إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • مفهوم التدبر في ضوء القرآن والسنة وأقوال سلف الأمة

    مفهوم التدبرفي ضوء القرآن والسنة وأقوال السلف وأحوالهم

    إعداد
    د. محمد بن عبد الله الربيعة
    الأستاذ المساعد بقسم القرآن وعلومه
    بكلية الشريعة وأصول الدين في جامعة القصيم

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً ، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . أما بعد :
    فإن التدبر لكتاب الله تعالى هو الغاية التي أنزل من أجلها قال تعالى : كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ ص:29 ] ، وحين نبتغي الوصول إلى مفهوم التدبر وحقيقته فلابد من الوقوف على الأدلة من القرآن والسنة وأقوال السلف وأحوالهم في تعاملهم مع القرآن وتلقيهم له ، ذلك أن أعظم منهج لتدبر كتاب الله تعالى هو منهجهم القويم ، وقد كان من توفيق الله تعالى أن قمت بإعداد بحث حول ( منهج السلف في التلاوة والتدبر ) فرأيت أن أستخلص منه ورقة عمل للملتقى الأول للتدبر حول مفهوم التدبر في ضوء القرآن والسنة وأقوال السلف وأحوالهم ، والهدف منها تحرير مفهوم التدبر وتحقيقه لكونه من لوازم قارئ القرآن وواجباته ، وليتميز عن المصطلحات القرآنية الأخرى ، وليكون منطلقاً للمشروع المبارك الذي يهدف إلى إحياء التدبر في الأمة لربطها بكتاب الله تعالى ليكون منهج حياة وسبيل نجاة بإذن الله تعالى ، وهو المأمول سبحانه في تحقيق ذلك .
    وقد قسمت هذه الدراسة إلى قسمين :
    القسم الأول : الدراسة النظرية : التأصيل والتحرير .
    القسم الثاني : الدراسة التطبيقية : التحليل والاستدلال .
    أسأل الله تعالى أن يجعل هذه الدراسة خالصة لوجهه ، وأن يحقق فيها الحق والصواب ، وينفعني بها ومن بلغ إنه سميع قريب مجيب . وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

    القسم الأول : الدراسة النظرية : التأصيل والتحرير
    المحور الأول : معنى التدبر لغة والمراد بتدبر القرآن .
    أصل التدبر لغة :
    بالنظر والاطلاع في أقوال أهل اللغة نجد أنها تتلخص في أن أصل معنى التدبر مأخوذ من النظر في أدبار الشيء وعواقبه ونهاياته( ).
    ففي معجم مقاييس اللغة : " أصل التدبر من: دَبَرَ –بفتح الدال والباء-، وجُلُّه في قياس واحد، وهو : آخر الشيء، وخلفه؛ خلاف قُبُله"( ). .
    وفي لسان العرب : " دبّر الأمر وتدبّره أي نظر في عاقبته وعرف الأمر تدبرا أي بآخره. فتدبر الكلام أي النظر في أوله وآخره ثم إعادة النظر مرة بعد مرة.. والتدبر في الأمر: التفكر فيه" ( ).
    وفي التعريفات للجرجاني : " التدبر: عبارة عن النظر في عواقب الأمور، وهو قريب من التفكر، إلا أن التفكر تصرف القلب بالنظر في الدليل، والتدبر تصرفه بالنظر في العواقب " ( ).
    وفي المعجم الوسيط : " تدبر الأمر : ساسه ونظر في عاقبته " ( ).

    المراد بتدبر القرآن :
    يمكن لنا أن نحرر مفهوم تدبر القرآن بمعنى مختصر جامع شامل بإذن الله وهو :
    ( الوقوف مع الآيات والتأمل فيها ، والتفاعل معها ؛ للانتفاع والامتثال) .
    وهذا التعريف هو ما توصلت إليه بعد نظر وتأمل دقيق في المعنى اللغوي ، وفي الأدلة من القرآن والسنة وأقوال السلف وأحوالهم ، والاطلاع على أقوال العلماء ، كما سأفصل ذلك بإذن الله تعالى .
    ولعلي أذكر بعض أقوال العلماء والمفسرين والباحثين في معنى التدبر بياناً وتأكيداً لما حررته ، مع التوضيح والتعقيب :
    1- قال الخازن : "أصل التدبر : النظر في عواقب الأمور ،و التفكر في أدبارها ،ثم استعمل في كل تفكر و تأمل ،و يقال : "تدبرتُ الشيءَ" أي : نظرت في عاقبته ،و معنى تدبُّر القرآنِ تأَمُّلُ معانيه ،و التفكر في حِكَمِهِ ، و تبصُّرُ ما فيه من الآيات" ( ).
    2- قال ابن القيم :" وتدبر الكلام أن ينظر في أوله وآخره ثم يعيد نظره مرة بعد مرة ولهذا جاء على بناء التفعل كالتجرع والتفهم والتبين" ( ).
    وقال أيضاً : " إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه ، وألق سمعك ، واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه ، فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله  ) ( ).
    3 - قال السيوطي : " وتسن القراءة بالتدبر والتفهم ...وصفة ذلك أن يشغل قلبه بالتفكر في معنى ما يلفظ به، فيعرف معنى كل آية ويتأمل الأوامر والنواهي ويعتقد قبول ذلك، فإن كان مما قصر عنه فيما مضى اعتذر واستغفر، وإذا مرّ بآية رحمة استبشر وسأل، أوعذاب أشفق وتعوذّ أوتنزيه نزّه وعظم، أو دعاء تضرع وطلب." ( ).
    4- قال الشوكاني: " إِنَّ التدبر هو التأمُّل ؛ لفهم المعنى ،يقال : "تدبرتُ الشيءَ" : تفكرتُ في عاقبته ،و تأملته،ثم استعمل في كل تأمُّل،و التدبير: أَنْ يدبر الإنسانُ أمْرَه ،كأنه ينظر إلى ما تصير إليه عاقبته" ( ).
    5- قال السعدي: " يأمر –تعالى- بتدبر كتابه، وهو التأمُّل في معانيه،و تحديق الفكر فيه،و في مبادئه و عواقبه، و لوازم ذلك" ( ).
    6- قال الشنقيطي : " تدبر آيات هذا القرآن العظيم أي: تصفحها ،و تفهمها ،وإدراك معانيها ،و العمل بها " ( ).
    7- قال عبدالرحمن حبنكة : " التفكر الشامل الواصل إلى أواخر دلالات الكلم ومراميه البعيدة " ( ).
    8- وقال الدكتور أحمد آل سبالك : " أما المعنى الاصطلاحي لتدبر القرآن كما ورد في كتب التفسير فهو التفكر في غايات القرآن ومقاصده التي يرمي إليها ، ويأتي ذلك بالتفهم والتأمل والتفكر في معاني الآيات ومبانيها " ( ).
    9- وقال سليمان السنيدي : " تدبر القرآن هو تفهم معاني ألفاظه ، والتفكر فيما تدل عليه آياته مطابقة ، وما دخل في ضمنها ، وما لاتتم تلك المعاني إلا به ، مما لم يعرج اللفظ على ذكره من الإشارات والتنبيهات ، وانتفاع القلب بذلك ، بخشوعه عند مواعظه ، وخضوعه لأوامره ، وأخذ العبرة منه " ( ).
    10- وقالت الدكتور رقية العلواني : " والتدبر إعمالُ الذهن والفكر للتوصلِ إلى مقاصدِ الآياتِ وأهدافها ، وما ترمي إليه " ( ). .
    فعند التأمل في هذه التعريفات نجد أنها متضمنة لما ذكرته في التعريف :
    أولاً : الوقوف مع الآيات والتأمل فيها اتفقوا على تضمن التدبر له بعبارات مختلفة .
    ثانياً : التفاعل وقصد الانتفاع والامتثال : فقد أشار إليه أكثرهم :
    فقال الخازن : " و تبصُّرُ ما فيه من الآيات" أي العبر والعظات" .
    وقال السيوطي : " ويتأمل الأوامر والنواهي ويعتقد قبول ذلك ؛ فإن كان مما قصر عنه فيما مضى اعتذر واستغفر، وإذا مرّ بآية رحمة استبشر وسأل، أوعذاب أشفق وتعوذّ أوتنزيه نزّه وعظم، أودعاء تضرع وطلب "
    وأشار إليه ابن القيم في كلامه الأخير .
    وقال السعدي : ".. و لوازم ذلك " أي من العمل والامتثال .
    وقال الشنقيطي : " و العمل بها " .
    وقال السنيدي : " وانتفاع القلب بذلك ، بخشوعه عند مواعظه ، وخضوعه لأوامره ، وأخذ العبرة منه" .
    وقالت الدكتور رقية العلواني : " للتوصلِ إلى مقاصدِ الآياتِ وأهدافها وما ترمي إليه " .
    فنجد أنهم صرحوا بلزوم اقتران التدبر للعمل والانتفاع بمعنى أنه لابد أن يكون من قصد القارئ أصلاً ، وهذا هو الذي يميز التدبر عن غيره من المصطلحات القرآنية .
    ولو تأملنا حال النبي وأحوال السلف في تلاوتهم للقرآن وتدبرهم له ، لظهر لنا أن تمثلهم بهذا الركن ظاهر جلي مما يؤكد لنا اعتباره كركن لازم للتدبر ، وربما عده البعض مما يعين على التدبر لا من أصل التدبر ، والصحيح أنه تدبر باعتبار أنه يمثل الجانب العملي بتحريك القلب والجوارح مع القراءة وهذا هو التدبر الباعث على الانتفاع .
    ولكن هنا ملحظ مهم حول هذا التقييد وهو أن الأولى في التعريف أن يقال ( للانتفاع والامتثال ) أي بقصد الانتفاع والامتثال ، والمقصود هو أن يكون قصد القارئ الانتفاع والامتثال ابتداءً مع مصاحبة هذا القصد حال القراءة إلى تحقق ذلك حال القراءة وبعدها ، والأمور بمقاصدها .

