إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • نقاش حول دلالة قوله تعالى : ( ومن الناس من يشتري لهو الحديث ) على تحريم الغناء

    " لهو الحديث
    الحمد لله حق حمده ، وصلى الله وسلم بارك على نبيه وعبده ، وبعد ،،،
    فإن أقوى أدلة المحرمين للغناء ، والمعازف ، وأكثرها اشتهارا عندهم ، قول الله تعالى في سورة لقمان ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم قالوا إن ابن مسعود وابن عباس ، ، قالا : إن لهو الحديث هو : الغناء .
    ولكي نصل إلى معنى الآية بوضوح ، فإنه يجب أن ننظر في الآية بحيادية غير مسبوقة بمذهب أو رأي . وسأبين لك ذلك في نقاط ، حتى يسهل استيعاب ما أريد إيضاحه :
    · يقول : وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ! فالحجة من الله تبلغنا بسماع كلامه ، لا بتفسيره ، وفي كثير من الأحيان يحبس المرء في نطاق قول من سبق ، وآراء تجعل القرآن جامدا ، لا يواكب العصور! إذ إنها تزعم أني لا أستطيع ، وكذا أي مسلم عربي ، لا يستطيع أن يفهم كلام الله إلا عن طريق عالم !!! ولا يمكنه أن يعي ما يقول رسول الله إلا عن طريق عالم !!!
    · إن من أخطاء التفسير أن تؤخذ الكلمة من سياقها ، ويبنى الحكم على ذلك ، فلو قرأت قوله تعالى فويل للمصلين ووقفت ، كان المعنى تهديدا للمصلين ووعيدا ، ولا ريب أن هذا عكس المراد تماما ، فلا يستقيم المعنى إلا بإكمال الآية بعدها ليتضح أن المراد صنف من المصلين ، وهم الذين جاء وصفهم في الآيتين بعدها ، فالآية مرتبطة بالآيتين ، لا تنفك عنهما ، فتأمل .
    · وكذا قوله تعالى لا تقربوا الصلاة فإن المعنى لا يستقيم إلا بإكمال الآية لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى فأصبح النهي عن حالة معينة لا عن قرب الصلاة بالكلية .
    · وكذا لو قرأت قوله ذق إنك أنت العزيز الكريم فقد تفهم منه التكريم وحسن الوفادة ، فلا يتضح المعنى ـ ولا يظهر المراد من التوبيخ والإهانة إلا بالآيتين قبلها خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم ، ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم ، ذق إنك أنت العزيز الكريم وكذا بالآية بعدها إن هذا ما كنتم به تمترون .
    · سورة لقمان مكية ، وكل آية يستدلون بها في تحريم الغناء مكية ، وهذا من العجيب ،وقد أقر الشيخ عبدالعزيز الطريفي بذلك فقال في كتابه ( الغناء في الميزان ) : وقد حرمه الله على عباده في مكة ، وهذا يدل على عظم خطر الغناء ، وأثره على العباد .
    · قلت : وهذا من أعجب ما قرأت ، ومن أكبر الأدلة على أن القوم يرددون ما قال الأوائل هكذا ، دون أن يعملوا عقولهم ، وهذا هو الذي دعاني لقول ما قلت من ترديدهم مقولة الكافرين ، وهم لا يشعرون : إنا وجدنا آباءنا على أمة ، وإنا على آثارهم مقتدون .
    · فتأمل معي يا رعاك الله ، كيف يحرم الله تعالى المعازف في مكة ، ويترك تحريم الخمر التي هي أم الخبائث إلى ما بعد الهجرة بزمن طويل ، ويتدرج في تحريمها ، إلى وقت نزول سورة المائدة ، وقد قيل إن تحريم الخمر نزل بعد أحد . فكيف لا تحرم الخمر إلا في المدينة وينزل تحريم المعازف في مكة ؟ ألهذا بلغت الخطورة في المعازف على الدين ، فهل حرمت المعازف في الديانات الأخرى ، فكيف تكون المعازف أشد حرمة من الخمر والزنا ، ثم لا تحرم بنص قاطع مثلهما ؟ وكيف يلعن في الخمر عشرة ولا يلعن المغني ؟
    · إلا إن قالوا إن المعازف ، أو الغناء بالأحرى لأن تفسير الصحابة على الغناء لا على المعازف ، إنه أشد خطرا على القلوب من الخمر ، وأشد فتكا بالأعراض من الزنا ؟
    · ومن أعجب ما يمكن أن يقال إن المحرمين للمعازف ، يستدلون بهذه الآية في تحريم الغناء ، وعلى حديث أبي مالك في تحريم المعازف ، ومن الدلالات على التحريم في حديث أبي مالك قولهم : إنه قرن المعازف مع المحرمات ، فدل على تحريمها ، فانقلبوا على أنفسهم ، إذ إن المفترض أن يكون العكس ، فلما حرم الله الغناء والمعازف في مكة كما يزعمون ، فإن اقتران الخمر بها هو المفترض أن يكون دليلا على تحريمها ، لكنهم هنا جعلوا تحريم الخمر دليلا على تحريم المعازف ، لأن تحريم الخمر لا جدال فيه ، وكذا الزنا ، وكذا الحرير على الرجال . مع أن دلالة الاقتران ضعيفة عند الأصوليين .
    · وقد قدمت لك أن الآيات التي يستدلون بها على تحريم الغناء آيات مكية ، كما في قولهم عن آية النجم ، وأنتم سامدون وفي آية الإسراء واستفزز من استطعت منهم بصوتك وحتى آية الفرقان والذين لا يشهدون الزور كل ذلك مكي ، مما يجعلك إن تحررت من التعلق بالآخرين تتأمل كيف يأتي تحريم الغناء في مكةويهمل الحديث عنه في المدينة ، فإن فعلت ثبت لك ما سأقوله في آخر هذا البحث القصير ، وتبين لك معنى الآية بإشراق ووضوح .
    · إنهم يتهموننا بالخلط وهم الذين يخلطون ، فإنهم يقولون إن الله حرم الغناء في مكة لشدة خطره كما نقلت لك ، ثم يستدلون عليك بحديث أبي مالك وهو في المدينة بلا شك ، وهو في المعازف لا في الغناء ، إلا إذا قالوا إنه لا معازف بلا غناء ، ولا غناء بلا معازف ، ولا أظن ذلك هو قولهم فقد قال الشيخ الطريفي : ولذلك يعلم أن ما يطلق من أقوال بعض الصحابة وأشعار العرب من ذكر الغناء ، فالمراد به الأشعار ، وما يسمى في زمننا بالأناشيد . والمراد من ذلك أنه ينبغي أن يفرق بين اصطلاح أهل العصر ، واصطلاح الأوائل ، وإن كان اللفظ واحدا . فهذا دال على أنه يريد التفريق بين الغناء والمعازف ، فكيف حرم الغناء بمكة وترك تحريم المعازف إلى ما بعد الهجرة ؟ والعلة واحدة ، بل إن مقاله هذا يفهم منه أن الغناء المسمى بالأناشيد حلال ، فلنا أن نسأل من أين له أنها حلال وهو يستدل بقول ابن مسعود وحلفه ، فهل قول ابن مسعود ( هو الغناء ) باصطلاح أهل العصر أم باصطلاح الأوائل ؟ فإن كان باصطلاح الأوائل فيلزمه أن يحرم الأناشيد والأشعار ، وإن كان باصطلاح العصر فمن هو الذي لم يفرق بين الاصطلاحين !!!!
    · ولأننا سنحتاج إلى ما يقنع القوم فإن طريقة السلف في التفسير أن يبينوا المعنى المراد ، دون الكلام على كل لفظة . ذكر ذلك شيخ الإسلام في كتابه تفسير آيات أشكلت . ( لاحظ أن ابن تيمية سيتكلم في هذا الكتاب عن تفسير آيات أشكلت على السلف ويزيل غموضها ، ثم لا يقرون لك بأن الإشكال قد يقع فيه حتى حبر الأمة وترجمان القرآن ، .
    فلنأخذ المعنى الجامع للآيات :
    · إن السورة تتكلم في فاتحتها عن هذا القرآن ، واقرأها من أولها ليستقيم لك المعنى إجمالا ، وتذكر أني قلت لك إن السورة مكية ، ثم لا يغب عن ذهنك أنها بعد الروم ، وفي آخر آية من الروم يقول فاصبر إن وعد الله حق ، ولا يستخفنك الذين لا يوقنون ثم جاءت هذه السورة مفتتحة بـ الم ، تلك آيات الكتاب الحكيم . هدى ورحمة للمحسنين ، الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ، وهم بالآخرة هم يوقنون ، أولئك على هدى من ربهم ، وأولئك هم المفلحون ومن تأمل السورة علم أنها تفننت في إثبات حكمة هذا الكتاب، وأن ما سواه من الأساطير والأحاديث ليست إلا ضلالا مبينا متى كانت للصد عنه ، ولهذا ناسب أن يقول تلك آيات الكتاب الحكيم ، ومن ثم قال ولقد آتينا لقمان الحكمة وقال إن الله عزيز حكيم ورد الخاتمة على ما افتتح به ، فقال في الخاتمة إن وعد الله حق ، فلا تغرنكم الحياة الدنيا ، ولا يغرنكم بالله الغرور حيث قال في بدايتها إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم ، خالدين فيها ، وعد الله حقا وتنبه : وهو العزيز الحكيم ، ولم يقل : إنه لا يخلف الميعاد مثلا ، فالسورة تريد إثبات الحكمة ، والعزة ، والقدرة ، وتحث في ثناياها على بر الوالدين وإقام الصلاة والأمر بالمعروف ، وغير ذلك من خصال الخير مدمجة في وصايا لقمان ( الحكيم ) لابنه .
    · ومن المفارقات أن يأتي في السورة ، وليس في سورة أخرى قط الإشارة إلى الصوت البشع ، إن أنكر الأصوات لصوت الحمير بعد الأمر بالغض من الصوت .
    · فالسورة تتحدث عن فريقين ، فريق أحسن فاتبع الحكمة ، ولزمها ، وسار عليها ، فأقام الصلاة ، وآتى الزكاة ، وأمر بالمعروف وصبر على الطاعة ، وتفكر في مخلوقات الله ونعمه ، وعبد الله مخلصا له الدين في كل أوقاته وأحايينه .
    · يقابله فريق آخر اشترى لهو الحديث، وغرته الحياة الدنيا، وغره بالله الغرور ، فلم يقف عند حكمة الله من خلقه ، وإيجاده ، ولم ينظر في نعم الله التي أسبغها عليه ظاهرة وباطنة ، بل اشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل الله ويتخذ آيات الله وسبيله هزوا ، فإذا ذكر بالقرآن أعرض كأن لم يسمعه ، وإذا نهي ووعظ وقيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا وتأمل خاتمة الآية ، فإنه لم يقل مثل ما قال في البقرة والمائدة أولو كان آباؤهم لا يعقلون ( لا يعلمون ) شيئا ولا يهتدون بل قال هنا أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير ! فبينت الآيات أن النجاة في إسلام الوجه لله ، وأن الكافر لا يجب أن يحزن النبي وأتباعه لكفره ، فإن الموعد عند الله ، وإليه المرجع والمعاد .
    · إذا استوعبت المعنى إجمالا ، ومناسبة الآيات وربطها مع بعضها البعض، تبين لك بوضوح مناسبة الآية المشكلة بيننا ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين ، وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها ، كأن في أذنيه وقرا ، فبشره بعذاب أليم إنك إن تأملت السياق بحدود الحرية المتاحة لك سترى أن الكلام عن قوم يقابلون القوم الأولين ، فالأولون هم المحسنون ، والمقابل لهم هم الكافرون ، وهو الذي جاء في نصوص السورة كلها ، مقابلة بين فريق آمن وفريق كفر ، ولا يمكن حمل الآية على المسلم أبدا كما نص على ذلك قتادة في التفسير .
    · ونفس الفكرة تعرضها سورة البقرة في أوائلها ، حديث عن المتقين ، ثم حديث عن الكافرين .
    · ثم لو أضفت إليها ، كما هو المفترض فيمن يفسر القرآن أن ينظر في القرآن ليضم بعضه إلى بعض فإن ما أجمل هنا فصل هناك وهكذا ، فإنك ستجد أن من أهم أسلحةالكافرين في بداية البعثة كان في الصد عن سماع القرآن ، كما قال حاكيا عنهم وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون وفي قصة إسلام الطفيل بن عمرو الدوسي دليل على خوفهم من أن يسمع الناس كلام الله ، فيحولون بينهم وبينه ، بالأساطير والقصص المخترعة والأكاذيب والأشعار وما أشبه ذلك ، ولهذا كان من أهم أسباب الهداية سماع القرآن ، كما أخبر فقال وإن أحد من االمشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله . سيتبين لك أن الآية تتكلم عن أناس همهم ، وشغلهم ، وهدفهم الصد عن القرآن وإشغال الناس عنه ، حتى لا يسمعوه ، ولا يعملوا به .
    · فتعال لنرى أين الخلل في فهم الآية عند بعض الناس ، وقبل أن نبدأ لك أن تسأل وهم يقولون : إن لهو الحديث هو الغناء ، فقل لي بربك أين هذا المعنى في لغة العرب !! ؟؟؟ وأين هو في أشعارها ؟ فأين دليل ذلك من كتاب الله تعالى ؟ أين دليله من سنة الحبيب ؟؟
    · إنك لن تجد الحق عبر عن الغناء بلهو الحديث أبدا ، ولن تجد ذلك في سنته ، ولن تجد ذلك في لغة العرب أبدا ، ولا في أشعارها ! نعم الغناء من اللهو ، ولكن ليس معنى اللهو
    الغناء !

