إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • ((مقاصد السور القرآنية)) للشيخ د.محمد الخضيري

    (مقاصد السور القرآنية)

    *


    دورة مستمرة للشيخ / د. محمد الخضيري ألقيت في جامع عثمان بن عفان


    وهي دروس نافعة إبتدأ الشيخ فيها نبذة عن علم مقاصد السور، وأهميته في التفسير ،والفهم الصحيح للمقصد وضابطه وحده،


    وكيفية التوصل لمقصد السورة بخطوات، وأصناف المفسرين الذين عنوا بهذا العلم


    وأشار الشيخ:أن المقصد للسورة مما يعين الي فهم كتاب الله -تعالي- فهما صحيحاً


    ومن معرفة المقصد للسورة يتعرف الي نظم السورة والمناسبات بين آيات السورة


    وكذلك بمعرفة مقاصد السور تظهر بيان اعجاز القرآن وبلاغته


    - وهذا العلم مما يبعث رسوخ الايمان في القلب وبيان كيفية أن القرآن محكم


    ( وهذا المقدمة -بحث( مقاصد السور للشيخ د. محمد الربيعة) شرحها الشيخ الخضيري في بداية دورته


    - ثم ابتدأ بسورة الفاتحة( وذكر علوم السورة فيها، وتطرق لتفسيرها وفق هذا العلم


    - ومن ثمة سورة البقرة( وعلوم السورة فيها ، وكيفية ربطها بسورة الفاتحة، وترابط الآيات بعضها ببعضابنظم قرآني بديع)


    **


    رابط الدروس التي ألقيت الي الآن


    http://www.norayn.org.sa/o/?ar=oath&...ths=5&oathso=9

  • #2
    جزاك الله خيراً أختي الفاضلة على هذه المشاركة وبارك لنا في شيخنا الفاضل د. محمد الخضيري ود. محمد الربيعة وزادهم علماً بكتابه.
    سمر الأرناؤوط
    المشرفة على موقع إسلاميات
    (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

    تعليق


    • #3
      السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
      جزاكم الله خيرا وجزى شيوخنا الأفاضل خير الجزاء
      هل أجد لقاءات الشيخ محمد الخضيري والشيخ محمد الربيعة مفرغة؟؟ أحتاجها ضروري
      بارك الله فيكم

      تعليق


      • #4
        جزاكم الله كل خير وغفر لنا ولكم

        تعليق


        • #5
          تفريغ المحاضرة الأولى (وللعلم هي ليست من تفريغي إنما وصلتني من أخت فاضلة وسأقوم برفع المحاضرات بحسب ما تصلني إن شاء الله تعالى)
          بسم الله الرحمن الرحيم
          مقاصد السور القرآنية
          اللقاء الأول: 8-11-1430هـ
          إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى صحبه وسلم تسليما كثيرا، أما بعد:
          فهذا هو المجلس الأول من مجالس الحديث عن مقاصد سور القرآن، والتي أرجو الله فيها أن يعيننا على إتمام هذه المقاصد، وأن نمرّ على سور القرآن سورة سورة، فنتحدث عن مقصود كل سورة من سور القرآن، حتى يتبين لنا كثيرا من معاني هذه السورة.
          أيها الأحبة: الحديث عن مقاصد السور لا يكاد يكون مذكورًا في مجالس الدروس والمساجد، لذلك أحببنا أن نتحدث عنه، حتى نُعرّف الناس به، وحتى يكون طريقا لفهم القرآن، ومعرفة مقاصده وأغراضه، من خلال التعرف على الموضوعات الأساسية، والأهداف الكبرى لكل سورة، وهذا العلم أشار إليه جمع من المفسرين، بل واعتمده بعضا طريقا لفهم آيات السورة، ومعرفة موضوعاتها، والربط بينها وذكر مناسبات هذه الآيات وأيضا لمعرفة المناسبات بين مقاطع السور وبين قصصها المذكورة فيها، وبين أولها وخاتمتها كما سنبين إن شاء الله تعالى.
          في هذا المجلس سنتحدث عن مُقدمات مهمة في مقاصد سور القرآن، وسنكمل بقية هذه المقدمات في المجلس القادم ثم بعد ذلك نأخذ سور القرآن من الفاتحة إلى سورة الناس بإذن الله –- سورة سورة، ونتحدث في كل سورة عن مقصودها من خلال جمع كلام أهل العلم في مقصود تلك السورة، ثم بيان ما هو المقصود الذي يترجح لدينا، ثم ذكر الأدلة التي تبين أن هذا هو المقصود من تلك السورة، وماذا نستفيده من تحديد هذا المقصود، فبإشارة إلى أهم موضوعات تلك السورة، ومعرفة معانيها.
          أيها الإخوة الكرام: نحن نقرأ مثلا سورة البقرة، وهذه السورة طويلة، تقع في قريب من خمسين وجهاً من كتاب الله –عزّ وجلّ-، وإذا نظرت إلى هذه السورة، وجدت فيها موضوعات كثيرة، وجدت فيها الحديث:
          · عن قصة آدم وخلقه.
          · وعن قصة إغواء إبليس له.
          · وعن قصص بني إسرائيل وما حدث لهم مع أنبيائهم.
          · وعن ذكر البر، والقصاص، والوصية، والصيام والجهاد، والحج، والحيض، والعِدد، والطلاق، وعدة المتوفى عنها.
          · وذكر أيضا الموت والأدلة على البعث.
          · وذكر النفقة وأهميتها والترغيب فيها.
          · والتحذير من الوقوع في الربا.
          · وذكر المعاملات المالية.
          كل هذه الموضوعات عندما تنظر إليها نظرة سطحية، ستجد أنها موضوعات متفرقة، وليس بينها شيء يربط بينها، ولكن عندما نتحدث عن مقصود السورة، ستعلم بإذن الله كم كانت هذه السورة محكمة، كما قال الله – -: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ 1[هود: 1]، فما جعل الصيام بجوار الوصية إلا لحكمة، وما جعلت آيات الربا بجوار آيات الأمر بالإنفاق والحث عليه إلا لحكمة، وما ختمت هذه السورة بآيات المعاملات إلا لحكمة، وما افتتحت هذه السورة واختتمت بمثل ما افتتحت به إلا لحكمة، وهذا يبين لك أن هذا القرآن منتظم وأنه في غاية الدقة والإحكام، والجودة والإتقان، كما قال الله – -: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر:23]، فهذا الكتاب أحسن الحديث، وهو مثاني: يعني تثنى فيه الأحكام والأخبار والمواعظ، و تكرر وتردد بصور متنوعة، وبطرائق مختلفة، ووصفه الله في هذه الآية بأنه متشابه، متشابه بمعنى التشابه العام، في الجودة والإتقان والبلاغة، والروعة والجلالة، والبهاء والجمال، وحسن السبك والنظم، وهذا ما سنبينه إن شاء الله، من خلال هذا الدرس الذي نسأل الله أن يكون مباركاً وأن يكون خالصاً لوجه الكريم، وأن يكون نافعا لنا جميعا في فهم كلام ربنا.
          نبدأ أول ما نبدأ بالتعريف بعلم مقاصد السور ...
          تعريف علم مقاصد السور:
          فأول مسألة تأتينا في هذا الباب: تعريف مقاصد، ما الذي يراد بكلمة مقاصد؟
          هذه الكلمة تدور في لغة العرب على معنى التوجه والنهوض إلى الشيء، فإذا قال العربي: قصد فلان إلى كذا، أي توجه إليه يريده دون ما سواه، نهض إليه، يريد الوصول إليه دون ما سواه، فلو قلت قصدت مكة، يعني توجهت ونهضت إليها أريدها دون ما سواها.
          إذن: فالمقصد هو العمدة الذي يُتوجه إليه الكلام ويرجع إليه.
          يقول الفراهي: يبين المقصد الأساسي فيقول: " هو جماع مطالب الخطاب، فإليه مجرى الكلام، وهو المحصول والمقصود منه، فليس من أجزائه التركيبية ولكنه يسري فيه كالروح والسر، وربما يحسن إخفائه، فلا يُطلع عليه إلا بعد استيفاء الكلام والتدبر فيه"، تأمل هذه الكلمة من هذا الإمام، وهو الفراهي وهو من علماء الهند، يبين أن جماع الكلام أي ما يجتمع من هذا الكلام وما يُقصد منه هو المراد بقولنا مقصود السورة، وأن هذا في الغالب يكون خفياً، ليس جلياً ظاهراً، وبذلك يقول" فلا يطلع عليه إلا بعد استيفاء الكلام، والتدبر فيه" يعني لا نستطيع الإطلاع عليه في غالب الأحيان إلا بعد ما نتأمل وندقق ونجتهد،ويقول: "إن النظر في آيات السور لا يدع شكاً أن عمود الكلام- ويقصد بعمود الكلام مقصود الكلام أو مقصود السورة- ليسإلا الأمور الكلية، التي لا تتعلق بوقت ولا زمان" هنا يبين أن المقاصد لا يمكن أن تكون أشياء جزئية، بل لا بد أن تكون أشياء كلية عظيمة يُقصد إليها، ولذلك يمكن أن نستنبط من كلامه أن المقاصد لا بد أن تكون أمور كلية ليس متعلقة بزمان ولا بمكان، وأيضا هي معاني خفية، لا يوصل إليها إلا بالاجتهاد والنظر والتأمل ودقيق الفكر.
          *وبهذا يمكن أن نعرف مقصد السورة، بأنه :" مغزى السورة الذي ترجع إليه معان السورة ومضمونها، ويمثل روحها الذي يسري في جميع أجزائها" .
          إذن يمكن أن نعرف مقصد السورة: "مغزى السورة الذي ترجع إليه معان السورة ومضمونها، ويمثل روحها الذي يسري في جميع أجزائها".
          فعندما تنظر إلى المقصود تجده مركوزاً في كل موضوع من موضوعات السورة، وتجده بيناً واضحاً، يتراءى لك عندما تدقق في نظرك، وتتأمل تأملاً جيداً.
          *ويمكن أيضا أن نقول بعبارة أخرى إن مقاصد السور: علمٌ يعرف به مغزى السورة الجامع لمعانيها، ومضمونها.
          المغزى يعني الحكمة التي قصدت السورة لتحقيقها والهدف الأعلى والغاية العظمى التي جاءت السورة لتحقيقها.
          *وقد عرف البقاعي هذا العلم فقال: هو علمٌ يعرف منه مقاصد السور، وموضوعه آيات السور، كل سورة على حده.
          يعني أننا بهذا العلم نستطيع الوصول إلى مقصود السورة وغاياتها العظمى، وموضوع هذا العلم أي المكان الذي يبحث فيه هذا العلم هو آيات السور كل سورة على حده.
          فأنت تأتي إلى سورة البقرة بكاملها بجملتها، من أولها إلى آخرها، تأتي إلى سورة آل عمران كذلك، سورة النساء كذلك، مثل ما نقوله في سورة الفاتحة، والإخلاص، والفلق ، والناس، ونحوها من سور القرآن.
          المسألة الثانية في التعريف بهذا العلم: ما هي المرادفات لمصطلح مقاصد السور؟
          نحن الآن أسميناه مقاصد السور، ولكن بعض العلماء يسميه بغير ذلك ونحن سنذكر هذه الأسماء حتى إذا وجدت التنصيص عليها في بعض كتب التفسير لا يذهب وهلك إلى شيء آخر، بل هو يتحدث فيما نحن نتحدث فيه...
          · فنحن نسميه مقاصد- سنصطلح على ذلك سنبقى عليه.
          · وبعض العلماء يعبر عنه بسياق السورة، ويقول: وسياقها في كذا، ويقولون وسياق سورة الليل في السماحة والبخل، وسياق سورة الضحى في نعم الله على رسوله.
          · وبعضهم يسميها غرض السورة، فيقولون غرض سورة القيامة هو الحديث عن يوم القيامة، أو الحديث عن القيامة على كل شخص وعلى كل الناس، وغرض سورة قل هو الله أحد هو الإخلاص، إخلاص صفات الرب وأسمائه، التي لا يشاركه فيها أحد.
          · وأيضا يقال فيها الوحدة الموضوعية، لما يقال الوحدة الموضوعية في هذه السورة هي كذا.
          · كذلك الوحدة السياقية في السورة.
          · وكذلك من المصطلحات موضوع السورة العامة.
          · وكذلك عمدة السورة، وهدف السورة، ومحور السورة، ومضمون السورة، ومدار السورة، وفلك السورة، وجوّ السورة، وشخصية السورة، وروح السورة، وكل هذه يستعملها المفسرون، أو من يكتبون في التفسير كله أو بعضه للتعبير عن مقصود السورة.
          المسألة الثالثة: ما هو الفرق بين موضوعات السورة ومقصود السورة؟
          نحن اصطلحنا على أن نسمي هذا العلم مقصود السورة، لكن لا بد أن نوجد فرقا بينه وبين هذه الأجزاء التي تتكون منها السورة، وهي عبارة عن قضايا مختلفة مذكورة في السورة، عندما تنظر إلى كل قضية تجد أنها مستقلة، ولكن هناك خيط رفيع يجمع بين هذه القضايا ويؤلف بينها، هذه القضايا سنسميها نحن موضوعات السور، فمثلا عندما نقول سورة البقرة، سورة البقرة تتحدث عن:
          ü موضوع خلق آدم.
          ü عن خروج آدم من الجنة.
          ü عن نعم الله على بني إسرائيل.
          ü عن عصيان بني إسرائيل لنبيهم موسى.
          ü عن إنكار اليهود لنبوة النبي – -.
          ü عن نسخ القبلة.
          ü عن بناء إبراهيم –عليه الصلاة والسلام- للكعبة.
          ü عن البر وتعريفه.
          ü عن القصاص.
          ü عن الوصية.
          ü الصيام.
          ü الجهاد.
          ü الحج.
          إلى آخر ما هنالك، هذه موضوعات، فهذه نسميها موضوعات وما نريد الوصول إليه هو المقصود،
          نقول مثلا سورة البقرة نجدها اشتملت على موضوعات، منها:
          ü الأحكام التشريعية. لكن جميع الموضوعات فيها يجمعها مقصد واحد وهو: تقرير كليات الشريعة.أو حفظ الضرورات الخمس، وبهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية –"وقد ذكرت في مواضع ما اشتملت عليه سورة البقرة من تقرير أصول العلم، وقواعد الدين"
          وقال الشاطبي – تعالى في الموافقات: " لما هاجر النبي -- كان أول ما نزل سورة البقرة التي قررت قواعد التقوى المبنية على سورة الأنعام، فبينت العبادات، والعادات، والمعاملات، والجنايات وحفظ الدين، والنفس والعقل، والنسل والمال، فكان غيرها من السور المدنية مبنيا عليها".
          انظروا – يا إخواني – لهذا الترتيب العجيب: سورة البقرة مبنية على ما ورد في سورة الأنعام من الأمر بتقوى الله، ولذلك هي أول سورة نزلت في المدينة، وهذه السورة بينت العبادات و المعاملات والجنايات والعادات وبينت حفظ الدين، والنفس والعقل والنسل والمال، فكان غيرها من السور المدنية مبنية عليها، يعني ما جاء في سورة آل عمران مبني على ما جاء في سورة البقرة، ما جاء في سورة النساء مبني على ما جاء في سورة البقرة، ما جاء في سورة النور مبني على ما جاء في سورة البقرة، وما جاء في سورة الأحزاب مبني على ما في سورة البقرة، فكل ما جاء في السور المدنية مفرّع على ما جاء في سورة البقرة، وهذا يبين لك أن هذا القرآن نزل محكما، وأن آياته وإن فصلت فإن هذا التفصيل لا يخالف ذلك الإحكام ولا يضاده.
          ننتقل بعد ذلك إلى الموضوع الثاني من موضوعات هذا الباب وهو أهمية علم المقاصد:
          تتبين أهميه علم مقاصد السور من أمور:
          الأول: أن علم مقاصد السور راجع إلى تحقيق المقصد من إنزال القرآن.
          فهذا القرآن أنزل لهداية الناس، وهداية الناس لا تتحقق على وجه الكمال إلا بالتأمل الدقيق في القرآن الكريم، ومعرفة ما أُنزل القرآن من أجله، وما أُنزل القرآن من أجله لا يتبين إلا بالنظر إلى مقصود سور القرآن سورة سورة، فأنت تنظر إلى تفاصيل ما في هذه السور، ثم تهتدي إلى المقصود من هذه السورة، وإذا اهتديت إلى ذلك كانت هذه هداية عامة، وهذه الهداية العامة هي التي أُنزل القرآن من أجلها، إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [ الإسراء: 9] فأنت لما تنظر إلى سورة النساء، سورة ذكر فيها:
          ü تعدد الزوجات.
          ü وعدم إعطاء السفهاء الأموال.
          ü وذكر فيها كيفية تسليم الأموال للأيتام.
          ü وذكر فيها تحريم أكل أموال الأيتام.
          ü وذكر فيها المواريث.
          ü والانتصار لحق الضعفاء في المواريث.
          ü وأن للنساء حقاً في المال كما أن للرجال حقاً فيه.
          ü وذكر فيها المحرمات من النساء.
          ü وذكر فيها حقوق ذوي الحقوق العشرة، وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا...[النساء: 36] إلى آخر الآيات.
          ü وذكر فيها حكم المرأة الناشز.
          وذكر فيها وذكر فيها، وهذه أحكام كثيرة، عندما تنظر إلى كل واحد منها ستجد أنه يهدي إلى شيء مفصل، لكن ما هو الشيء العام الذي يجمع هذه المفصلات، وهذه الأحكام والجزئيات، لابد أن نهتدي إليه، وأن نعرفه وأن نتبينه.
          انظروا مثلا عندما تجد أن الشريعة بُنيت على دفع الضرر عن العباد، من أين تأتي بهذا، تأتي به من جملة التفاصيل المذكورة، والأحكام المعروفة في الشريعة، فالشرع يحرم عليك أن تصوم وأنت مريض، ويسقط عنك الحج إن لم تكن تستطيع الركوب على الراحلة، و يأمرك بالتداوي، وينهاك عن أن تشرب أو تأكل شيئاً يضر ببدنك، هذه التفاصيل تدلك على مقصود عظيم، وهو أنه لا ضرر ولا ضرار في الشريعة، وأن الشريعة لا يمكن أن تكون تقصد إلى إيصال ضرر بالعباد، في أنفسهم، أو أموالهم، أو أعراضهم، أو عقولهم، أو دمائهم، أو أديانهم، أبداً لا يمكن أن يكون منها ذلك الشيء، فإذا فهمت هذا الأمر فهمت معنى عظيماً ورتبت عليه أن تقيس عليه ما لم يُنص عليه الشريعة، فتعرف أنه عندما حرّم الله الخمر إذن المخدرات محرمة؛ لأن حال المخدرات كحال الخمر في ذهاب العقول وفي الضرر بالأبدان، وعندما يأتي إنسان يتحذلق ويقول من أين لكم أن الدخان محرم؟ أنا قرأت الكتاب وقرأت السنة فما وجدت آية حرمت الدخان؟ نقول نعم .. لأنك تريد حروف معينة تقول فيها إن الدخان محرم، لكن نحن ننظر إلى مقاصد عظيمة، جاءت الشريعة لتحقيقها وتقريرها، وبيانها، ويجب علينا مراعاة هذه المقاصد، كذلك -أحبائي- في سور القرآن عندما ننظر إلى السورة نجد أنها سعت إلى تقرير مقصود عظيم هو هداية في تلك السورة، إذن فالبحث عن مقاصد السور يعين على فهم هدايات القرآن، ويجعلنا نلخص تلك الهدايات في قضايا كلية وإجمالية، فانظروا وستلاحظون ذلك جيدا إلى سور القرآن، في كون كثيرٍ منها تحدثت عن التوحيد، لماذا لا يأخذ التوحيد بسورة ويكون التوحيد مجملاً في تلك السورة، أو مركزاً عليه في تلك السورة، ويبث هذا البث العظيم في سور القرآن، الحديث عن الرسول ورسالته وصدقه في نبوته، يأتي في أكثر من سورة، لماذا؟ لأن هذا من قضايا الدين العظمى، وهكذا في سائر الأمور.
          يقول الغزالي –-: " وسر الكتاب حاصل في دعوة العباد إلى ربهم المعبود، ولذلك انحصرت سوره في ستة أنواع:"
          انظر كان العلماء يجتهدون في معرفة ما يرمي إليه هذا الكتاب، وما يقصد إليه جملةً، وهذا إنما أخذوه من الجزيئات ثم من الكليات الموجودة في سور القرآن.
          "قال ولذلك انحصرت سوره في ستة أنواع: ثلاثة مهمة تناولت معرفة الله، ومعرفة الصراط والمعاني، وثلاثة متمة"
          الأولى مهمة والثانية متمة يعني تتميم للأولى لا يتم أمر الأولى إلا بها
          "تناولت أحوال الأولياء، والأعداء وسبيل الطاعة"
          هذا اجتهاد من هذا الإمام في معرفة ما يدور عليه القرآن، فهو يقول أن سور القرآن انحصرت في ستة أنواع: ثلاثة مهمة تناولت معرفة الله، ومعرفة الصراط والمعاني، وثلاثة متمة وهي: معرفة أحوال الأولياء، والأعداء وسبيل الطاعة".
          ويقول الشاطبي –- في كلمة جميلة له في الموافقات:" فإن كل عاقل يعلم أن مقصود الخطاب ليس هو التفقه في العبارة، وإنما التفقه في المُعَبَّر عنه والمراد به، كما يُعلم من أن المساقات تختلف باختلاف الأحوال والأوصاف، فلا محيص للمتفهم عن التعلق بأول الكلام عن آخره فإن فرّق النظر لم يتوصل إلى المراد"،ولذلك نحن سنستنبط – يا إخواني- من خلال علم المقاصد أسرار عجيبة ورائعة ومهمة يغفل عنها كثير من الناس، عندما تنظر إلى السورة بجملتها، إلى جملة هذه الموضوعات، ماذا يربط بينها، لماذا سيق هذا مع هذا، وافتتحت السورة بكذا واختتمت بكذا، سيهديك هذا إلى معنى عظيم، لم تنتبه له لو أنك نظرت إلى هذه الأشياء اليسيرة.
          لعلي بذلك اضرب مثالاً، مثلاً لو جاء إنسان وأدخلك إلى هذا المسجد، وأنت مغمض العينين، فأراك هذا الجدار، قال لك ماذا ترى؟ قلت أرى جدارا، ثم أراك هذا الحامل للمصاحف، قال ماذا ترى؟ تقول أرى دالوبا فيه مصاحف، ثم أراك الباب، ماذا ترى؟ أرى بابا، ثم أراك تلك اللوحة، ماذا ترى؟ أرى لوحة، ثم أقول لك ماذا رأيت؟ تقول رأيت جدارا ودالوبا وبابا ولوحة، هل هذا هو المقصود من هذا المكان الذي أنت فيه؟؟!!! لكن انظر لو أنك قبل أن تدخل إلى المسجد، رأيت المسجد ورأيت المحراب ورأيت المنارة، استطعت من بعد ذلك أن تعرف لما وضع كل شيء في مكانه، ولماذا هذه الصفوف بهذه الطريقة؟ ولماذا المحراب وضع في هذا الجانب ولم يوضع في ذلك الجانب؟ ولماذا اللوحات وضعت عند الباب ولم توضع في المحراب؟ لأنك فهمت ما هو هذا المكان، هذا ليس محلا تجاريا، المحل التجاري أول ما تدخل تجد اللوحات الدعائية تضرب بصرك في كل مكان، أليس كذلك؟ لكن في المسجد.. لا.. المسجد مكان وضع للتعبد، فاللوحات والإعلانات والبيانات والتعريفات توضع في الخلف، حتى لا ينشغل المصلون بها، وتعرف لما وضعت هذه القبة، ولماذا وضعت هذه المكيفات، ولماذا كانت الصفوف بهذا الاتجاه، هذا كله تعرفه، ويسهل عليك فهمه عندما تكون عرفت هذا المكان قبل أن تدخل فيه، أليس كذلك؟ أي نعم.
          فنحن نريد أن نفهم حقائق هذه السور، من خلال فهم الجزيئات ليتضح لنا بذلك معاني كثيرة بإذن الله -عزَّ وجلَّ- وأسرار مهمة في سور القرآن.
          الثاني مما يبين أهمية علم المقاصد: أن مقصد السورة هو أصل معانيها التي ترجع إليه.
          فهو أصل في فهم معاني كلام الله، ولهذا فإن معاني السورة لا تحقق إلا بعد استيفاء جميعها بالنظر واستخراج مقصدها، فنحن لا نستطيع الوصول إلى كل المعاني في السورة، إلا بعد أن ننظر في موضوعات هذه السورة، ثم نفهم الرابط والمقصود الأعظم الذي يجمع هذه الموضوعات، وترتبط وتلتئم به آيات هذه السورة، عندها إذا أعدنا النظر في هذه السورة من أولها إلى آخرها فهمنا فهما آخر وعرفنا لماذا ذكر هذا هنا، ولماذا ذكر هذا هنا، ولماذا افتتح بهذا، واختتم بذاك، فهذه مهمات عظيمة جدا تعيننا على فهم كلام الله، وتبين لنا مقاصد الآيات أو أسرار وضع هذه الآيات في سورها.
          يقول الشاطبي –-: "اعتبار جهة النظم في السورة لا يتم به فائدة إلا بعد استيفاء جميعها بالنظر، فالاقتصار على بعضها غير مفيد للمقصود منها، كما أن الاقتصار على بعض الآية في استفادة حكم ما لا يفيد إلا بعد كمال النظر في جميعها" يعني أن لو أنك نظرت إلى جزء من الآية لتستخلص حكما فإن ذلك لا يفيدك حتى تنظر إلى كل الآية، فكذلك السورة لن تستفيد منها حتى تنظر إليها كلها من أولها إلى آخرها.
          ودعونا ننظر – يا إخواني- إلى سورة البقرة، عندما قال الله –عزَّ وجلَّ-: الم 1 ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ 2 الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ 3 والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ 4 أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ 5 ألا ترون –يا إخواني- أن هذه قواعد كلية افتتحت بها السورة، جعلها الله شرحا لقوله: هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ من هم المتقون يا رب؟ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ 3 والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ 4 ثم مدحهم وزكاهم وبين مآلهم وعاقبتهم فقال: أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ 5دعونا ننتقل إلى آخر السورة سنبين لكم بالفعل أننا أمام سورة محكمة، وأن الآيات في هذه السورة لم توضع في مواقعها عبثا، بل وضعت لحكمة بالغة، وأن ذلك يُكوّن ويألف هذه السورةتأليفاً بديعاً، ماذا قال الله في آخرِ السّورة ؟ قال: لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ ماذا ؟ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ .
          التّقوى ما هي ؟ أن تجعل بينك وبين عذابِ الله وقاية بفعل الأوامر واجتناب النّواهي هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ، يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ 284 قال هناك: هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ 2 الَّذِينَ ماذا ؟ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ 2 الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ يتحَدَّث عن واجبات عن أمور عظيمة لا بُدّ منها.
          طيّب، اسمعوا هنا ماذا قال؟ بعد ما ذكر التّقوى في السّياق ماذا قال؟ قال: آمَنَ الرَّسُولُ هناك: يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ ولم يتحدَّث عن الرّسول ولا عن الصّحابة، ولم يذكُر مَن قام بهذا الأمر على وجهِ الكمال والتّمام. بعد ما ذكر أحكام عظيمة و شرائع كثيرة، وتفاصيل وجُزئيّات، في نهاية السّورة يقول لك: (يا عبدَ الله! إنّ هذا الّذي أنزلْتُهُ عليكم في سورةِ البقرة، مع كثْرَتِها، وعظَمَتِها، وكثرةِ تفاصيلِه قد قام به محمَّدٌ -صلّى الله عليه وسلّم-، وقام به ثُلَّةٌ مِن المؤمِنين، فلا تَظُنّ أنَّ الأمر صَعْبَ المنال، أو أنَّهُ مِنَ المُحال، بل هو في مقدورِ كُلِّ إنسان) آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ ماذا يا إخوان؟ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ 285.
          ولمّا ذكر الله – عزّ وجلّ – هذا سيقولُ الإنسان: (يا ربِّ! مَن يستطيع أن يُقيمَ الصّلاة؟ مَن يستطيع أن يتَّقِيَك في كُلِّ حال؟ ومَن يستطيع أن يحُجَّ الحجَّ الّذي تَرْضاه؟ وَمَن يستطيع أن يُجاهد الجهاد الّذي طلبتَهُ من عبادك؟ ومَن يستطيع ؟ ومَن يستطيع؟ هذا قد لا يكون مُسْتطاعاً لي في كُلِّ الأحوال، وقد أُقَصِّر، وقد أكونُ عاجِزاً، أو مُخْطِئًا في بعضِ الأحوال، أفرأيْتَ يا ربِّ إن أخطأت، أو نسيت، هل سأخرُج من هذه الدّائرة؟ وهل سأكون ما تحقَّقْت بِما أَمَرْتَني به، ولا جئت بِما طَلَبْتَهُ منّي ) فقال الله – عزّ وجلّ – لك: (اطمَئنّ يا عبدي) لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا قال الله: ( قد فعلت ) كما هو في الحديث الوارد في مسلم .
          رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ 286
          يا عبادي ! إذا قمْتُمْ بِما أمَرْتُكُمْ به، واجْتَهَدْتُمْ في ذلك؛ فإنّي سأغفِرْ لَكُمْ نِسْيانَكُم، وخطأكم؛ عليكم بأن تدعوني، وأن تستغفِروني، وأنا أعْفو عن ذلك كُلِّه.
          أرأيتم هذا الانتظام؟ كيف أنّه الآن لو بدأنا نفكِّر، ونقرأ السّورة بهذه الطّريقة ؟
          عرفنا: أنّ أوَّل السّورة مُرتَبِط ارتِباط كامل بِآخِرِها .
          الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ هنا آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ هناك: هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ هنا لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ ماذا ؟ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء.
          معقول بعد 49 صفحة يأتي الكلام؛ لِيُتِمّ الكلام الأوَّل في الآيات الخمس الأولى.
          نعم، كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ 1 –لا إله إلاّ الله– هذا كلامُ الله! وهذا نظْمُهُ وبيانُه! .
          الثالث: مِمّا يُبَيِّن لنا أهميّة علم المقاصد: أنَّهُ يُعين على فهْمِ كتابِ الله فَهْماً صحيحاً، ويوصِلُ في معرِفةِ الحقّ في تفسيرِ كلامِ الله
          فنحن عندما يختلف المفسِّرون، أو تعدّد الأقوال، نلجأ إلى معرفة مقصود السّورة؛ حتى نُرَجِّحَ بين الأقوال، وفي الوقتِ ذاته نعرِفُ به الخطأ من التفسير؛ ولذلك يقولُ البقاعي –– صاحِبُ كتابِ: [ نَظْمِ الدُّرَر ]، وصاحب كتاب: [ مصاعد النَّظر في مقاصد السُّور ] في ثلاث مجلّدات، وغايتُهُ –أي معرفة المقصود– (وغايتُهُ معرفةُ الحقِّ من تفسيرِ كُلِّ آيةٍ من تلك السُّوَر؛ ومنفَعَتُه: التَّبَحُّر في علْمِ التّفسير؛ فإنَّهُ يُثمِرُ التّفصيلَ والتّيسير؛ فينشَغِلُ به قبل الشُّروعِ في التّفسير؛ فإنَّهُ كالمُقَدِّمةِ له من حيثُ إنَّهُ كالتّعريف؛ لأنَّهُ معرِفةُ تفسيرِ كُلِّ سورةٍ إجمالاً ) .
          الرّابع: ممّا يُبَيِّن أهميّة هذا العلم: أنَّ بهِ نَعْرِفُ الخطأَ في التّفسير، وهو زيادة بيان للمسألة الثّالثة أو للأمر الثّالث.
          يقول عبد الحميد الفراهي؛ العالِم الهندي : ( إنَّ فَهْمَ القرآن مُحَوَّلٌ إليه – يعني إلى المقصود ونظام السّورة – والوجوهُ الكثيرةُ في التأويل، وعدم الاعتمادِ على تأويلٍ صحيح؛ إنَّما ينشأ من عدمِ المعرفةِ بالنِّظام – يعني: من عدَمِ المعرفةِ لمقصود السّورة – فإنَّهُ هو المُعْتَمَدُ في صحيحِ التّأويل وربطِ شكوكِ الحَيْرة ".
          الخامس: ممّا يُبَيِّن أهميّة معرفة مقاصد السُّوَر:
          أنَّ تفسيرَ القرآن باعتبار مقاصد السُّوَر هو المنهج الأسلم الّذي يجعلُ كلامَ اللهِ مُؤتَلِفاً مُنْتَظِماً على نحوِ كمالِ نَظْمِهِ وَمَعْناه، وتكونُ السّورةُ معه؛ كالبناء المرصوص، والعِقد المتناثر.
          قال البقاعي في بيانِ أثَرِهِ في السّورة: ( تكونُ السّورة كالشَّجَرَةِ النَّضيرةِ العالية، والدَّوْحة البهيجةِ الأنيقةِ الخالية، المُزَيَّنَةِ بأنواعِ الزّينةِ المنظومة، بعدَ أنيقِ الوَرَقِ بِأفنانِ الدُّرّ، وأفنانُها منعقدةٌ إلى تلك المقاطِعِ؛ كالدّوائر، وكُلُّ دائرةٍ منها لها شعبةٌ متّصلةٌ بما قبلها، وشُعبةٌ مُلْتَحِمةٌ بِما بعدَها، وآخِرُ السّورة قد واصَلَ أوَّلَها كما لاحَمَ انتِهاؤها ما بعدَها، وعانَقَ ابتِداؤها ما قبلَها، فصارت كُلُّ سورةٍ دائرةٌ كبرى مشتمِلةٌ على دوائرِ الآيات الغُرّ، البديعةِ النَّظْم، العجيبةِ الضّمّ، بلينِ تعاطُفِ أفنانِها، وحُسْنِ تواصُلِ ثِمارِها وَأغصانِها ) .
          يقول: السّورة الواحدة مثل الشّجرة الواحدة لها أصل تجتمع عليه، ثمّ لها فروع وأفنان، وفي هذه الأفنان أوراق، ومن وراءِ هذه الأوراق ثمار، فأنت عندما تنظُر إلى الثّمرة تظنّ أنّها ثمرة مستقلّة، لكنَّها في الحقيقة متّصلة بماذا ؟ بأصلِ تلك الشّجرة، كيف اتّصلت؟ لا بد أن تعرف الطّريق الّذي اتّصلت به إلى أصلِ الشّجرة، ولا يمكن أن تقول أنّ لون هذه الشجرة أصفر من خلال نظرك إلى الثّمرة، إذا نظرْت هذه النَّظْرة؛ فإنَّك ستُخطئ في فَهْم حقيقة هذه الشجرة.
          السّادس: ممّا يُبَيِّن أهميّة علم المقاصد: أنَّ مقصَد السّورة يُعينُ على تَدَبُّرِها، واستخْراجِ دقائقِ معانيها
          ولهذا عَلِمَ ابنُ عبّاس؛ أنَّ سورةَ النّصر من مقاصِدِها إعلامُ النَّبيِّ -صلّى الله عليه وسلّم- بِدُنُوِّ أجلِه، فهذا استنبَطَهُ ابنُ عبّاس من مقصود السّورة.
          عمر بن الخطّاب كان يُقَدِّمُ ابنَ عبّاس؛ فيدخُلُ مع أشياخ الصّحابة، فكانوا يقولون: ( إنَّ لنا أبناء مثل ابن عبّاس، فلماذا لا يُدْخِلُ أبناءَنا معه) فأراد عمر أن يُبَيِّن لَهم أنَّ ابنَ عبّاس له مَزِيّة ليست في غيره من أبنائهم، فلمّا اجتَمَعوا ذات يوم وابنُ عبّاسٍ فيهم، قال عمر: ( ما تقولون في قولِ الله تعالى: إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ 1 وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا 2 فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا 3ما تقولون في هذه السّورة ؟ فقال الصّحابة: أمر الله نبيَّهُ -صلّى الله عليه وسلّم- إذا فتح الله عليه ودخل النّاس في دينِ اللهِ أفواجاً أن يُسَبِّحَ بِحَمْدِ رَبِّهِ وَيَسْتَغْفِرْه إنَّهُ كانَ تَوّاباً ) وهذا الفَهْم الّذي فَهِمَهُ الصّحابة فَهمٌ صحيح، وهو ظاهِرُ الآيات، ولا إشكالَ فيه ولا غُبارَ عليه، ولكن عمر هل يُمكن أن يسألَ النّاس عن معنًى ظاهر بهذه الطّريقة؟ .
          يعني: لــمّـا أقول لك ما معنى قول الله –عزّ وجلّ – وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ تقول: أمر الله في إقام الصّلاة وإيتاء الزّكاة . أقول: أنا لا أقصد هذا؛ لأنّ هذا واضح لي ولك ولكُلِّ مَن يقرأ كلامَ اللهِ – عزّ وجلّ - ، وليس محَلاًّ للسُّؤال. محَلُّ السُّؤال: ما هو مغزى السّورة ؟ ما هو الّذي ترمي إليه هذه السّورة وتهدف إليه؟ من الرّسالة المُبَطَّنة الخفيّة الّتي جاءت ضمن آيات هذه السّورة. لا يصل إليها إلاّ الغوّاصون الّذينَ يُحْسِنونَ الغَوْص في المعاني والدَّقائق. ثمّ قال: ( ما تقول فيها يا ابنَ عمِّ رَسولِ الله ؟ فقال ابنُ عبّاس المُلْهَم الّذي استجابَ الله تعالى فيه دُعاءَ رسولِهِ -صلّى الله عليه وسلَّم-: ( (اللهُمَّ فَقِّهّهُ في الدّين وَعَلِّمْهُ التأويل)) قال: ( هذا أجلُ رسولِ الله -صلّى الله عليه وسلّم- يا أميرَ المؤمنين. قال: واللّهِ ما أعلَمُ منها إلاّ ما عَلِمْت ) يعني: لا أعلمُ منها إلاّ أنَّها تقصِد إلى إيصال هذه الرِّسالة لرسولِ الله.
          تأمَّلوا – يا إخواني – لماذا قال لِرَسولِ الله: إذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالفَتْح، ودخل النّاس في دينِ الله؛ فسبِّح بحَمْدِ الله واستغْفِرْه، لماذ يُقال له هذا الكلام ؟ لأنَّك يا محمّدّ ! قد أدَّيْت ما عليك، وانتهت المُهِمّة الّتي وُكِلَت إليك، فاستعِدْ لِلِقاءِ رَبِّك واستغفِر ربّك، وسبِّح بحَمْدِه .هذا هو المقصود .
          الرّسول -صلّى الله عليه وسلّم- كان يُكْثِر أن يقول في ركوعِهِ وسجودِهِ: " سُبْحانَكَ اللهُمَّ رَبَّنا وَبِحَمْدِك اللهُمَّ اغْفِرْ لي " وهو يستقبِلُ بذلك أجَلَهُ ويسْتَقْبِلُ لِقاءَ اللهِ –- .
          لمّا أنزل الله في يوم عرفة: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا أكثرُ الصّحابة –رضوانُ الله تعالى عليهم– فَرِحوا ابتسموا وتهلَّلت وجوههم بِشْراً؛ لأنَّ اللهَ قد أكْمَلَ الدّين وأتمَّ النِّعمة، ومن بينِهم أبو بكر؛ بدأ بالبكاء، لِمَ تَبْكي يا أبا بكر؟ ألا تفرح بهذه البِشارة الرَّبّانيّة للإنسانيّة؟ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا؟ ألا تفرح بِما رضيَهُ الله لنا ؟ فقال: قد نعى اللهُ لنا رسولَهُ صلّى الله عليه وسلّم .
          إذا تمَّ شَيْءٌ بَدا نَقْصُهُ فرَّقِّب زوالاً إذا قيلَ تمّ
          رأيتم كيف أنَّ أبا بكر نظر إلى شيْء آخر من وراء ظاهر الألفاظ والعبارات، وهو المقصود .
          أيضاً السّابع: ممّا يُبَيِّن أهميَّةَ المقصود: بمعرفةِ مقصدِ السّورة تنتظم آيات السورة وتظهر المناسبات بين آياتها فتكون لُحْمة واحدة يجمَعُها معنًى واحد.
          إذا عرفت المقصود عرفت لماذا ذكر الله هذا؟ ولماذا ذكر الله هذا ؟ ولماذا ذكر الله هذا ؟
          ونذكُر مثالاً لذلك سورة النّور: سورة النّور مقصودُها العناية بالعِفّة، وسدّ سُبُل الفساد الأخلاقي. هذا هو مقصودُها .
          طيّب، اقرءوا معي: سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ 1النور
          أوَّل شيء ما هو؟ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ بعدها ؟ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء في نفس الموضوع وهو قذف النّاس بالزِّنى، والحديث بالعبارات الّتي تُشَوِّش على النّاسِ أخلاقهم، وتتّهم البُرَآء من غيرِ بَيِّنة، والتّشديد في أمرِ عِفّةِ اللِّسان.
          ثمّ يأتي من بعدِها: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ في ذات الموضوع: الزَّوْج يرمي امرأته، والعادة أنّ الزَّوْج لا يمكن أن يَرْمي امْرأته إلاّ وقد رأى شيْئاً، فجعل الله –عزّ وجلّ– له مخرَجاً في اللِّعان.
          ثمّ إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وحادثة الإفك كما تعلمون –أيُّها الأحبّة– مدارُها على اتِّهام أُمِّ المؤمنين عائشة –– بِما كانت بريئةً منه، وهو اتِّهامُها بالزِّنى.
          ثمّ يُبَيِّن ما هي الآداب الّتي يجب على المسلمين أن يسلُكوها عندما يسمعوا مثل هذه التُّهمة لِأيِّ بريء.
          ثم تختَم قصّة عائشة بقولِ الله –عزّ وجلّ– الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ أي: عائشة، وصفوان، وأبو بكر، والرّسول -صلّى الله عليه وسلّم- مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ انتهت القصّة .
          ماذا يأتي بعدَها ؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا لماذا شرع الله الاستئذان ؟سؤال؟؟ من أجلِ أن لا تقع العيون على شيْءٍ لا يحل لها من عوراتِ المسلمين، فوُقوعُها على عوْرات المسلمين؛ سيُوقِعُها في العَوْرات، وسيجعلُ النّاس يعبثونَ بِأعراضِ إخوانِهم، فإذا يحقّ لك أن تفتح أيْ باب أمامك وتدخل، أليس في هذا انتِهاكاً لِحُرُماتِ النّاس؟! فقد تجد امرأةً على حالٍ لا يَسُرُّ أهْلَها أن تَرَوْها على تلك الحال، وقد يكونُ سبباً في وقوعِ الجريمة؛ ولذلك قال بعدما ذكر آيات الاستئذان قال: قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ فبدأ بِغضِّ البصر؛ لأنَّ الاستئذان جُعِلَ من أجلِ البصر.
          ثمّ انتقل بعد غضِّ البصرِ إلى حفظِ الفَرْج؛ لأنَّ غَضَّ البصَرِ سبيلٌ إلى حفظِ الفَرْج.
          ولمّا ذكر هذا في حقِّ المؤمنين ذكره في حقِّ المؤمنات فقال: وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ بعد أن ذكر غضّ البصر، ذكر في الطّرفِ الآخر مَن يحلّ للمرأة أن تُظهِر زينَتَها لهم، فبين من هؤلاء، إن كانوا أجانب وإن كانوا أقارب، قال: وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وقال: وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ .
          ولمّا انتهى من هذه الأحكام الّتي تُعين على التّعَفُّف جاء إلى أهمِّ أمرٍ يُعين على تعَفُّفِ النّاس وهو: ( الزّواج ،الأمرُ به ) وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ثمّ قال بعدها: وَلْيَسْتَعْفِفِ رأيْتم أنّ هذه السّورة سورة ماذا؟ سورة العفة، وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا إذا كنت لا تجد نكاحاً ولا تستطيعه، أو لا تقدر عليه لعدم وجود الزّوجة أو لعدم وجود المهر، أو لعدَمِ تَوَفُّرِ الأحوال؛ فعليك بالاستعفاف أن تطلُبَ العِفّة وتجتهد في طلبِها وتبذلك قصار الأسباب للوصولِ إليها، وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ رأيتُم – يا إخواني – كيف؟ .
          وفي آخِرِ السّورة يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاء ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ عورات تسمّيها ماذا؟ عورات وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ،وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاء اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ
          رأيتم ؟ أنّ السورة في أوَّلِها وآخِرِها تُريد تقرير هذا المبدأ، وتعيد عليه.
          الآن لمّا فهِمْنا أنّ السّورة تتحدّث عن العِفّة، عرفنا: أنّ هناكَ ارتِباطاً بين جُزْئيّاتِها وأحكامِها، وأنّ هذه الأحكام لم تُذْكَر شَتاتاً وسُدًى من غيرِ أن يكونَ بينَها رابط.
          يقولُ البقاعي: "وَمَن حقَّقَ المقصودَ من السّورة عرف تناسُبَ آيِها وقصَصِها وجميعِ أجزائها"
          ويقول: "الأمرُ الكُلّي المُفيد بِعِرْفانِ مُناسباتِ الآيات في جميعِ القرآن، هو أنّك تنظُرُ الغرض الّذي سيقَت له السّورة" حتى تعرف مناسبات السّورة أعرف الغرض التي سيقَت من أجلِهِ السّورة، "وتنظر إليه ما يحتاجُ ذلك الغرض من المقَدِّمات، وتنْظُر عندَ انجِرارِ الكلامِ في المُقَدِّمات إلى ما يستَتْبِعُه من استشرافِ نفسِ السّامع من الأحكام والّلوازم التّابعةِ له".

          الثّامن: ممّا يُبَيِّنُ أهمِيَّةَ معرفة مقاصد السُّوَر: أنَّ هذا الاتِّجاه في التّفسير هو لوْنٌ من تفسيرِ القرآنِ بالقرآن؛ لأنّنا نجتهد في فَهْمِ القرآن بالنَّظر إلى آيات القرآن .

          التّاسع: أنَّ عِلْمَ مقاصد القرآن يُبْرِزً إعجازَ القرآنِ وبلاغَتَهُ وكمالَه ودِقَّةَ نِظامِه؛ فإنَّ من إعجازِهِ وبلاغَتِه نظامُ السّورة ووحدةُ بنائِها وترابُطِها؛ ولذلك تحدّى العربَ بِسُوَرِهِ.
          وهذا يُبَيِّن – يا إخواني – ويوضِح لنا كيف أنَّ القرآن تحدّى بسورة، وما تحدّى بآية، لماذا؟ لأنَّ السّورة هي الّتي يظهَرُ بِها الإعجاز؛ في أوَّلِها، وفي آخِرِها، وفي موضوعاتِها، وفي مقاصِدِها. أمّا الآية؛ فإنَّهُ قد لا ينتَظِم بها إعجازٌ تام؛ إنَّما ينتَظِمُ الإعجاز بالسّورة فَاأتوا بِسورةٍ مِثْلِه فَاأتُوا بِسورةٍ مِنْ مِثْلِه فَلْيَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيات .
          آخِرُ هذه الأسباب أو الأمور الّتي تُبَيِّن لنا أهمِيَّةَ عِلْمِ المَقاصِد: العاشر: أنَّ هذا العلم يَبْعَثُ على رُسوخِ الإيمان.
          فإذا عرف الإنسان أنَّ القرآنَ مُحْكَم، وأنَّهُ مَنْظومٌ نَظْماً عظيماً؛ فإنَّهُ لا شكّ سيكونُ في نفسِ المسلم من قُوَّةِ الإيمان، ومن العناية بالقرآن والإقبال عليه، والتّحاكُم إليه ما لا يكون لو لم يعْرِف هذه المقاصد .
          نقف عند هذا الحدّ، ونسألُ الله – – القَبول .

          يقولُ السّائل: ما هو أفْضَلُ كتابِ لمقاصِدِ السُّوَر؟ وهل هذا الدّرس يومي أو أسبوعي ؟
          الجواب: أوَّلاً: لم يُكْتَب في مقاصد سُوَر القرآن كتابٌ مستَقِلّ، لكن قام الشَّيْخ: محمَّد الحمَد بِجَمع مقاصد سُوَر القرآن في كتابٍ استَخْلَصَهُ من كتاب [ التّحرير والتّنوير ] ـ للطّاهر: ابن عاشور، والطّاهر بن عاشور يذكُر في مقدّمة كلّ سورة مقصود السّورة أو هدف السّورة، فجاء الشّيْخ، وجمع هذه المقاصد، وأخرَجَها في كتاب.
          وأيضاً كتب الدكتور: محمَّد الرَّبيعة ـ كتب مقدِّمة في مقاصد سُوَر القرآن وبيَّن أهَمِيَّتَها؛ كما ذكَرْت فهذا الّذي نحنُ نَقْرَأُه من كلام الدّكتور محمَّد الرّبيعة في بحْثٍ أعَدَّهُ لِهذا الخُصوص، لكنَّهُ لم يتحَدَّث عن سُوَرِ القرآن سورةً سورة، وإنَّما جعل هذا البحث كالمقَدِّمة .
          أمّا هذا الدّرس فَهوَ – إن شاء الله – يوم الثلاثاء المغرب من كُلِّ أسبوع؛ سيكون فيه إن شاء الله تطبيقات عمليّة، وأسئلة للإخوة الحاضِرين حوْلَ مقاصد سوَرِ القرآن بإذن الله –عزّ وجلّ – نسأل الله أن يوَفِّقْنا في ذلك.
          يقول: س: ماذا نقول للرّافضة عندما يقولوا: ( للقرآنِ معنًى ظاهِراً ومَعنًى باطِناً ) ؟
          الجواب: نقول: إنَّ هذا الكلام صحيحٌ إن أُريدَ به معنى، وباطِلٌ إن أُريدَ به معنًى آخر، فإن أراد القائل أنَّ للقرآنِ معنًى ظاهر، ومعنًى باطن يُخالِفُهُ تماماً ولا صِلَةَ لَهُ بالمعْنى الظّاهر، ولا يفهَمُهُ إلاّ أُناسٌ مَخْصوصون، ولا يمتّ إلى المعاني اللُّغَوِيّة وفهم السّلف – رضوان الله تعالى عليهم – بصلة، فإنَّ هذا المعنى الباطن باطل ومَرْدودٌ على صاحِبِه، فالقرآن بيِّن وواضح لِمَن تأمَّلَه وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ وقال الله – عزّ وجلّ – هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ .
          فالصِّيام في اللُّغة العربيّة، وفي الشّريعة الإسلاميّة معناهُ واضح بيِّن؛ فإذا جئت بمعنًى ليس هو الصِّيام الشَّرْعي، وقلت: هذا هو المعنى الباطن. قلنا لك: من أين لك هذا المعنى الباطن؟ يقول لك: الصِّيام مثلاً هو: الإمساك – مثلاً – عن التّرَضّي عن الصّحابة مثلاً، من أين لك هذا المعنى؟ مَن الّذي قال بهذا ؟ .
          الصّيام معروف في اللُّغة ومعروف في الشّرع، فمَن جاء بمعنًى يُخالف هذا المعنى فهو كاذب مُفْتَري على الله، يقول على الله بغيرِ علم.
          ومَن ذكر – مثلاً – أنَّ الحجّ هو القصد إلى قبورِ الأئِمّة بالطّواف بها ودُعائِها، وسؤالِها قضاء الحاجات. قلنا له: كذبت من أين هذا بشرعِ الله؟ وأين ما يدُلُّ عليه في كتابِ الله وسنة رسوله، وإجماعِ سلَفِ الأُمَّةِ الأخيار.
          أمّا إذا قال: نعم، القرآن له معنًى ظاهر يظهَر لِأوَّلِ نظر، ومعنًى باطن يحتاجُ العلمُ بهِ إلى أدوات، وإلى رسوخ في العلم، وبهذا يتميَّز عامَّةُ الأُمَّة عن علمائهم.
          هذا صحيح، ولا إشكالَ فيه.
          وقصّة ابن عبّاس مع سائرِ الصّحابة؛ تُبَيِّن هذا وَتَدُلُّ عليه. أليس كذلك؟ ابن عبّاس فَهِم شيْء لم يفْهَمْهُ الصّحابة، لكن هل الّذي فَهِمَهُ ابنُ عبّاس يُضادّ ما فَهِمَهُ الصّحابة ؟ أبداً. هل هم يختلِفون فيما فَهِمَهُ الصّحابة ؟ أبداً. هذا صحيح ولا إشكالَ فيه .

          س: يقول: كيف أُرَتِّبُ وقتي لِحفْظِ كتابِ الله وأنا مُوَظَّف ومشغول بالعائلة وغير ذلك، وكيف أبدأ في تفسيرِها ومقاصد السُّوَر ؟
          الجواب: أقول – يا أخي – أنت أدرى بوقتِك، وليس أنا الأعلم والأدرى بوقتك، أنت تعرف كيف تتصرَّف مع وقتك، لكن هل أنت مُهتَمّ بحفظِ كتابِ الله ومعرفة بيانِه؟
          إن كنتَ كذلك فستجد الوقت، مهما كانت العوائق والأسباب الّتي تمنع الوصول لذلك.
          يقولون في كلامِ العرب: ( الأحْدَب يعرف كيف ينام ) مع أنَّ الأحدب محدودب الظّهر، لكن يعرف كيف ينام.
          ونحن نقول لك: إن كنتَ مُهْتَمّاً في حفظِ كتابِ اللهِ –عزّ وجلّ– وفَهْمِهِ فستعرف كيف ذلك، وأنا أُعطي على ذلك نماذج وأمثلة؛ سأُبَيِّن لكم أنَّ هذا الأمر ميْسور لِمَن أراده، وقد حفِظَ القرآن أُناسٌ في غاية ما يكونون من الشُّغُل، وكثرة الأعباء، أو وَفَّقهم الله لحِفْظِ أجزاء كثير منها .
          الآن في السَّيّارة؛ ما الّذي يمنَعُك أنَّك تأخذ صفحة من المصحف وتضعْها أمامك، وتُرَدِّد الآيات واحدة تِلوَ الأُخرى، خُذ في كلّ مشوار إلى عملك آيَتين في سطرين ولا تزيد.
          أنا متأكِّد أنّك خِلال أربع سنوات ستختم القرآن حِفْظاً عن ظهرِ قلب كأحسن ما يكون الحفظ.
          حدَّثَني أحد زُمَلائي الدّكاتِرة من مصر يقول: رأيْتُ رَجُلاً صاحِبَ سيّارةِ أُجْرة حَفِظَ القرآن بالسّماع في مشوارِهِ اليومي من الإسكندرية إلى القاهرة، ومن القاهرة إلى الإسكندرية خلال أربع سنوات، وضع المسجِّل معهُ على آيات القرآن ويسمع. مثلاً : وضع الحُصَري، ويسمع في الذّهاب والإياب يُرَدِّد الآيات، وكُلّ ما حَفِظ مقطع انتقل للمقطع الّذي يليه، قال: حتى ختم القرآن.
          همّة... همّة الحفظ؛ فالقضيّة قضيّة همّة وليست قضيّة وقت.
          في العمل أنت على مكتبك بإمكانك تضع المصحف مفتوحاً، أو الآيات الّتي تُريد تَرْدادها وكلّما انتهيت وأنت تشتغل تكتب أو تُحَرِّر أو تعمل بيدك تأخذ آية وتقرأها تُرَدِّدها 30_ 40_ 60_ 100_ 200_ 300_ 500 مرّة .
          نحن مشكلتُنا – يا إخواني – أنَّنا نستعجل الحفظ، وعندما نسمع أنّه في ناس حفظوا القرآن في شهرين نحن نقصّر في حفظ القرآن؛ لأنّنا لا نستطيع أن نحفظُهُ في شهرين، بل ولا ثلاث، بل أنا حاولت أحفَظُهُ في خمسة أشهُر ما استطعت، أو في ستّة ما استطعْت .
          يا أخي: القرآن الأصل ما يُحْفَظ إلاّ في مُدّة طويلة، ويحتاج إلى وقت طويل حتى يحفظه الإنسان .
          وهؤلاءِ الّذينَ يحْفَظونَهُ في شهريْن إمّا أن يكون حفظُهم أو عقولُهم خارِقة للعادة، وهذا نادر جدّاً ولا يكاد يُوجَد .
          أو الثّاني أنَّهم استطاعوا الحفظ المَبْدَئي الذي نسمّيه نحن التليين، لكنَّهم يحتاجون بعد الشّهرين إلى سنتين مراجعة، وفي هذا صارت النّتيجة واحدة.
          يعني: الذي حفظ القرآن في سنتين، الذي حفظ القرآن في شهرين النّتيجة واحدة –يا إخواني– ما في أحد في نهاية المطاف يكونُ القرآن حيّاً معه في كلِّ وقت؛ حتى تمرّ به مدّة كافية من أجل أن يرسَخ هذا الحفظ، ويقرّ في قلبه؛ ولهذا أقول لك: لمّا ذكرت هذا المثال أنّ بالإمكان أن تحفظَ القرآن، تحفَظ أجزاء كثيرة منه بيُسْر وسهولة.
          في إحدى دور القرآن في الرِّياض فتحوا حلْقة صباحيّة للأُمَّهات؛ أنا أعرف واحدة من هؤلاء الأُمّهات عددُهُنَّ سبع، أكثَرُهُنَّ تجاوز الخمسين، وبعضُهُنّ في السّبعين؛ حفِظْنَ القرآن من أوَّلِه إلى آخره بالسّماع .
          المعلِّمة تُقْرِئُهُنّ ثلاث آيات، أو آيتين كل يوم فَيَرْجِعْنَ إلى البيت وبالمسجَّل تبدأ تُرَدِّد هذه الآيات؛ حتى تحفَظْها .
          تأتي من الغدّ، ثمّ تُسَمِّعْها على المعلِّمة، ثمّ يأخذوا مقْطَعاً جديداً .
          عجائب! - يا إخواني –ما ظَنُّك بامرأة قد أنهك الحمل والولادة والرَّضاعة والتّربية جسمها وجسدها، وبلغت السّبعين من عمرِها ماذا تظنّ أنّ من عندها قوّة الحفظ ؟ ! ما عندها شيء. .
          يعين: هذه ممكن نجعَلْها صفر في الحفظ، ولكّنَ الهِمّة جعلت منها امرأة تستطيع أن تحفَظ ستمائة وأربعة أوجُه من القرآنِ العظيم بكلّ يُسُر وسهولة.
          العمليّة عمليّة إرادة، وليس غير .
          وكذلك في التفسير – يا إخواني – كل آيات تحفَظْها، حاول قبل أن تحفَظْها حفظا مُتْقَنا أن تفهم معناها من أي تفسير من التفاسير الموثوقة المُيَسَّرة؛ ستجد أنَّك فَهِمْت القرآن وحفِظْتَهُ بِيُسْر وسهولة.
          مرّة من المرّات – يا إخواني – تكلّمت في المسجد وقلت في بداية هذا الشّهر الكريم شهر رمضان ينبغي لنا أن يكون لنا تعاون مع كتابِ الله غير ما كُنّا نفعل، فنحاول أن يكون كلّ الوقت للتلاوة المُجَرَّدة، يكون بعض الوقت في الحفظ، فإنَّ الإنسان إذا حفظ –ذكرت مزايا الحفظ وأهميّة حفظ القرآن للنّاس– ، فأحد جماعة المسجد أخذ كلامي مأخذ الجِدّ وأخذ يُطَبِّق، ويحفظ في السّيارة يُرَدّد في المسجد في كذا .
          المهمّ بعد ستّة أشهُر حفظ خمسة أجزاء. يعني من الأحقاف إلى النّاس.
          فجاء إليّ وقال لي: أنا الآن عمري ستّين ما حفظت الخمسة أجزاء إلا بعد ما سمعت كلامك، والله وجدت أن القرآن سهل، ووجدت صدق ما قلت في أنَّ الإنسان إذا حفظ القرآن، أو حفظ أجزاء منه لا يضيع عليه شيء من الوقت.
          أنا الآن كنت في السّيّارة أتعب من طول الانتظار عند الإشارات والذّهاب إلى المشاوير وأداء بعض الأعمال.
          الآن والله ما أُبالي جلست في السّيّارة عشر دقائق أو ساعة يعني: من حين ما أركب بسم الله الرّحمن الرّحيم وأبدأ، أختم نصف جزء أحياناً جزء أحياناً جزْأين، فإذا رجعت البيت حسبت حساباتي ولا يومياً خلصت لي جزء من القرآن جزأين ثلاث أجزاء، توفي-– وكان حريصاً على أن يحفظَ أكبر قدْرٍ ممكن من القرآن.

          يقول: ما هو الطّريق الأسلم الّذي يُساعِدُنا على فهم مقاصد سُوَر القرآن الكريم، وما هي الرِّسالة الّتي يجب الأخْذُ بها ؟
          الجواب: إذاً أنا أوصيك إن شاء الله أن تحضُر الدّرس القادم الثلاثاء بعد المغرب في هذا المسجد؛ لكي تستمع إليها بشكلٍ مُفَصَّل .

