أن الإلحاق بنفي الفارق حجة في إثبات الأحكام].
    فائدة في الإفتاء والمناظرة:
    للمفتي والمناظر أن يقدم علة الحكم, ثم يُعقبُ ذلك بالحكم, كما في هذه الآية، قال الله تعالى: ﮋ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪﮫ ﮊ فقدم العلة قبل الفتوى بحكم ما سئل عنه، وله أن يقدم الحكم ثم يذكر علته , كما في قوله تعالى: ﮋفطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة ﮊ ، ثم علل , فقال: ﮋلا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ﮊ.
    [انظر: الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي (2/102)].
    ومأخذ هذه الطريقة أن الله في كتابه -الذي هو الغاية في البيان- سلكها في تقرير الأحكام، ومن ثم لا يعاب على من أخذ بها وسار عليها، وهذا ما يسمى عند بعض الأصوليين بالدلالة التبعية.
    [انظر: الموافقات لأبي إسحاق الشاطبي (151/1)].
    .................................................. ........................
    المسألة الرابعة:
    في الآية دليل على تحريم إتيان المرأة في فرجها حال الحيض، وقد حكي الاتفاق على ذلك، [انظر:مراتب الإجماع لابن حزم ص23، ومجموع الفتاوى لابن تيمية (21/624)]، ومأخذ الحكم من الآية من وجهين اثنين:
    الأول:من قوله: ﮋ ﮧ ﮊ فهذا أمر، والقاعدة في الأصول: [أن الأمر بالشيء نهي عن ضده]، والقاعدة في الأصول: [أن النهي المطلق للتحريم].
    الثاني: من قوله ﮋ ﮬ ﮭﮊ فهذا نهي، والقاعدة في الأصول: [أن النهي المطلق للتحريم]، وفي معنى الآية من جهة إفادة هذا الحكم حديث أنس رضي لله عنه السابق الوارد في سبب النزول، فقد جاء فيه أن النبي قال: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح»، فهذا استثناء من إباحة، والقاعدة في الأصول: [أن الاستثناء من الإباحة تحريم]، وقد استثنى بعض الفقهاء من ذلك من به شبق بشرطه: وهو أن لا تندفع شهوته بدون الوطء في الفرج، ويخاف أن تشقق أنثياه إن لم يطأ، ولا يجد غير الحائض، بأن لا يقدر على مهر حرة أو ثمن أمة، [انظر المبدع لابن مفلح (1/261) ،كشاف القناع للبهوتي (1/198)]، وما ذكروه متجه، ودليله: عموم قوله تعالى: ﮋوقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه ﮊ ، فقوله:"ما"اسم موصول، والقاعدة في الأصول: [أن الأسماء الموصولة تفيد العموم]، فتشمل سائر المحرمات ومن ذلك وطء الحائض، وقوله: "إلا ما اضطررتم إليه"، استثناء من التحريم، والقاعدة في الأصول: [أن الاستثناء من التحريم إباحة].
    .................................................. ........................
    المسألة الخامسة:
    في الآية دليل على تحريم إتيان المرأة في فرجها حال النفاس، وقد حكي الاتفاق على ذلك، [انظر: فتح الباري لابن رجب (1/187)، نيل الأوطار (1/284)، المغني لابن قدامة (1/432) المحلى لابن حزم (م:261)]، أما مأخذ التحريم فعلى الوجه الذي تقدم، وأما مأخذ كون حال النفاس كذلك فمن قوله: "المحيض"، واسم الحيض صادق عليه في اللغة، والقاعدة في الأصول: [أن اللغة معتبرة في تفسير كلام الشارع]، والدليل على أن النفاس يسمى في اللغة حيضا أن النبي سمى الحيض نفاسا، <أخرجه الشيخان عن عائشة وأم سلمة >،وكلام النبي حجة في اللغة.
    واستدل بعض العلماء على أن النفاس يعد حيضا بحديث عائشة عند أبي دواد والنسائي مرفوعا: «دم الحيض أسود يعرف»، قالوا فكل دم أسود يعد حيضا ومن ذلك دم النفاس.
    إذا تقرر ذلك فتحريم إتيان المرأة في فرجها حال النفاس ثابت بالنص، ونازع في ذلك بعض العلماء، وقرر أن اسم الحيض لا يصدق على النفاس في اللغة، ولا يلزم من هذا التقرير عدم تحريم إتيان المرأة في فرجها حال النفاس، إذ القاعدة في الأصول: [أن عدم الدليل المعين لا يلزم منه عدم المدلول]، وذلك لاحتمال ثبوته بدليل آخر، قالوا ويدل على تحريم إتيان المرأة في فرجها حال النفاس القياس على الحيض لاشتراكهما في العلة التي هي الأذى، والقاعدة في الأصول: [أن قياس العلة حجة في إثبات الأحكام]، وإليك شرح هذا القياس:
    أركانه:
    الأصل(أي محل الحكم الذي يراد القياس عليه): إتيان المرأة في فرجها حال الحيض.
    الفرع (أي المحل الذي يراد معرفة حكمه بالقياس): إتيان المرأة في فرجها حال النفاس.
    العلة (أي الوصف الظاهر المنضبط الذي يناسب الحكم): الأذى، [وفي معنى الأذى خلاف: قيل: هو النجاسة، وقيل: الضرر، وقيل: الدم، وقيل: المكروه لنجاسته وضرره ونتن ريحه ].
    الحكم (أي حكم الأصل): التحريم.
    وقد تقدم في المسألة السابقة مأخذ تحريم إتيان المرأة في فرجها حال الحيض، وهذا الحكم المستفاد من الآية معلل بعلة منصوصة وهي الأذى، وجه ذلك: أن الله رتب الحكم المستفاد من صيغة الأمر في قوله: ﮋﮧﮊ على الوصف الذي هو الأذى مقرونا -أي الحكم- بالفاء، وهذه هي إحدى صور مسلك الإيماء والتنبيه عند الأصوليين، والقاعدة في الأصول-على الصحيح-: [أن مسلك الإيماء والتنبيه معتبر في إثبات العلة الشرعية].
    وقد قدح في هذا القياس باعتراض النقض (وجود العلة مع تخلف الحكم)، ومأخذه: أن المستحاضة وجد فيها الأذى الذي هو الدم، ومع ذلك يباح لزوجها أن يطأها.
    (فائدة: دفع اعتراض النقض يكون بأحد ثلاث طرق: 1- منع مسألة النقض، 2- منع وجود العلة، 3- بيان الاحتراز، وبيان الاحتراز يكون بأحد أمرين: أ- بيان الفظ المحترز به، ب- تفسير اللفظ بما يحقق الاحتراز).
    وأجيب بأجوبة:
    - أنه لا يجوز وطء المستحاضة (منع مسألة النقض)، وهذا يستقيم على مذهب الحنابلة تعالى.
    - أنه لا يسلم وصف دم الاستحاضة بالأذى (منع وجود العلة)، وهذا جواب الجمهور .
    قال الفخر الرازي في مفاتح الغيب (6/414): "فإن قيل: ليس الأذى إلا الدم، وهو حاصل وقت الاستحاضة، مع أن اعتزال المرأة في الاستحاضة غير واجب، فقد انتقضت هذه العلة، قلنا: العلة غير منقوضة؛ لأن دم الحيض دم فاسد يتولد من فضلة تدفعها طبيعة المرأة من طريق الرحم، ولو احتبست تلك الفضلة لمرضت المرأة، فذلك الدم جار مجرى البول والغائط، فكان أذى وقذرا، أما دم الاستحاضة فليس كذلك، بل هو دم صالح يسيل من عروق تنفجر في عمق الرحم فلا يكون أذى، هذا ما عندي في هذا الباب، وهو قاعدة طيبة، وبتقريرها يتخلص ظاهر القرآن من الطعن، والله أعلم بمراده".
    تنبيه مهم: اختلف الأصوليون في اعتراض النقض هل يعد قادحا أم لا ؟، وذلك على بضعة عشر قولا، [انظر في ذلك: البحر المحيط للزركشي (4/232)، إرشاد الفحول للشوكاني (2/929)، فمن قال بعدم كونه قادحا مطلقا، أو بعدم كونه قادحا في المنصوصة فله أن يجيب عما سبق بأن اعتراض النقض لا يقدح في صحة القياس، ومن ثم لابد من تقدير وجود مانع أو تخلف شرط بالنسبة للمسألة المدعاة في النقض، ودليلهم في ذلك: القياس على تخصيص العموم اللفظي، وتقريره: أن العلة بالنسبة إلى محالها ومواردها كالعموم اللفظي بالنسبة إلى موضوعاته, فكما جاز تخصيص العموم اللفظي وإخراج بعض ما تناوله فكذلك في العلة.
    .................................................. ........................
    المسألة السادسة:
    استدل الحنابلة بالآية على تحريم إتيان المرأة في فرجها حال الاستحاضة، [انظر المغني لابن قدمة (1/420) والمبدع لابن مفلح (1/292)]،
    أما مأخذ التحريم فعلى الوجه الذي تقدم، وأما مأخذ كون حال الاستحاضة كذلك فبالقياس على حال الحيض بجامع الأذى.
    وذهب جمهور العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية والظاهرية إلى إباحة ذلك، [انظر البناية للعيني الحنفي (1/621) و بداية المجتهد لابن رشد المالكي (1/45) المجموع للنووي الشافعي (2/372) والمحلى لابن حزم الظاهري (2/296)] واستدلوا على ذلك بذات الآية، ووجهه أن الله قال: ﮋ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯﮰﮊ فمفهوم المخالفة الغائي جواز وطء الحائض إذا طهرت، والمستحاضة طاهر، والقاعدة في الأصول -عند الجمهور-: [أن مفهوم المخالفة الغائي حجة في إثبات الأحكام]، بل دل على الإباحة منطوق الآية، وذلك في قوله تعالى: ﮋ ﮱ ﯓ ﯔﮊ إذ المستحاضة طاهر، والأمر بوطء النساء عقب الطهارة سواء قلنا للوجوب أو للإباحة الاصطلاحية -أي استواء الطرفين- يدل على الإذن، والقاعدة في الأصول: [أن الإذن يقتضي عدم التحريم].
    وأجاب الجمهور عن استدلال الحنابلة بالآية من وجهين:
    الوجه الأول: أن القياس الذي استدلوا به قياس معارض للنص (فاسد الاعتبار )، والقاعدة في الأصول-على الصحيح-: [إذا تعارض النص والقياس قدم النص].
    الوجه الثاني: لا يسلم بأن دم الاستحاضة أذى، والقاعدة في الأصول: [ أن من شرط صحة القياس تحقق الوصف في الفرع].
    (وهذا الاعتراض يسمى عند الأصوليين بمنع الوصف في الفرع، والجواب عنه يكون بأحد ثلاث طرق: التفسير، وبيان موضع التسليم، والدلالة، وشرحها في الأصول ).
    وقد يجيب الحنابلة عن استدلال الجمهور بأن العموم الوارد في الآية مخصوص بالقياس المنصوص على علته، والقاعدة في الأصول-على الصحيح-: [يجب تخصيص العموم بالقياس إذا نص علته]،
    (العموم في وقوله: ﮋ ﮬ ﮭ ﮊ وقوله: ﮋ ﯔ ﮊ: فضمير الجمع (هن)، يعود إلى عامٍ وهو لفظ (النساء) والقاعدة في الأصول -على الصحيح-: [أن ضمير الجمع يفيد العموم إذا عاد إلى عام]، فتخصص المستحاضة بالقياس على الحائض لاشتراكهما في العلة )،
    ويشكل على هذا أن العام الذي يعود إليه ضمير الجمع جميعُ أفراده مرادةٌ عند الحنابلة، والقول باستغراقه لجميع أفراده في صورة، و تخصيصه في صورة، حمل للفظ الواحد على حقيقته ومجازه، والقاعدة في الأصول -على الصحيح-: [لا يجوز حمل اللفظ على حقيقته ومجازه في آنٍ واحد].
    واستدل الحنابلة أيضا بما أخرجه البيهقي في السنن عن عائشة أنها قالت: (المستحاضة لا يغشاها زوجها).
    وجه الاستدلال بالأثر:
    أن قولها: (لا يغشاها) خبر بمعنى الإنشاء أي النهي، والقاعدة في الأصول-على الصحيح-: [أن النهي المطلق للتحريم]، والقاعدة في الأصول-عند جماعة-: [أن قول الصحابي حجة في إثبات الأحكام].
    وأجيب:
    أ-بأن القاعدة في الأصول-على الصحيح-: [أن قول الصحابي ليس بحجة في إثبات الأحكام].
    ب- أن قول الصحابي هنا معارض للكتاب، والقاعدة في الأصول-عند من يقول بحجية قول الصحابي-: [أن الكتاب مقدم على قول الصحابي عند التعارض].
    ج-أن قول الصحابي هنا معارض بقول صحابي آخر، فقد أخرج عبد الرزاق في المصنف والدارمي في السنن عن ابن عباس أنه يجوز وطأ المستحاضة، والقاعدة في الأصول-عند من يقول بحجية قول الصحابي-: [أن قول الصحابي إذا عارضه قول صحابي آخر سقط الاستدلال به].
    ونوقش هذا الجواب:بأن الأثر الوارد عن ابن عباس لا يثبت عنه في إسناد رواية عبد الرزاق الأجلح الكندي، وفي إسناد رواية الدارمي خصيف الجزري، وكلاهما سيء الحفظ، والقاعدة في الأصول: [أن سوء حفظ الراوي يقتضي رد روايته]، والقاعدة في الأصول: [أن التعارض فرع الثبوت].
    واستدل الجمهور أيضا بما أخرج أبو داود في سننه عن عكرمة عن حمنة بنت جحش أنها كانت مستحاضة وكان زوجها يجامعها، وبما أخرجه أيضا عن عكرمة قال: (كانت أم حبيبة تستحاض فكان زوجها يغشاها).
    وجه الاستدلال بالخبرين:
    أن هذا فعل من الصحابي في زمان النبي ، (والدليل على كونه واقعا في زمانه ما ورد من الأحاديث الدالة على وقوع لاستحاضة منهما في ذلك الزمان)، والقاعدة في الأصول-عند جماعة-: [أن وقوع الفعل من الصحابي في زمان النبي يدل على الجواز].
    وأجيب عنهما من جهتين:
    الجهة الأولى: الثبوت:
    أُعل الخبران بالانقطاع حيث أنه لم يثبت سماع عكرمة بن عمار من حمنة وأم حبيبة ، قال المنذري في مختصر السنن (1/195): "وفي سماع عكرمة من أم حبيبة وحمنة نظر، وليس فيه ما يدل على سماعه منهما "، وبناء على ذلك فهما منقطعان، والقاعدة في الأصول: [أن الانقطاع في الخبر يقتضي رده].
    ونوقش هذا الجواب:
    بأن عكرمة بن عمار قد عاصر حمنة وأم حبيبة ، واللقاء بينهما ممكن، وليس ممن عرف بالتدليس، فتكون روايته عنهما محمولة على السماع.
    الجهة الثانية: الدلالة:
    ليس في الخبرين ما يدل على وقوع الفعل -أي وطء المستحاضة- في زمانه ، ولا يلزم من وقوع الاستحاضة في زمانه وقوع الوطء فيه، ولو سلمنا جدلا أنه واقع في زمانه فليس فيه دليل على جواز ذلك، فالقاعدة في الأصول-على الصحيح-: [أن وقوع الفعل في زمانه إذا لم يقم دليل على حصوله بمحضره أو بلوغه إليه وإقراره لا يدل على جوازه]، [انظر شرح اللمع لأبي إسحاق الشيرازي (1/562)، تقريب الأصول لابن جزي الكلبي (281)، مفتاح الأصول للشريف التلمساني (591)].
    وبناء على ما سبق فالراجح في المسألة مذهب الجمهور.
    .................................................. ........................
    المسألة السابعة:
    في الآية دليل على تحريم إتيان المرأة في دبرها، كما هو مذهب جمهور أهل العلم تعالى، [انظر: بدائع الصنائع للكساني الحنفي (1/119)، مواهب الجليل للحطاب المالكي (3/407)، روضة الطالبين للنووي الشافعي (7/204)، كشاف القناع للبهوتي الحنبلي (5/188)، المحلى لابن حزم الظاهري (9/220)]، أما مأخذ التحريم فعلى الوجه الذي تقدم، وأما مأخذ كون إتيان المرأة في دبرها كذلك فبالقياس على إتيانها في فرجها حال الحيض بجامع الأذى، والقاعدة في الأصول-على الصحيح-: [أن القياس بالعلة المنصوصة حجة في إثبات الأحكام]، وأثبت بعضهم التحريم من جهة قياس الأولى، وهو ضرب من قياس العلة، وتقريره:
    إذا حرُم إتيان المرأة في فرجها حال الحيض لأجل الأذى، فلأن يحرم إتيانها في دبرها من باب أولى، وذلك لأن الأذى في ذلك المحل أفحش وأذم، والقاعدة في الأصول: [أن قياس الأولى حجة في إثبات الأحكام].
    قال علاء الدين الكساني -- في بدائع الصنائع (5/119):"ولا يحل إتيان الزوجة في دبرها لأن الله تعالى -عز شأنه- نهى عن قربان الحائض، ونبه على المعنى وهو كون المحيض أذى، والأذى في ذلك المحل أفحش وأذم فكان أولى بالتحريم".
    وقال أبو بكر ابن العربي -- في أحكام القرآن (1/173): "وَسَأَلْت الْإِمَامَ الْقَاضِيَ الطُّوسِيَّ عَنْ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ: لَا يَجُوزُ وَطْءُ الْمَرْأَةِ فِي دُبُرِهَا بِحَالٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الْفَرْجَ حَالَ الْحَيْضِ لِأَجْلِ النَّجَاسَةِ الْعَارِضَةِ، فَأَوْلَى أَنْ يُحَرِّمَ الدُّبُرَ بِالنَّجَاسَةِ اللَّازِمَةِ".
    وقال الفخر الرازي في مفاتيح الغيب (6/61): "أن الله تعالى قال في آية المحيض: ﮋ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪﮫ ﮊ فجعل قيام الأذى علة لحرمة إتيان موضع الأذى، ولا معنى للأذى إلا ما يتأذى الإنسان منه، وههنا يتأذى الإنسان بنتن روائح ذلك الدم، وحصول هذه العلة في محل النزاع أظهر، فإذا كانت تلك العلة قائمة ههنا وجب حصول الحرمة ".
    وقال شمس الدين ابن القيم-- في زاد المعاد (3/149): "وإذا كان الله حرَّم الوطءَ في الفرج لأجل الأذى العارض، فما الظنُّ بالحشِّ الذي هو محل الأذى اللازم مع زيادة المفسدة بالتعرض لانقطاع النسل والذريعة القريبة جداً من أدبار النساء إلى أدبار الصبيان".
    وقال --: "وأيضاً: فإن ذلك مضر بالرجل، ولهذا ينهى عنه عقلاءُ الأطباء منِ الفلاسفة وغيرهم، لأن للفرج خاصية في اجتذاب الماء المحتقن وإراحة الرجل منه والوطءُ في الدُّبُر لا يعين على اجتذاب جميع الماء، ولا يخرج كلَّ المحتقن لمخالفته للأمر الطبيعي".
    واستدل بعضهم بالآية على التحريم من وجه آخر، ومأخذه من قوله تعالى: ﮋ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘﯙ ﮊ قالوا: ومعنى ﮋ ﯖ ﯗ ﯘﯙ ﮊ أي الفرج، و"من" بمعنى "في"، أي "في حيث أمركم الله"، والأمر في قوله "فأتوهن" للإباحة، والإتيان كناية عن الوطء، فيكون منطوق الآية: يباح لكم وطء النساء في فروجهن، ومفهومها المخالف الظرفي (ظرف مكان): لايباح لكم وطء النساء في أدبارهن، والقاعدة في الأصول -عند جماعة-: [أن مفهوم المخالفة الظرفي حجة في إثبات الأحكام].
    قال الإمام الشافعي في الأم (5/94): "وإباحة الاتيان في موضع الحرث يشبه أن يكون تحريمَ إتيانٍ في غيره، فالإتيان في الدبر حتى يبلغ منه مبلغ الإتيان في القبل محرم بدلالة الكتاب".
    وقال الماوردي في الحاوي (11/435):" وَدَلِيلُنَا: ﮋ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘﯙ ﮊ، يَعْنِي فِي الْقُبُلِ، فَدَلَّ عَلَى تَحْرِيمِ إِتْيَانِهَا فِي الدُّبُرِ".
    تنبيهان مهمان:
    التنبيه الأول: تحريم إتيان المرأة في دبرها ليس ثابتا بالقرآن عند أهل الظاهر، وذلك لأنهم لا يقولون بحجية القياس، ولا بحجية المفهوم المخالف، ولا يلزم من ذلك عدم قولهم بالتحريم، فالقاعدة في الأصول: [أن عدم الدليل المعين لا يلزم منه عدم المدلول]، وهم يذهبون إلى التحريم كما سبق، ويستندون في ذلك إلى دليل السنة على ما سوف يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
    التنبيه الثاني: أن الوجه الثاني من دلالة الآية على تحريم إتيان المرأة في دبرها لا يقول به الحنفية، وذلك لأنهم لا يقولون بحجية المفهوم المخالف.انتهى
    وأجيب عن الاستدلال بالآية من الوجه الثاني:
    أن القاعدة في الأصول -على الصحيح-: [أن مفهوم المخالفة الظرفي ليس بحجة في إثبات الأحكام].
    واستدل الجمهور على التحريم بأدلة أخرى، منها:
    1- ما أخرجه ابن ماجه في سننه من حديث خزيمة بن ثابت، قال: قال رسول الله : «إن الله لا يستحيي من الحق، ثلاث مرات، لا تأتوا النساء في أدبارهن» وجه الاستدلال بالخبر:
    من قوله: «لا تأتوا» فهذا نهي، والقاعدة في الأصول: [أن النهي المطلق للتحريم].
    وأجيب:
    بأن هذا الحديث ليس بثابت -مردود- في إسناده علتان:
    أ-هرمي بن عبد الله الأنصاري مجهول، والقاعدة في الأصول: [أن جهالة الراوي تقتضي رد خبره].
    ب-الحجاج بن أرطاة القاضي سيء الحفظ، والقاعدة في الأصول: [أن سوء حفظ الراوي يقتضي رد خبره]، ووصفه غير واحد من الأئمة بالتدليس "منهم أبو حاتم، وأبو زرعة" وقد عنعن، وبناء على ذلك فالحديث منقطع حكما، والقاعدة في الأصول: [أن الانقطاع في الخبر يقتضي رده]، إذا تقرر ذلك فلا دلالة فيه على التحريم، فالقاعدة في الأصول: [أن الدلالة فرع الثبوت]، وفي معناها القاعدة في الأصول: [أن الحديث الضعيف ليس بحجة في إثبات الأحكام].
    ونوقش الجواب:
    بأن هذا اللفظ ورد من طريق أخر رجاله ثقات وإسناده متصل كما عند النسائي في السنن الكبرى، قال الإمام النسائي : أخبرنا محمد بن منصور قال: حدثنا سفيان قال: حدثني يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، عن أبيه، عن النبي قال: «إن الله لا يستحيي من الحق لا تأتوا النساء في أدبارهن».
    إذا تقرر ذلك فهذا دليل صحيح سالم من المعارضة فيتعين المصير إليه.