    المحور الثاني : تحرير أركان التدبر وواجباته وسننه .
    بالتأمل في هذا التعريف نستطيع أن نحرر منه مايتضمنه وهو أركان التدبر وواجباته وسننه ، وهي كالآتي :
    أركان التدبر :
    لابد للتدبر من ركنين أساسيين ، باجتماعهما يتميز التدبر عن غيره وهما :
    1- الركن النظري : وهو يمثل القسم الأول من التعريف ( الوقوف مع الآيات والتأمل فيها ) ، ويدخل في هذا الركن التفسير والاستنباط والتفكر والتأمل.
    2- الركن العملي وهو يمثل القسم الثاني من التعريف ( التفاعل مع الآيات ، وقصد الانتفاع والامتثال ) ويدخل في هذا الركن الاعتبار والاتعاظ والتذكر.
    واجبات التدبر وسننه:
    كما أن للتدبر أركاناً فله واجبات وسنناً ، وتتمثل الواجبات بأقل القدر مما سأذكره من المظاهر ، وتتمثل السنن فيما زاد على ذلك . وهي كالآتي :
    أولاً : الوقوف مع الآيات ( بإحضار القلب ، وإلقاء السمع ، وإمعان النظر ، وإعمال العقل )
    ثانياً : التأمل فيما وراء النص ( بإدراك مغزى الآيات ، تفهم المعنى ، واستخراج الدلالات والهدايات ) .
    ثالثاً : التفاعل مع الآيات بـ:
    1- القلب ( بالإيمان والتعظيم للقرآن وللمتكلم به وهو الله تعالى ، واستحضار مقاصد القرآن العامة، والشعور بأن القارئ هو المخاطب بهذه الآيات )
    2- اللسان ( بتلاوتها بترتيل وترسل وعلى مكث ، وتحزن وتباكي ، وترديد للآية ، والتفاعل معها بالسؤال والتعوذ والاستغفار عند المرور بما يناسب ذلك )
    3- الجوارح ( بالقشعريرة ، ودمع العين ، والسجود عند آيات السجدة ونحوها ).
    رابعاً : قصد الانتفاع والامتثال :
    1- قصد الانتفاع بالعلم والإيمان والخشية
    2- قصد الامتثال بالعمل والسلوك.

    المحور الثالث: تحرير العلاقة والفرق بين التدبر والمصطلحات القرآنية الأخرى
    بالتعريف السابق نستطيع أن نحرر العلاقة والفرق بين التدبر والمصطلحات القرآنية الأخرى ، بما لا يلتبس على القارئ والمتدبر :
    أولاً : الفرق بين التدبر والتفسير :
    الفرق بين التدبر والتفسير ظاهر من وجوه :
    أولاً : أن التفسير هو كشف المعنى المراد في الآيات ، والتدبر هو ما وراء ذلك من إدراك مغزى الآيات ومقاصدها ، واستخراج دلالاتها وهداياتها ، والتفاعل معها ، واعتقاد مادلت عليه وامتثاله .
    ثانياً : أن المفسر غرضه العلم بالمعنى ، والمتدبر غرضه الانتفاع والامتثال علماً وإيماناً ، وعملاً وسلوكا ؛ ولذا فإن التفسير يغذي القوة العلمية ، والتدبر يغذي القوة العلمية والإيمانية والعملية.
    ثالثاً : أن التدبر مأمور به عامة الناس للانتفاع بالقرآن والاهتداء به ، ولذلك خوطب به ابتداءً الكفار في آيات التدبر، والناس فيه درجات بحسب رسوخ العلم والإيمان وقوة التفاعل والتأثر . وأما التفسير فمأمور به بحسب الحاجة إليه لفهم كتاب الله تعالى بحسب الطاقة البشرية ، ولذا فإن الناس فيه درجات كما قال ابن عباس : "التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يُعذر أحد بجهالته، وتفسير تعرفه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله" ( ).
    رابعاً : أن التدبر لا يحتاج إلى شروط إلا فهم المعنى العام مع حسن القصد وصدق الطلب ، ولذلك قال الله تعالى : وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [ القمر 17] ، أما التفسير فله شروط ذكرها العلماء ، لأنه من القول على الله ، ولذا تورع عنه بعض السلف . ولذا يقال لا يعذر المسلم في التدبر ويعذر في التفسير .
    خامساً : أن التدبر واجب على كل حال ، وأما التفسير فليس بواجب على كل حال بل هو واجب بحسب الحاجة إليه ، ولذا جاء الأمر بالتدبر في كتاب الله دون التفسير .
    سادساً : أن التدبر هو الغاية من نزول القرآن لأنه باعث على الامتثال والعمل ، وأما التفسير فهو وسيلة للتدبر ، ولذا فيقال بأن التدبر أصل والتفسير فرع منه .

    ثانياً : الفرق بين التدبر والاستنباط
    يقال في الفرق بين التدبر والاستنباط كما قيل في الفرق بين التدبر والتفسير لأن غرض التفسير والاستنباط واحد هو فهم المعنى وما يدل عليه ، فالتفسير في الفهم ، والاستنباط في الدلالات ، وكلاهما من لوازم التدبر .
    ويضاف في الفرق بين التدبر والاستنباط أمور :
    أولاً : بالنظر في أصلهما في اللغة يتبين الفرق بينهما ، فالتدبر هو النظر إلى أدبار الشيء ونهاياته ، وهذا يدخل فيه الدلالات والنهايات من الانتفاع والاهتداء ، وأما الاستنباط فهو استخراج ما خفي ، وهذا مقصور في الدلالات .
    ثانياً : أنهما يجتمعان في إعمال الفكر والنظر والتأمل ويختلفان في الغرض ، فغرض المستنبط العلم بدقائق المعاني والدلالات والهدايات ، وغرض المتدبر يتجاوزه إلى قصد الانتفاع والامتثال والعمل .
    ثالثاً : أنه يشترط في التدبر قصد الانتفاع والامتثال بخلاف الاستنباط ، وإنما يشترط فيه وجود ما يدل عليه في النص .
    رابعاً : أن الاستنباط نتيجة للتدبر فهو فرع منه ، وذلك أن التدبر هو الوقوف مع الآيات والتأمل فيها فينتج من ذلك الاستنباط .

    ثالثاً : الفرق بين التدبر والتفكر
    بينهما تقارب ولذا فقد يجتمعان في شيء واحد فيقال تفكر في الكلام وتفكر في الخلق ، والفرق بينهما من من وجهيم :
    أولاً : أن التفكر أظهر في النظر في الآيات الكونية الواقعة والمشاهدة كما قال تعالى فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24) يونس ، وهذا غالب استعمال القرآن . وقد يأتي بمعنى التفكر في الآيات القرآنية كما قال تعالى : وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44) النحل .
    أما التدبر فهو أظهر في النظر في الآيات القرآنية كما قال تعالى أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ [ المؤمنون :68] .
    ثانياً : أن التدبر تصرف القلب بالنظر في العواقب والتفكر تصرف القلب بالنظر في الدلائل( )..
    وقد أبان ابن القيم الفرق بين التدبر والتأمل والتفكر والنظر والتذكر والاعتبار والاستبصار فقال :
    " هذه معانٍ متقاربةٌ تجتمع في شيءٍ ، وتتفرق في آخر :
    فيسمى تفكرا لأنه استعمال الفكرة في ذلك وإحضاره عنده .
    ويسمى تذكراً لأنه إحضار للعلم الذي يجب مراعاته بعد ذهوله وغيبته عنه .
    وكل من التذكر والتفكر له فائدة غير فائدة الآخر فالتذكر يفيد تكرار القلب على ما علمه وعرفه ليرسخ فيه ويثبت ولا ينمحي فيذهب أثره من القلب جملة ، والتفكر يفيد تكثير العلم واستجلاب ما ليس حاصلا عند القلب فالتفكر يحصله والتذكر .
    ويسمى نظراً لأنه التفات بالقلب إلى المنظور فيه .
    ويسمى تأملاً لأنه مراجعة للنظر كرة بعد كرة حتى يتجلى له وينكشف لقلبه .
    ويسمى اعتباراً وهو افتعال من العبور لأنه يعبر منه إلى غيره فيعبر من ذلك الذي قد فكر فيه إلى معرفة ثالثة وهي المقصود من الاعتبار ، ولهذا يسمى عبرة ؛ إيذانا بأن هذا العلم والمعرفة قد صار حالا لصاحبه يعبر منه إلى المقصود به .
    ويسمى تدبراً لأنه نظر في أدبار الأمور وهي أواخرها وعواقبها ..وتدبر الكلام أن ينظر في أوله وآخره ثم يعيد نظره مره بعد مرة ولهذا جاء على بناء التفعل كالتجرع والتفهم والتبين.
    ويسمى استبصاراً وهو استفعال من التبصر وهو تبين الأمر وانكشافه وتجليه للبصيرة" ( ).