          يقول : كيف نقرأ القرآن بتدَبُّر ؟
          الجواب: قراءة القرآن بتدَبُّر أمرٌ مُيَسَّر يحتاج منك إلى شيْءٍ من الجَهْد أوَّلاً، ثم يصبِح بعد ذلك أمراً ميسوراً وسهْلاً، وعادةً جميلة: لا ترضى لنفسِك أن تقرَأَ شيْءً من كلامِ رَبِّك إلاّ إذا تدَبَّرْتَهُ وفَهِمْتَه.
          والتّدَبُّر –يا إخواني– ليس شيْءً واحداً؛ التّدَبُّر مراحل طويلة، وعميقة، وبعيدة الغوص.
          فالواجب من التدَبُّر هو: أن تعقِل أصل هذا الكلام؛ ماذا يقولُ الله لك ؟ فيماَ يتحدَّث هذا القرآن؟ وهذا أمرا ميْسور، وليس أمراً صعْباً. وهذا واجب، ما دُمْت تقرأ هذا الكلام: إيّاك، ثمّ إيّاك، ثمّ إيّاك أن تقرأَهُ وأنت غافل عنه، لا تعلم منه إلاّ حروفاً وألفاظاً مجتمعة متراكبة دون أن يكونَ لها معاني ومقاصد.
          أمّا إذا وضعت عيْنَيْك، والتفت بقلبك، وألقَيْت أُذُنَك فلا بُدّ أن تفهم، وهذا هو الّذي نقصِدُهُ بالتدبُّر.
          وهناك فرق –يا إخواني- بين التّدَبُّر والتّفسير:
          فالتّفسير هو: أن تصل إلى الفَهْم الصّحيح للآية ماذا قال السّلف فيها؟ وما سبب نزولِها؟ أين النّاسخ والمنسوخ والمكّي والمدني، وما هي القراءات في هذه الآية؟ هذا كلّه يُسَمّى علم التّفسير.
          نحن نقول: الواجب علينا أن نتدبّر؛ بمعنى: أن نفهم هذا الخطاب، نعرف ماذا يُريدُ اللهُ مِنّا؟
          يعني: عندما تقرأ : هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ 1 وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ 2 عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ 3 تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً 4يعني ما تفهم ماذا يقول الله لك؟ ما تفهم ما يقول الله –عزّ وجلّ– في سورة: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا 1 وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا 2 وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا 3 وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا 4 وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا 5 وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا 6 وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا 7 فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا 8 قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا 9 ما تفهم هذه؟ ما تفهم هذه؟ مَن مِنّا ما يفهم ؟
          نعم ، ممكن تقول لي: أنا ما أفهم قولَ الله –عزّ وجلّ– وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا 1 ضُحى ماذا ؟ الشمس وضح النّهار وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا 1 وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا 2 وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا 3 وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا 4 وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا 5 وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا 6والسّماء وما بناها؛ ما بناها؟ ما فهمت .
          لكن المعنى المراد في هذه السّورة واضح لمّا أقول لك: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا 11 إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا 12 فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا 13 فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا 14 وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا 15
          المعنى المقصود من هذا واضح وبَيِّن، لكن أن تفهم معنى الدمدم تفهم معناها في اللّغة العربيّة ؟ يمكن ما تفهم تحتاج إلى كتاب في التّفسير يُبَيِّن لك هذا الشيء، لكن ماذا يُريد القرآن أن يوصل لك من المعاني من خلال هذه الآيات هذا بَيِّن وواضح، هذا جَلي وظاهر؛ لأنَّ القرآن ليس كتاب أحاجي ولا ألغاز، وليس كتاب مسابقات. هو كتاب: هداية إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا فالقرآن في هداياته في قواعده في قضاياه موضوعاته بيِّن وواضح وجَلي ويمكن لأي إنسان يُتيح لنفسه الفرصة أن يفهم، فيَفهم، وأن يعقل عن الله – عزّ وجلّ – مرادَه .
          قد يغيب عنه بعض الأحكام الفقهية والفوائد المُستَنْبَطة، وبعض القضايا الّتي فيها دِقّة .
          نعم، أنا أُقَرِّر ذلك، وهذه مهمّة المُفَسِّر والعالم الرّاسخ والإمام الكبير، ولا شكّ أنّ النّاس يتَفاوتون في هذا، لكن المعاني الكُلِيّة والإجماليّة، والقضايا والمقاصد المهمّة هي بيِّنة واضحة؛ قضيّة التّوحيد، والإيمان بالله، والإيمان بالرّسول، والإيمان باليوم الآخر، والتّرهيب من النّار والتّرغيب في الجنّة، وذكر الأُمَم السّابقة، والمُكَذِّبين للرُّسُل، وعقوبات الله للأُمم والقرون الخالية، كلُّ ذلك واضح في كتاب الله وبَيِّن، ولا يحتاج مِنّا إلاّ أن نلتفِت بقلوبِنا وعقولِنا إلى القرآن، وهذا هو المقصودُ بالتّدَبُّر أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا

          يقول : ما أصلُ تسميةِ سُوَرِ القرآن، وقد تكون بعض الأسماء غير مناسبة لنصّ السّورة ؟
          الجواب : هذا إن شاء الله سنُجيب عليه في الدّرس القادم؛ لأنّ له صِلةً بموضوع مقاصد السُّور .

          هل يُسمّى القرآن نَظْماً كما ذكرت في المقدِّمة ؟
          الجواب: لا، ما يُسمّى، لكن أنا أقول: نَظْمُ القرآن أي: طريقة القرآنِ في تنظيمِ وتنضيد حروفِهِ وجُمَلِهِ وآياته.
          فأنا لم أُسَمِّ القرآن نَظْماً، يعني: ما قلت: وقد ذكر الله في النَّظْم كذا وكذا، هل قلت ذلك؟
          قلت نظْمُ القرآن أعظَمُ نظْم .
          يعني : انتظامُ القرآنِ في آياتِه وفي جُمَلِهِ وسُوَرِه أعظَمُ انتظام.

          هل تتعدّد المقاصد في السّورة الواحدة ؟
          الجواب: لا مانع، والله أعلم أن يكون هناك للسورة الواحدة أكثر من مقصد، وفي الغالب أنّك تجد مقاصد يمكن اجتماعُها، ويمكن التأليف بينها؛ مثل لو قلت: سورة البقرة هي سورة التّقوى، أو قلت: هي كُلِيّة الشريعة، أو قلت: هي السّورة الجامعة لمعاني الدّين؛ فإنّ التّقوى، كليّة الشريعة، جامعة لمعاني الدّين تجد أنّها متقاربة.
          كذلك سورة الفاتحة لو قلت: أنّها أُمُّ القرآن، أو فاتحةُ الكتاب، أو قلت هي سورة العبادة أو الصِّراط المستقيم تجد أنّك أمام أسماء متعدِّدة تصل في نهاية المقصود إلى شيْءٍ واحد والعلمُ في ذلك عندَ الله.
          بهذا نصل إلى ختام هذه المحاضرة، وأسأل الله –– أن يتقبَّلَ منكم صالح الأعمال، وأن يجعَلَنا ممَّن تفَقَّهوا في الدّينِ وعَمِلوا بتأويلِ الكتابِ المُبين .
          السّلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاته .

          سمر الأرناؤوط
          المشرفة على موقع إسلاميات
          (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

          تعليق


          • #6
            المحاضرة الثانية
            مقاصد السور القرآنية
            للشيخ محمد الخضيري
            اللقاء الثاني
            الحمْدُ للَّهِ رَبِّ العالمين الرَّحْمَنِ الرَّحيم مالكِ يَوْمِ الدّين والصّلاةُ والسّلامُ على أشرفِ الأنبياءِ والمرسلين ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن تَبِعَهُ إلى يومِ الدّين.
            أمّا بعد:
            هذا أيُّها الأحبّة هو المجلِسُ الثّاني مِن مجالِسِ هذه الدّروس – الّتي نسألُ اللهَ سبحانَهُ وتعالى أن يُبارِكَ لنا فيها جميعاً – وهي: شرحُ مقاصِدِ السُّور .
            وقد بيَّنّا في المجلِسِ الأوّل بعضَ المقدِّمات المهمّة حولَ هذا العلم، والمقصودِ به ( تعريفِهِ )، والفرقُ بينه وبين موضوعات السُّور، ونحو ذلك.
            واليوم نتحَدَّث في قضيَّتَيْن مهمَّتَيْن:
            القضيَّة الأولى: هي قضيّة تأصيل علم مقاصد السُّور، وبيان أنَّ هذا العلم علمٌ معتبر، وأنَّ لهُ أصلاً عندَ السّلف الصّالح، وأنَّهُ ليس من بدع الزّمان، وليس من الأمور الّتي اخترعَها النّاس من دون أن يكون لهم فيها سابق علم، أو سابق علماء بحثوا هذا الأمر وتكلَّموا فيه.
            يقولُ البقاعي – -: مؤكِّداً في كتابِهِ:ـ مصاعد النّظر في مقاصِد السّور ـ ( وقد كان أفاضِلُ السّلفِ يعرِفونَ هذا - يعني: يعرفون هذا العلم- بما في سليقتهم من الأفانين العربيّة، ودقيق منهاج الفكري البشرية، ولطيفِ أصاليب النّوازع العقليّة، ثمّ تناقصَ العلمُ حتى انعجمَ على النّاس، وصار حدَّ الغرابةِ؛ كغيرِهِ من الفنون"؛ مثل: علم النّحو والإعراب، وعلم البلاغة، وغيرِها من العلوم، كانت معلومة عند العرب، وكانوا يعرِفونها، ولكن لم تكن مقنَّنة، ولم يكُن لها مقدِّمات، ولم يكُن هناك أحدٌ يُمَيِّزُها عن سائرِ فنونِ العلم، فكذلك هذا العلم كان معروفاً عند السّلف الصّالح، وكانوا يُعْنَوْنَ به، ولم تكن عنايتهم به كعِنايتِهِم ببيانِ آياتِ القرآن، وفهمِ ما أنزلَهُ اللهُ – – من الكتاب، ولكن كانت لهم به عناية – كما سنُبَيِّنُ بعدَ قليل -.
            ومِّمّا يدلُّ لهذا الأمر:
            الأوَّل: بناءُ القرآن على مقاصدَ عامّة ترجِعُ إليها جميع معاني سوَرِهِ وآياته.
            فنلاحظ: أنَّ القرآن بُنِيَ على مقاصد عامّة، وأنَّ القرآن جاء يدور حول هذه المقاصد، ويُؤكِّدُها بأنواعِ المُؤكِّدات، من ذلك:
            *مقصود التّوحيد لله – عزّ وجلّ – تجده بيِّن، واضح، وظاهر في كتابِ الله – عزّ وجلّ – من أوّل القرآن إلى آخرِهِ.
            هذا المقصود جاء القرآن ببيانِهِ بأنواع، وأساليب منوّعة ومختلفة، ولذلك نجد أنّ القرآن يُؤكِّد على التّوحيد بطرق متعدّدة جدّاً:
            · مرّة يذكر حال الأنبياء ودعوتهم.
            · ومرّة يذكر مآل أو حجج المشركين ويردّ عليهم.
            · ومرّة يضرِب الأمثال في هذا الباب ويُبَيِّن أنَّ التّوحيد هو المقصود.
            · ومرّة يأمُر.
            · ومرّة ينهى.
            · ومرّة يقُصّ، كلّ هذا يدور حول مقصودٍ واحد.

            *كذلك تعبيدُ النّاسِ لله – – هذا مقصود أيضا من مقاصِدِ سُوَرِ القرآن.
            فإذا أردنا أنّ القرآن قد بُنِيَ على مقاصد، وأنّ جميع آياتِه تدور حول هذه المقاصد، وتُؤكِّدُها عرفنا: مقاصدَ سُوَرِ القرآن هي جزءٌ من مقاصِد القرآن، وأنَّ القرآن قُسِّم على سُوَر، وكُلُّ سورةٍ منه تنحو بطريقةٍ معيَّنة إلى تحقيقِ مقصدٍ أو أكثر من مقاصدِ القرآن العامّة.

            الثاني: - يا إخواني – ممّا يدلُّنا على تأكيد وتأصيل هذا العلم: تقسيم القرآن إلى آيات وسُوَر.
            فالقرآن مُقَسَّم على آيات وَسُوَر، وتقسيمُهُ على آياتٍ وسُوَر يَدُلُّنا على هذا الأمر، يقول صاحب الكشّاف ( الزمخشري ) في فوائد تفصيل القرآن وتقطيعه سُوَراً،ـ يقول: ( فإن قلتَ: ما فائدةُ تفصيلِ القرآنِ وتقطيعِهِ سُوَراً ؟ قلت: ليست الفائدة في ذلك واحدة، ثمّ عدّد بعض الفوائد في تقطيع القرآنِ على سُوَر، قال: ومنها: أنّ التفصيل بحسبِ تلاحُقِ الأشكالِ والنّظائر وملائمة بعضِها لِبعض، وبذلك تتلاحقُ المعاني والنّظم ) يعني: أنّ كلَّ معنىً يُجمَع في مكانٍ معيَّن، ويُحَدَّد فتبدأ السّورةُ به وتنتهي أيْضاً به، وتُؤيَّد بعددٍ من القَصص، وذكر للأنبياء وأخبارِهم مع أُممهم، وذكر لأمثالٍ متعدّدة، وأوامر، ونواهي، ومحاجّة، ومجادلة، وغير ذلك ممّا يُؤيِّدُ هذا المقصود ويدعمُهُ دعماً واضحاً.
            فأنت: عندما تنظُر إلى سورة الكافرون، تجد: أنَّ هذه السّورة جاءت لبيان إخلاص الدّين لله – – من أوَّلِها إلى آخِرِها.
            يقولُ اللهُ – عزّ وجلّ -: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ1لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ2وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ3وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ4وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ5لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ6 انظر للسّورة التي بعدَها إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ1 موضوعٌ آخر، وقضيّة أخرى، فهذه السّورة انتظمت مقصودٌ معينا وهو: توحيدُ العبادةِ لله – عزّ وجلّ – ونفي جميع المعبودات من دون الله، وأنَّ دينَ الله الّذي بُعِثَ فيه الأنبياء لا يمكن أن يلتقي مع دين المشركين في منتصف الطريق، وليس هناك حلٌّ متوسّط يمكن أن نلصِّق دين التّوحيد بدين الشرك، بل لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ .
            انظر كيف جُمع هذا المقصود الّذي هو أحد مقاصد القرآن العامّة في سورة لها بداية ولها نهاية، ولها آيات كلُّ آيةٍ تأخُذُ حيِّزاً من هذا المقصود وتُحَقِّقُه وهكذا عندما تنظُر مثلاً إلى سورةِ القيامة الّتي تحدّثت عن القيامة، أو سورة الانشقاق الّتي تحدّثت عن أهوالِ وأحداثِ يوم القيامة، وهكذا مثلاً عن سورة الشّمس الّتي تحدّثت عن تزكية النّفس، وكيف أنّ الله – – أكّد هذا المقصود بأقسامٍ كثيرة، وقال بعد أن ذكر تلك الأقسام الكثيرة: قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا9 وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا10
            ثمّ ذكر بعد ذلك قصة ثمود، وإذا تأمَّلْت ما مناسبة هذه القصّة؟ إلى مقصود هذه السّورة والمُقسَم عليه في هذه السّورة وجدت أنّه متلائم قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا9 وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا10 كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا 11 بأيِّ شيء؟ بسببِ طَغْواها.
            كذّبت هذه الأمّة بسببِ طغيانِها؛ لأنَّها ما زكّت أنفُسَها، ما خافت من الله، ما تذكّرت اليوم الآخر، ما قنِعَت بالأدلّة الّتي جاء بها نبيُّها – عليه الصّلاةُ والسّلام – صالح، لقد جيءَ لهم بآية من أعجب الآيات الّتي أرسل اللهُ – عزّ وجلّ – أو أيّد الله – عزّ وجلّ – بها الانبياء، وهي: النّاقة الّتي تخرُجُ من صخرة، وتسقي أمّةً كاملة بحليبِها، لها شِرْب، تشرَب في يوم، فتسقيهم من لبنِها، ويشربون هم يوماً آخر، آية عجيبة، ومع ذلك كذّبت هذه الأُمّة؛ لأنّها ما زكّت أنفُسَها لله، ولذلك كانت العقوبة: فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا 14 وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا 15 يعني: لا يخافُ العاقبة ممّا أنزلَ بهذه الأُمّة؛ لأنّهُ بيدِهِ ملكوتُ كُلِّ شيء، وهو القادرُ على كلِّ شيء، وهو الّذي يعلم كيف تنزل هذه العقوبة، وما هي آثارُها ونتائجُها؟ يعلمُ ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون؟ بخلاف ملوك الأرض قد يُنزلون العقوبة بأمة من الأمم، ولكنّهم يتوقّعون ردّة فعل قد تقضي على مُلْكِهم، وقد تدخلهم في بلابل وحروب وفتن ومشاكل لا يعلمُ علمَها إلاّ الله – -.
            فانظروا – يا إخواني – كيف أنّ السّورة كلها جاءت لتحقِّق مقصوداً من مقاصد القرآن العظيمة، وتُهيِّئ لهذا المقصود من مقدِّمات، ونهايات وأمثلة، وشواهد وضرب بشواهد تاريخيّة، وما أسباب اختيار هذا الشّاهد دون غيره؟ لأنّه مثال ظاهر، ولأنَّهُ مثالٌ يصلُحُ لهذه الأُمّة الّتي بُعِثَ فيها محمَّدٌ صلّى الله عليه وسلّم، فإنّ ثموداً – هذه الّتي ضُرِبَ بها المثل – قريبةٌ من ديارِ القوم الّذينَ أُنزِلَ عليهم القرآن، وهم أهلُ مكّة، يعرِفون ديارَهم، يمرّون بهم في كلِّ رحلة يذهبون إلى شمال الجزيرة العربيّة أو إلى بلادِ الشّام.
            تذكّروا بأنّكم تمرّون بهؤلاء، وأنّ سرَّ العقوبة التي حلت بهم أنَّهم ما استجابوا ما أذعنوا وأطاعوا، ما اتقوا الله، ما خافوا منه ولا من عقوبته بعدَ أن جاءتهم آياتٌ بيِّنات، وهكذا أنتم – أيُّها الأُمّة – إن لم تستجيبوا بما أنزلَهُ اللهُ عليكم على هذا الرّسول الكريم، وتُذعِنوا، وتُصَدِّقوا، وتُطيعوا، فليحلَنَّ بكم ما حلّ بهم.
            يقول: ( ممّا يُؤكِّد هذا من كلمة سورة أيْضاً تعني: أنَّها بمثابةِ السُّور يُحيط ) يحيط بماذا؟ يحيط بشيء معين وهكذا السّورة تجد أنّ لها بداية ونهاية، وأنّها محيطةٌ بشيْءٍ معيَّنٍ محدَّد قد يتعدّد هذا الشّيء، وقد يتحدّد.
            يقولُ البقاعي – (السورة تمامُ جملة من المسموع يُحيطُ بمعنًى تامٍّ بمنزلة إحاطة السور للمدينة ) .
            ويقول ابن عاشور في التحرير والتّنوير: (السّورةُ قطعةٌ من القرآنِ معيَّنة بمبدأٍ ونهاية، تشتمِلُ على ثلاثِ آياتٍ فأكثر في غرضٍ تامّ ترتكِزُ عليه معاني آيات تلك السُّورة) .
            انظر: ( في غرضٍ تامّ ترتكِزُ عليه معاني آياتِ تلك السّورة )..
            ومِمّا يُؤكِّدُ هذا: أنَّ اللهَ – عزّ وجلّ – لمّا تحدّى العرب بأن يأتوا بمثلِ هذا القرآن، تحدّاهم أن يأتوا بسورة، بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ فتُذكَر السّورة في مَقام التّحدّي، لماذا ؟ لأنّ السُّوَر يقعُ بها الإعجاز: الإعجاز في الألفاظ، الإعجاز – أيْضاً – في المعاني، والإحاطة بالمقاصد والموضوعات.
            قال ابنُ عاشور: ( وإنَّما كان التّحدّي بسورة ولم يكن بمقدار سورةٍ من الآيات ) يعني: لم يُذكَر ثلاث أو أربع أو خمس آيات من سورة؛ لأنّ من جملةِ وجوهِ الإعجاز أموراً لا تظهَرُ خصائصها إلاّ بالنّظَرِ إلى كلامٍ مُسْتَوْفاً في غرض من الأغراض" ، فالسّورة تأتي لتستوفيَ معنًى من المعاني، وتُؤكِّد عليه، وتأتي بكلِّ ما يُكَمِّلُ ذلك المعنى.
            قال: ( وإنَّما تنزِلُ سورِ القرآن في أغراض مقصودة، فلا غِنى عن مراعاة خصوصِيّاتٍ مناسبة لفواتح الكلام وخواتمه بحسب الغرض، واستيفاء الغرضِ المسوقِ له الكلام)

            الثّالث: ممّا يُؤكِّد ويُؤصِّل هذا العلم: أنّ هذا القرآن نزل مُحْكَماً.
            قال اللهُ – عزّ وجلّ -: الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ 1هود .
            اسمعوا ماذا يقول ابن كثير – – في ـ بيانِ إحكامِ القرآن ـ قال: ( أماَّ قوْلُهُ: أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ أي: هي محكمةٌ في لفظِها، مفصَّلةٌ في معناها، فهو كاملٌ في في المعنى، هذا معنى ما رُوِيَ عن مجاهد وقتادة واختاره جرير.
            إذاً قولُه: ( أُحْكِمَت) هذا الإحكامُ يكون في أمرين:
            إحكام الألفاظ بحيث يكون قمّة البلاغة والجزالة، والقوّة والتّرابُط اللفظي والسلاسة، وجرْف هذه الكلمات يجيش بالأسماء تطرب له القلوب، وأيْضاً قمّة في إحكامِ المعنى، بحيث لا يمكن أن تستدرك على المعنى الّذي جاء في الآيةِ، أو في السّورة أن تستدرك عليه بوجهٍ من الوجوه، فهو يأتي مكتمل من جميع جوانبه لا ينقص من زاويةٍ من الزّوايا بما يُناسِب غرض السّورة الّتي جاء فيها سنبيّن ذلك في الشّواهد بعد قليل.

            الرّابع: ممّا يُؤصِّل هذا العلم: ظهور الفرق بين السّور المكيّة والمدنيّة؛
            فأنت تستطيع تعرف أنّ هذه السّورة مكيّة، وهذه السّورة مدنيّة من النّظر إلى موضوعاتِها، ممّا يدلّ على أنّ القرآن بُنِيَ على موضوعات ومقاصد محدّدة كلُّ سورةٍ قد أخذت بجزء من ذلك المقصود أو بثغرةٍ من ثغراتِ مقاصد القرآن استوفتها من جميع زواياها.
            انظر مثلاً: عندما تقرأ: عَمَّ يَتَسَاءلُونَ 1 عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ 2 الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ 3 كَلَّا سَيَعْلَمُونَ 4 ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ 5 [ سورة النبأ من 1- 5 ] لا تشكّ بأن هذه السّورة مكيّة.
            وعندما تقرأ: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ 1 قُمْ فَأَنذِرْ 2 وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ 3 وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ 4 وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ 5 وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ 6 وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ 7 فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ 8 فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ 9 عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ 10 ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا 11 وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا 12 وَبَنِينَ شُهُودًا 13 [ المدثّر من 1ــ13 ] لا تشكّ في أنّ هذه السّورة مكيّة.
            وعندما تنظر إلى قولِ الله – عزّ وجلّ -، أو إلى سورةِ النّساء الّتي اُفْتُتِحَت بقولِ الله – عزّ وجلّ -: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا 1 وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا 2 وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ.... تستمرّ الآيات تنزل على هذا المنوال إلى أن يأتي في آخر آية من الآيات فيقول: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ .... إلى آخر الآية، لا تشكّ أنّ هذه الآيات لا يمكن أن تكون نزلت بمكّة، بل هي نزلت في المدينة.
            عرفنا: أنّ القرآن بمكّة يناقش موضوعات محدّدة، وفي المدينة يُناقش موضوعات أخرى لا تليق إلاّ بالمدينة وللمؤمنين الّذينَ كانوا مع رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم بالمدينة، فهي تُعالج مشاكل وقضايا المجتمع المسلم بخلاف مكّة تُؤسِّس العقيدة، وتُؤكِّد القضايا الأصليّة الّتي بُنِيَ عليها هذا الدّين.
            إذًا: نحن أمام قرآن قد فُصِّل في المعاني، أُحكِم في هذه المعاني، وهذا بيِّن من تقسيمات هذه السّورة .
            الخامس ممّا يُؤصِّل لهذا العلم، ويُبَيِّن أنَّهُ ليس بدْعاً من القول: نزولُ القرآن على حسبِ الأحوالِ والحوادث:
            لقد كان نزولُ القرآنِ مُنَجَّماً حسب ما تقتضيهِ الحوادث، والنّوازل، وما يتناسب مع الظّروفِ والأحوال، وما يتواكب مع المراحل الّتي مرّت بها الدّعوة، ثمّ جاء ترتيبُهُ في المصحف حسب ما كان في اللَّوْحِ المحفوظ؛ لهذا كان النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم كُلّ ما نزلت عليه آية يقول: " ضَعوا هذه الآية في المكانِ الّذي يُذْكَرُ فيه كذا وكذا " وهذا كلُّه بأمرٍ من اللهِ – - ، وهذا دليلٌ ظاهر على مقاصد السُّور حيثُ أنّ هذا التنجيم كان لحِكَمٍ عظيمة، منها:
            · أن تنزلَ السُّوَر أو الآيات لغرضٌ معيَّن حسب ما تقتضيه الحال، وهذا مُؤكِّدٌ لتضمُّنِ السُّوَرِ للمقاصد، فالآيات تنزل؛ لِتُعالج مشكلة معيَّنة، فالنّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يقول: " ضَعوها في المكان الفلاني " ؛ لأن هذا المكان هو أنسبُ شيْءٍ يُلَبّي أو يتناسب مع هذا الحَدَث.
            لماذا لم تُرَتَّب آيات القرآن ترتيباً تاريخيّاً بحيث كلّ ما نزلت آيات تأتي بعدَ الآيات الّتي قبلها وهكذا إلى أن ينتهي القرآن ؟ لا، بل بعضُ هذه الآيات في المكان الّذي يُذكَرُ فيه كذا وكذا، وهذا يدلّ على أنَّ كلّ آية من الآيات وُضِعَت في المكان المناسبِ لها من السّورةِ الّتي هي فيها؛ لِتُحَقِّقَ جزْءً من مقصودِ تلك السّورة.

            السّادس ممّا يُؤكِّد ويُؤصِّل لهذا العلم: تسميةُ السُّوَر:
            من أعظمِ الدّلائل كما يقول الدكتور محمد الرّبيعة: ( على مقاصِدِ السُّوَر وضعُ أسماءِ السُّوَر بما يرمُزُ لمعانيها الدّالّة على المقصَدِ منها ) .
            وقد اختلف العلماء: هل أسماء السُّوَر توقيفية أو اجتهاديّة ؟ ولا شكّ عندنا أنّ جزءً منها تَوقيفي؛ كفاتحة الكتاب، وأمّ الكتاب، وأمّ القرآن، والبقرة، وآل عمران، والكهف، والفلق، و المعوّذتين، وعدد من سُوَر القرآن قد جاء النّصّ في السُّنّة النّبويّة على أسمائها وبقيت أسماؤها إلى اليوم محفوظة، فهذه توقيفِيّة بلا إشكال، أو بإجماعِ العلماء، وهناك سُوَرٌ أخرى فيها محلُّ إشكال، ولكن السيوطي – – في الإتقان، وهو الكتاب المعروف الواسع في علوم القرآن يقول: ( ثبت – يعني عنده – أنّ جميعَ أسماءِ السُّوَر بالتّوقيف من الأحاديثِ والآثار ) فهو يرى: أنّ أسماء السُّوَر توقيفِيّة، وأنّ هذه الأسماء الّتي بين أيْدينا مأخوذة من كلامِ النّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وكلامِ أصحابِهِ.
            وقد أبان هذا الأمر: البقاعي – – بالتجرِبة، في كتابِه: نَظْمُ الدُّرَر فقال: ( وقد ظهر لي باستعمالي لهذه القاعدة بعد وصولي إلى سورةِ سبأ في السّنةِ العاشرة من ابتِدائي في عملِ هذا الكتاب: أنَّ اسمَ كُلِّ سورةٍ مُتَرْجِمٌ عن مقصودها؛ لأنَّ اسمَ كُلِّ شَيْء تظهَرُ المناسبةُ بينَهُ وبَيْنَ مُسمّاه الدّالّ إجمالاً على تفصيل ما فيه ) فهو يرى أنّ اسم السّورة ما اختير على نحْوٍ معيَّن إلاّ لأنّه يدلّ مقصودِها ويرمُزُ له، سواءً كانت دلالتُهُ مباشرة ؛ مثل سورة الإخلاص، وسورة أم الكتاب أو أمّ القرآن، أو كانت فيها إشارة إلى المقصود، وفيها نوع من أنواع الرّمزية لهذا المقصود؛ كسورة البقرة، فإنّك عندما تنظر إلى مقصود سورة البقرة، هو: أنّها سورة جامعة لمعاني الشّريعة؛ كما قلنا في الدّرس الماضي هي: [ كليّة الشريعة ] ما مناسبة تسمية هذه السّورة بالبقرة ؟ المناسبة بعد التأمُّل تظهر في أنَّ اللهَ – عزّ وجلّ – أراد أن يُبَيِّن لنا أنّ أمَّة بني إسرائيل سُلِبَت الخلافة في الأرض؛ لأنّها كانت تتأبّى على الطّاعة، وكانت لا تُطيعُ الأنبياء، ولا تنقاد بأمرِ الله – عزّ وجلّ – إلاّ بمشقّة وكُلفة، وعُسُر ظاهر، ولذلك سلب الله منه الخلافة في الأرض، والتّفضيل على العالمين، فيا أمّة محمّد! احذَروا أن تكونوا مثلهم، وأدلّ ما يدلّ على ذلك: قصّة البقرة، فإنَّ قصّة القرة – يا أحبابي – ظاهرة في هذا الموضوع:
            لمّا قال موسى لبني إسرائيل: أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ 67 قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ 68 قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا طيب، ما شأنُكم في لونِها وما هي ؟ إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا اذْبَحوا بقرة أيُّ بقرة ؟ أسرعوا بالاستجابة واذبحوا أي بقرة !!!، ولذلك النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في صُلح الحُدَيْبِيَة، لمّا كان معَهُ أحد الصّحابة أحْرَموا كانوا يتشّوَّفونَ لأن يؤدّوا العمرة، فَمنِعوا بسبب بنود الصُّلح الجائر الّذي أوْقَفَهم، وأنّهم لا يمكن أن يُؤدّوا العمرة إلاّ من عامٍ قابل، قال الصّحابة أحلوا، فتوقَّفوا ، فدخَلَ مُغْضَباً، وقال: " هَلَكَ أصحابي ! " كيف نبيُّهم يأمرهم بأمر يحلّوا ولا يحلّوا ، فقالت له: أمُّ سَلَمة: " احلِقْ أنت يا رسولَ الله! حتى يحلِقوا " ؛ لأنّهم كانوا يتشوَّفون أن يُؤدّوا العمرة، ويتمنَّون أن يأتي شيْءٌ، فخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، يعني: يُحْلَقَ رأسُه، فَحُلِق ، فَتَتابَعَ النّاسُ على ذلك؛ حتى كادوا أن يقْتَتِلوا .
            فانظروا كيف النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، هدّد وقوعِ الهلاك على أصحابه، لمّا تخلَّفوا عن الاستجابة، وتباطئوا عنها – يعني فترة يسيرة جدّاً - .
            انظر ماذا يفعل بني إسرائيل؟ ماذا فعلوا ؟ يقول: أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ 67 قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن.... إلى آخر ما ذكر، ولذلك في هذه القصّة من أعجب ما فيها – تأمَّلوا هذا يا إخواني – وهو أمرٌ يخفى على مَن لا يتأمَّلون ولا يتدبّرون في كتابِ الله – عزّ وجلّ – إن سبب القصّة وبدايتها جاءت في نهايتها، والعادة أنّ القصّة تُذكَرُ البداية في البداية والنّهاية في النهاية، ولا تُقلَبُ الأحداث، فموسى يقول: اذْبَحوا بَقَرَة لماذا يا موسى اذبحوا بقرة ؟ ما هو أصلُ المشكلة ؟ لماذا أمَرْتَ قومَكَ أن يذْبَحوا بقرة ؟
            قال الله في نهاية القصّة: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ 72 ، فقال لهم موسى: اذْبَحوا بَقَرة ثمّ لمّا ذبحوها، قال لهم: اضْرِبوا بعضها ببعض، أو اضربوا الميِّتَ ببعضِها كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ 73، فأوَّلُ قصّة مذكورٌ في آخرِها، ما هو السّرّ ؟ لماذا يُؤخَّرُ أوَّلُها ليُجْعَلَ في آخِرِها؛ حتى يُبَيَّن هذا المقصود وهو: أنّ أُمّة موسى أُمّة عصيّة أبيّة لا تُريد أن تستجيب لأوامر الأنبياء، ولا تنقاد لهم- لاحظتم هذا المقصود فلمّا أراد أن يُظهر لنا هذا الأمر، قدّم هذا الأمر وبدأ به، وترك سبب القصة وأصلها وبدايتها وأجّلها إلى الأخير، وإلاّ ما شعرتم الآن، لماذا يأمر موسى قومه أن يذبحوا بقرة ؟ ما فكّرت في هذا الأمر ثم يأتي الجواب في آخر القصة: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً ما هو أصل القصّة ؟ قُتِلَت نفس في بني إسرائيل، فأصبحوا ، واتّهم بنو إسرائيل بعضهم بعضاً مَن الّذي قتل هذا الرّجل، وأصبح أوْلِياءُ الدّم يُطالِبون بأن يُبْحَث عن القاتل، ويتَّهِمونَ أُناساً بِأعيانِهِم، فوقف بنو إسرائيل؛ ليقْتَتِلوا، فقيل: كيف تقتتِلون وتختلِفون وفيكم نبيٌّ يُوحى إليه؟ فارفعوا أمرَكم إلى نبيِّكم، فرفَعوا الأمرَ إلى موسى، فأوْحى اللهُ إليه أن مُرْ بني إسرائيل أن يذبَحوا بقرة، ثمّ يضرِب الميِّتَ ببعْضِها، فسَيُعلِمهم الله – عزّ وجلّ – كيف؟ مَن هو القاتل؟ فقال لهم: اذبحوا بقرة. قالوا : أتّتَّخِذُنا هُزُواً ؟ نحن أتينا نسألك مَن القاتل؟ تقول لنا: اذبحوا بقرة، قال : أعوذُ باللهِ أن أكونَ مِنَ الجاهلين .
            فلمّا عَلِموا أنَّ موسى جادّ، وأنَّهُ لم يكُن يُهْزَأ، وَحاشاه مِن أن يهْزَأ في مثلِ هذا الأمرِ العظيم، بدؤوا يتباطئون: معقول يُأمَر من قِبَل الله بذبح بقرة باكتشاف القاتل إلاّ وهذه البقرة من نوع خاص، ما هي أي بقرة؟ .
            انظروا – يا إخواني – إلى طريقة هؤلاء في استجابتهم لأوامرِ الله وأوامرِ رسولِهِ صلّى الله عليه وسلّم .
            قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ 67 قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لّنَا مَا هِيَ فلمّا قالوا ذلك، وشدَّدوا على أنفُسِهم ولم يستجيبوا من أوَّلِ وهلة شدَّد الله عليهم، فاحذَروا يا أمَّةَ محمَّد! أن تكونوا مثلهم! ولذلك قال النّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم مرَّةً لأصحابِه: " إنَّ اللهَ كتب عليكم الحجّ ، فَحُجّوا " ماذا قال قام رجل من بين النّاس فقال: " أَفي كُلِّ عامٍ يا رسولَ الله ! " فغضب النّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم وقال: " لو قلتُ نعم لوجبت، ولو وجبت لَما استَطَعْتُمْ ذَروني ما تركتكم " يعني: " إنَّ اللهَ كتب عليكم الحجّ فحُجّوا " خلاص إذا أدَّيْت هذا الحجّ مرّةً فقد أدَّيْتَ ما أُمِرْتَ به، هل قلت عليه لكم: " إنَّ اللهَ كتبَ عليكم الحجّ كُلَّ عامٍ فَحُجّوا " فلماذا تُنَقّرون، وتُدَقِّقون في أمرٍ لو شئت لنقّرْتُ فيه ودقَّقت " ذَروني ما تركتم " يعني: أسرعوا وبادروا بالعمل والاستجابة .

            وهذا الأمر – يا إخواني – وهو تسمية السُّوَر يُؤكِّد ما ذكرْنا من أنَّ مقاصد سُوَر القرآن معروفة معلومة.
            انظر مثلاً: إلى سورة الفاتحة تُسَمّى أُمَّ القرآن، وكلمة أُمَّ القرآن غير موجودة في سورة الفاتحة ، فكيف اُختير اسم أُمَّ القرآن بسورةٍ ليس فيها هذا اللّفظ؟ لو كانت أسماء السُّوَر أسماءَ عَفْوِيَّة يُراد بها التّمييز المُجَرَّد، ما قيل لسورةِ الفاتحة الفاتحة أو أُمّ الكتاب، أو أُمَّ القرآن، أو الشّافية، أو الكافية، أو الصّلاة، أو غير ذلك من الأسماء الّتي سُمِّيَت بها هذه السّورة، ممّا يَدُلُّك على أنّ كُلَّ سورةٍ سُمِّيت باسمٍ، فإنَّ هذا الاسم مقصودٌ فيها ويَدُلُّ على مقصودِها، وسَنُبيِّن – إن شاء الله – في الدّروس القادمة، لماذا سُمِّيَت سورة الفاتحة بِأُمّ القرآن، وما صِلَةُ ذلك بمقصودِها ؟.
            وانظروا – يا إخواني – إلى سورة الصّمد تُسمّى سورة الإخلاص، هذا الاسم لسورة الصّمد ليس مذكوراً فيها قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ1اللَّهُ الصَّمَدُ 2 لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ 3 وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ 4
            فلم تذكُر كلمة الإخلاص في هذه السّورة، ومع ذلك سُمِّيَت سورة الإخلاص، لماذا ؟ لأنَّهُ نُظِرَ في الاسم إلى المعنى الّتي تضمَّنَتْهُ هذه السّورة، فهذه السّورة خالصةٌ في ذكرِ اللهِ – عزّ وجلّ – تُحَقِّقُ الإخلاص في قلبِ العبد، فمَن صدَقَ فيها، وفهِمَ معناها، وقام بمقتضاها، فهو من أهلِ الإخلاص ولا بُدّ، ولذلِك يُلاحظ في هذه السّورة تقرأ في أوْقات ومناسبات يُراد بها تأكيدُ الإخلاص، فهي تُقْرَأ في بداية اليوم: في الصّباح، وفي المساء، وتُقْرَأ في ركعتَيْ الفجر، وتُقرَأْ في ركعتَيْ المغرب البَعْدِيَّتَيْن، وتُقْرَ آخر ما يقْرَأهُ الإنسان في يوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ؛ كأنَّهُ تأكيدٌ على أمرِ الإخلاصِ في أوَلِ النهار وآخِرِهِ، وتُقرَأ بعد الطّوافِ في البيت، لماذا؟ لأنَّ الإنسان إذا طاف في البيت يُمكن أن يُقال: أنَّهُ يعبُدُ البيت ولا يعبدُ ربَّ البيت، فيقولُ العبد: لا عبادةَ لي إلاّ لله، ولا ربَّ لي إلاّ الله، ولا أتَقَرَّبُ لِأَحَدٍ سِواه، فهو يُؤكِّد هذا المعنى، ولاحِظوا لعظمة هذا المعنى الّذي جاءت به هذه السّورة يقرَأُها الإنسان في دُبُرِ كُلِّ صلاة، فهذا يدُلُّنا على أنّ هذه السّورة لها مقصود، وأنّ هذا الاسم ما وُضِع لها عبث.
            وقد يرِد على هذا إشكال وهو: أنّ بعض السُّوَر لها أسماء متعدِّدة فما هو الجواب؟ نقول: إنَّ هذه الأسماء المتعدِّدة تدُلّ إما على موضوعاتٍ في السّورة تخدِم المقصود، أو كُلُّها تُشير إلى المقصود، فمثلاً: عندما تأتي إلى سورة الحمد يُقال: سورة الفاتحة، يقال سورة الصّلاة، وأمّ القرآن، وأمُّ الكتاب، السّبع المَثاني، فهذه الأوْصاف لا تجد أنَّها تتعارض، بل كُلُّ واحدٍ منها ينظُر إلى موضوع السّورة من وجهٍ معيَّن، أو يدلّ على شيْءٍ ممّا يُمَيِّزُها عن بقيّةِ سوَرِ القرآن.
            أيْضاً ممّا يُؤصِّل لهذا العلم ويُؤكِّدُه: الأحاديث الواردة في فضائلِ السُّوَر، وتخصيصُ بعضِها بأوْقاتٍ معيَّنة.
            فلماذا يُفاضَل بين سُوَرِ القرآن ؟ لأنَّ مقصود هذه السّورة أعظم من مقصود هذه السّورة؛ فسورةُ الفاتحة أعظم من سورةِ النِّساء؛ لأنَّ المقصود في سورةِ الفاتحة أعظم من المقصود في سورة النِّساء، ولا يعني ذلك أنَّ هذا التّفضيل يعني أنّ المفضول في مرتبةٍ سافلة، لا ، كُلُّ كلامِ اللهِ عالي، وكُلُّهُ في الغاية من الكمال والإحكام والدِّقّة والبلاغة والعلوّ والرِّفعة في المعنى والمقصد، ولكنَّهُ يتفاضل، ولذلك قال النَّبيُّ صلّى اللهُ عليه وسلّم: " ألا اُعَلِّمُك أعظمَ سورةٍ في القرآن " يقول لأحدِ الصّحابة – رضوان الله تعالى عليهم - ، ممّا يدلّ على أنّ سوَرَ القرآن تتفاضل؛ كما أنَّ آيات القرآن تتفاضلُ أيْضاً، فهناك أعظم آية في القرآن؛ لأنَّ المقصود في هذه الآية أعظم من المقصود بالآيات المجاوِرةِ لها، فسورة البقرة تجاوزت المئتين آية، وفيها آية أعظم آياتِ القرآن كلِّها على الإطلاق.
            انظُر إلى السُّوَر الّتي جاءت في جزْءِ عمَّ ! كثيرة جدّاً، ولكن أبلغ هذه السُّوَر وأعظمُها ما كان مقصودُه أعظم من بقيّة مقاصد تلك السُّوَر، سورة الإخلاص والمُعَوِّذَتَيْن، وسورة الكافرون، والزلزلة ... ونحوِها وردت فيها أحاديث وفضائل خاصّة تدُلّ على أنَّ هذه السُّوَر لها مقاصد، وأنَّ مقاصد القرآن ليست على مرتبةٍ واحدة، وأنَّ السّورة تفضُل بمقصودِها، السّورة تفضُل بما فيها من المقصود، فإن كان مقصودُها توحيدُ اللهِ – عزّ وجلّ – ازدادت الفضيلةُ فيها، وإن كان مقصودها مثلاً ذكرُ أخبار – مثلاً – الأُمم الماضية، أو التأكيد على شأن الضُّعفاء، أو بيان – مثلاً – المعاملات الماليّة، أو بيان بعض الأحكام والمسائل الزَّوجِيّة، فإنَّ أمرَ التّوحيدِ أعظمُ من ذلك، وأمرُ الإيمانِ بالآخِرة أعظمُ من هذه الأمور الّتي بيَّنّاها.

            ممّا يُؤكِّد على هذا الأمر، وهو: أنَّ سُوَرَ القرآن لها مقاصد، ويُبَيِّن أنَّ للمقاصِدِ أصلاً:تَكرارُ القصصِ في السُّوَر.
            فإنَّ القِصّة الواحدة تُكَرَّر في عدد من السُّوَر، وتَكرار هذه القصّة في سُوَرٍ متعددة تُلاحظ أنَّهُ يختلف من سورة إلى سورة، ففي هذه السّورة يُذكَر جانب من القصّة، وفي هذه السّورة يُذْكَر بأسلوبٍ آخر مُغايِرٍ للقصّةِ الّتي وردت في السّورةِ الأخرى.
            انظر – مثلاً – إلى قصّةِ موسى – عليه السّلام -، تكرَّرَت في تسعِ سُوَر من القرآن الكريم، وماذا ؟ هذه السُّوَر التّسع ذُكِر في كلّ سورة ما يُناسب مقصود تلك السّورة.
            فمثلاً في سورة البقرة: ذكر الله – عزّ وجلّ – ما أنعم به عليهم، وما أمرَهم به، وكيف قابلوا هذه النِّعَم وجحدوها؛ حتى سلَبَهم الله – عزّ وجلّ – التّفضيل على العالمين، وبيَّن مخازيهم، وبيَّن الإشكالات الكثيرة الّتي ظهرت منهم؛ حتى فضحهم الله – عزّ وجلّ – بمعاصيهم، وقتلِهم للأنبياء وكفرِهم بآيات الله إلى آخرِ ما هنالك، وهذا مناسبٌ لمقصودِ السّورة.
            في سورةِ الأعراف ذُكِرَت قصّة موسى – عليه السّلام – مع قوْمِه بما يُناسب بداية أمر بني إسرائيل؛ لأنَّ سورة الأعراف سورة مكيّة، وسورة البقرة سورة مدنية.
            ففي سورة الأعراف ذُكِرَت البدايات، وكيف نشأت هذه الأُمّة؟ وكيف قامت؟ وماذا حصل لهم حتى أنجاهم اللهُ – عزّ وجلّ – من عدُوِّهم.
            في سورة البقرة ذُكِرَت مخازي بني إسرائيل في عهدِ موسى إلى عهدِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم؛ حتى قال الله – عزّ وجلّ – أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ 75 فيذكر الله – عزّ وجلّ – أنّ هذه الأُمّة قد طُمِسَت بصائرُها، وقد علا على قُلوبِها الرّان – نسأل الله العافية والسّلامة – بسببِ طغيانِهم، ولذلك يقول هنا انظر إلى المخالفة في الألفاظ بحسب المناسبة والمقصود.
            في سورةِ الأعراف يقول: وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا وفي سورة البقرة يقول: وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً .
            في سورة الأعراف: انبَجَسَتْ وفي سورة البقرة : انفَجَرَتْ ؛ لأنَّهُ لمّا كان يُعَدِّد النِّعم يُناسب الانبجاس الّذي هو أوّلُ الانشقاق أو الانفجار؟ الانفجارّ حتى يُبَيِّن أنّ الله أنعم عليهم حتى كفروا تلك النّعم، فسَلَبَهم الخلافة، وبدَّلَهم بأُمّةِ محمّدٍ صلّى الله عليه وسلّم الّتي أطاعت وانقادت واستجابت بأمرِ الله - عزّ وجلّ -.
            ففي سورة البقرة يذكر الانفجار الّذي هو شدّة جريان الماء وانبعاثه من الصّخر.
            في سورةِ الأعراف؛ لأنّها سورة مكيّة ذكر الانبجاس، والانبجاس أوّلُ الانشقاق، فأوّل الانشقاق وهو انفجار الصّخرة يُسمّى انبجاساً، قال: فَانبَجَسَتْ ، وفي سورة البقرة : فَانفَجَرَتْ .
            إذاً : انفجرت، وانبجست يدُلاّنِ على مقصودٍ واحد، وهو الانشقاق، لكنَّ الانبِجاس، هو: أوّلُ الانشقاق، والانفجار هو غايتُهُ ومنتهاه .
            ذُكِر هذا هنا، وهذا هنا لمناسبة كلِّ واحدٍ منهما في المَقامِ الّذي ذُكِرَت فيه.

            أيْضاً ممّا يُؤصِّل لهذه المقاصد: الآثار الواردة عن السّلف في بيانِ المقاصد:
            وهذا يمكن أن نذكُرَهُ من عدَّةِ وُجوه:
            الوجه الأوَّل: ما ورد عنهم من تحديدٍ لغرَضِ السّورةِ بالتعبيرِ عنها بوصفٍ أو اسم دال على الغرض
            فقد يرِد عنهم – رضي الله تعالى عنهم – ما يدُلّ على وصفِ السّورة باسم، أو وصف يُمَيِّزُها، ويَدُلُّ على مقصودِها، ومن ذلك:
            ما ذكروا في سورة التّوبة، أخرج البخاري عن سعيد بن جُبَيْر، قال: قُلْتُ لابنِ عبّاس سورةُ التّوبة. قال: " التوبة هي الفاضحة " .
            انظروا: يصفُها بأنّها الفاضحة. يُدَلِّل على ماذا ؟ على مقصودِها قال: ما زالت تنزل: ومنهم، ومنهم؛ حتى ظنّوا أنَّها لم تُبقِ أحداً منهم إلاّ وَذُكِرَ فيها. فهي سورةٌ نزلت في فضحِ المنافقين، فابن عبّاس يصف سورة التّوبة بأنّها الفاضحة.
            من أين جاء بهذا الوصف في هذه السّورة ؟ لمّا علِمَ أنَّ مقصودَها هو الحديث عن المنافقين، كشف مخازيهم، بيان أوصافهم، قال: هي الفاضحة، وهذا الحديث رواه البخاري .
            ونقل السّيوطي عن عِكرِمة قال : قال عُمَرُ – – ( ما فُرِغَ من تنزيل براءة – يعني سورة التّوبة – حتى ظنَّنّا أنَّهُ لم يبقَ مِنّا أحدٌ إلاّ سينزِلُ فيه، وكانت تُسمّى الفاضحة) يعني: كانت تُسمّى عندَ الصّحابةِ في عهدِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: الفاضحة؛ لكثرة ما ورد فيها من فضائح للمنافقين، ومنهم، ومنهم، ومنهم، ومنهم، ومنهم؛ حتى خشِيَ الصّحابة على أنفُسِهم أن تُكْشَف أستارُهم أو تُهْتَك .
            وسمّاها ابن عُمَر ( بالمُقَشْقِشة ) كما نقل السيوطي عن زيد بن أسلم، أنَّ رَجُلاً قال لعبدِ اللهِ بن عُمَر ( سورةُ التّوبة ، فقال ابن عمر: وأيَّتُهُنَّ سورةُ التّوبة ! ؟ فقال: براءة. ، فقال ابنُ عمر: ( وهل فعل بالنّاسِ الأفاعيل إلاّ هي ؟ واللهِ ما كُنّا نَدْعوها إلاّ المقشقِشة .
            وجهُ تسميتها بذلك؛ لأنّها تُبَرِّئُ من النِّفاقِ والشرك، وكلا التّسمِيَتَيْن دالَّتَيْنِ على الغرض، وهو كشفِ أحوالِ النّاس، ومواقفهم من الدّين والقتالِ في سبيله، ولذلك سُمِّيَت بالتّوبة؛ إشارةً إلى حال المؤمنين، وسُمِّيَت بالفاضحة؛ إشارة إلى حال المنافقين، وسُمِّيَت براءة إلى حال المشركين، وهذانِ الأثَران، وهما الأثر عن ابنِ عُمَر وابنِ عبّاس من أهمِّ الآثار الدّالّة على علمِ مقاصِد السُّوَر.
            فتأمَّل سؤالَ سعيد بن جُبَيْر لابن عبّاس عن السورة، وجواب ابن عبّاسٍ له باسمٍ دالٍّ على غَرَضِها.
            وتأمَّل: سؤال الرَّجُل لابنِ عُمَر عن السّورة، وجواب ابن عُمَر له باسمٍ دالٍّ على غرِضِها.
            وهذا يُؤكِّد: أنَّ أغراضَ السُّوَر متقرِّرَة لدَيْهِم، ورُبَّما عبَّروا عنهُ بِوَصفٍ أو باسم، ولذلك وصفوها باسمٍ غيرِ اسمِها المشهور.
            ومن الأمثلة على هذا:
            ما ورد عن قتادة وعن علي بن زيد وعن الكَلْبي أنَّهم قالوا: (سورةُ النَّحل هي سورةُ النِّعَم؛ لكثرةِ تَعْدادِ النِّعَمِ فيها ) .
            فتسميتُها بذلك ظاهرٌ من كوْنِها تُرَكِّزُ على هذا المعنى، وهذا ما نُسَمّيه بالغرَضِ والمقصَد.

            الثاني: ممّا ورد عن السَّلف: ما ورد عنهم من بيانٍ لغرَضِها صريحاً؛ كالقصّة الّتي ذكرناها في الدّرس الماضي في تفضيلِ ابنِ عبّاس، وجعْلِهِ مع أشياخ الصّحابة، فقد أخرج البخاريُّ عن ابنِ عبّاسٍ – – قال: كان عُمَر يُدْخِلُني مع أشياخِ بدر، فكأنَّ بعضَهم وجد في نفسِه، فقال: لِما يُدْخِلُ هذا معنا، ولنا أبناءُ مثلُه؟ فقال عُمَر: ( إنَّهُ مِمَّن قد عَلِمْتُم، فدعاهم ذات يومٍ فأدخَلَهُ معهم، فما رُؤيتُ أو فما رأيْتُ أنَّهُ دعاني فيهم يومَئذٍ إلاّ لِيُرِيَهم يعني: ليُرِيَهم فضلي عليهم ومنزلتي في علمي بالقرآن. فقال: ما تقولون في قولِ اللهِ – عزّ وجلّ – إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ1فقال بعضُهم: أُمِرْنا أن نحمَدَ الله، ونستغفِرَهُ إذا نُصِرْنا، وَفُتِحَ علينا، وسكت بعضُهم فلم يقُل شيْئاً. فقال لي: أكذلك تقول يا ابنَ عبّاس؟ فقلتُ: لا . فقال: ما تقول ؟ قلتُ: هو أجَلُ رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّم أعْلَمَهُ له. قال: إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ 1 فذلك علامةُ أجلِك فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا 3 فقال عُمَرُ بن الخطّاب: لا أعلَمُ منها إلاّ ما تقول ) أخرجه البخاري .
            فانظروا كيف أنّ عُمَر سأل الصّحابةَ عن مغْزى السّورة، ومراد اللهِ فيها وهو مقصَدُها، وهذا يدلُّ على تَقَرُّرِ مقاصِدِ السُّوَرِ عندَهم بفهمهم الثّاقب.
            وتأمَّل كيف تفاوت فهمهم لغرض السّورة، وهذا دليلٌ على تفاوتِ النّاسِ في فَهْمِ الغَرَض، فمنهم: مَن يَفْهَمُهُ فَهْماً عامّاً، ومنهم مَن يفهمُهُ فهْماً دقيقاً .
            قال الشّاطبي – –: (ظاهِرُ هذه السّورة: أنَّ الله أمر نبيَّهُ عليه الصّلاةُ والسّلام أن يُسَبِّحَ بحمْدِ رَبِّهِ ويستغفِرَه إذا نصرَهُ اللهُ وفتح عليه، وباطِنُها أنَّ اللهَ نعى إليه نفسَه) .
            وبالتأمُّلِ في هذه السّورة وغرَضِها نجدهُ في تبشيرِ اللهِ لنصْرِ الدّينِ وتمامِهِ، وبيانِ ما يُشْرَعُ معه، وهذا الغرض متوجِّهٌ ابتداءً لرسولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم؛ لإبلاغِهِ لِتمامِ رسالته وتبليغه، وإعلامِهِ بِقُرْبِ أجلِه، وهذا ظاهرٌ في ألفاظِ السّورة، وهو ما فهِمَهُ ابنُ عبّاس، وهو متوجِّهٌ عموماً لعامّةِ الأُمّة من جهة أنَّهُ تبشيرُ النّصر، والفتح الدّالّ للأُمّة، وبيان ما يُشْرَعُ معه، ولذلك جاء التّعبيرُ بصيغةِ المستقبل إذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالفَتْح وهذا ما فهِمَ كِبارُ الصّحابةِ حين قالوا: ( أُمِرْنا أن نحمَدَ اللهَ ونستغفِرَهُ إذا نُصِرْنا، وفُتِحَ علينا ) قال ابنُ كثير: ( فسَّرَها بعضُ الصّحابة بكثرةِ الذّكرِ والاستغفارِ عند الفتح والنّصر، وفسَّرَها ابنُ عبّاسٍ، بأنَّها نُعِي إلى رسولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم أجلٌ فيها، وأقرَّهُ على ذلك عمر بن الخطّابِ، ولا منافاة بين أن يكون أمر بذلك عندَ ذلك ونُعِيَ إليهِ روحُهُ الكريمةُ أيْضاً، ولهذا كان عليه الصّلاةُ والسّلام يظهَرُ عليه الخضوعٌ جدّاً عند النّصر؛ كما رُوِيَ أنَّهُ كان يومَ الفتح – فتح مكة – داخلاً إليها من الثنيّة العُليا، وإنَّهُ الخاضِعُ لِرَبِّه؛ حتى إنَّ اُثنونهم لَيَمسُّ موْرِكَ رحلِه) يعني : يكادُ ذقنه وأسفلُ وجهه يلمَسُ مورِكَ الرّحل من شكرِهِ وخضوعِهِ لله – عزّ وجلّ - .
            ومن الأمثلة على هذا :
            أيْضاً وهو تصريحٌ بالمقصد: ما ورد عن ابنِ عبّاس – – في سورةِ الليل؛ كما ذكر ذلك السُّيوطي – – في ـ الدُّرّ المنثور ـ قال : وأخرج ابنُ مَرْدَويه عن ابنِ عبّاسٍ قال: ( إنّي لأقولُ هذه السّورة نزلت في السّماحةِ والبُخل ) يعني: سورة الليل .
            ولذلك لمّا تتأمّل هذه السّورة من أوَّلِها إلى آخِرِها تجد أنّها في أمر الإنفاق والشُّحّ في المال وعدمِ الإنفاقِ منه .
            وكذلك ما ورد عن عَمْرِ بن دينار في سورةِ التّكاثر؛ كما ورد ذلك القرطبي – – عنه، قال: وعن عَمْرِ بن دينار قال: ( حلف أنَّ هذه السّورة نزلت في التُّجّار ) .
            وبالتأمُّل: نجد أنّها واردةٌ في شأنِ التّكاثر في الأموالِ والأوْلاد ونسيان الآخرة، وهذا حالُ كثيرٍ من التُّجّار، وهو ما رمز إليه عمرو بن دينار – - .
            وكذلك ما ورد عن محمّد بن فضل قال: وسورةُ الإخلاص؛ لأنَّهُ ليس فيها إلاّ التّوحيدُ فقط .

            الثالث ممّا يُبَيِّن لنا حرص السّلف على هذا الأمر، ما ورد عنهم من الأمر بمراعاةِ المقصودِ من كلامِ الله بالنّظرِ لموضِعِ الآيةِ وسِياقِها، وكان السّلف يُؤكِّدون على مَن يُريد أن يفهم القرآن أن يفهم السِّياق.
            انظر فيمَ نزلت الآية ؟ يعني: لا تفهم الآية فهماً مقطوعاً عمّا قبلَها وعمّا بعدها، فإنّ هذا لا يليقُ بك، فمثلاً عندما تقرأ قولُ الله – عزّ وجلّ – في سورةِ النّور قال: وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ .... إلى أن قال: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ 31 أنت لو قلت: توبوا إلى اللهِ جميعاً أمرٌ بالتوبةِ في كلِّ مَيْدان وفي كلِّ مكان، وعلى كلِّ مؤمن في كُلِّ ساعة لكان صحيحاً، لكن لو غفلت عن المقصود الّذي سيقَ الأمرُ بالتّوبةِ من أجلِهِ في هذا الموطن لَكُنْتَ مُقَصِّراً، فإنَّ التّقصير في أمر الاستئذان، وأمر غضّ البصر، وحفظ الفرج، ورعاية المؤمنة؛ لحفظِ زينَتِها، وعدمِ إبدائها إلاّ لمَن أمر الله ممّا يكثُرُ وقوعُهُ من النّاس، وهذا تعلمونَهُ، كلٌّ منّا يعلمُهُ من نفسِه، كم من مرّةٍ أفْلَتْنا أبصارَنا، ولم نَغُضَّها عمّا حرَّمَهُ اللهُ علينا أليس كذلك ؟ فالله – عزّ وجلّ – في هذا الميدان يقول: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ 31 يعني: احذَروا أن تقعوا في هذا الأمر، وإذا وقعتم فعليكم أن تُبادِروا بالتوبة فإنَّ هذا من المعاصي، ومن الذّنوب، كيف استفدنا أنّها من الذّنوب أن يُقال في ختام الآيات: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ 31.
            تأمَّلوا – يا إخواني -: لو قال إنسان: وتوبوا إلى اللهِ جميعاً، هذا أمرٌ بالتوبةِ عندما يعصي الإنسانُ ربَّهُ في كُلِّ حال لكان الكلامُ الّذي يذكرُهُ صحيحاً، لكن عندما أقول: هذا أمرٌ عامٌّ للتوبة، وهو أيْضاًّ خاصٌّ بما جاءت الآياتُ فيه، وهو عندما يخل الإنسان بالاستئذان في الدّخولِ على الآخرين، والإطلاع على عوراتهم، وعندما لا يَغُضُّ بصره ، وعندما لا يحفظُ فَرْجَه، وعندما لا تُراعي المؤمنة أمرَ الحجاب أو تُقَصِّرُ فيه، فيجبُ علينا أن نتّقِيَ اللهَ أو أن نُبادِرَ إلى التّوبةِ في هذه الأمور.
            هذا نظرٌ إلى ماذا ؟ إلى المقصود في الآيات، نحن الآن عملنا بالآية بمقصودٍ معيَّن فأعملنا ذلك، ولذلك كان السّلف يُؤكِّدون في فهمِ الآية على النّظر إلى مقصودِها؛ حتى إنّ أسماءَ الله – عزّ وجلّ – تُفَسَّر بحسَبِ أيْضاً المقصود بحسبِ السياق الّذي وردت فيه: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ 1 سميعٌ لكلامِكم إذا جادلتم رسولَ الله واشتكَيْتُم إلى الله، بصيرٌ بكم مطَّلِعٌ على أحوالِكم لا يَخْفى عليه من شأنِكم شيء، وهذه القضيّة الّتي حصلت لخوْلة بنت ثعلبة مع زوْجِها أوْس بن الصّامت لم تخفَ على الله، فقد سمع الله – عزّ وجلّ – قولَها ورأى حالَها عندما جاءت إلى رسولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم.
            لكن لو قلت: إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ أي: يسمَعُ كُلَّ الأصوات، ويرى كلَّ المبصرات ما كان فيه والدّلالة على المعنى ومراعاة السياق ما في تفسيرِنا قبل.
            يقول عمر بن الخطّاب: (إنَّ هذا كلامُ الله عزّ وجلّ فضعوهُ على مواضعه، ولا تتَّبِعوا فيه أهواءكم).
            وقال ابن مسعودٍ – -: ( إذا سألَ أحدُكم صاحِبَهُ كيف يقرأ آيةَ كذا وكذا، فَلْيَسَلْهُ عَمّا قبلَها ) .
            وقال مسلم بن يسار: ( إذا حدَّثْتَ عن اللهِ حديثاً فقف حتى تنظُرَ ما قبلَهُ وما بعَده).