    · إذا كيف قال ابن مسعود إنه الغناء ، وحلف على ذلك ، إنه أمر بسيط جدا يعرفه كل من عرف طريقة السلف في تفسيرهم ، فهم يفسرون بالمثال ، كما ذكر شيخ الإسلام وغيره عنهم في أمثلة كثيرة ، ليس هذا مقام بيانها .
    · ولكي أثبت لك ذلك تعال معي في جولة من أقوال بعض المفسرين الذين خالفوا في معنى الآية ، ولم يحصروه في الغناء كما يلتزم بذلك العلماء الذين يقولون بتحريم الغناء والمعازف استدلالا بحلف ابن مسعود .
    · قال الرازي : لما بين أن القرآن كتاب حكيم ، يشتمل على آيات حكمية ، بين حال الكفار أنهم يتركون ذلك ويشتغلون بغيره ، ثم إن فيه ما يبين سوء صنيعهم من وجوه
    الأول : أن ترك الحكمة والاشتغال بحديث آخر قبيح
    الثاني : هو أن الحديث إذا كان لهوا لا فائدة فيه كان أقبح
    الثالث : هو أن اللهو يقصد به الإحماض ، كما ينقل عن ابن عباس أنه قال : أحمضوا . ونقل عن النبي أنه قال : روحوا القلوب ساعة فساعة ، رواه الديلمي ، عن أنس مرفوعا ، ويشهد له ما في مسلم : يا حنظلة ، ساعة وساعة ، والعوام يفهمون منه الأمر ، بما يجوز من المطايبة ، والخواص يقولون : هو أمر بالنظر إلى جانب الحق ـ فالترويح به لا غير ، فلما لم يكن قصدهم إلا ألإضلال لقوله : ليضل عن سبيل الله كان فعله أدخل في القبح .
    · قال الدكتور وهبة الزحيلي في التفسير المنير لهو الحديث : ما يلهي منه عما يعني ويفيد ، من الحكايات والأساطير ، والمضاحك ، وفضول الكلام ، وكتب الأعاجم ، والجواري والقينات . واللهو : كل باطل ، ألهى عن الحق ، والخير
    · قال هود بن محكم الهواري – من علماء القرن الثالث - في تفسيره كتاب الله العزيز : قوله ومن الناس من يشتري لهو الحديث يعني الشرك ، وهو قوله : اشتروا الضلالة بالهدى . أي اختاروا الضلالة على الهدى ، وقتال بعضهم : استحبوا الضلالة على الهدى . قال بعضهم يختار باطل الحديث على القرآن . قال : ليضل عن سبيل الله : أي عن سبيل الهدى ، وهو سبيل الله ... ويتخذها هزوا . أي ويتخذ آيات الله ، أي القرآن هزوا .
    قال : وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا . أي عن عبادة الله ، جاحدا لآيات الله ، ...
    · قال القنوجي في فتح البيان في مقاصد القرآن : لهو الحديث : وهو كل باطل يلهي ، ويشغل عن الخير من الغناء والملاهي والأحاديث المكذوبة ، والأضاحيك ، والسمر بالأساطير ، التي لا أصل لها ، والخرافات والقصص المختلفة ، والمعازف والمزامير ، وكل ما هو منكر ... قال الحسن : لهو الحديث المعازف والغناء ، وروي عنه أنه قال : هو الكفر والشرك . وفيه بعد ، والمراد بالحديث الحديث المنكر والمعنى يختارون حديث الباطل على حديث الحق .... إلى أن قال : ليضل عن سبيل الله : اللام للتعليل ، ... أي ليضل غيره عن طريق الهدى ، ومنهج الحق ، وقرئ بفتح الياء أي ليضل هو في نفسه ويدوم ، ويستمر ويثبت على الضلال . ثم قال : فأفاد هذا التعليل أنه إنما يستحق الذم من اشترى لهو الحديث لهذا المقصد ، ويؤيد هذا سبب النزول .
    · قال القاسمي : ومن الناس ... تعريض بالمشركين ، وأنهم يستبدلون بهذا الكتاب المفيد الهدى والرحمة والحكمة ما يلهي من الحديث عن ذلك الكتاب العظيم . ليضلوا أتباعهم ، عن الدين الحق .
    القاسمي هو من يعتمد عليه جل علمائنا على تقليد المفتي ، استدلالا بقوله تعالى فاسألوا أهل الذكر وهو أول من قال بذلك ، وقد توفي سنة 1330 ، وإلا فكل من سبقه من المفسرين يقولون إن أهل الذكر هنا يعني أهل الكتاب ...وهذا من الأخذ عن الشيوخ دون تمحيص ولا تفكير ، مجرد استنساخ . وقد نص ابن عباس على أن أهل الذكر هم ( أهل القرآن ) فتأمل قولهم : ما أنت إلا قارئ ، واحكم ، مع أني لا أوافقه في قوله هذا ، وقد رده ابن كثير أيضا ، ولكن أردت فقط أن أرد عليهم بقول صحابي ، فليتهم يعقلون !
    · قال المظهري في تفسيره : بعد ذكر المعلوم من التفسير فيها ... قلت مورد النص وإن كان خاصا وهو الغناء أو قصص الأعاجم ، لكن اللفظ عام ، والعبرة بعموم اللفظ لا لخصوص السبب ، ومن هنا قال قتادة هو كل لهو ولعب ، وقال الضحاك هو الشرك . ثم ذكر أحاديث تحريم الغناء والمعازف ثم قال : والأحاديث الموجبة لحرمة الغناء مخصوصة بالبعض لورود أحاديث أخر دالة على الإباحة ، فحملنا أحاديث حرمة الغناء على ما كان منه على قصد اللهو لا لغرض مشروع داعيا إلى الفسوق ، فلنذكر الأحاديث الدالة على إباحة الغناء ، فذكر منها حديث الربيع بنت معوذ الذي فيه وفينا نبي يعلم ما في غذ .... وحديث إن الأنصار يعجبهم اللهو ... وحديث أعلنوا هذا النكاح .... يا عائشة ألا تغنين فإن هذا الحي ... رواه ابن حبان ... ,,,فإن رخص لنا في اللهو عند العرس ... وحديث الجاريتين ، إلى أن قال : فظهر أن المحرم من الغناء ما يدعو إلى الفسق ويشغل عن ذكر الله ، وما ليس كذلك فليس بحرام ...
    · قال ابن عادل الدمشقي في كتابه اللباب في علوم الكتاب : روي عن عبدالله بن مسعود وابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير قالوا : لهو الحديث هو الغناء . والآية نزلت فيه ، ومعنى قوله : يشتري لهو الحديث أي يستبدل ويختار الغناء والمزامير والمعازف على القرآن ، ... وقال قتادة : حسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق .
    · قال ابن الجوزي في زاد المسير : وفي المراد بلهو الحديث أربعة أقوال : أحدها : أنه الغناء . ....
    والثاني أنه ما ألهى عن الله قاله الحسن ، وعنه مثل القول الأول .
    الثالث أنه الشرك : قاله الضحاك .
    والرابع : الباطل : قاله عطاء .
    قال : وإنما قيل لهذه الأشياء لهو الحديث لأنها تلهي عن ذكر الله .
    · قال القصاب في نكت القرآن : هو والله أعلم مثل قوله : أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى . يؤثره ويشتغل به ، لا أنه يخرج فيه مالا ، ويحتمل أن يكون رفع الأموال إلى المغنين ، وإخراجه في شراء القينات .... قال : وقد يحتمل أن تكون الآية – وإن كان الغناء محرما من موضع آخر – نازلة في حديث الكفر وما دعا إليه ، لأن ما يلي من المسلمين لا يضع نفسه موضع المتخذين سبيل الله هزوا ، والدليل على ذلك قوله : وإذا تتلى عليه آياتنا ... فهذا فعل الكافر ، وقد يجوز أن تكون الآية نزلت في الكفار ومن يؤثر استماع الغناء واللهو على استماع القرآن . فيدخل فيها تفسير ابن عباس ومجاهد . ويكون السبيل القرآن ..
    · قال ابن زمنين في تفسير القرآن العزيز : تفسير السدي : يختار باطل الحديث على القرآن . , قال الكلبي .... وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا . أي جاحدا كأن لم يسمعها قد سمعها بأذنيه ولم يسمعها قلبه وقامت عليه بها الحجة .
    · قال الماوردي في النكت والعيون : فيه سبعة تأويلات : أحدها شراء المغنيات لرواية القاسم بن عبدالرحمن عن أبي أمامة عن النبي قال : لا يحل بيع المغنيات ، ولا شراؤهن ، ولا التجارة فيهن ، ولا أثمانهن ، وفيهن أنزل الله تعالى : ومن الناس من يشتري لهم الحديث . رواه أحمد والترمذي وابن ماجة وهو حديث ضعيف ، ضعفه الترمذي وابن كثير والألباني في ضعيف الجامع .
    الثاني الغناء قاله ابن مسعود ...
    الثالث : أنه الطبل قاله عبدالكريم ، والمزمار قاله ابن زخر
    الرابع أنه الباطل قاله عطاء
    الخامس أنه الشرك بالله قاله الضحاك وابن زيد
    السادس ما ألهى عن الله سبحانه قاله الحسن
    السابع أنه الجدال في الدين والخوض في الباطل قاله سهل بن عبدالله .
    ويحتمل عن لم يرد فيه نص تأويلا ثامنا ، أنه السحر والقمار والكهانة
    · قال ابن العربي في أحكام القرآن : المسألة الأولى لهو الحديث : هو الغناء وما اتصل به ..
    الثاني أنه الباطل :الثالث أنه الطبل قاله الطبري ... قال : المسألة الثالثة : هذه الأحادي التي أوردناها لا يصح منها شيء بحال ، لعدم ثقة ناقليها إلى من ذكر من الأعيان فيها . وأصح ما فيه قول من قال : إنه الباطل ، فأما قول الطبري إنه الطبل ، فهو على قسمين ، طبل حرب وطبل لهو ، فأما طبل الحرب فلا حرج فيه ، لأنه يقيم النفوس ويرهب على العدو ، وأما طبل اللهو فهو كالدف ، وكذلك آلات اللهو المشهرة للنكاح يجوز استعمالها فيه لما يحسن من الكلام ويسلم من الرفث .
    وأما سماع القينات فقد بينا أنه يجوز للرجل أن يسمع غناء جاريته ، إذ ليس شيء منها عليه حراما ، لا من ظاهرها ولا من باطنها ، فكيف يمنع من التلذذ بصوتها ؟ ولم يجز الدف في العرس لعينه ، وإنما جاز لأنه يشهره ، فكل ما أشهره جاز .
    وقد بينا جواز الزمر في العرس بما تقدم من قول أ[ي بكر : أمزمار الشيطان في بيت رسول الله ، فقال : دعهما يا أبا بكر ، فإنه يوم عيد . ولكن لا يجوز انكشاف النساء للرجال ، ولا هتك الأستار ولا سماع الرفث ، فإذا خرج إلى ما لا يجوز منع من أوله واجتنب أصله . .