    القسم الثاني الدراسة التطبيقية : التحليل والاستدلال .
    بعد أن تبين لنا مفهوم التدبر وما يتضمنه ، والعلاقة بينه وبين المصطلحات الأخرى ، ولتحقيق هذا المفهوم فإنني سأفصل القول في هذا القسم بذكر الأدلة من القرآن والسنة وأقوال السلف وأحوالهم مما يؤكد ذلك ويجليه ، ليطمئن قلب القارئ ، وليكون ذلك تطبيقاً عملياً بالأمثلة من أحوال السلف الصالح الذين هم أكمل الناس تمثلاً للتدبر الأمثل ، فهم الأسوة والقدوة ، ولا سبيل لتحقيق التدبر والانتفاع بالقرآن إلا باتباع منهجهم والاقتداء بهم ، كما قال مالك : ( لا يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها ) .
    وسأورد الأدلة والشواهد حسب التعريف :
    المحور الأول : أدلة الوقوف مع الآيات والتأمل فيها :
    قولنا بأن التدبر يتضمن الوقوف مع الآيات والتأمل فيها يدل عليه أمور :
    أولاً : الأدلة من القرآن .
    القرآن دال على من لوازم التدبر وأركانه الوقوف مع الآيات والتأمل فيها : من وجوه :
    1- أن الآيات الواردة في التدبر قد جاءت كلها معترضة في سياقات مختلفة غير سياق الحديث عن القرآن : فقوله تعالى : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا وردت معترضة الأمر بطاعة الرسول  والاستجابة له والرجوع في الحكم إليه . وقوله تعالى أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [ محمد:24] ، وردت معترضة الأمر بالصدق في الاستجابة والإذعان وعدم التولي . وقوله تعالى : أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءهُمُ الْأَوَّلِين[المؤمنون : 68] وردت معترضة في سياق الأمر بالإيمان بالنبي  والاعتراف به وعدم الاستكبار . وقوله تعالى كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَاب[ ص:29] وردت معترضة في سياق مخاصمة الكافرين في الحق الذي جاء به محمد ، وذكر قصة داود وسليمان ورجوعهما للحق بعدما تبين وإنابتهما إلى الله. فنلحظ من ورود هذه الآيات الآمرة بالتدبر معترضة في سياق الحديث عن غير القرآن أن الغرض منها الأمر بالوقوف مع الآيات الواردة والتأمل فيها والانتفاع والامتثال لها . مما يؤكد لنا أن التدبر هو الوقوف مع الآيات والتأمل فيها للانتفاع والامتثال .
    2- أن القرآن ملئ بالنصوص الآمرة بالنظر في الآيات والتفكر والتبصر والتذكر ، ومنها :
    قوله تعالى : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ [ يونس 67].
    قوله تعالى : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الرعد :3]
    قوله تعالى : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [ الرعد 4]
    قوله تعالى : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ [الحجر 75] .
    قوله تعالى : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى [طه 54]
    قوله تعالى : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ [ الروم 22]
    وفي أسلوب استفهامي يدعوا للوقوف مع الآيات والتأمل في مقاصدها :
    قوله تعالى : أَفَلَا تَعْقِلُونَ [ البقرة 44]
    قوله تعالى : أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ [ الأنعام 50]
    قوله تعالى : أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ [ الأنعام 80]
    قوله تعالى : أَفَلَا تَذَكَّرُونَ [ يونس3]
    قوله تعالى : أَفَلَا تُبْصِرُونَ [ القصص 72]
    قوله تعالى : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ [السجدة :26].
    وقد تكررت هذه الآيات في مواضع كثيرة من القرآن ، مما يؤكد أن الغرض هو الحث على الوقوف مع الآيات والتأمل والتفكر وإعمال العقل والبصر والسمع فيها ، والنظر في دلالاتها وهداياتها ، والانتفاع بها والامتثال لها ، وهذا هو التدبر.
    3- تكرر الآيات في بعض السور مما يؤكد أنها للحث على الوقوف مع الآيات والتأمل فيها ، ومن ذلك مثلاً :
    قوله تعالى : وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر: 17] تكررت هذا الآية في السورة أربع مرات ، وتكررها دال على أن المقصود الوقوف مع الآيات والقصص الواردة والتذكر بها ولهذا قال فهل من مدكر ، وهي آية دالة دلالة صريحة على الحث على التدبر ولهذا قال : وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ أي للتذكر والانتفاع .
    قوله تعالى فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [ الرحمن 13] تكررت هذه الآية ثلاثين مرة ، وهي آية حاثة على الوقوف مع النعم والآلاء الواردة في السورة وتأملها مما يبعث على الامتثال والإيمان .
    4- ورود القسم في ابتداء السور بالآيات الكونية وتعدده وتضمنه للتغيرات والأحوال التي تتضمنها الآيات الكونية المقسم بها فهذا التعدد وتضمينه للأحوال والتغيرات دال على الأمر بالوقوف مع هذه الآيات والتأمل فيها للانتفاع والإيمان .

    ثانياً : السنة وأقوال السلف وأحوالهم :
    بالنظر في السنة النبوية وأقوال السلف وأحوالهم نجد أنها دالة على أن التدبر هو الوقوف مع الآيات والتأمل فيها والتفاعل معها . ومما يشهد لذلك :
    1- ما أخرجه النسائي وابن ماجة عن أبي ذر قال : ( قام رسول الله  بنا ليلة فقام بآية يرددها وهي قوله تعالى : إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة :118 ]( ).
    فهذا الترديد وقوف مع الآية وتأمل فيها في مشهدها العظيم .
    2- ما أخرجه مسلم عن حذيفة : قال صليت مع النبي  ذات ليلة فافتتح البقرة ، فقلت يركع عند المائة ثم مضى ، فقلت يصلي بها في ركعة فمضى ، فقلت يركع بها ، ثم افتتح النساء فقرأها ثم افتتح آل عمران فقرأها ، يقرأ مترسلاً ، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح ، وإذا مرّ بسؤال سأل ، وإذا مرّ بتعوذ تعوذ ( ).
    3- ماورد عن عمر أنه مكث في تعلم سورة البقرة اثنتي عشرة سنة ، وابنه عبد الله مكث في تعلمها ثماني سنين ( ). .
    وهذا يدل على طول وقفوهم وتأملهم فيها بتعلم مافيها والعمل به .
    4- روي عن ابن مسعود قال : ( لا تهذوا القرآن كهذ الشعر ولا تنثروه نثر الدقل وقفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب) ( ).
    5- قال بعضهم :إني لأفتتح السورة ، فيوقفني بعض ما أشهد فيها عن الفراغ منها ، حتى يطلع الفجر ( ).
    6- روي عن عباد بن حمزة قال : دخلت على أسماء وهي تقرأ : فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ [ الطور : 27] ، قال : فوقَفَتْ عليها فجعلت تستعيذ وتدعو ، فذهبتُ إلى السوق فقضيت حاجتي ثم رجعت وهي فيها بعد تستعيذ وتدعو " ( ).
    وشواهد ذلك كثيرة سيأتي بيانها فيما بعد بإذن الله .
    ثالثاً : اللغة :
    اللغة تدل على تضمن التدبر للوقوف مع الآيات والتأمل فيها من وجهين :
    الأول : أن الوصول إلى أواخر الكلم ونهاياتها الذي هو أصل التدبر أمر يحتاج إلى وقوف مع الآيات وطول نظر وتأمل .
    الثاني : مجيء التدبر على وزن التفعّل ، وهو ما يحتاج إلى بذل جهد وإعمال عقل وإمعان نظر ، وإلقاء سمع ؛ للوصول إلى ما وراء الألفاظ من المقاصد والمعاني والدلالات والهدايات .
    يقول ابن القيم :" وتدبر الكلام أن ينظر في أوله وآخره ثم يعيد نظره مرة بعد مرة ، ولهذا جاء على بناء التفعل كالتجرع والتفهم والتبين" ( ).

    والأدلة على أن الوقوف مع الآيات يكون (بإحضار القلب وإلقاء السمع وإمعان النظر وإعمال العقل) ظاهرة منها :
    1- قوله تعالى : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ ق:37].
    فقوله له قلب وقوله وهو شهيد دال على لزوم حضور القلب .
    قال السعدي : " إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أي: قلب عظيم حي، ذكي، زكي، فهذا إذا ورد عليه شيء من آيات الله، تذكر بها، وانتفع، فارتفع ، وكذلك من ألقى سمعه إلى آيات الله، واستمعها، استماعًا يسترشد به، وقلبه شَهِيدٌ أي: حاضر، فهذا له أيضا ذكرى وموعظة، وشفاء وهدى " ( )..
    وقوله أو ألقى السمع دال على حضور السمع وإنصاته وإصغاؤه .
    قال ابن كثير : " وقال الضحاك: العرب تقول: ألقى فلان سمعه: إذا استمع بأذنيه وهو شاهد يقول غير غائب. وهكذا قال الثوري وغير واحد" ( ).
    وقال ابن القيم : " إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه ، وألق سمعك ، واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه ، فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله ) ( ).
    2- قوله تعالى : وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ (69) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (70)] [يس:69-70] .
    قال السعدي : " لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا أي: حي القلب واعيه، فهو الذي يزكو على هذا القرآن، وهو الذي يزداد من العلم منه والعمل، ويكون القرآن لقلبه بمنزلة المطر للأرض الطيبة الزاكية" ( ).