            أيْضاً ممّا يُؤكِّد عناية السّلف بهذا الأمر: ما ورد عنهم في المعرفة بأحوالِ السّورة فيما أُنزِلَت .
            يقول ابن مسعودٍ – – ( واللهِ الّذي لا إلهَ غيْرُه ما نزلت سورةٌ من كتابِ الله إلاّ وأنا أعلَمُ أيْنَ نزلت، ولا نزلت آيةٌ من كتابِ الله إلاّ وأنا أعلَمُ فيما نزلت، ولو أعلمُ أنَّ أحداً أعلم منّي بكتابِ الله تبلُغُهُ الأبل لَرَكِبْتُ إليه) .
            تأمَّلوا قولَهُ: ( ولا نزلت آيةٌ من كتابِ الله إلاّ وأنا أعلَمُ فيمَ نزلت ) في أيِّ شيْءٍ نزلت .
            هذا يدُلُّنا على أنَّهم كانوا يتتبّعون مقاصد القرآن ومقاصد الآيات، ويعرفون في أيِّ شيْءٍ تتحدَّثُ آياتُ كتابِ اللهِ – عزّ وجلّ - .
            كذلك ما رُوِيَ عن مجاهد أنَّهُ قال: ( لقد عَرَضْتُ القرآنَ على ابنِ عبّاسٍ ثلاثَ عَرَضات أقِفُ عندَ كُلِّ آيةٍ أسألُهُ فيمَ أُنْزِلَت وفيمَ كانت ) يعني: في أيِّ شيْءٍ كانت، ما هو مقصودُها ؟ .
            وعن نافِعٍ قال: كان عمر بن الخطّاب – – إذا قرأ القرآن لم يتكلَّم حتى يفرُغَ منه، فأخذتُ عليه يوماً فقرأ سورةَ البقرة حتى انتهى إلى مكانٍ قال: أتدري فيمَ أُنزِلَت؟ قلت: لا، قال: أُنزِلَت في كذا وكذا ثمّ مضى .
            هذا يَدُلُّ على أنَّ الصّحابة كانوا يُعْنَوْنَ بالقرآن، وفيمَ أُنْزِل؟ وما هي المقاصد الّتي جاء لتحقيقِها ؟
            أمّا موضوعُنا إن شاء الله في الدّرسِ القادم: الكلام على عناية المفسِّرين بهذا العلم، وبيان كيف أنّهم – – اعْتَنَواْ به، وما هو طريقة كلّ واحد منهم في الإشارة إلى هذا العلم، فمنهم مَن أشارَ إليهِ في كُلِّ سورة، ومنهم مَن اقتصر عليه فيمَ يظْهَرُ له في بعضِ السُّوَر أو عند بعضِ المناسبات، هذا ما سنُبَيِّنُهُ إن شاء الله في الدّرس القادم، نسألُ الله تعالى التوفيقَ والسّداد.
            والآن نُجيب عن الأسئلة بما يُيَسِّرُ الله –

            يقول السّائل: ذكَرْتَ في الدّرسِ الماضي: أنَّ آيةً من القرآن لا يمكن أن تقعَ في موْضِعِ تحدّي مثل السورة ؟
            الجواب: نعم، نقول: إنَّ التّحدّي الّذي أنزلَهُ اللهُ في القرآن يتحدّى به العرب لم يأتِ بآية، ما قال: (فَاأتوا بِآيةٍ من مِثلِه) لماذا ؟ لأنّ الآية ليست قضيّة متكملة، قد تكون مكتملة لفظيّاً، لكن في المعنى ليست مكتملة، لا بُدّ أن يكون هناك اكتمال معنوي ولفظي، وهذا إنَّما يكون في السّورة بكمالِها.
            يعني: مثل لو تقول لإنسان لا تستطيع أن تبني مثلَ هذا القصر؛ لأن بناء قصر بأُبَّهته وزخارفه وجماله وكماله يشقّ على أكثر النّاس، لكن لو أردت طوبة واحدة من طوبِهِ، يمكن، تجد كثيرين يستطيعون صُنع مثل تلك الطوبة المكوَّن منها هذا القصر .
            فالمقصود: أنّنا في ثلاث مواطن يأتي التّحَدّي بالسُّوَر بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ ، وهذا يُبَيِّن أنَّ المقصود: أنّ التّحَدّي إنّما يقع بالسُّوَر لا بالآيات، وأنّ الآيات ليست معبّرة عن معنًى كامل، ولذلك لم يقع التّحدّي بها، يعني: لو وقع التّحدّي بالآيات، لأخذوا آية من القرآن مثل: مُدْهَامَّتَانِ فجاؤوا بلفظ مثل مُدْهَامَّتَانِ ولذلك ما جاء التّحدّي بآية، لو وقع التّحدّي بآية لنظر إلى قول الله: ثُمَّ نَظَرَ قالوا: ثمّ ذهب هذه مثل هذه يا محمد قد جئنا بكلمةٍ مثل الكلمة الّتي تحدّيْتَنا بها، ما وقع التّحدّي بآية؛ لأنّ في الآيات ما لا يمكن التّحدّي به، وإنّما وقع التحدّي بالسّورة؛ لأنّ السّورة فيها اكتمال لجميع الأغراض، وقع التّحدّي فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ الحديث يعني: الشيء المتكامل، وهذا يُحْمَل على السورة والله أعلم .
            سؤال: يقول: ما الفرق بقوله:مِّثْلِهِ و مِّن مِّثْلِهِ؟
            الجواب: مِّثْلِهِ وردت في سورة يونس، و مِّن مِّثْلِهِوردت في سورة البقرة مِّن مِّثْلِهِأبلغ في طلب التّحدّي من قوله مِّثْلِهِ .
            والسبب ؟ أنّ سورة يونس سورة مكيّة، السورة المكيّة أُنزِلَت على رسولِ الله وهو في مكّة فهو يقول: فَلْيَأْتوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ مثل هذا القرآن، في المدينة صار عندَ النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم صنفين من النّاس:
            الصنف الأوّل: هم المشركون العرب. الّذين كانوا يُريدون المدينة .
            الصنف الثاني: اليهود الّذين كانوا أهل علم بالكتاب .
            فجاء التّحدّي مُبالَغاً فيه قال في سورةِ البقرة: وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ فمن تأتي للمبالغة والتأكيد، مثل قول الله – عزّ وجلّ – هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ أصلُها: ( هل خالقٌ غيرُ الله ) فمن يُؤتى بها في المبالغةِ في المثل، ومثلُها أيْضًا زيادةُ الباءِ في قولِهِ: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ ما قال: ( ربُّك ظلاّم ) مع أنّ المعنى في الأصل واحد، لكن ِبظَلَّامٍ لزيادة في النفي .

            السؤال الثاني يقول: هل تنصح بقراءة كتاب: الإتقان في علوم القرآن، وهل يُؤخَذ ما فيه ويُستَدَلّ بكلامِ المؤلِّف ؟
            الجواب: اسمع يا أخي: كتاب الإتقان في علوم القرآن ـ من أوسع ما كُتب في علوم القرآن، وأفضلُ طبعاته الآن الّتي صدرت طبعها مجمّع الملك فهد، وقد صدرت قريباً في ست مجلّدات، فأوصيكم باقتنائها فهي أفضل النّسخ؛ لأنّها حُقِّقَت على نسخ كثيرة وضُبِطت ضبطاً جيِّداً، علماً بأنّه حُقِّق هذا الكتاب كثيراً .

            يقول: هل يُستدلّ بما فيه ؟ نقول: لا .
            لماذا ؟ لأن ما في أحد يُستدلّ بكلامه إلاّ الله ثمّ رسوله، ومّا البقيّة فيُستدَلُّ له ولا يُستَدَلُّ به، لكن الكتاب يعتبر مرجع معتمد لعلوم القرآن، تبقى كلّ مسألة بحَسَبِها إذا أصاب بها المؤلّف وجاء بدلائل صحيحة قُبِلَت منه، وإذا أخطأ رُدَّ عليه، وما من أحدٍ إلاّ يُؤخذ من قولِهِ ويُرَدّ إلاّ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم.

            وقال أيْضاً أحبّ أن أقرأ في تفسير: التّحرير والتّنوير ـ لابن عاشور؛ لما فيه من براعةٍ في اللّغة وغير ذلك هل هناك – أي من هذا التّفسير – ما يحذر منه أهل العلم حتى نتحاشا الأخطاء إن وُجِدَت؟
            هذا التّفسير من أفضل التّفاسير الّتي كُتِبَت في العصر الحاضر من حيث دقّة المعاني، والاستدراك على المتقدّمين من المفسّرين، والإبداع أيْضاً في عَرْضِ المعاني وتأليف الكلام، وقد بقي مُؤلِّفُهُ في قرابة ست وثلاثين عاماً يكتبه، ولكن المؤلّف سلك في باب الاعتقاد، أو في باب الأسماءِ والصّفات مثلاً أو يسلك مذهب الأشاعرة فيُحذَر منه هذا الباب، ويكون الإنسان على يقظة عندما يُؤوّل المؤلّف آيات الأسماء والصّفات.

            يقول: لا أستطيع التّركيز أثناء الدّروس وكأنّ الشيطان يغلِبُني فأكون شارد الذّهن فما العمل؟
            الجواب: شرود الذّهن – يا إخواني – له أسباب:
            · من أسبابه قلّةُ ذكر الله - عزّ وجلّ -، فالإنسان بسببِ قلّةِ ذكرِهِ لله – جلّ وعلا – يشرد ذهنه ، ولا يُرَكِّز فيما هو فيه.
            · الأمر الثاني: وجود شغل للإنسان يغلبه فلذلك ينبغي للإنسان ألاّ يأتي إلى الدرس إلاّ وقد أتمّ ما عليه من عمل يقول أبوا الدّرداء – رضي الله تعالى عنه – ( إنّ من فقهِ المرء أن لا يأتيَ إلى الصّلاةِ إلاّ وقلبُهُ فارغ ) يعني: أنت تتّصل بواحد وأنت ذاهب للمسجد، حاول أن تخلّص الاتّصال قبل الصّلاة، إذا كان هذا الاتّصال ضروري وترى أنّك قد تنشغل به تنتظر متى تُسلِّم حتى تتّصل ؟ اتّصل ثمّ صلِّ؛ لأنّ انشغال قلبك يمنعك من الخشوع في صلاتك.
            · الأمر الثالث: احرص على أن تكون في وضعٍ يدلّ على جديّتك في استقبال الدرس، وأنّه ليس من المناسب أن تكونَ حريصاً على الدرس وأنت جالس في آخر المسجد وبيدك جوال ويدك فارغة من كتاب ومن قلم، إذا كنت حريصاً وتريد أن يجتمع قلبُك وعقلك على فهم الدرس، فليكن معك كتابك، وليكن معك القلم، ولتكن في الصّفّ الأوّل، فإنّ هذه الأمور تُعين الإنسان على حضورِ قلبِهِ وعقلِهِ في الدرس.
            · الأمر الرابع: حرص الإنسان الدائم على الأمر لا شكّ أنّه يجعله يتخطّى هذه المرحلة ويصل إلى مرحلة الحضور القلبي والذّهني، وما اجتهد إنسان في بلوغ أمر إلاّ أعانه الله عليه، قال الله – عزّ وجلّ – وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا فاللهُ سيهديكَ السّبيل الذي تتّقي به بإذن الله – عزّ وجلّ – انشغال القلب وسرحان الذّهن.
            · الأمر الخامس والأخير: أكثر من الدّعاء بأن يشرح الله صدرك بالعلم، وأن تُقبِل عليه، وأن لا يفوتك منه شيء، وأن لا تتهاون في دروسك، وأن تكونَ حريصاً عليه، وقل في كلّ يوم: " رَبِّ زِدْني عِلْماً " لقد أمر الله النّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أن يقولَ ذلك: وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا ولذلك كان من دعاء النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن يسألَ الله الزّيادةَ في العلم في كلّ يوم في الصّباح والمساء، فأنت اسأل الله أن يزيدَك علماً.

            يقول : هل يلزم ارتباط السّورة أولِّها بآخرِها، ما هو ارتباط أوّل سورةِ المؤمنون بآخرِها ؟
            الجواب: نقول: نحن لمّا بيَّنّا أوَّل السّورة تتحدّث عن مقصودٍ واحد وأنّ العلماء شرحوا ذلك ووضّحوه سيتبيَّن لنا أنّ هناك ارتباطٌ بين أوَّل كلِّ سورةٍ وآخرِها، وهذا يعلمُهُ الرّاسخون في العلم، والغوّاصون على معاني كلام الله.
            مثلاً أنت ذكرت الآن: ما هو الارتباط بين أوّل سورة المؤمنون وآخِرِها ؟
            أوَّل سورة المؤمنون: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ 1 أليس كذلك؟ وآخِرُها: وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ 117 وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ 118أرأيت ؟ أوَّلُها في الفلاح وآخِرُها أيْضاً في الفلاح، والفلاح في أوَّلِها للمؤمنين وعدمُ الفلاح في آخِرِها لمن أشرك مع اللهِ فيها. إذن هي في الفلاح فتأمَّل هذا جيِّداً .

            يقول: ما رأيك أن تعطيَنا مذكّرة واحدة أو مرجع واحد أو اثنين بلا تطويل من أجل أن نقرأ الدرس قبل الحضور والمناقشة والاستفادة أكثر ؟
            الجواب: هو المشكلة – يا إخواني – المشكلة في الموضوع المناقشة، الحقيقة الموضوع التصوير والدرس سيُصَوّر حتى يُنشَر في لقنوات، فلو في مناقشة يلزم أن يكون هناك ميكرفون بيد الإخوة الّذين سأُناقشهم، وهذا سيُلغي عملية أو سيصعّب عملية التصوير يحتاج أن يكون في استوديو ويحتاج أن يكون فيه عدد من الميكروفونات والإخراج حتى يكون بشكل قوي ومميّز، ما دام سنسمع المشاهدين الّذين يشاهدون من وراء الكامِيرا جميع الكلام فهذا سيُلغي المناقشة ولا بُد ونكتفي بأن تستمعون.
            سيوجد في الدروس أن أطلب منكم أن تقرأوا القرآن وسيأتي في الدروس القادمة أن أطلب منكم أن تقرأوا القرآن وسأسلكم، ماذا تقولون في مقصد هذه السّورة ؟ لكم عليّ إنّي سأسألكم هذا السؤال، وستشاركونني، لكن سيكون هذا لمدّة خمس دقائق في بداية كلّ سورة أسأل كلّ واحد ما هو المقصد الّذي خلصت إليه من قراءتك لسورة النِّساء، الأنعام، المؤمنون، الكهف، مريم، طه، وننظر إلى ما تقولونه ثمّ بعد ذلك ننقل لكم كلام أهل العلم، ثمّ نُؤكِّد على المقصود لعدد من الوسائل، ونجتهد في ذلك في العلم بعد ذلك وقبله لله – عزّ وجلّ -.
            أمّا في المقدّمة: فأنا سأُصَوِّر لكم هذه المذكّرة، أو هذه المقدّمة الّتي كتبها الدكتور: محمّد بن عبد الله الرّبيعة، الأستاذ المساعد بجامعة القصيم في كليّة أصول الدّين ـ وهي مذكّرة وافية في مقصودِها سأُصَوِّرها لكم لعلّي آتي بها في الدّرس القادم – إن شاء الله – أو نضعها في أحد مكاتب التّصوير لمَن أراد أن يأخذ منها نسخة.

            يقول: هل إذا عشت مع القرآن، وانقطعت عن النّاس؛ لكي أعيش مع القرآن، هل هو مخالفٌ لما في القرآن ؟
            الجواب: طبعاً ؛ لأنَّ القرآن لا يأمر بأن تنقطع عن النّاس، وهذا أمر يظهر أنّه يعني لا يحتاج إلى... ، الله – عزّ وجلّ – قال : وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا كيف ستحسن إلى والديك وأنت قد انقطعت عنهما ؟ قال: وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ قال الله – عزّ وجلّ – وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وقال: وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ كيف ستحقِّق هذه الآيات، وتعمل بها؟ إذا قلت سأعيش مع القرآن وحده ما حقَّقْت هذه الآيات، ولا قمت بالواجب بالعمل بالقرآن، ولذلك كان الصّحابة يتعلَّمون عشر آيات يعملون بها يفهمونها ويعملون بها .
            قالوا : ( إذا كُنّا تعلَّمْنا أو قرأْنا عشر آيات لم نُجاوِزْها حتى نتعلّم ما فيها من العلمِ والعمل قالوا : فتعلّمنا العلمَ والعملَ والقرآن جميعاً ) .

            سؤال: هذا يقول: ما الفرق بين مقاصد السُّوَر وأسباب النّزول ؟
            الجواب: أسباب النّزول هي: الأسباب الّتي نزلت بعض السُّوَر أو الآيات من أجلِها، أو أحياناً تنزل آية في السّورة لسبب معيَّن يعني: لحادثةٍ أو سؤالٍ معيَّن قد سُؤلَهُ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم فتنزل هذه الآية.
            مثلاً: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ.... هذه نزلت في قصة خولة بنت ثعلبة وزوجُها أوْس بن الخزرج، هذا هو سبب نزولِها، لكن مقصود سورة المجادلة: لا ، هو الحديث عن النَّجْوى وعن علمِ اللهِ – عزّ وجلّ – وقضيّة الظِّهار جاءت؛ لأنّها ابتدأت في المناجاة والمحاورة، ولذلك قال الله – عزّ وجلّ -: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ الحديث عن النّجوى هذا هو مقصود السّورة، لكن جاءت قصّة الظِّهار وسبب النّزول في أوّل السّورة لموضوعٍ آخر .

            هل تسمية بعض الآيات في بعض السُّوَر له دلالة على مقصود السّورة مثل: آية الكرسي، وآية الدَّيْن؟
            الجواب: لا ، تسمية بعض الآيات؛ لتمييزِها عن الآيات الّتي تمَيَّزت عنها وخالفتها حتى تُعْرَف من بين آياتِ تلك السّورة؛ كآية الكرسي؛ لكي تُعْرَف من بين آيات سورة البقرة الطويلة.
            فإذا قيل: آية الكرسي فهي آية رقم مئتين وخمسة وخمسين من سورة البقرة.
            نقف عند هذا الحدّ ونسألُ الله – – أن يتقبّلَ منّا ومنكم صالحَ الأعمال، اللهمّ عَلِّمْنا ما ينفَعُنا، وانفَعْنا بِما عَلَّمْتَنا، وارزقْنا عِلْماً ينفَعُنا، اللهمّ اقْسِم لنا من خَشْيَتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلِّغُنا به جنّتك، ومن اليقين ما تهوِّن به علينا مصائبَ الدُّنيا، اللهمّ متّعْنا بأسماعِنا وأبصارِنا وقُوَّتِنا أبداً ما أحْيَيْتَنا، واجْعَلْهُ الوارِثَ مِنّا، وانْصُرْنا على مَن ظلمنا، ولا تجعل الدّنيا أكبرَ همِّنا ولا مبْلغَ عِلْمِنا، ولا إلى النّارِ مصيرَنا، ولا تسلِّطْ عَلَيْنا بِذُنوبِنا مَن لا يَخافُكَ ولا يَرْحَمُنا، اللهمّ أعِنّا على ذكرك وشكرك وحسنِ عبادتك، اللهمّ اجعَلْنا من أهل القرآن الّذين هم أهلك وخاصّتُك، اللهمّ أغِثْنا، اللهمّ أغِثْنا، اللهمّ أغِثْنا، اللهمّ أغِثْنا غَيْثًا مُغيثاً هنيئًا مريئًا غَدَقاً سَحّاً مُجَلِّلاً نافِعاً غيرَ ضارّ، اللهمّ لِتُحْيِيَ به البلاد، وتنفَعَ به العباد، وينتفعَ به الحاضِرُ والباد يا ذا الجلالِ والإكرام، وصلّى اللهُ وسلَّمَ وباركَ على نَبيِّنا محمَّدٍ وآلِهِ وصحبِهِ أجمعين .
            ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
            سمر الأرناؤوط
            المشرفة على موقع إسلاميات
            (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

            تعليق


            • #7
              أحسن الله اليك
              حفظ مسائل العلم التي قالها أهل العقول لا تجعل ممن استظهرهاعاقلا ان لم يكن ذا عقل

              تعليق


              • #8
                جزاك الله خيرا أختي الفاضلة وجعلك مباركة أينما كنت
                * قيل: قال أبو حنيفة رحمه الله:
                إنَّما أدركت العلْم بالحمد والشكر, فكلما فهمتُ ووُفقـتُ على فقـه وحكْمة
                قلت: الحمدلله, فَـازْداد علْـمِـي.

                تعليق


                • #9
                  مقاصد السور القرآنية
                  للدكتور: محمد الخضيري حفظه الله
                  اللقاء الثالث
                  إنَّ الحمدَ لله, نحمدُهُ ونستعينُهُ ونستغفرُهُ, ونعوذُ باللّهِ من شرورِ أنفسِنا وسيئاتِ أعمالنا, مَن يهدِهِ اللّهُ فلا مُضِلَّ له ومَن يُضلل فلا هاديَ له, وأشهدُ أّلا إلَهَ إلّا اللّهَ وحدهُ لا شريكَ له, وأشهدُ أنَّ محمّداً عبدُهُ ورسولُهُ- صلّى اللّهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلّمَ تسليماً كثيراً. أمّا بعدُ:
                  فهذا هو المجلسُ الثالثُ مِن مجالسِ دروسِ مقاصدِ سورِ القرآنِ, وهذه ليلةُ الثالثِ العشرينَ في شهرِ ذي القعدةِ مِن عامِ ثلاثينَ بعدَ الأربعِمئةِ وألف مِن الهجرةِ النبويّةِ الشريفةِ, وقد تحدّثنا فيما سبق في المجلسين الماضيين عن المقصود في مقاصدِ السور وتأصيلِ هذا المفهوم ومعرفةِ أنّهُ من أعظمُ ما يعينُ الإخوان على معرفةِ كتابِ اللّهِ عزَّ وجلَّ والاهتداءِ به. واليومَ نتحدّثُ في مبحثٍ مستقلٍّ حولَ عنايةِ المفسّرين بمقاصدِ سورِ القرآنِ الكريمِ, والمفسّرونَ في هذا البابِ على أصنافٍ:
                  الصنف الأول: مِن أهلِ التفسيرِ الّذين أشاروا إلى مقاصدِ السورِ مِن غيرِ أن يُصرّحوا بذلك, وعلى هذا أكثرُ المفسّرين فإنّهم يُشيرونَ إلى مقاصدِ السورِ عَرَضاً لا قصداً, ويمرّون عليها ويذكُرونها في ثنايا كلامِهِم دون أن يقصدوا إلى ذلك ومن هؤلاءِ مثلاً: إمامُ المفسّرين: ابنُ جريرٍ الطبريِّ رحمهُ اللّهُ, وابنُ عطيّةٍ في المحرّرِ الوجيز، وابنُ كثيرٍ في تفسيرِه المشهورِ: تفسيرُ القرآنِ العظيمِ, والقرطبيِّ في جامعِ أحكامِ القرآنِ وغيرِهِم.
                  • انظروا مثلاً إلى ابنِ جريرٍ وهو يُشيرُ إلى المقصودِ في ثنايا كلامِهِ، عند كلامِهِ على سورةِ آلِ عمران يقولُ ابن جريرٌ رحمهُ اللّهُ: "وقد ذُكِر أنَّ هذه السورةَ ابتدأ اللّهُ بتنزيلِهِ فاتحتَها بالّذي ابتدأ به مِن متنِ الألوهيّةِ أن تكونَ لغيرِهِ ويقصدُ نفسَهُ بمَن وقف هذه في ابتدائها احتجاجاً مِنهُ بذلك على طائفةٍ مِن النصارى قدِموا على رسولِ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّمَ مِن نجران وحاجّوهُ في عيسى صلواتُ اللّهِ وسلامُهُ عليهِ وألحدوا في اللّهِ, فأنزل اللّهُ سبحانهُ وتعالى في أمرِهِم وأمرِ عيسى مِن هذه السورةِ نيفاً وثمانينَ آيةً مِن أوّلِها، احتجاجاً عليهِم وعلى مَن قال مثلَ مقالتِهِم في نبيِّهِ محمّدٍ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّمَ". فلاحظوا أنَّ ابنَ جريرٍ رحمهُ اللّهُ يحاولُ أن يُحدّدَ مغزى السورةِ مِن خلالِ سببِ نزولِها ومِن خلالِ المقدّمةِ الّتي افتُتِحت بها هذه السورةُ العظيمةُ وهي سورةُ آلِ عمرانَ, يقولُ اللّهُ عزَّ وجلَّ في أوّلِها: الم 1 اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ2نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ3مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ لماذا يذكرُ الألوهيّةَ وتوحيدَها للّهِ عزَّ وجلَّ ويذكرُ إنزالَ هذا الكتابَ وإنزالَ الكتابينِ مِن قبلِهِ، التوراةُ والإنجيلُ؟ لأنّهُ الآن في معرضِ الاحتجاجِ على النصارى الّذين جاءت هذه السورةُ بقرابةِ ثمانين آيةٍ مِنها للاحتجاجِ عليهِم وبيانِ فسادِ مذهبِهِم والتأكيدُ على إنّهم قد ظلّوا عن الطريقِ فزاغوا عن الجادّةِ.
                  • ابنُ عطيّةٍ -رحمهُ اللّهُ- مثلاً يقولُ في كلامِهِ عن سورةِ القدرِ: "وقال جماعةٌ مِن المتأوّلين معنى قولُهُ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ1 أي إنّا أنزلنا هذه السورةَ أنزلناهُ أنزلنا هذه السورةَ في شأنِ ليلةِ القدرِ وفي فضلِهِ ". فهو يجعلُ الضميرَ هنا عائداً على السورةَ وليس على القرآنِ.
                  • القرطبيُّ مثلاً في سورةِ الأنعامِ ينقلُ أقوالَ العلماءِ في تقريرِ الغرضِ مِن هذه السورةِ فماذا يقولُ ؟ "قال العلماءُ: هذه السورةُ أصلٌ في مُحاجّةِ المشركين وغيرِهِم مِن المُتّبعين ومَن كذّب بالبعثِ والنشورِ وهذا يقتضي إنزالَها جملةً واحدةً لأنّها في معنًى واحدٍ مِن الحجّةِ وإن تفرّق ذلك بوجوهٍ كبيرةٍ وعليها بنى المتكلّمون أصولَ الدينِ لأنَّ فيها آياتٍ بيّناتٍ تردُّ على القدرية دون السورَ الّتي تزخرُ إلى آخر كلامِهِ" .
                  • ونجدُ ابنُ كثيرٍ أيضاً يشيرُ إلى المقاصدِ إشارةً عابرةً في بعضِ المواطنِ, فيقولُ عن سورةِ الكافرون: "هذه سورةُ البراءةِ هذه سورةُ البراءةِ مِن العملِ الّذي يعملُهُ المشركون وهي عامرةٌ بالإخلاصِ فيه" . فهو يحدّدُ المقصودَ مِن سورةِ الكافرون بأنّها سورةُ البراءةِ مِن الشركِ وأهلِهِ وأنّها جاءت لتأمرَ بالإخلاصِ إخلاصِ الدينِ للّهِ عزَّ وجلّ, ولكنَّ هذا الكلامَ لم يأتِ لابنِ كثيرٍ على مذهبٍ مضطردٍ في كلِّ سورةٍ وفي كلِّ موطنٍ يوضّحُ مقصدَ السورةِ ويجتهدُ باستنباطِهِ، ويحاولُ أن يُخرِجَ له مبحثاً كما يُخرِجُ مثلاً لأسبابِ النزولِ أو لفضائلِها أو لتفسيرِ القرآنِ بالقرآنِ أو تفسيرِ القرآنِ بالسنّةِ. إذاً هذا هو الصنفُ الأوّلُ مِن المفسّرين.
                  الصِنفُ الثاني مِن المفسّرين: هم المفسّرون الّذين صرّحوا بمقصدِ السورةِ، وكان لهم عنايةٌ بهذا العلمِ مِن غيرِ أن يكونَ لهم منهجٌ مضطردٌ أو عنايةٌ تامّةٌ، فهم فوق الأوّلين يعني أكثرَ مِنهم عنايةً لكن دون أن يكونَ ذلك في منهجٍ مضطردٍ في ثامنِ الكتابِ في أوّلِهِ إلى آخرِهِ وأقابل من هذه القضيّةِ في البحثِ والنظرِ .
                  ومن هؤلاءِ :
                  • الزمخشريّ في كتابِهِ المشهورِ "الكُتّاب" لا يخفى عليكم أنَّ الزمخشريَّ آيةٌ في استنباطِ جمالياتِ القرآنِ وكلُّ مَن جاء بعدَه فهو عيالٌ عليه, على ما يؤخذُ عليهِ في بابِ الاعتقادِ فهو مِن أئمّةِ الاعتزالِ.

                  • وكذلك الرّازيُّ رحمهُ اللّهُ في كتابِهِ "مفاتيحُ الغيبِ" أو ما يُسمّى "بالتفسيرِ الكبيرِ" فهو أيضاً اعتنى بهذا العلم ويحاولُ قدرِ المستطاعِ أن يؤكّدَ على مقصودِ السورةِ وأن يذكرَهُ في بدايتِها, لكن يجوزُ أن يكونَ له منهجٌ أو يقدّمُ ذلك في كلِّ القرآنِ. والرّازيُّ كما لا يخفى عليكم تفسيرُهُ كبيرٌ فعلاً ولكنّهُ حشاهُ بكثيرٍ مِن المباحثِ الكلاميةِ جرياً على مذهبِهِ الأشعريّ إذ يُعدُّ مِن أكبرِ التفاسيرِ الّتي حاولت أن تستدل لهذا المذهبِ مِن خلالِ آياتِ القرآنِ الكريمِ .

                  • ومِنهم ابنُ الزبيرِ الغرناطيِّ في كتابين له سنذكُرُهُما بعد قليل إن شاء الله

                  • كذلك الشاطبيُّ رحمهُ اللّهُ في كتابِهِ "الموافقاتُ في الاعتصامِ" والسببُ في اعتناءِ الشاطبيِّ في مقاصدِ السورِ هو أنّهُ كان يعتني بمقاصدِ الشريعةِ ويرى أنّ هذا سببٌ لهذا أو أنَّ بينهما صلةٌ ووفيّةٌ واضحةٌ.

                  • ومِنهم شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةٍ وتلميذُهُ ابنُ القيِّمِ فإنّ هذين الشيخين كانت لهما عنايةٌ ظاهرةٌ بمقاصدِ سورِ القرآنِ .

                  • انظر مثلاً الزمخشريّ ماذا يقولُ؟ يقولُ "إنَّ مِن فوائدِ تفصيلِ القرآنِ وتقطيعِهِ سورا, لماذا يُقطّعٌ القرآنُ سوراً؟ يقول: إنَّ مِن فوائدِ تفصيلِ القرآنِ وتقطيعِهِ سوراً أنَّ التفصيلَ سببُ تلاحقِ الأشباهِ والنظائرِ وملائمةِ بعضِها لبعضٍ وبذلك تتلاحظُ المعاني ويتجاوبُ النظمُ" .

                  • وأمّا الرازيُّ فقد كان أكثرَ عنايةً وتطبيقاً في تفسيرِهِ لهذا الأمرِ وهو مقاصدُ السورِ وبناءِ تشكيلِ السورةِ عليهِ فهو يقولُ في سورةِ مريم: "اعلم أنَّ الغرضَ مِن هذه السورةِ بيانُ التوحيدِ والنبوّةِ والحشرِ والمنكرون للتوحيدِ هم الّذين أثبتوا معبوداً سوى اللّهِ تعالى وهؤلاءِ فريقان: مِنهم مَن أثبت معبوداً غير اللّهِ حيّاً عاقلاً فاهماً وهم النصارى. ومِنهم مَن أثبت معبوداً غيرَ اللّهِ جماداً ليس بحيٍّ ولا عاقلٍ ولا فاهمٍ وهم عبدةُ الأوثانِ. والفريقان وإن اشتركا في الضلالِ إلا أنَّ ضلالَ الفريقِ الثاني أعظمُ, فلمّا بيّنَ تعالى ضلالَ الفريقِ الأوّلِ تكلّمَ في ضلالِ الفريقِ الثاني وهم عبدةُ الأوثانِ". هو يرى مِن وجهةِ نظرِهِ المقصودُ مِن هذه السورةِ الردُّ على الطائفتين, طائفةُ النصارى الّذين أثبتوا معبوداً غيرَ اللّهِ وهو كائنٌ عاقلٌ وهو عيسى عليهِ الصلاةُ والسلامُ, الطائفةُ الثانيةُ طائفةُ المشركين الّذين أثبتوا معبوداً غيرَ اللّهِ لا يعقِلُ ولا يفهمُ ولا يسمعُ ولا يبصرُ كما في قصّةِ إبراهيمَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ.

                  • ويقولُ أيضاً في معنى تفصيلٍ لسورةِ يس: "ويمكنُ أن يُقالَ أنَّ هذه السورةَ ليس فيها إلا تقريرُ الأصولِ الثلاثِ بأقوى البراهينِ فابتداؤها بيانُ الرسالةِ وانتهاؤها بيانُ الوحدانيةِ والحشرِ" . الأصولُ الثلاثةُ هذه هي الّتي عليها مدارُ السورِ المكيّةِ، مدارُ السورِ المكيّةِ في التوحيدِ إثباتُ اليومِ الآخرِ إثباتُ الرسالةِ مِن حيثُ الرسول ومِن حيثُ القرآنِ، يعني الرسالةُ والرسولُ, فغالبُ السورِ المكيّةِ تدورُ حولَ هذه الأصولَ الثلاثةَ وهو يقولُ هنا أنَّ هذه السورةَ مثلُ أن يُقالَ أنّها جاءت لإثباتِ هذه الأصولَ الثلاثةَ في أتمِّ ما يُمكِنُ فابتدأت ببيانِ الرسالةِ يس1وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ2إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ3 واختُتِمت ببيانِ التوحيدِ والحشرِ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ78قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ79الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا يقولُ شيخُنا العلّامةُ ابنُ عُثيمينٍ رحمهُ اللّهُ: "هذه الآياتُ على قِصرِها فيها سبعةُ أدلّةٍ على إثباتِ المعاد" وذكرها تفصيلاً مِن خلالِ آخرِ آياتِ سورةِ يس رحمةُ اللّهِ وتعالى عليهِ.
                  • يقولُ الرازيُّ أيضاً في سورةِ فُصِّلت: "وقد ظهرَ مِن كلامِهِ في تفسيرِ هذه السورةِ أنَّ المقصودَ مِن هذه السورةِ هو ذكرُ الأجوبةِ عن قولِهِ: وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ" فتارةً يُنبّهُ على فسادِ هذه الطريقةِ، طريقةُ المشركين في استقبالِ القرآنِ، مرّةً يُنبّهُ على فسادِ هذه الطريقةِ وتارةً يذكرُ الوعدَ والوعيدَ لمَن لم يؤمنُ بهذا القرآنِ ولمَن يُعرضُ عنه. وامتدَّ الكلامُ إلى هذا الموضعِ من أول السورةِ على الترتيبِ الحسنِ والنظمِ الكاملِ إلى آخرِ كلامِهِ رحمهُ اللّهُ.

                  • ننتقلُ بعدَ ذلك إلى ابنِ الزبيرِ, ابنُ الزبيرِ له كتابان, الكتابُ الأوّلُ: البرهانُ في تناسبِ سورِ القرآنِ، هذا الكتابُ خصّصهُ ابنُ الزبيرِ الغرناطيُّ رحمهُ اللّهُ لبيانِ المناسباتِ بينَ كلِّ سورةٍ والّتي تليها، فهو يذكرُ سورةَ آلِ عمرانَ ويذكرُ ما مناسبتُها للبقرة, سورةُ النّساءِ مناسبتُها لسورة آلِ عمرانَ, المائدةُ مناسبتُها لسورة النّساءِ وهكذا دواليك حتى يأتيَ إلى نهايةِ القرآنِ. وقد اجتهدَ في أن يبنيَ المناسبةَ والعلاقةَ بين السورتين على المقصودِ فيقولُ مقصودُ سورةِ كذا هو كذا ومقصودُ سورةِ كذا هو كذا إذاً والعلاقةَ بينهُما هو كذا. يقولُ في سورةِ النّساءِ يقولُ في بنائها ومقصدِها: "بناءُ هذه السورةِ على التواصلِ والائتلافِ ورعيِ حقوقِ ذوي الأرحامِ يحِقُّ ذلك كلُّهُ إلى حالةِ الموتِ المقصودِ عليهِ" يقولُ هذه السورةُ جاءت بالعنايةِ بالائتلافِ والتوادِّ والتراحمِ وبينَ القراباتِ بشكلٍ خاصًّ ورعايةِ جانبٍ إلى حالةُ الموتِ ولذلك جاءَ فيها آياتُ المواريثِ.
                  وفي بيانِ مقصدِ سورةِ الفرقانِ يقولُ: "لقد تضمّنت هذه السورةَ مِن النّعيِ على الكفّارِ والتعريفِ بجحدِهِم وسوءِ مُرتكَبِهِم ما لم يتضمّن كثيراً مِن نظائرِها".
                  • الكتابُ الثاني لابنِ الزبيرِ رحمهُ اللّهُ كتابٌ يسمّى ملاكُ التأويلِ, وهذا الكتابُ خصّصَهُ مؤلّفُهُ في قضيّةٍ دقيقةٍ يأتي للآياتِ المتشابهةِ في الألفاظِ ويذكرُ الفروقَ بينَها، لماذا هذه الآيةِ قُدِّمَ فيها كذا على كذا؟ ولماذا قُدِّمَ في هذه الآيةِ كذا على كذا؟مثالُ ذلك مثلاً رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ فقدّمَ هنا التعليمَ على التزكيةِ، في سورةِ آلِ عمرانَ وفي سورةِ الجُمُعةِ قُدِّمت التزكيةُ على العلمِ، فمثلاً قالَ في سورةِ الجُمُعةِ: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ، وفي سورةِ آلِ عمرانَ قال: لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ 164 فيأتي يُبيِّنُ لماذا قُدِّمَ العلمُ في سورةِ البقرةِ وأُخِّرَ في سورتي آلِ عمرانَ والجُمُعةَ وهلُمَّ جرّاً . في هذا الكتابِ الّذي اسمُهُ ملاكُ التّأويلِ أيضاً اعتنى بهذا العلمِ وذكرَ بعضَ اللّطائفَ فيه.

                  • أمّا الشّاطبيُّ رحمهُ اللّهُ فقد كانت له عنايةٌ فائقةٌ بذكرِ المقاصدِ خصوصاً وأنّه قد اشتُهِرَ بأنَّهُ أبو المقاصدِ، وهو مِن أعظمِ العلماءِ الّذين أبرزوا علمَ مقاصدِ الشريعةِ واعتنوا به، وكلُّ مَن كتبَ في هذا العلمِ بعدَه عيالٌ عليهِ، يرجعونَ إليهِ ولا بدَّ لأنَّهُ حرّرَ هذا العلمَ وقعَّدَ له وأصّلَ وبيّنَ أهمّيتَه وضرورتَه. يقولُ ظهرت عنايةُ الشّاطبيُّ في مقاصدِ السورِ تبعاً لقولِهِ في مقاصدِ الشريعةِ بل إنّه يجعلُ تدبُّرَ القرآنِ كلَّه راجعٌ إلى المقاصدِ. فيقولُ: وقال الله تعالى: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا يقولُ : "التدبُّرُ إنّما يكونُ لمَن التفتَ إلى المقاصدِ " ويقرّرُ هذا العلمَ تقريراً وتأصيلاً وتمثيلاً فيقولُ: "فاعتبارُ جهةِ النّظمِ مثلاً في السورةِ لا يتمُّ به فائدةٌ إلا بعدَ استيفاءِ جميعِها بالنظرِ والاقتصارُ على بعضِها فيه غيرُ مفيدٍ غايةَ المقصودِ كما أنَّ الاقتصارَ على بعضِ الآيةِ باستفادةِ حكمٍ ما لا يفيدُ إلا بعدَ تمامِ النظرِ في جميعِها يقولُ إنّك لن تستطيعَ أن تصلَ إلى المقصودِ مِن خلالِ النظرِ إلى أوّلِ السورةِ أو إلى بعضِ آياتِها بل إنَّ ذلك لا يتِمُّ إلا بعدَ أن تنظرَ نظرةً كلّيّةً إلى السورةِ مِن أوّلِها إلى آخرِها ثمَّ تدخلَ إلى جزئيّاتِها لتحصِّلَ مقصودَ السورةِ الّذي يربطُ بينَ موضوعاتِها. قالَ: "ومَن أرادَ الاختبارَ في سائرِ سورِ القرآنِ فالبابُ مفتوحٌ والتوفيقُ بيدِ اللّهِ". ويُمثِّلُ لهذه القاعدةِ بعدّةِ سورٍ فيقولُ: "فسورةُ البقرةِ مثلاً كلامٌ واحدٌ باعتبارِ النّظمِ، واحتوت على أنواعٍ مِن الكلامِ بحسبِ ما بُثَّ فيها، مِنها ما هو كالمقدّماتِ والتّمهيداتِ بينَ يدَي الأمرِ المطلوبِ، ومِنها ما هو كالمؤكِّدِ والمتمّمِ، ومِنها ما هو المقصودُ في الإنزالِ وذلك تقويمُ الأحكامِ على تفاصيلِ الأبوابِ، ومِنهُ الخواتمُ العائدةِ على ما قبلَها في التأكيدِ والترتيبِ وما أشبه ذلك . فسورةُ الكوثرِ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ 1 نازلةٌ في قضيّةٍ واحدةٍ وسورةُ اقرأ نازلةٌ في قضيّتين, الأولى إلى قولِهِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ والأخرى ما بقي إلى آخرِ السورةِ ثمَّ ذكرَ سورةَ المؤمنون ".
                  • ننتقلُ بعدَ هذا إلى شيخِ الإسلامِ ابنُ تيميةٍ رحمهُ اللّهُ فقد كان له فهمٌ ثاقبٌ بعلمِ المقاصدِ عموماً فهو إمام فيه، وقد ألّفَ أحدُ الباحثينَ رسالةً بعنوان مقاصدُ الشريعةِ عندَ شيخِ الإسلامِ ابنُ تيميةٍ هو اسمُ الباحثِ يوسفُ البلوي, يقولُ شيخُ الإسلامِ مثلاً في سورةِ البقرةِ: "وقد ذكرتُ في مواضعَ ما اشتملت عليهِ سورةُ البقرةِ مِن تقريرِ أصولِ العلمِ وقواعدِ الدينِ " ويقولُ في سورةِ براءةٍ: "فأكثرُها في وصفِ المنافقين وذمِّهِم ومِنهم ومِنهم ومِنهم ومِنهم ومِنهم ومِنهم ومِنهم " حتى قالَ ابنُ عبّاسٍ حتى ظننّا ألّا تدعَ مِنهم أحداً أو مِنّا أحداً " ويقولُ شيخُ الإسلامِ في سورةِ القمرِ: "وكان النبيُّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّمَ "صلّوا على النبيّ يا إخوان. يقرأُ هذه السورةَ يعني سورةُ القمر في المجامعِ الكبارِ مثلُ الجُمَعِ والأعيادِ ليُطلِعَ النّاسَ ما فيها مِن آياتِ النّبوّةِ ودلائلِها والاعتبارَ وكلُّ الناس يُقِرُّ ذلك ولا يُنكِرُهُ. فعُلِم أنَّ انشقاقَ القمرِ كانَ معلوماً عندَ النّاسِ عامّةً ثمَّ ذكرَ حالَ الأنبياءِ ومكذّبيهِم.