    · قال ابن الفرس في أحكام القرآن : وأحسن ما تفسر به الآية أن لهو الحديث كل ما يلهي من غناء أو خناء ونحوه ، فكل ما ألهى محرم بهذه الآية ، ونحوها ، ولا خلاف أن الغناء بالآلة محرم ! ( قلت : بل الخلاف مشهور ، وقد جمع الشوكاني رسالة مشتملة على أقوال أهل العلم في الغناء ، وما استدل المحللون له ، والمحرمون له ، وحقق هذا المقام بما لا يحتاج من نظر فيها وتدبر معانيها إلى النظر في غيرها ، وسماها إبطال دعوى الإجماع ، على تحريم مطلق السماع . قاله الشوكاني في تفسيره . )
    ، وإنما اختلف فيه بغير آلة ، وظاهر الآية تحريمه ، إلا أن يتأول ، ... ورجح أبو الحسن القول بأن لهو الحديث ما قاله الحسن إنه الكفر والشرك ، وما قاله غيره من قصة النضر بن الحارث ونحو ذلك ، وأبعد أن يكون الغناء ، قال : لأن الغناء لا يطلق عليه أنه حديث ، ولا أنه إضلال عن الدين . ...
    · قال البغوي : أي يستبدل ويختار الغناء والمزامير والمعازف على القرآن ، ... وقال ابن جريج هو الطبل ، وعن الضحاك هو الشرك ، وقال قتادة هو كل لهو ولعب .
    · قال النسفي : ليضل : أي ليصد الناس عن الدخول في الإسلام ، واستماع القرآن ،
    · قال ابن عطية : والذي يترجح أن الآية نزلت في لهو حديث مضاف إلى كفر ، فلذلك اشتدت ألفاظ الآية بقوله ليضل عن سبيل اله بغير علم ويتخذها هزوا . والتوعد بالعذاب المهين ، ، وأما لفظة الشراء فمحتملة للحقيقة والمجاز على ما بينا ، ولهو الحديث كل ما يلهي من غناء ونحوه ، والآية باقية المعنى في أمة محمد ولكن ليس ليضلوا عن سبيل الله بكفر ولا يتخذوا الآيات هزوا ولا عليهم هذا الوعيد ، بل ليعطل عبادة ويقطع زمانا بمكروه وليكون من جملة العصاة والنفوس الناقصة تروم تتميم ذلك النقص بالأحاديث ، وقد جعلوا الحديث من القربى وقيل لبعضهم أتمل الحديث قال بل يمل العتيق .
    ثم قال في قوله : وإذا تتلى عليه ... قال : هذا دليل على كفر الذي نزلت فيه هذه الآية التي قبلها ، والوقر في الأذن الثقل الذي يعسر إدراك المسموعات ، وجاءت البشارة بالعذاب من حيث قيدت النص عليها ، ولما ذكر حال هؤلاء الكفرة وتوعدهم بالنار على أفعالهم عقب بذكر المؤمنين ، وما وعدهم به من جنات النعيم ... ليبين الفرق ...
    · وقال الطبري : وأما الحديث فإن أهل التأويل اختلفوا فيه ، فقال بعضهم هو الغناء والاستماع له ... ذكر من قال ذلك ... وقال بعضهم : هو الطبل ... ذكر من قال ذلك ، وقال آخرون : عنى بلهو الحديث الشرك . ذكر من قال ذلك ..
    ثم قال : والصواب من القول في ذلك أن يقال : عنى به كل ما كان من الحديث ملهيا عن سبيل الله ، مما نهى الله عن استماعه أو رسوله ، لأن الله تعالى ذكره عن بقوله لهو الحديث ولم يخصص بعضا دون بعض ، فذلك على عمومه ، حتى يأتي ما يدل على خصوصه ، والغناء والشرك من ذلك .
    · قال ابن عاشور : والمعنى أن حال الكتاب الحكيم هدى ورحمة للمحسنين ، وأن من الناس معرضين عنه ، يؤثرون لهو الحديث ليضلوا عن سبيل الله الذي يهدي إليه الكتاب ، وهذا مقابلة الثناء على آيات الكتاب الحكيم بضد ذلك في ذم ما يأتي به بعض الناس .. إلى أن قال : فالموجود واحد وله صلتان ، اشتراء لهو الحديث للضلال ، والاستكبار عندما تتلى عليه آيات القرآن .
    · ونحسم القول في الآية بقول شيخ مشايخنا ، ومفسر زماننا ، محمد الأمين الشنقيطي ، في أضواء البيان ، ولم يفسر آية اللهو حيث إن منهجه تفسير القرآن بالقرآن ، فلم يجد ما يفسرها به من كتاب الله ففسر التي بعدها فقال : قوله تعالى : وإذا تتلى عليه آياتنا ... ذكر في هذه الآية الكريمة أن الكافر إذا تتلى عليه آيات الله ، وهي هذا القرآن العظيم ولى مستكبرا ، أي متكبرا عن قبولها ، كأن لم يسمعها ، كأن في أذنيه وقرا ، أي صمما وثقلا مانعا له من سماعها ، ثم أمر نبيه أن يبشره بعذاب أليم . وقد أوضح هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله ويل لكل أفاك أثيم ... إلى قوله : عظيم .
    · قال أبو عبد الإله : ويزيدها وضوحا قول الله تعالى ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر لو وقفت هنا فإنه لا إشكال في الموصوف بهذا ، ولا يفيد مدحا له ولا ذما ، فالمعنى إن هناك أناس يقولن إنهم آمنوا بالله وباليوم الآخر ، فهل أخذت من هذا مدحهم أم ذمهم ؟ الآية لا تمدح ولا تذم بهذا ، ولكن يتضح المراد مدحا أو ذما فيحال إكمال الآية : وما هم بمؤمنين إذا تبين لك أن الله يذمهم بزعمهم الإيمان وهم كاذبون !!!
    · فانظر لو طبقنا هذا في آيتنا المختلف فيها فاقرأ ومن الناس من يشتري لهم الحديث ثم قف ، وانظر ما معنى هذا ، ستجد أنه خبر لا يفيد إلا أن هناك من يشتري لهو الحديث من الناس ، بيد أنه لا يفيد مدحا ولا ذما ، فإذا أردت إكمال المعنى وفهم المراد فأكمل الآية ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا ، فإذا ليس ذم المشتري لهو الحديث لأنه اشتراه ، بل لأنه اشتراه ليضل عن سبيل الله ، فعلة الشراء هي المذمومة ، لا مجرد الشراء .
    · فتبين لك أن تفسير لهو الحديث بالغناء على النص عليه لا يصح ، وإنما هو على سبيل المثال ، كما قال ابن جرير ، وما رأيته من نقل بعضهم لتحريم الغناء ، قلنا ولو صح هذا فليس هو من الآية ، وإنما هو من دليل آخر غيرها .
    · فإذا ثبت حديث الربيع بنت معوذ ، وهو ثابت ، وحديث الجاريتين وهو ثابت ، وغير ذلك مما صح عنه ، وما أقر به المخالفون من أن الغناء بغير آية جائز ، وعده مثل الحداء وما أشبهها ، قلنا إن ذلك لا يستقيم لكم باستدلالكم بحلف ابن مسعود وتفسيره ، لأنه حلف على الغناء المجرد من المعازف ، وثبت عن الحبيب أنه غني في بيته ، بحجة العيد ، كما قال الكرماني في شرحه للصحيح : أما ترى أنه أباح الغناء بحجة العيد . فصار من الملزم لكم أن تقولوا بحرمة كل غناء ، حتى وإن خلا من المعازف ، فتصدمون بالأحاديث الصحيحة فيه والأمر به ولو في أوقات معينة كالعيد والعرس وقدوم الغائب والختان ، كما نص على ذلك النووي وابن كثير ، وإما أن تخالفوهما ، وتقولوا إنهما قالا قولا وعملنا بقول ابن عباس : يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء ، أقول قال رسول الله وتقولون قال أبو بكر وعمر . فرددنا كلامهما لأنه خالف الصحيح من سنته .
    والأقرب إلى الحق فيما يظهر والله أعلم أن لا يترك قول الإمامين الحبرين ، وإنما يؤخذ به على سبيل المثال كما قررنا ، ويكون المعنى إن الغناء قد يستعمل للإضلال عن سبيل الله ، كما قد يفعله بعضهم في هذه المهرجانات ، والفيديو كليبات من مجون ومياعة وفسق وفجور وتعر وإثارة جنسية واضحة ، يسمونها غناء ، وما هي إلا صد عن سبيل الله ، حينها نقول نعم الغناء بمثل هذه الصورة لا يصح بحال وهو داخل في الآية قطعا ، وقد يكون كفرا .
    أما الغناء للترويح خال من الفحش والفجور والمجون ولو كان بآلة فهو جائز ، كما يظهر لي مما سبق ، والله تعالى أعلم .
    هذا ما اتضح لي من النظر في تفسير آية لقمان ، منذ ست سنوات ، سطرته اليوم مرتبا ، وأشهد الله تعالى أني ما سطرته هوى ولا انتصارا لرأي ولكن توضيحا لخطأ في تفسيرها لا أقول من الصحب الكرام ولكن ممن جاء بعدهم ، وما من معصوم إلا الحبيب ، وقد أخطأ أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، وما أزعم أني مصيب وحدي ، ولكني أستطيع الجزم أني أقرب إلى الحق ، وأرجو أن أكون أصدق في طلبه ، لأني لم أتبع فيه فلانا ولا فلانا ، لمجرد أنه فلان أو فلان ، وإنما نظرت في أدلة كل فريق ، وقلت ما أظنه صوابا ، وما أرجو أن يكون أوفق وأقرب للدليل ، فإن أصبت فمن الله ، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان .
    وبعد هذا كله ، فإني أحل كل مغتاب وشاتم ، ومعيب ورام لي بسوء ، وناظم في قصيدة ، لأني أحسبهم فعلوا ذلك غيرة لما يعتقدون أنه الحق ، ومع هذا فإن الغيرة لا بد لها من زمام ، وإلا أصبحت تقليدا أعمى ، وحجر عثرة في طريق الفهم والمباحثة في كتاب الله وسنة رسوله ، ، ولا يمكن لمتزمت لرأي أو مذهب أن يزعم أنه وحده المصيب ، ولكن إذا علم أن المرء المخالف له ما قال ما قال إلا عن بحث ودراية ونظر وفهم ، فإن كان باحثا عن الحق ، حتى وإن لم يقنع بما قال مخالفه ، فإنه يلزمه أن لا يثلب عليه ولا يغلق طريق البيان عليه ، هذا والله هو الموفق والهادي إلى سواء السبيل .
    ولنا لقاء قريب بإذن الله في الكلام على الحديث المشهور ليكونن من أمتي أقوام ... الحديث . والله يتولانا بحفظه ورعايته ، ويجمعني بمن خالفته ، في جنات ونهر على الأرائك والسرر متحققا فينا : ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا . "

