إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • تفسير سورة المنافقون

    بسم الله الرحمن الرحيم
    سورة المنافقون

    سيمت هذه السورة «سورة المنافقون»لأنه ذكر فيها من كلماتهم ما جمعوا فيه بين الصدق والكذب، كما أنهم جمعوا بين الإيمان الظاهر والكفر الباطن، وذكر فيها من كلماتهم الشنيعة ما لم يذكر في غيرها.
    والنفاق: إظهار الإيمان باللسان، وكتمان الكفر بالقلب. والمنافق: هو الذي يُضمِرُ الكفرَ اعتقادًا، ويُظهِر الإيمانَ قولًا.
    يا أيها الرسول ﴿ﮐ ﮑ﴾ وحضر مجلسك ﴿﴾ العريقون في وصف النفاق بإسلامٍ ظاهرٍ وكفرٍ باطنٍ ﴿﴾ مخاطبين لك زاعمين كمال عنايتهم بك ترويجًا لنفاقهم: ﴿ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗﮘ ﴾ المبعوث إلينا، مؤكدين كلامهم بـ «إنّ» و«اللام» الداخلة في خبرها ليوهموا أن شهادتهم هذه صادرة منهم عن اعتقاد راسخ بصدقك ورغبة وافرة في اتباعك.
    ولما كانت الشهادة هي الإخبار عن علم اليقين لأنها من الشهود الذي هو كمال الحضور وتمام الاطلاع، والمنافقون أفهموا بقولهم (ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ) شهادةً واطأت فيها قلوبُهم ألسنتَهم، صدّق الله المشهودَ به وهو قولهم (ﮕ ﮖ ﮗ) لأنه خبرٌ مطابق للواقع، وكذبهم في شهادتهم ودعواهم مواطأة ألسنتهم قلوبهم، فقال : ﴿ﮙ ﮚ﴾ وعِلمُه هو العلمُ في الحقيقة ﴿ ﮛ ﮜ ﴾ مؤكدًا بـ«إنّ» و«اللام» ردًّا لإنكار المنافقين رسالتَه ﷺ وإعلامًا بمزيد حقيتها، شَهِدَ المنافقون بذلك أمْ لا،﴿﴾ المحيط بكل شيء علما﴿﴾ بما يعلمه من حال المنافقين شهادةً هي الشهادة في الحقيقة لإحاطتها بدقائق الظاهر والباطن ﴿ﮟ ﮠ﴾ الراسخين في وصف النفاق﴿ﮡﮢ﴾ في إخبارهم عن أنفسهم بأنهم يشهدون بذلك من صميم القلب وخلوص الاعتقاد.
    ولما دار معنى ما سبق على أنهم لم يعتقدوا حقية ما شهدوا به، والتفتت النفسُ إلى عِلْمِ السبب الحامل لهم على ذلك الكلام المؤكد والكذب السمج، علَّلُه بأنهم ﴿ﮣ ﮤ ﴾ الفاجرة ﴿﴾ ووقايةً وصَوْنا من مؤاخذة النبي ﷺ وصحبه لهم بالقتل لرجالهم والسبي لعيالهم والأخذ لأموالهم وغير ذلك من المكاره الدنيوية، ﴿ﮦ ﮧ ﮨ ﮩﮪ ﴾ وطريقه الذي شرعه لعباده ليصلوا به إلى محل رضوانه، فمنعوا من أراد من الناس الدخول في الإسلام بذِكْر مثالب فيه وتنقيصاتٍ له لينفروهم عنه، وصدوا أيضا من أراد الإنفاق لمالِه في سبيل الله ووجوهِ الخير الموصلة إلى نيل رضوانه بالنهي عنه والتحذير من الصرف، كما سيخبر عنهم فيما بعد بقوله تعالى: (ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ).