                  • أمّا ابنُ القيِّمِ رحمهُ اللّهُ فهو أيضاً مبرِّزٌ لهذا الفنِّ ويذكرُ مقاصدَ السورِ ويُنبِّهُ عليها في ثنيّاتِ كلامِه. انظر مثلاً على قولِهِ في سورةِ الكافرون يقولُ: "إنَّ مغزى سورةُ الكافرون ولبها ومقصودُها هو براءتُهُ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّمَ مِن دينِهِم ومعبودِهِم " ويقولُ في كلامٍ له على سورةِ المعوّذتين: "تضمّنت هاتان السورتان الاستعاذةَ مِن الشرورِ كلِّها بأوجزِ لفظٍ وأجمعِهِ". وانظر إلى الجمالِ في اختيارِ المقصودِ وبيانه و جمعُ السورةِ مِن أوّلِها إلى آخرِها حتى تكونَ كالحلقةِ الواحدةِ . يقولُ مثلاً في سورةِ العنكبوتِ: "فمضمونُ هذه السورةُ هو سرُّ الخلقِ والأمرِ فإنّها سورةُ الابتلاءِ ولامتحانِ، وبيانِ حالِ أهلِ البلوى في الدنيا والآخرةِ, ومَن تأمّلَ فاتحتَها ووسطَها وخاتمتَها وجد في ضمنِها أنَّ أوّلَ الأمرِ ابتلاءٌ وامتحانٌ، ووسطَهُ صبرٌ وتوكُّلٌ، وآخرَهُ هدايةٌ ونصرٌ واللّهُ المستعانُ " يوضِّحُ قولُهُ ثمَّ يذكرُ, ماذا يذكرُ ؟ انظروا يا إخواني كيفَ نظمَ هذه السورةَ هذا النظمَ العجيبَ, يقولُ: فأوّلُ هذه السورةِ ابتلاءٌ وامتحانٌ ووسطُهُ صبرٌ وتوكُّلٌ وآخرُهُ هدايةٌ ونصرٌ . ماذا قال في أوّلِها: أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ 2 وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ 3، في آخرِها: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا كيف تُجاهِدُ ؟ تُجاهِدُ عندما تصبرُ تتوكّلُ على اللّهِ تصبر أمام المحنِ والفتنِ والبلايا والشدائدِ وتُصابِرُ ثمَّ تأتيكَ مِن بعدِ ذلك الهداياتُ والفتوحُ مِن اللّهِ عزَّ وجلَّ.
                  هذا هو الصنفُ الثاني مِن المفسِّرين وهم الّذين كانت لهم عنايةٌ وكان لهم اهتمامٌ دون أن يكونَ لهم منهجٌ مضطربٌ في سائرِ التفسيرِ.
                  الصنفُ الثالثُ مِن المفسِّرين: هم المفسّرون الّذين عنوا بعلمِ المقاصدِ واهتمّوا به غايةَ الاهتمامِ وسلكوا فيه مناهجَ .
                  لعلّنا نعرضُ لبعضٍ مِنهم:
                  • فمِنهم الفيروزُ أبادي صاحبُ القاموسِ المحيطِ, هذا له كتابٌ جميلٌ جدّاً ننصحُكُم باقتنائهِ لأنَّهُ مفيدٌ في تقريبِ كثيرٍ مِن المعاني الّتي يحتاجُها مَن يريدُ التعمُّقَ في تفسيرِ القرآنِ الكريمِ وهذا الكتابُ يُقالُ له "بصائرُ ذوي التمييزِ", هذا الكتابُ جعلَهُ مؤلِّفُهُ في أبوابَ وعلومٍ وفنونٍ يحتاجُها المفسِّرُ، مِنها مثلاً علمُ الأشباهِ والنّظائرِ، فيأتي بالكلمةِ الّتي تتعدّدُ معانيها في القرآنِ، فيذكرُ هذه المعاني المتعدّدةِ ويُبيِّنُ عندَ كلِّ معنى ما الآياتُ الّتي وردت في هذا الشأنِ، فمثلاً كلمةُ إيمان تأتي بمنى كذا وذلك في قولِ اللّهِ كذا وفي قولِ اللّهِ كذا وتأتي بمعنى كذا في قولِ اللّهِ كذا وفي قولِ اللّهِ كذا . كلمةُ خيرٍ تأتي بمعنى أفضلَ في قولِهِ وفي قولِهِ, وتأتي بمعنى المال الكثيرِ في قولِهِ وفي قولِهِ, وتأتي بمعنى الإيمانِ في قولِ اللّهِ تعالى وفي قولِ اللّهِ تعالى، وهو ذكر هذا ... . أيضاً مِن ضمنِ ما كان يذكرُهُ موضوعاتُ كلِّ سورةٍ ومقاصدُها, وهو يقولُ مثلاً في سورةِ الأحزابِ: " معظمُ مقصودِ السورةِ الّذي اشتملت عليهِ الأمرُ بالتقوى، وأنَّه ليس في صدرٍ واحدٍ قلبان, وأنَّ المتبنّي ليسَ بمنزلةِ الولدِ ". ثمَّ عدَ أكثرَ مِن ثلاثين موضوعاً.
                  • الثاني مِن الّذين اهتمّوا بهذا العلمِ وأفردوهُ في البحثِ والنظرِ البقاعيُّ في كتابين له تعتبران مِن أهمِّ الكتبِ في هذا العلمِ, أوّلُ كتابٍ "مصاعدُ النظرِ في الإشرافِ على مقاصدِ السورِ", تأمّلوا اسمَ الكتابِ يا إخوان مصاعدُ النظرِ يعني إن استصعبَ فتنظرَ أينَ هو مقصودُ السورةِ تنظرُ السورةَ مِن أوّلِها إلى آخرِها لتبحثَ عن الرابطةِ بينَ كلِّ موضوعاتِ هذه السورةِ وما يُستفادُ أو ما يجمعُ هذه الموضوعاتِ. فالبقاعيُّ رحمهُ اللّهُ له كاتب آخرٌ وهو نظمُ الدّررِ في تناسبِ الآياتِ والسورِ وهذا الكتابُ يُعتبرُ أبو المناسباتِ. ماذا يعني المناسباتُ يعني المناسبةَ بين المقطعِ والمقطعِ والآيةِ والآيةِ والحكمِ والحكم والقصّةِ والقصّةِ. وهو يبحثُ في ذلك قد بقيَ في هذا الكتابِ أزودُ مِن ثمانيةَ عشرَ عاماً هو يكتبُ فيه. يقولُ: ذكرَ انَّه في سورةِ سبأٍ يعني قد بلغَ السنةَ العاشرةَ وهو يكتبُ في هذا الكتابِ ويُحرِّرُهُ، ولا شكَّ بأنَّه جاءَ بأشياءَ كثيرةٍ جديدةٍ وإن كانَ تكلَّفَ رحمهُ اللّهُ في بعضِ المواطنِ لكنّ هذه عادةُ المجتهدِ أن يتحمَّسَ في إخراجِ شيءٍ معيّنٍ لا بدَّ أن يصيبَهُ شيءٍ مِن التكلُّفِ في بعضِ المواطنِ, ولا بُدَّ أيضاً أن يُخطئَ الصوابَ في مواطنَ أخرى، وهذه سنّةُ اللّهِ عزَّ وجلَّ في خلقِهِ. أمّا كتابُهُ مصاعدُ النظرِ فهو يُعتبرُ مثلُ المقدّمةِ لنظمِ الدّررِ, مصاعدُ النظرِ يقعُ في ثلاثِ مجلّداتٍ ونظمُ الدّررِ ذو الطبعةِ الهنديّةِ يقعُ في أربعةٍ وعشرين مجلّداً، في طبعةٍ لبنانية مضغوطةٍ في ثمانيَ مجلّداتٍ. في مصاعدِ النظرِ يقولُ البقاعيُّ رحمهُ اللّهُ: "هو علمٌ يُعرفُ منه مقاصدُ السورِ -يُعرِّفُ مقاصدُ السورِ- فموضوعُهُ مقاصدُ السورِ كلُّ سورةٍ على حيالِها, وغايتُهُ معرفةُ الحقِّ مِن تفسيرِ كل آيةِ مِن تلكَ السورِ " يعني غايةُ علمِ المقاصدِ هو أن تصلَ إلى الحقِّ في تفسيرِ الآيةِ، ومنفعتُهُ التبحُّرُ في علمِ التفسيرِ فإنّهُ يُثمِرُ التفسير له والتيسير،ِ ونوعُهُ التفسيرُ ورتبتُهُ اوّلُهُ- يعني يُشتغَلُ به قبلَ الشروعِ فيه يعني ينبغي لك أن تعرف مقصودِ السورِ قبلَ أن تشرعَ في تفسيرِ آياتِها آيةً آيةً لأنَّهُ يُعينُكَ على فهمِ الآيةِ ويُيسِّرَ لك الوصولَ إلى مرادِ اللّهِ عزَّ وجلَّ مِنها، فإنَّهُ كالمقدِّمةِ له مِن حيثُ أنّه كالتعريفِ لأنّه معرفةُ تفسيرِ كلِّ سورةٍ إجمالاً, وأقسامُهُ السورُ . هذا الكتابُ كما ذكرنا يُعتبرُ مقدّمةً لتفسيرِ نظمِ الدّرر وهو مِن أهمِّ الكتبِ في معرفةِ مقدّماتِ السورِ وهناكَ فنٌّ يُسمّى عندَ العلماءِ علومُ السورةِ, علومُ السورةِ اشتغلَ فيه البقاعيُّ رحمهُ اللّهُ في كتابِهِ مصاعدُ النظرِ, ما هو علوم السورةِ ؟ البحثُ في اسمِها, عددُ آياتِها, فضلِها, أهمُّ موضوعاتِها, مقصودِها, أسبابُ نزولِها, ونحوِ ذلك. فهذا هو الّذي يُسمّى علومُ السورةِ، وقد بيَّنَ رحمهُ اللّهُ في هذا الكتاب أنَّهُ قد اعتنى في هذا الكتابِ بعددٍ مِن الأشياءِ مِن ضمنِها: مقصودُ السورةِ، وهو في هذا البابِ بالذّاتِ يكادُ يتّفقُ معنا في كتابِهِ نظمُ الدّررِ في تناسبِ الآياتِ والسورِ. امّا كتابُهُ نظمُ الدررِ في تناسبِ الآياتِ والسورِ فهو كتابٌ مفيدٌ في بابَهَ، بل لا لم يوجد مِن كتبِ التفسيرِ كتابٌ اعتنى بالمناسباتِ في كلِّ الآياتِ والمقاطعِ والسورِ مثلَ هذا الكتابِ ويكفي أنّهُ وقعَ في قرابةِ أربعة وعشرين مجلّدٍ . يُحدّدُ البقاعيُّ رحمهُ اللّهُ منهجَهُ في ذلك فيقولُ: "الأمرُ الكليُّ المفيدُ لعرفانِ مناسباتِ الآياتِ في جميعِ القرآنِ هو انّكَ تنظرُ الغرضَ الّذي سيقت له السورةُ وتنظرُ ما يحتاجُ إليهِ ذلك الغرضَ مِن المقدِّماتِ، وتنظرُ إلى مراتبِ تلكَ المقدِماتِ في القربِ والبعدِ مِن المطلوبَ، وتنظرُ عندَ إبرازِ الكلامِ في المقدّماتِ إلى ما يستتبعُهُ مِن استقرارٍ في نفسِ السامعِ إلى الأحكامِ والموازنُ التابعةِ له. هو الآن يُريدُ أن يُبيِّنَ لنا ماذا ؟ أنّكَ إذا أردتَ أن تربط بينَ مقاطعِ السورةِ انظر إلى المقصودِ مِن السورةِ, لماذا جيءَ بهذه السورةِ ؟ ما هو مقصودُها ؟ فإذا عرفتَ مقصودَها فإنّكَ تنظرُ بعدَ ذلك هذا المقصود ماذا يحتاجُ مِن المقدِّماتِ. أكيد إنّه مذكورٌ في هذه السورةِ. إذا نظرتَ إلى هذه المقدّماتِ رتب هذه المقدّماتِ, ما مراتبُ تلك المقدّماتِ في القربِ والبعدِ مِن المطلوبِ ؟ ثمَّ بعد ذلك ماذا يستتبعُه مِن استقرارٍ في نفسِ السامعِ إلى أشياءَ يحتاجُ الإجابةَ عنها ستجدُ أنَّ السورةَ قد جمعت ذلك كلَّه. وقد طبَّقَ هذه القاعدة في كتابِهِ فوجدَ أنّها مطّرِدةٌ, انظروا ماذا يقولُ ؟ وهذا يا إخواني مِن العجائبِ عجائبِ التأمّلِ والتّدبُّرِ العميقِ والنفسِ الدّقيقِ في معرفةِ دقيقِ القرآنِ وأنَّ ترتيبَهُ لا يُمكِنُ إلا أن يكونَ مِن عندِ اللّهِ عزَّ وجلَّ. يقولُ مِن أمثلةِ ذلك ما ذكرَه في سورةِ الحُجُراتِ قال: "ولمّا نوَّهَ سبحانَهُ في القتالِ أي في سورةِ محمّدٍ، وذكرِ النبيِّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّمَ ابتدائها باسمِهِ الشريفِ وتمَّ السورةَ به وملأَ سورةَ الفتحِ بتعظيمِهِ وختمَهُ باسمِهِ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ ومدحَ اتباعَهُ لأجلِهِ افتتحَ هذه أي سورةَ الحُجُراتِ في اشتراطِ الأدبِ معهُ في القولِ والفعلِ للعدِّ مِن حزبِهِ والفوزِ بقربِهِ " أرأيتم كيف ربطَ بينَ هذه السورَ الثلاثةَ الّتي نراها نحنُ منفصلةً تمامَ الانفصالِ عن الثانيةِ . وبالفعلِ سورةُ مُحَمّدٍ قد ذُكِرَ فيها اسمُ النبيِّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّمَ وبيانِ نصرِ هذا النبيِّ والعنايةِ به ثمَّ جاءَ مِن بعدِها الأمرُ بتعظيمِهِ وتوقيرِهِ واحترامِهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ، وأنَّ الربَّ سبحانَهُ قد اعتنى به إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا 1 لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ثمَّ قال في آخرِ الوجهِ الأوّلِ ماذا؟ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا 8 لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا 9 ثمَّ يقولُ في آخرِها مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ إلى آخرِ الآيةِ فإنّهُ لمّا ذكرَ هذا وهذا في هاتين السورتين قال: افتتحَ هذه في اشتراطِ الأدبِ معه في القولِ والفعلِ للعدِّ مِن حزبِهِ والفوزِ بقربِهِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ 1 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ 2 إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ 3 إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ 4 وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ يا الّله يعني هي في كمالِ الأدب مع رسولِ اللّهِ صلّى الّلهُ عليهِ وسلّمَ حتى يحصلَ الإنسانُ القربَ مِن رسولِ الّلهِ،ِ والفوزَ أن يكونَ بأن يكونَ مِن حزبِهِ. يقولُ: "ومدارُ ذلك معاني الأخلاقِ وهي إمّا مع الّلهِ أو مع رسولِهِ أو مع غيرِهِما, وإن كان كلُّ قسمٍ لا يخلو عن لحظةِ الآخرِ" يعني عن ملاحظةِ القسمِ الآخرِ "وغيرُهُما -غيرُ الّلهِ ورسولِهِ- إمّا ان يكونَ داخلاً مع المؤمنين في رتبةِ الطاعةِ او خارجاً عنها وهو الفاسقُ، والداخلُ في طاعةِ المؤمنين السالكِ لطريقتِهِم إمّا ان يكونَ حاضراً عندَهم أو غائباً عنهم . فهذه خمسةُ أقسامٍ، فصلَ النداءَ بسببِها خمسَ مرّاتٍ-أو فصلَ النداءَ بسببِها خمسَ مرّاتٍ كلُّ مرّةٍ لقسمٍ مِنها وافتتحَ بالّلهِ لأنَّ الأدبَ معه هو الأصلُ الجامعُ للكلِّ والأسُّ الّذي لا يُبنى إلا عليهِ" دعونا يا إخوان نحصي يا أيّها الّذين آمنوا
                  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ
                  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ
                  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ
                  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ماذا بعد؟
                  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ
                  تلاحظُ أنَّ كلَّ واحدةٍ في قسمٍ واحدةٌ مع الّلهِ, واحدةٌ مع الرسولِ, واحدةٌ مع المؤمنِ الفاسقِ, واحدة مع المؤمنِ الحاضرِ, واحدةٌ مع المؤمنِ الغائبِ. انظر كيفَ هذا التقسيمُ وهذا النظرُ الّذي جاءَ به هذا الإمامُ بعدَ طولِ فحصٍ وتدقيقٍ.
                  ثمَّ نذكرُ بعدّ ذلك المفسّرين المتأخّرين الّذين اعتنوا بذكرِ المقاصدِ لعلَّ مِن أبرزِهِم مِن المعاصرين:
                   سيِّدُ قطبٍ رحمهُ الّلهُ في كتابِهِ في ظلالِ القرآنِ، بنى كتابَهُ على فكرةٍ وهي أن يبحثَ عن الموضوعِ الّذي تدورُ هذه السورةُ عليه، ثمّ يُقسّمُ السورةَ إلى مقاطعٍ -أو يُقسّمُ مقاطعَ السورةِ - ويُبيِّنُ صلةَ كلِّ مقطعٍ بموضوعِ السورةِ . وقد التزم هذا في كاملِ الكتابِ، ويُعتبرُ أوّلَ مَن بنى كتابَهُ على فكرةٍ مثلِ هذه، ونحنُ نقولُ أنَّ هذا مِنهُ اجتهادٌ، وهذا الاجتهادُ يُخطئُ في كثيرٍ مِن الأحيانِ، وإن كان بعضُهُ قد لا يوافَقُ عليه لأنَّ مثلَ هذه الأشياء مثلُ ما نقولُ مع البقاعيُّ نقولُ أيضاً مع سيِّدِ قطبٍ رحمهم الّلهُ جميعاً في كتابِهِ في ظلالِ القرآنِ، لكنَّهُ اعملَ الذّهنَ إعمالاً شديداً، ولا شكَّ انّهُ اعتنى بقصّةِ المقاصدِ وفهمِ المحورِ الّذي تدورُ عليه السورةُ وهو يُكثرُ مِن كلمةِ المحورِ محورُ هذه السورةِ ثمَّ يذكرُهُ بأسلوبٍ أدبيٍّ راقي جدّاً ويحاولُ بعدَ ذلك أن يربطَ بينَ موضوعاتِ المقاطعِ بموضوعِ السورةِ الّذي نسمّيهِ المحورَ . يقولُ عدنان زرزور الدكتور عدنان زرزور : " لعلَّ سيِّداً أوّلُ مفسّرٍ في تاريخِ القرآنِ أبرزَ الوحدةَ الموضوعيّةَ في السورِ القرآنيّةِ المفردةِ طالت أم قصُرت أبرزَهُ بشكلٍ عمليٍّ مكتوبٍ أو طبّقَهُ أروع تطبيقٍ وأعمقَه في كتابهِ " انظروا مثلا يقولُ سيّدٌ في سورةِ المؤمنون : "سورةُ المؤمنون أو هي سورةُ الإيمانِ بكلِّ قضاياه ودلائلُهُ وصفاتُهُ هو موضوعُ السورةِ ومحورُها الأصيلُ " فهو يرى أنَّ سورةَ المؤمنون هي سورةُ الإيمانِ وأنّها جاءت لتفصِّلَ في الإيمانِ وأهلِهِ وصفاتِ أهلِهِ مِن بدايتِها إلى نهايتِها " في سورةِ النّورِ يقولُ "والمحورُ الّذي تدورُ عليه السورةُ كلُّها هو محورُ التربيةِ الّتي تشتدُّ في وسائلِها إلى درجةِ الحلولِ وترقُّ إلى درجاتِ الّلمساتِ الوجدانيّةِ الرقيقةِ الّتي تصلُ القلبَ بنورِ اللّهِ وبآياتِهِ المبثوثةِ في تضاعيفِ الكونِ وثنايا الحياةِ ". إذاً يرى أنَّ سورةَ النورِ هي سورةُ التربيةِ وأنّها جاءت لتربّيَ المؤمنَ فهو الإنسانُ يعلمُ ذلك بما يكونُ فيه عقوبةٌ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ أو كان ذلك بأشياءَ رقيقةٍ باسطةٍ ماتعةٍ كما يقولُ الّلهُ عزَّ وجلَّ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ إلى أن قال: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ 36 رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ 37 لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إلى آخرِ السورةِ .
                   الكتابُ الثاني مِن الكتبِ المعاصرةِ الّتي عُنيت بمقاصدِ سورِ القرآنِ كتابُ التحريرِ والتنوير الّذي يُعتبرُ لطاهرَ بن عاشورٍ، وهو عالمٌ تونسيٌّ توفيَ في نهايةِ القرنِ الهجريِّ الماضي، وهو مِن ابرزِ مَن عُنِيَ بهذا العلمِ وطبّقَه في تفسيرِهِ الّذي بقيَ في كتابتِهِ قرابةَ أربعين عاماً وهو كتابُ التحريرِ والتنويرِ . وهذا العالمُ ألّفَ كتاباً أيضاً في مقاصدِ الشريعةِ، هاأنتم تلاحظون أنَّ اللي يكتبون في مقاصدِ الشريعةِ تكونُ عندهم نظرةٌ كليّةٌ حتى في تفسيرِ القرآنِ، فيهتمّون في مقاصدِ سورِ القرآنِ، وهو يهتمُّ بمقاصدِ الشريعةِ ويهتمُّ في الوقتِ ذاتِهِ بمقاصدِ سورِ القرآنِ عندما ألّفَ تفسيراً للقرآنِ، لكنَّ منهجَهُ في بيانِ مقاصدِ السورِ ليس على تحديدِ المقصدِ الأساسيُّ في السورةِ وإنّما يعرِضُ في مقدّمةِ كلِّ سورةٍ مجموعةِ أغراضٍ تتضمّنُها السورةُ. وهي في الواقعِ موضوعاتٌ، نحنُ فرّقنا في بدايةِ كلامِنا بينَ الموضوعاتِ وبينَ المقاصدِ فقلنا أنَّ الموضوعاتِ هي القضايا الجزئية الّتي تتطرّقُ لها السورةُ وهي متفرّقةٌ وكثيرةٌ. المقصودُ هو الجامعُ لهذه الموضوعاتِ. فمقصودُ السورةِ هو ما يجمعُ موضوعاتِها
                  نقولُ مثلاً في سورةِ البقرةِ أو في أغراضِ سورةِ البقرةِ: محتوياتُ هذه السورةِ، هذه السورةُ متراميةٌ أطرافُها وأساليبُها ذاتُ أطنانٍ قد جمعت مِن وسائلِ أغراضِ السورِ ما كان مصداقاً لتلقيبِها فسطاطَ القرآنِ " يعني انَّ هذه السورةَ قد جمعت موضوعاتٌ كثيرةٌ جدّاً ممّا يصدقُ عليهِ ما لُقِّبت به عندَ بعض العلماءِ مِن سلفِ هذه الأمّةِ سمّوها أو قالوا عنها بوصفِها فسطاطَ القرآنِ والفسطاطُ هو المكانُ الواسعِ. قالَ " ومعظمُ اغراضِها تنقسمُ إلى قسمين: قسمٌ يُثبتُ سموَّ هذا الدينِ على ما سبقَه وعلوَّ هديِهِ وأصولَ عقيدِهِ, وقسمٌ يُبيِّنُ شرائعَ هذا الدينِ لأتباعِهِ وإصلاحَ مجتمعِهِ " فهو يقولُ سورةُ البقرةِ مقسّمةٌ إلى قسمين, قسمٌ يُبيِّنُ سموَّ هذا الدينِ والفرقَ بينَه وبينَ الأديانِ السابقةِ والقسمُ الثاني يُبيِّنُ شرائعَ الدينِ وكيفَ يصلُحُ النّاسَ لاتّباعِ هذه الشرائع .
                  آخرُ ما نريدُ أن نتحدّثَ عنه في هذه المقدّمات والّتي نسألُ الّلهَ تعالى أن ينفعَ بها هو طرقُ الكشفِ عن مقاصدُ السورِ, ولعلّنا نُجمِلُ ذلك إن شاءَ الّله لندخلَ في المقصودِ الأعظمِ وهو ان نتحدّثَ عن مقصودِ كلِّ سورةٍ على حدة على نحوٍ نرجو الّلهَ أن يوفِّقنا فيه .
                  أمّا طرقُ الكشفِ عن مقاصدِ السورِ:
                  فنقولُ الكشفُ عن مقاصدِ السورةِ والوصولُ إليه مبنيٌّ على الاجتهادِ ودقّةِ الاستنباطِ وإدراكُهُ ممّا تختلفُ فيه العقولُ . وذلك انّهُ مرتبةٌ بعدَ إدراكِ المعنى العامِّ ويتطلّبُ فهمُهُ إشغالاً للذّهنِ وصحّةً للذّوقِ. يعني أنّهُ علمٌ فيه دقّةٌ وفيه نظرٌ ولذلك تلحظونَ في المرّةِ الماضيةِ كيف ذكرنا قصّةَ ابنِ عبّاسٍ مع بقيّةِ الصحابةِ عندما سألَ عمرٌ كبارَ الصحابةِ ما تقولون في قولِ الَّلهِ عزَّ وجلَّ إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ فقالوا: أمرَ الّلهُ نبيَّهُ إذا فتحَ الّلهُ عليه ونصرَهُ ان يُسبِّحَ بحمدِ ربِّهِ ويستغفِره. وهذا الكلامُ مِنه صحيحٌ لكنّهم رضوانَ الّلهِ عنهم ما غاصوا إلى المقصودِ. فقالَ ما تقولُ فيها يا ابنَ عبّاسٍ ؟ قال: هذا أجلُ رسولِ اللّهِ . فابنُ عبّاسٍ غاصَ بفهم دقيقٍ إلى المقصودِ مِن السورةِ وهو أنّها جاءت لتقولَ لرسولِ الّلهِ استعدّ فقد فتح الّلهُ عليك ونصرَك وينبغي لك باستعدادِك للقاءِ الّلهِ أن أن تكثرَ مِن التسبيحَ بحمدِ الّلهِ والاستغفارَ لأنّكَ ينبغي لك أن تلقى الّلهَ طاهراً نظيفاً وعلى أكملِ درجاتِ الاستعدادِ.
                  يقولُ الفراهيُّ مُبيِّناً هذا الامرَ وهو انَّ استنباطَ المقصودِ يحتاجُ إلى دقّةٍ : "اعلم أنَّ تعيينَ عمودِ السورةِ -يقصدُ بعمودِ السورةِ أي مقصودُ السورةِ -هو أسلوب لمعرفةِ نظامِها ولكنّهُ أصعبُ المعارفِ فيحتاجُ إلى شدّةِ التأمُّلِ والتمحيصِ " ما هي الأمورُ الّتي يحتاجُها الإنسانُ ليكشفَ عن المقصودِ ؟
                  الأوّلُ : الفهمُ الصحيحُ للمقصدِ وحدِّهِ وضابطِهِ: عندما تعرفُ ما هو المقصودُ وتعرفُ أنّهُ يختلفُ عن الموضوعِ هذا يُعينُكَ على أن تستنبطَ المقصودَ فإنَّ المقصودَ يختلفُ عن الموضوعِ مِن حيثُ أنَّ الموضوعَ هو حديثٌ عن قضيّةٍ معيّنةٍ وغالباً ما تكونُ ظاهرةً. أمّا المقصودُ فلا، غالباً ما يكونُ يُستنبَطُ مِن الكلامِ استنباطاً ويحتاجُ إلى غوصٍ حتى يصلَ الإنسانُ إليه ويحتاجُ إلى دقّةٍ في النظرِ حتى يربط الإنسانُ بينَ موضوعاتِ السورةِ المتفرّقةِ لينظمَ مِنها مقصوداً.
                  فالغرضُ هو مغزى الكلام وروحُهُ يدني فيه بخفاءٍ فيحتاجُ دقّةِ فهمٍ وإلى نظرٍ ثاقبٍ. امّا الموضوعُ فهو ظاهرٌ في السورةِ الّتي اشتملت عليه وإن كان لا بدَّ من تلازمٍ والاتفاقَ بينَهُما.
                  فمثلاً في سورةِ البقرةِ نجدُ أنَّ موضوعَها أحكامَ الشريعةِ وهذه ظاهرةٌ ذُكِر فيها الصلاةُ، والزكاة، والصّومُ, والحجُّ, والجهادُ, والعِدد, والطلاق, والمعاملات الماليّة, والإنفاق والربا والمداينات ونحوِ ذلك. هذا موضوعُها ويدلُّ عليه كون السورةِ مدنيّةٍ لكنَّ غرضَها ما هو؟ غرضُها في إعدادِ الأمّةِ في حملِ أمانةِ الدينِ والشريعةِ ونشرِها، ولذلك جاءَ قسمُها الأوّلُ في بيانِ العقيدةِ والإيمانِ وتضمّنَ قسمُها الثاني كلّيّاتِ الشريعةِ، وتضمّنت ذكرَ أحوالِ بني إسرائيلَ إشارةً إلى سلبِ الخلافةِ مِنهم ومنحِه لأمّةِ محمّدٍ صلّى الّلهُ عليهِ وسلّمَ، ولذلك برزت فيها قصّةُ تحويلِ القبلةِ وقد جاءَ فيها تربيةُ الامّةِ على تلقّي أوامر الّلهِ تعالى بإبرازِ قصّةِ البقرةِ مِن سورةٍ إلى حالِ بني إسرائيلَ في تعنّتِهِم في تلقّي أوامر الّلهِ جلَّ وعلا . فانظر مِن خلالِ هذا المثالِ إلى الفرقَ بينَ الغرضَ والمقصودَ وبينَ الموضوعِ .
                  الثاني يا إخوان: صفاءُ الذّهنِ, ودقّةِ النظرِ, وإدامةُ التامُّلِ في كتابِ الّلهِ عزَّ وجلَّ, وبعدِ الغوصِ فيه, وتكرارِ البحثِ والتّحرّي فيه لطلبِ الغرضِ وتعيينِهِ بقرائنِهِ المختلفةِ.
                  وهذا يحتاجُ إلى بذلِ مجهودٍ وبه نعلمُ أنَّ المقصودَ لا يبينُ للإنسانِ مِن أوّلِ نظرةٍ، بل يحتاجُ إلى ان تقراَ السورةَ تحاولُ ان تجمعَ موضوعاتِها ثمَّ تفكّرَ في الجامعِ بينَ هذه الموضوعاتِ، وتحاولُ أن تغوصَ إلى الدقائقَ والمقدّماتِ والخوافي والصدورُ حتى تصلَ إلى المقصودِ يقولُ الزركشيُّ " وإنَّ ما يفهمُ بعضَ معانيه ويطّلعُ في أسرارِهِ ومبانيه مَن قويَ نظرُهُ واتسعَ مجالُهُ وتدبُّرُهُ وامتدَّ باعُهُ ورقّت طباعُهُ " ويقولُ الفارابي العلامُ الهنديُّ المعروفُ "لكنّهُ يعني مقصودُ السورةِ أصعبُ المعانيِ فيحتاجُ إلى شدّةِ التأمل والتمحيصِ وتردادِ النظرِ في مسائلِ السورةِ المتماثلةِ والمتجاورةِ حتى يلوحَ كفلقِ الصبحِ فتضيءَ به السورةُ كلُّها ويتبيَّنَ نظامُها وتأخذَ كلَّ آيةٍ محلَّها الخاصّ ويتعيَّنُ مِن التأويلاتِ أرجحَها .
                  الثالثُ ممّا يُعينُ على الكشفِ عن المقصودِ: صدقُ النّيّةِ في طلبِ فهمِ كلامِ الّلهِ تعالى، وإقبالِ القلبِ عليه، والّلجوءِ إلى الّلهِ وطلبِ توفيقِهِ .
                  فإنَّ هذا الأمرَ يحتاجُ مِن الإنسانِ أن يصدُقَ مع الّلهِ سبحانَهُ وتعالى للوصول مِن المقصدِ وفهمِهِ.
                  يقولُ ابنُ القيِّمِ رحمهُ الّلهُ "حقيقٌ بالمفتي أن يكثرَ الدعاءَ بالحديثِ الصحيحِ "الّلهمَّ ربَّ جِبرائيلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ و فاطرَ السّماواتِ والأرضِ و عالمَ الغيبِ والشهادةِ أنت تحكمُ بينَ عبادِكَ فيما كانوا فيه يختلفون اهدِني لِما اختُلِفَ فيه مِن الحقِّ بإذنِكَ إنّكَ تهدي مَن تشاءُ إلى صراطٍ مستقيمٍ " وكان شيخُنا –يعني شيخ الإسلام- كثيرَ الدعاءِ بذلك, وكان إذا أشكلت عليه المسائلَ يقولُ "يا معلِّمَ إبراهيمَ علِّمني" ويُكثرُ الاستعانةَ بذلك اقتداءً بمعاذ بنِ جبلٍ رضيَ الّلهُ عنه . وكانَ بعضُ السّلفِ يقولُ عندَ الإفتاءِ "سُبحانَكَ لا علمَ لنا إلا ما علّمتنا إنّكَ أنت العليمُ الحكيمُ " وكانَ بعضُهُم يقرأُ الفاتحةَ وجرّبنا نحنُ لك فرأيناهُ مِن أقوى أسبابِ الإصابةِ والمعوِّلُ في ذلك كلِّهِ على حسنِ النيّةِ وحصول القصدِ وصدقُ التوجُّهِ" .
                  الرابعُ ممّا يُعينُ على فهمِ المقصودِ: معرفةُ مقدّماتِ السورةِ مِن أحوالِ نزولِها وخصائصِها وفضائلِها كما بيّنت لكم بما يُسمّى بعلومِ السورةِ
                  فإنّكَ عندما تعرفُ أحوالَ نزولِها أينَ نزلت؟ هل هي مكيّةٌ أم مدنيّةٌ وفي أي شيءٍ نزلت؟ في غزوةِ تبوك ولا في غزوةِ بدرٍ ولا في غزوةِ الأحزابِ وإلا في وقتِ شدّةٍ ولا في وقتِ يسرٍ ولا في قضيّةٍ خاصّةٍ أو عامّةٍ اجتماعيّةٍ أو اقتصاديّةٍ أو غيرَ ذلك . كذلك معرفةُ فضائلِ السورِة وخصائصِها لمّا يُعرفُ أنَّ هذه السورةَ أفضلُ سورِ القرآنِ أعظمُ سورِ القرآنِ تعدلُ ثلثَ القرآنِ، هذا يعني شيء، ويعني أنَّ مقصودَها خيرٌ عظيمٌ يُناسبُ فضيلتَه. لا يمكنُ أن يكونَ أن يكونَ فضيلةَ السورةِ العظيمةِ مقصودها ليس بكبيرٍ. فانظر مثالً على سورةِ الإخلاصِ تعدلُ ثلثَ القرآنِ لماذا يا إخوان ؟ لأنّها تتحدّثُ في أمرٍ ماذا يا إخوان هو أمرُ التوحيدِ ما يمكنُ أن تتحدّثَ في أمرِ الوديعةِ ولا الشفعةِ ولا الغدارةِ ولا أمرَ القصاصِ لا تتحدّثُ في أمر الإخلاصِ في أمرِ التوحيدِ في توجّهَ القلبِ إلى الّلهِ وحدَه وألاٌ يكونَ في قلبِ العبدِ أحدٌ سوى الّلهَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ 1 اللَّهُ الصَّمَدُ 2 السيّدُ الّذي بلغَ السؤددَ كمالَ السؤددِ العظيمُ الّذي بلغَ الغايةَ في العِظَمِ سبحانَهُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ 3 وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ 4
                  أيضاً ممّا يُعرفُ به مقصودَ السورةِ وهو الخامسُ: معرفةُ مقاصدِ القرآنِ العامّةِ والانطلاقَ مِنها لتحديدِ مقصدِ كلِّ سورةٍ .
                  القرآنُ لأيً شيءٍ نزل؟ ليس يأتي الإنسان في سورةِ النّور ويقولُ هذه السورةُ جاءت مثلاً لبيانِ أنواعِ الدّوابِّ في الأرضِ فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ ليظنَّ أنَّ القرآنَ جاءَ لتقريرِ آياتِ الّلهِ الكونيّةِ فقط كما يريدُ أن يفعلَهُ بعضُ المعاصرين. بل إنَّ بعضَهم قال القرآنُ جاءَ لتقريرِ الحقائقِ الكونيّةِ؛ لأنّها وجدت في القرآن في أكثرِ مِن ألفين آية، ولمّا جاءت بأكثرِ مِن ألفين آية معنى ذلك أن القرآنَ جاءَ لبيانِ الحقائقِ الكونيّةِ. أنت إن تفتح كتابه تجد صورة سحاب وشمس وقمر وبحر وحوت وسمك وسفينة وإلى آخرِهِ . هذه هي الحقائقُ الكونيّةِ عندهم فالقرآنُ جاءَ لبيانِ هذه الحقائقِ الكونيّةِ، ما جاءَ للهدايةِ، ما جاءَ للتوحيدِ، ما جاءَ لإصلاحِ الأمّةِ، لإصلاحِ القلوبَ، لبيانِ الآخرةِ, الجنّةَ, النّارَ, البعثَ, النّشورَ . أهمّ شيء هو كيفَ خُلِقت السماءُ؟ وكيفَ كونت الأرضُ؟ ومتى كُوِّنت؟ ومِن أيِّ شيءٍ تكوّنت؟ كيفَ أُنزِلَ الحديدُ ؟ ما صلتُهُ؟ ما نسبتُهُ لموادِّ الأرض ؟ وكيفَ أُنزِلت سفينةُ الأنعامِ؟ وكيفَ خُلِقَ الإنسانُ؟ وما مراحلُ تطوُّرِ هذا الإنسانِ في خلقِهِ ؟ وأنَّ هذا هو مقصودُ القرآن, لذلك لا بدَّ لمَن أرادَ أن يتحدّثَ في مقاصدِ السورِ أن يكونَ عالماً بمقاصدِ القرآنِ كلِّهِ. وفي تفسيرِ هذا الأمرِ يقولُ شيخُ الإسلامُ ابنُ تيميةٍ رحمهُ الّلهُ "فمَن تدبّرَ القرآنَ وتدبّرَ ما قبلَ الآيةِ وما بعدَها وعرفَ مقصودَ القرآنِ تبيّنَ له المرادَ وعرفَ الهدى والرسالةَ وعرفَ السدادَ مِن الانحرافِ والاعوجاجِ . وأمّا تفسيرُهُ بمجرّدِ ما يحتملُهُ الّلفظُ المجرّدُ عن سائرِ ما يُبيِّنُ معناه . فهذا منشأُ الغلطِ مِن الغالطِين " جميلة هذه الكلمة جدّاً في تحقيقِ المقصودِ وأن فهمَ المقصودِ يُعينُ على فهمِ الآيةِ، ويُعينُ على اتّقاءِ الفهمِ الخاطئِ للآيةِ، وعدمَ الانحرافَ في تفسيرِ القرآنِ .
                  السادسُ أحبّتي ممّا يُعينُ على فهمِ المقصودِ : النظرُ لاسمِ السورةِ، وما وردَ مِن أسمائها، وإمعانُ النظرُ في الربطِ بينهُما .
                  انظروا مثلاً كما ذكرنا سورةُ الإخلاصِ لم يُذكَرُ اسمُ الإخلاصِ في سورةِ الإخلاصِ لا في سورةِ الكافرون ولا في سورةِ الصّمدِ ما ذُكِر، ماذا يعني هذا يعني هذا أنَّ هذا الاسمُ أريدَ به المقصودُ فهو الآن جاءَ لتعيينِ المقصودِ، ولذلك إذا كان اسمُ السورةِ قد ثبتَ عن النبيِّ صلّى الّلهُ عليهِ وسلّمَ فإنّهُ ينبغي للإنسانِ أن يعتنيَ بمعرفةِ هذا الاسمِ وبمعرفةِ الرّابطِ بينَ هذا الاسمِ وبينَ المقصودِ. أمّا إن كان وردَ عن العلماءِ مِن الصحابةِ والتابعين ومن جاءَ بعدَهم فإنّهم ما أشاروا إليه أو اختاروهُ اسماً للسورةِ إلا لغرضٍ، فليبحثَ عن الصّلةِ بينَ اسمِ السورةِ وبينَ مقصودِها . فينبغي هنا أن ننتبهَ لأمرٍ مهمٍّ جدّاً ما هو ؟ لا تنظر إلى لفظِ الاسمِ، انظر إلى مدلولِ الاسم، مثلاً سورةُ البقرةِ ليس هناك رابطٌ بين اسمِ البقرةِ وبينَ هذه السورةِ، الرابطُ إنّما هو في قصّةِ البقرةِ, القصّةَ الّتي اختيرَ هذا الاسمِ مِن أجلِ أن يُعبِّرَ عنها وبينَ السورةِ وبينّا ذلك في الدرسِ الماضي فقلنا أنَّ هذه القصّةَ جاءت لتبيِّنَ حالَ اليهودِ في تعاملِهِم مع أنبيائهِم وتباطُئهِم في السمعِ والطاعةِ ومحاولتِهِم اللّفَ والدّورانَ قبلَ الاستجابةِ ولأجل ذلك سلبَ اللّهُ عزَّ وجلَّ مِنهم الخلافةَ، ووضعَها في أمّةِ محمّدٍ فإيّاكم يا أمّةَ محمّدٍ أن تفعلوا فعلَهم فيسلبَكم اللّهُ العزَّ والتمكينَ والتقدُّمَ والخلافةَ في الأرضِ، فمتى فعلتم ذلك حصل لكم مثلَ ما حصلَ لهم, قالَ النبيُّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلَّمَ: لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن كانَ قَبلَكم حَذوَ القُذّةِ بالقُذّةِ حتى لو دخلوا جُحرَ ضبٍّ لدخلتُموه انظروا يا إخواني نحنُ اليومَ نعيشُ مصداقَ هذا الحديثِ اتّبعنا سننَ مَن كان قبلنا وسلكنا مسالكَهم مع كلِّ أسفٍ، وأصبحنا نقلّدُهُم في كلِّ شيءٍ، فما هناك حقٌّ في الأرضِ إلا وجاءَ مَن يقلّدُه وما هناك عنايةٌ بشيءٍ إلا إذا اعتنوا به. ماذا حصلَ لنا يا إخوان؟ أصبحنا الآنَ في ظلِّ القائدِ وأصبحنا على هامشِ سكّانِ الكرةِ الأرضيّةِ. يقولُ النكتة اللّهُ أعلمُ مِن صحّتِها إن بوش وقفَ بعدَ ما اجتمعَ مع توني بلير في اجتماعٍ خاصٍّ فجاءَ الصحفيّون يقولون: ما هي أهمُّ النتائجِ الّذي خلصتم إليها؟ قال: خلصنا إلى أن أو قررنا أن نقتلَ عشرين مليونَ مسلماً بطبيب أسنان واحد.فقالوا: لماذا طبيب أسنان واحد؟ فقال: إنّهم لا يعتنون بمليون المسلمِ يعتنون بطبيبِ أسنان وواحد. يعني لهوانِ أمّةِ الإسلامِ سواءً صحّت هذه القصّةَ أم لم تصح معناها صحيحٌ وهو أنَّ أهلَ الإسلامِ لا يُشكّلونَ أيَّ قيمةٍ عند هؤلاءِ .
                  أيضاً ممّا يعينُ على تحقيقِ المقصودِ وفهمِهِ وهو السابعُ, النظرُ في افتتاحيّةِ السورةِ وخاتمتِها والتأمُّلِ في الرابطِ بينهما:
                  وهذا يا إخواني يكادُ يكونُ كثيراً إن لم يكُن مطّرداً, انظر مثلاً في سورةِ آلِ عمران الم 1 اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ 2 إذاً فيها قضيّةُ توحيدٍ, وفي آخرِها يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ 200
                  إذاً التوحيدُ يحتاجُ إلى تضحياتٍ وبذلٍ وصبرٍ حتى لو اضطرَّ ذلك الأمرُ الجهادُ في سبيلِ اللّهِ والصبرُ على مرارةِ الجهادِ والقتلِ والقتالِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ 200
                  في سورةِ النّساءِ الافتتاحيّةُ كانت في أوّلِ السورةِ بذكرِ الضعفاءِ وأحوالِهِم أيضاً في آخرِها يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إلى آخرِهِ . في سورةِ المائدةِ كذلك.
                  في سورةِ مريمَ كهيعص 1 ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا 2 فقد ذُكِرَ فيها الرحمة و تكرّرَ فيها اسمُ الرحمنِ في مواطنَ كثيرةٍ جدّاً في هذه السورةِ مالم يكد يتكرّرُ في أيُّ سورةٍ أخرى في القرآنِ العظيمِ .
                  في سورةِ طه مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى 2 وفي آخرِها وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى 124 قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا 125 إلى آخرِ ما جاءَ في السورةِ .
                  يقولُ السيوطيُّ رحمهُ اللّهُ: "وقد قدّمنا غيرَ مرّةٍ أنَّ سورَ القرآنِ تُستَفتَحُ بِما يُشيرُ إلى المقصودِ ثمَّ يُستطرَدُ مِنه إلى غيرِهِ بأدنى ملائمةٍ ثمَّ يُشارُ في آخرِ السورةِ إلى مثلِ ما افتُتِحَ به." . وذكرنا هذا في الدرسِ الماضي في سورةِ البقرةِ في أوّلِها بدأ بذكرِ الإيمانِ وصفات المتّقين: هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ 2 الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ 3 والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ 4 أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ 5 وفي آخرِها آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ إلى آخرِ السورةِ .
                  ويؤكِّدُ السيوطيُّ ذلك بمثالٍ فيقولُ: "وفي تبصرةِ الشيخِ تاجُ الدّينِ القطبيِّ ومِن خطِّهِ نقلتُ سأل الإمامُ أو سئل الإمامُ: ما الحكمةُ في افتتاحِ سورةِ الإسراءِ بالتسبيحِ والكهفِ بالتحميدِ ؟ أوّلُ الإسراءِ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ وفي أوّلِ الكهفِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وأجاب: لأنَّ التسبيحَ حيثُ جاءَ يُقدَّمُ على التحميدِ نحو: فسبّح بحمدِ ربّكَ, سبحانَ اللّهِ والحمدُ للّهِ". هذا جوابه.
                  وأجاب ... بأنَّ سورة سبحان لمّا اشتملت على الإسراء الّذي كذَّبَ المُشْرِكونَ بِهِ النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم، وتَكْذيبُهُمْ تَكْذيبٌ لِلَّهِ – – أتى بِسبحان لتنزيهِ الله – – عمّا نُسِبَ إلى نَبِيِّهِ مِنَ الكذب، أو لتنزيهِهِ، تنزيهِ الله تعالى عمّا نسب إليه نَبِيُّهُ من الكذب .
                  يعني: لا يمكن أن يكذِبَ النَّبِيُّ صلّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنَّ اللهَ – عزَّ وجلّ – قد صَدَقَ في إخبارِكم عن هذا الأمر .
                  ويتأكَّدُ مع ذلك ربْطُ أوَّلِ السّورةِ.
                  قال : ( وفي قِصّةِ أصْحابِ الكَهْف، وسورةُ الكهف لمّا أُنْزِلَت بعدَ سُؤلِ المُشْرِكين عن قِصَّةِ أصْحابِ الكهف، وتأخُّرِ الوحي، نزلت مُبَيِّنَةً أنَّ اللهَ لم يقطع نعمتَهُ عن نَبِيِّه ولا عن المُؤمنين، بل أتمَّ عليهم النِّعمة بإنزالِ الكتاب؛ فناسَبَ افتِتاحُها بالحَمْدِ على هذه النِّعمة ) ويتأكَّدُ مع ذلك ربْطُ أوَّلِ السّورةِ بِآخِرِها، فإنَّ أوَّلَ الكلام وآخِرَهُ هو المُرْتَكَزِ للغَرَضِ غالِباً، وهذا مُتَقَرِّرٌ في لُغةِ العرب؛ ولذلك ابن حيّان الأندَلُسي يذكُرُ ذلك في [ البحر المحيط ] في قولِه: ( وقد تتَبَّعْتُ أوائِلَ السُّوَر المُطَوَّلَة؛ فَوَجَدْتُها يُناسِبُها آخِرُها بحيث لا يكادُ ينخَرِمُ منها شيء، وذلك من أَبْدَعِ الفَصاحة حيث تلاقى آخِرُ الكلامِ ...... في أوّله وهي عادة العربِ في كثيرٍ من نظمهم، يعني يختمون كلامَهم إذا طال بأوَّلِهِ؛ حتى يعود آخر الكلام على أوَّلِه، ولا يشعر السّامع بأنَّ المتكلِّم قد تشتت في أودِيَةِ المعاني، وترك المعنى الأساس الّذي بدأ به .
                  الثّامن: - يا إخواني – مِمّا يُعين على معرفة المقصود: النَّظرة الكُلِيَّة للسّورة وتجَنُّبِ الجزْئيّة .
                  يعني لا تنطلق في مرادك المقصود واستنباطه إلى قضيَّةٍ ذكَرَتها السّورة .
                  يعني: ممكن أن تقول مثَلاً عن سورة من سورِ القرآن أنَّ المقصود بها هو كذا، لا ، يعني – مثلاُ - : في سورة المائدة يمكن ينطلق الإنسان فيها من قصّةِ ابْنَيْ آدَم، أو ينطلق فيها إلى موضوع الولاء والبراء، أو تحكيم شرعِ الله، أو ينظر فيها إلى قضيّة الوُلي ، أو حكم الصَّيد للمُحْرِم؛ إذا نظرت من خلال هذه الجزئيّة فلن تجدَ المقصود، لكن اجعل نظرتك في السّورة كُلِيّة من أوَّلِها إلى آخِرِها، وفي طَيّاتِ ذلك وظِلِّه موضوعاتُها.
                  التّاسع: إمعان النّظر في دلالات الكلمات والألفاظ وقُوّة اختِيارِها .
                  يعني: أمعِن النَّظَر في دلالات الكلمات والألفاظ، ولماذا اختيرَت هذه دون غيرِها، هذا يُعينُك – بإذنِ اللهِ عزَّ وجلّ – على الوصول إلى المقصود .
                  انظر مثلاً: يقول مصطفى صادق الرّافعي: ( تدَبُّر الألفاظ على حروفِها وحركاتِها وأصالتِها ولحونِها ومناسبة بعِضِها لبعض في ذلك والتّغَلْغُل في وجوه التي من أجلها اختير كلّ لفظ في موضعه، ثمّ انظر في روابطِ الألفاظِ والمعاني والحروف والصِّيَغ الّتي أُقيمَت عليها اللُّغة، ووجه اخِتيار الحرف، أو السّورة، ثمّ طريقة النّسق والتّرك في الجملة، ووجه الحذف أو الإيجاز أو التَّكْرار .. ونحوِها مِمّا هو خاصٌّ بهذه الطَّريقة حسبما ما تُوَجِّهْهُ المعاني؛ فإنَّ كُلَّ ذلك في القرآن على أثَرِه ) .
                  يعني: ما يمكن أن نحتار في القرآن – يا إخواني - لفْظاً في السورة إلاّ وهو مناسِبٌ لمقصودِ تلك السورة يعني: اسم الرَّحمن يُكَرَّر في سورة مَرْيَم عِدَّة مرّات؛ لماذا ما يختار اسم الجبّار ولاّ القَهّار، ولاّ العزيز والحكيم واختار الرَّحمن وحدَه، لماذا ؟ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا 18 يقول إبراهيم عليه الصّلاةُ والسّلام قال: يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ ماذا ؟ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا45 ويقول في آخرِ السّورة: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا 96 فانظر: لماذا اختار هذا الاسم ؟ اختاره؛ لمناسبتِهِ للمقصود من هذه السّورة.
                  يقول: "سورة الضُّحى يفْتَتِحُ اللهُ – عزّ وجلّ – القَسَم بالضُّحى، لماذا يقسِم القسم بالضُّحى؟ لماذا لم يُقسِم بالجبال ؟ لماذا لم يُقْسِم بالصُّخور، أو بالأنهار ؟ للدّلالة على الانفكاكِ وزوالِ الظُّلْمة وانبِعاث السّرور في النّفس، وهو مناسِب لِغَرَضِ السّورة، السّورة جاءت؛ لِتَشْرَح صدر رَسولِ الله ولتطمْئن قلبَه بأنَّ ربَّهُ لم يُبْغِضْه، ولن يهجره ولم يتْرُكَه أبشر يا محمّد! بالوحْي يأتيك بعد انقطاع؛ فإنَّه كالضُّحى يأتي بعد ظُلْمة اللّيل.
                  فهذه هي أهمّ الأسباب والوسائل والأمور الّتي تلتفت لنا بها مقاصد السُّور .
                  طبعاً هذا الّذي ذَكَرْتُهُ لكم، وتحَدَّثْتُ به، واعتمَدْت عليه في هذه المُقَدِّمات، هو بحْث في الحقيقة؛ لأخينا: الشيْخ الدّكتور: الفاضل محمّد بن عبد الله الرّبيعة،ـ الأستاذ المُساعد في جامعة القصيم .
                  قد كتبَهُ الإخوة – جزاهم الله خيراً – وطبعوه طباعة جيِّدة – جزاهم الله خيراً – وهو الآن موجود في نهاية المسجد، لعلّ الله – – ينفعَكم بهذا البحْث، وهذا البحث سيخرُج إن شاء الله في كتاب قريباً، وهو في الحقيقة بحْث واسع في هذا الموضوع، ولم أطَّلِعْ على بحْثٍ مثْلَهُ في هذا الموضوع .
                  أسْألُ الله – – أن يُوَفِّقَنا للخير حيْثُ كُنّا .
                  ولعلَّنا نقرأ هذا السُّؤال؛ يقول: مَن مِن العلماء تكلَّم عن موضوعات سورة البقرة بالتّفصيل الّذي ذكرْتَه .
                  الجواب: العلماء الّذينَ ذَكَرْناهم تكلَّموا عن ذلك يعني مثلاً [ مصاعد النَّظر ] للبقاعي و للرّازي في تفسيرها الكبير، واطّلعْت أيْضاً إلى مقَدِّمة تفسير سيِّد قُطُب [ في ظِلالِ القرآن ] وراجعت المُقَدِّمات منها لمحمَّد الغزالي – – في كتابٍ خاص جعله لموضوعات السّور ومقاصِدِها؛ كلّهم يذكرون مثل هذه الأشياء، والعلم عند الله –
                  سبحانك اللهمّ وبِحَمْدِك أشْهَدُ أن لا إلَهَ إلاّ أنت أسْتَغْفِرُكَ وَأتوبُ إليك ..
                  سمر الأرناؤوط
                  المشرفة على موقع إسلاميات
                  (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

                  تعليق


                  • #10
                    مقاصد السور القرآنية
                    للدكتور: محمد الخضيري حفظه الله
                    اللقاء الثالث
                    إنَّ الحمدَ لله, نحمدُهُ ونستعينُهُ ونستغفرُهُ, ونعوذُ باللّهِ من شرورِ أنفسِنا وسيئاتِ أعمالنا, مَن يهدِهِ اللّهُ فلا مُضِلَّ له ومَن يُضلل فلا هاديَ له, وأشهدُ أّلا إلَهَ إلّا اللّهَ وحدهُ لا شريكَ له, وأشهدُ أنَّ محمّداً عبدُهُ ورسولُهُ- صلّى اللّهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلّمَ تسليماً كثيراً. أمّا بعدُ:
                    فهذا هو المجلسُ الثالثُ مِن مجالسِ دروسِ مقاصدِ سورِ القرآنِ, وهذه ليلةُ الثالثِ العشرينَ في شهرِ ذي القعدةِ مِن عامِ ثلاثينَ بعدَ الأربعِمئةِ وألف مِن الهجرةِ النبويّةِ الشريفةِ, وقد تحدّثنا فيما سبق في المجلسين الماضيين عن المقصود في مقاصدِ السور وتأصيلِ هذا المفهوم ومعرفةِ أنّهُ من أعظمُ ما يعينُ الإخوان على معرفةِ كتابِ اللّهِ عزَّ وجلَّ والاهتداءِ به. واليومَ نتحدّثُ في مبحثٍ مستقلٍّ حولَ عنايةِ المفسّرين بمقاصدِ سورِ القرآنِ الكريمِ, والمفسّرونَ في هذا البابِ على أصنافٍ:
                    الصنف الأول: مِن أهلِ التفسيرِ الّذين أشاروا إلى مقاصدِ السورِ مِن غيرِ أن يُصرّحوا بذلك, وعلى هذا أكثرُ المفسّرين فإنّهم يُشيرونَ إلى مقاصدِ السورِ عَرَضاً لا قصداً, ويمرّون عليها ويذكُرونها في ثنايا كلامِهِم دون أن يقصدوا إلى ذلك ومن هؤلاءِ مثلاً: إمامُ المفسّرين: ابنُ جريرٍ الطبريِّ رحمهُ اللّهُ, وابنُ عطيّةٍ في المحرّرِ الوجيز، وابنُ كثيرٍ في تفسيرِه المشهورِ: تفسيرُ القرآنِ العظيمِ, والقرطبيِّ في جامعِ أحكامِ القرآنِ وغيرِهِم.
                    • انظروا مثلاً إلى ابنِ جريرٍ وهو يُشيرُ إلى المقصودِ في ثنايا كلامِهِ، عند كلامِهِ على سورةِ آلِ عمران يقولُ ابن جريرٌ رحمهُ اللّهُ: "وقد ذُكِر أنَّ هذه السورةَ ابتدأ اللّهُ بتنزيلِهِ فاتحتَها بالّذي ابتدأ به مِن متنِ الألوهيّةِ أن تكونَ لغيرِهِ ويقصدُ نفسَهُ بمَن وقف هذه في ابتدائها احتجاجاً مِنهُ بذلك على طائفةٍ مِن النصارى قدِموا على رسولِ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّمَ مِن نجران وحاجّوهُ في عيسى صلواتُ اللّهِ وسلامُهُ عليهِ وألحدوا في اللّهِ, فأنزل اللّهُ سبحانهُ وتعالى في أمرِهِم وأمرِ عيسى مِن هذه السورةِ نيفاً وثمانينَ آيةً مِن أوّلِها، احتجاجاً عليهِم وعلى مَن قال مثلَ مقالتِهِم في نبيِّهِ محمّدٍ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّمَ". فلاحظوا أنَّ ابنَ جريرٍ رحمهُ اللّهُ يحاولُ أن يُحدّدَ مغزى السورةِ مِن خلالِ سببِ نزولِها ومِن خلالِ المقدّمةِ الّتي افتُتِحت بها هذه السورةُ العظيمةُ وهي سورةُ آلِ عمرانَ, يقولُ اللّهُ عزَّ وجلَّ في أوّلِها: الم 1 اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ2نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ3مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ لماذا يذكرُ الألوهيّةَ وتوحيدَها للّهِ عزَّ وجلَّ ويذكرُ إنزالَ هذا الكتابَ وإنزالَ الكتابينِ مِن قبلِهِ، التوراةُ والإنجيلُ؟ لأنّهُ الآن في معرضِ الاحتجاجِ على النصارى الّذين جاءت هذه السورةُ بقرابةِ ثمانين آيةٍ مِنها للاحتجاجِ عليهِم وبيانِ فسادِ مذهبِهِم والتأكيدُ على إنّهم قد ظلّوا عن الطريقِ فزاغوا عن الجادّةِ.
                    • ابنُ عطيّةٍ -رحمهُ اللّهُ- مثلاً يقولُ في كلامِهِ عن سورةِ القدرِ: "وقال جماعةٌ مِن المتأوّلين معنى قولُهُ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ1 أي إنّا أنزلنا هذه السورةَ أنزلناهُ أنزلنا هذه السورةَ في شأنِ ليلةِ القدرِ وفي فضلِهِ ". فهو يجعلُ الضميرَ هنا عائداً على السورةَ وليس على القرآنِ.
                    • القرطبيُّ مثلاً في سورةِ الأنعامِ ينقلُ أقوالَ العلماءِ في تقريرِ الغرضِ مِن هذه السورةِ فماذا يقولُ ؟ "قال العلماءُ: هذه السورةُ أصلٌ في مُحاجّةِ المشركين وغيرِهِم مِن المُتّبعين ومَن كذّب بالبعثِ والنشورِ وهذا يقتضي إنزالَها جملةً واحدةً لأنّها في معنًى واحدٍ مِن الحجّةِ وإن تفرّق ذلك بوجوهٍ كبيرةٍ وعليها بنى المتكلّمون أصولَ الدينِ لأنَّ فيها آياتٍ بيّناتٍ تردُّ على القدرية دون السورَ الّتي تزخرُ إلى آخر كلامِهِ" .
                    • ونجدُ ابنُ كثيرٍ أيضاً يشيرُ إلى المقاصدِ إشارةً عابرةً في بعضِ المواطنِ, فيقولُ عن سورةِ الكافرون: "هذه سورةُ البراءةِ هذه سورةُ البراءةِ مِن العملِ الّذي يعملُهُ المشركون وهي عامرةٌ بالإخلاصِ فيه" . فهو يحدّدُ المقصودَ مِن سورةِ الكافرون بأنّها سورةُ البراءةِ مِن الشركِ وأهلِهِ وأنّها جاءت لتأمرَ بالإخلاصِ إخلاصِ الدينِ للّهِ عزَّ وجلّ, ولكنَّ هذا الكلامَ لم يأتِ لابنِ كثيرٍ على مذهبٍ مضطردٍ في كلِّ سورةٍ وفي كلِّ موطنٍ يوضّحُ مقصدَ السورةِ ويجتهدُ باستنباطِهِ، ويحاولُ أن يُخرِجَ له مبحثاً كما يُخرِجُ مثلاً لأسبابِ النزولِ أو لفضائلِها أو لتفسيرِ القرآنِ بالقرآنِ أو تفسيرِ القرآنِ بالسنّةِ. إذاً هذا هو الصنفُ الأوّلُ مِن المفسّرين.
                    الصِنفُ الثاني مِن المفسّرين: هم المفسّرون الّذين صرّحوا بمقصدِ السورةِ، وكان لهم عنايةٌ بهذا العلمِ مِن غيرِ أن يكونَ لهم منهجٌ مضطردٌ أو عنايةٌ تامّةٌ، فهم فوق الأوّلين يعني أكثرَ مِنهم عنايةً لكن دون أن يكونَ ذلك في منهجٍ مضطردٍ في ثامنِ الكتابِ في أوّلِهِ إلى آخرِهِ وأقابل من هذه القضيّةِ في البحثِ والنظرِ .
                    ومن هؤلاءِ :
                    • الزمخشريّ في كتابِهِ المشهورِ "الكُتّاب" لا يخفى عليكم أنَّ الزمخشريَّ آيةٌ في استنباطِ جمالياتِ القرآنِ وكلُّ مَن جاء بعدَه فهو عيالٌ عليه, على ما يؤخذُ عليهِ في بابِ الاعتقادِ فهو مِن أئمّةِ الاعتزالِ.

                    • وكذلك الرّازيُّ رحمهُ اللّهُ في كتابِهِ "مفاتيحُ الغيبِ" أو ما يُسمّى "بالتفسيرِ الكبيرِ" فهو أيضاً اعتنى بهذا العلم ويحاولُ قدرِ المستطاعِ أن يؤكّدَ على مقصودِ السورةِ وأن يذكرَهُ في بدايتِها, لكن يجوزُ أن يكونَ له منهجٌ أو يقدّمُ ذلك في كلِّ القرآنِ. والرّازيُّ كما لا يخفى عليكم تفسيرُهُ كبيرٌ فعلاً ولكنّهُ حشاهُ بكثيرٍ مِن المباحثِ الكلاميةِ جرياً على مذهبِهِ الأشعريّ إذ يُعدُّ مِن أكبرِ التفاسيرِ الّتي حاولت أن تستدل لهذا المذهبِ مِن خلالِ آياتِ القرآنِ الكريمِ .

                    • ومِنهم ابنُ الزبيرِ الغرناطيِّ في كتابين له سنذكُرُهُما بعد قليل إن شاء الله

                    • كذلك الشاطبيُّ رحمهُ اللّهُ في كتابِهِ "الموافقاتُ في الاعتصامِ" والسببُ في اعتناءِ الشاطبيِّ في مقاصدِ السورِ هو أنّهُ كان يعتني بمقاصدِ الشريعةِ ويرى أنّ هذا سببٌ لهذا أو أنَّ بينهما صلةٌ ووفيّةٌ واضحةٌ.

                    • ومِنهم شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةٍ وتلميذُهُ ابنُ القيِّمِ فإنّ هذين الشيخين كانت لهما عنايةٌ ظاهرةٌ بمقاصدِ سورِ القرآنِ .

                    • انظر مثلاً الزمخشريّ ماذا يقولُ؟ يقولُ "إنَّ مِن فوائدِ تفصيلِ القرآنِ وتقطيعِهِ سورا, لماذا يُقطّعٌ القرآنُ سوراً؟ يقول: إنَّ مِن فوائدِ تفصيلِ القرآنِ وتقطيعِهِ سوراً أنَّ التفصيلَ سببُ تلاحقِ الأشباهِ والنظائرِ وملائمةِ بعضِها لبعضٍ وبذلك تتلاحظُ المعاني ويتجاوبُ النظمُ" .

                    • وأمّا الرازيُّ فقد كان أكثرَ عنايةً وتطبيقاً في تفسيرِهِ لهذا الأمرِ وهو مقاصدُ السورِ وبناءِ تشكيلِ السورةِ عليهِ فهو يقولُ في سورةِ مريم: "اعلم أنَّ الغرضَ مِن هذه السورةِ بيانُ التوحيدِ والنبوّةِ والحشرِ والمنكرون للتوحيدِ هم الّذين أثبتوا معبوداً سوى اللّهِ تعالى وهؤلاءِ فريقان: مِنهم مَن أثبت معبوداً غير اللّهِ حيّاً عاقلاً فاهماً وهم النصارى. ومِنهم مَن أثبت معبوداً غيرَ اللّهِ جماداً ليس بحيٍّ ولا عاقلٍ ولا فاهمٍ وهم عبدةُ الأوثانِ. والفريقان وإن اشتركا في الضلالِ إلا أنَّ ضلالَ الفريقِ الثاني أعظمُ, فلمّا بيّنَ تعالى ضلالَ الفريقِ الأوّلِ تكلّمَ في ضلالِ الفريقِ الثاني وهم عبدةُ الأوثانِ". هو يرى مِن وجهةِ نظرِهِ المقصودُ مِن هذه السورةِ الردُّ على الطائفتين, طائفةُ النصارى الّذين أثبتوا معبوداً غيرَ اللّهِ وهو كائنٌ عاقلٌ وهو عيسى عليهِ الصلاةُ والسلامُ, الطائفةُ الثانيةُ طائفةُ المشركين الّذين أثبتوا معبوداً غيرَ اللّهِ لا يعقِلُ ولا يفهمُ ولا يسمعُ ولا يبصرُ كما في قصّةِ إبراهيمَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ.

                    • ويقولُ أيضاً في معنى تفصيلٍ لسورةِ يس: "ويمكنُ أن يُقالَ أنَّ هذه السورةَ ليس فيها إلا تقريرُ الأصولِ الثلاثِ بأقوى البراهينِ فابتداؤها بيانُ الرسالةِ وانتهاؤها بيانُ الوحدانيةِ والحشرِ" . الأصولُ الثلاثةُ هذه هي الّتي عليها مدارُ السورِ المكيّةِ، مدارُ السورِ المكيّةِ في التوحيدِ إثباتُ اليومِ الآخرِ إثباتُ الرسالةِ مِن حيثُ الرسول ومِن حيثُ القرآنِ، يعني الرسالةُ والرسولُ, فغالبُ السورِ المكيّةِ تدورُ حولَ هذه الأصولَ الثلاثةَ وهو يقولُ هنا أنَّ هذه السورةَ مثلُ أن يُقالَ أنّها جاءت لإثباتِ هذه الأصولَ الثلاثةَ في أتمِّ ما يُمكِنُ فابتدأت ببيانِ الرسالةِ يس1وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ2إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ3 واختُتِمت ببيانِ التوحيدِ والحشرِ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ78قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ79الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا يقولُ شيخُنا العلّامةُ ابنُ عُثيمينٍ رحمهُ اللّهُ: "هذه الآياتُ على قِصرِها فيها سبعةُ أدلّةٍ على إثباتِ المعاد" وذكرها تفصيلاً مِن خلالِ آخرِ آياتِ سورةِ يس رحمةُ اللّهِ وتعالى عليهِ.
                    • يقولُ الرازيُّ أيضاً في سورةِ فُصِّلت: "وقد ظهرَ مِن كلامِهِ في تفسيرِ هذه السورةِ أنَّ المقصودَ مِن هذه السورةِ هو ذكرُ الأجوبةِ عن قولِهِ: وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ" فتارةً يُنبّهُ على فسادِ هذه الطريقةِ، طريقةُ المشركين في استقبالِ القرآنِ، مرّةً يُنبّهُ على فسادِ هذه الطريقةِ وتارةً يذكرُ الوعدَ والوعيدَ لمَن لم يؤمنُ بهذا القرآنِ ولمَن يُعرضُ عنه. وامتدَّ الكلامُ إلى هذا الموضعِ من أول السورةِ على الترتيبِ الحسنِ والنظمِ الكاملِ إلى آخرِ كلامِهِ رحمهُ اللّهُ.

                    • ننتقلُ بعدَ ذلك إلى ابنِ الزبيرِ, ابنُ الزبيرِ له كتابان, الكتابُ الأوّلُ: البرهانُ في تناسبِ سورِ القرآنِ، هذا الكتابُ خصّصهُ ابنُ الزبيرِ الغرناطيُّ رحمهُ اللّهُ لبيانِ المناسباتِ بينَ كلِّ سورةٍ والّتي تليها، فهو يذكرُ سورةَ آلِ عمرانَ ويذكرُ ما مناسبتُها للبقرة, سورةُ النّساءِ مناسبتُها لسورة آلِ عمرانَ, المائدةُ مناسبتُها لسورة النّساءِ وهكذا دواليك حتى يأتيَ إلى نهايةِ القرآنِ. وقد اجتهدَ في أن يبنيَ المناسبةَ والعلاقةَ بين السورتين على المقصودِ فيقولُ مقصودُ سورةِ كذا هو كذا ومقصودُ سورةِ كذا هو كذا إذاً والعلاقةَ بينهُما هو كذا. يقولُ في سورةِ النّساءِ يقولُ في بنائها ومقصدِها: "بناءُ هذه السورةِ على التواصلِ والائتلافِ ورعيِ حقوقِ ذوي الأرحامِ يحِقُّ ذلك كلُّهُ إلى حالةِ الموتِ المقصودِ عليهِ" يقولُ هذه السورةُ جاءت بالعنايةِ بالائتلافِ والتوادِّ والتراحمِ وبينَ القراباتِ بشكلٍ خاصًّ ورعايةِ جانبٍ إلى حالةُ الموتِ ولذلك جاءَ فيها آياتُ المواريثِ.
                    وفي بيانِ مقصدِ سورةِ الفرقانِ يقولُ: "لقد تضمّنت هذه السورةَ مِن النّعيِ على الكفّارِ والتعريفِ بجحدِهِم وسوءِ مُرتكَبِهِم ما لم يتضمّن كثيراً مِن نظائرِها".
                    • الكتابُ الثاني لابنِ الزبيرِ رحمهُ اللّهُ كتابٌ يسمّى ملاكُ التأويلِ, وهذا الكتابُ خصّصَهُ مؤلّفُهُ في قضيّةٍ دقيقةٍ يأتي للآياتِ المتشابهةِ في الألفاظِ ويذكرُ الفروقَ بينَها، لماذا هذه الآيةِ قُدِّمَ فيها كذا على كذا؟ ولماذا قُدِّمَ في هذه الآيةِ كذا على كذا؟مثالُ ذلك مثلاً رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ فقدّمَ هنا التعليمَ على التزكيةِ، في سورةِ آلِ عمرانَ وفي سورةِ الجُمُعةِ قُدِّمت التزكيةُ على العلمِ، فمثلاً قالَ في سورةِ الجُمُعةِ: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ، وفي سورةِ آلِ عمرانَ قال: لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ 164 فيأتي يُبيِّنُ لماذا قُدِّمَ العلمُ في سورةِ البقرةِ وأُخِّرَ في سورتي آلِ عمرانَ والجُمُعةَ وهلُمَّ جرّاً . في هذا الكتابِ الّذي اسمُهُ ملاكُ التّأويلِ أيضاً اعتنى بهذا العلمِ وذكرَ بعضَ اللّطائفَ فيه.

                    • أمّا الشّاطبيُّ رحمهُ اللّهُ فقد كانت له عنايةٌ فائقةٌ بذكرِ المقاصدِ خصوصاً وأنّه قد اشتُهِرَ بأنَّهُ أبو المقاصدِ، وهو مِن أعظمِ العلماءِ الّذين أبرزوا علمَ مقاصدِ الشريعةِ واعتنوا به، وكلُّ مَن كتبَ في هذا العلمِ بعدَه عيالٌ عليهِ، يرجعونَ إليهِ ولا بدَّ لأنَّهُ حرّرَ هذا العلمَ وقعَّدَ له وأصّلَ وبيّنَ أهمّيتَه وضرورتَه. يقولُ ظهرت عنايةُ الشّاطبيُّ في مقاصدِ السورِ تبعاً لقولِهِ في مقاصدِ الشريعةِ بل إنّه يجعلُ تدبُّرَ القرآنِ كلَّه راجعٌ إلى المقاصدِ. فيقولُ: وقال الله تعالى: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا يقولُ : "التدبُّرُ إنّما يكونُ لمَن التفتَ إلى المقاصدِ " ويقرّرُ هذا العلمَ تقريراً وتأصيلاً وتمثيلاً فيقولُ: "فاعتبارُ جهةِ النّظمِ مثلاً في السورةِ لا يتمُّ به فائدةٌ إلا بعدَ استيفاءِ جميعِها بالنظرِ والاقتصارُ على بعضِها فيه غيرُ مفيدٍ غايةَ المقصودِ كما أنَّ الاقتصارَ على بعضِ الآيةِ باستفادةِ حكمٍ ما لا يفيدُ إلا بعدَ تمامِ النظرِ في جميعِها يقولُ إنّك لن تستطيعَ أن تصلَ إلى المقصودِ مِن خلالِ النظرِ إلى أوّلِ السورةِ أو إلى بعضِ آياتِها بل إنَّ ذلك لا يتِمُّ إلا بعدَ أن تنظرَ نظرةً كلّيّةً إلى السورةِ مِن أوّلِها إلى آخرِها ثمَّ تدخلَ إلى جزئيّاتِها لتحصِّلَ مقصودَ السورةِ الّذي يربطُ بينَ موضوعاتِها. قالَ: "ومَن أرادَ الاختبارَ في سائرِ سورِ القرآنِ فالبابُ مفتوحٌ والتوفيقُ بيدِ اللّهِ". ويُمثِّلُ لهذه القاعدةِ بعدّةِ سورٍ فيقولُ: "فسورةُ البقرةِ مثلاً كلامٌ واحدٌ باعتبارِ النّظمِ، واحتوت على أنواعٍ مِن الكلامِ بحسبِ ما بُثَّ فيها، مِنها ما هو كالمقدّماتِ والتّمهيداتِ بينَ يدَي الأمرِ المطلوبِ، ومِنها ما هو كالمؤكِّدِ والمتمّمِ، ومِنها ما هو المقصودُ في الإنزالِ وذلك تقويمُ الأحكامِ على تفاصيلِ الأبوابِ، ومِنهُ الخواتمُ العائدةِ على ما قبلَها في التأكيدِ والترتيبِ وما أشبه ذلك . فسورةُ الكوثرِ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ 1 نازلةٌ في قضيّةٍ واحدةٍ وسورةُ اقرأ نازلةٌ في قضيّتين, الأولى إلى قولِهِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ والأخرى ما بقي إلى آخرِ السورةِ ثمَّ ذكرَ سورةَ المؤمنون ".
                    • ننتقلُ بعدَ هذا إلى شيخِ الإسلامِ ابنُ تيميةٍ رحمهُ اللّهُ فقد كان له فهمٌ ثاقبٌ بعلمِ المقاصدِ عموماً فهو إمام فيه، وقد ألّفَ أحدُ الباحثينَ رسالةً بعنوان مقاصدُ الشريعةِ عندَ شيخِ الإسلامِ ابنُ تيميةٍ هو اسمُ الباحثِ يوسفُ البلوي, يقولُ شيخُ الإسلامِ مثلاً في سورةِ البقرةِ: "وقد ذكرتُ في مواضعَ ما اشتملت عليهِ سورةُ البقرةِ مِن تقريرِ أصولِ العلمِ وقواعدِ الدينِ " ويقولُ في سورةِ براءةٍ: "فأكثرُها في وصفِ المنافقين وذمِّهِم ومِنهم ومِنهم ومِنهم ومِنهم ومِنهم ومِنهم ومِنهم " حتى قالَ ابنُ عبّاسٍ حتى ظننّا ألّا تدعَ مِنهم أحداً أو مِنّا أحداً " ويقولُ شيخُ الإسلامِ في سورةِ القمرِ: "وكان النبيُّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّمَ "صلّوا على النبيّ يا إخوان. يقرأُ هذه السورةَ يعني سورةُ القمر في المجامعِ الكبارِ مثلُ الجُمَعِ والأعيادِ ليُطلِعَ النّاسَ ما فيها مِن آياتِ النّبوّةِ ودلائلِها والاعتبارَ وكلُّ الناس يُقِرُّ ذلك ولا يُنكِرُهُ. فعُلِم أنَّ انشقاقَ القمرِ كانَ معلوماً عندَ النّاسِ عامّةً ثمَّ ذكرَ حالَ الأنبياءِ ومكذّبيهِم.