    2-ما أخرجه الترمذي في السنن عن ابن عباس قال: قال رسول الله : « لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلا أو امرأة في الدبر ».
    وجه الاستدلال بالخبر:
    من قوله ﷺ: «لا ينظر الله» فهذا وعيد على الفعل، والقاعدة في الأصول: [أن الوعيد على الفعل يقتضي تحريمه].
    وأجيب:
    بأن هذا الحديث ليس بثابت -مردود- في إسناده علتان:
    أ-أبو خالد الأحمر سليمان بن حيان الأزدي، قال عنه ابن معين: صدوق وليس بحجة، وهذا جرحٌ له من جهة ضبطه لا عدالته، والقاعدة في الأصول: [ أن عدم ضبط الراوي يقتضي رد خبره].
    ب-الضحاك بن عثمان القرشي، قال عنه أبو زرعة ليس بالقوي، وقال أبو حاتم لا يحتج به وهو صدوق، وهذا جرحٌ له من جهة ضبطه، والقاعدة في الأصول: [أن عدم ضبط الراوي يقتضي رد خبره].
    ونوقش الجواب:
    بأن أبا خالد الأحمر ثقة، وثقه ابن المديني والنسائي بل وابن معين في رواية، وما ذُكر عن ابن معين من جرح جاء غير مفسر، والقاعدة في الأصول: [إذا تعارض الجرح غير المفسر والتعديل قدم التعديل]، ومثله يقال في الضحاك بن عثمان فقد وثقه الإمام أحمد وابن معين وأبو داود، وجرحُ أبي زرعة وأبي حاتم له جاء غيرَ مفسر، والقاعدة في الأصول: [إذا تعارض الجرح غير المفسر والتعديل قدم التعديل].
    إذا تقرر ذلك فهذا دليل صحيح سالم من المعارضة فيتعين المصير إليه.
    3-استدل بعضهم بالإجماع حكاه غير واحد.
    انظر حاشية ابن عابدين على البحر الرائق (3/106)، الإنصاف للمرداوي (8/348)، تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي (1/179).
    وأجيب عنه بجوابين:
    أ- أن هذا من باب عدم العلم بالخلاف، والقاعدة في الأصول -على الصحيح-: [أن عدم العلم بالخلاف ليس بحجة في إثبات الأحكام].
    ب-بأنه قد خالف جماعة من العلماء فقالوا بالجواز، على ما سوف يأتي بيانه إن شاء الله تعالى، والقاعدة في الأصول-على الصحيح-: [أن الإجماع لا ينعقد بقول الأكثر].
    وقد ذهب إلى جواز إتيان المرأة في دبرها الإمام مالك في رواية عنه نفاها بعض أصحابه، وفهم من كلامٍ للشافعي ، وقد أنكر هذا الفهم أكثر أصحابه، وجوز بعضهم أن يكون مذهبا له في القديم، وهو مروي عن ابن عمر ونافع على خلاف في الرواية عنهما، وحكي عن زيد بن أسلم، ومحمد بن المنكدر، وابن أبي مليكة تعالى، [انظر: الذخيرة للقرافي المالكي (4/416)، تكملة المجموع للمطيعي الشافعي (16/419)، المحلى لابن حزم (9/220)، الحاوي للماوردي (11/433)، البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي (2/181)]، واستدلوا على ما ذهبوا إليه بأدلة، منها:
    1- قوله تعالى: ﮋ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ﮊ.
    وجه الاستدلال:
    ظاهر هذه الآية أن الله أباح للرجال إتيان النساء -أي الأزواج- في كل مكان شاءوا في القبل أو الدبر، أما مأخذ الإباحة فمن قوله: "فأتوا"، وهو وإن كان أمراً إلا أنه حاصل لدفع توهم المنع، والقاعدة في الأصول -عند جماعة-: [أن الأمر إذا كان لدفع توهم المنع فهو للإباحة]، وأما مأخذ العموم بما يشمل الدبر فمن قوله: "أنى شئتم"، وأنى في اللغة بمعنى أين، وأين اسم استفهام يتعلق بالمكان، والقاعدة في الأصول: [أن أسماء الاستفهام تفيد العموم].
    وأجيب عنه بأجوبة:
    الجواب الأول: أنه لا يسلم بأن أنى -هنا- بمعنى أين، فأنى في لغة العرب تأتي لعدة معان على جهة الاشتراك، وهي:
    - كيف، نحو قوله تعالى:" أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ".
    - من أين وَأين، نحو قوله تعالى:" يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا ".
    - متى، نحو زرني أنى شئت.
    والاشتراك من أسباب الإجمال، والقاعدة في الأصول: [يجب التوقف في المجمل حتى يرد البيان]، ومن ثم لابد من دليل على تعيين أحد هذه المعاني.
    ونوقش هذا الجواب: بأن القاعدة في الأصول-عند جماعة-: [أنه يجوز حمل المشترك على جميع معانيه إذا لم تكن متعارضة].
    وردت المناقشة من وجوه:
    - أن القاعدة في الأصول-على الصحيح-: [أنه لا يجوز حمل المشترك على جميع معانيه]، ومأخذ هذه القاعدة أن هذا الحمل وضع محدث لا شاهد عليه!
    وفي سبب النزول -على ما سوف يأتي إن شاء الله تعالى- ما يدل على أنها على معنى كيف فيصار إليه.
    -أ ن القاعدة في الأصول-عند من يقول بحمل المشترك على جميع معانيه-:
    [أنه يشترط لجواز حمل المشترك على جميع معانيه عدم قيام قرينة على إرادة أحد المعاني]، وقد قامت قرائن على إرادة معنى كيف، وهي:
    أ-سبب النزول:
    فقد جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث جابر قال: كانت اليهود تقول: إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها، كان الولد أحول، فنزلت: "نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم".
    فسبب النزول هنا بين أن المراد تسويغ كيفية الجماع، لا تسويغ كونه في كل محل.
    (فائدة: سبب النزول -هنا-أزال الإجمال الحاصل بسبب الاشتراك).
    ويمكن أن يجاب عنه:
    أن سبب النزول لا يدل على أن هذا المعنى هو المراد فقط، ومن ثم يمنع من حمل المشترك على جميع معانيه، بل غاية ما يدل عليه أن هذا المعنى مرادٌ، من غير تعرض لباقي المعاني بالإثبات أو النفي، ويقال في تقعيد هذا التقرير: أن القاعدة في الأصول-عند جماعة-: [عدم جواز تعيين أحد أفراد المشترك بسببه].
    ((وهذا نظير القول بعدم جواز تخصيص العام بسببه)).
    ب-أن الله قال: " نساؤكم حرث لكم "، وهذه كناية في إتيان المرأة في القبل، الذي هو محل حصول الولد.
    قال الجصاص الحنفي في أحكام القرآن (2/39): " قوله تعالى: " نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم "، الحرث: المزدرع، وجعل في هذا الموضع كناية عن الجماع، وسمى النساء حرثا لأنهن مزدرع الأولاد، وقوله: " فأتوا حرثكم أنى شئتم "، يدل على أن إباحة الوطء مقصورة على الجماع في الفرج ؛ لأنه موضع الحرث ".
    قال أبو عبدالله القرطبي -- في تفسيره (3/95): "وقال مالك لابن وهب، وعلي بن زياد لما أخبراه أن ناسا بمصر يتحدثون عنه أنه يجيز ذلك، فنفر من ذلك، وبادر إلى تكذيب الناقل، فقال: كذبوا علي، كذبوا علي، كذبوا علي !، ثم قال: ألستم قوما عربا ؟، ألم يقل الله تعالى: " نساؤكم حرث لكم " ؟، وهل يكون الحرث إلا في موضع المنبت ؟! ".
    وأجيب: أن الله جعل جميع المرأة حرثاً، حيث قال: "نساؤكم حرث لكم "، فيصدق اسم الحرث على محل النزاع.
    قال الفخر الرازي الشافعي في مفاتيح الغيب (6/62) في معرض ذكره لأدلة المجيزين: "التمسك بهذه الآية من وجهين الأول أنه تعالى جعل الحرث اسماً للمرأة، فقال:"نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ"، فهذا يدل على أن الحرث اسم للمرأة، لا للموضع المعين، فلما قال بعده:" فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ "،كان المراد فأتوا نساءكم أنى شئتم، فيكون هذا إطلاقاً في إتيانهن على جميع الوجوه، فيدخل فيه محل النزاع ".
    ونوقش هذا الجواب:
    بأن إطلاق لفظ الحرث على النساء من باب المجاز (تسمية الكل باسم البعض)، وقرينة إرادة المجاز مفقودة في قوله: "فأتوا حرثكم"، والقاعدة في الأصول: [أن القرينة شرط لصحة التجوز].
    قال الفخر الرازي الشافعي في مفاتيح الغيب (6/62): " أن الحرث اسم لموضع الحراثة، ومعلوم أن جميع أجزائها ليست موضعاً للحراثة، فامتنع إطلاق اسم الحرث على ذات المرأة، ويقتضي هذا الدليل أن لا يطلق لفظ الحرث على ذات المرأة، إلا أنا تركنا العمل بهذا الدليل في قوله: "نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ"، لأن الله تعالى صرح ههنا بإطلاق لفظ الحرث على ذات المرأة، فحملنا ذلك على المجاز المشهور، من تسمية كل الشيء باسم جزئه، وهذه الصورة مفقودة في قوله:" فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ " فوجب حمل الحرث هاهنا على موضع الحراثة على التعيين ".
    الجواب الثاني:
    سلمنا أن أنى بمعنى أين، فهذا عموم واردٌ على سبب، وهو وطء النساء أي الأزواج من أدبارهن في فروجهن، كما جاء في حديث جابر -- السابق، والقاعدة في الأصول -عند جماعة-: [أن العام يخصص بسببه]، ومن ثم فلا دلالة في الآية على حل الوطء في الدبر.
    ونوقش هذا الجواب: أن القاعدة في الأصول -على الصحيح-: [أن العام لا يخصص بسبه].
    الجواب الثالث:
    سلمنا أن أنى بمعنى أين، فهذا عموم مخصوص بالأدلة الدالة على تحريم إتيان المرأة في دبرها، وهي -أي أدلة التحريم- على نوعين:
    - قياس منصوص على علته-القياس على وطء الحائض بجامع الأذى-، والقاعدة في الأصول-على الصحيح-: [يجب تخصيص العموم بالقياس المنصوص على علته].
    -أخبار آحاد - نحو: «لا تأتوا النساء في أدبارهن»-، والقاعدة في الأصول -على الصحيح-: [يجب تخصيص عموم آي الكتاب بخبر الواحد].
    قال أبو العباس القرطبي -- في المفهم (...): " أنَّه لو سُلِّم أنَّ أنَّى شاملة للمسالك بحكم عمومها، فهي مخصَصَّةٌ بأحاديث صحيحة، ومشهورة ".
    ونوقش هذا الجواب: أنه قد جاء عند النسائي في السنن الكبرى بسند ظاهره الصحة عن عبد الله بن عمر --:
    أن رجلا أتى امرأته في دبرها في عهد رسول الله فوجد من ذلك وجدا شديدا، فأنزل الله تعالى: "نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ".
    فهذا الحديث يدل على أن المراد بالآية تسويغ وطء المرأة في دبرها إذ إنه سببٌ لنزولها، والقاعدة في الأصول: [أن صورة السبب تدخل في العموم دخولاً قطعياً]، وبعبارة أخرى: [لا يجوز تخصيص صورة السبب].
    وردت هذه المناقشة من وجوه:
    الوجه الأول: أنه حديث منكرٌ (نكارة سند)، ووجه النكارة: أن الرخصة عن ابن عمر إنما هي معروفة من رواية نافع، ولو كانت الرخصة ثابتة من رواية زيد بن أسلم، لنقلها الناس وتتبعوا عليها.
    قال الإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي -- في العلل (1/409): "قال أبِي: هذا أشبهُ، وهذا أيضًا مُنكرٌ، وهُو أشبهُ مِن حدِيثِ ابنِ عُمر، لأنّ النّاس أقبلُوا قبل نافِعٍ فِيما حكى عنِ ابنِ عُمر، فِي قولِهِ: "نِساؤُكُم حرثٌ لكُم" فِي الرُّخصةِ، فلو كان عِند زيدِ بنِ أسلم، عنِ ابنِ عُمر، لكانُوا لا يُولعُون بِنافِعٍ، وأوّلُ ما رأيتُ حدِيث ابنِ عَبدِ الحكمِ استغربناهُ، ثُمّ تبيّن لِي عِلّتُهُ".
    وأجيب: أن القاعدة في الأصول: [أنه لا يمتنع أن يخفى طريق على الأمة مع ثبوت متنه من طريق آخر].
    (فائدة: هذه القاعدة فرع عن القاعدة الأصولية المشهورة: [لا يمتنع أن يخفى دليل على الأمة مع ثبوت حكمه]).
    الوجه الثاني:أنه حديث منكر (نكارة متن)، ووجه النكارة: أنه قال في دبرها، والصحيح من دبرها، لكن غلط في ذلك الراوي، ودليل وقوع الغلط منه: أن هذا الغلط وقع من بعض الصحابة .
    قال الإمام ابن القيم -- في حاشية السنن (6/201): "قيل هذا غلط بلا شك، غلط فيه سليمان بن بلال، أو بن أبي أويس راويه عنه، وانقلبت عليه لفظة من بلفظة في، وإنما هو أتى امرأة من دبرها ".
    وقال أيضا: "والذي يبين هذا، ويزيده وضوحا، أن هذا الغلط قد عرض مثله لبعض الصحابة حين أفتاه النبي بجواز الوطء في قبلها من دبرها، حتى بين له ذلك بيانا شافيا، قال الشافعي: أخبرني عمي، قال أخبرني: عبد الله بن علي بن السائب، عن عمرو بن أحيحة بن الجلاح، أو عن عمرو بن فلان بن أحيحة، قال الشافعي: أنا شككت، عن خزيمة بن ثابت أن رجلا سأل النبي عن إتيان النساء في أدبارهن أو إتيان الرجل امرأته في دبرها، فقال النبي : «حلال»، فلما ولى الرجل دعاه ، أو أمر به فدعي، فقال: «كيف قلت في أي الخربتين أو في أي الخرزتين أو في أي الخصفتين، أمن دبرها في قبلها فنعم أم من دبرها في دبرها فلا، إن الله لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن».
    قال الشافعي: عمي ثقة، وعبد الله بن علي ثقة، وقد أخبرني محمد وهو عمه محمد بن علي عن الأنصاري المحدث به أنه أثنى عليه خيرا، وخزيمة من لا يشك عالم في ثقته، والأنصاري الذي أشار إليه هو عمرو بن أحيحة، فوقع الاشتباه في كون الدبر طريقا إلى موضع الوطء، أو هو مأتي، واشتبه على من اشتبه عليه معنى من بمعنى في فوقع الوهم ".
    وأجيب: أن القاعدة في الأصول: [لا يجوز تغليط الراوي الثقة إلا بدليل]، ولا دليل، وما ذكره ابن القيم - تعالى- لا يصلح أن يكون دليلا، فوقوع الخطأ من فاضل لا يلزم منه وقوع الخطأ ممن هو دونه !!.
    الوجه الثالث: سلمنا صحة الرواية، لكنها ليست صريحة ولا ظاهرة في كون هذه الحادثة سبب للنزول، فيحتمل أن يكون هذا من فهم ابن عمر ، والقاعدة في الأصول: [أن الاحتمال المساوي يسقط الاستدلال]، واختلاف الرواية عن ابن عمر في شأن التحريم وعدمه يؤكد أن هذا من فهمه، وقوله في الرواية: على عهد رسول الله ﷺ... لا يدل على الجواز، فالقاعدة في الأصول -على الصحيح-: [أن وقوع الفعل في زمن النبي إذا لم يقم دليل على حصوله بمحضره،أو بلوغه إليه وإقراره، لا يدل على جواز ذلك الفعل].
    [انظر في ذلك: شرح اللمع (1/562) ،تقريب الأصول ص281، مفتاح الأصول ص591].
    إذا تقرر ذلك فلا يصح الاستدلال بهذه الآية على الإباحة.
    ( ملحوظة):
    (لا يسلم بأن مفاد الأمر الإباحة إذا كان لدفع توهم المنع، فالقاعدة في الأصول-على الصحيح-: [أن دفع توهم المنع ليس قرينة صارفة للأمر عن ظاهره]، ومأخذ هذه القاعدة الأدلة الدالة على أن الأمر المطلق للوجوب، ودليل من قال بالإباحة القياس على الأمر بعد الحظر، ويجاب عن هذا الدليل من وجهين:
    - أن هذا إثبات للغة بالقياس، والقاعدة في الأصول: [لا يجوز إثبات اللغة بالقياس].
    (هذا الجواب إذا قيل بأن إفادتها للإباحة حاصلة من جهة الوضع ).
    - أنه لا يسلم بأن الأمر بعد الحظر للإباحة بل للوجوب على ما سوف يأتي إن شاء الله تعالى، والقاعدة في الأصول: [أن من شرط صحة القياس ثبوت حكم الأصل]).
    2-قوله تعالى: "وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ".
    وجه الاستدلال:
    أن في هذه الآية إباحة إتيان الرجل لزوجته في كل أجزاء البدن، ومن ذلك الدبر،
    أما مأخذ الإباحة فمن قوله:"غير ملومين"، والقاعدة في الأصول: [أن نفي اللوم يفيد الإباحة]، أما مأخذ العموم فمن قوله: "أزواجهم"، مفرد مضاف، والقاعدة في الأصول: [أن المفرد المضاف يفيد العموم].
    قال الكيا الهراسي الشافعي -- في أحكام القرآن (1/141): "ومالك يحتج بقوله تعالى: "وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ "، وأن عموم ذلك يقتضي إباحة وطئهن في الموضع الذي جوزنا وطأهن فيه ".
    ( ملحوظة ): قوله تعالى: "أزواجهم" مفرد مضاف، والقاعدة في الأصول: [أن المفرد المضاف يفيد العموم]، فيعم كل زوجة، لا كل أجزاء الزوجة الواحدة، والذي يظهر لي أن الاستدلال بالآية من جهة الإطلاق لا العموم.
    وأجيب: أن الآية مطلقة تقيد بالنصوص الأخرى الواردة في تحريم إتيان المرأة في دبرها، والقاعدة في الأصول: [يجب حمل المطلق على المقيد إذا اتحدا في الحكم والسبب].
    قال الجصاص الحنفي-- في أحكام القرآن (2/39):
    "فإن قيل: قوله : "والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم" يقتضي إباحة وطئهن في الدبر، لورود الإباحة مطلقة غير مقيدة، ولا مخصوصة، قيل له: لما قال الله تعالى: "فأتوهن من حيث أمركم الله "، ثم قال في نسق التلاوة: " فأتوا حرثكم أنى شئتم "، أبان بذلك موضع المأمور به، وهو موضع الحرث، ولم يرد إطلاق الوطء بعد حظره إلا في موضع الولد، فهو مقصور عليه دون غيره، وهو قاض مع ذلك على قوله تعالى: " إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم "،
    كما كان حظر وطء الحائض قاضيا على قوله:" إلا على أزواجهم ".
    وإذا تقرر ذلك، فلا يصح الاحتجاج بهذه الآية على الإباحة.
    3-قوله تعالى: " أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنْ الْعَالَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ ".
    وجه الاستدلال:
    أن الله -عز شأنه- حكى عن لوط أنه قال لقومه في مقام التوبيخ: "وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم "،
    وفي الكلام محذوف تقديره: وتذرون مثل ذلك من أزواجكم، فإن قيل: بأن التقدير على خلاف الظاهر، والقاعدة في الأصول: [يجب العمل بالألفاظ على ظاهرها، ولا يجوز العدول عنها إلا بدليل]، فالجواب: أنه لولا هذا التقدير لما صح التوبيخ، فهذا دليل الخروج عن الظاهر.
    وليس المباح من الموضع الآخر - أي: قبل المرأة- مثلا له -أي لأدبار الرجال،
    فتعين أن المراد أدبار النساء.
    ومأخذ الإباحة من قوله: " لكم ":فاللام لام الاختصاص، والقاعدة في الأصول: [أن لام الاختصاص تفيد الإباحة].
    <فائدة>: إفادة لام الاختصاص للإباحة دلالة التزام.
    انظر: نهاية السول لجمال الدين الأسنوي (2/934).
    إذا تقرر ذلك، وتقرر أن القاعدة في الأصول-عند جماعة-: [أن شرع من قبلنا شرع لنا ]، ففي الآية دليل على إباحة إتيان الزوجة في دبرها.
    قال الكيا الهراسي الشافعي -- في أحكام القرآن (1/142): "وروي عن محمد بن كعب القرظي أنه كان لا يرى بذلك بأسا، ويتأول فيه قول الله : (أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ)، وقال: فتقديره تتركون مثل ذلك من أزواجكم، ولو لم يبح مثل ذلك من الأزواج لما صح ذلك، وليس المباح من الموضع الآخر مثلا له، حتى يقال: تفعلون ذلك وتتركون مثله من المباح ".
    وأجيب عن هذا الاستدلال بجوابين:
    - أن تقدير (مثل) تأويل لادليل عليه، والقاعدة في الأصول: [لا يجوز التأويل إلا بدليل]، وما ذكروه لا يصلح أن يكون دليلا،
    إذ التوبيخ يصح على معنى: وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم مما فيه تسكين شهوتكم، ولذة الوقاع حاصلة بهما جميعا،
    بل هي أبلغ حصولاً في إتيان الزوجة في قبلها.
    انظر: أحكام القرآن للكيا الهراسي (1/142).
    -أن هذا ثابت في شرع من قبلنا، والقاعدة في الأصول: [أن شرع من قبلنا ليس شرعاً لنا].
    وإذا تقرر ذلك، فلا يصح الاحتجاج بهذه الآية على الإباحة.
    4-ما أخرجه الإمام النسائي -- في السنن الكبرى عن عبد الله بن عمر --: أن رجلا أتى امرأته في دبرها في عهد رسول الله فوجد من ذلك وجدا شديدا، فأنزل الله تعالى:" نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ".
    وتقدم الإشارة إلى وجه الاستدلال به والإجابة عن ذلك فلا حاجة لإعادته.
    وبناء على ما سبق فالراجح في المسألة قول الجمهور.
    فائدة :
    قال موفق الدين ابن قدامة -- في المغني (8/132): "ولا بأس بالتلذذ بها بين الأليتين من غير إيلاج ؛ لأن السنة إنما وردت بتحريم الدبر، فهو مخصوص بذلك، ولأنه حرم لأجل الأذى، وذلك مخصوص بالدبر فاختص التحريم به".