    ولما بلغ ما أخبر به الله من حال المنافقين غاية الشناعة ونهاية الفضاعة، أنتج عنه ﴿ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ﴾ من الجرأة على رسول الله ﷺ وخُلَّص العباد بارتكاب النفاق والصدِّ عن سبيل الحق والإعراض عنه والاستمرار على النفاق وفاجر الأيمان.
    ولما قضت المعاصي بطمس البصائر وإظلام السرائر، فكيف بأعظمها وهو النفاق، علله بقوله: ﴿﴾ الأمر العظيم من البُعد عن الخير والتناهي في الشر﴿﴾ أي بسبب أنهم﴿﴾ في الظاهر الإيمان اللساني لا القلبي، فنطقوا لسانًا بكلمة الشهادة لله بالوحدانية ولنبيّه ﷺبالرسالة لتحصين دمائهم وأموالهم، ﴿﴾ في نفس الوقت﴿ ﴾ في الباطن باعتقاد خلاف الحقّ، واستمروا عليه حتى تمرنوا على الكفر وصار معتادًا لهم وطبعًا من طباعهم، ﴿ﯗ ﯘ ﯙ﴾ بما احتوته من أكبر الكبائر نفاقًا﴿ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ﴾ حقيقة الإيمان ولا يعرفون صحته ولا يهتدون إلى إخلاصه.
    ولما وصف الحق سبحانه بواطنهم بما زهّد فيهم، حذّر من الاغترار بأشكالهم التي تسر الناظر إليها، فقال : ﴿ﯞﯟ ﯠ﴾ الرؤية البصرية ﴿ﯡ ﯢﯣ﴾ لاستواء خَلْقِها وحُسْن صورتها وطولِ قامتها، ﴿ﯤ ﯥ ﯦ ﯧﯨ ﴾ لفصاحتهم وحلاوة كلامهم وعذوبة منطقهم.
    وقد كان عبد الله بن أبيّ بن سلول الذي نزلت السورة بسببه وسيما منظرُه، فصيحا منطقه، جسيما هيكله، صبيحًا خده، منطلق اللسان، يحضر في بعض الأحيان مجلس رسول الله ﷺ مع الناس ويتصدر ويتكلم مفصحا عن كل ما يريده على عادته في ترويج نفاقه.
    ﴿﴾ أي المنافقين في حسن ظواهرهم وسوء بواطنهم ﴿﴾ جافة مقطوعة من منابتها، تبدو في ظاهرها صالحة للبناء أو غيره، لكنها في الحقيقة خالية عن كل نفع لفساد جوفها، ﴿ ﯫﯬ ﴾ إلى الجدران لعدم صلاحها لشيء من الأشياء، فشُبِّهوا بتلك الخشب بجامع صلاح الظاهر وفساد وخبث الباطن.
    ولما كان من يقول ما لا يفعل يصير متهِمًا لكل من يكلِّمُه، فيُضمِرُ عداوة كل الناس، فيكسِبُه ذلك أشدّ الجبن، وهو السبب الأعظم في تحسين قوله، قال مزهّدا فيهم بالكلية، مُعلِما بغاية جُبنهم وخوفهم وعدم إغناء تلك الجسوم الحسنة شيئا: ﴿﴾ بضعف عقولهم وفرط ارتيابهم لكثرة ما يباشرون من سوء أعمالهم ﴿ ﯮ ﯯ ﴾ من نداء مناد ـ في العسكر لمصلحة أو إنشاد ضالة ـ واقعة ﴿ﯰﯱ ﴾ نازلة بهم، فهم أبدًا في رعب شنيع وخوف فضيع من انكشاف أسرارهم ونزول أهتاكهم وأستارهم المبيحة لدمائهم وأموالهم، فقد كان المنافقون على وَجل عظيم وخوف شديد من أن ينزل الله على رسوله ﷺ في شأنهم قرآنا كريما يهتك أستارهم ويفضحها، ويكشف أسرارهم ويشرحها، ويبيح دماءهم وأموالهم، كما وقع في سورة التوبة من بيان شؤونهم وكشفها وإطلاع الرسول عليها، ومن ثم سُمِّيت بالفاضحة، فيحسبون كل صيحة يسمعونها في المسجد أو غيره أنها عليهم، وأنه ﷺ قد أمر بقتلهم، فهم أبدًا وجلون من أن ينزل الله فيهم أمرًا لا تبقى لهم معه دماء ولا أموال.