    *الموضوع للشيخ عادل الكلباني وفقنا الله وإياه للصواب ، وهو منشور على موقعه.
    أرجو من الإخوة الأفاضل مناقشاة الموضوع بما يتعلق بالناحية الاستدلالية بعيدا عن أي متعلقات أخرى وفق الله الجميع لما فيه الخير.
    التعديل الأخير تم بواسطة أبو صفوت; الساعة 30/07/1431 - 11/07/2010, 12:00 pm. سبب آخر: العنوان

  • #2
    المشاركة الأصلية بواسطة أبو سعد الغامدي مشاهدة المشاركة
    " لهو الحديث



    هذا ما اتضح لي من النظر في تفسير آية لقمان ، منذ ست سنوات ، سطرته اليوم مرتبا ، وأشهد الله تعالى أني ما سطرته هوى ولا انتصارا لرأي ولكن توضيحا لخطأ في تفسيرها لا أقول من الصحب الكرام ولكن ممن جاء بعدهم ، وما من معصوم إلا الحبيب ، وقد أخطأ أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، وما أزعم أني مصيب وحدي ، ولكني أستطيع الجزم أني أقرب إلى الحق ، وأرجو أن أكون أصدق في طلبه ، لأني لم أتبع فيه فلانا ولا فلانا ، لمجرد أنه فلان أو فلان ، وإنما نظرت في أدلة كل فريق ، وقلت ما أظنه صوابا ، وما أرجو أن يكون أوفق وأقرب للدليل ، فإن أصبت فمن الله ، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان .
    وبعد هذا كله ، فإني أحل كل مغتاب وشاتم ، ومعيب ورام لي بسوء ، وناظم في قصيدة ، لأني أحسبهم فعلوا ذلك غيرة لما يعتقدون أنه الحق ، ومع هذا فإن الغيرة لا بد لها من زمام ، وإلا أصبحت تقليدا أعمى ، وحجر عثرة في طريق الفهم والمباحثة في كتاب الله وسنة رسوله ، ، ولا يمكن لمتزمت لرأي أو مذهب أن يزعم أنه وحده المصيب ، ولكن إذا علم أن المرء المخالف له ما قال ما قال إلا عن بحث ودراية ونظر وفهم ، فإن كان باحثا عن الحق ، حتى وإن لم يقنع بما قال مخالفه ، فإنه يلزمه أن لا يثلب عليه ولا يغلق طريق البيان عليه ، هذا والله هو الموفق والهادي إلى سواء السبيل .
    جزاكم الله خيراً أبا سعد وبارك فيكم على هذا النّقل.
    وأحسن الشّيخ الكلبانيّ -حفظه الله- في الخاتمة إحساناً كبيراً.
    وهذه طريقة من يمسّ شيئاً ممّا يعتقده المتعصّبة من المخالفين -أحداث الأسنان- من المقطوعات؛ يلتزم هؤلاء الأفاضل معهم -وإن أخطأوا- الأدب، وعفّة اللسان، واحترام المخالف، وتواضع العلماء. ويقابلهم أولئك بألفاظ تشيب لها العوارض من ألفاظ التّفسيق، وما يوحي بالتّكفير غير الصّريح. إنّه الغلّ الخارج من التّعصّب المقيت أو الجهل المدقع.
    ومع أنّني أتبنّى رأيه هذا منذ زمن بعيد إلا أنّني لا أسمع الغناء أبداً، ولا أطيق سماعه، ولا كثير من الأناشيد المباحة، وقد أسمع بعضها عرضاً؛ لكنّني لا أعيب على أحد يسمع إلا أن تكون حرمته واضحة.
    وننتظر حديث المعازف الّذي رواه الإمام البخاريّ - تعالى- في صحيحه معلّقاً؛ وضعّفه المحقّق الشّيخ إحسان عبد المنّان -حفظه الله- من خلال استنباطه لتضعيف البخاريّ -- نفسه للحديث من حيثيّتين.
    تعاظمني ذنبي فلمّا قرنتـــه بعفوك ربّي كان عفوك أعظما

    تعليق


    • #3
      هذا الموضوع ينبغى أن ينقسم فى البحث والاستدلال إلى موضوعين :

      أولا : موضوع الغناء وهو كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح
      والغناء الحسن هو الأناشيد.

      ثانيا : موضوع الموسيقى وهى ءالات الطرب والمعازف.

      فالغناء الحسن الهادف الداعى إلى الخير فهو مباح باتفاق

      والغناء القبيح الداعى إلى الشر وإثارة الشهوة فهو محرم باتفاق

      ننتقل إلى الموضوع الثانى وهو الموسيقى وهو- فى وجهة نظرى المتواضعة- محرم

      فإذا دخلت على غناء فاجر فهى حرام وإن دخلت على أناشيد فهى حرام وأصبحت الأناشيد محرمة لاشتمالها على محرم

      وإن انفردت بنفسها ولم تدخل على غناء فهى حرام.

      باستثناء الدف لورود الأحاديث الصحيحة به.

      وأعتقد أن الصحابة الذين فسروا لهو الحديث بالغناء قصدوا به الغناء المحرم

      لثبوت سماع الصحابة الأناشيد من الجوارى و الغلمان.

      جزاك الله خيرا
      عطاء الله عبد الظاهر
      ليسانس أصول الدين - جامعة الأزهر

      تعليق


      • #4
        الدكتور نعيمان
        شكرا الله لك حيث وضعت أصبعك على المهم وهو أدب الحوار وهذا مع الأسف ما نفتقده كثيرا في نقاشاتنا حيث تتحول من علمية إلى مهاترات وسباب وشتائم لها أولا وليس لها آخر

        أخي عطاء الله الأزهري وفقك الله وشكر لك مداخلتك
        ولكن أرجو أن يكون البحث في طريقة استدلال الشيخ عادل حفظه الله ومدى مطابقتها لقواعد الاستدلل
        وليس البحث في حكم الغناء
        بارك الله في الجميع

        تعليق


        • #5
          المشاركة الأصلية بواسطة أبو سعد الغامدي مشاهدة المشاركة
          الدكتور نعيمان

          شكرا الله لك حيث وضعت أصبعك على المهم وهو أدب الحوار وهذا مع الأسف ما نفتقده كثيرا في نقاشاتنا حيث تتحول من علمية إلى مهاترات وسباب وشتائم لها أولا وليس لها آخر
          بارك الله في الجميع
          اللهمّ آمين
          ولكن أخي الحبيب الشّيخ أبا سعد -حفظه الله ورعاه- لا تجزع!
          فهذه من طبائع الأشياء، ومن طبائع البشر.
          نتمنّى جميعاً أن نرتقي لنصبح ملائكة؛ ولكن هيهات هيهات.
          أوما تذكر كيف كان العرب قديماً؟
          من أجل ناقة - وإن لم تكن مجرّد ناقة، والنّاقة هي القشّة الّتي قصمت ظهر البغي- أو غبراء تسبق داحساًً، أو رجلٍ أحمق يضع رجله في الطّريق متحدّياً المارّة، فيأتي أحمق منه فيقطعها، فيقتله قوم المقطوعة رجله، فتثور العداوة من أجل هذا الحمق سنوات طوالاً.
          وعصرنا مليء بالحماقات الدّمويّة؛ حتّى يأتي الزّمان الّذي حدثّنا عنه حبيبنا صلوات ربّي وسلامه عليه وعلى آله:
          لا يدري القاتل فيم قَتَلَ، ولا المقتول فيم قُتِلَ.
          ولسنا بدعاً من القوم؛ فدماؤنا منهم. ولو ملك المتعصّبة السّلاح لربّما قتلوا خصومهم من أجل رأي يرونه معتقداً لهم.
          أما رأيت عند الكلام على الإيجابيّات والسّلبيّات كيف يغمض أولئك أعينهم عن رؤية الإيجابيّات؛ يريدونه مجتمعاً مثاليّاً ملكيّاً خالصاً خالياً من أيّ شيء. وهيهات. مجتمعاً هو مجتمع المدينة الفاضلة الّتي حلم بها الفلاسفة قديماً وما يزالون.
          ولا حبيبنا ابن عبد الله صلّى وسلّم عليه الله فعل هذا في خير خلق الله بعد الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام.
          لأنّ واقعيّة الإسلام تجعله لا ينظر إلى ملكيّة المجتمع ولو كان أطهر مجتمع وأعظم عصر، ولا إلى شيطانيّته ولو كان أنجس مجتمع وأسوأ عصر.
          وأحمد لله الحكيم عزّ وجلّ إذ لم يجعل وكلاء عنه يحاسبون خلقه.
          ولكن في النّهاية يا أخاه من كانت نيّته خالصة لله تعالى فإنّه سبحانه يوفّقه للتّعلّم من هذه الحوارات؛ مهما بلغت قسوتها، وشدّتها، وسوء أدب من لا يعرف الأدب، ولا ذاق طعمه يوماً.
          ومن كانت نيّته الكتابة المجرّدة، والتّعالم على الخلق، والتّدليس على العلماء؛ بإضافة أقوال أو أشياء لم يلفظها العالم الكبير الّذي يراه كبيراً فيختبئ خلفه؛ فسيكشف الله ستره، ويفضحه على رؤوس الخلائق.
          فإنّ الجزاء من جنس العمل.
          حفظكم الله شيخنا الحبيب أبا سعد ورفع قدركم في الدّنيا والآخرة وإيّانا
          تعاظمني ذنبي فلمّا قرنتـــه بعفوك ربّي كان عفوك أعظما

          تعليق


          • #6
            جزاك الله خيرا دكتور نعيمان على هذه اللفتات الجميلة التي تدل على نظرة شمولية غابت عن أذهان الكثيرين
            ما تفضلت به حقيقة قد قررها القرآن
            (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ) فاطر(32)
            ومع تقرير هذا الحقيقة القرآنية
            فإن الله قد شرع لنا ما يكفل لنا الوصول إلى المرتبة العليا
            "وفي ذلك فليتنافس المتنافسون"
            والله تعالى قد رسم لنا في كتابه وشرع على لسان رسوله منهجا في التعامل مع
            الإيجابيات والسلبيات قد أغفله الكثير منا فوقعنا في ما وقعنا فيه من الخلل حيث أصبحنا
            نضخم السلبية التي في وزن الحبة حتى تصبح في وزن الجبل بحيث لا يصبح هناك مكان للحديث عن الإيجابيات.
            نحن نفتقد إلى فقه
            تعزيز الإيجابيات
            وعلاج السلبيات
            نحن نحفظ أكثر مما نفهم
            وصدق النية وبذل السبب الصالح كفيل بالإيصال إلى الغاية
            (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) العنكبوت (69)
            وفقكم الله أخانا الكريم نعيمان ولا حرمنا من الانتفاع بطرحكم الموفق
            وجعل عملنا وعملكم خالصا لوجهه الكريم

            تعليق


            • #7
              الإخوة الأفاضل
              السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
              لي ملاحظتان متعلقة بموضوعي هذا
              الأولى
              نقله إلى الملتقى المفتوح مع أن مكانه الأول الملتقى العلمي للتفسير هو الأليق به.
              الملاحظة الثانية
              لم أرى أحدا من الإخوة الأفاضل سوى الدكتور نعيمان تناول الموضوع مع أن طلبي يركز على جانب مهم في علم التفسير وهو قواعد وأصول التفسير وطرق الاستدلال
              فهل هو عجز عن النقد ؟
              أو أن الموضوع لا يستحق ؟
              أو....؟

              تعليق


              • #8
                المشاركة الأصلية بواسطة أبو سعد الغامدي مشاهدة المشاركة
                الإخوة الأفاضل

                السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
                لي ملاحظتان متعلقة بموضوعي هذا
                الأولى
                نقله إلى الملتقى المفتوح مع أن مكانه الأول الملتقى العلمي للتفسير هو الأليق به.
                نعتذر إليك، وقد أعيد إلى الملتقى العلمي فهو أولى به كما تفضلتم .