  • #2
    المشاركة الأصلية بواسطة أبو المقداد مشاهدة المشاركة
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله المتفرد بالخلق والملك، المتوحد بالتدبير، والصلاة والسلام على خيرة خلقه ومصطفاه منهم، وعلى أهل بيته ومن صحبه، وتابعيهم بإحسان, وبعد:
    ...
    مبحث مهم:
    ما الفائدة من معرفة أسباب النزول للفقيه المجتهد الناظر في الدليل القرآني لاستنباط الحكم الشرعي؟
    الجواب: لذلك فوائد كثيرة منها:
    1- معرفة وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم.
    2- تخصيص الحكم به عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب.
    3- الوقوف على المعنى الصحيح للآية.
    ...
    4- عدم جواز تخصيص محل السبب فيما إذا كان نص الآية عاما، لأن دخول السبب في العموم قطعي، ومأخذ قطعيته أمران اثنان:
    الأول: أنه يلزم من القول بجواز تخصيصه تأخير البيان عن وقت الحاجة ولا يجوز.
    الثاني: أن القول بجواز تخصيصه فيه عدول عن محل السؤال فيما إذا كان السبب سؤالا، وذلك لا يجوز في حق الشارع لئلا يلتبس الحال على السائل.
    .................................................. ........................
    .
    جزاكم الله خيرا