    فبان سبب تزعزع بواطنهم واضطراب أحشائهم، وإدامة إضمارهم السوء مكرًا بالمؤمنين، ومن ثم زاد في التحذير منهم بأنهم ﴿ﯲ ﯳ ﴾ الكاملون في العداوة للرسول ﷺ والمؤمنين، الراسخون بعراقتهم فيها ودوامهم عليها بطونا، وأخذهم في حيلها وتربص الدوائر والغوائل كمونا.
    ﴿ ﯴﯵ﴾ جهدك، ولا تطمئن لهم لأنهم في شدة عدواتهم للإسلام وأهله وسعيهم فيها على قلب واحد، وإن أظهروا التردد في الكلام والتقرب إلى أهل الإسلام؛ لأن ألسنتهم معك وقلوبهم عليك مع أعدائك، فهم عيون لهم عليك.
    ومن ثم دعا عليهم بقوله: ﴿ﯶ ﯷﯸ ﴾ وطلب بكلامه الأزلي من ذاته العلية ونفسه القدسية أن يلعنهم بالطرد من رحمته والبُعد من كرامته، فلا يُقبِلون عليه، ولا يتوجَّهون إليه، فيستمرون في درك الخسران والحضيض الأسفل من الذلة والهوان.
    واعلم أن حال المنافقين في غاية العجب في انصرافهم عن الحق والنور المبين إلى ما هم عليه من الكفر والضلالات بعد قيام البراهين والآيات البينات، ومن ثم دل عليه الحق بقوله معجّبا: ﴿ﯹ ﯺﯻ ﴾ أي: فليتعجب المتعجبون وليتأمل المتأملون كيف يصرفون بسوء اختيارهم كسبًا عن الدين الحق والهدى البحت المختار لكل عاقل إلى ما هم موَطِّنون أنفسهم عليه من الكفر بالله ورسوله والضلال الزائغين به عن سلوك سبيل الهدى والغي الحائدين بسببه عن المراد.
    ولما كان ما عليه المنافقون أمرًا عظيما قاطعا عن الله تعالى ورسوله، فيحتاجون حاجة شديدةً إلى التطهير، لا يطهِّرهم غاية الطهر إلا سؤال النبي ﷺ ، وكانوا لم يفعلوا ذلك استكبارا، دلَّ على سوء بواطنهم بقوله: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ﴾ من أي قائل كان من المؤمنين بطريق النصيحة لهم: ﴿﴾ رافعين أنفسكم عن أسفل الحضيض، مجتهدين في ذلك بالمجيء إلى أشرف الخلق ﴿ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﴾ ويسأل من ربه الغفران لأجلكم بعد متابكم من هذا النفاق المصرين عليه والشقاق المتوجهين إليه ﴿ ﭙ ﭚ﴾ وصرفوها إلى جهة أخرى إعراضًا واستكبارًا لشدة ما في بواطنهم من المرض، ﴿ﭛ ﭜ﴾ ويعرضون إعراضًا عن القائل لهم ذلك أنفةً أن ينحطوا إليه ويقبلوا نُصحَه، أو إعراضًا عن الاستغفار لهم من الرسول شماخة وتكبرًا، فلا يقبلون ما دُعوا إليه، مجددين لذلك كلما دعوا إليه ﴿ ﭝ ﭞ ﭟ﴾ ومستنكفون عن ذلك القول أو الاستغفار.