                    • أمّا ابنُ القيِّمِ رحمهُ اللّهُ فهو أيضاً مبرِّزٌ لهذا الفنِّ ويذكرُ مقاصدَ السورِ ويُنبِّهُ عليها في ثنيّاتِ كلامِه. انظر مثلاً على قولِهِ في سورةِ الكافرون يقولُ: "إنَّ مغزى سورةُ الكافرون ولبها ومقصودُها هو براءتُهُ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّمَ مِن دينِهِم ومعبودِهِم " ويقولُ في كلامٍ له على سورةِ المعوّذتين: "تضمّنت هاتان السورتان الاستعاذةَ مِن الشرورِ كلِّها بأوجزِ لفظٍ وأجمعِهِ". وانظر إلى الجمالِ في اختيارِ المقصودِ وبيانه و جمعُ السورةِ مِن أوّلِها إلى آخرِها حتى تكونَ كالحلقةِ الواحدةِ . يقولُ مثلاً في سورةِ العنكبوتِ: "فمضمونُ هذه السورةُ هو سرُّ الخلقِ والأمرِ فإنّها سورةُ الابتلاءِ ولامتحانِ، وبيانِ حالِ أهلِ البلوى في الدنيا والآخرةِ, ومَن تأمّلَ فاتحتَها ووسطَها وخاتمتَها وجد في ضمنِها أنَّ أوّلَ الأمرِ ابتلاءٌ وامتحانٌ، ووسطَهُ صبرٌ وتوكُّلٌ، وآخرَهُ هدايةٌ ونصرٌ واللّهُ المستعانُ " يوضِّحُ قولُهُ ثمَّ يذكرُ, ماذا يذكرُ ؟ انظروا يا إخواني كيفَ نظمَ هذه السورةَ هذا النظمَ العجيبَ, يقولُ: فأوّلُ هذه السورةِ ابتلاءٌ وامتحانٌ ووسطُهُ صبرٌ وتوكُّلٌ وآخرُهُ هدايةٌ ونصرٌ . ماذا قال في أوّلِها: أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ 2 وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ 3، في آخرِها: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا كيف تُجاهِدُ ؟ تُجاهِدُ عندما تصبرُ تتوكّلُ على اللّهِ تصبر أمام المحنِ والفتنِ والبلايا والشدائدِ وتُصابِرُ ثمَّ تأتيكَ مِن بعدِ ذلك الهداياتُ والفتوحُ مِن اللّهِ عزَّ وجلَّ.
                    هذا هو الصنفُ الثاني مِن المفسِّرين وهم الّذين كانت لهم عنايةٌ وكان لهم اهتمامٌ دون أن يكونَ لهم منهجٌ مضطربٌ في سائرِ التفسيرِ.
                    الصنفُ الثالثُ مِن المفسِّرين: هم المفسّرون الّذين عنوا بعلمِ المقاصدِ واهتمّوا به غايةَ الاهتمامِ وسلكوا فيه مناهجَ .
                    لعلّنا نعرضُ لبعضٍ مِنهم:
                    • فمِنهم الفيروزُ أبادي صاحبُ القاموسِ المحيطِ, هذا له كتابٌ جميلٌ جدّاً ننصحُكُم باقتنائهِ لأنَّهُ مفيدٌ في تقريبِ كثيرٍ مِن المعاني الّتي يحتاجُها مَن يريدُ التعمُّقَ في تفسيرِ القرآنِ الكريمِ وهذا الكتابُ يُقالُ له "بصائرُ ذوي التمييزِ", هذا الكتابُ جعلَهُ مؤلِّفُهُ في أبوابَ وعلومٍ وفنونٍ يحتاجُها المفسِّرُ، مِنها مثلاً علمُ الأشباهِ والنّظائرِ، فيأتي بالكلمةِ الّتي تتعدّدُ معانيها في القرآنِ، فيذكرُ هذه المعاني المتعدّدةِ ويُبيِّنُ عندَ كلِّ معنى ما الآياتُ الّتي وردت في هذا الشأنِ، فمثلاً كلمةُ إيمان تأتي بمنى كذا وذلك في قولِ اللّهِ كذا وفي قولِ اللّهِ كذا وتأتي بمعنى كذا في قولِ اللّهِ كذا وفي قولِ اللّهِ كذا . كلمةُ خيرٍ تأتي بمعنى أفضلَ في قولِهِ وفي قولِهِ, وتأتي بمعنى المال الكثيرِ في قولِهِ وفي قولِهِ, وتأتي بمعنى الإيمانِ في قولِ اللّهِ تعالى وفي قولِ اللّهِ تعالى، وهو ذكر هذا ... . أيضاً مِن ضمنِ ما كان يذكرُهُ موضوعاتُ كلِّ سورةٍ ومقاصدُها, وهو يقولُ مثلاً في سورةِ الأحزابِ: " معظمُ مقصودِ السورةِ الّذي اشتملت عليهِ الأمرُ بالتقوى، وأنَّه ليس في صدرٍ واحدٍ قلبان, وأنَّ المتبنّي ليسَ بمنزلةِ الولدِ ". ثمَّ عدَ أكثرَ مِن ثلاثين موضوعاً.
                    • الثاني مِن الّذين اهتمّوا بهذا العلمِ وأفردوهُ في البحثِ والنظرِ البقاعيُّ في كتابين له تعتبران مِن أهمِّ الكتبِ في هذا العلمِ, أوّلُ كتابٍ "مصاعدُ النظرِ في الإشرافِ على مقاصدِ السورِ", تأمّلوا اسمَ الكتابِ يا إخوان مصاعدُ النظرِ يعني إن استصعبَ فتنظرَ أينَ هو مقصودُ السورةِ تنظرُ السورةَ مِن أوّلِها إلى آخرِها لتبحثَ عن الرابطةِ بينَ كلِّ موضوعاتِ هذه السورةِ وما يُستفادُ أو ما يجمعُ هذه الموضوعاتِ. فالبقاعيُّ رحمهُ اللّهُ له كاتب آخرٌ وهو نظمُ الدّررِ في تناسبِ الآياتِ والسورِ وهذا الكتابُ يُعتبرُ أبو المناسباتِ. ماذا يعني المناسباتُ يعني المناسبةَ بين المقطعِ والمقطعِ والآيةِ والآيةِ والحكمِ والحكم والقصّةِ والقصّةِ. وهو يبحثُ في ذلك قد بقيَ في هذا الكتابِ أزودُ مِن ثمانيةَ عشرَ عاماً هو يكتبُ فيه. يقولُ: ذكرَ انَّه في سورةِ سبأٍ يعني قد بلغَ السنةَ العاشرةَ وهو يكتبُ في هذا الكتابِ ويُحرِّرُهُ، ولا شكَّ بأنَّه جاءَ بأشياءَ كثيرةٍ جديدةٍ وإن كانَ تكلَّفَ رحمهُ اللّهُ في بعضِ المواطنِ لكنّ هذه عادةُ المجتهدِ أن يتحمَّسَ في إخراجِ شيءٍ معيّنٍ لا بدَّ أن يصيبَهُ شيءٍ مِن التكلُّفِ في بعضِ المواطنِ, ولا بُدَّ أيضاً أن يُخطئَ الصوابَ في مواطنَ أخرى، وهذه سنّةُ اللّهِ عزَّ وجلَّ في خلقِهِ. أمّا كتابُهُ مصاعدُ النظرِ فهو يُعتبرُ مثلُ المقدّمةِ لنظمِ الدّررِ, مصاعدُ النظرِ يقعُ في ثلاثِ مجلّداتٍ ونظمُ الدّررِ ذو الطبعةِ الهنديّةِ يقعُ في أربعةٍ وعشرين مجلّداً، في طبعةٍ لبنانية مضغوطةٍ في ثمانيَ مجلّداتٍ. في مصاعدِ النظرِ يقولُ البقاعيُّ رحمهُ اللّهُ: "هو علمٌ يُعرفُ منه مقاصدُ السورِ -يُعرِّفُ مقاصدُ السورِ- فموضوعُهُ مقاصدُ السورِ كلُّ سورةٍ على حيالِها, وغايتُهُ معرفةُ الحقِّ مِن تفسيرِ كل آيةِ مِن تلكَ السورِ " يعني غايةُ علمِ المقاصدِ هو أن تصلَ إلى الحقِّ في تفسيرِ الآيةِ، ومنفعتُهُ التبحُّرُ في علمِ التفسيرِ فإنّهُ يُثمِرُ التفسير له والتيسير،ِ ونوعُهُ التفسيرُ ورتبتُهُ اوّلُهُ- يعني يُشتغَلُ به قبلَ الشروعِ فيه يعني ينبغي لك أن تعرف مقصودِ السورِ قبلَ أن تشرعَ في تفسيرِ آياتِها آيةً آيةً لأنَّهُ يُعينُكَ على فهمِ الآيةِ ويُيسِّرَ لك الوصولَ إلى مرادِ اللّهِ عزَّ وجلَّ مِنها، فإنَّهُ كالمقدِّمةِ له مِن حيثُ أنّه كالتعريفِ لأنّه معرفةُ تفسيرِ كلِّ سورةٍ إجمالاً, وأقسامُهُ السورُ . هذا الكتابُ كما ذكرنا يُعتبرُ مقدّمةً لتفسيرِ نظمِ الدّرر وهو مِن أهمِّ الكتبِ في معرفةِ مقدّماتِ السورِ وهناكَ فنٌّ يُسمّى عندَ العلماءِ علومُ السورةِ, علومُ السورةِ اشتغلَ فيه البقاعيُّ رحمهُ اللّهُ في كتابِهِ مصاعدُ النظرِ, ما هو علوم السورةِ ؟ البحثُ في اسمِها, عددُ آياتِها, فضلِها, أهمُّ موضوعاتِها, مقصودِها, أسبابُ نزولِها, ونحوِ ذلك. فهذا هو الّذي يُسمّى علومُ السورةِ، وقد بيَّنَ رحمهُ اللّهُ في هذا الكتاب أنَّهُ قد اعتنى في هذا الكتابِ بعددٍ مِن الأشياءِ مِن ضمنِها: مقصودُ السورةِ، وهو في هذا البابِ بالذّاتِ يكادُ يتّفقُ معنا في كتابِهِ نظمُ الدّررِ في تناسبِ الآياتِ والسورِ. امّا كتابُهُ نظمُ الدررِ في تناسبِ الآياتِ والسورِ فهو كتابٌ مفيدٌ في بابَهَ، بل لا لم يوجد مِن كتبِ التفسيرِ كتابٌ اعتنى بالمناسباتِ في كلِّ الآياتِ والمقاطعِ والسورِ مثلَ هذا الكتابِ ويكفي أنّهُ وقعَ في قرابةِ أربعة وعشرين مجلّدٍ . يُحدّدُ البقاعيُّ رحمهُ اللّهُ منهجَهُ في ذلك فيقولُ: "الأمرُ الكليُّ المفيدُ لعرفانِ مناسباتِ الآياتِ في جميعِ القرآنِ هو انّكَ تنظرُ الغرضَ الّذي سيقت له السورةُ وتنظرُ ما يحتاجُ إليهِ ذلك الغرضَ مِن المقدِّماتِ، وتنظرُ إلى مراتبِ تلكَ المقدِماتِ في القربِ والبعدِ مِن المطلوبَ، وتنظرُ عندَ إبرازِ الكلامِ في المقدّماتِ إلى ما يستتبعُهُ مِن استقرارٍ في نفسِ السامعِ إلى الأحكامِ والموازنُ التابعةِ له. هو الآن يُريدُ أن يُبيِّنَ لنا ماذا ؟ أنّكَ إذا أردتَ أن تربط بينَ مقاطعِ السورةِ انظر إلى المقصودِ مِن السورةِ, لماذا جيءَ بهذه السورةِ ؟ ما هو مقصودُها ؟ فإذا عرفتَ مقصودَها فإنّكَ تنظرُ بعدَ ذلك هذا المقصود ماذا يحتاجُ مِن المقدِّماتِ. أكيد إنّه مذكورٌ في هذه السورةِ. إذا نظرتَ إلى هذه المقدّماتِ رتب هذه المقدّماتِ, ما مراتبُ تلك المقدّماتِ في القربِ والبعدِ مِن المطلوبِ ؟ ثمَّ بعد ذلك ماذا يستتبعُه مِن استقرارٍ في نفسِ السامعِ إلى أشياءَ يحتاجُ الإجابةَ عنها ستجدُ أنَّ السورةَ قد جمعت ذلك كلَّه. وقد طبَّقَ هذه القاعدة في كتابِهِ فوجدَ أنّها مطّرِدةٌ, انظروا ماذا يقولُ ؟ وهذا يا إخواني مِن العجائبِ عجائبِ التأمّلِ والتّدبُّرِ العميقِ والنفسِ الدّقيقِ في معرفةِ دقيقِ القرآنِ وأنَّ ترتيبَهُ لا يُمكِنُ إلا أن يكونَ مِن عندِ اللّهِ عزَّ وجلَّ. يقولُ مِن أمثلةِ ذلك ما ذكرَه في سورةِ الحُجُراتِ قال: "ولمّا نوَّهَ سبحانَهُ في القتالِ أي في سورةِ محمّدٍ، وذكرِ النبيِّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّمَ ابتدائها باسمِهِ الشريفِ وتمَّ السورةَ به وملأَ سورةَ الفتحِ بتعظيمِهِ وختمَهُ باسمِهِ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ ومدحَ اتباعَهُ لأجلِهِ افتتحَ هذه أي سورةَ الحُجُراتِ في اشتراطِ الأدبِ معهُ في القولِ والفعلِ للعدِّ مِن حزبِهِ والفوزِ بقربِهِ " أرأيتم كيف ربطَ بينَ هذه السورَ الثلاثةَ الّتي نراها نحنُ منفصلةً تمامَ الانفصالِ عن الثانيةِ . وبالفعلِ سورةُ مُحَمّدٍ قد ذُكِرَ فيها اسمُ النبيِّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّمَ وبيانِ نصرِ هذا النبيِّ والعنايةِ به ثمَّ جاءَ مِن بعدِها الأمرُ بتعظيمِهِ وتوقيرِهِ واحترامِهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ، وأنَّ الربَّ سبحانَهُ قد اعتنى به إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا 1 لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ثمَّ قال في آخرِ الوجهِ الأوّلِ ماذا؟ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا 8 لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا 9 ثمَّ يقولُ في آخرِها مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ إلى آخرِ الآيةِ فإنّهُ لمّا ذكرَ هذا وهذا في هاتين السورتين قال: افتتحَ هذه في اشتراطِ الأدبِ معه في القولِ والفعلِ للعدِّ مِن حزبِهِ والفوزِ بقربِهِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ 1 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ 2 إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ 3 إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ 4 وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ يا الّله يعني هي في كمالِ الأدب مع رسولِ اللّهِ صلّى الّلهُ عليهِ وسلّمَ حتى يحصلَ الإنسانُ القربَ مِن رسولِ الّلهِ،ِ والفوزَ أن يكونَ بأن يكونَ مِن حزبِهِ. يقولُ: "ومدارُ ذلك معاني الأخلاقِ وهي إمّا مع الّلهِ أو مع رسولِهِ أو مع غيرِهِما, وإن كان كلُّ قسمٍ لا يخلو عن لحظةِ الآخرِ" يعني عن ملاحظةِ القسمِ الآخرِ "وغيرُهُما -غيرُ الّلهِ ورسولِهِ- إمّا ان يكونَ داخلاً مع المؤمنين في رتبةِ الطاعةِ او خارجاً عنها وهو الفاسقُ، والداخلُ في طاعةِ المؤمنين السالكِ لطريقتِهِم إمّا ان يكونَ حاضراً عندَهم أو غائباً عنهم . فهذه خمسةُ أقسامٍ، فصلَ النداءَ بسببِها خمسَ مرّاتٍ-أو فصلَ النداءَ بسببِها خمسَ مرّاتٍ كلُّ مرّةٍ لقسمٍ مِنها وافتتحَ بالّلهِ لأنَّ الأدبَ معه هو الأصلُ الجامعُ للكلِّ والأسُّ الّذي لا يُبنى إلا عليهِ" دعونا يا إخوان نحصي يا أيّها الّذين آمنوا
                    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ
                    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ
                    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ
                    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ماذا بعد؟
                    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ
                    تلاحظُ أنَّ كلَّ واحدةٍ في قسمٍ واحدةٌ مع الّلهِ, واحدةٌ مع الرسولِ, واحدةٌ مع المؤمنِ الفاسقِ, واحدة مع المؤمنِ الحاضرِ, واحدةٌ مع المؤمنِ الغائبِ. انظر كيفَ هذا التقسيمُ وهذا النظرُ الّذي جاءَ به هذا الإمامُ بعدَ طولِ فحصٍ وتدقيقٍ.
                    ثمَّ نذكرُ بعدّ ذلك المفسّرين المتأخّرين الّذين اعتنوا بذكرِ المقاصدِ لعلَّ مِن أبرزِهِم مِن المعاصرين:
                     سيِّدُ قطبٍ رحمهُ الّلهُ في كتابِهِ في ظلالِ القرآنِ، بنى كتابَهُ على فكرةٍ وهي أن يبحثَ عن الموضوعِ الّذي تدورُ هذه السورةُ عليه، ثمّ يُقسّمُ السورةَ إلى مقاطعٍ -أو يُقسّمُ مقاطعَ السورةِ - ويُبيِّنُ صلةَ كلِّ مقطعٍ بموضوعِ السورةِ . وقد التزم هذا في كاملِ الكتابِ، ويُعتبرُ أوّلَ مَن بنى كتابَهُ على فكرةٍ مثلِ هذه، ونحنُ نقولُ أنَّ هذا مِنهُ اجتهادٌ، وهذا الاجتهادُ يُخطئُ في كثيرٍ مِن الأحيانِ، وإن كان بعضُهُ قد لا يوافَقُ عليه لأنَّ مثلَ هذه الأشياء مثلُ ما نقولُ مع البقاعيُّ نقولُ أيضاً مع سيِّدِ قطبٍ رحمهم الّلهُ جميعاً في كتابِهِ في ظلالِ القرآنِ، لكنَّهُ اعملَ الذّهنَ إعمالاً شديداً، ولا شكَّ انّهُ اعتنى بقصّةِ المقاصدِ وفهمِ المحورِ الّذي تدورُ عليه السورةُ وهو يُكثرُ مِن كلمةِ المحورِ محورُ هذه السورةِ ثمَّ يذكرُهُ بأسلوبٍ أدبيٍّ راقي جدّاً ويحاولُ بعدَ ذلك أن يربطَ بينَ موضوعاتِ المقاطعِ بموضوعِ السورةِ الّذي نسمّيهِ المحورَ . يقولُ عدنان زرزور الدكتور عدنان زرزور : " لعلَّ سيِّداً أوّلُ مفسّرٍ في تاريخِ القرآنِ أبرزَ الوحدةَ الموضوعيّةَ في السورِ القرآنيّةِ المفردةِ طالت أم قصُرت أبرزَهُ بشكلٍ عمليٍّ مكتوبٍ أو طبّقَهُ أروع تطبيقٍ وأعمقَه في كتابهِ " انظروا مثلا يقولُ سيّدٌ في سورةِ المؤمنون : "سورةُ المؤمنون أو هي سورةُ الإيمانِ بكلِّ قضاياه ودلائلُهُ وصفاتُهُ هو موضوعُ السورةِ ومحورُها الأصيلُ " فهو يرى أنَّ سورةَ المؤمنون هي سورةُ الإيمانِ وأنّها جاءت لتفصِّلَ في الإيمانِ وأهلِهِ وصفاتِ أهلِهِ مِن بدايتِها إلى نهايتِها " في سورةِ النّورِ يقولُ "والمحورُ الّذي تدورُ عليه السورةُ كلُّها هو محورُ التربيةِ الّتي تشتدُّ في وسائلِها إلى درجةِ الحلولِ وترقُّ إلى درجاتِ الّلمساتِ الوجدانيّةِ الرقيقةِ الّتي تصلُ القلبَ بنورِ اللّهِ وبآياتِهِ المبثوثةِ في تضاعيفِ الكونِ وثنايا الحياةِ ". إذاً يرى أنَّ سورةَ النورِ هي سورةُ التربيةِ وأنّها جاءت لتربّيَ المؤمنَ فهو الإنسانُ يعلمُ ذلك بما يكونُ فيه عقوبةٌ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ أو كان ذلك بأشياءَ رقيقةٍ باسطةٍ ماتعةٍ كما يقولُ الّلهُ عزَّ وجلَّ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ إلى أن قال: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ 36 رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ 37 لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إلى آخرِ السورةِ .
                     الكتابُ الثاني مِن الكتبِ المعاصرةِ الّتي عُنيت بمقاصدِ سورِ القرآنِ كتابُ التحريرِ والتنوير الّذي يُعتبرُ لطاهرَ بن عاشورٍ، وهو عالمٌ تونسيٌّ توفيَ في نهايةِ القرنِ الهجريِّ الماضي، وهو مِن ابرزِ مَن عُنِيَ بهذا العلمِ وطبّقَه في تفسيرِهِ الّذي بقيَ في كتابتِهِ قرابةَ أربعين عاماً وهو كتابُ التحريرِ والتنويرِ . وهذا العالمُ ألّفَ كتاباً أيضاً في مقاصدِ الشريعةِ، هاأنتم تلاحظون أنَّ اللي يكتبون في مقاصدِ الشريعةِ تكونُ عندهم نظرةٌ كليّةٌ حتى في تفسيرِ القرآنِ، فيهتمّون في مقاصدِ سورِ القرآنِ، وهو يهتمُّ بمقاصدِ الشريعةِ ويهتمُّ في الوقتِ ذاتِهِ بمقاصدِ سورِ القرآنِ عندما ألّفَ تفسيراً للقرآنِ، لكنَّ منهجَهُ في بيانِ مقاصدِ السورِ ليس على تحديدِ المقصدِ الأساسيُّ في السورةِ وإنّما يعرِضُ في مقدّمةِ كلِّ سورةٍ مجموعةِ أغراضٍ تتضمّنُها السورةُ. وهي في الواقعِ موضوعاتٌ، نحنُ فرّقنا في بدايةِ كلامِنا بينَ الموضوعاتِ وبينَ المقاصدِ فقلنا أنَّ الموضوعاتِ هي القضايا الجزئية الّتي تتطرّقُ لها السورةُ وهي متفرّقةٌ وكثيرةٌ. المقصودُ هو الجامعُ لهذه الموضوعاتِ. فمقصودُ السورةِ هو ما يجمعُ موضوعاتِها
                    نقولُ مثلاً في سورةِ البقرةِ أو في أغراضِ سورةِ البقرةِ: محتوياتُ هذه السورةِ، هذه السورةُ متراميةٌ أطرافُها وأساليبُها ذاتُ أطنانٍ قد جمعت مِن وسائلِ أغراضِ السورِ ما كان مصداقاً لتلقيبِها فسطاطَ القرآنِ " يعني انَّ هذه السورةَ قد جمعت موضوعاتٌ كثيرةٌ جدّاً ممّا يصدقُ عليهِ ما لُقِّبت به عندَ بعض العلماءِ مِن سلفِ هذه الأمّةِ سمّوها أو قالوا عنها بوصفِها فسطاطَ القرآنِ والفسطاطُ هو المكانُ الواسعِ. قالَ " ومعظمُ اغراضِها تنقسمُ إلى قسمين: قسمٌ يُثبتُ سموَّ هذا الدينِ على ما سبقَه وعلوَّ هديِهِ وأصولَ عقيدِهِ, وقسمٌ يُبيِّنُ شرائعَ هذا الدينِ لأتباعِهِ وإصلاحَ مجتمعِهِ " فهو يقولُ سورةُ البقرةِ مقسّمةٌ إلى قسمين, قسمٌ يُبيِّنُ سموَّ هذا الدينِ والفرقَ بينَه وبينَ الأديانِ السابقةِ والقسمُ الثاني يُبيِّنُ شرائعَ الدينِ وكيفَ يصلُحُ النّاسَ لاتّباعِ هذه الشرائع .
                    آخرُ ما نريدُ أن نتحدّثَ عنه في هذه المقدّمات والّتي نسألُ الّلهَ تعالى أن ينفعَ بها هو طرقُ الكشفِ عن مقاصدُ السورِ, ولعلّنا نُجمِلُ ذلك إن شاءَ الّله لندخلَ في المقصودِ الأعظمِ وهو ان نتحدّثَ عن مقصودِ كلِّ سورةٍ على حدة على نحوٍ نرجو الّلهَ أن يوفِّقنا فيه .
                    أمّا طرقُ الكشفِ عن مقاصدِ السورِ:
                    فنقولُ الكشفُ عن مقاصدِ السورةِ والوصولُ إليه مبنيٌّ على الاجتهادِ ودقّةِ الاستنباطِ وإدراكُهُ ممّا تختلفُ فيه العقولُ . وذلك انّهُ مرتبةٌ بعدَ إدراكِ المعنى العامِّ ويتطلّبُ فهمُهُ إشغالاً للذّهنِ وصحّةً للذّوقِ. يعني أنّهُ علمٌ فيه دقّةٌ وفيه نظرٌ ولذلك تلحظونَ في المرّةِ الماضيةِ كيف ذكرنا قصّةَ ابنِ عبّاسٍ مع بقيّةِ الصحابةِ عندما سألَ عمرٌ كبارَ الصحابةِ ما تقولون في قولِ الَّلهِ عزَّ وجلَّ إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ فقالوا: أمرَ الّلهُ نبيَّهُ إذا فتحَ الّلهُ عليه ونصرَهُ ان يُسبِّحَ بحمدِ ربِّهِ ويستغفِره. وهذا الكلامُ مِنه صحيحٌ لكنّهم رضوانَ الّلهِ عنهم ما غاصوا إلى المقصودِ. فقالَ ما تقولُ فيها يا ابنَ عبّاسٍ ؟ قال: هذا أجلُ رسولِ اللّهِ . فابنُ عبّاسٍ غاصَ بفهم دقيقٍ إلى المقصودِ مِن السورةِ وهو أنّها جاءت لتقولَ لرسولِ الّلهِ استعدّ فقد فتح الّلهُ عليك ونصرَك وينبغي لك باستعدادِك للقاءِ الّلهِ أن أن تكثرَ مِن التسبيحَ بحمدِ الّلهِ والاستغفارَ لأنّكَ ينبغي لك أن تلقى الّلهَ طاهراً نظيفاً وعلى أكملِ درجاتِ الاستعدادِ.
                    يقولُ الفراهيُّ مُبيِّناً هذا الامرَ وهو انَّ استنباطَ المقصودِ يحتاجُ إلى دقّةٍ : "اعلم أنَّ تعيينَ عمودِ السورةِ -يقصدُ بعمودِ السورةِ أي مقصودُ السورةِ -هو أسلوب لمعرفةِ نظامِها ولكنّهُ أصعبُ المعارفِ فيحتاجُ إلى شدّةِ التأمُّلِ والتمحيصِ " ما هي الأمورُ الّتي يحتاجُها الإنسانُ ليكشفَ عن المقصودِ ؟
                    الأوّلُ : الفهمُ الصحيحُ للمقصدِ وحدِّهِ وضابطِهِ: عندما تعرفُ ما هو المقصودُ وتعرفُ أنّهُ يختلفُ عن الموضوعِ هذا يُعينُكَ على أن تستنبطَ المقصودَ فإنَّ المقصودَ يختلفُ عن الموضوعِ مِن حيثُ أنَّ الموضوعَ هو حديثٌ عن قضيّةٍ معيّنةٍ وغالباً ما تكونُ ظاهرةً. أمّا المقصودُ فلا، غالباً ما يكونُ يُستنبَطُ مِن الكلامِ استنباطاً ويحتاجُ إلى غوصٍ حتى يصلَ الإنسانُ إليه ويحتاجُ إلى دقّةٍ في النظرِ حتى يربط الإنسانُ بينَ موضوعاتِ السورةِ المتفرّقةِ لينظمَ مِنها مقصوداً.
                    فالغرضُ هو مغزى الكلام وروحُهُ يدني فيه بخفاءٍ فيحتاجُ دقّةِ فهمٍ وإلى نظرٍ ثاقبٍ. امّا الموضوعُ فهو ظاهرٌ في السورةِ الّتي اشتملت عليه وإن كان لا بدَّ من تلازمٍ والاتفاقَ بينَهُما.
                    فمثلاً في سورةِ البقرةِ نجدُ أنَّ موضوعَها أحكامَ الشريعةِ وهذه ظاهرةٌ ذُكِر فيها الصلاةُ، والزكاة، والصّومُ, والحجُّ, والجهادُ, والعِدد, والطلاق, والمعاملات الماليّة, والإنفاق والربا والمداينات ونحوِ ذلك. هذا موضوعُها ويدلُّ عليه كون السورةِ مدنيّةٍ لكنَّ غرضَها ما هو؟ غرضُها في إعدادِ الأمّةِ في حملِ أمانةِ الدينِ والشريعةِ ونشرِها، ولذلك جاءَ قسمُها الأوّلُ في بيانِ العقيدةِ والإيمانِ وتضمّنَ قسمُها الثاني كلّيّاتِ الشريعةِ، وتضمّنت ذكرَ أحوالِ بني إسرائيلَ إشارةً إلى سلبِ الخلافةِ مِنهم ومنحِه لأمّةِ محمّدٍ صلّى الّلهُ عليهِ وسلّمَ، ولذلك برزت فيها قصّةُ تحويلِ القبلةِ وقد جاءَ فيها تربيةُ الامّةِ على تلقّي أوامر الّلهِ تعالى بإبرازِ قصّةِ البقرةِ مِن سورةٍ إلى حالِ بني إسرائيلَ في تعنّتِهِم في تلقّي أوامر الّلهِ جلَّ وعلا . فانظر مِن خلالِ هذا المثالِ إلى الفرقَ بينَ الغرضَ والمقصودَ وبينَ الموضوعِ .
                    الثاني يا إخوان: صفاءُ الذّهنِ, ودقّةِ النظرِ, وإدامةُ التامُّلِ في كتابِ الّلهِ عزَّ وجلَّ, وبعدِ الغوصِ فيه, وتكرارِ البحثِ والتّحرّي فيه لطلبِ الغرضِ وتعيينِهِ بقرائنِهِ المختلفةِ.
                    وهذا يحتاجُ إلى بذلِ مجهودٍ وبه نعلمُ أنَّ المقصودَ لا يبينُ للإنسانِ مِن أوّلِ نظرةٍ، بل يحتاجُ إلى ان تقراَ السورةَ تحاولُ ان تجمعَ موضوعاتِها ثمَّ تفكّرَ في الجامعِ بينَ هذه الموضوعاتِ، وتحاولُ أن تغوصَ إلى الدقائقَ والمقدّماتِ والخوافي والصدورُ حتى تصلَ إلى المقصودِ يقولُ الزركشيُّ " وإنَّ ما يفهمُ بعضَ معانيه ويطّلعُ في أسرارِهِ ومبانيه مَن قويَ نظرُهُ واتسعَ مجالُهُ وتدبُّرُهُ وامتدَّ باعُهُ ورقّت طباعُهُ " ويقولُ الفارابي العلامُ الهنديُّ المعروفُ "لكنّهُ يعني مقصودُ السورةِ أصعبُ المعانيِ فيحتاجُ إلى شدّةِ التأمل والتمحيصِ وتردادِ النظرِ في مسائلِ السورةِ المتماثلةِ والمتجاورةِ حتى يلوحَ كفلقِ الصبحِ فتضيءَ به السورةُ كلُّها ويتبيَّنَ نظامُها وتأخذَ كلَّ آيةٍ محلَّها الخاصّ ويتعيَّنُ مِن التأويلاتِ أرجحَها .
                    الثالثُ ممّا يُعينُ على الكشفِ عن المقصودِ: صدقُ النّيّةِ في طلبِ فهمِ كلامِ الّلهِ تعالى، وإقبالِ القلبِ عليه، والّلجوءِ إلى الّلهِ وطلبِ توفيقِهِ .
                    فإنَّ هذا الأمرَ يحتاجُ مِن الإنسانِ أن يصدُقَ مع الّلهِ سبحانَهُ وتعالى للوصول مِن المقصدِ وفهمِهِ.
                    يقولُ ابنُ القيِّمِ رحمهُ الّلهُ "حقيقٌ بالمفتي أن يكثرَ الدعاءَ بالحديثِ الصحيحِ "الّلهمَّ ربَّ جِبرائيلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ و فاطرَ السّماواتِ والأرضِ و عالمَ الغيبِ والشهادةِ أنت تحكمُ بينَ عبادِكَ فيما كانوا فيه يختلفون اهدِني لِما اختُلِفَ فيه مِن الحقِّ بإذنِكَ إنّكَ تهدي مَن تشاءُ إلى صراطٍ مستقيمٍ " وكان شيخُنا –يعني شيخ الإسلام- كثيرَ الدعاءِ بذلك, وكان إذا أشكلت عليه المسائلَ يقولُ "يا معلِّمَ إبراهيمَ علِّمني" ويُكثرُ الاستعانةَ بذلك اقتداءً بمعاذ بنِ جبلٍ رضيَ الّلهُ عنه . وكانَ بعضُ السّلفِ يقولُ عندَ الإفتاءِ "سُبحانَكَ لا علمَ لنا إلا ما علّمتنا إنّكَ أنت العليمُ الحكيمُ " وكانَ بعضُهُم يقرأُ الفاتحةَ وجرّبنا نحنُ لك فرأيناهُ مِن أقوى أسبابِ الإصابةِ والمعوِّلُ في ذلك كلِّهِ على حسنِ النيّةِ وحصول القصدِ وصدقُ التوجُّهِ" .
                    الرابعُ ممّا يُعينُ على فهمِ المقصودِ: معرفةُ مقدّماتِ السورةِ مِن أحوالِ نزولِها وخصائصِها وفضائلِها كما بيّنت لكم بما يُسمّى بعلومِ السورةِ
                    فإنّكَ عندما تعرفُ أحوالَ نزولِها أينَ نزلت؟ هل هي مكيّةٌ أم مدنيّةٌ وفي أي شيءٍ نزلت؟ في غزوةِ تبوك ولا في غزوةِ بدرٍ ولا في غزوةِ الأحزابِ وإلا في وقتِ شدّةٍ ولا في وقتِ يسرٍ ولا في قضيّةٍ خاصّةٍ أو عامّةٍ اجتماعيّةٍ أو اقتصاديّةٍ أو غيرَ ذلك . كذلك معرفةُ فضائلِ السورِة وخصائصِها لمّا يُعرفُ أنَّ هذه السورةَ أفضلُ سورِ القرآنِ أعظمُ سورِ القرآنِ تعدلُ ثلثَ القرآنِ، هذا يعني شيء، ويعني أنَّ مقصودَها خيرٌ عظيمٌ يُناسبُ فضيلتَه. لا يمكنُ أن يكونَ أن يكونَ فضيلةَ السورةِ العظيمةِ مقصودها ليس بكبيرٍ. فانظر مثالً على سورةِ الإخلاصِ تعدلُ ثلثَ القرآنِ لماذا يا إخوان ؟ لأنّها تتحدّثُ في أمرٍ ماذا يا إخوان هو أمرُ التوحيدِ ما يمكنُ أن تتحدّثَ في أمرِ الوديعةِ ولا الشفعةِ ولا الغدارةِ ولا أمرَ القصاصِ لا تتحدّثُ في أمر الإخلاصِ في أمرِ التوحيدِ في توجّهَ القلبِ إلى الّلهِ وحدَه وألاٌ يكونَ في قلبِ العبدِ أحدٌ سوى الّلهَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ 1 اللَّهُ الصَّمَدُ 2 السيّدُ الّذي بلغَ السؤددَ كمالَ السؤددِ العظيمُ الّذي بلغَ الغايةَ في العِظَمِ سبحانَهُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ 3 وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ 4
                    أيضاً ممّا يُعرفُ به مقصودَ السورةِ وهو الخامسُ: معرفةُ مقاصدِ القرآنِ العامّةِ والانطلاقَ مِنها لتحديدِ مقصدِ كلِّ سورةٍ .
                    القرآنُ لأيً شيءٍ نزل؟ ليس يأتي الإنسان في سورةِ النّور ويقولُ هذه السورةُ جاءت مثلاً لبيانِ أنواعِ الدّوابِّ في الأرضِ فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ ليظنَّ أنَّ القرآنَ جاءَ لتقريرِ آياتِ الّلهِ الكونيّةِ فقط كما يريدُ أن يفعلَهُ بعضُ المعاصرين. بل إنَّ بعضَهم قال القرآنُ جاءَ لتقريرِ الحقائقِ الكونيّةِ؛ لأنّها وجدت في القرآن في أكثرِ مِن ألفين آية، ولمّا جاءت بأكثرِ مِن ألفين آية معنى ذلك أن القرآنَ جاءَ لبيانِ الحقائقِ الكونيّةِ. أنت إن تفتح كتابه تجد صورة سحاب وشمس وقمر وبحر وحوت وسمك وسفينة وإلى آخرِهِ . هذه هي الحقائقُ الكونيّةِ عندهم فالقرآنُ جاءَ لبيانِ هذه الحقائقِ الكونيّةِ، ما جاءَ للهدايةِ، ما جاءَ للتوحيدِ، ما جاءَ لإصلاحِ الأمّةِ، لإصلاحِ القلوبَ، لبيانِ الآخرةِ, الجنّةَ, النّارَ, البعثَ, النّشورَ . أهمّ شيء هو كيفَ خُلِقت السماءُ؟ وكيفَ كونت الأرضُ؟ ومتى كُوِّنت؟ ومِن أيِّ شيءٍ تكوّنت؟ كيفَ أُنزِلَ الحديدُ ؟ ما صلتُهُ؟ ما نسبتُهُ لموادِّ الأرض ؟ وكيفَ أُنزِلت سفينةُ الأنعامِ؟ وكيفَ خُلِقَ الإنسانُ؟ وما مراحلُ تطوُّرِ هذا الإنسانِ في خلقِهِ ؟ وأنَّ هذا هو مقصودُ القرآن, لذلك لا بدَّ لمَن أرادَ أن يتحدّثَ في مقاصدِ السورِ أن يكونَ عالماً بمقاصدِ القرآنِ كلِّهِ. وفي تفسيرِ هذا الأمرِ يقولُ شيخُ الإسلامُ ابنُ تيميةٍ رحمهُ الّلهُ "فمَن تدبّرَ القرآنَ وتدبّرَ ما قبلَ الآيةِ وما بعدَها وعرفَ مقصودَ القرآنِ تبيّنَ له المرادَ وعرفَ الهدى والرسالةَ وعرفَ السدادَ مِن الانحرافِ والاعوجاجِ . وأمّا تفسيرُهُ بمجرّدِ ما يحتملُهُ الّلفظُ المجرّدُ عن سائرِ ما يُبيِّنُ معناه . فهذا منشأُ الغلطِ مِن الغالطِين " جميلة هذه الكلمة جدّاً في تحقيقِ المقصودِ وأن فهمَ المقصودِ يُعينُ على فهمِ الآيةِ، ويُعينُ على اتّقاءِ الفهمِ الخاطئِ للآيةِ، وعدمَ الانحرافَ في تفسيرِ القرآنِ .
                    السادسُ أحبّتي ممّا يُعينُ على فهمِ المقصودِ : النظرُ لاسمِ السورةِ، وما وردَ مِن أسمائها، وإمعانُ النظرُ في الربطِ بينهُما .
                    انظروا مثلاً كما ذكرنا سورةُ الإخلاصِ لم يُذكَرُ اسمُ الإخلاصِ في سورةِ الإخلاصِ لا في سورةِ الكافرون ولا في سورةِ الصّمدِ ما ذُكِر، ماذا يعني هذا يعني هذا أنَّ هذا الاسمُ أريدَ به المقصودُ فهو الآن جاءَ لتعيينِ المقصودِ، ولذلك إذا كان اسمُ السورةِ قد ثبتَ عن النبيِّ صلّى الّلهُ عليهِ وسلّمَ فإنّهُ ينبغي للإنسانِ أن يعتنيَ بمعرفةِ هذا الاسمِ وبمعرفةِ الرّابطِ بينَ هذا الاسمِ وبينَ المقصودِ. أمّا إن كان وردَ عن العلماءِ مِن الصحابةِ والتابعين ومن جاءَ بعدَهم فإنّهم ما أشاروا إليه أو اختاروهُ اسماً للسورةِ إلا لغرضٍ، فليبحثَ عن الصّلةِ بينَ اسمِ السورةِ وبينَ مقصودِها . فينبغي هنا أن ننتبهَ لأمرٍ مهمٍّ جدّاً ما هو ؟ لا تنظر إلى لفظِ الاسمِ، انظر إلى مدلولِ الاسم، مثلاً سورةُ البقرةِ ليس هناك رابطٌ بين اسمِ البقرةِ وبينَ هذه السورةِ، الرابطُ إنّما هو في قصّةِ البقرةِ, القصّةَ الّتي اختيرَ هذا الاسمِ مِن أجلِ أن يُعبِّرَ عنها وبينَ السورةِ وبينّا ذلك في الدرسِ الماضي فقلنا أنَّ هذه القصّةَ جاءت لتبيِّنَ حالَ اليهودِ في تعاملِهِم مع أنبيائهِم وتباطُئهِم في السمعِ والطاعةِ ومحاولتِهِم اللّفَ والدّورانَ قبلَ الاستجابةِ ولأجل ذلك سلبَ اللّهُ عزَّ وجلَّ مِنهم الخلافةَ، ووضعَها في أمّةِ محمّدٍ فإيّاكم يا أمّةَ محمّدٍ أن تفعلوا فعلَهم فيسلبَكم اللّهُ العزَّ والتمكينَ والتقدُّمَ والخلافةَ في الأرضِ، فمتى فعلتم ذلك حصل لكم مثلَ ما حصلَ لهم, قالَ النبيُّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلَّمَ: لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن كانَ قَبلَكم حَذوَ القُذّةِ بالقُذّةِ حتى لو دخلوا جُحرَ ضبٍّ لدخلتُموه انظروا يا إخواني نحنُ اليومَ نعيشُ مصداقَ هذا الحديثِ اتّبعنا سننَ مَن كان قبلنا وسلكنا مسالكَهم مع كلِّ أسفٍ، وأصبحنا نقلّدُهُم في كلِّ شيءٍ، فما هناك حقٌّ في الأرضِ إلا وجاءَ مَن يقلّدُه وما هناك عنايةٌ بشيءٍ إلا إذا اعتنوا به. ماذا حصلَ لنا يا إخوان؟ أصبحنا الآنَ في ظلِّ القائدِ وأصبحنا على هامشِ سكّانِ الكرةِ الأرضيّةِ. يقولُ النكتة اللّهُ أعلمُ مِن صحّتِها إن بوش وقفَ بعدَ ما اجتمعَ مع توني بلير في اجتماعٍ خاصٍّ فجاءَ الصحفيّون يقولون: ما هي أهمُّ النتائجِ الّذي خلصتم إليها؟ قال: خلصنا إلى أن أو قررنا أن نقتلَ عشرين مليونَ مسلماً بطبيب أسنان واحد.فقالوا: لماذا طبيب أسنان واحد؟ فقال: إنّهم لا يعتنون بمليون المسلمِ يعتنون بطبيبِ أسنان وواحد. يعني لهوانِ أمّةِ الإسلامِ سواءً صحّت هذه القصّةَ أم لم تصح معناها صحيحٌ وهو أنَّ أهلَ الإسلامِ لا يُشكّلونَ أيَّ قيمةٍ عند هؤلاءِ .
                    أيضاً ممّا يعينُ على تحقيقِ المقصودِ وفهمِهِ وهو السابعُ, النظرُ في افتتاحيّةِ السورةِ وخاتمتِها والتأمُّلِ في الرابطِ بينهما:
                    وهذا يا إخواني يكادُ يكونُ كثيراً إن لم يكُن مطّرداً, انظر مثلاً في سورةِ آلِ عمران الم 1 اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ 2 إذاً فيها قضيّةُ توحيدٍ, وفي آخرِها يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ 200
                    إذاً التوحيدُ يحتاجُ إلى تضحياتٍ وبذلٍ وصبرٍ حتى لو اضطرَّ ذلك الأمرُ الجهادُ في سبيلِ اللّهِ والصبرُ على مرارةِ الجهادِ والقتلِ والقتالِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ 200
                    في سورةِ النّساءِ الافتتاحيّةُ كانت في أوّلِ السورةِ بذكرِ الضعفاءِ وأحوالِهِم أيضاً في آخرِها يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إلى آخرِهِ . في سورةِ المائدةِ كذلك.
                    في سورةِ مريمَ كهيعص 1 ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا 2 فقد ذُكِرَ فيها الرحمة و تكرّرَ فيها اسمُ الرحمنِ في مواطنَ كثيرةٍ جدّاً في هذه السورةِ مالم يكد يتكرّرُ في أيُّ سورةٍ أخرى في القرآنِ العظيمِ .
                    في سورةِ طه مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى 2 وفي آخرِها وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى 124 قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا 125 إلى آخرِ ما جاءَ في السورةِ .
                    يقولُ السيوطيُّ رحمهُ اللّهُ: "وقد قدّمنا غيرَ مرّةٍ أنَّ سورَ القرآنِ تُستَفتَحُ بِما يُشيرُ إلى المقصودِ ثمَّ يُستطرَدُ مِنه إلى غيرِهِ بأدنى ملائمةٍ ثمَّ يُشارُ في آخرِ السورةِ إلى مثلِ ما افتُتِحَ به." . وذكرنا هذا في الدرسِ الماضي في سورةِ البقرةِ في أوّلِها بدأ بذكرِ الإيمانِ وصفات المتّقين: هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ 2 الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ 3 والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ 4 أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ 5 وفي آخرِها آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ إلى آخرِ السورةِ .
                    ويؤكِّدُ السيوطيُّ ذلك بمثالٍ فيقولُ: "وفي تبصرةِ الشيخِ تاجُ الدّينِ القطبيِّ ومِن خطِّهِ نقلتُ سأل الإمامُ أو سئل الإمامُ: ما الحكمةُ في افتتاحِ سورةِ الإسراءِ بالتسبيحِ والكهفِ بالتحميدِ ؟ أوّلُ الإسراءِ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ وفي أوّلِ الكهفِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وأجاب: لأنَّ التسبيحَ حيثُ جاءَ يُقدَّمُ على التحميدِ نحو: فسبّح بحمدِ ربّكَ, سبحانَ اللّهِ والحمدُ للّهِ". هذا جوابه.
                    وأجاب ... بأنَّ سورة سبحان لمّا اشتملت على الإسراء الّذي كذَّبَ المُشْرِكونَ بِهِ النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم، وتَكْذيبُهُمْ تَكْذيبٌ لِلَّهِ – – أتى بِسبحان لتنزيهِ الله – – عمّا نُسِبَ إلى نَبِيِّهِ مِنَ الكذب، أو لتنزيهِهِ، تنزيهِ الله تعالى عمّا نسب إليه نَبِيُّهُ من الكذب .
                    يعني: لا يمكن أن يكذِبَ النَّبِيُّ صلّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنَّ اللهَ – عزَّ وجلّ – قد صَدَقَ في إخبارِكم عن هذا الأمر .
                    ويتأكَّدُ مع ذلك ربْطُ أوَّلِ السّورةِ.
                    قال : ( وفي قِصّةِ أصْحابِ الكَهْف، وسورةُ الكهف لمّا أُنْزِلَت بعدَ سُؤلِ المُشْرِكين عن قِصَّةِ أصْحابِ الكهف، وتأخُّرِ الوحي، نزلت مُبَيِّنَةً أنَّ اللهَ لم يقطع نعمتَهُ عن نَبِيِّه ولا عن المُؤمنين، بل أتمَّ عليهم النِّعمة بإنزالِ الكتاب؛ فناسَبَ افتِتاحُها بالحَمْدِ على هذه النِّعمة ) ويتأكَّدُ مع ذلك ربْطُ أوَّلِ السّورةِ بِآخِرِها، فإنَّ أوَّلَ الكلام وآخِرَهُ هو المُرْتَكَزِ للغَرَضِ غالِباً، وهذا مُتَقَرِّرٌ في لُغةِ العرب؛ ولذلك ابن حيّان الأندَلُسي يذكُرُ ذلك في [ البحر المحيط ] في قولِه: ( وقد تتَبَّعْتُ أوائِلَ السُّوَر المُطَوَّلَة؛ فَوَجَدْتُها يُناسِبُها آخِرُها بحيث لا يكادُ ينخَرِمُ منها شيء، وذلك من أَبْدَعِ الفَصاحة حيث تلاقى آخِرُ الكلامِ ...... في أوّله وهي عادة العربِ في كثيرٍ من نظمهم، يعني يختمون كلامَهم إذا طال بأوَّلِهِ؛ حتى يعود آخر الكلام على أوَّلِه، ولا يشعر السّامع بأنَّ المتكلِّم قد تشتت في أودِيَةِ المعاني، وترك المعنى الأساس الّذي بدأ به .
                    الثّامن: - يا إخواني – مِمّا يُعين على معرفة المقصود: النَّظرة الكُلِيَّة للسّورة وتجَنُّبِ الجزْئيّة .
                    يعني لا تنطلق في مرادك المقصود واستنباطه إلى قضيَّةٍ ذكَرَتها السّورة .
                    يعني: ممكن أن تقول مثَلاً عن سورة من سورِ القرآن أنَّ المقصود بها هو كذا، لا ، يعني – مثلاُ - : في سورة المائدة يمكن ينطلق الإنسان فيها من قصّةِ ابْنَيْ آدَم، أو ينطلق فيها إلى موضوع الولاء والبراء، أو تحكيم شرعِ الله، أو ينظر فيها إلى قضيّة الوُلي ، أو حكم الصَّيد للمُحْرِم؛ إذا نظرت من خلال هذه الجزئيّة فلن تجدَ المقصود، لكن اجعل نظرتك في السّورة كُلِيّة من أوَّلِها إلى آخِرِها، وفي طَيّاتِ ذلك وظِلِّه موضوعاتُها.
                    التّاسع: إمعان النّظر في دلالات الكلمات والألفاظ وقُوّة اختِيارِها .
                    يعني: أمعِن النَّظَر في دلالات الكلمات والألفاظ، ولماذا اختيرَت هذه دون غيرِها، هذا يُعينُك – بإذنِ اللهِ عزَّ وجلّ – على الوصول إلى المقصود .
                    انظر مثلاً: يقول مصطفى صادق الرّافعي: ( تدَبُّر الألفاظ على حروفِها وحركاتِها وأصالتِها ولحونِها ومناسبة بعِضِها لبعض في ذلك والتّغَلْغُل في وجوه التي من أجلها اختير كلّ لفظ في موضعه، ثمّ انظر في روابطِ الألفاظِ والمعاني والحروف والصِّيَغ الّتي أُقيمَت عليها اللُّغة، ووجه اخِتيار الحرف، أو السّورة، ثمّ طريقة النّسق والتّرك في الجملة، ووجه الحذف أو الإيجاز أو التَّكْرار .. ونحوِها مِمّا هو خاصٌّ بهذه الطَّريقة حسبما ما تُوَجِّهْهُ المعاني؛ فإنَّ كُلَّ ذلك في القرآن على أثَرِه ) .
                    يعني: ما يمكن أن نحتار في القرآن – يا إخواني - لفْظاً في السورة إلاّ وهو مناسِبٌ لمقصودِ تلك السورة يعني: اسم الرَّحمن يُكَرَّر في سورة مَرْيَم عِدَّة مرّات؛ لماذا ما يختار اسم الجبّار ولاّ القَهّار، ولاّ العزيز والحكيم واختار الرَّحمن وحدَه، لماذا ؟ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا 18 يقول إبراهيم عليه الصّلاةُ والسّلام قال: يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ ماذا ؟ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا45 ويقول في آخرِ السّورة: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا 96 فانظر: لماذا اختار هذا الاسم ؟ اختاره؛ لمناسبتِهِ للمقصود من هذه السّورة.
                    يقول: "سورة الضُّحى يفْتَتِحُ اللهُ – عزّ وجلّ – القَسَم بالضُّحى، لماذا يقسِم القسم بالضُّحى؟ لماذا لم يُقسِم بالجبال ؟ لماذا لم يُقْسِم بالصُّخور، أو بالأنهار ؟ للدّلالة على الانفكاكِ وزوالِ الظُّلْمة وانبِعاث السّرور في النّفس، وهو مناسِب لِغَرَضِ السّورة، السّورة جاءت؛ لِتَشْرَح صدر رَسولِ الله ولتطمْئن قلبَه بأنَّ ربَّهُ لم يُبْغِضْه، ولن يهجره ولم يتْرُكَه أبشر يا محمّد! بالوحْي يأتيك بعد انقطاع؛ فإنَّه كالضُّحى يأتي بعد ظُلْمة اللّيل.
                    فهذه هي أهمّ الأسباب والوسائل والأمور الّتي تلتفت لنا بها مقاصد السُّور .
                    طبعاً هذا الّذي ذَكَرْتُهُ لكم، وتحَدَّثْتُ به، واعتمَدْت عليه في هذه المُقَدِّمات، هو بحْث في الحقيقة؛ لأخينا: الشيْخ الدّكتور: الفاضل محمّد بن عبد الله الرّبيعة،ـ الأستاذ المُساعد في جامعة القصيم .
                    قد كتبَهُ الإخوة – جزاهم الله خيراً – وطبعوه طباعة جيِّدة – جزاهم الله خيراً – وهو الآن موجود في نهاية المسجد، لعلّ الله – – ينفعَكم بهذا البحْث، وهذا البحث سيخرُج إن شاء الله في كتاب قريباً، وهو في الحقيقة بحْث واسع في هذا الموضوع، ولم أطَّلِعْ على بحْثٍ مثْلَهُ في هذا الموضوع .
                    أسْألُ الله – – أن يُوَفِّقَنا للخير حيْثُ كُنّا .
                    ولعلَّنا نقرأ هذا السُّؤال؛ يقول: مَن مِن العلماء تكلَّم عن موضوعات سورة البقرة بالتّفصيل الّذي ذكرْتَه .
                    الجواب: العلماء الّذينَ ذَكَرْناهم تكلَّموا عن ذلك يعني مثلاً [ مصاعد النَّظر ] للبقاعي و للرّازي في تفسيرها الكبير، واطّلعْت أيْضاً إلى مقَدِّمة تفسير سيِّد قُطُب [ في ظِلالِ القرآن ] وراجعت المُقَدِّمات منها لمحمَّد الغزالي – – في كتابٍ خاص جعله لموضوعات السّور ومقاصِدِها؛ كلّهم يذكرون مثل هذه الأشياء، والعلم عند الله –
                    سبحانك اللهمّ وبِحَمْدِك أشْهَدُ أن لا إلَهَ إلاّ أنت أسْتَغْفِرُكَ وَأتوبُ إليك ..
                    سمر الأرناؤوط
                    المشرفة على موقع إسلاميات
                    (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

                    تعليق


                    • #11
                      مقاصد السور القرآنية
                      للدكتور: محمد الخضيري حفظه الله
                      اللقاء الرابع