    - أحسب - مما نقلتموه - أن هناك تناقضاً بين ما ذُكِر أعلاه في رقم ( 2 ) و بين ما ذُكِر في رقم ( 4 ) ؛ لإنه إذا صحَّ أن دخول السبب في العموم قطعي [ كما في ( 4 ) ] ؛ فلا يصحّ القول بتخصيص الحكم به [ كما في ( 2 ) ] ؟

    - و كذا تكرر القول بأن ( مطلق الأمر يدلّ على الوجوب ) .
    وهذا مِن المختلف فيه في علم الأصول
    اجعل لسانك رطباً دائماً بذكر الله تعالى ؛
    قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : « كلمتان خفيفتان على اللسان ، ثقيلتان فى الميزان ، حبيبتان إلى الرحمن : سبحان الله وبحمده ، سبحان الله العظيم » .

    تعليق


    • #3
      الحديث : ( لا ينظر الله إلى رجل أتى امرأة في دبرها ) . صَحّحه ابن حبان

      و نظراً لطول البحث المذكور ؛ أحببتُ أن أورِد في فقه الآية الكريمة كلاماً موجَزاً - شافياً كافياً ؛ بإذن الله -للإمام الشافعي - - ، في ( باب إتيان النساء في أدبارهن ) - مِن كتابه " الأم "

      ( قال الشافعي ) : قال الله : نساؤكم حرث لكم الآية .
      ( قال الشافعي ) : احتملت الآية معنيين :
      •أحدهما : أن تُؤتَى المرأة من حيث شاء زوجها لأن أنى شئتم يبين أين شئتم لا محظور منها ، كما لا محظور من الحرث ،
      •واحتملت أن الحرث إنما يُراد به النبات ، وموضع الحرث الذي يُطلب به الولد الفرج دون ما سواه ، لا سبيل لطلب الولد غيره ؛ فاختلف أصحابنا في إتيان النساء في أدبارهن : فذهب ذاهبون منهم إلى إحلاله ، وآخرون إلى تحريمه ، وأحسب كِلا الفريقيْن تأولوا ما وصفتُ من احتمال الآية على موافقة كل واحد منهما .

      •( قال الشافعي ) فطلبنا الدلالة عن رسول الله ؛ فوجدنا حديثيْن مختلفيْن ، أحدهما ثابت ، وهو حديث ابن عيينة عن محمد بن المنكدر أنه سمع جابر بن عبد الله يقول : كانت اليهود تقول مَن أَتى امرأته في قُبُلها مِن دُبُرها ، جاء الولدُ أحول ؛ فأنزل الله : نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم .
      ( أخبرنا الربيع ) قال ( أخبرنا الشافعي ) قال أخبرنا عمي محمد بن علي بن شافع قال أخبرني عبد الله بن علي بن السائب عن عمرو بن أحيحة بن الجلاح أو عمرو بن فلان بن أحيحة بن الجلاح - أنا شككت ( يعني الشافعي ) - عن خزيمة بن ثابت : ( أن رجلا سأل النبي عن إتيان النساء في أدبارهن أو إتيان الرجل امرأته في دبرها ؟ فقال النبي : " إي حلال ، فلما ولَّى الرجلُ دعاه أو أمر به فدُعِي ، فقال : كيف قلت ؟ في أي الخربتين أو في أي الخرزتين أو في أي الخصفتين أمِن دبرها في قبلها ؛ فنعم ، أم مِن دبرها في دبرها ؛ فلا ، فإن الله لا يستحي من الحق ، لا تاتوا النساء في أدبارهن " )
      قال : فما تقول ؟ قلت : عمي ثقة ، وعبد الله بن علي ثقة ، وقد أخبرني محمد عن الأنصاري المحدث بها أنه أثنى عليه خيرا ، وخزيمة ممن لا يشك عالم في ثقته ؛ فلست أرخص فيه ، بل أنهى عنه . اهـ

      * * *

      * فالآية فأتوا حرثكم أنى شئتم عامةٌ ، و خُصِصَتْ بالحديث : " لا تأتوا النساء في أدبارهن "
      أو هي مِن العام المُرادُ به الخصوص ؛ لأن الحرث إنما يُراد به النبات ، وموضع الحرث الذي يُطلب به الولد الفرج دون ما سواه ، لا سبيل لطلب الولد غيره ؛ كما ذكر الشافعي

      و على كِلا الاحتماليْن ؛ فالنهيُّ عن ذلك الإتيان متحقق .

      و الحديث أخرجه ابن حبان في " صحيحه " عن عمرو بن الحارث أن سعيد بن أبي هلال حدثه أن عبد الله بن علي بن السائب حدثه أن حصين بن محصن حدثه أن هرميا حدثه أن خزيمة بن ثابت حدثه أنه سمع رسول الله يقول : " إن الله لا يستحي من الحق ، لا تأتوا النساء في أدبارهن " .

      و كذا أخرجه أحمد في " مسنده " ؛ قال : 22496- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنِى أَبِى حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -- قَالَ « إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِى مِنَ الْحَقِّ لاَ تَأْتُوا النِّسَاءَ فِى أَدْبَارِهِنَّ ». تحفة 3530 معتلى 2315

      و بَوّب ابن حبان في صحيحه - (9 / 516) :
      ( ذكر الخبر المدحض قول من زعم إباحة إتيان المرء أهله في غير موضع الحرث )

      - أخبرنا أبو يعلى قال حدثنا أبو خيثمة قال حدثنا يونس بن محمد قال حدثنا يعقوب القمي قال حدثنا جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن بن عباس قال : ( جاء عمر بن الخطاب إلى رسول الله ، فقال : هلكت . قال : وما أهلكك ؟ قال : حولت رحلي الليلة ، قال : فلم يرد عليه شيئا ، فأوحى الله إلى رسول الله هذه الآية : نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم . يقول اقبل وأدبر ، واتق الدبر والحيضة ) .

      و يؤيد هذا ما أخرجه أحمد في مسنده ؛ قال :

      27360- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنِى أَبِى حَدَّثَنَا عَفَّانُ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ ابْنَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقُلْتُ إِنِّى سَائِلُكِ عَنْ أَمْرٍ وَأَنَا أَسْتَحِى أَنْ أَسْأَلَكِ عَنْهُ. فَقَالَتْ لاَ تَسْتَحِى يَا ابْنَ أَخِى. قَالَ عَنْ إِتْيَانِ النِّسَاءِ فِى أَدْبَارِهِنَّ. قَالَتْ حَدَّثَتْنِى أُمُّ سَلَمَةَ أَنَّ الأَنْصَارَ كَانُوا لاَ يُجِبُّونَ النِّسَاءَ وَكَانَتِ الْيَهُودُ تَقُولُ إِنَّهُ مَنْ جَبَّى امْرَأَتَهُ كَانَ وَلَدُهُ أَحْوَلَ فَلَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَةَ نَكَحُوا فِى نِسَاءِ الأَنْصَارِ فَجَبُّوهُنَّ فَأَبَتِ امْرَأَةٌ أَنْ تُطِيعَ زَوْجَهَا فَقَالَتْ لِزَوْجِهَا لَنْ تَفْعَلَ ذَلِكَ حَتَّى آتِىَ رَسُولَ اللَّهِ -- فَدَخَلَتْ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهَا فَقَالَتِ اجْلِسِى حَتَّى يَأْتِىَ رَسُولُ اللَّهِ --. فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -- اسْتَحَتِ الأَنْصَارِيَّةُ أَنْ تَسْأَلَهُ فَخَرَجَتْ فَحَدَّثَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَسُولَ اللَّهِ -- فَقَالَ « ادْعِى الأَنْصَارِيَّةَ ». فَدُعِيَتْ فَتَلاَ عَلَيْهَا هَذِهِ الآيَةَ (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ) « صِمَاماً وَاحِداً ». تحفة 18252 معتلى 12648 [ مسند أحمد - (57 / 473) ]