                المشاركة الأصلية بواسطة أبو سعد الغامدي مشاهدة المشاركة
                الملاحظة الثانية
                لم أرَ أحدا من الإخوة الأفاضل سوى الدكتور نعيمان تناول الموضوع مع أن طلبي يركز على جانب مهم في علم التفسير وهو قواعد وأصول التفسير وطرق الاستدلال
                فهل هو عجز عن النقد ؟
                أو أن الموضوع لا يستحق ؟

                أو....؟
                كلا فالموضوع مهم حقاً ، وهو من دقائق علم أصول التفسير، ولا بد للمتخصصين من العناية به .
                ولكنني - شخصياً - لم أشأ التعليق على هذا الاستدلال لطول الموضوع من جهة والحاجة إلى التأمل في الأدلة، ولعل هذا يتاح له وقت أوسع فالموضوع غير عاجل لولا هذه الجلبة التي أثيرت حوله مؤخراً . وفي العموم أرى أن الموضوع أخذ أكبر من حجمه الطبيعي، والإعلام دأبه تضخيم مثل هذه الأمور حتى تكون شغل الناس الشاغل، وقد خاض في الأمر أناس بحق وبباطل، ووقع فيه من الزلل والتعدِّي والظلم الشيء الكثير، والمسألة في النهاية مسألة علميَّة قديْمة لا جديد فيها، والباحث عبدالله بن يوسف الجديع قد ناقش هذه المسألة في كتابه حولها، وغيره مِمَّن أيَّدَهُ أو خالفه.
                أكرر أن مناقشة الموضوع من الوجهة التي ذكرها أخي أبو سعد الغامدي تهمنا في ملتقى أهل التفسير ولعل بعض الزملاء ممن يجد وقتاً يتولى إكمال هذا الموضوع .
                عبدالرحمن بن معاضة الشهري
                أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود

                تعليق


                • #9
                  أوافق ابا عبد الله في كل ما قال وأوافق أبا سعد في أن العبرة بنقد طريقة الاستدلال - إن كان فيها خلل - ، وإلا فلا اعتراض على اجتهاد مبني على منهج سليم.
                  أستاذ مساعد بقسم البلاغة والأدب في كلية اللغة العربية بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

                  تعليق


                  • #10
                    إن مناقشة مثل هذه المسألة تفتح لطالب العلم في هذا الملتقى باباً جيداً من العلم بأصول تفسير القرآن الكريم ينبغي عليه أن يعتني به حتى لا يقع في سوء الفهم من حيث لا يشعر، وقد أردت الوقوف مع هذه المقالة للشيخ عادل الكلباني وفقه الله من وجهة نظرٍ تتعلق بمنهج الاستدلال، ومراعاة قواعد التفسير، دون تعريج على غير ذلك . وقد لونت كلام الشيخ الفاضل باللون الأخضر
                    من خلال قراءتي لهذا المقال الذي نقله هنا الأستاذ أبو سعد الغامدي اتضح لي ما يلي
                    أقام الكاتب الفاضل دعواه على خمس دعاوى منقوضة بيانها كالتالي :
                    1) أن الحجة من الله تبلغنا بسماع كلامه لا بتفسيره
                    2) عدم تفريقه بين مقام التفسير للآية ومقام الاستشهاد بها
                    3) دعوى التلازم بين شدة الحرمة وأسبقيتها .
                    4) دعواه خصوصية الآية بالكفار وعدم دخول المسلمين فيها .
                    5) دعواه توقف صحة التفسير بالمثال على ثبوته في الكتاب أو السنة أو لغة العرب