    والدليل على أن التدبر شامل للتأمل فيما وراء النص من إدراك المغزى ، وفهم المعنى ، واستخراج الدلالات والهدايات عدة أمور هي :
    أولاً : إدراك مغزى الآيات : لأن القرآن الكريم له مقاصد وغايات جاء لتحقيقها في حياة الأفراد والمجتمعات وهي غايات عامة ، فلابد أن يكون من غرض المتدبر الوقوف على مقاصد الآيات وغاياتها ليدركها ويحققها في نفسه .
    قال د.أحمد آل سبالك : " أما المعنى الاصطلاحي لتدبر القرآن كما ورد في كتب التفسير فهو التفكر في غايات القرآن ومقاصده التي يرمي إليها " ( ).
    وقالت الدكتور رقية العلواني : " والتدبر إعمالُ الذهن والفكر للتوصلِ إلى مقاصدِ الآياتِ وأهدافها ، وما ترمي إليه " ( ). .
    ثانياً : فهم المعنى : لأن التدبر يستلزم فَهْم معاني الآيات ؛ كما يقول ابن جرير - : "محال أنْ يُقَال لمن لا يَفهم ما يُقَال له ،و لا يَعْقِل تأويلَه : "اعتبرْ بِما لا فَهْم لك به ،و لا مَعْرفة مِن القيل والبيان" إلا على معنى الأمْرِ بأنْ يَفْهَمه ،و يفقهه ،ثم يتدبره ،و يعتبر به ،فأَمَّا قَبْل ذلك فمستحيلٌ أَمْرُهُ بتدبُّره ،و هو بمعناه جاهِلٌ " ( ).
    قال الشوكاني: " إِنَّ التدبر هو التأمُّل ؛ لفهم المعنى .. " ( ).
    ثالثاً : استخراج دلالاتها وهداياتها : لأنها هي أواخر الكلم ونهاياته وهي المقصودة أصلاً ، فلابد أن يتضمنها التدبر . وهي ما يسمى بالاستنباط الذي هو استخراج ما خفي من النص القرآني الظاهر المعنى ( ).
    قال ابن عاشور : " معنى يتدبَّرون القرآن يتأمّلون دلالته ، وذلك يحتمل معنيين : أحدهما أن يتأمّلوا دلالة تفاصيل آياته على مقاصده التي أرشد إليها المسلمين ، أي تدبّر تفاصيله؛ وثانيهما : أن يتأمّلوا دلالة جملة القرآن ببلاغته على أنّه من عند الله ، وأنّ الذي جاء به صادق" ( ).
    قال عبد الرحمن حبنكة : " التدبر هو التفكر الشامل الواصل إلى أواخر دلالات الكلم ومراميه البعيدة " ( ).
    وقال د. أحمد آل سبالك : " والتدبر يعني ألا يقف القارئ على ظاهر المعنى بل يتطلب منه التفكر بعمق ، والتأمل بإمعان إلى الجوهر وإدراك المعنى المقصود من حيث خصوصية المعنى مع شموله لجميع الظروف والأحوال " ( ).
    ومما يشهد لدخولها في التدبر ما استدل به ابن القيم في قوله : " فصل في أفلا يتدبرون القران فإن قلت : إنك قد أشرت إلى مقام عظيم فافتح لي بابه واكشف لي حجابه وكيف تدبر القران وتفهمه والإشراف على عجائبه وكنوزه وهذه تفاسير الأئمة بأيدينا فهل في البيان غير ما ذكروه قلت : سأضرب لك أمثالا تحتذي عليها وتجعلها إماما لك في هذا المقصد .
    قال الله تعالى : هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (25) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (27) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (28) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (29) قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (30) [ الذاريات 24-30] .
    فعهدي بك إذا قرأت هذه الآية وتطلعت إلى معناها وتدبرتها فإنما تطلع منها على أن الملائكة أتوا إبراهيم في صورة الأضياف يأكلون ويشربون وبشروه بغلام عليم وإنما امرأته عجبت من ذلك فأخبرتها الملائكة أن الله قال ذلك ولم يتجاوز تدبرك غير ذلك فاسمع الآن بعض ما في هذه الآيات من أنواع الأسرار :
    فكم قد تضمنت من الثناء على إبراهيم ؟ .
    وكيف جمعت الضيافة وحقوقها ؟.
    وما تضمنت من الرد على أهل الباطل من الفلاسفة والمعطلة؟.
    وكيف تضمنت علما عظيما من أعلام النبوة ؟.
    وكيف تضمنت جميع صفات الكمال التي ردها إلى العلم والحكمة ؟.
    وكيف أشارت إلى دليل إمكان المعاد بألطف إشارة وأوضحها ثم أفصحت وقوعه ؟.
    وكيف تضمنت الإخبار عن عدل الرب وانتقامه من الأمم المكذبة ؟.
    وتضمنت ذكر الإسلام والإيمان والفرق بينهما
    وتضمنت بقاء آيات الرب الدالة على توحيده وصدق رسله وعلى اليوم الأخر
    وتضمنت أنه لا ينتفع بهذا كله إلا من في قلبه خوف من عذاب الآخرة وهم المؤمنون بها
    وإما من لا يخاف الآخرة ولا يؤمن بها فلا ينتفع بتلك الآيات
    فاسمع الآن بعض تفاصيل هذه الجملة ......." ( ).
    ثم فصل في بيانها بما لا حاجة لذكره .
    فظهر بذلك أن استخراج الدلالات وأسرار التعبير من التدبر ، ولذلك قال في سياق كلامه : " فعهدي بك إذا قرأت هذه الآية وتطلعت إلى معناها وتدبرتها فإنما تطلع منها على..."

    المحور الثاني : أدلة وشواهد التفاعل مع الآيات :
    التفاعل مع الآيات شامل لتفاعل القلب واللسان والجوارح ، والقصد منه أن يكون خارجاً من كونه حاكياً للكلام إلى كونه ممتثلاً له يعلم أنه هو المقصود والمخاطب به .
    فأما تفاعل القلب فهو بالإيمان به والتعظيم الباعث على الخضوع والانقياد .
    أما الإيمان به : فهو يشمل الإيمان والتصديق ابتداءً بأنه كلام الله تعالى أنزله هدى للناس ، واستحضار مقاصده العامة ، وأنه لا سبيل للنجاة إلا به .
    وصدق الله تعالى حيث قال : الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ [ البقرة: 121].
    قال مالك بن دينار : ( أقسم لكم لا يؤمن عبد بهذا القرآن إلا صدع قلبه)( ).
    وقال الإمام البخاري : (لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن بالقرآن ولا يحمله بحقه إلا الموقن) ( ).
    والإيمان به يتضمن أيضاً شعور القارئ بأنه مقصود في الخطاب والأمر والنهي.
    قال الحسن : " إنكم اتخذتم قراءة القرآن مراحل وجعلتم الليل جملا فأنتم تركبونه فتقطعون به مراحله ، وإن من كان قبلكم رأوه رسائل من ربهم فكانوا يتدبرونها بالليل وينفذونها بالنهار " ( ).
    وقال أبو حامد الغزالي عند حديثه عما سماه التخصيص : " أن يقدر قارئ القرآن الكريم أنه المقصود بكل خطاب ورد فيه ، فإن سمع أمراً أو نهياً قدّر أنه المنهي والمأمور ، وإن سمع وعداً أو وعيداً فكمثل ذلك.. " ( ).
    وقال ابن قدامة : " ينبغي لتالي القرآن أن يعلم أنه المقصود بخطاب القرآن ووعيده ، وأن القصص لم يرد بها السمر بل العبر ) ( ).
    وأما التعظيم : فهو تعظيم الكلام وتعظيم المتكلم به وهو الله تعالى ؛ تعظيماً يبعث على الخضوع والانقياد والامتثال ، تأمل كيف كان حال النبي  عند نزول القرآن عليه :
    فعن عائشة أم المؤمنين أن الحارث بن هشام سأل رسول الله  فقال يا رسول الله كيف يأتيك الوحي ؟ فقال رسول الله  : ( أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال وأحياناً يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول ) ( ). .
    وعن ابن عباس قال : ( كان رسول الله  إذا نزل عليه الوحي ثقل عليه وتربَّد له جِلده ) ( ). ( أي تغير بمثل القشعريرة ) .
    فانظر كيف كان عظم أمر الوحي في نفس رسول الله  .
    وتأمل قول الله تعالى في وصف أهل القرآن :
    اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [ الزمر :23] .
    فانظر كيف وصفهم بالقشعريرة من خشيتهم لربهم وتعظيمهم له وتعظيماً لكلامه تعالى عند سماعه وقراءته ، وذلك الذي بعثهم على الخضوع له والانقياد، ولذلك قال بعدها : ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ .
    وبهذا نعلم بأن التدبر لا يكون إلا بالتعظيم .
    قال أبو حامد الغزالي في أعمال الباطن في التلاوة:
    " فالأول فهم عظمة الكلام وعلوه وفضل الله ولطفه بخلقه في نزوله عن عرش جلاله إلى درجة إفهام خلقه .... فإن المعظم للكلام الذي يتلوه يستبشر به ويستأنس ولا يغفل عنه .
    والثاني التعظيم للمتكلم فالقارئ عند البداية بتلاوة القرآن ينبغي أن يحضر في قلبه عظمة المتكلم ويعلم أن ما يقرؤه ليس من كلام البشر وإن في تلاوة كلام الله عز و جل غاية الخطر"( )..