      و جاء في سنن الدارمي بلفظ : " سِماما واحدا " . وَالسِّمَامُ السَّبِيلُ الْوَاحِدُ
      قال :
      1166- أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ عَنِ ابْنِ سَابِطٍ قَالَ : سَأَلْتُ حَفْصَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - هُوَ ابْنُ أَبِى بَكْرٍ - قُلْتُ لَهَا : إِنِّى أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكِ عَنْ شَىْءٍ وَأَنَا أَسْتَحْيِى أَنْ أَسْأَلَكِ عَنْهُ قَالَتْ : سَلْ يَا ابْنَ أَخِى عَمَّا بَدَا لَكَ. قَالَ : أَسْأَلُكِ عَنْ إِتْيَانِ النِّسَاءِ فِى أَدْبَارِهِنَّ.
      فَقَالَتْ حَدَّثَتْنِى أُمُّ سَلَمَةَ قَالَتْ : كَانَتِ الأَنْصَارُ لاَ تُجَبِّى ، وَكَانَتِ الْمُهَاجِرُونَ تُجَبِّى ، فَتَزَوَّجَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ فَجَبَّاهَا ، فَأَبَتِ الأَنْصَارِيَّةُ فَأَتَتْ أُمَّ سَلَمَةَ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهَا ، فَلَمَّا أَنْ جَاءَ النَّبِىُّ -- اسْتَحْيَتِ الأَنْصَارِيَّةُ وَخَرَجَتْ ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ أُمُّ سَلَمَةَ لِلنَّبِىِّ -- فَقَالَ :« ادْعُوهَا لِى ». فَدُعِيَتْ لَهُ ، فَقَالَ لَهَا :« (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) سِمَاماً وَاحِداً ». وَالسِّمَامُ السَّبِيلُ الْوَاحِدُ. تحفة 18252

      * * *

      و جاء الوعيد الشديد على إتيان النساء في أدبارهن ( أعجازهن ) ؛ ففي صحيح ابن حبان (9 / 517)
      ( ذِكر نفي نظر الله على الآتي نساءه وجواريه في أدبارهن ) :

      4204 - أخبرنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم مولى ثقيف قال : حدثنا أبو سعيد الأشج قال : حدثنا أبو خالد الأحمر عن الضحاك بن عثمان عن مخرمة بن سليمان عن كريب عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( لا ينظرالله إلى رجل أتى امرأته في دبرها ) اهـ

      و أخرج الدارمي فس " سُننه " :

      1192- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنِى ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِى أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ طَاوُسٍ وَسَعِيدٍ وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ : أَنَّهُمْ كَانُوا يُنْكِرُونَ إِتْيَانَ النِّسَاءِ فِى أَدْبَارِهِنَّ ، وَيَقُولُونَ : هُوَ الْكُفْرُ . اهـ

      نسأل الله العفو و العافية في الدنيا و الآخرة
      اجعل لسانك رطباً دائماً بذكر الله تعالى ؛
      قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : « كلمتان خفيفتان على اللسان ، ثقيلتان فى الميزان ، حبيبتان إلى الرحمن : سبحان الله وبحمده ، سبحان الله العظيم » .

      تعليق


      • #4
        أخي د/ أبو بكر، قلت في كلامك:

        ""- أحسب - مما نقلتموه - أن هناك تناقضاً بين ما ذُكِر أعلاه في رقم ( 2 ) و بين ما ذُكِر في رقم ( 4 ) ؛ لإنه إذا صحَّ أن دخول السبب في العموم قطعي [ كما في ( 4 ) ] ؛ فلا يصحّ القول بتخصيص الحكم به [ كما في ( 2 ) ] ؟ ""

        أقول: ليس ثَمَّ أي تناقض، ولعلك توهّمت التناقض لأنك فهمت من قول الشيخ "تخصيص الحكم به" أن السبب يُخرج أو يُستثنى من العموم! فكيف يجتمع هذا مع كون دخوله في العموم قطعيا ؟؟؟
        وليس هذا هو المراد، وإنما المراد أن السبب هو الذي يُحصر فيه العموم، فيختصّ به، ويُخرج ما عداه، أي أن العموم يختص بالسبب فقط ولا يشمل غيره. وهذا يؤكد قطعية دخوله في العموم ... (لا أنه يناقضه كما توهّمت)

        فصورة السبب مقطوع بدخولها في العموم ، وإنما الكلام في هل يختص الحكم بها أو أنه يشمل ما عداها مما يتناوله اللفظ العام بحسب الوضع ... هذا هو المراد بقول الشيخ:
        "تخصيص الحكم به عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب"

        والله أعلم ...

        تعليق


        • #5
          ... ومنها أنه قد يكون اللفظ عاما ويقوم الدليل على التخصيص

          المشاركة الأصلية بواسطة أبو المقداد مشاهدة المشاركة
          [CENTER][SIZE="5"]
          مبحث مهم:
          ما الفائدة من معرفة أسباب النزول للفقيه المجتهد الناظر في الدليل القرآني لاستنباط الحكم الشرعي؟ الجواب: لذلك فوائد كثيرة منها:
          1- معرفة وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم.
          2- تخصيص الحكم به عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب.
          3- الوقوف على المعنى الصحيح للآية. قال أبو الفتح القشيري : "بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني الكتاب العزيز وهو أمر تحصل للصحابة بقرائن تحتف بالقضايا"، وقال الإمام ابن تيمية : "ومعرفة سبب النزول يعين على فهم الآية؛ فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب؛ ولهذا كان أصح قولي الفقهاء: أنه إذا لم يعرف ما نواه الحالف، رجع إلى سبب يمينه وما هيجها وأثارها"، وقال الشاطبي : "أن الجهل بأسباب التنزيل موقع في الشبه والإشكالات، ومورد للنصوص الظاهرة مورد الإجمال...".
          4- عدم جواز تخصيص محل السبب فيما إذا كان نص الآية عاما، لأن دخول السبب في العموم قطعي، ومأخذ قطعيته أمران اثنان: الأول: أنه يلزم من القول بجواز تخصيصه تأخير البيان عن وقت الحاجة ولا يجوز. الثاني: أن القول بجواز تخصيصه فيه عدول عن محل السؤال فيما إذا كان السبب سؤالا، وذلك لا يجوز في حق الشارع لئلا يلتبس الحال على السائل. .................................................. ........................
          وجه التناقض هنا ، هو الجمع بين أمريْن متعارضيْن ، و بيان ذلك : ذُكِرَ مِن فوائد معرفة سبب النزول :
          2 - تخصيص الحكم به .
          [ عند البعض ]
          4 - عدم جواز تخصيص محل السبب .
          [ يعني : عدم جواز تخصيصه بالحكم ]

          -----------------------------------------------

          - فكيف يمكن - في فوائد معرفة سبب النزول - الجمع بين الشيء و نقيضه ، و هو : القول بإطلاق تخصيص الحكم بسبب النزول و القول بعدم جواز تخصيص الحكم به ؛ فيما إذا كان نص الآية عاما ؟!

          -------------------------------------

          * و لعل مرجع ذلك هو عدم الدقة في النقل عن أقوال أهل العلم المتقدمين ،
          و هاكم كلامهم في أسباب النزول :

          1 - قال الزركشي في " البرهان في علوم القرآن " :
          النوع الأول : معرفة أسباب النزول
          وقد اعتنى بذلك المفسرون في كتبهم وأفردوا فيه تصانيف منهم علي بن المديني شيخ البخاري ومن أشهرها تصنيف الواحدي في ذلك وأخطأ من زعم أنه لا طائل تحته لجريانه مجرى التاريخ وليس كذلك بل له فوائد :
          - منها وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم
          - ومنها تخصيص الحكم به عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب
          - ومنها الوقوف على المعنى ؛ قال الشيخ أبو الفتح القشيري بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني الكتاب العزيز وهو أمر تحصل للصحابة بقرائن تحتف بالقضايا
          - ومنها أنه قد يكون اللفظ عاما ويقوم الدليل على التخصيص ؛ فإن محل السبب لا يجوز إخراجه بالاجتهاد والإجماع كما حكاه القاضي أبو بكر في مختصر التقريب ؛ لأن دخول السبب قطعي ، ونقل بعضهم الاتفاق على أن لتقدم السبب على ورود العموم أثرا ، ولا التفات إلى ما نقل عن بعضهم من تجويز إخراج محل السبب بالتخصيص لأمرين :
          أحدهما : أنه يلزم منه تأخير البيان عن وقت الحاجة ولا يجوز
          والثاني : أن فيه عدولا عن محل السؤال وذلك لا يجوز في حق الشارع لئلا يلتبس على السائل ، واتفقوا على أنه تعتبر النصوصية في السبب من جهة استحالة تأخير البيان عن وقت الحاجة وتؤثر أيضا فيما وراء محل السبب وهو إبطال الدلالة على قول والضعف على قول . اهـ

          2 - و قال السيوطي في " الإتقان في علوم القرآن "
          المسألة الأولى :
          زعم زاعم أنه لا طائل تحت هذا الفن لجريانه مجرى التاريخ وأخطأ في ذلك بل له فوائد :
          - منها معرفة وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم - ومنها تخصيص الحكم به عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب
          - ومنها أن اللفظ قد يكون عاما ويقوم الدليل على تخصصه ، فإذا عرف السبب قصر التخصيص على ما عدا صورته ؛ فإن دخول صورة السبب قطعي وإخراجها بالاجتهاد ممنوع ؛ كما حكى الإجماع عليه القاضي أبو بكر في التقريب ولا التفات إلى من شذ فجوز ذلك
          - ومنها الوقوف على المعنى وإزالة الإشكال قال الواحدي لا يمكن تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها وقال ابن دقيق العيد بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن وقال ابن تيمية معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب . اهـ

          - و هنا نرى أنَّ القول بتخصيص سبب النزول بالحكم هو في حال قيام الدليل على تخصيصه ، في حال إذا كان اللفظ قد جاء عاماً .

          و هذا مغايرٌ لما في المشاركة الأصل من القول بإطلاق عدم جواز تخصيص محل السبب إذا جاء نص الآية عاما .
          اجعل لسانك رطباً دائماً بذكر الله تعالى ؛
          قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : « كلمتان خفيفتان على اللسان ، ثقيلتان فى الميزان ، حبيبتان إلى الرحمن : سبحان الله وبحمده ، سبحان الله العظيم » .

          تعليق


          • #6
            بارك الله في الدكتور أبي بكر وفي الشيخ أبي إسحاق.

            كلام الشيخ جلال واضح ولا تناقض فيه.

            قال شيخنا في فوائد معرفة أسباب النزول:
            _
            2- تخصيص الحكم به عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب.
            _

            معنى هذا أن يكون لفظ الآية عاما ولكنها واردة على سبب خاص، فذهب بعض أهل العلم إلى أن العبرة هنا بالسبب الخاص ولا تكون الآية عامة.

            ونسب هذا للإمامين مالك والشافعي، وغلَّط بعض الشافعية من نسبه للشافعي.

            ثم قال شيخنا في الفوائد:
            _
            4- عدم جواز تخصيص محل السبب فيما إذا كان نص الآية عاما، لأن دخول السبب في العموم قطعي،
            _
            معنى هذا أن يكون لفظ الآية عاما ولكنها واردة على سبب خاص كذلك، فهذا السبب لا يجوز تخصيصه أي إخراجه من عموم الآية لأنه داخل فيها قطعا، وهذا هو الصواب كما ذكر شيخنا، وهو مذهب جماهير العلماء، خلافا للسبكي فإنه يرى دخوله ظنيا.

            فالخلاصة أن صورة السبب داخلة قطعا في العموم، ولا يجوز إخراجها منه، لكن هل يقصر الحكم عليها أو لا؟ خلاف.

            وعليه فلا تناقض بين الفائدتين والحمد لله رب العالمين.

            تعليق


            • #7
              أرجو من الإدارة الكريمة تفعيل خاصية نسخ التنسيق والخطوط من الوورد لأن الآيات في الموضوع مكتوبة بالرسم العثماني ولا تظهر هنا.

              جزاكم الله خيرا.

