إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • في قوله تعالى "كنتم خير أمة"

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

    لطالما إرتبطت هذه الآية بأذهاننا، بأنها تصريح رباني لأمة محمد عليه الصلاة والسلام، بأنها أفضل أمم الأرض، وأن أفضليتها تنبع من كونها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وما يغلف ذلك كله الإيمان بالله، وبذلك يرتاح ضميرنا، لأن أحداً من أمم الأرض، لا يؤمن بالله كما نؤمن نحن، فضلاً على أنهم لا يملكون مانعرفه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر…

    فهل نحن فعلاً أفضل أمم الأرض؟ وهل تعني الآية فعلاً هذا المعنى؟ وماهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ وما علاقة الإيمان بالله في كل هذا؟

    بداية لنعرض الآية الكريمة كاملة أمامنا (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ )[آل عمران : 110]

    ولنعد أيضاُ في نفس الوقت لمعاجم اللغة العربية، ونتوقف عند معنى كلمة خير، فالمعاجم تقول لنا:( أن كلمة خير، هي ضد الشر، وأن الخير تعني النفع)، والمعنى الأخير، هو الذي يستقيم مع سياق الآية، ليصبح المعنى أنكم أنفع أمة أُخرجت للناس، وما يؤكد هذا المعنى قوله عليه الصلاة والسلام (خَيْرُكم خَيْرُكم لأَهله )، فالأفضلية إرتبطت تماماً بمقدار النفع المتأتي من هذا الشخص تجاه أهله، فالخير في الآية هو من الخيرية، وليس من الأفضلية، بل إن الأفضلية متحققة بمقدار الخيرية الناتجة عن هذه الأمة، أو عن هذا الشخص.

    ومن هنا نلاحظ قوله عليه الصلاة والسلام (إن الله وملائكته وأهل السموات والأرضين حتى النملة في حجرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير)، رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب صحيح وصححه الشيخ الألباني.

    غير أننا لو نظرنا لسياق الآيات في سورة آل عمران، لوجدنا أن كلمة الخير، لا تحمل معنى الأفضلية، بل كانت واضحة الدلالة في هذه الآيات أنها تعني الأنفع والأصلح، يقول رب العزة (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) … (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110) …( لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَـئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114)) آل عمران


    لتكن منكم أمة يدعون إلى الخير، وبعدها بعدة آيات كنتم خير أمة أخرجت للناس، ثم وصف الله سبحانه لطائفة من أهل الكتاب، بأنهم يسارعون في الخيرات، كما نلاحظ تواتر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذه الآيات جميعها.

    ولو كان فهمنا لمراد رب العزة ، القول بالمعنى الأول الذي صدرناه في بداية المقال، لكان الأصوب لغوياً القول بأنكم خير أمة أخرجت في الناس، وليس للناس، فإستعمال اللام هنا، دل أن هذه الأمة، تحمل رسالة عالمية بإمتياز، تفيد كل الناس، مهما كانوا، وأينما كانوا، فهذه الأمة أنفع أمم الأرض لغيرها، ومقدار أفضليتها مرتبط بمقدار نفعها لغيرها، وهو ما عبر الله عنه، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل إن أحد أشكال الخير والنفع للناس، هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    بطبيعة الحال، ما يتبادر لذهن القارئ عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هو تلك الأوامر الدينية، التي تصدر من أشخاص أو هيئات، إرتبطت بهذه الظاهرة، بل وإرتبط فعل الحض على الطاعات بهذه التسمية، مع أن التسمية أوسع من أن نضيقها بهذه الخانة.

    يبدو ذلك واضحاً من الآية نفسها، فهذه الأمة، أنفع الأمم للناس، والناس، قد يضمون المؤمن والكافر، وإذا فهمنا جواز أو وجوب حض المؤمنين على الطاعات وترك المنكرات، فهل يستقيم دعوة غير المؤمنين لذلك، مع أنهم لا نقف وإياهم على أرضية مشتركة، يمكن بها فعل ذلك، فهل يستقيم حض الملحد مثلاً على الصلاة، وهو لا يؤمن أساساً برب العالمين.