                      إنَّ الحَمْدَ لله نحمدُهُ ونستعينُهُ ونستغفِرُهُ، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفُسِنا، وسيِّئاتِ أعمالِنا، مَن يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ له، ومن يضلِل فلا هادِيَ له، وأشهَدُ أن لا إله إلاّ الله وحدَهُ لا شريكَ له وأشهَدُ أنَّ محمَّداً عبْدُهُ وَرَسولُه صلّى الله عليه وعلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسلَّمَ تسليماً كثيراً.
                      أمّا بعد:
                      فهذا هو المجلس الرّابع من دروسِ مقاصدِ السُّوَر، وقد تقدَّمَ في المجالِسِ الثّلاثة الماضية: أن تحدَّثْنا عن مقدِّمات مهمّة حولَ علمِ مقاصِد السُّور .
                      واليوم نشرَعُ ببيانِ مقصودِ السّورةِ الأولى – ونكتفي بذلك إن شاء الله - ؛ لأنّ هذه السّورة تستحقُّ منّا أن نتحدَّثَ عنها في درسٍ كامل.
                      السّورةُ الأولى هي: سورةُ الفاتحة، وهي أعظَمُ سُوَرِ القرآن؛ بنصِّ الحديث الثّابِتِ عن النّبيِّ صلّى اللهُ عليه وسلّم.
                      · وهذه السّورة تُسمّى: ( سورة الفاتحة ).
                      · وتسمّى: ( سورة الصّلاة )؛ لقولِ النَّبيِّ صلّى اللهُ عليه وسلّمَ في الحديثِ الّذي يَرْويهِ عن ربِّه: " قَسَمْتُ الصّلاةَ بيني وبينَ عَبْدي نِصْفَيْن وَلِعَبْدي ما سأل، فإذا قال العبد: الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ قال الله: حَمِدَني عبدي. وإذا قال: الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ قال الله: أثْنى عليَّ عبدي. وإذا قال: مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قال الله: مجَّدَني عبدي. وإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ قال الله: هذه بيني وبين عبدي وَلِعَبْدي ما سأل. وإذا قال: اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ قال الله: هذه لعبدي ولعبدي ما سأل. "
                      · وتسمّى هذه السّورة: (سورة الشّفاء)
                      · وتسمّى: (الرُّقية).
                      · وتسمّى: ( أمَّ القرآن )؛ لقول النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: ((لا صلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ القرآن))، وفي رواية: (( كُلُّ صلاةٍ لا يُقْرَأُ فيها بِأُمِّ القرآن فهي خِداج)) – يعني ناقصة – "
                      · وتسمّى أيْضاً: ( أمُّ الكتاب )
                      ولها أسماء عندَ العلماء كثيرة، ونحن اليوم بصَدَدِ معرِفةِ مقصود هذه السّورة، على أيِّ شيْءٍ تدور هذه السّورة.
                      والمقصود – كما بيَّنّا – يُستخرَج من عددٍ من الأشياء، فمِّمّا يُستَخْرَجُ منه مقصودُ السّورة: ( اسم السّورة )، وممّا يُستَخْرَجُ منه مقصودُ السّورة: ( موضوعات السّورة وقضاياها الّتي تتحدّثُ عنها )، وممّا يُستخرَجُ منه مقصودُ السّورة: ( فضْل السّورة ) ما ورد في فضلِ هذه السّورة من آياتٍ وأحاديث.
                      ودعونا الآن نحاول استخراج واستنباط مقصود هذه السّورة من عددٍ من هذه الأشياء:
                      فأوَّل ما نبدأ به، هو: موضوعات هذه السّورة:
                      هذه السّورة مَن يتأمّلها يجد أنّها قد شملَت الدّينَ كُلَّه فلم تدَعْ منه شيْءً من أوَّلِها إلى آخِرِها، شمِلَت الدينَ كُلَّه مِن أوَّلِه إلى آخِرِه، شَمِلَت الدّين في عقائدِه، وَشَمِلَت الدّين في عباداته، وَشَمِلَت الدّين في معاملاتِه، وشَمِلَت الدّين في منهجِ تلقّيه والعملِ به، وشمِلَت الدّين في طريقَتِهِ وما يوصِلُ إليه، وشَمِلَت الدُّنيا والآخرة، فهي بذلك قد جمعت كلَّ الدّين؛ اعتقاداً وعملاً.
                      ودَعونا نتأمَّل ذلك آيةً آية:
                      فافتُتِحَت هذه السّورة بقولِ اللهِ – عزّ وجلّ -: الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ هذه إذا قالَها العبد قال الله: " حَمِدَني عَبْدي " ففيها إثباتُ اسم الله، وبه افتُتِحَت هذه السّورة.
                      يعني: افتُتِحَت أسماءُ اللهِ في القرآن بهذا الاسم الكريم الّذي هو أعظَمُ أسماءِ الله، وهو أعْرَفُ المعارف، وهو الاسم الّذي يُوصَفُ ببقيّةِ أسماءِ الله ولا يصِفُ هو شيْءً من أسماءِ الله، فتقول: الله: الرّحمن، الرّحيم. ولا تقول: الرّحمن، الله.
                      ولذلك ورد في سورةِ الحشر: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ 22 هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ 23 هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ 24.
                      لاحظ: أنّ كلّ ما أراد أن يصف الرّبّ – – يُقَدِّم بهذا العَلَم، بهذا اللّفظ، بهذا الاسم الجليل الكامل: اسم ( الله )، واسم ( الله ) هو: أجمع أسماء الله للمعاني؛ لأنّه يتضمّن جميع صفات الجمال والجلال والكمال والعزّ والكبرياء، وجميع ما يستحقُّهُ الله من أسماء هو داخِلٌ ضمن هذا الاسم؛ ولذلك افتتح اللهُ به، فكلّ ما يأتي من الأسماء في هذه السّورة لله، وعددُها خمسة، هو في ضمنِ هذا الاسم:
                      الْحَمْدُ للّهِ هذا واحد، ورَبِّ هذا اثنين، والرَّحْمـنِ ثلاثة، والرَّحِيمِ أربعة، ومَـالِكِ خمسة، هذه خمسةُ أسماء لله – عزّ وجلّ – جاءت كأنّها وصفٌ لهذا الاسم العظيم وهو: (الله) .
                      و( الله ) أصله الإله، قال العلماء: ( الإله فِعال بمعنى مفعول؛ مثل فِراش بمعنى مفروش، وغِراس بمعنى مغروس ).
                      فالمقصود: أنّ معنى إله مألوه، أي: تألهُهُ القلوب، وتخضَعُ له ذُلاًّ وحُبّاً وتعظيماً.
                      فالإله هو الّذي تألهه القلوب، وتميلُ إليه، وتقصِدُ له، وتذِلُّ بين يديه، وتُحِبُّه، وتُعَظِّمه؛ لِما له من الأسماء الحُسْنى والصّفات العُلا .
                      هذا هو الله، فهذا الاسم يجمع جميع أسماء الله؛ لأنّ القلوب لا تأله، ولا تتألّه إلاّ لِمَن كان رحيماً، رحمن، مالِكاً، خالِقاً، عليماً، قديراً، سميعاً، بصيراً، قدّوساً ... إلى آخر ما هنالك من الأسماء الحسنى، فهذا الاسم هو أجلُّ أسماءِ الله، وكأنّنا بهذا الاسم نُثبِت توحيد الأُلوهيّة لله – عزّ وجلّ -.
                      يعني: الحمدُ للهِ الّذي يُؤلَه، ويُعْبَد، ويستحِقُّ العبادةُ دونَ أحَدٍ سِواه، فكلّ مَنِ ادُّعِيَت له العبادة دونَ الله فهو لا يستحقها، وهو ليس أهلاً لها، و لا يمكن أن تستحقّ العبادة إلاّ الله الّذي له الحمد كلّه، ولهُ المُلْك كلُّه، وهو ربُّ كلِّ شيْء، ولهُ يخضَعُ كُلُّ شيْء، هذا إثبات للتوحيد ونوعٍ عظيم من أنواع التّوحيد وهو توحيد الألوهية.
                      ثمّ قال: رَبِّ الْعَالَمِينَ كأنَّهُ تعليل لقوله: الْحَمْدُ للّهِ وكأنّهُ قيل: لِما كان الحمْدُ لله ؟ قيل: لأنّهُ ربُّ العالمين، والرّبّ – كما يقولُ العلماء -: ( هو السّيِّد المالك المتصَرِّف الّذي جمع هذه الأشياء الثلاثة يُقال له ربّ ( اللهُ ربُّ العالمين ) .
                      والْعَالَمِينَ أو ( العالَمون ) كلّ مَن سِوى الله فهم عالم فَاللهُ رَبُّ كُلِّ شَيْء، الملائكة، والإنس، والجنّ، والسّماوات، والأرَضين، والبحار، والجبال، والأنهار، والأفلاك، والمجرّات، والجنّة، والنّار، ومن وراء ذلك، ومن دونَ ذلك وكلُّ شيْء ( اللهُ ربُّه )، ومالكه، والمتصرِّفُ فيه، واسم ( الرّبّ ) فيه إثبات الرّبوبيّة، وهي: أنّ الله – – بيده مُلْكُ كُلِّ شيْء، وبيده التّصرُّف في كلِّ شيْء، وهو المربّي لكلِّ شيْء، والّذي يُديرُ الأمور، ويتصرَّفُ فيها – – كما يشاء فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ .
                      وفي قوله: الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ إثبات اسمين لله – عزّ وجلّ – دالاّن على صفة، صفة الرّحمة، لكن أحدُهما أوْسَعُ من الآخر، فالرّحمن أوسع من الرّحيم.
                      والرّحمن يدلّ على الصّفة اتِّصاف الله – عزّ وجلّ – بصفة الرّحمة، وفُعلان، أو فَعلان؛ كما يقول العلماء: ( صيغة تدلُّ على الامتلاء )؛ مثل ما يُقال: ( عطشان )، و ( جوْعان )، و ( غضبان ) من امتلأ غضباً، أو جوعاً، أو عطشاً ... ونحو ذلك .
                      فالرّحمن: الّذي رحمته وَسِعَت كُلَّ شيْء، فهو رحمنُ الدُّنيا، ورحمنُ الآخرة الّذي يرحَمُ كُلَّ أحد مؤمناً كان أو كافِراً، بَرّاً كان أو فاجِراً، ورحمتُهُ شاملة واسعة تشملُ كلَّ شيء.
                      أمّا الرّحيم: فهي رحمةٌ خاصّة؛ ولذلك جاءت للدّلالة على أنَّ اللهَ يَرْحَمُ عِبادَه، وأنّها الرّحمةُ الخاصّة بالمؤمنين وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا[الأحزاب:43].
                      واسم الرّحمن والرحيم يدُلاّن على: أسماء كثيرة جداً لله – عزّ وجلّ -، فهما عنوان لأسماء كثيرة لله – عزّ وجلّ – لاحظوا كيف أنّ الله – – لمّا ذكر صفةَ الرَّحمةِ له جعلها عبر اثنين؛ للتأكيد على مضمون الرّحمة، وأنّ الله ما خلق الخلق إلاّ رحمة، ولا أرسل الرُّسُل إلاّ رحمة، ولا خلق الجنّة إلاّ رحمة، ولا خلق إبليس إلاّ رحمة، ولا خلق الدُّنيا إلاّ رحمة، ولا خلق السّماوات والأرَضين، ولا خلق آدم، ولا أيَّ شيْء في هذا الكوْن إلاّ رحمة ولحكمة ( فاللهُ ذو الرّحمة الواسعة والحكمة الّتي شمِلَت كلَّ شيْء ) كون هذا الاسم يأتي مُكَرَّراً بصيغتين يدلّ على قيمة الرّحمة في الدّين، وأنّها قيمة عظيمة جدّاً، قال العلماء: ( تكرَّرت الرّحمة في سورة الفاتحة أربع مرّات)، في قوله: بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ فذكر الرّحمن وذكر الرّحيم، وفي وقوله: الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ .
                      فأربع مرات تُتْلى في سورة الفاتحة الرّحمة !؛ للدّلالة على عِظَمِ هذه القيمة، وهذا الخُلُق الّذي ينبغي أن ينتبه له كلُّ أحد، ثمّ لمّا ذكر صفة الرّحمة ذكر ما يُقابِلُها فقال: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ فالمُلْك يَدُلّ على القهر، وعلى الجَبَروت، وعلى الكبرياء؛ ولذلك إذا قال العبد: مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قال الله: " مَجَّدَني عَبْدي " قال العلماء: ( إنّ التّمْجيد يكون بصفات الكبرياء والعظمة، والجبروت، والمَلَكوت، هذا معنى التّمجيد، ويُقال: ( مَجْدُ آلِ فلان ) يعني : فخرهم وعزُّهم الّذي حقَّقوا به السِّيادةَ على مَن سِواهم، فهو مصدر للعلوّ؛ ولذلك: الرّحمة تختلف عن المجد.
                      في الرّحمة قال: " أثنى عليَّ عبدي " يعني: كرَّرَ المحامِدَ عليه مرَّةً بعدَ أُخْرى، فقال: الْحَمْدُ للّهِ وقال: الرَّحْمـنِ ، وقال: الرَّحِيمِ فالله – عزّ وجلّ – يقول: " أثنى عليَّ عبدي " أي: كرَّرَ المحامِدَ عليه مرَّةً بعد أُخرى، وإذا قال: مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قال الله: " مَجَّدَني عبدي " يعني: أنّه ذكرني بصفة العظمةِ والجبروت والملكوت والكبرياء. هذا هو الفرق بين: " أثنى عليَّ عبدي " و " مجَّدَني عبدي " .
                      نلاحظ في هذه الآيات – يا إخواني -: إثباتُ التّوحيد بأنواعِهِ الثّلاثة: توحيد الأُلوهيّة، وتوحيد الرُّبوبيّة، وتوحيد الأسماء والصّفات.
                      وهذه هي الأنواع الثّلاثة الّتي يدور عليها التّوحيد مَن أثبتها فقد وحَّد الله – عزّ وجلّ -، ومَن أنكر شيْءً منها أو قصّر فيه فقد اختلّ توحيدُهُ، وهما يَعودان إلى قسمين: توحيد عملي، وتوحيد علمي معرفي .
                      التّوحيد العملي في قوله: الْحَمْدُ للّهِ، والتوحيد المعرفي في قوله: رَبِّ الْعَالَمِينَ* الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ * مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ.
                      ونلاحظ أيْضاً: أنّ هذه الآيات أثبتت اليوم الآخر؛ في قولِهِ: مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ .
                      إذاً الجنة، والنّار، والموت، والقبر، والحساب، والجزاء، وتطاير الصُّحُف، والصِّراط، والسُّؤال، والبعث، وطول يوم النّشور، كُلُّ ذلك مُضَمَنٌ في قولِ الله – عزّ وجلّ -: مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، ولكوْن الإيمان بيوم الدين قرين الإيمان بالله – عزّ وجلّ – في مواطن كثيرة جدّاً في كتابِ الله – عزّ وجلّ – جاء في هذه السّورة العظيمة سورة ( الفاتحة )، والإيمان بيوم الدّين – كما ذكرنا – يتضمّن كلّ التّفاصيل الّتي تكونُ في ذلك اليوم العظيم ممّا ورد في الكتاب، أو ورد في السُّنّة النبويّة الصّحيحة.
                      ثمّ لمّا ذكر التّوحيد بأنواعه ذكر الإيمان بالله، والإيمان باليوم الآخر، قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ هذه فيها: إثبات الإيمان بالرُّسل، والإيمان بالكتب؛ لأنّه لا يمكن للإنسان أن يعبُدَ اللهَ – عزّ وجلّ – إلاّ عن طريق كتاب ورسول، ودلّت هذه الآية على الإيمان بالله، وعلى الإيمان بالرّسول صلّى الله عليه وسلّم، والإيمان بالقرآن، كيف تعبد الله وليس عندك بيِّنة منه؟ البيِّنة ما هي؟ رسولٌ ورسالة. الرّسول هو: ( محمّد صلّى الله عليه وسلّم )، والرّسالة هي: ( القرآن ).
                      وأيْضاً دلّت على: العبادات كُلِّها: الصّلاة عبادة، والزّكاة عبادة، والصَّوْم عبادة، والحجّ عبادة، وبِرِّ الوالِدَيْن عبادة، والزّواج عبادة، والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر عبادة، فهو كلُّه مُضَمَّن بقوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ.
                      وفي قوله: وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُيتضمن كلّ ما هدانا الله – عزّ وجلّ – إليه ممّا يُنَظِّم حياتَنا وشؤونَنا وأمورَنا في الدُّنيا، وأيْضاً ما يُعينُنا على دينِنا، وما يُعينُنا على الوصول للآخرة، فما بقي في الدّين شيْء إلاّ وقد دخل في هذه الآية المكوَّنة من أربعة أحرف: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ .
                      تأمَّلوا – يا إخواني – كيف أنّ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ دلّت أيضاً على التّوحيد، وكذلك وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وهذا تأكيد للتوحيد بعد تأكيد؛ اهتماماً بأمر التوحيد على شاكلة ذكر التّوحيد في الشريعة كلّها، إذا ذُكِر يُؤتى به على وجه التأكيد.
                      وانظر إلى المؤذّن يقول ( الله أكبر ) هذا توحيد، ويقول: ( أشهَدُ أن لا إله إلاّ الله ) هذا توحيد، ثمّ يقول: ( حيَّ على الصّلاة حيَّ على الفلاح ) ، ثم يقول: ( الله أكبر ) يعود إلى التّوحيد، ثمّ يُؤكِّدُه يقول: ( لا إله إلاّ الله ) هذا توحيد، كذلك إذا قرأنا أذكار الصّباح والمساء نذكر التّوحيدَ على وجهِ التأكيد.
                      وإذا قرأنا سورة الإخلاص، وسورة الكافِرون، نذكُرُها أيْضاً على وجه التأكيد، وسورة الإخلاص نقرأها ثلاث مرّات، وسورة الكافِرون نقرأها عندما نوتر، أو قبل الوتر، ونقرأُها عند النوم، وسورة الإخلاص نقرأها في الصّباح، وفي المساء، وأدبار الصّلوات مِرارًا وتَكْراراً .
                      إذًا هذا تأكيد بأمرِ التوحيد؛ اعتناءً به تعظيماً لقدره.
                      وهنا في هذه السّورة يأتي هذا المعنى: في أوّل السّورة: الْحَمْدُ للّهِ، وهنا إِيَّاكَ نَعْبُدُ؛ اعتناءً بالتوحيد.
                      ومعنى إِيَّاكَ نَعْبُدُ لو أردْتَ أن تُفَسِّرَها، معناها: لا إلهَ إلاّ الله؛ لأنَّ إِيَّاكَ نَعْبُدُ أصلُها نعبُدُك، لكن قُدِّمَت الكاف وَجُعِلَت معها إيّا؛ لكي تدلَّ على الحصر، فلو قلت: ( نعبُدُكَ ) لكان المفهوم منها أنّهُ نعبُدُك ويمكن نعبُدَ غيرك، لكن إذا قدّمْت الكاف وقلت: ( إيّاكَ نعبد ) لا يمكن أن يراد إلا اللهِ وحده؛ لأن هذا الأسلوب أسلوب حصر عندَ العلماء.
                      والعلماء يقولون قاعدة عظيمة جدّاً وهي: ( تقديم ما حقُّهُ التأخير يدُلُّ على الحصر ) فمعنى: ( إيّاك نعبُد ) أي: لا نعبُدُ إلاّ أنت.
                      قال بعضُ السّلف: إِيَّاكَ نَعْبُدُ: لا إلهَ إلاّ الله.
                      إذن: أنت بعدما وحَّدْتَ الله توحيدَ الأُلوهيّة والرُّبوبيّة، والأسماء والصِّفات، وأثبَتّ أنّك مؤمن باليوم الآخر عدت مرّة ثانية إلى التوحيد وتقول:إِيَّاكَ نَعْبُدُ لا إله إلاّ الله وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ أيْضاً لا ربَّ للعالَمين سواه ) .
                      فأنت توحِّد في الأُلوهيّة، وتوحّد في الربوبية، ولاحظوا لمّا كان مقام توحيد الأُلوهيّة هو المقام الأسمى والأعلى، وهو المقصود وعليه تدور دعوة الرُّسُل، جعلَهُ اللهُ مقَدَّماً فقال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ.
                      ولمّا ذُكِرَت هذه الأشياء قد يسأل سائل فيقول: أنت ذكَرْت الإيمان بالله، وذكرت الإيمان باليوم الآخر، وذكرت الإيمان بالرُّسُل، والإيمان بالكتب، فأين الإيمان بالملائكة؟ وأين الإيمان بالقضاء والقدَر ؟
                      أمّا الإيمان بالملائكة فهو في ضمن الإيمان بالرسل والرسالات؛ لأنّه لا يمكن أن يُرسِلَ اللهُ – عزّ وجلّ – إلى أحدٍ إلاّ عبرَ الملائكة فقد تضمَّنَ الإيمان بالملائكة.
                      وأمّا الإيمان بالقَدَر: فالقَدَر هو فعلُ الله، ولذلك لمّا ذُكِرَت أركان الإيمان في القرآن، ذُكِرَت في موطِنين مجتمعة، وَذُكِرَت خمسة ولم يُذْكَر السّادس وهو: ( الإيمان بالقَدَر )؛ لأنّ الإيمان بالقَدَر هو الإيمان بفعلِ الله، وهو في ضمن الإيمان بالله، قال الله – عزّ وجلّ -: لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِوَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ لاحظوا وَلَـكِنَّالْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ فذكر خمْسةً من أركانِ الإيمان ولم يذكُر السّادس.
                      وكذلك في سورة النِّساء لم يُذْكَر الإيمان بالقَدَر، لماذا ؟ لأنَّ الإيمان بالقَدَر هو جزْءٌ من الإيمان بالله هو إيمانٌ بفعلِ الله. القَدَر هو: فعلُ الله، ما قَدَّرَهُ وكتبَهُ على عِبادِه، وما خَلَقَهُ – – و شاءه، وهذا كُلُّهُ فعلُ الله، فهو في ضمنِ الإيمانِ بالله، لكنَّهُ أُفْرِد؛ لأنَّهُ يحتاجُ إلى اعتناء، فهو إذن داخلٌ في قولك: الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وهو أيْضاً داخِلٌ في قولك: وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ نطلُبُ عَوْنَ الله .
                      لمّا فرغت الآيات من ذكر هذه الأركان العظيمة، ودخل فيها أركان الإيمان، ودخل فيها جميع العبادات، ودخل فيها جميع ما يُنَظِّم أمور الحياة في قوله: وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ذكر بعد ذلك مواقِفَ النّاس ومناهِجَهُم في تلقّي الدّين في قوله: اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ هذا الدُّعاء المتفرِّع عن قوْلِك: وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ؛ كأنَّ العبد لمّا قال: وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ قال الله: " يا عبدي بما تستعينُ منّي بي؟ ماذا تريد أن أُعينك عليه؟ فيقول العبد واللهُ يُعَلِّمُه: " يا ربّ أعظَمُ شيء تُعينُني عليه هو أن تهدِيَني صِراطَكَ المستقيم، وتدُلَّني على الطّريقِ الموصِلِ إليك، الّذي لا عِوَجَ فيهِ ولا انحِراف ولا زَيْغ " فيقولُ الله مُعَلِّماً عبدَه: اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ دُلَّنا وأرْشِدْنا وثَبِّتْنا على هذا الصِّراط المستقيم الموصِل إلى الله، ثمّ ذكر الله طرائقَ النّاس في التّعامل مع الله صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ هذا فيه ذكر لطُرُق الأنبياء عليهم الصّلاةُ والسّلام ومَن سار على منهاجهم، وكيف تلقَّواْ الدّين من الرُّسُل – عليهم الصّلاةُ والسّلام – وأنّهم كانوا على المنهج، يعبدون الله، ويستعينون بالله ولا يبتدعون شيْءً من عندِ أنفسهم، ويصبرون على هذا الطّريق حتى يلْقَوْ الله – – هذه طريقة الرُّسُل وأتباعهم صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ ولصراطهم، أو عن صِراطهم انحرفت طائفتان:
                      § طائفة المغضوب عليهم.
                      § وطائفة : الضّالّين .
                      أمّا المغضوب عليهم: فهم الّذين عَلِموا الحقّ ولم يعْمَلوا به.
                      وأمّا الضّالّون: فهم الّذين عَمِلوا وجَدّوا واجتَهَدوا، لكن على غيرِ هُدى، ما نظروا إلى ما جاء به الأنبياء من العلم والنُّبُوّة والوحي والهُدى، بل اختَرَعوا لأنفُسِهم أشياء؛ كما قال الله في حقّ النّصارى: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا هذان الصِّراطان العلماء أجمعوا على أنّ المغضوب عليهم هم: ( اليهود )، وعلى أنّ الضّالّين هم: ( النّصارى ) وفُسِّرَت بهذا إلى حديثٍ مرفوعٍ إلى النّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وإن كان في رفعِهِ مقال، لكنَّ الصّحابة والتّابعين مجمعون على أنّ المغضوب عليهم المراد بهم: ( اليهود )، وعلى أنّ الضّالّين المراد بهم: ( النّصارى )، وهل يُقصَد بهم خصوص هؤلاء القوم ؟ أو يُقصَد به منهجهم ؟ الصّحيح انه يقصد به منهجهم وطريقتهم.
                      فالمغضوب عليهم: هم اليهود ومَن سار على طريقتهم وسلك منهجهم، فكلّ مَن عَلِمَ الحقّ ولم يعمَل به فهو مثلُهم، وكلّ مَن عمل على غيرِ هُدى، فهو مثلُ النّصارى.
                      وبهذا عرفنا: أنّ هناك منهج لإتباع الله – عزّ وجلّ – وهو: أن تسير على المنهج الّذي جاء به رسولُ الله، وسار عليه سلفُ هذه الأُمّة من الصِّدّيقين والشُّهداء والصّالحين وَحَسُنَ أُلائكَ رَفيقاً، هذا المنهج هو منهج الطّاعة والإتباع ، والتّسليم التّامّ لله ولرسولِهِ صلّى الله عليه وسلّم، قال الله – عزّ وجلّ في وصفِ هذا المنهج: وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا[النساء:69]
                      يأتي سؤال يقول بعضكم: هذه السّورة أين الوعْد والوعيد فيها؟ أين الثّواب والجزاء فيها ؟ أين قَصَصُ الأمم الماضية فيها ؟
                      فنقول: سبحان الله ! هذه سورة جامعة مانعة ما تركت شيْءً من الخير إلاّ دلَّت عليه، ولا تركت شيْءً من الشَّرّ إلاّ حذَّرَت منه.
                      فإن قيل: كيف ؟
                      قلنا: أمّا ذكرُ الوعْد والوعيد في قولِ الله – عزّ وجلّ -: مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، فقوْلُهُ: مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ أي: يوم الجزاء والحساب. الجزاء والحساب ماذا ينتج عنهما ؟ ينتج عنهما جنّةٍ ونار: الجنّة للمُحْسِن، والنّار للمُسيء.
                      وأيْضا قال الله – عزّ وجلّ – صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ أكرمتهم بأعظمِ نعمة، وهي: نعمة الطّاعة، وهذه الكرامة يستفزِعُها جزاء حسن، وأيْضاً يُخالفهم أُلائك الّذين انحرفوا عن صراطهم وهم المغضوب عليهم، والضّالّون، فهؤلاء انحرفوا عن الصِّراط فلهم النّار، سواء كانوا على صراط اليهود، أو كانوا على صراط النّصارى، وبهذا عرفنا: الوعد والوعيد، والتّرغيب والترهيب الّذي امتلأ به الكتابُ العزيز جاء في هذه السّورة.
                      فإن قُلت: أين القَصص ؟
                      قلنا: ألم يَذكُرِ الله صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ ؟ مَن هم الّذين أنعم اللهُ عليهم ؟ هم آدم،ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ويونس، ولوط... وغيرهم من أنبياء الله، ومؤمن آل فرعَوْن، وحدِّث بالكثيرين ممّن ذكر الله – عزّ وجلّ – أخبارَهم في القرآن، هذه أخبارُ المتقدِّمين من الصّالحين أجمَلَها الله في قوله: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ فكلّ مَن ذُكِرَت سيرته الحسنة في القرآن، فهو ممَّن أنعَمَ اللهُ عليه: مَلِكَةُ سبأ، ومؤمن آل فرعون، وذو القرنين والخَضِر، كُلُّ هؤلاء ممَّن أنعم اللهُ عليهم، وكلّ مَن ذُكِرَت صفاته القبيحة والسَّيِّئة، هو: إمّا من المغضوبِ عليهم، أو من الضّالّين، وهو تفسيرٌ لهذه الآية.
                      ففرعون، والنّمرود، والّذين كذّبوا أنبياء الله – عزّ وجلّ – على طول التّاريخ وعرضه كلُّهم: إمّا أن يكونوا من المغضوبِ عليهم، أو يكونوا من الضّالّين.
                      وبهذا صارت هذه السّورة شاملة وجامعة.
                      فإن قلت: ماذا نستخلص بعدَ هذا العرض لموضوعات هذه السّورة ؟
                      قلنا: هذه السّورة مقصودُها: أن تجمَعَ مضمونَ الكتابِ كُلِّه، هي السّورة الجامعة لعلومِ الكتابِ العزيز، فما من شيْءٍ ورد في القرآن مُفَصَّلاً إلاّ وقد أُجْمِلَ في هذه السّورة؛ ولذلك سُمِّيَت هذه السّورة: ( أُمَّ القرآن )، و ( أُمَّ الكتاب ) وأمُّ الشَّيْء أصلُه الجامع لمعانيه الّذي تعود جميع معانيه إليه، فهي المرتكز، وهي: الأساس، ولذلك نقول: هذه السّورة مقصودُها: جَمْعُ علومِ الكتاب، أن تكونَ أُمّاً للكتاب في كُلِّ شيْء، فالقرآن كلُّه تفسيرٌ لسورةِ الفاتحة.
                      سورة الإخلاص، والزّلزلة، واللّيل، وعمّ، والمعارج، ويونس، ويوسف، وهود، والكهف، وطه، ومريم ، والأنبياء كلّ هذه سور إيضاحٌ لحقيقةِ الفاتحة.
                      رُوِيَ عن الحسن أنّه قال: ( أنزل الله مائتا كتابٍ وأربعةِ كُتُب، ثمَّ ضمّنها أربعةَ كُتُب: التّوْراة، والإنجيل، والزَّبور، والقرآن، وجعل خلاصةَ هذه الكتب في القرآن، وجعل خلاصة القرآن في المفصَّل، وجعل خلاصة المُفَصَّلِ في الفاتحة، وجعل خلاصة الفاتحة في إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فعليها مدارُ الخَلْق والأمر، والدُّنيا والآخرة.
                      إذاً: مقصود هذه السّورة هو: أن تكون سورة جامعة شاملة عامّة، لو قرأَها إنسان وعمل بما فيها نجا، لو فَهِمَها إنسانٌ حقَّ الفهم ما احتاجَ إلى أن يفهَمَ معها شيْءً آخر، فهذه السورة هي الجامعة لعلومِ الكتابِ كُلِّه من أوَّلِه إلى آخره.
                      هذا بالنّسبة لِلنظر إلى موضوعات هذه السّورة .
                      بالنّسبة إلى أسماء السّورة الّتي يُستقى منها المقصود، فنلاحظ أنّ من أسمائها:
                      · ( الفاتحة ) وفاتحة أي كتاب في العادة تكون قد ضُمِّنَت مقصود الكتاب، فأنت إذا أردت أن تعرف أي كتاب يُؤلِّفُهُ إنسان تذهب إلى فاتحة الكتاب لتقرأ لماذا ألّف المؤلّف هذا الكتاب ؟ وماذا يُريد ويهدِف من وراءِ ذلك الكتاب ؟ فتجدهُ يُجمِل في هذا الكتاب ما يُفَصِّلُهُ في سائر الكتاب.
                      إذاً: تسميتُها بالفاتحة، وكوْنُها في أوّل القرآن يدُلُّ على ذلك.
                      · وتسميتُها أيْضاً: بـ( أُمِّ الكتاب، وأمّ القرآن ) يدُلُّ على ذلك.
                      فهي: ( أمُّ الكتاب ) من حيث أنّ معاني الكتاب كلَّها تعودُ إليها، فجميع العلوم الّتي في القرآن تعود إلى الفاتحة، وجميع العقائد والأحكام والأعمال تعود إلى الفاتحة.
                      وإذا جئنا إلى فضائلِ هذه السّورة وجدنا: أنّه ثبت في الحديث الصّحيح: ( أنّها أعظَمُ سورةٍ في القرآن )، وأنّها هي: ( السَّبْعُ المثاني والقُرآن العظيم الّذي أُوتيتُه )؛ كما قال النّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم لأبي سعيد ابن المعلى "
                      وهذا يَدُلُّنا على أنّها هي الجامعة للكتاب كُلِّه، فكيف تكون القرآن العظيم الّذي أوتِيَهُ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ؟ وتكون أعظَمَ سورةٍ في القرآن إلاّ وهي دالة على جميع علوم القرآن، فجميع علوم القرآن موجودة في الفاتحة.
                      وبهذا نعرف: أنّ مَن قال من العلماء، المقصود من هذه السّورة هو: ( التّوحيد ) أنّه أشار إلى شيء من مقصودِها، أو أعظم مقاصد هذا المقصود، فإنّ التّوحيد هو: أعظمُ المقاصد ولا شكّ.
                      ومَن قال: إنّ مقصود هذه السّورة هو تحقيق العبوديّة، فهو أيْضاً أشار إلى شيء من مقصودِها.
                      ومَن قال من أهلِ العلم إنّ هذه السّورة مقصودُها: ( الهداية إلى الصّراط المستقيم وبيان حقيقة الصّراط ) أنّه أشار إلى شيْءٍ من مقصودِها.
                      فهؤلاء الّذين قالوا: تحقيق العبوديّة، تحقيق التّوحيد، الهداية إلى الصِّراط هذه مقاصد لا تُعارض ما ذكرناه، وإن كان ما ذكرناه يُعتبر أجمع وأشمل، وأوْسع ممّا ذكروه ممّا يُعتبر جزْءً من المقصود، وليس هو المقصود بكاملة.
                      وبهذا نعلم – يا إخواني – فضلَ هذه السّورة، فهذه السّورة جامعةٌ لعلومِ الكتاب، وكثيرٌ من النّاس يستهينُ بها، بل كثيرٌ من النّاس يظنّ أنَّهُ يفهَمُها، وهو لا يعلم أنّ فيها من العلوم والأسرار الشّيْء الكثير.
                      الشّيخ: عبد الرّحمن الدّوسري - – كتب فيها مجلَّداً كاملاً من تفسيره: صفوةَ الآثار والمفاهيم، يعني: في أكثر من 400 صفحة في تفسير هذه السّورة، وما وفّاها حقَّها، لكنَّه كتب ما يستطيع أن يكتبَهُ – – ويتكلَّمَ فيه.
                      ابنُ القيِّم – - في مقدّمةِ مدارجِ السّالكين، هذا الكتاب الّذي يُعتبر من أعظمِ الكتب في تصفية القلوب وتعلُّقِها بعلاّم الغيوب، كتب أكثر من 50 صفحة في بيان بعض أسرار هذه السّورة، وخصوصاً: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ لو أُخذت في كتاب لجاءت في كتبا منقطع متوسط في أكثر من 150 أو 200 صفحة .
                      الرّازي – – كتب فيها مجلَّدا كاملاً من جزأيْن تبلغ صفحاته قرابة 600 صفحة في سورة الفاتحة.
                      وكلّ مَن تكلّم في الفاتحة من العلماء المتقدّمين والمفسّرين، سواءً أطال النّفَس فيها أو قصَّر فإنّه يعترف، وقد يُعْلِن في كتابه أنّه لا يستطيع أن يتحدّث عن جميع معاني هذه السّورة وأسرارِها وما تتضمّنه العلوم والحكم والأحكام والمعاني الّتي يحتاجُ إليها المسلم؛ لأنّ المَقامَ في ذلك كبير.
                      وأنا أخذت أجمع بعض كلمات العلماء في قولِ الله – عزّ وجلّ -: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وكنت أظنّ أنّ المفسّرين يُكَرِّرون ما يقولونَهُ، أو ما يذكُرُهُ الأوَّلون، فكلّ ما فتحت تفسير وجدت أنّه يذكر ما ذكره كثيرٌ من المتقدّمين ويزيدُ عليه، وكلّ ما فتحت تفسير وجدت عندَهُ زيادات لا أجِدُها عند مَن سبقه.
                      فأقول: سبحان الله! هذا القرآن مثلَ البحر مهما تغرف منه لا ينقص منه شيء، ولذلك سيبقى للنّاسِ مَيْدانٌ للحديث حوْلَ هذه السّورة ما بقي في الخلقِ أحد، وسيبقى بعد ذلك متّسع، ولن يُحيط بمعاني هذه السّورة من البشر إلاّ نبي، وهذا لا نقوله مبالغة، هذا نقوله ونحنُ واثقون من أنّ الله قد أودع هذه السّورة معاني عظيمة، ولذلك علينا أن نتفطّن لها، وأن نتعلَّمها بين الفَيْنة والأُخرى، وأن نُكَرِّر قراءتها قراءة المتمعِّن المتدَبِّر؛ حتى نصل إلى هدفِها الأعظم، ومقصودِها الأكبر ، وحتى أُبَيِّن لكم كيف أنّ القرآن هو شرح لهذه السّورة أذكر هذه النّماذج اليسيرة :
                      انظروا – يا إخواني – قال في أوّل سورة البقرة: الم 1 ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ ثمّ قال: هُدًى ماذا؟ لِّلْمُتَّقِينَ الآن نحن في أَنعَمتَ عَلَيهِمْ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ مَن هم الّذينَ أنعَمْتَ عَلَيْهِم يا الله؟ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ 3 والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ 4 أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ 5 هؤلاء الّذين أنعمتَ عليهم، وهؤلاء هم أهلُ الصّراطِ المستقيم.
                      طيّب، غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ قال الله – عزّ وجلّ – إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ 6خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ 7 هؤلاء قد يكون بعضهم أشبه بالمغضوب عليهم، وقد يكون بعضهم أشبه بالضّالّين، أمّا الّذين هم يشبهون المغضوب عليهم تماماً، فهم الّذين قال الله فيهم: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ 8 يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ 9 فتحدّث عن المنافقين، هؤلاء هم المغضوب عليهم؛ لأنّهم مثل اليهود عَرَفوا الحقّ، وعرفوا أنّ محمّد رسولٌ من عندِ الله، وكفروا به، آمنوا به بألسنتهم، وكفروا بقلوبهم، فتحدّث الله عنهم.
                      كما قُدِّم المغضوب عليهم على الضّالّين في الفاتحة، قُدِّمَ المغضوب عليهم على الضّالّين في سورة البقرة والضّالّون ذُكِروا في سورة آل عمران، وسورة البقرة ذُكِرَ فيها المنافِقون، ثّم ذُكرَ فيها تحقيقاً صفات اليهود عندما قال الله – عزّ وجلّ – يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ 40 وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ هذا هو سرّ الغضب، سرّ الغضب ما هو – يا إخواني – أنّهم عرفوا رسول الله وعرفوا الكتاب الّذي جاء به من عندِ الله وكفروا به وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ 41 وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّمثل ما فعل المنافقون: وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ 42، وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ45الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ ثمّ بدأ يتحدّث عن اليهود، وما أنعم الله به عليهم وعن إفضالاته عليهم، وعن مواقفهم مع أنبيائهم وكفرهم بهم، وقتلهم لهم، وإيذؤهم للأنبياء، وتنكُؤهم عن الطّاعة إلى عصرِ النّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم؛ حتى قال: أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ 75 وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ 76 أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ 77 أليست هذه وردت في المنافقين؟ وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ 14 اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ 15تماماً، سواءً بسواء. إذاً: هذا حديثٌ عن المغضوبِ عليهم .
                      ثمّ يأتي في سورة آلِ عمران الحديثَ المُفَصَّل عن الضّالّين، وهم: ( النّصارى )، وكأنَّهُ شرح لجزء الآيةِ المُتَبَقّي قال: غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ.
                      مَن هم المغضوب عليهم ؟ اقرأ صفاتِهم في سورةِ البقرة.
                      مَن هم الضالون ؟ اقرأ صفاتِهم في سورةِ آلِ عِمْران.
                      رأيتم، كيف أنّ القرآن كلُّه شرح للفاتحة ؟ وبيان لها، وهذه السّورة جامعةٌ لمعانيها كُلِّها؟
                      إلى هذا نوقِف الحديث عن هذه السّورة ومقصودِها .
                      والدّرس القادم – بإذن الله عزّ وجلّ – نتحدّث عن سورة البقرة ومقصودِها، وأرجو منكم أن تبحثوا عن مقصود سورة البقرة؛ لنتحدَّثَ عنه – إن شاء الله – وعندَكم شيْءٌ من العلمِ فيه؛ حتى يكونَ هناك مجالٌ في الحوارِ والنِّقاش.

                      سؤال: يقول: هل يُقصَد بالسّبع المَثاني أنَّ عدد آياتِها سبعَ آيات، وإن كان غيرَ ذلك فماذا يُقصَدُ بها ؟
                      الجواب: نعم، أجمع العلماء على أنَّ سورةَ الفاتحة سبع آيات، وهذا محلُّ إجماع ؛ لقولِ اللهِ – عزّ وجلّ -: وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ 87[الحجر:87] وفسَّرَهُ النَّبِيُّ صلّى اللهُ عليهِ وسلّم، فقال: (هِيَ السَّبْعُ المَثاني وَالقُرآن العظيم الّذي أوتيته) واختلف العلماء: هل هي سبعٌ بباسم اللهِ الرّحمنِ الرّحيم، أو سبعٌ من دونِها ؟
                      فمِن العلماء مَن يقول: بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ أوَّلُ آيةٍ فيها، وعليه قسموا هذه السّورة كالتّالي:
                      بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ آية
                      الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ آية .
                      الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ آية .
                      مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ آية
                      إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ آية .
                      اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ هي السّادسة.
                      صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ هي الآية السّابعة.
                      وعلى هذا سارت المصاحف الّتي بين أيْدينا .
                      القول الثاني: - وهو الأرجح – أنَّ بسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيم ليست آيةً من سورةِ الفاتحة، وإنَّما كما قال ابنُ عبّاس: " آيةٌ أُنْزِلَت للفَصْلِ بَيْنَ السُّوَر " هي آيةٌ تأتي مع كُلِّ سورة عدا سورة براءة، وهي آيةٌ مستقلّة، وسورةُ الفاتحة تبدأ بقولِه: الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وعليه يكون تقسيم هذه السّورة:
                      الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ هي الآية الأُولى .
                      الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ الثانية
                      مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ هي الثّالثة .
                      إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ هي الرّابعة .
                      اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ هي الخامسة
                      صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ هي السادسة
                      غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَالسابعة
                      فإن قيل: لِمَ رَجَّحت ذلك؟
                      قلْنا لعدة أسباب:
                      السّبب الأوَّل: أنَّ السّورة يُطْلَق عليْها سورة: ( الحَمْد )، والعادة أنَّ السّورة تُسمّى بأوَّل آية من آياتِها.
                      الثاني: أنَّ النبي صلّى الله عليهِ وسلَّم في الحديث القُدسي قال: " قَسَمْتُ الصّلاةَ بيني وَبَيْنَ عَبْدي نِصْفَيْن " وهذه القسمة ما تكون نصفَيْن متساوِيَيْن إلاّ إذا قُلْنا أنَّ البداية بقولِنا: الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
                      وتأمَّلوا معي جيِّداً: إذا قلت الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ هذه لله
                      الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ هذه لله.
                      مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ هذه لله.
                      إِيَّاكَ نَعْبُدُ هذه لله، صار: ( ثلاثة ونصف تماماً لله )
                      وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ هذه للعبد.
                      اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ هذه للعبد.
                      صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ هذه للعبد.
                      غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ هذه للعبد.
                      فصار ثلاث آيات ونصف لله، وثلاث آيات ونصف للعبد.
                      وبهذا : " قسَمْتُ الصّلاةَ بيني وبين عبدي نصفَيْن "
                      لكن إذا قلت: بسمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرّحيم اختلطت ودخل نصف المخلوق مع نصف الخالق؛ لأن بسم الله الرحمن الرّحيم : ( استعانة ) أستعينُ ذاكِراً بسمِ اللهِ الرّحمَنِ الرّحيم، أو أقرأُ مستعيناً: ( بسمِ الله الرّحمَنِ الرّحيم ) فهذه استعانة فهي للمخلوق، صارت واحدة للمخلوق والْحَمْدُ للّهِ للخالق، والرَّحْمـنِ للخالق مَـلِكِ يَوْمِ الدِّينِ للخالق إِيَّاكَ نَعْبُدُ للخالق، ثمّ نعود مرّة ثانية وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ للمخلوق اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ فيصبح حظّ المخلوق أكثر من حظّ الخالق .
                      ثمّ إنّنا إذا قلنا: النّصف الأوّل لله والنّصف الثّاني للمخلوق كان ذلك أليق بمقامِ اللهِ وحقِّه، ثمّ ألا تَرَوْن أنَّ العلماء لن يختَلِفوا في أنّ: الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ من الفاتحة، واختلفوا في بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحيم هل آيةٌ أم ليست بآية، وهي من الفاتحة أو ليست من الفاتحة ؟ فدلَّ ذلك على أنَّ بداية الفاتحة بالْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الّتي هي محلُّ إجماعٍ من العلماء كلّهم .
                      ثمّ ألا تروْن أنّ العلماء لن يختلفوا في أنّ الإمام يجهَر بقولِه: الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ واختَلَفوا في الجَهْر بِ بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ فدلَّ ذلك على الفرق بين ( باسمِ الله ) و ( الحمْدُ لله ) ممّا يُؤكِّد أنَّ ( باسمِ الله ) ليست من الفاتحة، وأنّها آيةٌ مستقلّة ذُكِرَت للفَصْلِ بين السُّوَر.
                      ومِمّا يُؤكِّدُ ذلك: الحديث الوارد عند التّرمِذي وغيره " سورةٌ ثلاثونَ آية شفعت لصاحِبِها تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ 1 وقد أجمع العلماء على أنّ سورة ( تبارك ) ثلاثون آية من دون ( بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحيم ) فدلّ ذلك على أنّ ( باسمِ الله ) ليست آيةً لسورة الفاتحة وأنَّها آيةٌ مستقلّة أُنْزِلَت للفَصْلِ بينَ السُّوَر، وأنّ بدايةَ كُلِّ سورة بما بعد ( بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحيم ) والعلمُ عندَ الله.

                      فإن قال – أخونا السّائل - ما معنى المثاني ؟
                      قلنا: المثاني يعني: الّتي تُثنى وتكرر، وهذه السّورة؛ كما تعلَمون يُرجى في أنّها تُثنى وتُكَرَّر:
                      فهي تُقرأ في الصّلاة الواحدة إمّا مرّتين، وإمّا ثلاث، وإمّا أربع، وأحياناً مرّة واحدة في الوتر، فهي بُنِيَت على التَّكْرار، وتُقْرَأ في اليوم واللّيلة في الأحوال المعتادة أكثر من سبعة عشرةَ مرّة.
                      سماه الله مثاني؛ لأنّها تُثنى وتُكَرَّر.
                      واللهُ أعلم .

                      سؤال: يقول: ذكرت في التفسير الّذي ألّفه المفسِّر في 24 مجلّد مع العناية في مناسبات السّور والآيات أتذْكُرُهُ لنا ؟
                      سؤال: نعم، هذا اسمُهُ: "نَظْمُ الدُّرَر في تَناسُبِ الآيِ والسُّوَر" للإمام: البقاعي - – من علماء القرن التّاسع.

                      سؤال: يقول: أعِد لنا الفائدة حولَ ربطِ سورةِ محمَّد والفتح والحُجُرات .
                      الجواب: طبعاً، سورة الحجرات: ( سورة الأدب ) مع رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم، ففي سورة محمّد ذُكِرَ حقُّ النّبيِّ صلّى اللهُ عليه وسلّم وتعظيمُه ونُصْرَتُه ونُصرةُ دينه، والقيام معهُ في الجهاد في سبيلِ الله، وفي سورةِ الفتح ذُكِرَ النَّبيُّ صلّى اللهُ عليهِ وسلّمَ، و امتن اللهُ عليه من مغفرة الذّنوب وإيجاد توقيره، واحترامه، وطاعته – عليه الصّلاةُ والسّلام – وذكر أصحابه بِما لهم من الفضل لنبيّه، فلمّا ذُكِرَت هذه الفضائل، وذُكِرَت هذه المقدِّمات في هاتين السّورَتين، ذكر الله - عزّ وجلّ – في سورة الحجرات الأدبَ معهُ في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ 1 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ 2 إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ 3 إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ 4 وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ 5 فهذا يُبَيِّن لنا ما ورد في سورة محمّد، وما ورد في سورة الفتح من تعظيم رسولِ الله وبيان مكانته ووجوب السّمع له والطّاعة بوجوب احترامه وتوقيره وتعجيله، وذكرِ أصحابه وتشريفهم، وبيان منزلتهم لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وقوله: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ هذه كُلُّها تُبَيِّن لنا وتدُلُّنا على وجوب الأدبِ معه، فما هو سبيلُ الأدب؟ اسمع – يا عبدَ الله – اقرأ سورة الحجرات لتتعلّم كيف نتأدّب مع رسولِه ونبيِّه محمّد صلّى الله عليه وسلّم.
                      سبحانك اللهمّ وبحمدك أشهد أن لا إله إلاّ أنت أستغفِرُكَ وأتوبُ إليك.
                      سمر الأرناؤوط
                      المشرفة على موقع إسلاميات
                      (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

                      تعليق


                      • #12
                        مقاصد السور القرآنية
                        للدكتور: محمد الخضيري حفظه الله
                        اللقاء الخامس