    وأما تفاعل اللسان : فيكون في عدة أمور :
    منها : تحسين القراءة وترتيلها والتغني بها من غير تمطيط مفرط يغير النظم ، وذلك سنة ، ويشهد لذلك :
    ما أخرجه أصحاب السنن وغيرهم عن البراء بن عازب ، قال  : (( حسنوا القرآن بأصواتكم )) ( )..
    وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال : قال : (( ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن )) زاد مسلم (( لنبي حسن الصوت )) ( )..
    وأخرج البخاري عن أبي هريرة قال : قال  : (( ليس منا من لم يتغن بالقرآن )) ( ).. قيل أراد به الاستغناء ، وقيل أراد به الترنم وترديد الألحان به وهو أقرب عند أهل اللغة .
    وعن عمر أن النبي  استمع إلى ابن مسعود وهو يقرأ فوقف طويلا ثم قال  : (( من أحب أن يقرأ القرآن غضا طريا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد))( )..
    منها : قراءة القرآن بترسل وترتيل وعلى مكث :
    وقد جاء القرآن بالأمر بذلك ومنه :
    1- قوله تعالى : وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا [ المزمل : 4]
    قال ابن كثير : " وقوله: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا أي: اقرأه على تمهل، فإنه يكون عونا على فهم القرآن وتدبره. وكذلك كان يقرأ  ، قالت عائشة: كان يقرأ السورة فيرتلها، حتى تكون أطول من أطول منها. وفي صحيح البخاري، عن أنس: أنه سئل عن قراءة رسول الله ، فقال: كانت مدًا، ثم قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يمد بسم الله، ويمد الرحمن، ويمد الرحيم. وقال ابن جُرَيج، عن ابن أبي مُلَيكة عن أم سلمة: أنها سُئلت عن قراءة رسول الله ، فقالت: كان يقطع قراءته آية آية، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي. " ( )..
    وقال ابن عاشور : " والترتيل : جعل الشيء مرتَّلاً ، أي مفرقاً ...وأريد بترتيل القرآن ترتيل قراءته ، أي التمهل .... وفائدة هذا أن يرسخ حفظه ويتلقاه السامعون فيعلَقُ بحوافظهم ، ويتدبر قارئه وسامعه معانيَه كي لا يسبق لفظُ اللسان عملَ الفهم" ( )..
    2- قوله تعالى : وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا [ الإسراء :104] ، قال مجاهد على مكث على تؤدة ( ) .
    3- كانت قراءة النبي  كما نعتتها أم سلمة قالت : كانت قراءة رسول الله  مفسرة حرفاً حرفاً( ) .
    4- عن حفصة زوج النبي  ، أنها قالت : (كان  يقرأ في السورة ، فيرتلها ، حتى تكون أطول من أطول منها ) ( ) .
    5- قال ابن مسعود لعلقمة وقد عجل في القراءة : ( فداك أبي وأمي رتل فإنه زين القرآن)( ) .
    6- عن أبى حمزة قال قلت لابن عباس : ( إنى سريع القراءة وإني أقرأ القرآن في ثلاث فقال : لأن اقرأ البقرة في ليلة فأدبرها وأرتلها أحب إلى من أن أقرأ كما تقول) ( ).
    7- سئل مجاهد عن رجل قرأ البقرة وآل عمران ورجل قرأ البقرة ، قراءتهما واحدة وركوعهما واحد ، وسجودهما واحد ، أيهما أفضل ؟ قال : الذي يقرأ البقرة ، ثم قرأ وقرءانا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ( ).
    8- يقول إسحاق بن إبراهيم عن الفضيل بن عياض كانت قراءته حزينة شهية بطيئة مترسلة كأنه يخاطب إنساناً ، وكان إذا مرّ بآية فيها ذكر الجنة يردد فيها ويسأل ) ( ).
    قال الآجري : " القليل من الدرس للقرآن مع الفكر فيه وتدبره أحب إلى من قراءة الكثير من القرآن بغير تدبر ولا تفكر فيه ، فظاهر القرآن يدل على ذلك والسنة وأقوال أئمة المسلمين"( ).
    وقال ابن مفلح : " أقل الترتيل ترك العجلة في القرآن عن الإبانة ، وأكمله أن يرتل القراءة ويتوقف فيها " ( ).

    ومنها : القراءة بتحزن وتباكي :
    القراءة بتحزن وتباكي هي من التفاعل مع القرآن ولها أثر بالغ في التدبر . ويشهد لذلك:
    1- ماروي عن سعد بن أبي وقاص قال قال  : ( إن هذا القرآن نزل بحزن ، فإذا قرأتموه فابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا ، وتغنوا به فمن لم يتغن به فليس منا ) ( ).
    2- ما روي عن ابن عمر قال : قال  : ( إن القرآن نزل بحزن فإذا قرأتموه فتحازنوا ) ( ).
    3- قال ابن عباس : ( إذا قرأتم سجدة سبحان فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا فإن لم تبك عين أحدكم فليبك قلبه ) ( ).
    قال الإمام الغزالي : " البكاء مستحب مع القراءة .. وإنما طريق تكلف البكاء أن يحضر قلبه الحزن فمن الحزن ينشأ البكاء ، ووجه إحضار الحزن أن يتأمل ما فيه من التهديد والوعيد والمواثيق والعهود ثم يتأمل تقصيره في أوامره وزواجره فيحزن لا محالة ويبكي فإن لم يحضره حزن وبكاء كما يحضر أرباب القلوب الصافية فليبك على فقد الحزن والبكاء فإن ذلك أعظم المصائب" ( ).

    ومنها : ترديد الآية:
    وترديد الآية وتكرارها له أثر عظيم في حضور القلب واستحضار الآيات والتأثر بها ، وهو من التدبر من حيث إعادة النظرة مرة بعد مرة .
    ويؤكد ذلك الزمخشري في تفسيره فيقول :" إن في التكرار تقريراً للمعاني في الأنفس ، وتثبيتاً لها في الصدور " ( ).
    ويقول صاحب كتاب التعبير القرآني والدلالة النفسية : " إن الذين تحدثوا عن علم النفس أشاروا إلى أنه متى كثر تكرار أمر تولّد تيار فكري وعاطفي ، يتلوه ذلك المؤثر العظيم في الأفراد والجماعات ، وهو العدوى " ( ).
    وقد ورد ذلك عن النبي  والسلف من بعده :
    1- أخرج النسائي وابن ماجة عن أبي ذر قال : ( قام رسول الله  بنا ليلة فقام بآية يرددها وهي قوله تعالى : إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة :118 ]( ).
    2- ورد ذلك أيضاً عن عدد من الصحابة والتابعين كعائشة وسعيد بن جبير والربيع بن خثيم وغيرهم .
    3- قال بعضهم :إني لأفتتح السورة ، فيوقفني بعض ما أشهد فيها عن الفراغ منها ، حتى يطلع الفجر ( ).
    4- روي عن الحسن أنه ردد ليلة وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [ النحل : 18] حتى أصبح ، فقيل له في ذلك : فقال : إن فيها معتبرا مانرفع طرفا ولا نرده إلا وقع على نعمة ، وما لا نعلمه من نعم الله أكثر ) ( ).
    5- روي عن تميم الداري أنه قام ليلة بهذه الآية أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [ الجاثية : 21] ( ).
    6- قال محمد بن عوف الحمصي : ( رأيت أحمد بن أبي الحواري عندنا بأنطرسوس ، فلما صلى العتمة قام يصلي : فاستفتح : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فلما بلغ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فطفت الحائط كله ، ثم رجعت ، فإذا هو لا يجاوزها ، ثم نمت ، ومررت في السحر وهو يقرأ إِيَّاكَ نَعْبُدُ فلم يزل يرددها إلى الصبح) ( )..
    7- روى أن عامر بن عبد قيس قرأ ليلة سورة (المؤمن) وهي المعروفة بسورة (غافر) ، فلما انتهى إلى هذه الآية وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآَزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ [ غافر :18 ] لم يزل يرددها حتى أصبح ( ).
    8- حكي عن أبي سليمان الداراني أنه قال : ( إني لأتلو الآية فأقيم فيها أربع ليال أو خمس ليال ولولا أني أقطع الفكر فيها ما جاوزتها إلى غيرها ) ( ).
    وقال ابن القيم : " هذه عادة السلف يردد أحدهم الآية حتى يصبح " ( ).
    قال الإمام الغزالي : " وإذا لم يتمكن من التدبر إلا بترديد فليردد إلا أن يكون خلف إمام فإنه لو بقي في تدبر آية وقد اشتغل الإمام بآية أخرى كان مسيئاً " ( ).