    لنعد مرة أخرى ونتأكد من معنى المعروف، فالقاموس المحيط يقول أن "المعروف هو اسم لكلِّ فِعلٍ يُعرَفُ حُسْنُه بالعقل أو الشَّرْع، وهو ضد المنكر"، وهذا تعريف شامل لما نريده، فالمعروف ما تعارف الناس عليه عقلاً أنه جيد، وما أقره الشرع أنه جيد، وبالتالي لا تجد أمة من أمم الأرض، لا تحض في أدبياتها على الصدق، والأمانة، والإلتزام، والحرص على الوقت، كما لا تجد أمة منها، لا تنهى عن الكذب، والغش والخداع، فهذا هو المعنى الذي يقوم به الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع من لا يؤمن بالله.

    أما مع الذين يؤمنون بالله، فلا يقتصر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حدود الأوامر الدينية، كما نفهمه في حدودنا الضيقة، بل يتعداه ليصل به حدوداً لا يمكن إهمالها أو حصرها.

    قد يقول قائل: لكن حتى حث الملحد على الإيمان، يدخل من باب المعروف وصناعته والأمر به، وهذا لا شك فيه بالنسبة لنا كمسلمين، لكن غالباً لا يراه الملحد معروفاً، ومن هنا أؤكد أن المعنى يصب بشكل أكبر في ماتعارف الناس على حسنه كالصدق والأمانة، بغض النظر عن مدة إيمانهم برب العزة .

    إنني أرى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هو الصيغة الإسلامية للحوار الداخلي للمجتمع، هو الطريقة التي تتم بها تصحيح الأخطاء، سواء شرعية، أم عرفية، هو الصيغة التي تكفل تساوي الجميع أمام القانون، إنها حوار يستطيع فيه أي شخص أن يقول رأيه، ويجب على البقية الإستماع والتنفيذ، بكل رضا، طالما أن الرأي استند على قاعدة المعروف والمنكر، ولم يستند على قاعدة أخرى، تدخل فيها إعتبارات القوة، سواء كانت قوة معنوية متمثلة بالصلة من المتنفذين بالمجتمع، أم بقوة مادية مدعومة بوفرة من المال.


    إنها الصيغة المنشودة والمعبر عنها، في كل مكان في هذا العالم، حتى في أعرق برلمانات الأمم، فالمعروف ما تعارف الناس على حسنه.


    غير أن شيئاً ما ينقصنا في هذه المعادلة، فقد يتعارف الناس على شيء سيء، كما تعارف قوم لوط على الفاحشة، وكما يتعارف مدمنو المخدرات على حقن بعضهم البعض بها، فمايفعلونه معروف بالنسبة لهم، وقد يصل الإنحراف ليصيب المجتمع بأكمله، كما في قصة قوم لوط، وكما في قصة أهل مدين، عندما تعارفوا على بخس الوزن.


    فمالذي يحدد المعروف من غير المعروف، هنا يكمن سر قوله تعالى (وتؤمنون بالله)، إنه الإيمان به سبحانه، والإحتكام لمنهج يسمو على طمع البشر وأهوائهم، منهج لا يتغير بتغير الزمان والمكان، منهج لا يرتبط بتطور وتقدم، ولا بتخلف وتأخر، لا يحيد ولا يتبدل، موصول بالسماء.


    ومن هنا نقول أن الأخلاق، وبرغم وجودها في الفطرة الإنسانية منذ خلق الله آدم، تبقى بحاجة للإتصال بشيء ثابت، مرجعية واضحة، تعود إليها، وتنضبط بمعاييرها.