                        إنَّ الحَمْدَ لله نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونعوذُ باللهِ مِن شُرورِ أنفُسِنا وَسيِّئاتِ أعمالِنا، مَن يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضْلِل فَلا هادِيَ له، وأشْهَدُ أن لا إلهَ إلاّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنّ محمَّداً عَبْدُهُ وَرَسولُه صلّى الله عليه وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تسْليماً كثيراً.
                        أمّا بعد: فقد قدَّمْنا في هذه الدّروس مُقَدِّمَةً في مقاصِدِ السُّوَر: تعريفِ هذا العلم، وبيان أهميَّتِهِ، والمُؤلَّفات ومناهج العلماء فيه، ثمّ تحدّثنا في الدّرس السّابق عن مقْصَدِ سورةِ الفاتحة، واليوم نتحدّث عن مقصَدِ سورة البقرة.
                        وقبل أن نرد إلى المقصد، أو نحدّد مقصد سورة البقرة، ينبغي لنا أن نتحدَّث عن أمورٍ عِدّة تتعلَّق في هذه السّورة تعريفاً بها، وبياناً لِما تضمّنتْهُ من المعاني والموضوعات، ولماذا سُمِّيَت بهذا الاسم؟ وأيْضاً بعْضُ فضائِلِها، وكلُّ ذلك على وجه التذكير لا على وجه الحصر والاستقصاء.
                        هذه السّورة تشتهر بأنّها سورةُ البقرة، وقد ورد ذلك في الأحاديث النَّبوية، قال النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: ((مَنْ قرأ الآيَتَيْن الأخيرَتَيْن من سورة البقرة في ليلةٍ كفتاه)) فسمّاها: (سورة البقرة) وقال: ((اقرؤوا البقرةَ وَآل عِمْران فَإنَّهُما يأْتِيانِ يَوْمَ القيامة؛ كأنَّهُما غمامتان أو غَيايَتان)).
                        وسيأتي بيانُ هذا الحديث في فضائل السّورة.
                        فهذا الاسم، اسمٌ ثابت منصوصٌ عليه، والبقرة الّتي سُمِّيَت بها هذه السّورة إشارة إلى تلك القِصّة الّتي ذُكِرَت في ثَنايا هذه السّورة، وفي الثُّمُن الرّابع من أثمانِها، وهي: قصَّةٌ حدَثَت لِبَني إسرائيل، ذلك: أنَّ رَجُلاً قتل ابنَ عَمِّهِ من بني إسرائيل، ثمّ أصبح يُطالبُ بدمِه، فاختلف بنوا إسرائيل، فجاءوا إلى موسى – عليه الصّلاةُ والسّلام – واحتكموا إليه، فأمَرَهُ اللهُ – عزّ وجلّ – أن يأمُرَهُمْ أن يَذْبَحوا بقرة: قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ 67 قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ 68إلى آخر هذه القصّة، فهذه هي القصّة المُراد بها، أو التي سُمِّيَت بها هذه السّورة، والعادة الجارية: أنَّ أسماء السُّوَر يُراعى فيها أن يكون الشَّيْء بارزً وظاهِراً يُمَيِّز هذه السّورة عمّا سِواها.
                        وأيْضاً يُراعى فيه أن يكون ذا صلة لمضمون ومحتوى هذه السّورة، وهذا الأمر ينبغي لنا أن نتفطَّنَ لهُ في سورةِ البقرة، وقد ذكرناهُ في المقدِّمة، ونُعيدُهُ الآن.
                        ذلكم أنَّ سورة البقرة، أو قصّة البقرة تُعْتَبَرُ رَمْزاً لِمعاملة بَني إسرائيل لِنَبيِّ اللهِ موسى، ورَمْزاً لطريقة استقبالهم لأوامِرِ اللهِ – عزّ وجلّ – ونواهيه، فإنَّهم كانوا يستقبلونها لكثيرٍ من التلَكُّأ والتعدّي وعدم الانقياد والأسئلة الّتي لا يُراد منها – يعني – تمام العلم بالمسؤول حتى ينقاد الإنسان قيادة تامّة، ولذلك عدّوا أسئلة شقَّقوا فيها على أنفُسِهم، وتشَطَّطوا فيها فشَقَّ الله – – عليهم وهذه القضيّة – يا إخواني – هي المَعْلَم البارز الّذي أُريدَ أن تُظْهَر قصّة بني إسرائيل من خلالِها، فيُقال: يا أُمّةَ محمَّد! إيّاكم أن تفعلوا مثلَ فعلهم. أو تكونوا مثلَهم في طريقةِ تلقّيكم لأوامِرِ الله – عزّ وجلّ – وطاعتكم لرسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلّم، فإنَّ الواجِبَ على الإنسان إذا أرادَ أن يُطيعَ اللهَ – عزّ وجلّ – أن ينقاد ويستسلم ويقبل ما جاء عن الله وعن رسولِهِ صلّى الله عليه وسلّم بِلا تلكُّأ ولا ترَدُّد ولا تباطُؤ، ولا تكونوا مثلَ بني إسرائيل ، فإنّ اللهَ – – قد سلبهم الخيْرِيّة وسلبهم التّفضيل بِما كانوا عليه من هذا التأبّي وقلّة الطّاعة، وعدم الانقياد لرسولِ الله صلّى الله عليه وسلّمَ موسى، هذه هي مناسبة هذا الاسم، وسيأتي مزيد في ذلك عندما نتحدّث عن المقصود – بإذن الله عزّ وجلّ - .
                        هذه السّورة أيْضاً تُسمّى بأسماء أخرى يذكُرُها العلماء، فمنها: اسمُ الزّهْراء؛ لأنَّ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: ((اقرَأوا الزَّهْراوَيْن)) فسمّى سورة البقرة ( الزّهراء ) .
                        ويُقالُ لها أيْضاً: ( فُسْطاطُ القرآن ) والفُسطاط هو: الشّيْء أو السّور الّذي يُحيط بالمكان، فكأنّها أحاطت بالشريعة من جميع جوانِبِها، إذا بحثْت عن أحكامِ العبادات وجدتها، إذا بحثت عن أحكام المعاملات وجدتها، وإذا بحثْت عن المناكحات وجدتُها، وإذا بحثْت عن أخبار اليهود ومعاملاتهم ونعم الله عليهم، ونُكْرانِهِم وجحودِهم لأمرِ الله وجدتها، وإذا أردتَ الإيمان بالله واليوم الآخر، والملائكة، والكتاب، والنَّبيِّين وجدتها، وإذا أردت ذكر أخبار أو بعض أخبار الأُمم السّابقة وجدتها، وإذا أردت القَصص موجودة، وإذا أردتَ الأحكام فهي كثيرة قد تبلُغ؛ كما يذكُر بعض العلماء أكثر من 500 حكم .
                        وسنقرأ عليكم كلمة ابن العربي عن بعضِ أشياخه أنَّهُ قال: (سورةُ البقرة فيها ألفُ أمرٍ وألفُ نَهْيٍ وألْفُ خبر)، وقوله: (فيها ألْفُ أمْرٍ وألْفُ نَهْيٍ وألْفُ خبر) يدُلُّنا على سَعة هذه السّورة، ويُؤكِّد هذا: أنّ بعْضَ الصّحابة بَقي في دِراسَتِها، وتَعَلُّمِ ما فيها سنين طويلة، فعُمر بن الخطّاب بقي فيها ثلاثة عشر عاماً، وابنُ عُمَر بقي فيها ؛ كما ذكر نافع – – (ثمانيَ سِنين)، وفي رواية عندَ ابنِ سعْد (أربع سنين) وسواءً كانت ثمان أو أربع فهذا يَدُلّ على أنَّ ابنَ عُمَر وجد فيها خيْراً كثيراً، ووجد أنَّها تستحقّ أن يمكُثَ الإنسانُ فيها هذه المدّةَ الطّويلة؛ لِيَتعلَّم ما فيها من الأحكام والحِكم والدُّروس والعِبَر والفضائل، والأعمال، والعقائد، فهذه السورة سورة عظيمة جدّاً.
                        أيْضاً: تُسمّى: (سَنام القرآن) وسنامُ الشَّيْ هو: أعلاه، ومنه سنامُ البعير؛ لأنّهُ أعلى شيْءٍ فيه، فهي أعلى القرآن من حيثُ أنّها شاملة للعبادات والعقائد وشاملة للمعاملات، وشاملة للأقضية، وشاملة للقَصص، وشاملة للتوحيد، وإلى ما سِوى ذلك.
                        وفضْلُها ثابت في أحاديث كثيرة سنتلو عليكم بعْضاً منها.
                        إذاً: هذه السّورة تدور أسماؤها على هذه الأسماء الأربعة:
                        أمّا الاسم الأوّل فهو الاسم الثّابت لها في السُّنّة، وهو المشهور، وهو الّذي تُسمّى به في مصاحف المسلمين.
                        وأما الأسماء الثلاثة فهي أقرب أن تكون أوصافاً منها إلى أن تكونَ أسماء، والأوْصاف يتجوَّز النّاس فيها، ويذكرون أوصاف السّورة وأوصاف الشّيْء قد لا تكون موصوفة، وقد تأخذ جانِباً أو حيِّزاً من هذه السّورة، والأمر في ذلك واسع.
                        نأتي بعدَ ذلك إلى فضائلِ هذه السّورة، أو مكان نزول هذه السّورة هذه السّورة نزلت أوَّل ما قَدِمَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بالمدينة، ويُؤكِّد هذا أنَّها تحدَّثَت عن بني إسرائيل حديثاً مُفَصَّلاً، وذكّرَتْهُمْ بأوامِرِ الله لهم، ثمّ بِنِعَمِ اللهِ عليْهِم، ثمّ بِما وقع منهم، وما صار منهم مع موسى عليه الصّلاةُ والسّلام، وكيف قابلوا نعمةَ الله – عزّ وجلّ – عليهم بالهداية والرِّسالة؛ لِما ذَكَرْناهُ من التعدّي وعدم القَبول والاستسلام والانقياد، وكان ذلك مَثابة التّعريف بالمؤمنين بحالِ هذه الأُمّة الّتي صارت تُقاسم أهلَ الإسلام هذا البلد، فاليهود؛ كما لا يخفى عليكم هم سُكّانُ المدينة وكانوا ثلاث قبائل: يهود بني قَيْنُقاع، ويهود بني النَّضير، ويهود بني قُرَيظة، ولذلك النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أوَّل ما جاء المدينة عمِلَ ثلاثة أشياء:
                        الأمر الأوَّل: بنى المسجد.
                        والأمر الثاني: آخى بين الأنصار والمهاجرين.
                        والأمر الثالث: عقد الاتِّفاقِيّات والمعاهدات بينَهُ وبين اليهود.
                        لماذا ؟ لأنَّهُ يعلم أنّ اليهود قوْمٌ غُدر لا ذِمَّةَ لهم، لا يُوَفّون بالعهود، ولا يَرْعَوْنَ حُرْمَةً للعقود، ولذلك أمر النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم إلى عقْدِ اتِّفاقِيّات لهم.
                        مَن أنتم؟ وماذا عليكم؟ ومَن نحن؟ وماذا علينا ؟ وماذا يجب علينا جميعاً اتِّجاه بعضِنا واتِّجاه البلد الّذي نسكن فيه ؟
                        ولأجلِ هذه البنود والاتِّفاقِيّات الّتي حدثت بينهم وبين رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم صار مصيرُهم إلى الطَّرْد والإبعاد، أو القتل، فَطُرِد بنو قَيْنُقاع أوَّلاً، ثمّ لَحِقَهم بنو النَّضير، ثمّ وقعت الواقعة الّتي قُصِمَت لِأجلِها الظُّهور، وقُطِعَت لِأجْلِها الرِّقاب، وهي: خيانةُ بني قُرَيْضة لرسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم في غزوة الأحزاب.
                        فلا إشكال عند العلماء، بل هذا محلُّ اتِّفاق: أنَّ سورة البقرة ابتدأ نزولُها في المدينة، وهي مدنيّة بالإجماع، ليست محلاًّ للإشكال أسلوبُها، ونزولُها، وآياتُها، وموضوعاتُها، كلُّها تدُلّ على أنَّها سورة مدنيّة.
                        وحكى ابنُ حجر في الفتح الاتفاق على هذا الأمر.
                        وهل هي أوَّلُ سورةٍ نزلت في المدينة؟ هذا محلُّ إشكال، فأكثرُ العلماء على أنّها أوَّلُ سورةٍ نزلت في المدينة.
                        وقيل: بل سورةُ المطفِّفين قبلها، تعرفون أنّ سورة المطفِّفين من السُّوَر الّتي اختُلِفَ فيها هل هي مدنيّة أو مكيّة؟ والسّبب الّذي حمل بعض العلماء على أن يجعلوها من السُّور المدنية، هو أنّ سبب نزول أوَّل آياتها هو التّطفيف.
                        لقد جاء النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم المدينة، وكان أهلُها مشهورين بتطفيف المكاييل والموازين، فأنزل الله – عزّ وجلّ – قولَهُ: وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ 1 الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ 2 وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ 3 أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ 4 إلخ .
                        فمن هنا قال بعض العلماء: (إنَّ هذه السّورة سورة مدنيّة) والّذي ينظُر إلى عموم موضوعات السّورة يجد أنَّها من السُّوَر المكيّة.
                        وعلى كُلِّ حال: سورةُ البقرة بهذا تبقى من أوائلِ السُّوَر الّتي نزلت في المدينة إن لم تكُن أوَّلَها، واستمرّ نزول سورة البقرة إلى آخر سنة، بدليل: أنّ آخر آية نزلت في القرآن موجودةٌ في سورة البقرة، ومن أواخر ما نزل تحريمه على المؤمنين: ( تحريم الرِّبا ) لمّا قال النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم في حَجَّةِ الوَداع: ((ألا وإنَّ رِبا الجاهِلِيّةِ موضوع، وأوَّلُ رِباً أضَعُهُ مِن رِبانا رِبا عَمِّيَ العبّاس)) وفي هذه السّورة تحريمُ الرِّبا، قال الله – عزّ وجلّ – الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا وقال: فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وقد كان قبلاً نزل تحريم: (الرِّبا المُضاعف) (رِبا النَّسيئة المُضاعف) في سورة (آلِ عمران)، وكان هذا في السّنة الثّانية الهجرية، قال الله – عزّ وجلّ -: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً فَحُرِّم أوَّل ما حُرِّم (الرِّبا المُضاعف)، ثمّ حرَّم الله – عزّ وجلّ – الرِّبا كُلَّه، وذلك في سورة البقرة.
                        إذاً: استمرّ نزول هذه السّورة – يا إخواني – على امتداد بقاء النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في المدينة، من أوّل سنة هاجَرَ فيها عليه الصّلاةُ والسّلام إلى قبل وفاته بتسعين ليلة؛ لأنَّ قوْلَهُ وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ 281 هي آخر آية أُنزِلَت من القرآن على الرّاجح من أقوالِ أهلِ العلم، وقد ذكر ابنُ عبّاس – رضي الله تعالى عنه – أنَّهُ ليس بينها وبين وفاةِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم إلاّ ليالي معدودة.
                        فهذا يدُلُّنا على أنّ هذه السّورة استمرّ نزولُها الفترة المدنيّة كاملة.
                        وهذه السّورة هي السورة السابعة والثَّمانون في ترتيب النّزول، والّتي قبلَها هي سورة المُطَفِّفين، والتّي بعدَها هي سورة الأنفال.
                        يقول عِكرِمة: (أوَّلُ سورةٍ نزلَت في المدينة سورةُ البقرة) أخرَجَهُ أبو داود في النّاسِخِ والمنسوخ.
                        أمّا فضائل هذه السّورة فهي كثيرةٌ جدّاً منها:
                        منها: الثّابتُ في الصّحيح المقطوع في صحَّتِه.
                        ومنها: الحَسَن.
                        ومنها: الضّعيف الّذي يُعلَم به أنَّ هذه السّورة فاضلة، وأنَّها ذات منزلة، ولكن قد لا يكون ما ورد فيها مرفوعاً إلى النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وإنَّما يكون من قبيلِ الموقوفِ على بعضِ الصّحابة، أو ضعيفُ الإسناد ليس مقبولاً جملةً ولا تفصيلاً.
                        أوَّلُ هذه الأحاديث الّتي نقرَأُها عليكم: ما أخرَجَهُ أبوا عُبَيْدة، وأحمد، وحُمَيْد بن زنجويه في فضائلِ القرآن، والإمامُ مسلم، وابنُ الضريس ، وابنُ حِبّان والطّبراني وأبوا ذرّ الهَرَوي في فضائلِه، والحاكم، والبيهَقي في سُننه، عن أبي أُمامةَ الباهِليّ – – قال، سمِعْتُ رسولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم يقول: ((اقْرَأُوا القرآن فَإنَّهُ يَأتي يَوْمَ القِيامةِ شَفيعاً لِأصْحابِه، اقْرَؤوا الزهراوَيْن: سورةَ البقرةِ، وسورةَ آلِ عِمْران؛ فإنَّهُما يأتِيان يَومَ القيامة؛ كأنَّهُما غَيايَتانِ، أو كأنَّهماغمامتانِ أو كأنَّهُما فِرْقانِ مِن طَيْرٍ صوافّ يُحاجّانِ عن صاحِبِهِما، اقرأوا سورة البقرة؛ فإنَّ أخْذَها بركة، وتَرْكَها حسْرة، ولا تستطيعُها البَطَلة)) .
                        تأمّلوا – يا إخواني – هذا الحديث فقد أمر النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بإدْمانِ قراءة القرآن؛ لأنّ الّذي يدمن قراءة القرآن، ويُكثِرُ من ذلك يَظْفَرُ بشَيْءٍ عظيمٍ جدّاً، وهو شفاعةُ القرآن له، قال: ((اقرؤوا القرآن فإنَّهُ يأتي يَوْمَ القِيامةِ شَفيعاً لِأصْحابِه))، ولمّا قال لأصحابِه دَلَّنا ذلك: على أنَّ الإنسان لا ينال شفاعةَ القرآن؛ حتى يُصاحب القرآن، والمُصاحبة تقتضي طول الملازمة؛ لأنَّهُ لا يُقال لإنسان يقرأ القرآن في رمضان فقط (صاحب القرآن)، بل صاحِبُ الإنسان مَن كان مُلازِماً له ومعهُ في اللّيل والنّهار، ولا يكاد يَفوتُهُ يوم إلاّ والقرآن على لِسانِه، ويجري ذِكْرُهُ على قلبِه.
                        ولمّا انتهى من هذا العموم في قراءةِ القرآنِ كُلِّه خصَّ منه شيْئاً، وهما: (الزَّهْراوان)، فقال: ((اقرؤوا الزَّهْراوَيْن: سورةَ البقرة، وسورةَ آلَ عِمْرَن)) وصفَهُما بِأنَّهُما زَهْراوان، وسمّاهما فقال: (سورة البقرة)، وسورة (آلِ عِمْران) وهذا استدلَّ به العلماء على جواز أن يُقال في مثل هذا اللّفظ في أسماءِ السُّور؛ لأنَّ من التّابِعين مَن نهى عن ذلك، ويقول: ما تقول سورة البقرة، بينما تقول: السّورةُ الّتي لم يُذْكَرُ فيها البقرة، فيُقال: قد قالَها رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم، وانتهى كلامُ من بعده لا يُلْتَفَت إليه، وهذا منهم على وجه الاستحسان، والتأدُّب في نظرهم، لكن ما دامت قد ثبتت عن رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم، فلا إشكالَ في أن تقال.
                        قال: ((فإنَّهُما يأتِيانِ يَوْمَ القِيامة؛ كأنَّهُما غَيايَتان أو غمامتان – يعني: سحابتان – أو كأنَّهُما فِرْقانِ – الفِرْق هو: جماعة من الطُّيور – فِرْقانِ مِن طَيْرٍ صوافّ يُحاجّانِ عن صاحِبِهِما)) يعني: تأتي هاتان السّورَتان بشفاعةٍ خاصّة غير الشّفاعة الثّابتة لعموم القرآن.
                        فإذا صاحبْتَ القرآن، وصاحبْت هاتين السّورَتين بشكلٍ خاصّ، فإنَّ لَهُما شفاعة خاصّة تأتي يوم القيامة سورة البقرة وتُحاجّ عنك، تقول: (يا ربّي كان هذا الرَّجُل يقومُ بي في اللّيل، كان يَتْلوني آناءَ اللّيل وأطرافَ النَّهار) وتأتي آل عمران، وتفعَلُ مثلَ ذلك.
                        ولأجلِ ذلك: ورد عن بعضِ السّلف: (أنَّهُ كان له في كلّ يوم ختمة سِوى قراءتِهِ لسورة البقرة وآلِ عِمْران يقومُ بها في اللّيل)؛ لأنَّهُ يُريد أن يكون صاحب للقرآن، حتى ينال شفاعةَ القرآن، ويُريد شفاعة إضافيّة؛ لمزيد الاحتياط والتّأكُّد، ومزيد الدّعْم والمُساندة في ذلك اليوم المَهيب الرَّهيب الّذي يخلع القلوب ويحتاج فيه الإنسان إلى كلّ ما يُنجيه من عذابِ الله – عزّ وجلّ – ويقيه سخطَ اللهِ – جلّ وعلا -، فيقرأ سورةَ البقرة وآلِ عمران إلخ.
                        ثمّ قال عليه الصّلاةُ والسّلام: ((اقرؤوا سورةَ البقرة فإنَّ أخْذَها بركة)).
                        إذاً: هي سورة مباركة، من بركتِها أنّها جاءت في هذه الأحكام العظيمة، من برَكَتِها أنّها بيَّنت لنا هذه الآداب الشّاملة، من بركتِها أنّها اتّسَعَت لهذه المائدة الضّخمة من التّعليمات، والآداب، والحِكَم، والأحكام، والعقائد، من بركتِها أنّها ما تكاد تُتْلى في شيْء إلاّ حضرت هذه البركة، إذا تُلِيَت سورة البقرة في بيت؛ فرَّ الشَّيْطانُ منه، وإذا قرأت آيتين منها في ليلة كفتاك كلَّ سوء، وإذا قرأت آية منها، وهي (آية الكرسي) دُبُرَ كلِّ صلاة لم يمنعْكَ من دخولِ الجنّةِ إلاّ أن تموت.
                        يعني: هذه أشياء من بركة هذه السّورة العظيمة.
                        ولاحظوا – يا إخواني – أنَّنا لو تتبَّعْنا أمْرَ البركة في هذه السّورة؛ لوَجَدْنا أنَّهُ أمرٌ عظيمٌ يستحيلُ على الحصْر.
                        قال: ((فإنَّ أخْذَها بركة، وتَرْكَها حسرة))
                        إذا تركها الإنسان سواءً: ترك تعلُّمَها، أو تعلَّمَها ولم يقُمْ بِها.
                        ترْكَها حسرة: يتحسَّر الإنسان أعظمَ الحسرة على أن لم يكُن قد قرأ هذه السورة وتعلَّمَها، أو حَفِظَها ووعاها، فانتفع بها.
                        فوصِيَّتي واللهِ لنفسي، ولكم يا أحِبّائي أن نأخُذَ هذه السّورة بقوّة، وأن نستمسِكَ بها، وأن نتعَلَّمها، ولو بَقينا في تَعَلُّمِها عَشْرَ سنين.
                        قال: ((فإنَّ أخْذَها بركة، وتَرْكَها حَسْرة، ولا تستَطيعُها البَطَلة)) أي: السّحرة.
                        هذه السّورة إذا قُرِئت توقّف السّحرة، بل إنَّ آية واحدة منها كافية لإبطال كيْدِ السّحرة مهما كانت، وهي: (آية الكرسي) فكيف إذا قرأ الإنسان سورة البقرة كلّها ؟! ما يقرَأُها إنسانٌ فيُصيبُهُ سحرٌ بإذنِ الله – عزّ وجلّ -.
                        وأخرج أحمد والبخاري في تاريخِهِ وليس في صحيحه، ومسلمٌ، والتّرمِذيّ، ومحمّد بن نصر، عن النّواس بن سَمْعان قال: سمِعْتُ رسولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم يقول: ((يُؤتى بالقرآنِ وأهلِهِ الّذينَ كانوا يعْمَلونَ بِهِ في الدُّنيا تَقْدُمُهم سورة البقرة وآلِ عِمْران))
                        انظروا – يا إخواني – أهله فسّرهم بأنّهم: الّذينَ كانوا يعْمَلون به في الدُّنيا.
                        إذاً: لن تكون من أهلِ القرآن؛ حتى تعْمَلَ بالقرآن، وبهذا نُحَذِّر جميعَ إخوانِنا أن يكون حظُّهم من القرآن هو مجَرَّد إمرار الحروف على اللّسان هذا ليس مقصودا، وليس مطلوباً لوحده، بل المقصود والمطلوب الأعظم هو: العمل بالقرآن، والعمل بالقرآن لا يكون إلاّ بعد فهمه وتدَبُّرِه، ومعرفةِ مقصودِه، ولذلك قال هنا: ((يُؤتى بالقرآن وأهلِهِ الّذينَ كانوا يعملونَ به في الدُّنيا تقْدُمُهم سورةُ البقرةِ وآلِ عِمْران)).
                        قال: وضرب لهما رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم ثلاثةَ أمثالٍ ما نسيتُهُنّ بعد:
                        قال: ((كأنَّهُما غَمامَتان أو كأنّهما غَيايَتان، أو كأنَّهُما ظُلَّتانِ سَوداوانِ بينهما شَرَف، أو " كأنّهُما فِرْقانِ من طَيْرٍ صوافّ يُحاجّانِ عن صاحِبِهما)) يعني تأتي مثل السّحابة العظيمة المليئة بالماء والخير والبركة، وهذا تشبيهٌ لها بالحجم والضّخامة والعظَم، تأتي يومَ القيامة؛ لِتُحاجّ عَمَّن كان يعمَلُ بها ويتلوها ويحفَظُها ويصاحِبُها في دُنياه.
                        وأخرج ابنُ أبي شيْبة، وأحمد، وغيرهم، عن بُرَيْدة قال: قال رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: ((تَعَلَّموا سورةَ البقرة، فإنَّ خْذَها بَرَكة، وتَرْكَها حَسْرة، ولا تستطيعُها البَطَلة، ثمّ سكت ساعةً، ثمّ قال: تعلَّموا سورة البقرة، وآلَ عِمْران، فإنَّهُما الزَّهْراوان يُضِلاّنِ صاحِبَهُما يومَ القيامة؛ كأنَّهما غمامتانِ، أو غَبابَتانِ، أو فِرْقانِ مِن طَيْرٍ صوافّ)).
                        وأخرج أحمدُ، ومسلم، والتِّرْمِذيّ عن أبي هريرة – – أنَّ رسولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّمَ قال: ((لا تَجْعَلوا بُيوتَكم مقابِرَ، الشَّيْطانُ ينفِرُ من البيتِ الّذي تُقْرَأُ فيه سورةُ البقرة))
                        ولفْظُ التِّرْمِذِيّ: ((وإنَّ البيْتَ الّذي تُقْرَأُ فيهِ سورةُ البقرة لا يَدْخُلُهُ الشَّيْطان))
                        وهذا خير تُقرَأ أو يُقرأ مطلق لم يقل (الّذي تقرأُ فيه أو يقرأُ فيه صاحبه سورةُ البقرة) وهذا يعني: أنَّ الإنسان لو قرأ أي واحد من أهل البيت سورة البقرة فرّ الشّيْطان.
                        وأيْضاً لو قُرِئت سورةُ البقرة عبر تسجيل إذاعي أو تلفزيوني أيْضاً كانت سبباً في فِرارِ الشَّيْطان.
                        وفي هذا العصر تيسّر للنّاس ما لم يتيسّر لِمَن كان قبل؛ لعموم أو لإطلاق اللّفظ في الحديث.
                        وأخرج أبو عُبَيْد، والنَّسائي، ومحمَّد بن نصر في كتاب الصّلاة عن أبي هريرةَ – – قال: قال رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: ((صَلّوا في بُيوتِكم وَلا تَجْعَلوها قُبوراً، وَزَيِّنوا أصواتَكم بالقرآن، فإنَّ الشَّيْطان ينفِرُ من البيت الّذي يُقرَأُ فيه سورةُ البقرة)) وما الّذي يمنع – يا إخواني – أن يتعاهد أهلَ البيت الواحد على أن يكون كلّ واحد منهم يقرأ سورة البقرة في يوم ؟ فيقول محمّد: أنا أقرَأُها يوم السّبت، وتقول فاطمة: أنا أقرَأُها يومَ الأحد، وتقول الأُمّ أنا أقرأُها يومَ الاثنين، ويقول الأب: أنا أقرَأُها يومَ الثُّلثاء؛ لكي يتعاهَدوا بيتَهم ألاّ يدخُلَهُ شيْطان، فيُحْفَظ البيت وأهله من الشَّياطين.
                        وأخرج أبوا عُبيْدٍ عن أنس قال، قال رسولُ الله صلّى الله عليه ّوسلّم: ((إنَّ الشَّيْطانَ يخْرُجُ من البيت إذا سمع سورةُ البقرةِ تُقْرَأُ فيه)) وهذا فيما ذكرْتُ لكم أيْضاً مطلق لم يُحَدِّد فيه مَن هو القارئ، سواءً كان أنت، أو أحدٌ من أهلِ بيتِك، أو رجُلٌ أجنبيّ، أو تسجيل من التّسجيلات.
                        أخرج أبو عُبَيْد والدّارِمي عن أبي أُمامة – وهذا ليس من الفضائل الواردة في السّنّة النّبويّة ولكنَّه من الآثار – عن أبي أُمامةَ قال: ((إنَّ أخاً لكم رأى في المنام أنّ النّاس يسلكونَ في صدر جبل وعْرٍ طويل، وعلى رأسِ الجبلِ شجرتانِ خَضْراوانِ تهتفان، هل فيكم مَن يقرأُ سورةَ البقرة؟ هل فيكم مَن يقرأُ سورة آلِ عِمْران؟ فإذا قال الرَّجُلُ: نعم دنتا منه بأعناقِهما؛ حتى يتعلّق بهما فيخطرا به الجبل)) يعني فيصعدانِ به الجبل من غيرِ مشقّةٍ ولا عناء، وكأنّ هذا تفسير لشفاعة هاتين السّورتَيْن بصاحِبِهما.
                        وأخرج الدّارِميّ عن المسروق: أنّه قرأ رجلٌ عندَهُ سورة البقرة، وآلَ عِمْران، فقال: ((قَرَأْتُ سورَتَيْن فيهما اسمُ اللهِ الأعْظَم الّذي إذا دُعِيَ به أجاب، وإذا سُئلَ به أعطى))
                        ولعلّ مقصودَهُ – واللهُ أعلم – من سورة البقرة: اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ فلفظُ الجلالة الله، والحيّ، والقيّوم، هذه اسمُ اللهِ الأعظم؛ لأنّ هذه الأسماء الثّلاثة، وردت أيْضاً في سورة آل عمران في أوّلِها: الم 1 اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ 2 نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ... .
                        قال: ((قرأْتُ سورَتَيْن فيهِما اسمُ اللهِ الأعْظم الّذي إذا دُعِيَ به أجاب، وإذا سُئلَ به أعطى)) .
                        وأخرج أبو عُبَيْد، وابنُ الدُرَيْد، عن أبي مُنيبٍ عن عمِّهِ أنَّ رجُلاً قرأ البقرةَ، وآلَ عِمْران، فلمّا قضى صلاته قال له كعب: ((أقرأتَ البقرة وآلَ عِمْران؟ قال: نعم. قال: " فَوَ الّذي نفسي بِيَدِه إنَّ فيهِما اسمَ الله الّذي إذا دُعِيَ به استجاب. قال: فأخبرني به. قال: لا واللهِ لا أخبَرْتُك ولو خْبَرْتُكَ لأَوْشَكْتَ أن تدْعُوَ بدعوةٍ أهْلَكُ فيها أنا وأنت)).
                        يعني: فأبى أُبَيٌّ أن يُخْبِرَ هذا الرَّجُل باسم الله الأعظم.
                        وأخرج أحمد، وأبوا مُعَيْنٍ في الدّلائل عن أنسٍ بن مالك – – قال: (كان الرَّجُل إذا قرأ البقرةَ وآلَ عِمْران جدَّ فينا) يعني: عظُم وصار ذا من منزلة وحظوة.
                        ويدُلُّ على ذلك ما سنقوله عن الرّسولُ صلّى الله عليه وسلّم إذا أراد أن يُسَيِّرَ سَرِيَّةً سأله: أيُّكم يحفظ سورة البقرة؟ فإذا قال رجلٌ منهم: أنا. أمّره عليه. وفي الموتى: إذا عُرِف في الموتى أو في الشُّهداء مَن يحفظ سورةَ البقرة قُدِّمَ على أصحابِه، وقُرِّب إلى الإمام على بقيّةِ أصحابه.
                        وأخرج الدّارِميّ عن كعبٍ قال: ((مَن قرأ البقرةَ وآلِ عِمْران جاءتا يومَ القيامةِ يقولان: ربَّنا لا سبيلَ عليه)) وهذا تفسيرٌ في الشّفاعة المذكورة في الأحاديث المتقدِّمة.
                        وأخرج أبو عبيْد، وسعيدُ بن منصور، وعبده بن حُمَيْد والبيْهَقيّ في الشُّعَب، عن عُمَرَ بن الخطّابِ قال: ((مَن قرأ البقرةَ وآلَ عِمْرانَ والنِّساءَ في ليلةٍ ؛ كُتِبَ من القانتين)) والقانت هو: المديم والمُطيل في الطّاعة.
                        ورد في الحديث الّذي رواه ابن السُنّي في عملِ اليوم واللّيلة، والنّسائي أيْضاً في عملِ اليوم واللّيلة، قول النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: ((مَن قام بِعَشْرِ آياتٍ لم يُكْتَب من الغافلين، ومَن قام بِمِئةِ آيةٍ كُتِبَ من القانتين، ومَن قام بألفِ آيةٍ كُتِبَ من المقنطرين)) يعني: ذوي القناطير العظيمة.
                        قال الحافظ بن حجر وهو يشرح هذا الحديث أو يُعَلِّق عليه، قال: (ووجدتُ الرَّجُل يمكنُهُ أن يقرأَ ألفَ آية إذا قرأ جُزْأي تبارك وعمَّ، وقد أحصَيْت ما فيهِما من الآيات فوجدت أنّها تسع مئة وستة وتسعين آية؛ فكأنَّ الحافظ أراد أنَّهُ لا بُدّ أن يكون معها الفاتحة فتُصبح بذلك؛ كأنَّما قرأ الإنسان ألف آية، فما الّذي يمنعُك – يا أخي – أنّك في ليلة من الليالي تقول: اللّيلة أُريد أن أكون من المقنطرين، فتقرأ بألفِ آية فتقوم بجزئي تبارك وعمّا .
                        وفي هذا الحديث يقول عمر: (مَن قرأ البقرة وآلَ عِمْران والنِّساء في ليلة كُتِبَ من القانتين) وهذا لا يُخالف ما جاء في الحديث؛ لأنّ في الحديث: (مَن قرأ مئة كُتِب من القانتين) والقنوت هو: دوامُ الطّاعة وطولُ القيامِ في الصّلاة، يُطْلَق على هذا وعلى هذا حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ 238.
                        وأخرج الطبراني في الأوسط، عن ابنِ مسعودٍ قال: قال رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: ((ما خَيَّبَ اللهُ امْرَأً قامَ في جوْفِ اللّيل فافتتح سورة البقرة وآلَ عِمْران))
                        وأين منّا – يا إخواني – في هذا الزّمان الّذي كَثُرَت فيه النِّعم وَضَعُفَت فيه الهِمم مَن يقوم بالبقرة وآلِ عِمران ؟ .
                        أبو إسحاق السبيعي قرأت في ترجمته كلمة عجيبة يقولون: أنَّه كان يقول وهو في السبعين من عمره (أوّاه على زمَنِ الشّباب قد ذهب القيامُ منّي، قيلَ له: يا أبا إسحاق كم تقوم في عُمُرِك هذا من اللّيل؟ قال: إنّي لا أقوم الرّكعة إلاّ بالبقرة وآلِ عِمران) في الرّكعة ما أقوم إلاّ بالبقرة وآل عمران، وينك يا أيّام الشّباب ؟ يوم كنّا نقرأ كلامَ الله – عزّ وجلّ – حتى تتفطّر منّا الأقدام ، قام عثمان – رضي الله تعالى عنه – بالقرآن كلِّه في ركعة واحدة في جوف الكعبة – تأمّلوا يا إخواني الإيمان – أسألُ الله أن يجعلَني وإيّاكم من أهل الإيمان.
                        وأخرج أبو عُبَيْد عن أبي سعيد التَّنوخي، أنَّ يزيدَ بن الأسوَد الجُرَشي كان يُحَدِّث: (إنَّهُ مَن قرأ البقرةَ وآلَ عِمرانَ في يومٍ بَرِئ من النِّفاقِ حتّى يُمْسي، ومَن قرأهما في ليلةٍ بَرِئَ من النِّفاق حتى يُصبح، قال: وكان يقرأَهُما كلَّ يوْمٍ وكُلَّ ليلة سوى جزئه) ليبرأ من النِّفاق، بسببِ براءةِ هذه السّورة .
                        وأخرج الدّارِميّ، ومحمّد بن النّصر وابنُ الضريس، والطّبراني والحاكم، وصحَّحه، والبيهقي في الشُّعب عن ابنِ مسعود قال: ((إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ سَناماً، وسنامُ القرآنِ البقرة، وإنَّ الشَّيْطانَ إذا سَمِعَ سورةَ البقرة نفر من البيت الّذي يُقْرَأُ فيه وله ضريط)) يعني: وله ضُراط من شدَّةِ فِراره وهروبه من المكان الّذي تُقْرَأُ فيه سورةُ البقرة.
                        واسمعوا هذا الحديث الّذي ليس خاصّاً في سورة البقرة، لكن جاءت القصّة وفيها سورة البقرة:
                        أخرج الإمامُ البخاري في صحيحه؛ تعليقاً، ومسلم، والنَّسائي، وغيرهم عن أُسَيْد بن حُضَيْر، قال: (بينما هو يقرأُ من اللّيلِ سورة البقرة وفرَسُهُ مرْبوطةٌ عندَه إذ جالت الفرس فسكت، فسكنت – أي الفرس – ثمّ قرأ فجالت الفرس، فسكت أُسَيْد، فسكنت، ثمّ قرأ فجالت، فسكت، فسكنت، ثمّ قرأ فجالت فانصرف عند ابنِهِ يحيى، وكان قريباً منها، فأشفق أن تُصيبَه، فلمّا أخذه، رفع رأسَهُ إلى السّماء، فإذا هو بمثلِ الظُّلّة فيها أمثالُ المصابيح، عرجت إلى السّماء؛ حتى ما يراها، فلمّا أصبح حدَّثَ رسولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم. فقال له رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: " أتَدْري ما ذاك؟ قال: لا يا رسولَ الله. قال: تلك الملائكة دنت لصوْتِك ولو قرأتَ لأصبحت النّاسُ تنظُرُ إليها لا تتوارى منها)
                        انظروا – يا إخواني – نزلت الملائكة في ظُلّة؛ لتستمع لتلاوةِ أُسَيْدٍ وهو يقْرأُ سورة البقرة .
                        وهذا الفضل ليس خاصّا بسورة البقرة، بل هو عام للقرآن، ولكن سورةُ البقرة فيها مزيدُ فضيلة.
                        وأخرج ابنُ أبي شيْبة في المُصَنَّف، وأحمدُ ومسلم، وأبوا داود، والتِّرمِذي، والنّسائي، عن حُذَيْفةَ قال: (صَلَّيْتُ مع رسولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم ليلةً من رمضان، فافتتح البقرة، فقلتُ يُصَلّي بها ركعة، ثمّ افتتح النِّساء فقرأها، ثمّ افتتحَ آلَ عِمْران، فقرأها مُتَرَسِّلاً إذا مرَّ بآيةٍ فيها تسبيحٌ سبّح، وإذا مرَّ بِسُؤالٍ سأل وإذا مرَّ بتعوُّذٍ تعوَّذّ) لا إله إلاّ الله ما هذه الصّلاة ؟ ويقرأ في ركوع وليس في أكثر من ركعة؛ ولذلك قال ابنُ مسعود: (حتّى هَممتُ بِأمرِ سوء. قيلَ: وما هممتَ به؟ قال: هممتُ أن أركَعَ وأَدَعَه) من طولِ قيامِ رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم، لقد كان عليه الصّلاةُ والسّلام عَبْداً شَكوراً.
                        ولاحظوا: طريقة التِّلاوة: مُتَرَسِّلاً إذا مرَّ بآيةٍ تعوُّذٍ تعوَّذ، وإذا مرَّ بآيةِ تسبيحٍ سبّح، وإذا مرَّ بآيةِ سُؤالٍ سأل.
                        وهذا تقديرُه في حدود أربع ساعات ونصف إلى خمس ساعات .
                        لأنه لا يمكن أن تُقْرَأ هذه السّورة في الصّلاة بهذه الطّريقة في أقلّ من ذلك؛ لأنَّ الجزء الآن – يا إخواني – يقرَأُهُ الّذي يقرأ قراءة عاديّة في نصف ساعة، فإذا كانت هذه الآن خمسة أجزاء وزيادة، معنى ذلك أنّ الخمسة أجزاء تحتاج إلى كم؟ إلى ساعتين ونصف. هذا بالقراءة العادية بدون توقُّف ولا تسبيح ولا تعوُّذ ولا سُؤال، ومن دون ركوع ولا سجود ولا غيرُ ذلك ممّا يلزم للصّلاة.
                        إذاً: كان النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم وقف يقرأ القرآن في تلك القراءة المترسِّلة قرابة أربع ساعات ونصف أو أزيد والله أعلم.
                        وأخرج التِّرْمِذيّ، وحسَّنه النَّسائي وابنُ ماجه، وغيرهم، عن أبيه هريرة، بعث رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم بعْثاً وهم ذَووا عَددٍ، فاستقرأ كُلَّ رجُلٍ منهم. يعني: ما معه من القرآن، فأتى على رَجُلٍ منهم من أحدَثِهم سِنّاً، فقال: " ما معك يا فلان؟ قال: معي كذا وكذا وسورةُ البقرة. قال: أَمعك سورةُ البقرة؟ ! قال: نعم. قال: اذهب فأنت أميرُهم. " فقال رجُلٌ من أشرافهم: (واللهِ ما مَنَعَني أن أتعلَّمَ سورة البقرةَ إلاّ خشيَةَ ألاّ أقومَ بها) فقال رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: ((تعلَّموا القرآن، واقرأوه، فإنَّ مَثَلَ القرآنِ لِمَن تعلَّمه، فقرأه، وقام به كَمثَلِ جِرابٍ محْشُوٍّ مسكاً يفوحُ ريحُهُ من كُلِّ مكان، ومَثَلُ مَن تعَلَّمَهُ فيَرْقُدُ وهو في جَوْفِه؛ كمَثَلِ جِرابٍ أوكي على مسكه))، يا الله! ما أجمل هذا التّشبيه ! المقصود من هذا الحديث فضيلة هذه السّورة، وفضل مَن أخذ بها وتعلَّمَها، وحفِظَها، فالنّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أمَّرَ هذا الفتى الصّغير الحَدَث السِّنّ على أصحابه؛ لأنّ معه سورة البقرة، وقد استقرأ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أصحابَهُ البقيّة؛ لينظُر مَن هو أعلَمُهم، أفقَهُهم، أعلاهم شأناً؟ فأعلى النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم مَن كان معه السّورة العالية الشّريفة الّتي هي سنام القرآن.
                        وانظروا لمّا قال الرّجل: (واللهِ ما مَنَعَني أن أتعلَّمها إلاّ خَشْيَةَ ألاّ أقومَ بها) قال النّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم؛ مُبَيِّنا خطأ هذا المنهج : ((تعَلَّموا القرآن، واقرأوه، فإنّكم لم تعدموا من هذه القراءة خيراً)) ومن هذا التعليل، لن تعدموا منه خيراً، سيُصيبُكم الخير بإذنِ الله.
                        قال: ((تعلَّموا القرآن واقرؤوه؛ فإنَّ مَثَلَ القرآنِ لِمَن تعلَّمَهُ، فقرأه، وقام به - هذا المثل الأوّل- كَمَثَلِ جِراب – الوعاء المعروف – محْشُوٍّ مسكاً)) قد حُشي وَمُلِئ مسْكاًـ طيباً ـ من أطيب الطّيب والمسك هذا الّذي يُسْتَخْرَج من الغزال المعروف ـ غزال المسك ـ من صُرَّةٍ، في صُرّته.
                        قال : ((يفوحُ ريحُهُ في كُلِّ مكان)) هذا من ثمرة ونور وبركة هذه السّورة، وهذا القرآن كلُّه.
                        ((وَمَثَل مَن تعَلَّمَهُ فَيَرْقُدُ وهو في جَوْفِه كَمَثَلِ جِرابٍ أوكِيَ على مسكِه)) الّذي في جوفه خير ليس شرّاً خير عظيم جدّاً، لكنَّهُ لا يفوح ولا يستدعي به صاحبُهُ؛ لينتفع به الآخَرون انتِفاعاً بيِّناً.
                        إذاً: أنت يا مَن تلكَّأْت في تعَلُّم هذه السّورة؛ خشيةَ ألاّ تقوم بها، أنت لم تعدَم: إمّا أن تكون جِراباً قد حُشِيَ مسكاً، وهو مفتوح يشُمُّهُ كُلُّ النّاس، أو جِراب قد حُشِيَ مسْكاً وهو موكوء. يعني: قد أُغْلِق، فأنت بخير ما دام في جوْفِكَ المسك أنت بخير، فهذا هو ردُّ النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم على مَن يقول مثل هذه المقالة .
                        وأخرج البيْهَقي في الدّلائلِ عن عثمان بن العاص قال: (استعملني رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم، وأنا أصغَرُ السِّتّة الّذينَ وَفَدوا عليه من ثقيف، وذلك أنّي كنت قرأت سورة البقرة) .
                        وقال ابنُ مسعودٍ فيما رواهُ الطّبرانيُّ عنه: (مَن قرأ سورةَ البقرة فقد أغبط وأطاب) يعني: قد حصَّل خيراً كثيراً.
                        وأخرج وكيع، وأبوا ذرّ الهَرَوي، عن التّميمي قال: (سألْتُ ابنَ عَبّاسٍ أيُّ سورةٍ في القرآنِ أفضل؟ قال: البقرة. قلتُ: فأيُّ آية؟ قال: آيةُ الكُرْسي) فجعل ابنُ عبّاس أفضلَ سُوَرِ القرآن: (سورة البقرة).
                        ولعلّ هذا والله أعلم قد يكون تلقّاهُ من النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
                        فإن قيل: ألا يُعارض هذا ما ورد في سورة الفاتحة؛ من أنّها أعظم سورة في القرآن؟
                        فيُقال: تلك أعظم، وهذه أفضل، والعِظَم يشمل الفضيلة وزيادة.
                        وعلى كُلٍّ لو تعارضا، فقولُ رسولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم مُقَدَّمٌ على قوْلِ ابنِ عبّاس.
                        وأخرج محمّد بن نصر في كتاب الصّلاة من طريقِ سعيدِ بن جُبَيْرٍ، عن ابنِ عبّاسٍ قال: (أشرَفُ سورةٍ في القرآن البقرة، وأشرفُ آيةٍ، آيةُ الكرسي)
                        هذه السّورة لمّا نزلت شعر الصّحابة بعِظَمِها، وعَلِموا من رسولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم مكانتها؛ اعتَنَواْ بِها أشدَّ العِناية.
                        واسمعوا بعضَ الآثار الّتي تدُلّ على اعتناءِ الصّحابة بهذه السّورة:
                        أخرج الخطيب، ومالك، والبيهَقي، عن ابنِ عُمَر، قال: (تعلَّمَ عُمَرُ البقرةَ في اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سنة، فلمّا خَتَمَها نَحَرَ جَزوراً ).
                        هل عمر تعلَّمها في اثنتي عشرةَ سنة؛ لأجل أنّه كان يتباطأ في تعلُّمِها، ويُؤجِّل اليوم بعدَ اليوم، والشّهر بعد الشّهر، أو لا يُدارِسُها ولا يقْرَأُها إلاّ في رمضان؟ لا، كان مُتابِعاً مواصِلاً على درسه وتلاوته وقراءته وتعلُّمه واستنباطه وفهمه بما في هذه السّورة، ولكن السّورة فيها من الخير والمعاني الشّيْء الكثير.
                        وذكر مالكٌ في المُوَطَّأ أنَّهُ بلغَهُ أنَّ عبدَ اللهِ بن عُمَر مكثَ على سورةِ البقرة ثمانيَ سنين يتعلَّمُها.
                        وأخرج ابنُ سعْدٍ في طبقاته عن ميْمون أنَّ ابنَ عُمَر تعلَّمَ سورةَ البقرة في أربع سنين.
                        وأخرج مالكٌ، وسعيد بن منصور، والبيهقي في سننه عن عُرْوة (أنَّ أبا بكرٍ الصِّدّيق صلّى الصُّبح ، فقرأ فيها بسورةِ البقرة في الرَّكعَتَيْنِ كِلْتَيْهِما) يعني: قسم البقرة على الرّكعتين.
                        فانظروا – يا إخواني – من شدّة عناية الصّحابة بها ، وأنّهم ما يسمعونها الناس في الصّلاة، إذا كانت سورة البقرة تحتاج إلى قرابة ساعة ونصف، فمعنى ذلك أنَّ أبا بكر صلّى من أوّل الوقت إلى أن قاربت الشّمس أن تخرُج.
                        وأخرج الشّافعي في الأُمّ عن سعيد بن منصور ومصَنَّف ابن أبي شيبة، والبيْهَقي، عن أنس: (أنَّ أبا بكرٍ الصِّدّيق صلّى بالنّاسِ الصُّبح، فقرأ بسورةِ البقرة، فقال عُمَر: قَرُبَت الشّمسُ أن تطلع، فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين).
                        وأخرج ابنُ أبي شيبةَ، عن أنسٍ، أنَّ أبا بكر قرأ في يومِ عيدٍ البقرة؛ حتى رَأيْتُ الشَّيْخَ يميت – يعني يتمايل – من طولِ القيام.
                        هذا يدُلّ على ماذا ؟ يدُلّ على أنَّ أبا بكر – رضي الله تعالى عنه – كان حريصاً على أن يُسْمِعَها للنّاس؛ لكثرة ما فيها من أحكام والتعاليم والآداب والشّرائع والحِكم والأخبار والقَصص والعقائد، وأنّ الأُمّة بحاجة إلى أن يسمعوها، وأن يسمعوها في المجلسِ الواحد، وليس في مجالس متعدِّدة، ومن شِدَّةِ عنايةِ الصّحابة بهذه السّورة، وإعلائهم بشأن صاحبِها، واهتِمامهم بها، واعتنائهم بها، يخُصّونها من بينِ سائرِ القرآن؛ حتى في النِّداء، وجعْلِها شِعارً ورمزاً للمؤمنين.
                        يقول: أخرج عبدُ الرّزّاق وابنُ أبي شَيْبة في المُصَنَّف عن عُرْوةَ قال: (كان شِعارُ أصحابِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم يومَ مُسَيْلِمة – يعني في حروب الرِّدة في معركة اليمامة – (كان شعار أصحاب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يوم مُسَيْلِمة، يا أصحابَ سورةِ البقرة) .
                        يقولُ ابنُ عربي – – سمعْتُ بعْضَ أشياخي يقول: (فيها ألْفُ أمْرٍ، وألْفُ نَهْيٍ، وألْفُ حُكْمٍ، وألفُ خبر) وهذا الأمر قد يكون شاقّاً – يعني – علينا نحن؛ لأنّنا ما نعرف، وما درسنا، وما تعلّمنا، وما نأخذ من الآية إلاّ أظهر الظّاهر منها، ولم نتأمّل الآية حتى نعرف جميع ما فيها.
                        لو تنظرون في بعضِ الكتب الّتي تهتمّ باستنباط الفوائد، وبعض العلماء الّذينَ يُعْنَون باستنباط الفوائد؛ لرأيْتُ من ذلك عَجَباً.
                        الشيخ ابن عثيمين له في تفسير هذه السّورة ثلاث مجلّدات يقف عند بعض الآيات فيستنبط وهي آية قد لا تتجاوز السّطر الواحد يستنبط سبع وعشر وعشرين فائدة، وهذا ما ستنبطه الشيخ! فكيف ما استنبطه الأئمّة من قبله؟! وما يستنبطه النّاس من بعده! إنّه شيء كثير جدّاً.
                        هذا كلام ابن العربي.
                        أمّا الرّازي – – صاحب التّفسير الكبير المُسَمّى: ـ مفاتيح الغيب ـ قال: (اعلم أنّهُ مرَّ على لسانِ في بعضِ الأوقات أنَّ هذه السّورةَ الكريمة – يعني سورة البقرة – يمكِنُ أن يُسْتَنبَطَ من فوائدِها ونفائِسِها عشَرةُ آلاف مسألة، فاستبعد هذا بعْضُ الحُسّاد وقومٌ من أهلِ الجهلِ والغَيِّ والعِناد وحملوا ذلك على ما ألفوه من أنفسهم من التصرُّفاتٍ فارغة عن المعاني والكلمات الخالية أو ما ألِفوه من أنفُسِهم من التخلُّفات الفارغةِ عن المعاني والكلمات الخالية عن تحقيقِ المعاقب والمبادئ، فلمّا شَرَعْتُ في تصنيفِ هذا الكتاب – يعني تفسيرَهُ الكبير – قدَّمْتُ هذه المقدِّمة؛ لتصيرَ كالتنبيهِ على أنَّ ما ذكرنا أمرٌ ممكنُ الحصول قريبُ الوصول).
                        وقال ابنُ عطيّة في ـ المحرَّر الوجيز ـ قال: (سورةُ البقرة فيها خمْسُ مِئةِ حكم، وخمسةَ عشَرَ مَثَلاً ).
                        وأمّا عدد آيات هذه السّورة فاختُلِف في عَدِّها بين مذاهب النّاس في العدّ:
                        فهناك العدّ البصري، والعدّ الكوفي، والعدّ المكّي، والمدني، والعدّ الشّامي.
                        وكلّ واحد منها له اعتبارات .
                        لكن أقلّ ما عُدّت به سورة البقرة 285 آية .
                        وأكثر ما عُدَّت عليه سورة البقرة: ( 287 آية ) .
                        وأكثر النّاس جرى على العدّ الكوفي الّذي عليه مصاحفنا اليوم، وهو: ( 286 آية ) .
                        هذه السّورة كم فيها – يا إخواني - ؟
                        فيها كما يقول الفَيْروز أبادي ـ في بصار التمييز ـ وهو كتابٌ نفيس في ذكر هذه المعاني وذكر المقدِّمات، وذكر أيْضاً ألفاظ القرآن؛ وِما تحتمِلُهُ أيْضاً من معاني، والنّاسخ والمنسوخ ، ومقاصد السُّور، وموضوعات كلّ سورة وما يتّصل بها، قال: (هذه السّورة فيها خمسةٌ وعشرون ألف حرف وخمس مئة حرف) يعني : 25500 حرف . وفيها: (ستةُ آلاف ومئة وإحدى وعشرون كلمة) والمقصود بالكلمة: يعني: كلّ كلمة قد انقطعت عن الكلمة الّتي قبلها.
                        فمثلاً: ذلك كلمة، الكتاب كلمة، لا ريبَ كلمة، فيه كلمة .. وهَلُمَّ جرّا .
                        إذاً فهذه السّورة فيها : 286 آية، فيها 25500 حرف، فيها 6121 كلمة . وهذا قريب من عدد آيات القرآن .
                        أمّا موضوعات هذه السّورة في الحقيقة أنَّنا أمام بحر طويل من موضوعات هذه السّورة، ولذلك لن أتحدَّثَ عنه اليوم سأُرْجِئ الحديث عنه – إن شاء الله – في الأسبوع القادم؛ لأجلِ أن نأخُذَهُ بشكلٍ كامل وَمُفَصَّل، وأتمنّى من الإخوة الّذين معي في هذا المجلس في الأسبوع القادم إذا جَلَسوا أن يكون معهم مصاحف؛ حتى نُتابع الموضوعات موضوعاً موضوعاً، ونعرف كيف تضمَّنت هذه السّورة هذه الموضوعات، وكيف تسلسلت هذه الموضوعات في السّورة تسَلْسُلاً عجيباً ومُبْهِراً، لا على كما يظنّ بعض النّاس: أنَّها موضوعات مفرَّقة، وآيات مشتَّتة، وأحكام مبعثرة ومنفصلة، لا رابط بينها ولا زمام يزُمُّها ويجمعُها، بل هي منظومة نظْماً عجيباً، ومُرَكَّباً تركيباً بديعاً، وسنُبَيِّن هذا بإذن الله – عزّ وجلّ – وحوله وقوّته الأسبوع القادم عندما نتحدَّث عن موضوعاتِ هذه السّورة وكيف رُكِّبَت ؟ وكيف نُظِمَت ؟ وكيف قُسِمَت إلى قسمين واضحين؟ سنذكر بداية كلّ قسم ونهايته، ونُبيِّن كيف كان القسم الأوّل مُقَدِّمة للقسم الثّاني.
                        أسألُ الله – – أن يُفَقَهِني وإيّاكم في كتابه ، وأن يجعَلَنا من أهلِ القرآنِ العظيم الّذينَ هم أهلُ الله وخاصّتُه.
                        وصلّى الله وسلَّمَ وبارك على نَبيِّنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعيه .

                        السؤال أُلقِيَ شفهياً من قِبَل السائل فلذلك لم يتضح سماعه.
                        الجواب: أَيْ نعم، وردت أحاديث في تحديد أنّ الشيطان يبيت ثلاث أيام ونحوها، لكن هذه الأحاديث في أسانيدها مقال. أَيْ نعم.
                        يحصل الفضل بالمداومة على قراءتها، يعني: فكُلَّما قُرِئَت هذه السّورة فرَّ الشّيْطان، لكن مدّة فِراره – واللهُ أعلم – أنّ هذا يُقصَد به الفرار بيوم وليلة ونحو ذلك؛ لأنّه لو كان فقط مجرّد القراءة فكيف بذلك مشقة على النّاس – والله أعلم - .

                        س2: .....يقول : آية الرِّبا تحريمُها .
                        الرِّبا حُرِّم في القرآن أو سار في القرآن على ثلاث مراحل:
                        المرحلة الأولى: يعني: ذمُّهُ بطريقةِ الإشارة، وهذا نزل في السُّور المكيّة؛ كسورة الرّوم قال الله – عزّ وجلّ -: وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ 39 فقارن بين الرِّبا وبين الزّكاة، وقال: وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ فذمّه بطريق الإشارة ؛ لأن كلّ معاملات النّاس وأحوالهم على الرِّبا ، فكأنّهُ كرهه .
                        الآية الثانية في الرِّبا : هي آية سورة آلِ عمران وكان هذا في حدود السّنة الثانية الهجرية ، قال الله – عزّ وجلّ - : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ 130 فَحُرِّمَ الرِّبا المُضاعَف، وهو رِبا الجاهلية الّذي كان يقولون فيه يعني يصدر الرجل منهم سلَفاً فإذا جاء إلى صاحبه في آخر العام قال إمّا أن تقضي وإمّا تردّه مُضاعفاً، فإذا كان أقرضه ألفاً جاء يستلم القرض ألف ومئتين قال ما عندي قال: إذاً أنا أُضْعِف لك المُدّة، وأُضعِف عليك الرِّبا، وهذا المعروف يعني الرِّبا الجاهلية يُسَمّى الرِّبا المضاعف وهو مجمع على تحريمه.
                        ثمّ نزل في آخرِ عهدِ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم تحريم الرِّبا كُلِّه: رِبا الفضل، ورِبا النَّسيئة، ورِبا القرض، كلّ هذه أنواع نزلت في الأخير، ونزلت فيها آيات سورة البقرة الّتي هي قُبَيْل آخر آية أُنزِلَت في القرآن، قبل قوله: وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ قبلها ماذا ؟ آياتُ الرِّبا الّتي أوَّلُها قولُه: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ.... إلى آخر المقطع، والعجيب أنّهم إذا ذكر الرِّبا قُورِن بالصّدقة .............. قال في هذه الآية قبل قوله الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا ماذا قال قبلها؟ آية الإنفاق في الصّدقة كُلُّها آيات الإنفاق والصّدقة لِمَن يحفظ منكم سورة البقرة، آخر آية منها: الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ 274 الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ... فَمَن أراد أن يَنْمُوَ مالُه، مَن أراد أن يُضاعَف له هذا المال، وأن يربَحَ الرِّبحَ العظيم، فعليه بالصّدقة، وَلْيَدَع هذا الرِّبا.

                        يسأل الأخ يقول: ما هي أنواعُ الرِّبا؟
                        الجواب: الرِّبا له نوعان مشهوران، وبعضُ العلماء يقول هي ثلاثةُ أنواع، والثّلاثة ثابتة معروفة:
                        النّوع الأوّل: رِبا النَّسيئة. ورِبا النَّسيئة هو: أن يُقْرِضَ الإنسان قَرْضاً، أو يبيع الإنسان أحداً إلى أجل، فإذا جاء الموعد ولم يقضِ ذلك الرّجل، قال لهُ إمّا أن تقضي وإمّا أن تُرْبي. يعني: يُقابل أي تأخير بالدَيْن أو في القرض مبلغ من المال، وهذا الرِّبا مشهور ومعلوم، وعليه رِبا مثلاً ... والبنوك الرِّبَوية هي على مثلِ هذا النّوع من الرِّبا – نسألُ الله العافية والسّلامة – وهذا مُجْمَع عليه بين المسلمين لا يختلفون.
                        النّوع الثاني: رِبا الفضل. وهذا الرِّبا ذكرَهُ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في ستّة أنواع: البُرّ، والشّعير، والملح، والتّمر، والذّهب، والفِضّة. هذه الأنواع السّتة لا يجوز أن تبيع نوعاً منها بمثلِه إلاّ مِثْلاً بمثل، سواءً بسواء، يَداً بيد، فإذا لم تبِع يداً بيد، وقعتَ في رِبا الفضل، وإذا لم تبِعْ مِثْلاً بمثل؛ وقعتَ في رِبا الفضل: لو بعت كيس من الأُرز، كيس من القمح و بكيسين من القمح من نوعٍ آخر، فهذا قد يقع في رِبا الفضل. لو بعت كيس من الملح في كيسين من الملح؛ وقعت في رِبا الفضل. لو بعت صاع من تمر سُكَّري بصاعَيْن من التّمر بنوعيّات رديئة مثلاً الّذي لا يشتريها النّاس أو ليست مرغوبة لديهم؛ فهذا رِبا الفضل. هذه من صورة رِبا الفضل. وكذلك إذا بيعَت هذه السّلعة في وقتِها ولم يتقابضوا في مجلِسِ العقد لو بعتُ ريالات بِدُولارات، فإنَّ هذا لا بُدَّ فيه من التّقابُض في مجلِسِ العقد، هذه جملة من رِبا الفضل، فرِبا الفضل – يا إخوتي – إذا بعْتَ شيْءً من هذه الأصناف بمثلِه تبيعُ بشرطين:
                        التّقابُض في مجلِسِ العقد.
                        وأن يكونَ مِثْلاً بمثل، سواءً بسواء.
                        وإذا اختلفت هذه الأصناف، فإن كانت من هذه الأشياء الأطعمة، فإنّ لك أن تبيع كيف شئت، بشرط أن يكون في مجلِسِ العقد، إذا بعت تمراً بشعير، أو شعيراً بقمح، أو قمحاً بملح، بع كيف شئت، كيس بعشرةِ أكياس لا مانع لكن بشرط أن يكونَ في مجلِسِ العقد.
                        وإذا اختلفت هذه الأصناف مع الذّهب والفضَة الّتي عِلَّتُها الثّمنيّة كما يقول العلماء، فهنا تبيع كيف شئت، ولا يلزم أن يكون ذلك في مجلس العقد، فلو بعت قمحاً بذهبٍ مُؤجَّل لا شيء في ذلك لاختلاف العلة؛ لاختلاف الأنواع، والنَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم نصّ على هذه السّتة، وجمهورُ العلماء سَلَفاً وخَلَفاً على أنّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم ذكر هذه السّتّة والمراد أيْضاً ما هو في حكمه، فيدخل في الرِّبَوِيّات: الرُّزّ، العدس، الفول، كلّ ما يُطعَم ويكال ويدخر ويكتال ويقتات هذه كُلُّها يدخُلُ فيها الرِّبا، ويدخُل في الثّمَنِيّات: الذّهب والفضّة وما يقومُ مقامَهما؛ مثل الورق النَّقْدي الموجود الآن. وعلى هذا لو بعت عشر ريالات بعشر ريالات فكّة لازم يُشْتَرَط فيها ماذا؟ شرطين:
                        أن يكون مثلاً بمثل عشرة بعشرة.
                        وأن يكون في مجلِسِ العقد.
                        فإن قال لك: أعطِني هذه العشرة ورقة واحد عشر ريالات، يقول: والله معي تسعة، يقول: طيّب خلاص أعطني إياها وبعدين ارجع لك الريال. نقول لا ما ينفع لا بُدّ أن يكون في مجلس العقد.
                        وإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم، لكن بشرط أن يكونَ يداً بيد .
                        لو بعت ريالات بدولارات بع كيف شئت، بعت دولار بمئة ريـال، أو الرّيال بمئة دولار لا مانع لكن بشرط أن يكون في مجلس العقد.
                        هذا هو رِبا الفضل.
                        الرِّبا الثّالث: هو رِبا القرض وهو رِباً لا يتفطّن له مع الأسف كثيرٌ من النّاس، وهو: أن تُقْرِضَ إنسان قرضاً، ثمّ تطلب منفعةً زائدةً على القرض، ما هو مال، وإنّما منفعة زائدة عن القرض. مثلاً يأتي شخص يقول يا فلان أقرِضني خمسة آلاف. يقول: نعم، ما عندي مانع لكن بشرط توصل ابني معك المدرسة كل يوم. قال: أبشر، غالي والطلب رخيص . نقول: هذا رِبا من رِبا القرض.
                        كلّ منفعة دخلت في هذا القرض فهي من الرِّبا .
                        قال: أُريدك أن تعلّم ولدي الحساب، سأُقرِضُك لكن بشرط أن تُقْرِضَني إذا طلبت منك القرض، هذا أيْضاً داخلاً في رِبا القرض، فكُلُّ قرْضٍ جرَّ نفعاً، فهو رِبا، وهذا ليس بحديث على الصّحيح، ولكنَّه كلمةٌ قالها بعض الصّحابة، وأجمع النّاس عليها.
                        صحيح أنّها محلّ إجماع من أهل العلم.
                        هذه أنواع الرِّبا الثّلاثة والله أعلم.

                        يقول الأخ: إنّي اشتريت من صاحب البقالة مقاضي، ثمّ أعطَيْتُه خمسينَ ريالاً، وهو يريد منّي 35 قال: والله ما عندي فكّة. فأنا أعطيته الآن بأنّي أعطيته ثمنه وزيادة عشرين؛ لأنّها صارت كلّها ورقة واحدة، هل هذا فيه رِبا؟
                        الجواب: لا، ما فيه رِبا أبداً؛ لأنّك أردت أن تفكّ المال الخمسين أعطني إياها مفكوكة، هنا لا بدّ من التقابض في مجلس العقد أمّا عن ترك الوقت؛ كأنّك أنت أعطيته الثلاثين وأقرضته العشرين، وتقول: وأنا أجيك بعد العصر وأستلم منك الباقي ، هذا لا شيءَ فيه.

                        سؤال: يقول الأخ: في قولِ الله –ع عزّ وجلّ -: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً لا يُحْمَل على الغالب؛ كما في قولِهِ – عزّ وجلّ – وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ ما يظهر ذلك، بل الّذي يظهر: أنّ الّذي حُرِّم هو الرِّبا المُضاعف في الفعل، والدّليل : أنّ الصّحابة كفوا عن هذا الرِّبا، وبقي عندهم ماذا؟ الرِّبا الآخر، ولذلك حرَّمه النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في حُجّة الوداع، فقال: ((ألا وإنَّ رِبا الجاهليّة موضوع وأوَّلُ رِباً أضعُهُ من ربانا رِبا عمِّيَ العبّاس)) وتحريم الرِّبا في كلِّ أنواعه وصوره جاء متأخِّراً، وليس من أوائل الأمور.

                        س:......................
                        الجواب: القناطير المقنطرة هي: الأموال الكثيرة، يُقصَد بها الأموال العظيمة الهائلة الكثيرة، قال الله – عزّ وجلّ -: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ القناطير المقنطرة يعني: الأموال الكثيرة، وفي سورة آل عمران: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا فأراد أن يذكر الشَّيْء القليل بالشَّيْء الكثير، تأمنه بقنطار يعني: المالك الكثير يُؤدِّهِ إليك من أمانته، ومنهم: أي من أهل الكتاب مَن إن تأمَنْهُ أي: تأمنه على دينار لا يُؤدِّهِ إليك إلاّ ما دُمْتَ عَليْهِ قائماً، وتعرفون الحديث الّذي رواه أبوا هريرة قال ((مَن تَبِعَ جِنازة حتى تُغَسَّل كان له قيراطٌ من الذّهب، ومَن تَبِعَها حتى يُصَلّى عليها فله قيراطٌ من ذهب، ومَن تبعَها حتى تُدْفَن فله قيراطان، قيلَ: ما القيراطان؟ قال: مثلُ الجبليْن العظيمَيْن ) وقال ابنُ عُمَر لمّا سمع الحديث: ( واللهِ لقد فرَّطنا في قراريط عِدّة ) فاتتنا قراريط كثيرة. هذا ليس قنطار عادي، هذا قيراط من الذّهب لكنّه مثلُه.

                        يقول الشيخ: هل هناك متون في علوم القرآن؟
                        الجواب: إن كان تُريد مراجع في علوم القرآن، المراجع معروفة؛ مثل: البرهان للزّرْكَشي، ويُعْتَبَر من أفضل ما عُرِف في علوم القرآن تحريراً ومن أبدعه. وجاء بعده السُّيوطي – – فكتب كتاب ـ الإتقان ـ وذهب إلى جميع ما في ـ البرهان ـ وزاد عليه، ثمّ المعاصِرون كتبوا كتب كبيرة جدّاً، من أفضَلِها كتاب شيخِنا العلاّمة :مناع القطان– - ـ مباحث في علوم القرآن ـ ، ومنها كاتب للأستاذ الدكتور : ـ فهد الرّومي ـ ـ دراسات في علوم القرآن ـ وهو كتاب يقع في مجلّد والحقيقة أنّه من الكتب الممتازة في هذا الباب، ومنها أيْضاً كتاب المقدِّمات الأساسية في علوم القرآن لعبد الله الجعيد، ومنها كتاب: للشيخ الدكتور: مساعد الطّيّار واسمه: ـ المُحَرَّر في علوم القرآن ـ ، وهناك كتاب جديد ينزل قريباً اسمه المُيَسَّر في علوم القرآن للدكتور عبد الرّحمن الشّهري، وكتب علوم القرآن كثيرة.
                        فإن كان سؤال الشيخ عن المتون يعني: تُحْفَظ أو تُقْرَأ في علوم القرآن فالحقيقة قليلة هذه المتون، لكن في منظومة للزمزمي تعتبر منظومة جيِّدة في هذا الباب، وهناك أيْضاً في علوم القرآن وأصول التفسير كتب الشيخ العلاّمة محمّد بن عثيمين – - .
                        وأسأل الله أن يُعينَني ويُوَفِّقَني على كتابة متن في علوم القرآن يكون قليل الألفاظ حتى يمكن حفظه، ويمكن شرحه فأنا أفكر فيه من عشرين سنة، ولكن أسأل الله التوفيق .

                        يقول : ما أفضل طبعة لكتاب التحرير والتنوير ؟
                        الجواب : كتاب التحرير والتنوير للطاهر ابن عاشور وهو من علماء القرن الماضي – كان رئيس الإفتاء في جمهوريّة تونس وهو من ضمن العلماء الكبار وقد بقي في كتبة هذا التفسير أكثر من 36 سنة يكتبه فحرره تحريراً بارعاً ولا نكاد نجد من كان يتعقب الزمخشري في مثلما يفعل ابن عاشور في تعقُبّاته له، وأفضل طبعة أعرِفُها طبعة، لكني رأيت في هذه الفترة اليسيرة طبعة أخرى فلا أدري هل هي أفضل من طبعة الدار التونسية.. أو لا ؟ الله أعلم، لكن طبعة الدار التونسية طبعة جيّدة ومتقنة ومحرَّرة، والله أعلم.

                        يقول: ما هو الرّاجح في تفسير الصّمد أليس كذلك؟
                        الجواب: اختلف المفسّرون فيه على أقوال، وهذا الاختلاف هو من باب التّنوُّع لا من باب التّضادّ، فهو من الاختلاف الّذي يمنكن جمع الأقوال فيه؛ لأنّه ليس قولٌ منها يُضادّ الآخر،
                        فقيل: الصّمد الّذي لا جوف له .
                        وقيل: الصّمد الّذي لا يأكل ولا يشرب.
                        وقيل: الصّمد الّذي لم يلد ولم يولد.
                        وقيل الصمد ذو السؤدد الذي لا أعظمَ منه أي: العظيم الكامل في عظمته، الكبير الكامل في كبره،
                        وقيل: أيْضاً الّذي يُصْمَدُ إليه عندَ قضاءِ الحاجات، يعني: يُرْكَن إليه ويُلْجَأ إليه عند قضاء الحاجات
                        وعندما تتأمّل هذه الأقوال الخمسة وغيرها عند أقوال السلف نجد أنّها كلَّها تدور على أنّه – – الغنيّ بذاته الّذي يفتقر إليه النّاس، الّذي لا جوْفَ له؛ لأنّه الغني الجوف إنّما يحتاجه مَن هو فقير، والّذي لا يأكل ولا يشرب هو أيضاً الغني الّذي كَمُلَ غِناه فهو ليس بحاجةٍ إلى شيء من مخلوقاته، والّذي لم يلد ولم يولد أيْضاً لكماله وكمال غناه فهو ليس بحاجةٍ إلى والدٍ ولا ولد ( هو الأوّل فليس قبله شيء والآخر فليس بعده شيء والظّاهر فليس فوقه شيء والباطن فليس دونه شيء) وأيضاً الكامل في سُؤدده الكامل في غِناه الكامل في عظمته. والّذي يصمد إليه لقضاء الحوائج هذا أيْضاً من تمام المعنى فتبيّن بذلك أنّ هذه الأقوال كانت الصّمد هي من باب التّنوُّع وإطلاق اللّفظ وليس من باب التضاد وغالبُ خلاف المفسّرين من هذا النّوع والله أعلم وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه أجمعين .
                        سمر الأرناؤوط
                        المشرفة على موقع إسلاميات
                        (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

                        تعليق


                        • #13
                          مقاصد السور القرآنية
                          للدكتور: محمد الخضيري حفظه الله
                          اللقاء السادس


                          إنَّ الحمْدَ لله نَحْمَدُه ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّهِ مِن شرورِ أنفُسِنا وسيِّئاتِ أعمالِنا مَن يهدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَه، ومَن يُضْلِل فَلا هادِيَ لَه، وأشهدُ أن لا إلَهَ إلاّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شريكَ لَه، وأشهدُ أنَّ محمَّداً عبْدُهُ ورسولُه صلّى اللَّهُ عليه وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تسليماً كثيراً.

                          أمّا بعد:

                          تحدثنا في المجلس الماضي عن سورة البقرة، وبيّنّا اسمها، ووجه التّسميةِ بذلك الاسم وبقيّة الأسماء، وذكرنا مكانَ نزولِها، وذكرنا عددَ حروفها وكلماته وآياتها، ثم تحدثنا بعد ذلك عن فضائلها، واليوم نتحدّث عن موضوعات سورة البقرة.

                          هذه السورة العظيمة نُلاحظ أنّها اشتملت على موضوعات كثيرة جدّاً، ومَن يقرؤُها قد يشعر بأنّ هذه الموضوعات منتشرة، وأنّها متفرِّقة، وأنَّهُ لا رابِطَ بينها، ولكنَّنا - إن شاء اللَّه - بعد هذا العرض الَّذي سنعرِضُهُ في هذا الدّرسِ - إن شاء اللَّه - سيتبيَّنُ لنا كم هي هذه السّورة متلائمة ومتناسبة ومترابطة، وفيها من الحكمة في وضعِ كُلِّ شيْءٍ في موضعِه قبلَهُ ما يخدمه ويعينُ على فهمه، وبعدَهُ ما يُلائمُه بما يجعل الإنسان يندهِشُ من عظمةِ هذا القرآن، ويشعر أنَّهُ بالفعل أمام سورة تستحقّ الكثير من التأمُّل، وأنَّها فُسطاط القرآن، وأنّها سنامُ القرآن - كما سُمِيت -، وأنّها جامعة الشّريعة، أو - كما عبّر بعضُ العلماء - كُلِّيَّة الشريعة، فقد جُمِعَت فيها الشريعةُ كُلُّها؛ بعقائدِها بعباداتِها معاملاتِها أقضِيَتِها، وأحكامِها، كُلُّ ذلك في هذه السّورة على نسَقٍ بديع، وما سنقولُهُ فيها لا يبلُغ أحبَّتي الكرام إلاّ نَزْراً يسيراً من قيمة التّفَكُّر في هذه السّورة من الكلام والإبانة، وإلاّ لو أردنا أن نتحدّث بشكلٍ مُفَصَّل، وأن نذكُر ما ذكرَهُ أهل العلم في هذا المَيْدان، وأن نتبيَّنَ كُلَّ شَيْءٍ بشكلٍ دقيق لأخذ منّا ذلك وقتاً طويلاً، ولكن - كما قيل -: (يكفي من القِلادَةِ ما أحاطَ بالعُنُق).