              تعليق


              • #8
                المسألة الثانية عشرة:
                استدل بالآية على تحريم إتيان المرأة الحائض في فرجها بعد انقطاع الدم وقبل الغسل،
                وهذا مذهب الجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة.
                انظر : المدونة (57/1)، الأم (233/1)، المغني (419/1).
                و به قال زفر من الحنفية.
                انظر : المبسوط (16/2).
                ومأخذ التحريم من قوله : " ولا تقربوهن " فهذا نهي، والقاعدة في الأصول: [أن النهي المطلق للتحريم]،وأما مأخذ ثبوته في هذه الصورة فمن قوله : " حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن "، فمد الله التحريم إلى غاية، وهي انقطاع الدم، وذلك في قوله : " حتى يطهرن "، وشرط لحل إتيانهن بعده الاغتسال، وذلك في قوله : "فإذا تطهرن "،فمفهوم المخالفة (مفهوم الشرط) : أنه لا يحل إتيانهن إذا لم يغتسلن، والقاعدة في الأصول: [أن مفهوم المخالفة الشرطي حجة في إثبات الأحكام].
                وأجيب عنه بثلاثة أجوبة :
                1-أن الاستدلال بالآية مبني على حجية مفهوم المخالفة الشرطي،والقاعدة في الأصول-على الصحيح-: [أن مفهوم المخالفة الشرطي ليس بحجة في إثبات الأحكام].
                2-أنه لا يسلم بأن الطهر في قوله تعالى : "فإذا تطهرن " بمعنى الغسل، فالطهر في كلام العرب يطلق على ثلاثة معان وهي :
                انقطاع الدم، وطهر جميع الجسد، وطهر الفرج، فهو من باب المشترك اللفظي، والقاعدة في الأصول: [أن الاشتراك من أسباب الإجمال]،
                والقاعدة في الأصول: [يجب التوقف في المجمل حتى يرد البيان].
                [انظر : بداية المجتهد (130/1)].
                ونوقش من وجهين :
                الوجه الأول : أن صيغة تفعل إنما تطلق على ما يكون من فعل الآدميين، وهذه قرينة على تعين أحد معاني المشترك اللفظي.
                قال أبو الوليد ابن رشد -- في بداية المجتهد (130/1) : " وقد رجح الجمهور مذهبهم بأن صيغة التفعل إنما تنطلق على ما يكون من فعل المكلفين لا على ما يكون من فعل غيرهم فيكون قوله تعالى: فَإِذَا تَطَهَّرْنَ أظهر في معنى الغسل بالماء منه في الطهر الذي هو انقطاع الدم والأظهر يجب المصير إليه حتى يدل الدليل على خلافه ".
                وردت المناقشة : بأن هذه القرينة تبطل أحد المعاني، وهو انقطاع الدم، ويبقى اللفظ متردداً بين المعنيين الآخرين.
                الوجه الثاني : أن القاعدة في الأصول-عند جماعة- : [يجب حمل المشترك على جميع معانيه إذا لم تكن متعارضة]، ومن ثم فلا إجمال.
                وردت المناقشة : بأن القاعدة في الأصول-على الصحيح-: [لا يجوز حمل المشترك على جميع معانيه].
                3-أن مفهوم الشرط في عجز الآية عارضه مفهوم الغاية في صدرها، والقاعدة في الأصول-عند جماعة-: [أنه إذا تعارض مفهوم الغاية ومفهوم الشرط قدم مفهوم الغاية]، ومأخذ التقديم أنه الأقوى، وبحث ذلك في الأصول.
                [انظر : جمع الجوامع لابن السبكي مع شرحه للجلال المحلي (206/1)].
                (فائدة) :
                (( مفهوم الغاية في قوله : " حتى يطهرن "، فمد الله التحريم إلى غاية، وهي انقطاع الدم، ومقتضى الغاية : أن ما بعدها مخالف لما قبلها في الحكم، فمفهوم المخالفة الغائي هنا : حل المرأة لزوجها إذا نقطع دمها ولو لم تغتسل )).
                قال ابن التركماني الحنفي-- في الجوهر النقي (310/1) : " ثم أسند البيهقي (عن مجاهد في قوله تعالى حتى يطهرن حتى ينقطع الدم فإذا تطهرن قال إذا اغتسلن) قلت : على هذا التفسير صدر الآية يقتضى جواز القربان بعد الانقطاع قبل الاغتسال من باب مفهوم الغاية ؛ لأنه جعل الانقطاع غاية للمنع من القربان، وما بعد الغاية مخالف لما قبلها، وعجز الآية يقتضى حرمته قبل الاغتسال من باب مفهوم الشرط، فتعارضت دلالتا المفهومين،وقد قال بمفهوم الغاية جماعة لم يقولوا بمفهوم صفة ولا شرط، فعلى هذا ينبغي أن تقدم دلالة مفهوم الغاية، وبهذا يظهر أنه لا دليل للبيهقي
                في تفسير مجاهد هذا ".
                وأجيب : بأن القاعدة في الأصول -عند جماعة- : [أنه إذا تعارض مفهوم الغاية ومفهوم الشرط قدم مفهوم الشرط].
                قال أبو بكر ابن العربي -- في أحكام القرآن (216/1) : " قُلْنَا : إنَّمَا يَكُونُ حُكْمُ الْغَايَةِ مُخَالِفًا لِمَا قَبْلَهَا إذَا كَانَتْ مُطْلَقَةً، فَأَمَّا إذَا انْضَمَّ إلَيْهَا شَرْطٌ آخَرُ فَإِنَّمَا يَرْتَبِطُ الْحُكْمُ بِمَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِ مِنْ الشَّرْطِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : حَتَّى إذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ ؛ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى : حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَكَمَا بَيَّنَّاهُ ".
                وإذا تقرر ذلك فلا يصح استدلالهم بهذه الآية.
                واستدلوا أيضاً بأدلة أخرى، ومنها :
                * أن الإجماع منعقد على حرمة وطء المرأة في الحيض، فيستصحب التحريم حتى يتفق على الإباحة، ولم يحصل الاتفاق إلا إذا نقطع دمها، واغتسلت في جميع جسدها، وهذا ما يسمى عند الأصوليين : ( باستصحاب الإجماع في محل الخلاف )،
                والقاعدة في الأصول-عند جماعة-: [أن استصحاب الإجماع في محل الخلاف حجة في إثبات الأحكام].
                وأجيب عنه من وجهين :
                الوجه الأول : أنه قد ورد الدليل الناقل، والقاعدة في الأصول : [أن عدم ورود الناقل شرط لحجية الاستصحاب].
                الوجه الثاني : أن القاعدة في الأصول-على الصحيح-: [أن استصحاب الإجماع في محل الخلاف ليس بحجة في إثبات الأحكام].
                (فوائد) :
                1- ضابط استصحاب الإجماع في محل الخلاف :
                " أن يجمع العلماء على مسألة، ثم تتغير إحدى صفاتها فيحصل الخلاف، فيحكم بالإجماع في ذلك المحل بناء على ثبوته فيما قبل".
                2-الاستدلال بهذا الدليل لا يستقيم على مذهب الجمهور، إذ هم لا يقولون بهذا النوع من الاستصحاب.
                [انظر : البحر المحيط للزركشي (22/6)، والإبهاج لابن السبكي (182/3)].
                وقد احتج به أهل الظاهر، وجماعة.
                [انظر : الإحكام لابن حزم (5/5)، و التبصرة للشيرازي (526)].
                والحق في هذه المسألة : أن هذا النوع من الاستصحاب ليس بحجة، ويدل على ذلك أدلة، ومنها :
                أ- أن موضع الخلاف غير موضع الإجماع، ولا يجوز الاحتجاج بالإجماع في غير موضعه، كما لو وقع الخلاف في مسألة لا يجوز الاحتجاج فيها بالإجماع المنعقد في مسألة أخرى.
                ب- أن حقيقة الإجماع غير موجودة في موضع الخلاف، وما كان حجة لا يصح الاحتجاج به في الموضع الذي لا يوجد فيه، كألفاظ صاحب الشرع إذا تناولت موضعا خاصا لم يجز الاحتجاج بها في غير الموضع الذي تناولته.
                ج- أنه ليس لمستصحب حال الإجماع في موضع الخلاف دليل من جهة العقل ولا من جهة الشرع، وبناء عليه فلا يجوز له إثبات الحكم به،
                كما لو لم يتقدم موضع الخلاف إجماع.
                [التبصرة للشيرازي (527)، إحكام الفصول للباجي (949/1)]
                3- نقل ابن السبكي عن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي أنه قال في الإمام داود بن علي الظاهري : " وكان القاضي يعني أبا الطيب يقول : داود لا يقول بالقياس الصحيح، وهنا يقول بقياس فاسد ؛ لأنه يحمل حالة الخلاف على حالة الإجماع من غير علة جامعة " .
                [انظر : الإبهاج لابن السبكي (182/3)].
                قال أبوعبدالله -عفي عن تقصيره- : و هذا استدراك موفق من أصولي محقق رحم الله الجميع.
                وقد ذهب الحنفية إلى أنه يجوز إتيان الحائض إذا انقطع دمها ولو لم تغتسل، إذا كان هذا الانقطاع بعد أكثر الحيض (عشرة أيام)، أما إذا كان انقطاع الدم لأقل من ذلك، فلا تحل له حتى تغتسل، أو يمضي وقت صلاة كاملة.
                [انظر : المبسوط للسرخسي (16/2)].
                واستدلوا على ذلك بهذه الآية، ومأخذ الحكم من الآية من قوله : " ولا تقربوهن حتى يطهرن ".
                قالوا : قد ورد في هذه الآية قراءتان،
                الأولى : بالتخفيف " حتى يَطهُرن "، وهي قراءة نافع، وأبي عمرو، وابن كثير، وابن عامر، وعاصم في رواية حفص عنه.
                والثانية : بالتشديد " حتى يطّهّرن "، وهي قراءة حمزة، والكسائي، وعاصم في رواية أبي بكر والمفضل.
                والقاعدة في الأصول : [أن القراءتين كالآيتين في استنباط الأحكام]،
                قالوا : والطهر في قراءة التخفيف بمعنى انقطاع الدم، وفي قراءة التشديد بمعنى الاغتسال، فتحمل قراءة التخفيف على ما إذا انقطع دمها لأكثر الحيض، فمد الله --التحريم إلى غاية وهي انقطاع الدم، والقاعدة في الأصول: [أن ما بعد الغاية مخالف لما قبلها في الحكم]، وبناء على ذلك فيجوز إتيانها بعد انقطاع الدم ولو لم تغتسل.
                وتحمل قراءة التشديد على ما إذا انقطع دمها لأقل من ذلك، فمد الله --التحريم إلى غاية وهي الاغتسال، والقاعدة في الأصول: [أن ما بعد الغاية مخالف لما قبلها في الحكم]، وبناء على ذلك فلا يجوز إتيانها بعد انقطاع الدم إلا إذا اغتسلت،
                ووجه التفريق بين الصورتين : أن في الصورة الثانية لا يؤمن عود الدم مرة أخرى.
                وأجيب عنه من وجوه :
                1-أن القاعدة في الأصول -على الصحيح-: [أن مفهوم المخالفة الغائي ليس بحجة في إثبات الأحكام].
                (القول بعدم حجيته مذهب أكثر الحنفية، انظر : أصول السرخسي (238/1)).
                ونوقش : بأن ما بعد الغاية يبقى على الأصل، وهو -هنا- حل إتيان الرجل لامرأته،
                والقاعدة في الأصول-على الصحيح-: [أن الاستصحاب حجة في إثبات الأحكام].
                2-أن هذا الاستدلال متضمن للتأويل (تخصيص العموم)، والقاعدة في الأصول: [يجب حمل الألفاظ على ظاهرها ولا يجوز تأويلها إلا بدليل]، ولا دليل !، أو بعبارة أخرى القاعدة في الأصول : [يجب العمل بالعام على عمومه ما لم يرد دليل بالتخصيص]، ولا دليل !.
                (العموم في قوله : تقربوهن : فضمير الجمع هن يرجع إلى عام، وهو لفظ النساء، والقاعدة في الأصول : [أن ضمير الجمع إذا عاد إلى عام أفاد العموم]).
                3-أن هذا الاستدلال متضمن لحمل اللفظ على حقيقته ومجازه، وذلك أن قوله تعالى : "فإذا تطهرن " حمل على حقيقته -أي : الاغتسال- إذا نقطع الدم لأقل من عشرة أيام، وحمل على مجازه -أي : انقطاع الدم- إذا انقطع الدم لعشرة أيام فأكثر،
                والقاعدة في الأصول: [أنه لا يجوز حمل اللفظ على حقيقته ومجازه في آنٍ واحد].
                انظر : أحكام القرآن للكيا الهراسي الشافعي -- (139/1).
                4-لا يسلم بأن قراءة التخفيف محمولة على انقطاع الدم، بل هي لغةٌ في معنى قراءة التشديد (غسل جميع الجسد، أو غسل الفرج)،
                ويكون هذا من باب الجمع بين اللغتين في آية واحدة، كما قال تعالى : " فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ".
                ونوقش :
                بأن حمل قراءة التخفيف على انقطاع الدم أكثر فائدة، والقاعدة في الأصول-عند جماعة- : [أن كثرة الفائدة مرجحة عند تعارض المعاني].
                وردت المناقشة من وجهين :
                أ-أن القاعدة في الأصول-على الصحيح- : [أن كثرة الفائدة ليس مرجحة عند تعارض المعاني]، ومن ثم يبقى الاجمال، ومأخذ هذه القاعدة :
                أن كثرة الفائدة إنما تكون بعد إرادة المعنى الذي يقتضيها، فلا يستدل بكثرة الفائدة عليه، وإلا لزم الدور.
                ب-أن الفائدة المدعاة لا تتحقق إلا بتأويل العموم من غير دليل، وقد تقدم، والقاعدة في الأصول : [أن بقاء اللفظ على ظاهره آكد من اعتبار كثرة الفائدة].
                وإذا تقرر ذلك فلا يصح استدلالهم بهذه الآية.
                وقد ذهب الظاهرية إلى أنه يجوز إتيان المرأة الحائض إذا انقطع دمها وغسلت جميع جسدها بالماء، أو توضأت وضوءها للصلاة،
                أو تيممت عن أحدهما إذا كانت من أهل التيمم، أو غسلت فرجها بالماء.
                انظر المحلى لابن حزم (م:256).
                واستدلوا على ذلك بهذه الآية، ومأخذ الحكم من قوله تعالى : " حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن ".
                قالوا : قوله : " حتى يطهرن " أي حتى ينقطع عنهن الدم، وقوله : " فإذا تطهرن " أي اكتسبن الطهر، وكل ما ذكرناه في بيان المذهب يسمى في الشريعة واللغة تطهرا وطهورا وطهرا (مشترك لفظي)، فأي ذلك فعلت فقد طهرت،
                والدليل على أن الاغتسال يسمى تطهرا قوله تعالى : " وإن كنتم جنبا فاطهروا "،
                والدليل على أن الوضوء يسمى تطهرا قوله : " لا يقبل الله صلاة بغير طهور "، والدليل على أن التيمم يسمى تطهرا قوله : " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا "، والدليل على أن غسل الفرج يسمى تطهرا قوله تعالى : " فيه رجال يريدون أن يتطهروا ".
                والقاعدة في الأصول-عند جماعة-: [أن المشترك اللفظي إذا لم يقم دليل على تعيين أحد معانيه فإنه يحمل على أحد هذه المعاني على سبيل التخيير].
                انظر : المحلى لابن حزم (م :256).
                وأجيب :
                - أن هذا استدلال بمفهوم المخالفة الشرطي، والقاعدة الأصول-على الصحيح-: [أن مفهوم المخالفة الشرطي ليس بحجة في إثبات الأحكام].
                (ملحوظة : أكثر أهل الظاهر على عدم حجيته، ومنهم : أبو محمد ابن حزم --، وهنا قال بمقتضاه!! )
                -أن القاعدة في الأصول-على الصحيح-: [لا يجوز حمل المشترك على أحد معانيه على سبيل التخيير]، أو بعبارة أخرى : [يجب التوقف في المشترك إلى أن يرد دليل على إرادة أحد معانيه].
                قال أبوعبدالله -غفر الله له - : التحقيق في هذه المسألة أنه يجوز إتيان الحائض إذا انقطع دمها، وغسلت فرجها، ودليل ذلك :
                أن الله إنما حرم وطء الحائض لعلة وهي : الأذى، وذلك في قوله : " قل هو أذى فاعتزلوا النساء "، ومن معلوم أن الأذى يزول بغسلها لفرجها، والقاعدة في الأصول : [أن الحكم يزول بزوال علته].
                (فائدة) :
                * نسب ابن العربي المالكي هذا القول للإمام داود بن علي الظاهري ،
                لكن في المحلى لابن حزم أن الظاهرية يقولون بأنها لا تحل إلا بأحد أربعة أمور على سبيل التخيير كما تقدم.
                و نسبه أبو الوليد ابن رشد للإمامين الأوزاعي، وابن حزم رحمهما الله تعالى،
                لكن نقل الفخر الرازي في التفسير عن الأوزاعي أنه يقول بوجوب الغسل كقول الجمهور،وأما بالنسبة لابن حزم فقد تقدم أنه لا يقول بذلك.
                أحكام القرآن لابن العربي (218/1)، المحلى لابن حزم (م:256 ).
                بداية المجتهد (130/1)، مفاتيح الغيب للرازي (68/6).
                .................................................. ..................................