    ثم بين الله عدم تأهّل المنافقين للاستغفار لهم لعدم إيمانهم، فقال لنبيه ﷺ: ﴿ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ﴾ ذنوبهم بسؤال مَحْوِ عينها ومَحْقِ أثرها في الوقت الذي جاءوك فيه معتذرين إليك بإبداءِ العذر من جنايتهم الكفرية ظاهرًا وقلوبهم كافرة أبية ﴿ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ﴾ في الوقت الذي لم يأتوك فيه معتذرين، بل أصروا مقيمين على قبائحهم مرتبكين في فضائحهم معرضين عن سؤال الاستغفار منك أنفةً من الاعتذار إليك من جنايتهم، فهما سيان في حقهم لعدم جريهم على مقتضى الإيمان الحقيقي وعدم سيرهم على المنهج السويّ.
    ومن ثمّ عوقبوا بأنهم ﴿ﭨ ﭩ ﭪ ﭫﭬ ﴾ تلك الذنوب، ولن يمحص جناياتهم أبدًا؛ لإصرارهم على الفسق الشنيع البالغين فيه الغاية، ورسوخِهم في الكفر الفضيع لا ينفكون عنه ولا يبرحون منه، فلم يبق لغفران ذنوبهم سبب، فـ﴿ﭭ ﭮ﴾ العليم الحكيم ﴿ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲﭳ ﴾ الخارجين عن الطاعة وعن دائرة الصلاح بنفرتهم عنها بالمرة وبُعدهم منها بالكلية، فهم منهمكون في الكفر والشقاق، مستغرقون في الغيِّ والنفاق، ففسقُهم فضيع لا كسائر الفسق، فسبب عنه قطعُ عنهم الإحسان، وحرمان العفو والغفران.
    ولما دار فلك رسوخهم في هذا الوصف على غوائل شنيعة وقبائح فضيعة أوجبت عدم مغفرة الله لهم، بين الحق بعضها بأنّ أولئك المنافقين ورؤساءهم ﴿ ﭴ ﭵ ﭶ﴾ للأنصار بالألسنة نطقًا وبالقلوب عقدًا: ﴿ ﭷ ﭸ ﴾ أيها الأنصار ﴿ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﴾ ويعنون فقراء المهاجرين من المكيين وغيرهم لأنهم المحتاجون لذلك، وبهم غصت حلوق المنافقين وشرقت صدورهم، وعليهم يدور فلك الغزو والسرايا غالبا لكثرتهم ﴿ﭾ ﭿﮀ ﴾ ويتفرقوا عن رسول الله ﷺ ويرجعوا إلى قبائلهم وعشائرهم.
    ولما شرح الله حال المنافقين الفاسد، وبين مقالهم الكاسد، رجّى كرام الصحب وقوّى يقينهم بردّهم إلى ما عنده من خزائن الأرزاق المفاضة على الآفاق من الصامت والناطق والكاذب والصادّ، وتمحيصًا للتوكل عليه، وتمحيضًا لكمال التوجه إليه، وتأييسا لهم مما في أيدي الناس، وإلهابًا إلى الرغبة فيما عنده بلا إلباس، فقال ﴿﴾ المتصرف في ملكه بالاختيار، القادر على الإقلال والإكثار، والتوسيع والإقتار ﴿ ﮂ ﮃ﴾ كلها ﴿﴾ كذلك، فلا تصرف لأحد معه في شيء منها ولا تدبير، ولا دخل ولا تقدير، له سبحانه الأمر كله، يعطي من يشاء ما يشاء منها، ويمنع ما يشاء منعه فلا يعطيه شيئا، ﴿ﮅ ﮆ ﮇ ﮈﮉ﴾ ولا يفهمون ذلك المذكور من تفرده تعالى بخزائن السموات والأرض صنعا وملكا وإفاضة وتصرُّفا وإعطاء قبضا وبسطا، وذلك لجهلهم بالله وعدم معرفتهم بشؤونه الكاملة الجليلة، وانقطاعهم إلى الأسباب معرضين عن المسبِّب، معتقدين أن من انقطع سببُه فقد انقطع رِزقُه، بل ربما اعتقدوا أن أسبابهم هي الرازقة، وهذا هو الضلال نعوذ بالله منه.