                    تفنيد الدعاوى والرد عليها
                    1. أن الحجة من الله تبلغنا بسماع كلامه لا بتفسيره .
                    وهذه دعوى عريضة لا يستطيع الكاتب الوفاء بها ولا التزامها ساعة التعامل مع آيات القرآن الكريم ؛ لما يلي
                    أ‌) ليست كل حجة تقوم بمجرد سماع ألفاظها بل هي على قسمين :
                    الأول : أن تقوم الحجة بمجرد الاستماع إليها لوضوح المراد منها بالنسبة للسامع .
                    الآخر : أن تفتقر الألفاظ المحتج بها إلى بيان وإيضاح فلا تقوم الحجة بمجرد استماعها
                    ثم إن الحجة لا تنتج مقصودها إلا ببيانها وتوضيحها وتفسير ألفاظها ، فمقام إقامة الحجة تابع لمقام التفسير .
                    وسياق الآية التي استند إليها وهي قوله تعالى ( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ) يؤيد ما أسلفنا ، فقد نص المفسرون على أن ذكر السماع في الآية والاقتصار عليه لأحد أمرين :
                    إما لكون السامع من أهل الفصاحة فيكون مجرد استماعه كاف في قيام الحجة عليه
                    وإما لكون المقصود بالسماع السماع المنتج للفهم لا مجرد السماع
                    قال ابن كثير ( حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ أي: [القرآن] تقرؤه عليه وتذكر له شيئًا من [أمر] الدين تقيم عليه به حجة الله ) وكلامه – - ظاهر في أن الحجة لم تقم بمجرد السماع ، بدلالة قوله ( وتذكر له شيئا من أمر الدين تقيم عليه به حجة الله )
                    وقال الآلوسي ( والاقتصار على ذكر سماع لعدم الحاجة الى شىء آخر في الفهم لكونهم من أهل اللسن والفصاحة )
                    ب‌) لو قلنا بمطلق هذا الكلام ، وأطلقناه على عواهنه - كما فعل الكاتب هنا - فما فائدة البيانات النبوية التي وردت في السنة و التي يسلم الكاتب بكونها بيانا للكتاب وما فائدة تفسير الصحابة ومن بعدهم للقرآن ، وما فائدة هذا الإرث الضخم من كتب المفسرين
                    ج) أننا نحاكم الكاتب إلى قوله ونطلب منه أن يبين لنا كيف يفسر أمثال هذه الآيات بمجرد السماع دون رجوع إلى شيء آخر :
                    قال تعالى ( وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى )
                    وقال تعالى ( ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس )
                    وقال تعالى (إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم)
                    د) يلزم من كلامه إهمال تفسير السلف أو على الأقل إعماله حيث لا يخالف ما نراه أو فيما يواكب عصرنا ، وأما ما عدا ذلك فلا ، ولسنا بحاجة إلى تفصيل الكلام في تفسير السلف وحجيته ، وما أظن الكاتب الفاضل يخالف في حجيته لكنها لوازم تلزم من كلامه .
                    2. دعواه أن من أخطاء التفسير أن تؤخذ الكلمة من سياقها ، ويبنى الحكم على ذلك ، فلو قرأت قوله تعالى فويل للمصلين ووقفت ، كان المعنى تهديدا للمصلين ووعيدا ، ولا ريب أن هذا عكس المراد تماما ، فلا يستقيم المعنى إلا بإكمال الآية بعدها ليتضح أن المراد صنف من المصلين ، وهم الذين جاء وصفهم في الآيتين بعدها ، فالآية مرتبطة بالآيتين ، لا تنفك عنهما ، فتأمل . اهـ
                    وهو كلام مسلم لكنه لا ينفي الاستشهاد بالآية في غير ما نزلت فيه ، فلا أظنه يخفى على فضيلته أن هنالك فرقا كبيرا بين مقام التفسير للآية وبين مقام الاستشهاد بها أو بجزء منها ، فالسياق متحتم في التفسير لكونه بيانا للمعنى المراد في الآية ، وغير متحتم في الاستدلال والاستباط ، فقد يستدل العالم بجزء ءاية على معنى من المعاني غير ما أفادته الآية كلها في سياقها الذي سيقت له بشرط صحة الاستدلال على المعنى بأي طريق من الطرق المعتبرة ، وعدم مصادمته للمعنى السياقي
                    وإلا فماذا نقول في تلاوة النبي لقوله تعالى ( وكان الإنسان أكثر شيء جدلا ) بعد حثه لعلي على قيام الليل ومحاورة علي في ذلك .
                    وماذا نقول فيما ورد من قيامه طوال الليل يردد قوله تعالى ( إن تعذبهم فإنهم عبادك ) الآية ، ويبكي ، مع أنها نازلة في شأن تعذيب الله للنصارى الذين جعلوا عيسى إلها من دون الله .
                    وماذا نقول في قول سعد بن أبي وقاص في قوله تعالى ( الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ ) إلى آخر الآية، أنهم الحرورية.
                    وماذا نقول في قول عمر بن الخطاب : إني أخاف أن أكون كالذين قال الله تعالى لهم وقَرَّعهم: ( أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا ) مع أنها في الكلام عن حال الكفار يوم القيامة حال عرضهم على النار .
                    هذا إضافة إلى أن المثال المذكور لم يخرج عن سياقه بتفسيره بالغناء ولم يفسر ابن مسعود الآية بمعزل عن سياقها ، وما أبعد الشبه بينها وبين الأمثلة المذكورة ، بل تفسير ابن مسعود دائر مع السياق ، لكن الإشكال في ذهن الكاتب وتصوره ، وإلا فليذكر لنا الآن أين لهو الحديث الذي يشترى ولا يضل عن سبيل الله ولا يملأ القلب رجسا ونجسا ، وإن وجد فما هي نسبته حتى تقوم الدنيا عليه ولا تقعد ، ومن قال بحرمته ؟
                    3. دعوى التلازم بين شدة الحرمة وأسبقيتها : تعجب الكاتب الفاضل من كون الآيات التي يستفاد منها تحريم الغناء مكية وكون آيات تحريم الخمر وغيره من الكبائر مدنية ، ثم قال : فتأمل معي يا رعاك الله ، كيف يحرم الله تعالى المعازف في مكة ، ويترك تحريم الخمر التي هي أم الخبائث إلى ما بعد الهجرة بزمن طويل ، ويتدرج في تحريمها ، إلى وقت نزول سورة المائدة ؟ اهـ .
                    والجواب عن هذا يسير سهل وهو : من وجهين :
                    الأول : أنه لا تلازم بين شدة الحرمة وبين أسبقية التحريم فليس بلازم أن يتقدم تحريم الأشد على تحريم الأخف .
                    الثاني : مراعاة الأحوال التي أوجبت تقديم الأخف حرمة على ما هو أشد حرمة أمر لا بد منه في فهم تلك القضية ، فقد يكتنف الأخف حرمة في وقت معين ما يجعل خطره أشد وأعظم من الأثقل حرمة ، فيكون ذلك داعيا إلى تقديم تحريمه ، وهذا هو الحاصل في قضيتنا حيث كان الغناء ساعتها وسيلة من أعظم الوسائل التي يستعملها المشركون في الصد عن القرآن وصرف الناس عنه ، ولم يكن الخمر تستخدم في الصد عن القرآن ومحاربته كما أنه لا يلزم ساعة ذكر المحرمات مقترنة أن يعتمد في التحريم على ما تقدم في الزمان ويستند في تحريم المقارنات على مجرد اقترانها بما سبق تحريمه زمنا .
                    4. دعوى عدم الإقرار بوقوع الإشكال لابن عباس وابن مسعود في تفسير الآية ، قال الكاتب الفاضل : ... ثم لا يقرون لك بأن الإشكال قد يقع فيه حتى حبر الأمة وترجمان القرآن ، .اهـ
                    افترض الكاتب وجود إشكال على تفسير ابن عباس وابن مسعود للهو الحديث بالغناء ، ولا ندري أين هو هذا الإشكال ؟ ولماذا لم يكتشف هذا الإشكال ويناقش ويحرر في عصر الصحابة أو من بعدهم ، خاصة وأن الصاحبيين اللذين صدر هذا القول عنهما هما أشهر من تعرض لتفسير القرآن وكان لهم تلاميذ كثر ينقلون أقوالهم .