    ومنها : التفاعل مع الآيات بالسؤال والتعوذ والاستغفار ونحوه عند مناسبة ذلك ، فهو دال على التفاعل الحي وأن القارئ حاضر القلب مع التلاوة ، وهو من أعظم صفات التفاعل الدالة على التدبر ، ولذا كان هو هدي النبي  والسلف الصالح :
    1- أخرج مسلم عن حذيفة : قال صليت مع النبي  ذات ليلة فافتتح البقرة ، فقلت يركع عند المائة ثم مضى ، فقلت يصلي بها في ركعة فمضى ، فقلت يركع بها ، ثم افتتح النساء فقرأها ثم افتتح آل عمران فقرأها ، يقرأ مترسلاً ، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح ، وإذا مرّ بسؤال سأل ، وإذا مرّ بتعوذ تعوذ " ( ).
    2- عن أبي هريرة قال قال رسول الله  : ( من قرأ منكم بالتين والزيتون فانتهى إلى آخرها أليس الله بأحكم الحاكمين [ التين : 8 ] فليقل بلى وأنا على ذلك من الشاهدين ومن قرأ لا أقسم بيوم القيامة فانتهى إلى أليس ذلك بقادر على أن يحيى الموتى [ القيامة : 40 ] فليقل بلى ومن قرأ والمرسلات فبلغ فبأى حديث بعده يؤمنون [ المرسلات : 50 ] فليقل آمنا بالله ) ( ).
    3- عن عقبة بن عامر - - : قال : لمَّا نَزَلَتْ : فَسبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظيم [الواقعة: 74 ، 96] قال رسولُ الله  : (( اجْعلُوهَا في رُكوعِكم)) ، ولمَّا نَزَلَت : سَبِّح اسمَ رَبِّكَ الأعلى [الأعلى : 1] قال : ((اجعلوها في سُجُودِكم)) ( )..
    4- عن ابن عباس - - مرفوعا وموقوفا ( إذا قرأ ( سبح اسم ربك الأعلى [الأعلى:1] قال : سبحان ربي الأعلى ) ( ).
    5- عن جابر بن عبد الله ، قال : لما قرأ رسول الله  سورة الرحمن على أصحابه حتى فرغ ، قال : (( مالي أراكم سكوتا ؟ للجن كانوا أحسن منكم ردا . ما قرأت عليهم من مرة : فبأي آلاء ربكما تكذبان ، إلا قالوا : ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد »( ).
    6- عن عائشة أنه ذكر لها أن ناسا يقرؤون القرآن في الليل مرة أو مرتين، فقالت: أولئك قرؤوا ولم يقرؤوا، كنت أقوم مع النبي  ليلة التمام، فكان يقرأ سورة البقرة وآل عمران والنساء، فلا يمر بآية فيها تخوف إلا دعا الله واستعاذ، ولا يمر بآية فيها استبشار إلا دعا الله ورغب إليه ( ).
    7- روي عن عباد بن حمزة قال : دخلت على أسماء وهي تقرأ : فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ [ الطور : 27] ، قال : فوقفت عليها فجعلت تستعيذ وتدعو ، فذهبت إلى السوق فقضيت حاجتي ثم رجعت وهي فيها بعد تستعيذ وتدعو " ( ).
    8- روي عن الحسين الكربيسي قال : بت مع الشافعي ليلة ، فكان يصلي نحو ثلث الليل ، فما رأيته يزيد على خمسين آية ، فإذا أكثر فمئة آية ، وكان لايمر بآية رحمة إلا سأل ، ولا بآية عذاب إلا تعوذ ، وكأنما جمع له الرجاء والرهبة جميعاً . ( ).
    9- منه مشروعية التأمين بعد قراءة الإمام للفاتحة ، فهو اقتداء وامتثال وهو من التدبر بلا شك ؛ لأنه ناتج عن حضور القلب وفهم المعنى المقصود وهو سؤال الهداية .
    أما تفاعل الجوارح : فيكون بعدة أمور :
    منها : القشعريرة يشهد لذلك قوله تعالى عن الجلود : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [ الزمر :23] فتأمل كيف ذكر الجلود وتفاعلها بالقشعريرة .
    ومنها الأزيز ودمع العين والنشيج :
    وقد أثنى الله تعالى على الذين تدمع عيونهم عند سماع القرآن فقال تعالى : وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [ المائدة :83] .
    وروى أن رسول الله  كان يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل ( )..
    وروي أن رسول الله  قال لابن مسعود " اقرأ علي قال: فافتتحت سورة النساء فلما بلغت " فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً " رأيت عينيه تذرفان بالدمع فقال لي: حسبك الآن "( )..
    وفي صحيح البخاري عن عائشة : " وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن " ( )..
    وعن الحسن قال : كان عمر بن الخطاب يمر بالآية من ورده بالليل فتخنقه العبرة فيبكي حتى يسقط ، ثم يلزم بيته حتى يعاد يحسبونه مريضاً ( ).. .
    وعن ابن أبي مليكة : قال : صحبت ابن عباس من مكة إلى المدينة ، فكان يصلي ركعتين ، فإذا نزل قام شطر الليل ويرتل القرآن حرفاً حرفاً ، ويكثر في ذلك من النشيج والنحيب( ).
    وروي عن بعضهم أنه يغشى عليهم ، ويعضهم يصعق ، ولكن ذلك لم يكن في الصحابة ، قالت أسماء بنت أبي بكر : " ماكان أحد من السلف يغشى عليه ، ولا يصعق عند قراءة القرآن ، وإنما يبكون ويقشعرون ، ثم تلين جلودهم وقلوبهم لذكر الله " ( ).. .
    ومنها السجود :
    وقد أثنى الله على الذين يخرون سجداً إذا ذُكِّروا بآيات ربهم أو تليت عليهم :
    قال تعالى : إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا [ مريم : 58]
    وقال تعالى : إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ [ السجدة : 15] .
    وقال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا [ الإسراء : 109] .
    وتأمل كيف شرع السجود عند هذه الآيات كأنه تفاعل من المستمع بحضور المشهد ودخوله مع الموصوفين ، وهو من التفاعل الدال على التدبر لأنه امتثال واقتداء .
    قال الإمام الغزالي في كلام نفيس حول التفاعل مع الآيات قلباً ولساناً وجوارحاً :" تأثر العبد بالتلاوة أن يصير بصفة الآية المتلوة :
    فعند الوعيد وتقييد المغفرة بالشروط يتضاءل من خيفته كأنه يكاد يموت.
    وعند التوسع ووعد المغفرة يستبشر كأنه يطير من الفرح.
    وعند ذكر الله وصفاته وأسمائه يتطأطأ خضوعاً لجلاله واستشعاراً لعظمته.
    وعند ذكر الكفار ما يستحيل على الله كذكرهم لله ولداً وصاحبة يغض صوته ويكسر في باطنه حياء قبح مقالتهم.
    وعند وصف الجنة ينبعث بباطنه شوقاً إليها. وعند وصف النار ترتعد فرائصه خوفاً منها
    فمثل هذه الأحوال يخرجه عن أن يكون حاكياً في كلامه:
    فإذا قال إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [يونس :15] ولم يكن خائفاً كان حاكياً.
    وإذا قال رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [الممتحنة :4] ولم يكن حاله التوكل والإنابة كان حاكياً.
    وإذا قال وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آَذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ [ إبراهيم :12] فليكن حاله الصبر أو العزيمة عليه حتى يجد حلاوة التلاوة.
    فإن لم يكن بهذه الصفات ولم يتردد قلبه بين هذه الحالات كان حظه من التلاوة حركة اللسان ... " ( )..

    المحور الثالث : أدلة وشواهد قصد الانتفاع والامتثال :
    وهذا هو بيت القصيد ومحط الراحل وغاية المتدبر .
    وإنما قلنا بتضمن التدبر لقصد الانتفاع والامتثال لأن الغاية من قراءة القرآن هي الانتفاع والامتثال ، والتدبر وسيلة لذلك فلابد أن يتضمنه التدبر الذي هو مقصد نزول القرآن .
    أما قصد مجرد التلاوة ، أو مجرد العلم بالمعنى دون قصد الانتفاع والامتثال فذلك أمر قاصر عن التدبر .
    قال عبد الرحمن حبنكة : " ليس الغرض من التدبر مجرد الترف العلمي ، والافتخار بتحصيل المعرفة ، والتوصل إلى كشف المعاني للتعالي بمعرفتها واكتشافها ، وإنما وراء الفهم غرض التذكر والعظة ، والعمل بموجب العلم ، وهذا التذكر المقصود لا يحظى به إلا أولو الألباب " ( ).
    والانتفاع المقصود هنا هو الإيمان والعلم :
    قال شيخ الإسلام : " والإنسان يقرأ السورة مرات حتى سورة الفاتحة ويظهر له في أثناء الحال من معانيها ما لم يكن خطر له قبل ذلك حتى كأنها تلك الساعة نزلت فيؤمن بتلك المعانى ويزداد علمه وعمله ، وهذا موجود في كل من قرأ القرآن بتدبر بخلاف من قرأه مع الغفلة عنه" ( ).
    أما الإيمان فالمقصود به ماتورثه القراءة من زيادة الإيمان والخشية ، وهو أعظم غايات الانتفاع بالقرآن وثمراته ويشهد لذلك :
    1- قوله تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [ الأنفال : 2].
    2- قوله تعالى : وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [ التوبة :124] .
    فتأمل التعبير في الآيتين بقوله زادتهم مما يدل على أن أعظم آثار القرآن هو الإيمان ، وذلك لا يكون إلا بالتدبر ، فالإيمان إذاً مقصد من مقاصد المتدبر للقرآن
    3- قوله تعالى : ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُون﴾[20].
    فتأمل قوله يتلونه حق تلاوته ثم عقبها بقوله أولئك يؤمنون به مما يدل على أن التلاوة المصاحبة للتدبر مؤدية للإيمان .