    وبسبب هذا الجهل بشؤونه تعالى يقول المنافقون فيما بينهم ما يقولون من مقالات الكفر المارة وغيرها، ويرتكبون ما يرتكبون من عظائمه، فإن من نسب الله تعالى للعجز وعطل قدرته عن التصرف وأضاف الحقائق إلى غيره خلقا واختراعا فقد ضل ضلالا مبينا، ولو عرفوه ما تجرؤوا على ذلك ولا ارتكبوا تلك المهالك ولا سلكوا من الوقاحة أفضع المسالك.
    وهو جهل لم يعذروا به لظهور بطلانه لكل عاقل، ووضوح دلائل ضدّه وتظافرها، فالإقامة فيه سفهٌ وعمًى، ورضى بالدون والسفساف.
    وفيه دليل على أن من تسوَّر على الله ورسوله وأهان دينه الحق واعتقد ما لا يليق به تعالى مما قام البرهان العقلي على خلافه ضالٌّ خاسِر، نعوذ بالله من المحن، ونستكفيه غوائل الفتن.
    ثم شرع تعالى في بيان جناية أخرى من جنايات المنافقين الدالة على جهلهم به فقال : ﴿﴾ أي «ابن أبيّ» وأتباعه ﴿ ﮋ ﮌ﴾ من غزونا هذا وهي غزوة بني المصطلق ﴿ ﮍ ﮎ﴾ وأقمنا بها مطمئنين ﴿ ﮏ ﮐ﴾ ويعنون أنفسهم الخبيثة﴿ ﮑ ﮒﮓ ﴾ يعنون المؤمنين، فردّ الله عليهم ذلك القول وأبطله بقوله: ﴿﴾ المنفرد بعز الألوهية والقوة التامة والقدرة على التصرفات العامة ﴿﴾ كلها، ﴿﴾ العزة المفاضة عليه من الله بالنبوة والرسالة وإظهار دينه على كل دين، ﴿﴾ بالتأييد والتمكين، لا لغيرهم من المنافقين كما زعموه مخذولين، واعتقدوه بالظواهر مغترين، وقد فعل سبحانه ذلك الإعزاز بإعلاء ذكر نبيه المختار، ونصر حزبه الأبرار، وإنزال المنافقين دركات الخسران، فلم تلح لهم بارقة، ولا سلمت لهم سابقة ولا لاحقة.
    ﴿ ﮘ ﮙ﴾ المستحكم فيهم مرض القلوب ﴿ ﮚ ﮛ ﮜ([1]) لفرط جهلهم المانع لهم من إدراك الحقائق وشدة غرورهم بالفانيات، فإنهم لا يعرفون العز إلا بالصورة والهيئة والأسباب الزائلة من مال وحشم وخدم، كما أنهم لا يفقهون الخزائن إلا ما قفلوا عليها أبوابهم.
    ولما كان سبب ما عليه المنافقون هو الاعتزاز بالأولاد والأموال، والإعراض عن معرفة ذي الجلال، نهى الله المؤمنين عن الأمور المؤدية للجهل به، وفي ذلك الأمر بتحصيل ما يؤدي إلى معرفته والدوام على ذكره، فقال : ﴿ ﮝ ﮞ ﮟ ﴾ مصدِّقين ومذعِنين بظواهرهم وبواطنهم بما جاء به النبي ﷺ ﴿ ﮠ ﮡ ﴾ بالتكالب في تحصيلها، والتهالك في طلب النماء فيما زاد على الحاجة منها ﴿﴾ تشغلكم ﴿﴾ بالشغف بحبهم والسرور بهم ﴿﴾ الاشتغال بـ﴿ﮦ ﮧﮨ ﴾ بإقامة فرائضه من توحيده وأداء الصلاة المكتوبة وسائر العبادات المفروضة كالحج والزكاة والصوم وغير ذلك، فلا يعوقنكم الأول عن الثاني لأنه المقصود أولا وبالذات، والآخر ثانيا وبالعرَض؛ (ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ)([2])