                تعليق


                • #9
                  [align=justify]المسألة الثالثة عشرة:
                  في الآية دليل على وجوب وطء المرأة بعد طهرها من الحيض.
                  انظر : المحلى لابن حزم (10/40).
                  ومأخذ الحكم من الآية من قوله :" فأتوهن "، فهذا أمر، والقاعدة في الأصول : [أن الأمر المطلق للوجوب] .
                  وذهب الجمهور إلى عدم وجوب ذلك.
                  [انظر : رد المحتار لابن عابدين الحنفي (3/213)، مواهب الجليل للحطاب المالكي (5/255)، روضة الطالبين للنووي الشافعي (5/528) ، كشاف القناع للبهوتي الحنبلي (5/218)].
                  وأجاب بعضهم عن الاستدلال بالآية : بأن الأمر الوارد في الآية أمر بعد حظر، الحظر في قوله تعالى :"فاعتزلوا النساء في المحيض "، وقوله تعالى :"ولا تقربوهن"، والقاعدة في الأصول-عندهم-: [أن الأمر بعد الحظر للإباحة].
                  قال الإمام ابن جرير الطبري -- في تفسيره (2/203) :"فإن قال قائل: أففرض جماعهن حينئذ ؟، قيل: لا، فإن قال : فما معنى قوله إذاً: فأتوهن ؟، قيل: ذلك إباحة ما كان منع قبل ذلك من جماعهن، وإطلاق لما كان حظر في حال الحيض، وذلك كقوله:" وإذا حللتم فاصطادوا "، وقوله:" فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض "، وما أشبه ذلك ".
                  وقال أبو بكر الجصاص الحنفي -- في أحكام القرآن (2/39) : "قوله تعالى : " فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله "، قال أبو بكر :هو إطلاق من حظر، وإباحة، وليس هو على الوجوب،كقوله تعالى :" فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض "، "وإذا حللتم فاصطادوا "،وهو إباحة وردت بعد حظر ".
                  وأجاب بعضهم بأن الأمر بعد الحظر للوجوب، هذا هو الأصل، لكن أجمعت الأمة على عدم وجوب وطء المرأة بعد طهرها من الحيض، والقاعدة في الأصول : [أن الإجماع يصرف الأمر عن ظاهره]، وبعبارة أخرى : [إذا تعارض الإجماع وظاهر الكتاب قدم الإجماع].
                  قال الإمام أبو عبد الله القرطبي -- في تفسيره (6/43) :" قوله تعالى: "وإذا حللتم فاصطادوا" أمر إباحة، - بإجماع الناس - رفع ما كان محظورا بالإحرام، حكاه كثير من العلماء وليس بصحيح، بل صيغة " افعل " الواردة بعد الحظر على أصلها من الوجوب، وهو مذهب القاضي أبي الطيب وغيره، لأن المقتضي للوجوب قائم، وتقدم الحظر لا يصلح مانعا، دليله قوله تعالى: " فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين "، فهذه " افعل " على الوجوب، لأن المراد بها الجهاد، وإنما فهمت الإباحة هناك وما كان مثله من قوله: " فإذا قضيتم الصلاة فانتشروا "،
                  "فإذا تطهرن فأتوهن " من النظر إلى المعنى والإجماع، لا من صيغة الأمر".
                  ونوقش الجواب الأول : بأن القاعدة في الأصول-على الصحيح-: [أن الأمر بعد الحظر للإيجاب ما لم يرد دليل بخلافه]، وبعبارة أخرى: [أن تقدم التحريم على الأمر لا يصرف الصيغة من الإيجاب إلى الإباحة]، وسيأتي تثبيت هذه القاعدة إن شاء الله تعالى.
                  ونوقش الجواب الثاني :بأن هذا الإجماع المدعى من باب عدم العلم بالخلاف،
                  والقاعدة في الأصول-على الصحيح-: [أن عدم العلم بالخلاف ليس بحجة في إثبات الأحكام].
                  <تثبيت قاعدة أصولية>:
                  ((مفاد الأمر بعد الحظر)) :
                  اختلف الأصوليون - تعالى- في هذه المسألة على خمسة أقوال، وقبل الشروع في الخلاف لابد من تحرير محل النزاع،
                  وذلك ليتوارد النفي والإثبات على محل واحد، فأقول :
                  اتفق الأصوليون على أن الأمر بعد الحظر للوجوب إذا دل دليل على ذلك،
                  واتفقوا على أن الأمر بعد الحظر للندب إذا دل دليل على ذلك،
                  واتفقوا على أن الأمر بعد الحظر للإباحة إذا دل دليل على ذلك،
                  واختلفوا فيما عدا الصور السابقة- أي : صورة الإطلاق- على خمسة أقوال :
                  القول الأول : أن الأمر بعد الحظر للإيجاب :
                  وبهذا قال جمهور الأصوليين.
                  [انظر : روضة الناظر لابن قدامة (2/612)، نهاية الوصول للصفي الهندي <915/3>].
                  أدلتهم :
                  1-الأدلة الدالة على أن الأمر للوجوب، ومنها :
                  أ-قوله تعالى : "فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ".
                  وجه الاستدلال : أن الله رتب الوعيد بالفتنة والعذاب الأليم على مخالفة أي أمر من أوامره ، وهذا دليل على أنها للوجوب، إذ القاعدة في الأصول: [أن ما توعد على تركه فهو واجب]، وقوله في الآية : أمره مفرد مضاف، والأصل فيه أنه مفيد للعموم، وإنما فسر هنا بالإطلاق بدلالة السياق، والقاعدة في الأصول: [أن دلالة السياق معتبرة في نحو هذه الصورة]،
                  إذا تقرر ذلك، فالآية تصدق على كل أمر سواء كان ابتدائيا، أو واردا بعد حظر،
                  وما ذكره المخالفون من أدلة على أن الأمر بعد الحظر للندب أو الإباحة لا تصلح لأن تكون دليلا، والقاعدة في الأصول: [يجب العمل بالمطلق على إطلاقه ما لم يرد دليل يقتضي خلافه].
                  ب-قوله تعالى : "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ".
                  وجه الاستدلال : أن الله نفى الخيرة -أي الاختيار- عن أهل الإيمان إذا ورود الأمر منه سبحانه، أو من رسوله ، والقاعدة في الأصول : [أن نفي النقيض إثبات لنقيضه]، ونقيض الاختيار الإلزام، والإلزام هو معنى الإيجاب،وقوله : أمرا نكرة في سياق الشرط، والأصل فيها إفادة العموم، وإنما فسرت بالإطلاق لدلالة السياق على ذلك،والقاعدة الأصول : [أن دلالة السياق معتبرة في نحو هذه الصورة]،إذا تقرر ذلك، فالآية تصدق على كل أمر سواء كان ابتدائيا، أو واردا بعد حظر، وما ذكره المخالفون من أدلة على أن الأمر بعد الحظر للندب أو الإباحة لا تصلح لأن تكون دليلا، والقاعدة في الأصول: [يجب العمل بالمطلق على إطلاقه ما لم يرد دليل يقتضي خلافه].
                  *ويمكن صياغة هذا الدليل بعبارة أخرى، فيقال :
                  إن المقتضي للوجوب قائم، والمعارض الموجود لا يصلح أن يكون معارضا، فوجب تحقق الوجوب.
                  <وجه كون مقتضي الوجوب قائما = الأدلة الدالة على أن صيغة افعل للوجوب، ووجه كون المعارض الموجود لا يصلح أن يكون معارضا =ما سوف يأتي في الجواب عن أدلة المخالفين، وإذا تقرر عدم صحة ما استدلوا به سقط المعارض، وتعين المصير إلى المقتضي>.
                  2-قوله تعالى: " فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ".
                  وجه الاستدلال :
                  أن الله حظر القتل في الأشهر الحرم، ثم أمر به بعد انسلاخها، واقتضى هذا الأمرُ الوجوبَ اتفاقا، فدل على أن الأمر بعد الحظر للوجوب.
                  وأجيب : بأن وجوب قتل المشركين لم يستفد من هذه الآية، وإنما استفيد من آيات أخر، نحو قوله تعالى :"فقاتل في سبيل الله "، وقوله :"فقاتلوا أئمة الكفر "، وقوله :"قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر".
                  3-اتفق العلماء على أن النهي بعد الأمر يقتضي التحريم، فكذلك الأمر بعد النهي يتعين أن يقتضي الوجوب.
                  وأجيب عنه بأجوبة :
                  أ-لا يسلم بالاتفاق بل المسألة محل خلاف.
                  [انظر : العدة لأبي يعلى (1/262)].
                  ب-أن هذا إثبات للغة بالقياس، والقاعدة في الأصول : [أن اللغة لا تثبت بالقياس].
                  ج-أن هذا قياس مع الفارق، والقاعدة في الأصول : [أن وجود الفارق المؤثر قادح في القياس].
                  <وجه الفرق>:
                  -أن النهي لدفع مفسدة المنهي عنه، والأمر لتحصيل مصلحة المأمور به، واعتناء الشارع بدفع المفاسد أشد من اعتنائه بجلب المصالح .
                  -أن النهي يقتضي التكرار والأمر يقتضي الفور.
                  - أن حمل النهي الوارد بعد الأمر على التحريم يقتضي الترك، وهذا موافق للأصل، فالأصل عدم الفعل، بخلاف حمل الأمر بعد الحظر على الوجوب فإنه يقتضي الفعل، وهذا على خلاف الأصل.
                  4- أن الأمر في اللغة استدعاء وطلب، والإباحة تخيير بين الفعل والترك، فحمل الأمر على الإباحة مجاز، والقاعدة في الأصول : [يجب حمل الألفاظ على الحقيقة ولا يجوز العدول عنها إلا بدليل]، وما ذكره المخالفون من أدلة على أن الأمر بعد الحظر للندب أو الإباحة لا تصلح لأن تكون دليلا ليصار إلى المجاز.
                  القول الثاني : أن الأمر بعد الحظر للندب :
                  وبهذا قال القاضي حسين من الشافعية،
                  [انظر : البحر المحيط للزركشي (2/380)].
                  دليله :
                  لم أجد له استدلالا، واستدل له بعض المعاصرين : بأن تقدم الحظر على الأمر يضعف قوة الطلب في صيغة الأمر،
                  فتجعلها تدل على الندب بدلا من الوجوب.
                  ويجاب عنه : بأن هذا استدلال بمحل النزاع (مصادرة على المطلوب)، وهو غير مقبول في البحث والمناظرة.
                  القول الثالث : أن الأمر بعد الحظر للإباحة، وبهذا قال بعض المالكية، بل نسبه القاضي عبد الوهاب إلى الإمام مالك وأصحابه، وهو مذهب بعض الشافعية، وذكر الشيرازي أنه ظاهر قول الإمام الشافعي، و به قال جمهور الحنابلة.
                  [انظر : الإشارة للباجي ص 140، شرح التنقيح للقرافي ص 140، التبصرة للشيرازي ص 38، القواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام (2/576]).
                  أدلتهم :
                  1- الاستقراء : فكل أمر بعد حظر وارد في الشرع فهو للإباحة، كقوله تعالى :" وإذا حللتم فاصطادوا "، وقوله :" فإذا قضيتم الصلاة فانتشروا "، وقوله : "فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله "، فدل على أن هذا هو مقتضى الصيغة.
                  وأجيب بأجوبة :
                  أ-لا يسلم أن قوله :"فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله " للإباحة.
                  ب- أنه قد وردت الصيغة والمراد بها الوجوب، وذلك في قوله تعالى : "فاقتلوا المشركين ".
                  ج-أن هذه الأوامر حملت على الإباحة بدلالات دلت عليها، وهذا لا يدل على أن ذلك مقتضاها، ألا ترى أن أكثر ألفاظ العموم في الشرع محمولة على الخصوص، ثم لا يدل على أن مقتضاها الخصوص، فكذلك هاهنا.
                  د- أن القواعد الأصولية لا ينظر في تقريرها إلى الفروع الفقهية، وذلك لأن القواعد سابقة على الفروع في الوجود،والفروع لاحقة لها، وما كان كذلك فلا يصلح لأن يكون دليلا.
                  2-لبعضهم، وهو قريب من السابق :
                  أن استعمال الشارع للأمر بعد الحظر غالبا ما يكون للإباحة، ونادرا ما يكون لغيرها، والغالب كالأصل بالنسبة لغيره، وإذا كان كذلك كان هو المتبادر إلى الذهن عند الإطلاق، و التبادر أمارة الحقيقة، والقاعدة في الأصول: [يجب حمل الألفاظ على الحقيقة، ولا يجوز العدول عنها إلا بدليل].
                  وأجيب :بأن غلبة الاستعمال في الإباحة لا يدل على الحقيقة فيها، لأن حمله عليها في أكثر المواضع لأدلة من جهة الشرع.
                  3-أن الأشياء في الأصل على الإباحة، فإذا ورد الأمر بعد الحظر، ارتفع الحظر، وعاد الفعل إلى الأصل، وهو الإباحة.
                  وأجيب بأجوبة :
                  أ-أن قولهم :"الأشياء في الأصل على الإباحة" غير مسلم به، فقد اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال :
                  الحظر، والإباحة، والتوقف، ومن ثم لابد من تثبيت هذا الأصل.
                  ب- أن هذا يبطل بما إذا قال بعد الحظر : أوجبت، فإنه يحمل على الوجوب اتفاقا.
                  ج- أنه لو جاز أن يقال هذا في الأمر بعد الحظر، لجاز أن يقال نظيره في النهي بعد الأمر،فلما لم يجز هذا في النهي بعد الأمر، لم يجز في الأمر بعد النهي.
                  د- أن هذا استدلال بمحل النزاع (مصادرة على المطلوب)، وهو غير مقبول في البحث والمناظرة.
                  4- أن الأمر المطلق -أي المتجرد عن القرائن- هو الدليل على الوجوب، وتقدم الحظر قرينة دالة على إرادة رفع الجناح أي :الإباحة، يدل عليه :
                  أن السيد من العرب إذا منع عبده من فعل شيء، ثم قال له: افعله، كان ذلك دليلا على ظهور إرادة الإباحة.
                  وأجيب عنه بأجوبة:
                  أ-لا يسلم ما ذكروه، بل الظاهر أنه أراد الإيجاب ؛ وذلك لأمور :
                  -أن القرينة من حيث الصياغة الصرفية فعيلة بمعنى مفعولة أي مقرونة، والحظر المتقدم ليس له اتصال بالأمر المتأخر، فكيف يجعل قرينة فيه ؟!.
                  -أن القرينة ما يبين معنى اللفظ ويفسره، وذلك إنما يكون بما يوافق اللفظ ويماثله، لا بما يخالفه و يضاده، والنهي ضد الأمر، فلا يجوز أن يجعل قرينة له.
                  ونوقش هذا من وجهين :
                  الوجه الأول : أنه لا يلزم في القرينة أن تكون مماثلة لمعنى اللفظ الُمبيَن، فالاستثناء مخالف للإثبات، وهو مبيِنٌ له، وكذلك الحال بالنسبة للمخصصات مع العموم.
                  الوجه الثاني : أن القرينة هنا ليست هي النهي بل النهي المتقدم على الأمر، وذلك غير مخالف للأمر ولا مضاد له.
                  -أن لفظ الأمر موضوع للإيجاب، والمقاصد والإرادات إنما تعلم بالألفاظ.
                  ب-أنه لو كان الحظر دليلا على الإباحة لاستحال أن يأتي بعد الحظر غير الإباحة، ولكن يجوز أن يأتي بعد الحظر ما يقتضي الإيجاب كما لو صرح به فقال : أوجبت أو فرضت.
                  ج-أنه لو جاز أن يقال هذا في الأمر بعد الحظر، لجاز أن يقال في النهي بعد الأمر إن القصد منه إسقاط الوجوب، وإباحة الترك، فلا يقتضي الحظر.
                  القول الرابع : أن الأمر بعد الحظر يرفع الحظر السابق، ويرجع حال الفعل إلى ما كان عليه قبل الحظر، وبهذا قال تقي الدين ابن تيمية، والكمال ابن الهمام الحنفي، وجماعة.
                  [انظر : شرح الكوكب (3/61)، و تيسير التحرير(1/346)].
                  دليلهم :
                  أن الاستقراء يدل على أن الأمر بعد الحظر يدل على رجوع حال الفعل إلى ما كان عليه قبل الحظر،فإن كان قبله مباحا رجع إلى الإباحة، وإن كان واجبا رجع إلى الوجوب، وهكذا،فالصيد مثلا كان مباحا ثم حظر بقوله تعالى :"غير محلي الصيد وأنتم حرم "، ثم أمر به بقوله :" وإذا حللتم فاصطادوا "، فيرجع إلى ما قبل الحظر، وهو الإباحة،وقتل المشركين كان واجبا لقوله :"واقتلوهم حيث ثقفتموهم "، ثم حظر في الأشهر الحرم لقوله :"منها أربعة حرم "، ثم أمر به في قوله :"فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ "، فيرجع إلى ما قبل الحظر، وهو الوجوب.
                  وأجيب :
                  - أن القواعد الأصولية لا ينظر في تقريرها إلى الفروع الفقهية، وذلك لأن القواعد سابقة على الفروع في الوجود، والفروع لاحقة لها، وما كان كذلك فلا يصلح لأن يكون دليلا.
                  - أن هذا الاستقراء استقراء ناقص، والقاعدة في الأصول : [أن الاستقراء الناقص ليس بحجة].
                  -على فرض حجية الاستقراء الناقص، فإن هذا الاستقراء منقوض بأوامر جاءت بعد حظر سابق، ولم يأخذ الفعل حكمه قبل الحظر، وذلك كما في الأمر بالنظر إلى المرأة عند العزم على نكاحها، فإنه للوجوب -وقيل للاستحباب-، مع أنه أمر بعد حظر -النهي عن النظر للمرأة الأجنبية-، والحكم السابق للحظر الإباحة بناءا على الأصل.
                  القول الخامس : التوقف حتى يرد البيان،
                  حكاه سليم الرازي عن المتكلمين، واختاره أبو المعالي الجويني، والغزالي في المنخول، والسيف الآمدي.
                  [انظر : البحر المحيط (2/380)، البرهان (1/188)، المنخول ص131، الإحكام (2/198)].
                  دليلهم :
                  أن الأمر بهد الحظر جاء للإيجاب، وجاء للندب ، وجاء للإباحة، وهو محتمل لهذه المعاني على جهة السواء، و بهذا تحقق حد الإجمال، والقاعدة في الأصول : [يجب التوقف في المجمل إلى أن يرد البيان].
                  وأجيب : بأن احتمال الإيجاب أرجح، لأن هذا هو المراد من صيغة الأمر عند الإطلاق، وبهذا تحقق حد الظاهر، والقاعدة في الأصول: [يجب العمل بالظاهر ولا يجوز العدول عنه إلا بدليل].
                  الترجيح :
                  تبين لي بعد عرض الأقوال في المسألة، وأدلة كل قول، أن الراجح في المسألة القول الأول، وذلك لسلامة بعض أدلته من المناقشة، وعدم سلامة أدلة الأقوال الأخرى.
                  .................................................. ......................[/align]