    وأما العلم فالمقصود به أمران :
    أولاً : العلم بما تضمنته الآيات من المعاني والدلالات .
    الثاني : العلم بما تضمنته الآيات مما يلزم الامتثال له من الأوامر والنواهي ، وما يلزم الاتعاظ به من الوعد والوعيد ، والعبر والسنن الإلهية .
    ويشهد لذلك :
    1- قوله تعالى : وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [ العنكبوت : 43]
    قال السعدي في تفسيره للآية : " ومَا يَعْقِلُهَا بفهمها وتدبرها، وتطبيقها على ما ضربت له، وعقلها في القلب إِلا الْعَالِمُونَ أي: أهل العلم الحقيقي، الذين وصل العلم إلى قلوبهم. وهذا مدح للأمثال التي يضربها، وحثٌّ على تدبرها وتعقلها، ومدح لمن يعقلها، وأنه عنوان على أنه من أهل العلم، فعلم أن من لم يعقلها ليس من العالمين. والسبب في ذلك، أن الأمثال التي يضربها اللّه في القرآن، إنما هي للأمور الكبار، والمطالب العالية، والمسائل الجليلة، فأهل العلم يعرفون أنها أهم من غيرها، لاعتناء اللّه بها، وحثه عباده على تعقلها وتدبرها، فيبذلون جهدهم في معرفتها" ( ).
    2- ماورد عن عمر أنه مكث في تعلم سورة البقرة اثنتي عشرة سنة ، وابنه عبد الله مكث في تعلمها ثماني سنين ( ). .
    3- أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن عبد الله بن مسعود قال : إذا سمعت الله يقول : ( يا أيها الذين آمنوا ) فأرعها سمعك ؛ فإنه خير يأمر به ، أو شر ينهى عنه ( ). .
    قال الغزالي : " إن سمع قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وقصص الأولين علم أنها لم ترو للتسلية والسمر ، وإنما للعظة والاعتبار ، فما من قصة في القرآن إلا وسياقها لفائدة في حق النبي  وأمته ، لذلك قال الله تعالى : وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ [ هود 120] " ( ). ..


    وأما الامتثال فهو يشمل العمل والسلوك ، وهو ثمرة الإيمان وعاقبة التدبر .
    والقرآن بكونه مثاني مليء بالأساليب المحفزة للامتثال والعمل ، ومنها أسلوب الأمر والنهي ، وأسلوب الجزاء والعقاب ، وأسلوب الوعد والوعيد ، وأسلوب الترغيب والترهيب ، وهذه الأساليب وغيرها دالة على أن القرآن أنزل للامتثال والعمل ، وهذا يؤكد لنا أن التدبر لايكون إلا بالإقبال على القرآن بنية الامتثال والعمل .
    وهذا هو منهج النبي  والسلف الصالح ، وغاية مرادهم من القرآن ، ويشهد له :
    1- أخرج مسلم عن سعد بن هشام بن عامر قال : سألت عائشة فقلت يا أم المؤمنين : أنبئيني عن خلق رسول الله --. قالت ألست تقرأ القرآن قلت بلى. قالت فإن خلق نبي الله -- كان خلقه القرآن. فقلت : أنبئيني عن قيام رسول الله  فقالت ألست تقرأ يا أيها المزمل [ المزمل :1] قلت : بلى . قالت : فإن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة فقام نبي الله  وأصحابه حولا وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهراً في السماء حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف فصار قيام الليل تطوعا بعد فريضة( ). .
    ففي هذا الحديث دلالة على منهج النبي  في التعامل مع القرآن وهو التخلق بأخلاقه ، والعمل بأوامره ، ولذا حين نزلت عليه سورة المزمل عرف  حقيقة الأمر وقدّره ، فقال لخديجة وهي تدعوه أن يطمئن وينام : « مضى عهد النوم يا خديجة».
    2- ويشهد لذلك أيضاً ما أخبرت به عائشة حينما سئلت عن خلق رسول الله  ، فقالت:"كان خلقه القرآن، يغضب لغضبه، ويرضى لرضاه" ( ). يصدق ذلك القرآن بقوله تعالى : وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [ القلم : 4] .
    3- وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال له رجل هىَّ يا ابن الخطاب ، فوالله ما تعطينا الجزل ، ولا تحكم بيننا بالعدل ، فغضب حتى هم به ، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين إن الله تعالى قال لنبيه  (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [ الأعراف:199] وإن هذا من الجاهلين . يقول ابن عباس : والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه ، وكان وقافا عند كتاب الله )( ).
    4- وماروي عن ابن مسعود قال : ( كان الرجل منّا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن ) ( ).
    5- وقال ابن عمر : ( كان الفاضل من أصحاب النبي  في صدر هذه الأمة لا يحفظ من القرآن إلا السورة أو نحوها ، ورزقوا العمل بالقرآن ، وإن آخر هذه الأمة يرزقون القرآن منهم الصبي والأعمى ، ولا يرزقون العمل به ) ( ).
    6- وقال أبو عبد الرحمن السلمي ، وهو أحد تلاميذ الصحابة : إنما أخذنا القرآن من قوم أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوهن إلى العشر الأخر حتى يعلموا ما فيهن من العمل ، قال : فتعلمنا العلم والعمل جميعاً ( ).
    7- وقال الحسن البصري: ( والله ما تدبره بحفظ حروفه وإضاعة حدوده حتى إن أحدهم ليقول قرأت القرآن كله ما يرى له القرآن في خلق ولا عمل) ( ). .

    وقد أكد السلف والعلماء على أن يكون هذا هو حال حامل القرآن وتاليه بحيث يظهر أثر القرآن عليه خلقاً وعملاً ومن ذلك :
    1- قال ابن مسعود : ( ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس ينامون ، وبنهاره إذا الناس يفرطون ، وبحزنه إذا الناس يفرحون ، وببكائه إذا الناس يضحكون ، وبصمته إذا الناس يخوضون ، وبخشوعه إذا الناس يختالون ، وينبغي لحامل القرآن أن يكون مستكينا لينا ، ولا ينبغي له أن يكون جافيا ولا مماريا ولا صياحاً ولا صخاباً ولا حديداً " ( ).
    2- عن الفضيل بن عياض قال : ( حامل القرآن حامل راية الإسلام لا ينبغي أن يلهو مع من يلهو ولا يسهو مع من يسهو ولا يلغو مع من يلغو تعظيما لحق القرآن) ( ).
    3- قال الآجري في أخلاق حملة القرآن : " يتصفح القرآن ليؤدب به نفسه همته ، متى أكون من المتقين ؟ ، متى أكون من الخاشعين ؟ متى أكون من الصابرين ؟ متى أزهد في الدنيا ؟ متى أنهى نفسي عن الهوى ؟ " ( ).
    فهذا يؤكد لنا أن القارئ للقرآن لابد أن يكون مستصحباً في تلاوته نية الامتثال والعمل وهذا هو التدبر .