    ﴿ﮩ ﮪ ﮫ﴾ التلهي بالدنيا المالية والولدية عن إقامة الدين، دون توبةٍ ﴿﴾ البُعداء عن الخير ﴿ﮭ ﮮ ﮯ﴾ لأنهم باعوا العظيم الباقي في روضات الجنات بالحقير الفاني من ثمرات الأموال والأولاد التي في الغالب أكدار وأنكاد.
    ولما حذر من الإقبال على الدنيا والانقطاع إليها، رغّب في بَذْلِها مخالفةً للمنافقين، فقال : ﴿﴾ أيها المؤمنون ببذل ما أمرتم به من نفقة واجبة أو مندوبة ﴿ﮱ ﯓ ﯔ﴾ واصرفوا في وجوه الخير بعض ما أعطيناكم من رزقنا المفاض عليكم، وابذلوه في مرضاتنا ادخارًا للآخرة عندنا، تقدّمونه بين أيديكم فتجدون ثوابه عظيما، فذلك الربح الحقيقي، لا ما استبقيتموه بغير وجه شرعي، فإنه يؤول إلى خسران فادح.
    ولما تطارد الجديدان([3])، وتعاقبت الأزمان بنوائب الحدَثان، ولم يقطع عاقل لنفسه ببقائها ولو لحظة ما لإمكان موته في كل نفَسٍ من أنفاسه، نفّر الحق سبحانه عن التقاعد بالإنفاق، وحذّر من التكاسل عن اللحاق بالرفاق، فقال : ﴿ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﴾ بأن يشاهد دلائله الدالة عليه ويعاين أماراته وعلاماته المؤذنة بحلوله كالمرض الشديد وسكراته الموت الشديدة وغمراته المفرطة المقتضية للإقبال على الله تعالى، فيضطر المحتظر إلى الرغبة إليه تعالى ﴿﴾ سائلا الإمهال عند تيقنه بشدة قرب نزول الموت به: ﴿ﯜ ﯝ ﯞ﴾ وأنظرتني بتأخير موتي ﴿ ﯟ ﯠ ﯡ﴾ ولو أقل قليل يسعني فيه تلافي ما فرّطت في تقديمه من عمل الخير وإنفاق المال في مرضاتك، ﴿﴾ بالأموال الكثيرة ﴿ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ
    ولما بين تعالى حال المحتظر المضيّع، وحذّر من التفريط في العمر المتسع، زاد في الحث على المبادرة بالطاعات، فقال ﴿ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﴾ من النفوس ﴿ ﯫ ﯬ ﯭﯮ ﴾ وتحقق أنه آخر عمرها الذي لا تتجاوزه بدقيقة، ﴿ﯯ ﯰ ﴾ بدقائق الأمور، عالم ﴿ ﯱ ﯲ ﯳ ﴾ في جميع أوقاتكم من باطن أمركم وظاهره.
    وإذا أحاط علما بذلك كله، ولا يخفى عليه من عملكم شيء، فيجازيكم عليه ثوابا وعقابا كيف ما صدر منكم، إن كان عملكم خيرًا من الطاعات والصدقات فجزاؤكم خيرٌ ولا تظلمون فتيلا، وإن كان عملكم شرا من كفر ونفاق وعصيان وشقاق فجزاؤكم شرٌّ طبق ما عملتم، جزاء وفاقًا، فسارعُوا في الخيرات وما فيه نيل المرضاة، وجدّوا في امتثال المأمورات واجتناب المنهيات، واستعدوا في يسير هذه اللحظات، وتهيئوا لما هو آت من الأهوال المتصادمة بعد الوفاة، واستعينوا عليها بالأعمال الصالحات والتزود في العمر القليل للسفر الطويل بتقوى الملك الجليل، فإن خير الزاد التقوى، وشره الارتباك في العصيان والشقوى.