                    ونحن لا نرفض وقوع إشكالات في تفسير الصحابة ، لكن كيف تحدد وكيف يتعامل معها ومتى تنتقد ، وما وجهة انتقادها ؟ كل هذا مما يحتاج إلى إجابة ممن زعم وجود الإشكال .
                    وتأخُّر هذا الاكتشاف إلى هذا الزمان أكبر دليل على بطلانه وفساده
                    5. دعواه خصوصية المعنى بالكفار وعدم دخول المسلمين فيه ، قال الكاتب الفاضل : ولا يمكن حمل الآية على المسلم أبدا كما نص على ذلك قتادة في التفسير . اهـ .
                    والجواب عن ذلك فيما يلي :
                    أ‌- أن هذا المعنى ورد عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ولم أقف عليه لقتادة
                    ب‌- سياق كلام ابن زيد واضح في أن مراده الربط بين الآيتين ، وبيان المقصود بهما قصدا أوليا حيث قال (قوله:(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيل اللهِ بغيرِ عِلْمٍ وِيتَّخِذَها هُزُوًا) قال: هؤلاء أهل الكفر، ألا ترى إلى قوله:( وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا ) فليس هكذا أهل الإسلام، قال: وناس يقولون: هي فيكم وليس كذلك ) اهـ
                    وكلام ابن زيد هنا لا ينتج ما أراد الكاتب ولا يوافق مدعاه ؛ لأن سياق كلام ابن زيد في الربط بين الآيتين وبيان المقصود بهما ،بدلالة ربطه للآية الثانية بالأولى ونصه على أن الأوصاف فيهما ليست أوصاف أهل الإسلام ، فابن زيد هنا في مقام تفسير الآية وربطها بما بعدها وليس في مقام الاستدلال أو الاستشهاد بها أو بجزء منها على حكم من الأحكام أو معنى من المعاني ، و القول بدخول أهل الإسلام في الآية أصالة وأنهم المعنيون بها لم يقله أحد ، وإنما يدخل في الآية تبعا من تلبس بهذه الأوصاف ويناله حظ من عقوبة أهلها بقدر مشابهته لهم في تلك الأوصاف .
                    ثم إن منتهى قول ابن زيد أنه لا يرى الآية بمجموع ما فيها من أوصاف صادقة في أهل الإسلام ولا أظن أحدا يخالفه في ذلك ، ولو تنزلنا في فهم كلام ابن زيد فمنتهاه أنه لا يرى دخول أهل الإسلام فيها لا كليا ولا جزئيا وهو رأي له يخالفه فيه غيره .
                    والقول بالعموم في الآية هو الصحيح الذي صححه كثير من أهل العلم ويكفي أن نذكر في هذا المقام كلام ابن عطية الذي أورده الكاتب حيث قال ( والآية باقية المعنى في أمة محمد ولكن ليس ليضلوا عن سبيل الله بكفر ولا يتخذوا الآيات هزوا ولا عليهم هذا الوعيد بل ليعطل عبادة ويقطع زمانا بمكروه وليكون من جملة العصاة والنفوس الناقصة تروم تتميم ذلك النقص بالأحاديث)
                    6. دعواه افتقار التفسير بالمثال إلى دليل من الكتاب أو السنة أو لغة العرب ، قال الكاتب الفاضل : فتعال لنرى أين الخلل في فهم الآية عند بعض الناس ، وقبل أن نبدأ لك أن تسأل وهم يقولون : إن لهو الحديث هو الغناء ، فقل لي بربك أين هذا المعنى في لغة العرب !! ؟؟؟ وأين هو في أشعارها ؟ فأين دليل ذلك من كتاب الله تعالى ؟ أين دليله من سنة الحبيب ؟؟ إنك لن تجد الحق عبر عن الغناء بلهو الحديث أبدا ، ولن تجد ذلك في سنته ، ولن تجد ذلك في لغة العرب أبدا ، ولا في أشعارها ! نعم الغناء من اللهو ، ولكن ليس معنى اللهوالغناء !
                    إذا كيف قال ابن مسعود إنه الغناء ، وحلف على ذلك ، إنه أمر بسيط جدا يعرفه كل من عرف طريقة السلف في تفسيرهم ، فهم يفسرون بالمثال ، كما ذكر شيخ الإسلام وغيره عنهم في أمثلة كثيرة ، ليس هذا مقام بيانها .
                    ولكي أثبت لك ذلك تعال معي في جولة من أقوال بعض المفسرين الذين خالفوا في معنى الآية ، ولم يحصروه في الغناء كما يلتزم بذلك العلماء الذين يقولون بتحريم الغناء والمعازف استدلالا بحلف ابن مسعود . اهـ .

                    وفي هذا الكلام أمور تحتاج إلى مناقشة مبناها على قضية التفسير بالمثال التي ذكرها الكاتب وبين أنها من طريقة السلف :
                    الأول : من عرف التفسير بالمثال عرف البون الشاسع بينه وبين معنى اللفظة المفسرة في لغة العرب ، فالتفسير بالمثال تفسير على المعنى ولا يندرج تحت التفسير اللفظي ، فكيف يطالب الكاتب ببيان صحة قول في اللغة اعترف هو أنه تفسير بالمثال ، وطلبه هذا ضرب من المحال ، ولازمه أحد أمرين :
                    إما المطالبة بإثبات استعمال العرب للمثال المفسر به كمعنى من معاني المفردة المفسرة في كل موطن من مواطن ورود التفسير بالمثال .
                    وإما رد كل الأقوال التي فسرت بالمثال لعدم وجود ذلك التفسير كمعنى للفظة أو الجملة المفسرة في لغة العرب .
                    وهذا ضرب من المحال وهو دليل على القصور في فهم التفسير بالمثال ، فهل يعقل مثلا أن نطلب ممن فسر النعيم بالمثال بأنه الماء البارد أن نقول له اللغة لا تدل على هذا ، وهل يعقل أن نرد قول من فسر النعيم بأنه الزوجة الصالحة مثلا لعدم دلالة اللغة على أن النعيم معناه الزوجة الصالحة ، وهكذا بقية الأمثلة .
                    الثاني : يطالب الكاتب بالتدليل على صحة المعنى المفسر بالمثال ببيت من الشعر أو بدليل من الكتاب أو السنة ، وهذا فساده أظهر من أن يرد عليه ، بل لازمه يمكن به تخطئة النبي في تفسير الكوثر بانه نهر في الجنة ، فليأت لنا ببيت من الشعر أو بعالم من علماء اللغة ذكر أن من معاني الكوثر أنه نهر في الجنة .
                    الثالث : يفهم من كلام الكاتب أن المفسِّرَ للهو بالغناء يقول : إن معنى اللهو هو الغناء ، وما أظن مخلوقا عاقلا فضلا عن عالم بله صحابي يقول ذلك ، إذ هناك فرق كبير بين المعنى وبين ما يدخل في المعنى ويندرج تحته ، ولو عاملنا الكاتب الفاضل بمنطقه في قوله (نعم الغناء من اللهو ، ولكن ليس معنى اللهو الغناء) وأسسنا عليه كما أسس لقلنا ( نعم التدخين من الخبائث ، ولكن ليس معنى الخبائث التدخين ، فالتدخين ...)
                    الرابع : فهم الكاتب من تفسير ابن مسعود أنه يحصر معنى اللهو في الغناء ،بل وجعل العلماء القائلين بحرمة الغناء استنادا إلى الآية يلتزمون بحصر اللهو في الغناء ، ثم دلل على خطئهم من وجهة نظره بأن حشد مقالته وجعل معظم ما فيها دائرا على نقل كلام المفسرين في بيانهم لعموم الآية المنافي للتفسير بالغناء من وجهة نظره .
                    والتفسير بالمثال له خاصيتان أساسيتان لو تفطن لهما ما استطاع التجاسر على ما قال :
                    الأولى : أنه ينافي تمام المنافاة دلالة الحصر والتخصيص ولا يجتمع معها بحال .
                    الثاني : أنه لا ينافي العموم مطلقا بل العموم يشمل ملايين الأمثلة الداخلة تحته دون منافاة .
                    وفق الله الجميع لما يحب ويرضى ونفعنا بكتابه
                    قسم التفسير وعلوم القرآن
                    جامعة الأزهر

                    تعليق


                    • #11
                      بارك الله فيك أبا صفوت ،أكثر تقريرك موفق..