                          افتحوا المصاحف، أرجو أن يكون معكم المصاحف حتى نأخذ السورة آية، آية، ونحاول قدرَ المُسْتَطاع أن نُبَيِّن كيف انتظمت موضوعات هذه السورة.

                          افتُتِحَت هذه السورة بالحروف المقطّعة، والحروف المقطّعة - كما تعلمون - اختلف فيها العلماء، ما هي؟ وما حكمتُها؟ والأقوال في ذلك كثيرة جدّاً: منهم مَن تأوَّلَها، ومنهم مَن أعرض عن تَأَوُّلِها، وأصحُّ الأقوالِ فيها: أنّها حروفٌ لا معنى لها في ذاتِها، لكن لها حكمة ومغزى، فقد جيء بها؛ لِيُقال: إنَّ هذا القرآن مُؤلَّفٌ من هذه الحروف الّتي تنطِقون بها، وتتكلَّمون بها، وتُؤلِّفون كلامكم منها، ومع ذلك لا تستطيعون أن تأتوا بمثلها، ثمّ أنّ في هذه الحروف المقطّعة نوع من أنواع لفت الانتباه، فكأنّ الإنسان كان شارِداَ الذِّهن يتحدّث مع زميلِه أو صاحبِه، أو في منتدًى من المنتديات الكفار التي كانوا فيها فتأتي هذه الحروف؛ لِتُنَبِّه، وتوقِظ وتحاوِل أن تُحْدِث نوع من الصّوت الّذي يجعل الإنسان ينتبه إلى مُخْبِرِه ومتحدِّثه فيقول: ما هذا وما هنالك ؟ الم قال العلماء: " إنَّما يدلّ على صِحَّةِ ما قلناه من أنّ هذه الحروف ليس لها معنى في ذاتِها، ولكن لها مغزى هو: "أنّه ما ذُكِرَت هذه الحروف المقطّعة في السُّور في السور 29 في القرآن الكريم إلاّ وذُكِرَ بعدها القرآنُ الكريم " انظر الم 1 ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ 2 فذُكِرَ الكتاب ، وذُكِر ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ 1، يس 1 وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ 2 ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ 1 ... إلى آخر ما هنالك من الحروف الّتي ذُكِرَت وذُكِرَ بعدها القرآنُ الكريم.

                          ممّا يدلّ على أنّ لهذه الحروف ارتباطاً بحقيقة القرآن ووجه التّحدّي به.

                          بعدما ذكر هذه الحروف المقطّعة واستفتح بها قال: ذَلِكَ الْكِتَابُ يُشير إلى الكتاب الفاصل البعيد لرفعته وعلوّ منزلته لاَ رَيْبَ فِيهِ لا شكَّ فيه هو من عندِ اللَّه. يعني: فخذوه أخْذَ المُتَيَقِّن أنَّهُ من عندِ اللَّه، وأنّ جميع ما فيه من الأوامر والنّواهي قد جاءتكم من عندِ الرَّبّ العظيم الخالق الّذي يأمُرُكُم فليس من حقِّكم أن تعترِضوا، ولا أن تترَدَّدوا، ولا أن تشكّوا .

                          ثمّ بيَّنَ حقيقَتَهُ فقال: هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ يهدي، يهدي مَن؟ مَن اتَّقى اللَّه، فمَن وقر في قلبِهِ تقوى اللَّه صار هذا الكتابُ هِدايةً له، ومَن لم يخَف من اللَّه، ولم يُعَظِّم اللَّه، ولم يقع في قلبِهِ خشيَةُ اللَّه؛ فإنَّهُ لا ينتفِعُ بهذا القرآن فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ 45[ق:45] إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ 37[ق:37] بدأ أوَّل ما بدأ بصفات المتّقين ، وكان في بدايةِ هذه السّورة قسّم النّاس إلى ثلاثةِ أقسام:

                          _ أُناسٌ قَبِلُوا القرآن، واهْتَدَواْ به، فذكر صفاتهم.

                          _ وأُناسٌ رَدّوه رَدّاً كامِلاً وأعْرَضوا عنه إعْراضاً تامّاً.

                          _ والصّنفُ الثّالث: بين هؤلاء وهؤلاء ، فهم ردّوه بالباطن وقبلوه في الظّاهر [ وهؤلاءِ هم المنافقون ] .

                          هذه أصنافُ النّاس بالنّسبة لهذا الكتاب الّذي ذكره الله فقال: ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هذا الكتابُ الَّذي لا رَيْبَ فيه النّاس مواقفهم منه على ثلاثةِ أصناف :

                          _ منهم مَن قبل ؛ وهم : المُتَّقون ؛ الّذين وصفهم اللَّهُ بقوله : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ 3 والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ 4 أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ 5. فأوْجد صفاتَهُم وأعمالَهُم، ثمّ ذكر جزاءَهُم في أربع آيات.

                          ثمَّ انتقل بعد ذلك إلى الّذين أعرَضوا عنهم، وهؤلاء ذكرَهُم في آيَتَيْنِ فقط ذكر صِفَتَهم، وأنَّهُ ما منَعَهُم من الأخْذِ بهذا القرآن، أيُّ حُجَّةٍ أو برهان، أو دليل، ولكن هو الإعراض لذات الإعراض كِبْراً واتِّباعاً للآباء، وعدم انْصِياعٍ للحقّ، وخِذْلانٍ من الله - - إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ 6 خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ 7 فذكر صِفَتَهُمْ وأنَّهُمْ رَدّوا الحقّ وأنّه جِئْت بالنِّذارة أو لم تأتِ بِها، أتيت بالدليل أو تَركْتَه، الكُلّ سواء عنْدَهُم، لن يُغَيِّروا ما هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الباطِل والكُفْر، وما ألِفوه ووَرِثوه عن آبائِهِم.

                          ثمّ ذكر جزاءَهُم؛ فقال: وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ .

                          ثمّ انتقلت الآيات إلى صَنْفٍ ثالث مُعَقَّد ترْكيبَتُهُ صعبة، آمن في الظّاهر، ولم يُؤمن في الباطن، قَبِلَ الحقّ ظاهِراً وكفر باطِناً؛ وهذا أشَدُّ من الصِّنف الثّاني، وأسْوَأُ منه؛ لأنَّ الصِّنف الثّاني كان صريحاً وواضِحاً في ردِّ الحقّ ظاهِراً وباطِناً.

                          أمّا الصِّنْف الثّالث: فهو مُتَلَوِّن يُريد أن يستفيد مِمّا عندَ المؤمنين من العِزّ والغنائم، ويُريد أن تبقى حياتُه على ما هي عليه، وفي الوقتِ ذاتِه هو لم يُؤمن، ولم يستسلم، ولم ينقَدْ لِهذا الدّين انْقياداً باطِناً، وهؤلاءِ هم المنافِقون قال: وَمِنَ النَّاسِ أي: أمام هِداية القرآن وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ ظاهِراً وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ 8 يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ 9 فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ المشكلة عنْدَهم هي هذه (أنَّ قلوبَهُم مريضة) ولمّا كانت مريضة زادهم الله بلاءً من جنسِ البلاءِ الّذي أوْقعوهُ في قلوبِهِم فَزادَهُمْ مَرَضاً، قال: فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً ثمّ ذكر جزاءَهُم وعقوبَتَهُم وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ 10.

                          لمّا ذكر جزاءَهم؛ كأنَّ الحال يقول: هؤلاء لا نكاد نعرِفُهم كيف؟ صفهم لنا يا ربّنا.

                          استطردت الآيات وأطنبت في ذكرِ أوْصافِهم؛ لأنَّ المنافق لا يُعْرَف من لسانه، ولا يُعْرَف من أفعاله؛ إنَّما يُعْرَف من صفات تُتَلَمَّح فيه؛ إذا نَظَرْتَها إذا تأمَّلْتَها عَرَفْتَها فيه؛ هذه الصِّفات تحتاج إلى تدقيق، وإلى بُعْدِ نَظَر، وإلى تَأَمُّلٍ شديد.

                          ولذلك القرآن استطْرَدَ كثيراً في ذكرِ صِفاتِ المنافِقين؛ وما زال يذكُرُ لنا خَباياهم وأسرارَهم وما في نُفوسِهم، وطرائِقَهُم في الحديث، وكيفِيّة كلامِهِم مع رسولِ الله، ومع المؤمنين؛ حتى أعذَرَ وأنذَر، وبان لنا بذلك مَن هم هؤلاءِ المنافِقين؛ مثل ما قال الله - عزّ وجلّ - في سورةِ محمَّد: وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ[محمد:30] .

                          إذاً: لو نشاء لَأَرَيْناكَهُمْ يا محمّد! نحن لم نُرِكَ إيّاهم؛ طبعاً هذا عندما نزلت هذه الآية كان النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم لا يعرفُهُم بِأعيانِهم، ولكِنَّ الله - عزّ وجلّ - بيَّنَ لهُ أنَّهُ سَيعرِفُهُم بِلَحْنِ القَوْل؛ يعني: بطريقتهم في الكلام؛ ماذا يسألون؟ وعن ماذا يتحَدَّثون؟ ما هو حالُهُم في المعارك؟ بِما يتكلَّمون؟ ماذا يقولون؟ كيف يخَمّنون؟ عندما تأتي الغنائم كيف تكون أصواتهم؟ وعندما تأتي الحرب والشِّدّة كيف تكونُ حالُهم؟ هذه الأوصاف قد ذُكِرَت بشكلٍ مُفَصَّل في القرآن؛ ولذلك قال: وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ[محمد:30] يعني: في رمزِ القول وإشارتِه وفيما يُفْهَم من الكلام فَهْماً .. لا صراحةً؛ لن يقولوا يا محمّد! نحن نشهد أنَّك كاذب، أو أنَّك لَسْتَ رسولَ الله؛ لن يقولوا هذا، بل يقولونه؛ كما قال الله - عزّ وجلَّ - عنهم: إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ كما شَهِدوا، ولكن بِضِدّ ما شَهِدوا: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ 1.

                          ذكرت الآيات هذا الصِنْف تُبَيِّن حقيقَتَهم وحالَهم الّتي يعيشوا فيها: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ.

                          لمّا انتهت من تصنيفِ النّاس في موقِفِهم من القرآن؛ بدأت بعدَ ذلك بذِكرِ الحقائق، وبدأت بأوَّل حقيقة؛ وهي حقيقة التّوحيد، قال الله - عزّ وجلّ-: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ 21، فذكر الله - عزّ وجلّ - هذه الحقيقة العظيمة، وهي حقيقة التّوحيد.

                          وتأمَّلوا! مع أنّ هذه السّورة سورة مدنيّة؛ جاء فيها: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا في مواطِنَ كثيرة، وفي هذا الموْطِن نودِيَ النّاس بصفتهم ناس؛ لأنّ القرآن جاء للنّاسِ جميعاً، ولأنَّ هذه الدَّعْوة مطلقة للجميع؛ للمسلمين وللكُفّار، ولليهودِ والنّصارى، وللمنافقين، ولكُلِّ الأطياف اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ما قال: ( اعبدوا الله ) وهذا عجيب.

                          يعني: كأنَّه أراد أن يُبَيِّن وجْهَ الأمر في إفرادِ اللهِ بالعبادة؛ لماذا يُفْرِدُ الله بالعبادة؟ قال: لأنَّهُ ربّكم، فالرَّبّ هو الّذي يستحقّ أن يُعْبَد؛ ولذلك ما قال: (اعبُدوا الله!)؛ لأنَّ المطلوب أن يُذْكَر في الأمر الدّليل المُقْتَضي لِهذا الأمر، فقال: اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ثمّ زادَه وبيَّنَه فقال: الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ 21، ثمّ زاد في الأدِلّة: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ كلّ هذه دلائل ربوبيّة تستلزم أن يُوَحِّدَ الإنسانُ رَبَّهُ توحيدَ الألوهيّة، وأن لا يصرِفَ شيْءً من العبادة إلاّ لله - جلّ وعلا -؛ ولذلك ختَمَها بِضِدِّ ما بَدَأها به.

                          فبدأها بالأمرِ بالعبادة، وختَمها بقولِه: فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ 22.

                          هنا قد يأتي الإنسان شيء من الشّكّ.

                          هذا الأمر الجازم الحازم القوي الواضح جاء في ثَنِيّاتِ هذا الكلام، فهل هذا الكلام من عندِ الله؟

                          تُزال الشُّبهة مباشرة وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ 23 .

                          ثمّ جاء الوعيد والوعْد على عادة القرآن في المُزاوجة بينهما:

                          فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ 24 وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ إلى آخر هذا الوعْد الكريم - نسألُ الله برحمته أن يجعَلَنا من أهله-.

                          ثمّ ذكر الله - عزّ وجلّ - حقيقة يجب أن يعلَمَها كلّ مَن يريد أن يقرأ هذه السّورة العظيمة؛ لأنَّها سورةٌ ضُمِّنَت فيها أحكامٌ كثيرة.

                          قال ابنُ عَطِيّة: ( فيها خمسةَ عَشَرةَ مَثَلاً ) والله - عزّ وجلّ - هنا يُقَرِّرُ هذه الحقيقة بأن لا تستغْرِبوا، ولأن لا تستنكِروا، ولِأن لاّ يَرُدّ رادّ أو يعترِض معترض إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا أيَّ مثل! بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا؛ لأنَّ المقصود ليس هو المُمَثَّل به؛ المقصود: ( الاعتبار بالمَثَل، والنَّظَر إلى الحكمة من وُرودِه ) وليس النّظر إلى أفرادِه وجزئيّاته.

                          لا تقول لي حين ذاك لماذا تضرب مثلاً في الذُّباب، أو البعوضة؟

                          يا أخي المقصود أن تفهَم، وأن تصل للحقيقة سواءً عبر ذُباب ولاّ جبل؛ ولذلك قال الله - عزّ وجلّ - في سورة الحجّ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ 73[الحج:73]، يُذكَر المَثَل الآخر في سورة العنكبوت لمّا قال: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ 41[العنكبوت:41]، لا إله إلاّ الله يضرب مثل لِمَن اتّخذ وَلِيّاً من دونِ الله بالعنكبوتِ الّتي اتّخذت بيتاً، هذا البيت لا يقيها من حرّ ولا بالرّيح، ولا بَرْق، ولا مطر، ولا عدوان مُعْتَدٍ لو أنَّ إنْساناً رفع يدَهُ أو إصبَعهُ عفواً وخطأً فمرَّ ببيتِ العنكبوت لهدَّمَهُ كُلَّه، أليس كذلك؟ لا يغني شيء؛ ولذلك قال الله فيه واصِفاً إيّاه: وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، بل قال بعض المعاصِرين: هذا بيت العنكبوت الّذي يظهر أمام الأعْيُن، بل بيت العنكبوت الاجتماعي هو أوْهَن بيت على وجهِ الأرض، فإنَّ العنكبوت الأُنْثى إذا لقَّحها الذّكَر قامت عليه فقتله، قتلته شرّ قِتلة، ثمّ أكلته يقول: هو مهذَّب حتى معنوِيّاً واجتماعياً؛ ولذلك قال الله: وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، .

                          وهنا يعني أُحاول أن أذكر لكم شيء ذكره العلماء من باب الأدب مع القرآن قالوا: ( لا ينبغي للإنسان أن يتعدّى حدود القرآن، فيقول: هذه الحُجّة أوْهَن من بيت العنكبوت؛ لأنّ الله قال: وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ، فكيف تتعدّى حدود الله وتقول: هذه أوهن من بيت العنكبوت ) ما من شيء أوهى ولا أوهن من بيت العنكبوت .

                          المهمّ أنَّ الله ذكر هذا الأمر؛ لتكون حقيقة بين يدَيْ مَن يقرأ هذه السّورة ،انتبه! ستمرّ بأمثال؛ لله أن يضرِب المَثَل بِما شاء؛ كما يشاء؛ المهمّ: أن تتصوَّرَ الحقيقة، وتفهَمَ المُراد، وتستفيد وتعتبر بغضّ النّظر عن جُزئيّات ذلك المثل؛ ولذلك قال الله - عزّ وجلّ - مُبَيِّناً أحوالَ النّاس أمام أمثال القرآن فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَـذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ 26 يضرب الله الأمثال بمثلِ هذه الحشرات؛ كالبعوضة والذُّباب، والنّمل .. وغيرِها؛ لتكون فتنة للنّاس لِمَن أن أراد لِمَن كان في قلبِهِ مرض فيَرُدّ الحقّ بمثلِ هذه الشُّبُهات.

                          ثمّ ذكر الله - عزّ وجلّ - أمراً عظيماً هو بمثابةِ المقدَّمة لِقَبول هذه السّورة، وهي: ( أنَّ هذه السّورة عَهْدٌ وميثاق بين الله وبين العبد؛ فإيّاك يا عبد الله! أن تنْقُضَ عهدَ الله) ولذلك قال الله: الّذينَ يَنْقُضونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ ميثاقِهِ وَيَقْطَعونَ ما أمَرَ اللهُ بِهِ أنْ يُوصَل وَيُفْسِدونَ في الأرْض أُلولائكَ همُ الخاسِرون ثمّ عاتب الله أولئك الكافرين فقال: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ 28.

                          ثمّ ذكر فضله على عباده وتمامَ نعمَتِهِ على خَلْقِهِ بقولِه: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ 29 وإذا كان هو الخالق فله أن يأمُر بِما شاء، وأن يحكم بِما شاء، وأن يَقْضِيَ ما شاء، فليس لأحدٍ أن يخرُج عن قضائه، أو يُخالِف أمرَه، فأنتم عبادُه، ويجبُ عليكم أن تكونا فقراءَ بين يديْه.

                          لمّا انتهى من هذه المقَدِّمات المهِمّات؛ كأنَّهُ الآن بدأ يذكر لنا الحقيقة الأولى: مَن نحنُ كيفَ بدَأْنا؟ لماذا جئنا إلى هذه الأرض؟ ما قصّةُ خَلْقِنا؟ وما قِصَّةُ إخراجِنا من المكانِ الأوَّل الّذي وُجِدْنا فيه؟ فذكر الله - عزّ وجلّ - هذه القصّة بشكلٍ مبدَئيّ؛ لِيُبَيِّن كيف أنَّ العباد خُلِقوا لأجلِ غايةٍ معيَّنة، وأنَّهم متى أخلّوا بهذه الغاية فمصيرُهم إلى الهوانِ والذُّلّ! وكيف أنَّ إبليس خسِر خسارة عظيمة أبديّة بسبب استكبارِه وعُلُوِّه! فإيّاكم! يا مَن تسمعون هذه السّورة أن تستكبِروا على الله، وأن تَتَعالَواْ على أمرِه، وأن تَرْبَأوا بأنفُسِكم على أن تَنْصاعوا وتنقادوا لأوامره - جلّ وعلا -؛ ولذلك ذُكِرَت هذه القصّة، وذُكِرَ فيها أمر عظيم جدّاً، وهو ما ميَّزَ الله به آدم عن بقِيّةِ المخلوقات: مَيَّزَهُ بالعلم: وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ 31 قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ 32 قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فدلّ ذلك على أنَّ الإنسان قيمتُهُ قيمةُ ما يتعلَّمُه، فإن تعَلَّمْتَ خيْراً فَعَمِلْتَ به؛ حصَّلْتَ الخَيْرَ كُلَّه، لو كان هناكَ شَيْءٌ تُرْفَعُ به درجةُ آدم على مَن أراد الله أن يرْفَعَ درجتهُ عليه أفضل من العلم لَجَعَلَهُ الله في ذلك الموطن، ودلّ ذلك على فضل العلم.

                          ولذلك: مَن أخذ بهذه السّورة وتعلَّمَها فقد تعلَّمَ خيراً كثيراً، ونالَ حظّاً وفيراً.

                          ثمّ ذُكِرَت قصّة آدم في إخراجِه من الجنّة كانت بسبب معصية؛ آدم أبونا خرج من الجنّةِ بسبب المعصية؛ لمّا خالف أمراً واحداً من أوامرِ الله؛ فاحذروا يا عباد الله! إن خالفتم أمراً من أوامرِ الله أو نقضْتُم عهداً من مواثيقِ الله، فإنّ جزاءكم الطّرد والإبعاد فاحذروا!

                          وهذا مقدِّمة بين يدَيْ ذكرِ قصّة بنو إسرائيل؛ فإنَّ بني إسرائيل كانت قضِيَّتهم هي هذه، وهي: أنّهم قوْمٌ جاءهم كتابٌ من عندِ الله أنعم الله عليهم، وأعطاهم ما لم يُعطي أحداً، فضَّلَهم على سائرِ العالمين عَصَوُا الله استنكَفوا استكبروا عادوا رسُلَ الله تَلَكّأوا تباطَؤوا لم يستجيبوا انقلبوا كفروا استعملوا السّحر قتلوا الأنبياء سلبهم الله - عزّ وجلّ - النِّعم الّتي كانت عليهم أذاقهم مُرَّ العذاب أنزل عليهم الذِّلّة والمسكنة باءوا بِغَضَبٍ من الله فرَّقهم الله في الأرض فلم تكن لهم دولة في ذاك التّاريخ كلّه، سلبهم الله - عزّ وجلّ - ذلك التفضيل الّذي فضّلهم من بينِ سائرِ العالمين في زمانهم وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ 16[الجاثية:16] سُلِبوا ذلك فصاروا أحقر الأُمم وأرمَلَها.

                          خُلِقَ آدم وأكرمه الله بأن جعلَهُ في الجنّة، وأخذ عليه عهْداً بأن لا يعْصِيَه فعصاه فأُغضِب، فانتبه أنت ألاّ تقع فيما وقع فيه أبوك.

                          إنّ الواجب عليك الآن: أن تعود إلى المكان الّتي أُهبطت منه، والعَوْد إلى ذلك المكان يحتاج منّي ومنك إلى جُهْدٍ كبير.

                          العَوْد: صعودٌ في سُلَّم الأعمال الصّالحة والحسنات الرّافعة؛ حتى تصل إلى الله - - وإلى جنّته.

                          لمّا انتهى من هذا المشهد وكانت هذه السّورة قد نزلت في المدينة، وكان الصّحابة قد خالطوا إناثاً لم يكن بهم عهد، ويحتاجون إلى أن يتعرَّفوا عليهم ويعرفوا سيرَتَهم؛ لأنّهم أصحابُ كتاب، وعندَهم حُجّة، ولديهم علم، ليسوا مثل الأوّلين أهل مكّة، وليسوا مثلَ كُفّار أهلِ المدينة، بل هم صِنفٌ متمَيِّز، عندَهم كتاب، عندهم حُجّة، ولديهم تاريخ؛ فأراد القرآن أن يُعَرِّفَ هؤلاءِ الصّحابةِ بهؤلاءِ الجيل أو بهذه الأُمّة، وأن يَحْكِيَ لهم قِصَّتَهم، وكيف أنَّ الله - - أزال عنهم ذلك الخير الّذي كان عندَهم.

                          فبدأت الآيات بِلُطف ومودّة وجمال، ولين، وعطف، ورحمة: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ الرّبّ يقول لعباده: اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ عندما فضَلْتكم على العالمين وعندما بعثْتُ فيكم أنبياءَ كثُر، وجعَلْتُكم ذَوي رسالة، وأنقذتكم من أعظم وأضخم عدوّ عرفتهُ البشريّة في عُتُوِّه وجبروته ( فرعون ) الجبّار، وأهْلَكْتُهُ على مرْأً منكم اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ تأمّلوا كلمة: وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ هذا هو سرّ سورة البقرة.

                          يعني: يا مَن نزلت فيهم سورة البقرة أوْفوا بِعَهْدي أُوفِ بعهدِكم وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ 40 أي: خافون.

                          وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ آمِنوا بهذا الكتاب الّذي أُنْزِلَ على محمّد، وهو مُصَدِّق لِما جاء في كتبكم، قد قامت عليكم بذلك الحُجّة؛ كما قال الله - عزّ وجلّ -: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ[البينة:5] بِما أُمِرْتُم في القرآن؟ بما أمرتم في القرآن بما أُمِرْتُم به في التّوْراةِ والإنجيل، فما الّذي يدعوكم إلى أن تُكَذِّبوا بهذا القرآن؟ ما الّذي جاء به القرآن ممّا يستحقّ أن يُكَذَّب؟ واللهِ إنّ ما في هذا الكتاب ما يُصَدِّقُ ما في كتابِكم تماماً بتمام، سواءً بسواء.

                          وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً يعني: إيّاكم أن تُؤثِروا العاجل على الآجل؛ لكي لا تذهب رئاستكم، وتخافون أن تذهب المناصب عنكم، تقولون: أبداً ليس هذا هو الرّسولُ الموعود، ولا النّبيّ المُنْتَظَر الّتي جاءت يهود إلى أرضِ المدينة تنتظره، وتبحث عنه، تترقَّب مجيئَه، فلمّا جاء كفروا به وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً من أجل الدّنيا تبيعون حظَّكم من الآخرة وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ وهذا سرّ من أسرار سورةَ البقرة؛ لأنّك الآن ستُلاحظ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ هذه حقيقة التّقوى وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ أي: اتّقوني ولا تتّقوا أحداً سِواي، أو أفرِدوني بالتّقوى، وهذا سرُّ سورةِ البقرة.

                          بدأت سورةُ البقرة بقوله: هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ وما زال التّقوى والمتّقون يُذْكَرون في سورة البقرة؛ حتى بلغت التّقوى في سورة البقرة ستّاً وثلاثينَ مرّة يعني: كأنّها قريب من عدد صفحات هذه السّورة؛ كأنَّنا في كلّ سورة في كلّ صفحة نواجه أمراً بالتّقوى.

                          فحقيقةُ سورة البقرة وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ، وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ وهناك قال: هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ 21.

                          ثمّ ذكّرَهم بأمر وقد وقع منهم بالفعل: وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ لا تخلِطوا الحقَّ بالبطل بل اذكروا الحقَّ صافياً غيرَ ملبس بشيْء من الباطل.

                          وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ في نبوِّة محمّدٍ صلّى الله عليه وسلّم والكتاب الّذي أُنْزِلَ عليه.

                          وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ 42 نُبُوَّتَه.

                          ثمّ ذكّرَهم بِما أُمِروا به في التّوْراة وفي الإنجيلِ أيْضاً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ 43 أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ 44 وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ45الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ 46 ثمّ يُخْتَم هذا التلطُّف بقوله: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ 47 يعود مرّة ثانية بلطف بتحنُّن بتودُّد لعلّ الله أن يهدِيَهُم، لعلّ صُدورَهم أن تنشرِح لهذه الدّعوة الرّبّانِيّة الرّقيقة الحليمة الرّاقِية الرَّفيقة الدّافئة العظيمة يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ 47 جعلتكم خيرَ أهلِ زمانِكم واتّقوا يُعاد الأمر بالتّقوى، لكن مرّة تقوى لله، ومرّة تقوى من اليوم الّذي ستُلاقون فيه الله وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ 48.

                          ثمّ ذكر نعم الله عليهم على وجه التّفصيل: -عدّوا معي-

                          وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ هذه واحدة.

                          وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ 50 شفينا صدورَكُم من عدوِّكم، وقهَرْنا ذلك العدوّ أمامَ أعيُنِكُم، وأعَدْنا موسى أربعين ليلة؛ لكي يأتِيَكُم بالكتاب من عندِ الله - عزّ وجلّ -، ثمّ أذنَبْتُم ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ51 ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ تُبْنا عليكم مع أنَّكم أذنبتكم ذنباً عظيماً تستحِقّونَ عليه العقوبةَ البالغة، ولكنَّ اللهَ تابَ عليكم رحمةً منه بكم لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ 52ٍ وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ 53 نعمة.

                          ثمّ ذكر صفةَ توبَتِهم، وكيف تاب الله عليهم! ثمّ قال: وإذ قلتم أيضاً وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ هذا ذنبٌ آخر وقعتم فيه يُضاف إلى الذّنب الآخر الذّنب الأوَّل وهو: ( الشرك ) وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ فمُتُّم ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ 56 يعني: المرّة الأولى أشركتم، فتبنا عليكم، والمرّة الثانية: طلبتم طلباً بشيعاً فظيعاً؛ فتُبنا عليكم، وأحيَيْناكم بعدَ ما نزلت عليكم صاعةُ الموت الّتي أماتتكم.

                          وأيضاً: وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ عندما كنتم في أرضِ التّيه وبقيتم أربعين عاماً تدورون في أرضِ سَيْناء، وأنزَلْنا عليكم في تلك الأرض المَنَّ والسَّلْوى طعاماً ليس فيه تعبٌ ولا جَهْد.

                          كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ 57 لمّا ذكر هذا، بدأ بذكر بعض سَوْآتهم وخلطها ببعض النِّعم الّتي أنعم الله بها عليهم وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وعدكم الله وُعود كريمة؛ إذا امتَثَلْتُم أمره ودخلتم الأرضَ المُقَدَّسة الّتي أمرَكم الله أن تدخلوها وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ 58 فبدّلْتم وغَيَّرْتم، فبدل أن تسجُدوا أخذتم تزحفون على أدبارِكم، وبدل أن تقولوا: اُحْطُطْ عَنّا ذُنوبَنا. قلتم: حبَّة في شعيرة، أو حِنطةٌ في شعيرة.

                          فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ 59 .

                          ثمّ ذكَّرَهم الله بنعمة أيضاً أخرى لمّا كنتم في أرضِ سيناء أصابكم العطش، فأجرى الله لكم نعمةً في آية، كان مع بني إسرائيل الحجر يضربه موسى بعصاه؛ فينفجر منه اثنا عشرة عين؛ اثنا عشر عين على عدد أسباط بني إسرائيل؛ فيشربون منها لا يختلفون حتى يرتَووا وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ أي: كُلُّ سِبْطٍ من أسباطِ بني إسرائيل: مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ 60 وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ يذكُرُ الله بعض تعدّيهم، وعِنادِهِم كثرة اقتِراحاتهم، وعدم قناعتِهِم بِما يَرْزُقُهُم الله، يُعطيهِم اللهُ الأعلى؛ فيطلُبونَ الأدنى، يُؤتيهِم اللهُ - عزّ وجلّ - الجميل؛ فيطلبونَ القبيح، آتاهم المَنّ والسَّلْوى، وطلبوا ماذا؟ طلبوا البصل، والفوم، والعدس: لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا المنّ والسّلوى كان يأتيهم من السّماء.

                          المنّ ينزل على الأشجار فيأكلونَهُ مثل الزبد حلو مُغَذّي كامل التّغذِية.

                          والسّلوى: طير يصيدونَهُ وكثير؛ حتى أنّهم يأكلون ويشبعون.

                          مَلّوا سَئِموا هذه النِّعمة؛ لِما طُبِعوا عليه من شدّة الضَّجَر قالوا: لا، نُريد نجلس ونزرع ونستنبط الماء من باطن الأرض، ونزرع بصل، وكُرّاث، وبقل، وحنطة، وشعير ونتعب ونكِدّ ونكدح، نحن ما نلْتَذّ حتى نكدح.

                          تأتيهم النِّعمة سهلة سمْحة؛ يأْبَوْنَها.

                          إذا كان هذا مُقابل نعمِ الله المادِيّة، فما هو ظَنُّك بهم إذا جاءتهم الهداية الرَّبانِيّة؟ إنَّ تأبّيهم سيكون أشدّ وأعظم وأنكر؛ ولذلك قال لهم موسى - عليه الصّلاةُ والسّلام -: اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ مصر هنا ليس المراد بها مصر المعروفة، لو كانت مصر المعروفة لقال: ( اهبِطوا مِصْرَ فإنَّ لكم ما سألتم )؛ ليكون ممنوع من الصّرف للعلميّة والتأنيث.

                          أمّا هذه لا، اهبِطوا أيَّ أرْضٍ تجدونَ الذي سألتم. أيَّ مِصْرٍ من الأمصار.

                          ثمّ قال الله؛ مُبَيِّناً ما حلَّ بهم من العقوبة بِسببِ ما هم فيه: وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ لماذا؟ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ 61

                          نرجع مرّة أخرى إلى حقيقة التّقوى هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ، اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ 21، اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ 40 وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ 41.

                          ثمّ ذكر الله - عزّ وجلّ - أيضاً شيْءً مما أخذه عليهم قال: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ 63.

                          هذا كأنَّهُ خِطاب للأُمّة المُحَمَّدِيّة خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ يا أمّةَ محمّد، هو خطاب لبني إسرائيل لكنَّها إشارة إلى أمّة محمّد وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ أي: ما في هذا الكتاب الّذي آتَيْناكم.

                          لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ 63 ثُمَّ تَوَلَّيْتُم يا بني إسرائيل مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ 64 وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ يذكِّرهم بتاريخهم، وما حدث منه من الذّنوب العظيمة والمعاصي الكبيرة، وأيضاً قصَّتُكم مع موسى عندما اختلفتم في القتيل، مَن هو الّذي قتله؟ فجئتم إلى موسى فاستخبَرْتُموه، فأمرَكم أن تذبحوا بقرة، فقلتم له مقالةً قبيحة أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً هل يُعْقَل أنَّ نبيّ من أنبياء الله يتَّخِذ آياتِ الله وأوامره هُزُواً ويستهزئ بالنّاس؟ قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ 67 ولمّا أمرَهم لم يمتثِلوا مباشرةً، بل تلكَّأوا وتباطَؤوا، وبدأوا يُكْثِرون من الأسئلة ويُشَدِّدون؛ حتى شدَّد اللهُ عليهم، وفي هذا عبرةٌ ودرس لِأُمَّةِ محمّد أن يأخُذوا أوامِرَ الله مباشرةً ويستسلِموا ويُسارِعوا بالامتثال من دونِ تباطُءٍ ولا تلَكُّأ، فأخذوا يسألوه: قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لّنَا مَا هِيَ مَا لَوْنُهَا مَا هِيَ إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وما تزال الآيات تنزل بالتّشديدِ عليهم؛ حتى قالوا: وَإِنَّآ إِن شَاء اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ 70 فهداهم الله، فامتثلوا أمرَ الله، فذبحوا البقرة، وضربوا القتيل بجزءٍ منها، فأحياهُ اللهُ - عزّ وجلّ - وقال لابنِ عَمِّه: أنت قتلتَني، ثمّ مات.

                          قال الله - عزّ وجلّ - ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ مع هذه الآيات، ومع هذه العِبَر والعِظات كانت قلوبكم قاسية، بل اشتدّت قسوة، وصارت أشدّ من الحجارة؛ كما قال اللهُ - عزّ وجلّ-: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ.

                          إذاً: العبرة والعِظة والسّرّ في قسوة القلوب؛ عندما تقسو لا تمتثل أمرَ الله، وعندما تقسو لا تخافُ الله وترهبه، وعندما تقسو لا تتّقي الله، فلا تنتفع بالقرآن، ولا يمكن أنت تمتثل لأمر الله وتُسرِع بالاستجابة إليه، ثمّ ذكر شيْءً من مخازي معاصريه.

                          بعدما ذكر المتقَدِّمين ذكر المعاصرين، فماذا قال الله؟ قال: أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ 75 وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا يعني: كان منهم مَن هو منافق وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْ أي: لا تُحَدِّثوا هؤلاء بما عندَكم في كتابكم ما يوافق هذا الكتاب الّذي أُنزِلَ عليكم؛ فإنَّ ذلك سيكون حُجَّةً لكم عليهم، وسيحتَجّونَ به عليكم؛ فاحذروا - يتواصوْن على الشرّ - يُحاجّوكم به عندَ رَبِّكم أَفَلاَ تَعْقِلُونَ 76 فيقول الله مُبَكِّتاً إيّاهم: أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ 77 سبحان الله! يظنّون أنّ هذا يخفى على الله؟! وأنتم تعلمون أنّ الله يعلم ما تسرّون وما تعلنون؟ وقال الله؛ مُبَيِّناً أنَّ بعضَ اليهود كانوا لا يعلمون من الكتاب إلاّ شيء واحد إلاّ التّلاوة؛ كما هو الآن حال كثير من المسلمين مع الأسف وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ يعني: إلاّ تلاوةً.

                          فأمانيّ هنا بمعنى: التّلاوة.

                          لا يعلمونه إلاّ أن يقرأوه بألسنتهم دون أن يتفَهَّموه أو يتفَكَّروا فيه.

                          من هنا نعلم يا إخواني أهمية هذه المجالس والدّروس؟ أنَّها تجعَلُنا نخرج من هذه الأُمِيّة الّتي لا ينوط بنا أن نعيشَ فيها، إنَّ مجرَّدَ قراءة ليست نفي للأُمِّيّة؛ إنَّ الأُمِيّة تنتفي، أو جهل ينتفي عندما يعلم الإنسان حقيقةَ ما يقرأ وما يكتب وما يتعلّم، ثمّ يعمَلُ به، ثمّ قال الله مُهَدِّداً أولئك الّذين يُحَرِّفون الكتاب فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثمّ ذكر شيْءً من دعاواهم ومزاعمهم فقال: وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْدًا ثمّ ذكر مرّةً ثانية الميثاق الّذي أُخِذَ عليه في التّوْراة وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ انظروا، ما هو هذا الميثاق؟ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ماذا حصل منهم؟ مرّة أخرى تذكير لِما حصل لبني إسرائيل حتى استحقّوا أن يُطْرَدوا وأن يُلْعَنوا لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ 78 كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ[المائدة:78-79] قال الله - عزّ وجلّ -: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ يُذَكِّر المعاصرين الّذينَ كانوا في عهدِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم بأنَّهُ إذا كان قد أُخِذَ ميثاق على آبائهم فنقضوه وَتَوَلَّواْ عنه وَهُم مُعْرِضون، فأنتم أيضاً أيُّها المعاصِرون! قد أُخِذَ عليكم أيضاً بميثاق؛ منها:

                          ألاّ يسفِكَ بعْضُكُم دَمَ بعض؛ فسفكتم دماء بعضِكم ، ومع ذلك كنتم عجيبين في التعامل مع آيات الله تُؤمنون ببعضِها وتكفرون ببعضِها ؛ فمثلاً: ثُمَّ أَنتُمْ هَـؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ تأخذون ببعضِ الأحكام وتتركون بعض؛ هذا يدلّ على أنّكم تتلَقَّوْن أحكام الله بالتّشَهّي وَالهوى، وأنَّكم لستم جادّين في تلَقّي هذا الكتابِ الّذي بين أيديكم ممّا أنزله الله - - عليكم؛ ولذلك قال الله: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ 85 أُولَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآَخِرَةِ تذكّروا - يا إخوان - في أول الآيات وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً قال: فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ 86.

                          ثمّ ذكَّرَهم بِما أوتِيَ موسى، وما أوتِيَ عيسى، وكيف قابلوا دعوةَ كُلٍّ منهما؟ وكيف أنَّ قلوبَهم قَسَت وَغُلِّفَت فقابلت ما جاء به هؤلاءِ الأنبياء بالتكذيب والرَّدّ والاستكبار والاستعلاء ؟ ولمّا جاءكم هذا الكتاب أيضاً مُصَدِّق لِما معكم، وكنتم من قبل تقولون لِأهلِ المدينة؛ سيُبْعَثُ إنَّهُ قد أضلَّ زمانُ نبِيٍّ يُبْعَث نُقاتِلُكم به، ونقتلُكم قتْلَ عادٍ وإرَب.

                          فلمّا بُعِثَ النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ظَفِرَت به الأنصار، فحدَّدهم اليهود، وهم يعلمون أنَّه هو رسولُ الله، سبحان الله! واللهِ ما أعجَبَ هذا الأمر!.

                          وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ ا فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ ماذا؟ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ 89 .

                          ثمّ ذكر الله - - شيْءً من مخازيهم، وعاد مرّةً أخرى إلى التّذكير بالميثاق الّذي أُخِذَ عليهم وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُواْ لكن ماذا قالوا؟ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ يعني: أُشرِبوا في قلوبهم حبّ العجل. لماذا ؟ بسببِ كفرِهم.

                          قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ93 عاد مرّة ثانية إلى الدّعاوى، فيذكر عدد منها - يا إخواني -:

                          الدّعوى الأولى: لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً.

                          الدعوى الثانية: أشدّ منه قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ عِندَ اللّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ كانت هذه من أعظم مُباهلات القرآن؛ إنّ الله قال لهم: إذا كنتم صادقين في أنّ الدّار الآخرة لكم، وأنّ الجنّة لكم دونَ أحَدٍ سِواكم، فما الّذي يجعَلُكم تجلِسون في هذه الدُّنيا الّتي قد حُشِيَت بالكَدَر، وَمُلِئَت بالشَّقاء، سارِعوا إلى الجنّة، اطلبوا من اللهِ الموت إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ 94 أنَّ الدّار الآخرة لكم.

                          ثمّ قال مُتَحَدِّياً إيّاهم، وقد وقع هذا التّحَدّي كما أمر الله؛ ماذا قال؟ وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا العجيب أنّه ما ذُكِر واحد من اليهود تمنّى، ولو كان اليهود صادقين فيما ادَّعَوْهُ لِأنْفُسِهم؛ لَقالوا لِثلاثة منهم فدائيِّين: تبرَّؤوا يا أيُّها الثّلاثة؛ لكي تُكَذِّبوا مُحَمّداً أمامَ النّاس بأنّكم تَمَنَّيْتُمْ الموت، لكنَّهم كانوا يعلمون أنّ رسولَ اللهِ صادق، وأنَّهم لو تَمَنَّوْ الموت فنزل بهم من ساعتهم؛ ولذلك قال الله كاشِفاً عن حقيقتهم وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا إلى يوم القيامة بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ أي: بسبب ما قدَّمتْ أيْديهِم وهُم يعلمون أنَّهُم ما قَدَّموا إلاّ الكفر والتّكذيب والاستكبار، قتل الأنبياء، والتّعَدّي على الرُّسُل، والتلَوُّن في الطّاعة، وأكْل الرِّبا... وأمورٌ كثيرة تَعِزُّ على الوصف، بل ذكر الله أنّهم لن يتَمَنَّواْ الموت، بل هم أشدُّ النّاسِ حِرْصاً على الحية؛ لأنّهم يعلمون أنَّ ما بعدَ الحياةِ بالنِّسبةِ لهم نارٌ تَلَظّى.

                          قال : وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يعني: هم أحرص من المشركين على الاستمرار في الحياة يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ 96 ثمّ ذكر الله - عزّ وجلّ - يعني: ليس موقفهم من أنبيائهم، بل حتى من الملائكة - قاتلهم الله - إن كان الأنبياء ما سلِموا منكم، فيجب أن يسلم منكم الملائكة.

                          لا، جبريل عدُوُّنا من الملائكة.

                          جبريل: الّذي هو سيِّد ملائكة السّماء صار عدُوّاً لهم - قاتلهم الله أنّى يُؤفَكون-.

                          إذاً : لا غرابة أن يُعادوا الأنبياء وأن يقتلوهم .

                          وبالمناسبة - يا إخواني - قتْل الأنبياء عند اليهود شيْءٌ اعتيادي ما فَتِئوا عنه، ولا انفكّوا منه؛ حتى قتَلوا رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم فالرّسول مات شهيداً قال: " ما زالَ أثَرُ السُّمّ الّذي وُضِع في الشاة يوم خيبر يُعاوِدُني؛ حتى كان أوان انقطاع أبهري " يعني : هذا أوان انقطاع الأبهر وهو: العرق الغليظ الّذي يُمِدّ القلب بالدّم.

                          الآن ينقطع من أثر السّمّ الّذي يُعاودُني مرّةُ بعدَ أخرى.

                          فالنّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم قد قتلَهُ يهود أضافوه إلى أرقام الماضية عندَهم؛ عندما قتلوا الأنبياء السّابقين.

                          فقد قال الله ردًّا عليهم عندما عادوا جبريل: مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ 98.

                          ثمّ ذكر الله - عزّ وجلّ - كيف قابلوا ما جاء به محمّد صلّى الله عليه وسلّم وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللّهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ هل هذا النَّبْذ لأنَّهم اكْتَفَوْا بِما عندَهم من الكتاب؟ لا، إيّاكَ أن تفهمَ هذا الفَهم، بل إنَّهم فعلوا هذا النَّبْذ؛ كما نبذوا كتابَهم، واستَغْنَواْ عن كتابِهم بِأن اتَّبَعوا السّحر، وتعلَّموه، وصاروا يُقَدِّمونَهُ على ما أُوحِيَ إليهم، وما أُنزِلَ عليك من الكتاب قال: نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللّهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ 101 ماذا بدل هذا ؟ وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وهذه قاعدة - يا إخواني - ما أحدي نكر كتاب الله إلاّ ابتُلي بأن يتبع شيْءً رديئًا بالغاً الغاية في الرّداءة والقبح والشّناعة يتّبع السّحر طلاسم، للتفريق بين النّاس، والإفساد في الأرض؛ يا الله ! وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ .

                          وما تزال الآيات تذكُر مخازي هؤلاءِ اليهود؛ حتى تأتي إلى خبيئة من خبايا نفوسهم، وسرّ من الأسرار الّتي يجب أن يعمَلْها المؤمنون، وهي: (الحسد) .

                          اعلموا - أيُّها المؤمنون - أنّ من أعظمِ ما يعتمرُ في قلوبِ هؤلاءِ اليهود هو: حسدُكم على ما أُتيتُم من الخير، وما أُنْزِلَ عليكم من الكتابِ والحِكمة.

                          اقرأ معي آية 105: مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ جعل المشركين تَبَع لهم في هذا أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ حسدوكم؛ ولذلك قال: وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ 105

                          اقرأ معي أيْضاً آية 109: وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ماذا؟ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ ماذا؟ كُفَّاراً لأجلِ ماذا؟ حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم واليوم - يا إخواني - هؤلاءِ الغربيّون اتّضح لكثيرٍ منهم الحقّ، وعرفوا أنَّ هذا القرآن؛ هو كلامُ اللهِ صِدْقاً وحقّاً، وبانت لهم بالدّلائلِ القطعيّة أنَّ هذا الدّين؛ هو الدّين السَّماوي الوحيد السّالم من التّحريف، ولكن يحسُدوننا حسداً عظيماً عليه، ويقولون: واللهِ لا يمكن أن نمكِّن رِقابَنا، ونجعل للعرب الأذِلاّء القَذِرين قيادة ورياسة علينا، نحن نصبح تَبَعاً لهؤلاء العرب؟ لو نعلم أنّنا نخسر الدُّنيا والآخرة ما كُنّا تبَع لهم في هذا.

                          ليس لأنَّ الحُجّة ما بلغت، بلغت كثيراً منهم الحُجّة، ووصلتهم، ولكنَّ الحسد قد بلغ الغاية في قلوبِهِم .

                          انظروا - يا إخواني - من دَعَواهم وأكاذيبهم: أنَّهم قالوا: يا محمّد! كيف! نحن لا نُؤمن بأنّ الكتب تُنْسَخ، الكتب ما نُؤمن بأنَّها تُنْسَخ .

                          التّوْراة ألم تنسخ ما قبلَها وأنتم تُؤمنون بذلك ؟ سكتوا ؛ ولذلك قال الله: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ 106.

                          وقالوا دعْوى أخرى من دعواهم: إضافةً إلى قولهم أنّ الدّارَ الآخرة خالِصة لهم من دونِ النّاس، وقولهم: لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قالوا دعْوى أخرى: وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ هذه أمنِيّة.

                          والأماني كما يقولُ النّاس: رؤوس أموال المفاليس.

                          وقد كذَّبَهم اللهُ - عزّ وجلّ - في دَعْواهم تلك بأنَّهُ لَنْ يدخُلَ الجنَّةَ إلاّ مَنْ كان هوداً أو نصارى؛ بقوله: بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ 112 هؤلاء هم أهلُ الجنّة، ليس مَن يدَّعيها ويقول: هي لي من دونِ النّاس.

                          ثمّ ذكر الله - عزّ وجلّ - من مخازيهم وَدَعَواهم الباطلة أنَّهم صاروا يُوَزِّعون الكفر والتّكذيب، والحكم على الآخرين بأنّهم ليسوا بشيء من باب الفراغ الّذي يعيشونَ فيه؛ لأنَّ الفارغ أو الّذي يعلم أنَّه ليس عندَهُ شيء هو الّذي يُسارع إلى اتِّهام الآخرين: وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كلُّهم يتلونَ الكتاب، ويعلمون مَن هو الّذي يستحِقّ أن يكونَ على شيء، والّذي يستحِقّ ألاّ يكونَ على شيء: كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ وهم: الكفّار قالوا - أيضاً - ليس محمَّدٌ على شيء: فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ 113.

                          ثمّ لمّا ذكر أهل مكّة؛ ذكر شيْءً من قبائحهم، وعاد إليهم بعد طول إعراض عنهم، قال: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَـئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ هذا تعريض لِمُشْرِكي مكّة الّذينَ مَلَأوا بيْتَ اللهِ الحرامِ بالأصنام، ومنعوا رسولَ اللهِ أن يذكُرَ الله في المسجد الحرام، وَسَعَوْ في خرابِ المسجِدِ الحرام، وَخُلُوِّه من المُوَحِّدين والطائِفين، والعاكِفين، قال الله - عزّ وجلّ -: لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وقد جعله الله لهم في بدر، ثمّ في الخندق، ثمّ في فتح مكّة. وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ 114.

                          ثمّ بدأت تقريباً من هذه الآية أو من قوله: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا التّهْيِئة لقضيّة ستأتي لنا سنتحَدَّثْ عنها - إن شاء الله في الدّرس القادم - وهي قضِيّة تحويل القبلة.

                          هذا الموضوع موضوع خطير؛ اشترك في خطورَتِه، أو في الحديث عنه، أو في العنايةِ به؛ المسلمون، واليهود، والمشرِكون، فصارت منطقة تماس، ومنطقة ابتلاء وفتنة وتوحيد؛ ولذلك قال الله مُقَدِّماً لهذه القضيّة: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا عندما ينسخ الله حُكْماً؛ فيرفُعُه ويُزيلُه، يأتي الله بمثلِهِ أو خيرٍ منه؛ فإذا نُسِخَتْ القبلة إلى بيت المقدس؛ فإنَّ اللهَ يُزيلُ ذلك إلى مثلِهِ أو خيْرٍ منه، وقد أزالَهُ إلى ما هو خير منه؛ ولذلك جاءت التّهْيِئة الثّانية بقوله: وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ٍفَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إلى الآن ما جاء الحديث القويّ، والحاصل عن قضيّة القبلة، وإنَّما هذه المقدّمات على عادة القرآن؛ ستعرِفون هذه العادة؛ وهي: أنَّهُ عندما يُريد أن يتحدَّث في موضوع يبدأ في ذكرِ مقدِّماتٍ له تأتي مرّة بعد أخرى؛ حتى إذا تهَيَّأت النّفوس لِقَبولِ ذلك الأمر جاء الحديث عنه واضِحاً صريحاً قوِيّاً متمَكِّناً؛ كما سُنَبَيِّنْ لكم إن شاء الله في الدّرس القادم عندما نتحَدَّث عن آيات الإنفاق؛ بدأت من قولِ الله - عزّ وجلّ -: هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ 2 الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ 3 ثمّ انتهت بقولِ اللهِ - عزّ وجلّ -: مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ ثلاث صفحات، ثلاث أوجُه عن الإنفاق، وعن فضلِه، وأهلِه، وعاقِبةِ صاحبِه، وما يُؤتيهِ اللهُ من الخَلَف، وضَرْب الأمثال في ذلك ثلاثة أوْجُه - يا إخواني - كاملة، لكن متى؟ بعد ما قُدِّمْ لَهُ بِمُقَدِّمات بين كلّ مقطع ومقطع يأتي الحديث عن الإنفاق، وهنا نفس العمليّة لأمرِ القبلة الآن بدأ الآن التّهْيِئة في قَبول الأمر وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ٍفَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ المقصود هو توحيد الله، وأن تتوَجَّهْ إلى الله كان وجهك إلى الشّمال وإلى الجنوب ولاّ إلى الكعبة، ولاّ إلى بيت المقدس.

                          المهم: أن تعبُدَ الله وتوحِّدَه، قال: فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ 115.

                          ثمّ عاد إليهم يذكُرُ شيْءً من أقسى مخازيهم؛ وكأنَّهُ يُريد أن يطويَ صفحتهم بذكرِ باقعةٍ من بواقعهم العظيمة الّتي حدثت منهم وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَدًا وهذه القضيّة بالمناسبة مشتركة بين: اليهود، والنّصارى، والمشركين.

                          أمّا اليهود فقالوا: عُزَيْرٌ ابنُ الله .

                          وأمّا النّصارى فقالوا : عيسى ابنُ الله .

                          وأمّا المشركون فقالوا : الملائكة بناتُ الله .

                          قاتَلَهم الله أنّى يُؤفَكون؛ ولذلك قال مُنَزِّهاً نفسَه: سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ 116.

                          قال شيخُ الإسلامِ ابن تيميّة: (أربعة اجتمعت فيها الخليقة، لا يتخلَّف شيْءٌ من الخليقةِ عنها: القنوت، والسُّجود، والإسلام ، والتّسبيح ) كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ ، وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَن فِي الأَرْضِ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، فكلُّ الخلائق عُلْوِيِّها وسُفْلِيِّها خاضِعةٌ لله، مستسلِمةٌ له، مُنقادة، قانتة، مُسَبِّحة، ساجدة، مسلمة، لا تستطيع أن تخرُجَ على ربوبِيّة الرّبّ - - ، أو تتأبّى على الله - جلّ وعلا - .

                          انظروا: لمّا ذكر دَعاوى اليهود ذكر المشركين ذكر بعض دعاواهم، دعاوى المشركين: وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ وهم المشركون لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ يعني: المشركون قالوا مثل مقالة اليهود: أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ 118 إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَإيّاك أن تُصيخ أو تسمع أو تأخذ من هؤلاء، أو هؤلاء، أو هؤلاء؛ فالّذي آتَيْناكَ هو الحقّ، وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ 119

                          ثمّ قال اللهُ - عزّ وجلّ- مُبَيِّناً أنَّ اليهودَ والنَّصارى لا يمكن أن يترُكوا ما هم عليه، ولا يمكن أن يَرْضَواْ عنك يا محمّد؛ فإيّاك أن تميل إليهم، إن مِلْتَ إليهم - تدرون ماذا سيصنعون ؟ - ما دام أنَّ محمّد قد مال إلينا قليلاً سنميلُ إليهِ قليلاً؟ لا، لا يزالون يجُرّون ويجُرّون؛ حتى تدخُلَ معهم في دينهم.

                          والآن - يا إخواني - أمريكا تُمارِس هذا الدّور مع العالم الإسلامي، لم تَرْضَواْ الله عنّا مهما نَفَّذْنا من أوامِرِها، وانصَعْنا لتعليماتِها وقوانينِها، لن تَرْضَ عنّا حتى نكونَ مِثْلَها وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ فَايْأس منهم يا محمّد واقطع أيَّ تفكيرٍ في التّواصُل معهم في أن تتقارَبَ معهم، أو تضع خطوط التقاء أو تماسّ مع هؤلاء اليهود، أو النّصارى قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى ما هناك إلاّ هُدًى واحد وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ 120 إذاً القضيّة خطيرة، القضيّة ليست رغبة، أو محاولة، إن تركْتَ الهُدى الّذي آتَيْناك، ولم تَنْقَد لهذا الحقّ الّذي أعْطَيْناك، وحاوَلْت أن تَضَعَ حُلولاً متوسِّطة بين الإسلام واليهودِيّة والنّصْرانِيّة تُسَمّيها مثلاً الليبرالية أو غيرها مِمّا يسمّونهُ به، ويُحاوِلونَ أن يقولوا: نحن عندنا نقاط التقاء ويمكن أن نجتمع على قوافٍ مشتركة؛ فنقول: قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى هدى واحد لا يتعَدَّد، والدّين عندَ اللهِ الإسلام.

                          وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ وهذا تهديد لِمَن؟ تهديد لرسولِ الله، وحاشاه أن يُخالف ما أمرَهُ الله به، وهو تهديدٌ للأُمَّةِ كُلِّها: مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ .

                          اسمع حالَ مَنْ أُوتِيَ الكِتابَ حقًّا الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يا محمّد يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ سيَعمَلونَ به أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ 121 ما في حلول وسط، ما في إلاّ اتِّباع للحقّ هؤلاء ضلّوا فأمعَنوا في الضّلال، والنّصارى ضَلّوا فأمعنوا في الضّلال، والمشركون ضالّون حتى النُّخاع، ما هناك مجال لأن نستفيد مِمّا عندهم، أو نأخُذْ شيْءً من أديانِهم، ونُكَحِّلْ بِها دينَنا، أو نُرْضِيَ بِها عَدُوَّنا، لا مجال، دينُ اللهِ واحد، والحقّ هو: ما جاء في هذا الكتاب الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ 121 انتهى كلُّ شيء، الآن انتهت الصّفحة الأُولى والأخطر في قضيَّةِ هذه السّورة، وهي ذكر ما حصل لهؤلاء، وهي الأُمّة الّتي اختلط المسلمون بها في المدينة ما هي كانت أوامرُ اللَّهِ له، ونعمُهُ عليهم؟ كيف تعامَلوا معَ ذلك؟ ماذا حصل منهم؟ ما هي مخازيهم؟ ماذا يتمنّون لكم أنتم أيُّها المؤمنون؟ ما هو موقفهم من رسولِكم؟ ومن كتابكم؟ إنَّهم لن يرْضَواْ عنكم حتّى تتَّبِعوا مِلَّتَهم، فإيّاكم إيّاكم ! أن تدنوا منهم مثقال ذرَّة لا كِبْر ولا نُفر ولا فرقة ولا أقلّ من ذلك ولا أكثر.

                          يعيد الآيات فتُخْتَتَم بمثل ما افتُتِحَت به يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ 122 بعد هذا الوعظ والتّذكير والآيات والحكم والخصومات والمجادلة والحوار، والأخذ، والعطاء، والتّحذير والتّرغيب والتّرهيب، تعود الآيات إلى نفس الرِّفقّ الَّذي بدأت به يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ 122 وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ 123، لعلّكم تذكرون هذه الآيات من أوائل الآيات الّتي افتُتِحَت فيها قصّة بني إسرائيل، فناسَب الختام الافتتاح؛ ليعودَ الكلام مرَّةً أخرى في هذه الدّائرة، وهو: أنَّكم يا بني إسرائيل يجبُ عليكم أن تتَّقوا اللَّه، وأن تلتزِموا كتابَه، وأن تعودوا إلى رُشْدِكم، وأن تُؤمِنوا بهذا النّبيّ الّذي ثبت لكم أنّهُ نَبِيٌّ من عندِ اللَّهِ حقّاً.

                          ثمّ يبدأ مقطع جديد لهذه السّورة ليستمرّ هذا المقطع إلى نهاية السّورة، مُفْتَتَحاً بحالِ إبراهيم - عليه الصّلاةُ والسّلام - كيف كان ؟ ليكون في ذلك الحُجَّة على مَن ؟ على اليهود والنّصارى والمشركين .

                          فاليهود يدّعونه.

                          والمشركون يدّعونه.

                          والنّصارى يدّعونه.

                          وأوْلى النّاسِ به إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَـذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ[آل عمران:68] وهذا النّبيّ - عليه الصّلاةُ والسّلام - وَالَّذِينَ آمَنُواْ ماذا كان حالُ إبراهيم؟ ماذا فعل إبراهيم؟ هل كان مشركاً؟ بما وصى به إبراهيم قومه؟ ماذا كان يقول لهم؟ وبما وصّى يعقوب بنيه؟ وماذا كان دينه ودينُ الأنبياءِ من قبله؟ إنّها تذكرةٌ وموعظة لهؤلاءِ اليهود، ولهؤلاء النّصارى، ولهؤلاءِ المشركين، جاءت بمثل الاستراحة قبل أن تأتيَ الأوامر والتّشريعات لهذه الأُمّة المحمَّدِيَّة.

                          نكمل - إن شاء اللَّه - الحديث عن موضوعات سورة البقرة في المجلِسِ القادم.

                          ونسألُ اللَّهَ - - أن ينفعنا بكتابه، وأن يجعلَهُ هدًى لنا، وأن يجعلنا جميعاً من أهلِ القرآن الّذين هم أهلُ اللَّهِ وخاصَّتُه.

                          اللهمّ اقسِم لنا من خشيتك ما تحولُ به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلِّغُنا به جنّتك، ومنَ اليقين ما تُهَوِّنُ به علينا مصائبَ الدّنيا، اللهمّ متِّعْنا بأسماعِنا وأبصارِنا وقوَّتِنا ما أحيَيْتَنا واجْعَلْهُ الوارِثَ مِنّا، وانصُرْنا على مَن ظلمَنا، ولا تجعلِ الدُّنيا أكبرَ هَمِّنا ولا مبلغَ عِلْمِنا ولا إلى النّارِ مَصيرَنا، ولا تُسَلِّطْ علينا بذنوبِنا مَن لا يخافُكَ ولا يرْحَمُنا.

                          أقول قولي هذا وأستغفِرُ اللَّهَ لي ولكم وصلّى اللَّهُ وسلّم وبارك على نبيِّنا محمَّد.
                          سمر الأرناؤوط
                          المشرفة على موقع إسلاميات
                          (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

                          تعليق