    ([1]) فائدة: الحكمة في فصل الآية الأولى بالفقه، والثانية بالعلم، إعلامه تعالى بالأولى بقلة كياسة المنافقين وفهمهم، وبالثانية بفرط حماقتهم وجهلهم لعدم خفاء دلائل عزته تعالى على أحد؛ لِمَا تحقق من قهره للملوك بالموت الذي لم يقدر أحد على الخلاص منه، ومن المنع من أكثر المرادات، ومن نصر الرسل وأتباعهم بإهلاك أعدائهم بأنواع الهلاك، وبأنه تعالى ما قال شيئا إلا تمّ، وما قال رسوله شيئا إلا صدقه فيه. اهـ
    جمعه الفقير إلى ربه الهادي: نزار بن علي حمادي


    ([2]) الذاريات: ٥٦.

    ([3]) وهما الليل والنهار.

  • #2
    [﴿﴾ مخاطبين لك زاعمين كمال عنايتهم بك ترويجًا لنفاقهم: ﴿ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗﮘ ﴾ المبعوث إلينا، مؤكدين كلامهم بـ «إنّ» و«اللام» الداخلة في خبرها ليوهموا أن شهادتهم هذه صادرة منهم عن اعتقاد راسخ بصدقك ورغبة وافرة في اتباعك.]

    ما ذكرتموه جيد لكن ألا يمكن أن يكون توكيدهم من باب : ( يكاد المريب أن يقول خذوني )؛ فيكون في قولهم فضحٌ لهم مصداقاً لوعد الله ﭗ ﭘ ﭙ ﭚﭛ [محمد: ٣٠] ؟
    أستاذ مساعد بقسم البلاغة والأدب في كلية اللغة العربية بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

    تعليق


    • #3
      ما ذكرته أخي الكريم يبدو مستبعدا ؛ فإن لحن القول على حد قول المفسرين (واللفظ لابن عاشور): هو الكلام المحال به إلى غير ظاهره ليفطن له من يُراد أن يفهمه، دون أن يفهمه غيره، بأن يكون في الكلام تعريض أو تورية أو ألفاظ مصطلح عليها بين شخصين أو فرقة. وتلفظ المنافقين بالشهادة لا سيما مع المؤكدات التي استعملوها ليست من لحن القول ولا كلامهم من التورية لأنها دالة فعلا على معنى صحيح مطابق للواقع، ولو كان في شهادتهم ما يفيد كذبهم ونفاقهم بحيث يتفطن لذلك من كلامهم لما رد الله عليهم بتلك الردود الفاضحة لبواطنهم وشهد بكذبهم في مواطأة قلوبهم لألسنتهم، ولترك ذلك للمؤمنين لفرض سهولة اكتشاف أمرهم من لحن قولهم، فإن المثل القائل ( يكاد المريب أن يقول خذوني) يفيد شدة افتضاح المريب من مجرد قوله، ولم يكن هذا حال المنافقين الذين نزلت السورة بسببهم، وبمراجعة أسباب نزولها في كتب السير وصحيح البخاري يدرك ذلك، فإن النبي لم يصدق في بادئ الأمر زيدا بن أرقم، ولو عرف نفاق ابن أبي في لحن قوله لما تأخر تصديقة صل1 لزيد إلى نزول سورة المنافقون.. والله تعالى أعلم.

      تعليق


      • #4
        أنا لا أريد أن أجادل لكني أريد التذاكر :
        1/ أنا أقصد أن الذي يأتي ليقسم لك على أمر دون داع ٍ كأن يقول لك - مثلاً- دون أي سياق سابق : "والله إنني مشارك في ملتقى التفسير" سيجعلك قسمه هذا تشك في صدقه، وقد تقول له : " ولماذا تقسم ، أنا أعرف أنك مشارك ...".
        2/ ماذكره ابن عاشور احتمالٌ وذكر غيرُه غيرَ ذلك ؛ فمثلا قال ابن كثير : " أي: فيما يبدو من كلامهم الدال على مقاصدهم، يفهم المتكلم من أي الحزبين هو بمعاني كلامه وفحواه، وهو المراد من لحن القول، كما قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان : ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه، وفلتات لسانه..."، وقال السعدي: " أي: لا بد أن يظهر ما في قلوبهم، ويتبين بفلتات ألسنتهم، فإن الألسن مغارف القلوب، يظهر منها ما في القلوب من الخير والشر "، وهذا يشبه - وإن كان عكسه - الحديث الذي في البخاري : " إِنِّي لأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً ، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى" فالنبي صل1 أدرك من قَسَمِهَا ما في نفسها.
        أما ما في البخاري فلا يعارض ما احتملته لأني أقصد أن كلامهم من جنس ما يعرف من لحن القول، ولا أقصد أنه عرف منهم ذلك في ذلك الموقف تحديداً ، ثم إن عدم تصديقه صل1 لزيد قد يكون لأسباب أخرى ويعرف هذا بتتبع الرويات التي في فتح الباري ، وقد قال ابن حجر في آخر الحديث: " وفي الحديث من الفوائد ترك مؤاخذة كبراء القوم بالهفوات لئلا ينفر أتباعهم، والاقتصار على معاتباتهم وقبول أعذارهم وتصديق أيمانهم وإن كانت القرائن ترشد إلى خلاف ذلك لما في ذلك من التأنيس والتأليف ".
        ثم وجدت البقاعي يقول : " مؤكدين لأجل استشعارهم لتكذيب من يسمعهم لما عندهم من الارتياب "؛ فكأنه يشير إلى ما احتملته ، شاكراً لكم ما أفدتموني به .
        أستاذ مساعد بقسم البلاغة والأدب في كلية اللغة العربية بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