    وكما نرى أيها الإخوة، فإن معنى الآية مختلف تماماً عن ما اعتدنا سماعه، بل هو معنى كبير وعميق، يعود بالنفع على كل البشرية، فالحمد لله الذي جعلنا من خير أمة أخرجت للناس، وجعل خيريتها متعلقة بمقدار نفعها للناس، وصلى الله وسلم على معلم الناس الخير، والله أعلم



    ملاحظة ختامية:
    غني عن القول، أن بعض أفكار المقال مستقاة من سلسلة محاضرات لأحد الدعاة من اليمن.
    (وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ )

  • #2
    المشاركة الأصلية بواسطة ابو تيماء
    نعم يُدعون إلى أم الطاعات وأساسها: الإيمان بالله تعالى وتوحيده في العبادة

    ولا مفرّ لهم من العقوبة إن لم يفعلوا ..
    جزاك الله خيراً على تعقيبك، لكنك أجبت على سؤال آخر، غير السؤال الذي قلته أنا، فأنا لم أنكر أو أدعو لعدم دعوته للإيمان، لكن قلت لا يستقيم أن أدعوه للصلاة وهو لا يؤمن.

    لعل في هذا توضيحاً بارك الله فيكم
    (وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ )

    تعليق


    • #3
      المشاركة الأصلية بواسطة ابو تيماء
      يتخلل هذه الرؤية ما يسمّى بضغوط المادّية والتي تفشت بوسائل العصر الحديثة والمختلفة

      فكيف يدعى إلى أدبيات الصدق والأمانة و و .. مع البشر

      ولا يدعى إليها مع خالق البشر سبحانه

      فالصدق مع الله وأداء ما أمر به والدعوة إلى ذلك هو أعظم النفع للبشرية

      وما دونه فإلى فناء
      أرجو أن تلاحظ أخي أبا تيماء مايلي:

      أنا لا أقول بما لاحظته أنت من ضغوط مادية، بل أؤكد على أن قمة النفع هي الدعوة لله ، لكن هذا لا يمنع أن أكون نافعاً بما هو أقل من ذلك.

      ثم لا أرى مانعاً أن أكون متمسكاً بديني ونافعاً للبشرية في نفس الوقت، فإن رفضت البشرية دعوتي للإيمان بالله، فلعلها تقبلها إذا مارأت أنني أدعو إلى مكارم الأخلاق، التي تممها عليه الصلاة والسلام.

      مع ملاحظة أن البشرية لا تشمل الذين يقاتلونني في ديني وفي أرضي، ومن يعاونهم.

      والله أعلم
      (وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ )

      تعليق


      • #4
        المشاركة الأصلية بواسطة أحمد قطشة مشاهدة المشاركة
        جزاك الله خيراً على تعقيبك، لكنك أجبت على سؤال آخر، غير السؤال الذي قلته أنا، فأنا لم أنكر أو أدعو لعدم دعوته للإيمان، لكن قلت لا يستقيم أن أدعوه للصلاة وهو لا يؤمن.

        لعل في هذا توضيحاً بارك الله فيكم
        هذه المقالة بعنوان كنتم خير امة”..رؤية جديدة : للدكتور. أحمد قطشة بارك الله به . وقد أضاف معانِ في غاية الروعة لظلال هذه الآية . فبارك الله بك يا دكتور ونفع بك .

        تعليق


        • #5
          المشاركة الأصلية بواسطة ابو تيماء
          بل تشملهم كلّهم حتى المقاتلين

          والمستثنى موالاتهم ومحبتهم ونصرتهم

          أما دعوتهم إلى الحق فلا ..

          ونفع الله بك وبارك في عملك
          وبارك فيك أخي
          والله في الأساس كتبتها كل البشرية، لكن رأيت فيما بعد ما كتبت وعلى كل لا خلاف بإذن الله، لكن لم أتبين سبب قولك: أما دعوتهم للحق فلا.. فهلا بينت مشكوراً

          المشاركة الأصلية بواسطة تيسير الغول مشاهدة المشاركة
          هذه المقالة بعنوان كنتم خير امة”..رؤية جديدة : للدكتور. أحمد قطشة بارك الله به . وقد أضاف معانِ في غاية الروعة لظلال هذه الآية . فبارك الله بك يا دكتور ونفع بك .
          وبارك فيك أستاذ تيسير ونفع بعلمك
          (وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ )

          تعليق


          • #6
            بارك الله فيك وجزاك خيراً
            (وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ )

            تعليق

            19,962
            الاعــضـــاء
            231,992
            الـمــواضـيــع
            42,584
            الــمــشـــاركـــات
            يعمل...
            X