                  تعليق


                  • #10
                    المشاركة الأصلية بواسطة أبو المقداد مشاهدة المشاركة
                    أرجو من الإدارة الكريمة تفعيل خاصية نسخ التنسيق والخطوط من الوورد لأن الآيات في الموضوع مكتوبة بالرسم العثماني ولا تظهر هنا.
                    جزاكم الله خيرا.
                    لا أظن أنه يمكنك فعل ذلك في منتديات vb هذه ، ولا بد في الآيات القرآنية من كتابتها بالخط العادي حتى يمكن قراءتها في المنتدى ، وإلا فستظهر رموزاً غير مقروءة كما في الموضوع . ولذلك ليتك ترسل الآيات مرتبة كترتيبها في الموضوع ليتم وضعها هناك وفقك الله .
                    عبدالرحمن بن معاضة الشهري
                    أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود

                    تعليق


                    • #11
                      المشاركة الأصلية بواسطة عبدالرحمن الشهري مشاهدة المشاركة
                      لا أظن أنه يمكنك فعل ذلك في منتديات vb هذه.
                      جزاكم الله كل خير ونفع بكم ،
                      شبكة الفصيح أظنها من منتديات vb ومع ذلك فيمكن فيها استعمال مصحف مجمع الملك فهد المكتوب بالرسم العثماني كما ذكروا ذلك على الرابط التالي :
                      http://www.alfaseeh.com/vb/showthrea...D-%C7%E1%CC%E3

                      نسأل الله أن ييسر لملتقى أهل التفسير هذه الخاصية ، ونسأله - سبحانه - أن يوفق مشرفيه - وعلى رأسهم الشيخ الفاضل عبد الرحمن الشهري - لكل خير ويسدد أعمالهم ويبارك في جهودهم ،،، آمين ..

                      تعليق


                      • #12

                        المسألة الرابعة عشرة:
                        في الآية دليل على جواز إتيان المرأة الحائض في فرجها بواسطة "الواقي الذكري" (Male Condom) ومأخذ الحكم من قوله : قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض، فحرم الله إتيان المرأة في حال الحيض، وعلل ذلك بكونه أذى، وعدم حصول الأذى مأمون في إتيانها على هذه الصورة، والقاعدة في الأصول : [أن الحكم يزول بزوال علته]، ومن ثم يرجع إلى الأصل (إباحة المرأة لزوجها)،
                        إذ القاعدة في الأصول : [أن الاستصحاب حجة في إثبات الأحكام].
                        .................................................. ................
                        المسألة الخامسة عشرة:
                        في الآية دليل على مشروعية التوبة (أي : الرجوع عن حال المعصية إلى حال الطاعة)، ومأخذ الحكم من قوله : إن الله يحب التوابين، والقاعدة في الأصول : [أن محبة الله للفاعل تدل على مشروعية فعله (أي : القدر المشترك بين الإيجاب والندب)]، وقد قامت الأدلة على وجوب التوبة، ومنها
                        1-قوله تعالى : وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون.
                        2-قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً:
                        3-ما أخرجه الإمام مسلم -- في صحيحه عن الأغر بن يسار المزني، وكان من أصحاب النبي ، عن ابن عمر -- أنه قال : قال رسول الله : « يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ فَإِنِّي أَتُوبُ فِي الْيَوْمِ إِلَيْهِ مِائَةَ مَرَّةٍ » :
                        وجه الاستدلال بهذه النصوص على المطلوب: أنها قد تضمنت الأمر بالتوبة، والقاعدة في الأصول: [أن الأمر المطلق للوجوب].
                        وقد اختلف العلماء -- في المراد بالتوبة في هذه الآية على أربعة أقوال :
                        القول الأول : أن المراد التوبة من الذنوب، قاله عطاء:
                        القول الثاني : أن المراد التوبة من الشرك، قاله سعيد بن جبير:
                        القول الثالث : أن المراد التوبة من الكبائر، قاله قتادة:
                        القول الرابع : أن المراد التوبة من الجماع في الحيض، قاله بعضهم:
                        [انظر :جامع البيان لابن جرير الطبري (3/743)، البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي (2/179)].
                        والصحيح في المسألة القول الأول ؛ ووجه ذلك : أن قوله : التوابين لفظ عام، إذ هو جمع محلى بأل الاستغراقية، والقاعدة في الأصول : [أن الجمع المحلى بأل الاستغراقية يفيد العموم]، فيشمل كل تائب سواء كانت توبته من الشرك، أو الكبائر، أو الجماع في الحيض، أو غيرها:
                        قال نجم الدين الطوفي -- في الإشارات الإلهية (1/332) : « إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين عام مطرد، ويحتمل تخصيصه بمن تكررت توبته استهزاء، ولعبا، أو عن غير عزم، وبمن أكثر الطهارة إسرافا، ووسواسا، ونحو ذلك، فالظاهر أنه لا يحبهما مع دخولهما تحت عموم التوابين والمتطهرين ».
                        .................................................. ................
                        المسألة السادسة عشرة:
                        في الآية دليل على مشروعية التطهر ( الطهارة بالماء )،
                        ومأخذ الحكم من قوله : ويحب المتطهرين، والقاعدة في الأصول : [أن محبة الله للفاعل تدل على مشروعية فعله (أي : القدر المشترك بين الإيجاب والندب)]، وقد قامت الأدلة على وجوب الطهارة بالماء في بعض الصور، واستحبابها في البعض الآخر:
                        وقد اختلف العلماء -- في المراد بالطهارة في هذه الآية على أربعة أقوال:
                        القول الأول : الطهارة بالماء، قاله عطاء:
                        القول الثاني : الطهارة من الذنوب، قاله مجاهد، وسعيد بن جبير، وأبو العالية:
                        القول الثالث : الطهارة من الشرك، قاله الأعمش:
                        القول الرابع : الطهارة من أدبار النساء، روي عن مجاهد:
                        [انظر : جامع البيان للطبري (3/743)، البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي (2/179)، تفسير ابن أبي حاتم (7/1883)، أحكام القرآن لابن العربي (1/220) ].
                        والصحيح في المسألة القول الأول، ووجه ذلك : أن استعمال لفظ التطهر في طهارة الماء أغلب، وأسرع تبادرا إلى الذهن عند الإطلاق، وهذه علامة الحقيقة !، والقاعدة في الأصول : [يجب حمل الألفاظ على الحقيقة، ولا يجوز حمله على المجاز إلا بدليل]، ولا دليل !:
                        وقد أيد بعضهم إرادة المعنى الحقيقي بقرينة مدعاة، وهي :
                        تقدم ذكر طهارة الماء في الآية :

                        قال الإمام ابن جرير الطبري - (3/744) : " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : إن الله يحب التوابين من الذنوب، ويحب المتطهرين بالماء للصلاة، لأن ذلك هو الأغلب من ظاهر معانيه ":
                        قال أبو بكر الجصاص الحنفي - في أحكام القرآن (2/39) : " قال أبو بكر : المتطهرين بالماء أشبه ؛ لأنه قد تقدم في الآية ذكر الطهارة، فالمراد بها الطهارة بالماء للصلاة في قوله : فإذا تطهرن فأتوهن، فالأظهر أن يكون قوله : ويحب المتطهرين مدحا لمن تطهر بالماء للصلاة، وقال تعالى : فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المتطهرين، وروي أنه مدحهم لأنهم كانوا يستنجون بالماء ":
                        تمّ بحمد الله
                        .................................................. ................
                        كتبه :
                        جلال بن علي بن حمدان السلمي
                        غفر الله له ولوالديه-
                        مكة المكرمة.


                        تعليق

                        19,958
                        الاعــضـــاء
                        231,918
                        الـمــواضـيــع
                        42,562
                        الــمــشـــاركـــات
                        يعمل...
                        X