        تعليق


        • #5
          موضوع قيم ، وحوارٌ مفيد، بارك الله فيكم، وهذا شأن محاولة استكناه أسرار البيان في الكلام البيلغ دوماً، يقعُ فيه التفاوت في الأنظار، ويثمرُ مع المدارسة ما لا يُثْمِرُ مع الانفراد بالنظر.
          عبدالرحمن بن معاضة الشهري
          أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود

          تعليق


          • #6
            المشاركة الأصلية بواسطة محمد نصيف مشاهدة المشاركة
            أنا لا أريد اأن أجادل لكني أريد التذاكر :
            1/ أنا أقصد أن الذي يأتي ليقسم لك على أمر دون داع ٍ كأن يقول لك - مثلاً- دون أي سياق سابق : " والله إنني مشارك في ملتقى التفسير" سيجعلك قسمه هذا تشك في صدقه، وقد تقول له : " ولماذا تقسم ، أنا أعرف أنك مشارك ...
            أشكرك على المدارسة.. لكن اعرض هذا الأمر بإنصاف ـ أخي نصيف ـ تجده غالبا بخلاف ذلك، فالقسم يأتي للتأكيد غالبا، وهذه حقيقته، ولسائل أن يسألك: لماذا يقسم المولى في غير ما آية بذاته العلية وما شاء من مخلوقاته على أمور لا نشك في قدرته عليها، ولا يجوز لنا القول: لماذا يقسم تعالى على أمور نعلم قدرته عليها، ولا يورثنا قسمه شكا في ذلك بحال من الأحوال، بل لا يزيدنا إلى تصديقا..
            فقسم المنافقين في الآية ـ حسب ما ظهر لي ـ لا يفهم منه بحال كذبهم على الأقل في المشهود به، ولذا صدقهم الله تعالى فيه، لكن كذبهم متعلق بأمر باطن في قلوبهم لا يدل عليه ظاهر قسمهم، ولذا كذبهم علام الغيوب سبحانه بما في بواطنهم مما لم يظهر من ظاهر قولهم، ولا يحيط به علما إلا الخبير بذات الصدور ، والله تعالى أعلم.
            وإذا كان الأمر دائرا بين احتمالات متعددة كلها جائزة في العقل، واحتملها النص، فللمفسر أن يختار أقربها إلى الصواب والمراد، وقد اخترت ما ظهر لي أنه الأقرب، لا سيما أني التزمت في تفسير الجزء الذي اشتغلت عليه ذكر الأقرب للمراد، مع عدم إقصاء المعنى الذي أوردته أخي الكريم ولكن ظهر لي بعدُه ببعض القرائن التي ذكرتها..

            تعليق


            • #7
              جزاك الله خيراً.
              ولا يخفى عليكم أن القسم على الأمر المعلوم له أغراض متعددة - وهذاشأن البلاغة عادة- فقد يكون لشدة غفلة السامع عنه -وهذا لعله المناسب لما أشرت إليه من آيات - وقد يكون لمجرد غرابته ، أو للاهتمام به ، وقد يكون لغير ذلك، وأنا لم أقصد بما ذكرته الحصر لأغراض توكيد الأمر المعلوم، والله أعلى وأعلم.
              أستاذ مساعد بقسم البلاغة والأدب في كلية اللغة العربية بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

              تعليق

              19,963
              الاعــضـــاء
              232,088
              الـمــواضـيــع
              42,597
              الــمــشـــاركـــات
              يعمل...
              X