    الخاتمة
    الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد :
    ففي نهاية هذه الدراسة التي يسر الله تعالى إعدادها حول مفهوم التدبر في ضوء القرآن والسنة وأقوال السلف وأحوالهم ، يمكن أن نخلص إلى أمور وتوصيات مهمة :
    1- أن التدبر مبني على ركنين أساسيين لابد للمتدبر منها:
    الأول: الركن النظري بالوقوف مع الآيات والتأمل فيها .
    الثاني : الركن العملي بالتفاعل مع الآيات وقصد الانتفاع والامتثال .
    2- أن الفرق بين التدبر وبين التفسير والاستنباط يتحدد بحسب غرض القارئ لكتاب الله تعالى ؛ فالمفسر والمستنبط يكون غرضه الوصول إلى المعاني والدلالات ، والمتدبر لابد أن يكون مع ذلك مستصحباً قصد الانتفاع والامتثال والعمل . فهذا الذي يميز التدبر عن التفسير ، وهو الفرق الجوهري بينهما ، ولذا فيمكن أن يسمى المفسر متدبراً إذا قصد الانتفاع والامتثال والعمل .
    3- أن التدبر واجب الأمة كلها لأنه المقصود من إنزال القرآن كما صرحت الآيات بذلك أمراً به وحثاً عليه ، وأن التفسير هو واجب بحسب الحاجة إليه لفهم القرآن والعمل به ، والناس فيهما مراتب بحسب رسوخ إيمانهم وعلمهم .
    4- أن منهج السلف الصالح في التدبر وإن كان مبنياً على الركنين جميعاً ، لكنه يبرز في الجانب العملي ، لأنهم كما قال ابن عمر : ( ورزقوا العمل بالقرآن ) ، وهذا الذي تفقده الأمة اليوم كما قال في تمام كلامه : (وإن آخر هذه الأمة يرزقون القرآن منهم الصبي والأعمى ، ولا يرزقون العمل به ) ( ).
    التوصيات :
    للخروج بمنهج عملي لهذا الموضوع المهم يمكن أن نخلص إلى توصيات مهمة :
    1- أن أعظم ما يجب على أهل العلم بالقرآن والمهتمين به والمؤسسات القرآنية في هذا الوقت هو العودة بالأمة إلى منهج التدبر الأمثل الذي تمثله الجيل الأول من الصحابة والتابعين ، وذلك بتوجيههم لأبناء الأمة وأجيالها لتلقي القرآن بقصد الانتفاع والامتثال والعمل مع قصد التلاوة والحفظ .
    2- إقامة لقاءات دورية تجمع النخبة من أهل العلم والتخصص والاهتمام بغرض دراسة الخطط والمناهج العملية للتدبر وسبل تفعيلها ، ومن ثم نشرها بين المؤسسات والمدارس القرآنية والتعليمية .
    3- أن يتركز عمل هذا المشروع المبارك أعني مركز التدبر وبرامجه على تفعيل منهج التدبر العملي الذي تمثل في منهج السلف الصالح ، وأن يسعى المركز لطرح البرامج والمناهج العملية التي تدعم مناهج المؤسسات والمدارس القرآنية القائمة على تحفيظ القرآن الكريم ، ليكتمل البناء ويظهر الأثر العظيم للقرآن في الجيل المعاصر.
    4- أن يكون من عمل جوال تدبر نشر الوعي بهذا المنهج بالتركيز على نشر الآثار الواردة عن السلف في ذلك مع التوجيهات المناسبة لذلك ، وأن يتبنى منهجاً يجمع بين الجانب النظري بالتفسير والاستنباط والجانب العملي بالتوجيه للانتفاع والعمل . بحيث تضمن الرسالة الاستنباطية ما يمكن الاستفادة منه عملاً وسلوكاً
    هذا ما يسر الله تعالى كتابته ، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل القرآن المتدبرين له والعاملين به ، وأن يرزق الأمة عودة صادقة إلى كتاب ربها ، وتقويم سبيلها به على وفق منهج سلفها الصالح . وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

    فهرس المراجع والمصادر
    أولاً : القرآن وعلومه :
    - القرآن العظيم
    - الإتقان في علوم القرآن – جلال الدين السيوطي – دار التراث – القاهرة .
    - أخلاق حملة القرآن – الآجري – دار الكتاب العربي – لبنان .
    - التبيان في آداب حملة القرآن - أبو زكريا النووي - الوكالة العامة للتوزيع – دمشق –ط1 1403هـ
    - تدبر القرآن – سليمان السنيدي – المنتدى الإسلامي –ط1-1422هـ .
    - التعبير القرآني والدلالة النفسية – د.عبدالله الجيوسي – دار الغوثاني – دمشق – ط2-2007.
    - تفسير القرآن العظيم – الحافظ ابن كثير – دار طيبة – ط2 – 1420هـ .
    - الدر المنثور في التفسير بالمأثور – جلال الدين السيوطي – دار الكتب العلمية – بيروت – ط1-2000م .
    - عظمة القرآن الكريم - محمود الدوسري – دار ابن الجوزي – ط1-1426هـ .
    - فتح من الرحمن الرحيم في بيان كيفية تدبر كلام المنان - د. أحمد منصور آل سبالك – المكتب الإسلامي –ط1- القاهرة .
    - فضائل القرآن - أبو عبيد القاسم الهروي – دار ابن كثير – دمشق – ط2- 1410هـ .
    - فضائل القرآن - الفريابي – مكتبة الرشد – الرياض – ط2-1421.
    - قواعد التدبر الأمثل لكتاب الله تعالى – عبدالرحمن حسن حبنكة – دار القلم –دمشق – ط2-1409.
    - الكشاف – الزمخشري – دار الكتاب العربي –بيروت – ط3- 1407هـ
    - كيف نتعامل مع القرآن - محمد الغزالي – دار الوفاء – مصر – ط2- 1421هـ .
    - كيف نتعامل مع القرآن – يوسق القرضاوي – دار الشروق – مصر .
    - كيف ننتفع بالقرآن – أحمد الأميري – مؤسسة الريان - - بيروت .
    - مع أشراف الأمة حملة القرآن – محمدحسين الرنتاوي – ط2 1427هـ .
    - مع القرآن وحملته في حياة السلف – عبيد بن أبي نفيع الشعبي – دار الوطن – الرياض ط2-1417هـ
    - مفاتيح تدبر القرآن -خالد اللاحم - المؤلف نفسه – ط11425هـ .
    - مفهوم التفسير والتأويل والاستنباط والتدبر والمفسر – د. مساعد بن سليمان الطيار – دار ابن الجوزي – الدمام –ط1 1423هـ
    - منهج الاستنباط من القرآن – د. فهد بن مبارك الوهبي – مركز الدراسات والمعلومات القرآنية بمعهد الشاطبي – جدة – ط1 -1428هـ
    - منهج السلف في العناية بالقرآن – د. بدر لن ناصر البدر – دار الضياء الخيرية – ط1- 1428هـ .
    ثانياً: السنة وعلومها :
    - الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان – مؤسسة الرسالة – دمشق – ط1-1408هـ
    - سنن الترمذي – تحقيق أحمد شاكر – دار إحياء التراث – بيروت .
    - سنن الدارمي – دار الحديث – القاهرة – ط1 1420هـ
    - سنن أبي داود – دار الفكر – بيروت .
    - سنن ابن ماجة – تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي – دار الفكر – بيروت .
    - صحيح البخاري – مكتبة العبيكان – الرياض ط1417هـ
    - صحيح مسلم – تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي – دار الحديث –القاهرة – ط1 1412هـ
    - المستدرك على الصحيحين – الحاكم – دار الكتب العلمية –بيروت – ط1 1411هـ
    - مسند الإمام أحمد – مؤسسة الرسالة – بيروت –ط2-1420هـ
    - مصنف ابي أبي شيبة – مكتبة الرشد – الرياض – ط2-1409هـ
    - مصنف عبد الرزاق – المكتب الإسلامي – بيروت – ط2 - 1403هـ
    رابعاً : اللغة وعلومها
    - التعريفات للشيف علي بن محمد الجرجاني – دار الشروق ط3 1399هـ .
    - الفروق اللغوية - أو هلال العسكري .
    - لسان العرب – محمد بن منظور – دار صادر – بيروت
    - المعجم الوسيط د. إبراهيم أنيس د. عبد الحليم منتصر وعطية الصوالحي ومحمد خلف .
    - معجم مقايسس اللغة – تحقيق عبدالسلام هارون – اتحاد الكتاب العربي – 1423هـ .
    ثالثاً : كتب السيرة والتاريخ
    - البداية والنهاية – ابن كثير – دار الريان – القاهرة – ط11408هـ
    - حياة الصحابة للدهلوي - شركة الرياض – ط1- 1998م.
    - سير أعلام النبلاء - الذهبي – مؤسسة الرسالة – ط4-1406هـ
    - السيرة النبوية لابن هشام - دار التراث العربي – القاهرة
    كتب عامة :
    - إحياء علوم الدين – الغزالي – دار الحديث –ط1-1412هـ
    - زاد المهاجر إلى ربه (الرسالة التبوكية ) – ابن القيم الجوزية – مكتبة المدني –جدة .
    - مفتاح دار السعادة - ابن القيم الجوزية - دار الكتب العلمية – بيروت.
    زوروا مدونتي
    حلية أهل القرآن
    http://helyat-ahlalquraan.blogspot.com/

  • #2
    جزاكم الله خيرا كثيرا علي هذا البحث القيم وبارك لكم
    http://www.facebook.com/dr.hanydorgham

    تعليق


    • #3
      جزاك الله خيرا.

      التدبر يشبه أن يكون تفعيلا لمايستفاد من القرآن في القلب والأفعال ، فالمتدبر يستهدي بالقرآن ، والله أعلم.

      تعليق


      • #4
        جزى الله تعالى الاخت الكريمة منى خير الجزاء

        تعليق


        • #5
          ألا ترون الحديث حول هذا الموضوع زاد عن الحد ؟
          الذي ألحظه هو التركيز على بعض الأمور والدوران حولها دون تقديم أي جديد
          الحديث عن الوسائل أشغل عن الغايات
          فإلى متى سنبقى في هذه الدائرة المفرغة؟
          مع احترامي لكل جهد يبذل في خدمة كتاب الله
          أريد من هؤلاء الذين يُنظِّرون ويضعون القواعد لمسألة ما ومعظمهم لا شك أنهم من النخبة وأهل التخصص نريد منهم أن يكون قدوة في التطبيق العملي لتنظيرهم وقواعدهم.
          وجهة نظر وربما خالفتموني
          ؟

          تعليق

          19,956
          الاعــضـــاء
          231,900
          الـمــواضـيــع
          42,559
          الــمــشـــاركـــات
          يعمل...
          X