                      لكنك لم توفق في النقطة السادسة،بل أخطأت فهم مراد كاتب المقال..

                      فصاحب المقال لا يقصد أن التفسير بالمثال لابد من ثبوته بكذا وكذا..

                      وإنما هو يُدلل على أن تفسير لهو الحديث بالغناء هو من التفسير بالمثال ودليله هو منع أن يكون هذا تفسيراً للمفردة العربية بما يقاربها لعدم وجود ما يدل على ذلك في العربية ..إلخ..

                      فإذا تم له أن هذا تفسير بالمثال فهو لا يعترض عليه وإنما يجعله مقدمة لقوله :

                      فتبين لك أن تفسير لهو الحديث بالغناء على النص عليه لا يصح ، وإنما هو على سبيل المثال ، كما قال ابن جرير ، وما رأيته من نقل بعضهم لتحريم الغناء ، قلنا ولو صح هذا فليس هو من الآية ، وإنما هو من دليل آخر غيرها .
                      فلم يقل قط بافتقار التفسير بالمثال إلى ما ذكرتَ،وإنما هو يحتج على كون هذا تفسيراً بالمثال بأنه ليس تفسيراً مباشراً للفظ وإلا لوجد الغناء مرادفاً أو مقارباً للهو الحديث في الشعر ونحوه..

                      تعليق


                      • #12
                        المشاركة الأصلية بواسطة أبو صفوت مشاهدة المشاركة
                        3. دعوى التلازم بين شدة الحرمة وأسبقيتها : تعجب الكاتب الفاضل من كون الآيات التي يستفاد منها تحريم الغناء مكية وكون آيات تحريم الخمر وغيره من الكبائر مدنية ، ثم قال : فتأمل معي يا رعاك الله ، كيف يحرم الله تعالى المعازف في مكة ، ويترك تحريم الخمر التي هي أم الخبائث إلى ما بعد الهجرة بزمن طويل ، ويتدرج في تحريمها ، إلى وقت نزول سورة المائدة ؟ اهـ .
                        والجواب عن هذا يسير سهل وهو : من وجهين :
                        الأول : أنه لا تلازم بين شدة الحرمة وبين أسبقية التحريم فليس بلازم أن يتقدم تحريم الأشد على تحريم الأخف .
                        الثاني : مراعاة الأحوال التي أوجبت تقديم الأخف حرمة على ما هو أشد حرمة أمر لا بد منه في فهم تلك القضية ، فقد يكتنف الأخف حرمة في وقت معين ما يجعل خطره أشد وأعظم من الأثقل حرمة ، فيكون ذلك داعيا إلى تقديم تحريمه ، وهذا هو الحاصل في قضيتنا حيث كان الغناء ساعتها وسيلة من أعظم الوسائل التي يستعملها المشركون في الصد عن القرآن وصرف الناس عنه ، ولم يكن الخمر تستخدم في الصد عن القرآن ومحاربته كما أنه لا يلزم ساعة ذكر المحرمات مقترنة أن يعتمد في التحريم على ما تقدم في الزمان ويستند في تحريم المقارنات على مجرد اقترانها بما سبق تحريمه زمنا .
                        أحسنت وبارك الله فيك
                        وهذه مسألة محل بحث وعناية..

                        وقد أضيف هنا هذه الإضافة بالبحث والنظر في أقوال أئمة التفسير وغيرهم وهي لا تخرج عن السياق بل هي دليله:

                        جاء في فتح القدير:
                        و لهو الحديث : كل ما يلهي عن الخير من الغناء والملاهي والأحاديث المكذوبة وكل ما هو منكر ، والإضافة بيانية . وقيل : المراد : شراء القينات المغنيات والمغنين ، فيكون التقدير : ومن يشتري أهل لهو الحديث . قال الحسن : لهو الحديث : المعازف والغناء . وروي عنه أنه قال : هو الكفر والشرك . قال القرطبي : إن أولى ما قيل في هذا الباب هو : تفسير لهو الحديث بالغناء ، قال : وهو قول الصحابة والتابعين .

                        وجاء في ابن كثير وقد وافق شيخه الطبري:
                        لما ذكر تعالى حال السعداء، وهم الذين يهتدون بكتاب الله وينتفعون بسماعه، كما قال [الله] تعالى: اللَّهُ نزلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الزمر: 23]، عطف بذكر حال الأشقياء، الذين أعرضوا عن الانتفاع بسماع كلام الله، وأقبلوا على استماع المزامير والغناء بالألحان وآلات الطرب، كما قال ابن مسعود في قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ قال: هو -والله-الغناء.
                        قال ابن جرير: حدثني يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يزيد بن يونس، عن أبي صخر، عن أبي معاوية البجلي، عن سعيد بن جبير، عن أبي الصهباء البكري، أنه سمع عبد الله بن مسعود -وهو يسأل عن هذه الآية: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ -فقال عبد الله: الغناء، والله الذي لا إله إلا هو، يرددها ثلاث مرات .


                        وقال أيضًا:
                        حدثنا عمرو بن علي، حدثنا صفوان بن عيسى، أخبرنا حُمَيْد الخراط، عن عمار، عن سعيد بن جبير، عن أبي الصهباء: أنه سأل ابن مسعود عن قول الله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ قال: الغناء (1) .
                        وكذا قال ابن عباس، وجابر، وعِكْرِمة، وسعيد بن جُبَيْر، ومجاهد، ومكحول، وعمرو بن شعيب، وعلي بن بَذيمة.
                        وقال الحسن البصري: أنزلت هذه الآية: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ في الغناء والمزامير.
                        وقال قتادة: قوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ : والله لعله لا ينفق فيه مالا ولكنْ شراؤه استحبابه، بحسب المرء من الضلالة أن يختارَ حديثَ الباطل على حديث الحق، وما يضر على ما ينفع.
                        وقيل: عنى بقوله: يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ : اشتراء المغنيات من الجواري.
                        قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحْمَسي: حدثنا وَكِيع، عن خَلاد الصفار، عن عُبَيْد الله بن زَحْر، عن علي بن يزيد، عن القاسم بن عبد الرحمن (2) عن أبي أمامة، عن النبي قال: "لا يحل بيع المغنيات ولا شراؤهن، وأكل أثمانهن حرام، وفيهن أنزل الله عَلَيّ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ .
                        وهكذا رواه الترمذي وابن جرير، من حديث عُبَيد الله بن زحر بنحوه (3) ، ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب. وضَعُفَ (4) علي بن يزيد المذكور.
                        قلت: علي، وشيخه، والراوي عنه، كلهم ضعفاء. والله أعلم.
                        وقال الضحاك في قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ يعني: الشرك. وبه قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم؛ واختار ابن جرير أنه كل كلام يصد عن آيات الله واتباع سبيله.


                        وقد ذكر صاحب زاد المسير:
                        وفي المراد بلهو الحديث أربعة أقوال .
                        أحدها : [ أنه ] الغناء . كان ابن مسعود يقول : هو الغناء والذي لا إِله إِلا هو ، يُردِّدها ثلاث مرات؛ وبهذا قال ابن عباس ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وعكرمة ، وقتادة . وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد ، قال : اللهو : الطبل .
                        والثاني : أنه ما ألهى عن الله ، قاله الحسن ، وعنه مثل القول الأول .
                        والثالث : أنه الشِّرك ، قاله الضحاك .

                        والرابع : الباطل ، قاله عطاء .

                        وقال الجزائري:
                        لهو الحديث : أي الحديث الملهي عن الخير والمعروف وهو الغناء .

                        وقال السعدي:
                        وَمِنَ النَّاسِ مَنْ هو محروم مخذول يَشْتَرِي أي: يختار ويرغب رغبة من يبذل الثمن في الشيء. لَهْوَ الْحَدِيثِ أي: الأحاديث الملهية للقلوب، الصادَّة لها عن أجلِّ مطلوب. فدخل في هذا كل كلام محرم، وكل لغو، وباطل، وهذيان من الأقوال المرغبة في الكفر، والفسوق، والعصيان، ومن أقوال الرادين على الحق، المجادلين بالباطل ليدحضوا به الحق، ومن غيبة، ونميمة، وكذب، وشتم، وسب، ومن غناء ومزامير شيطان، ومن الماجريات الملهية، التي لا نفع فيها في دين ولا دنيا.

                        فهذا الصنف من الناس، يشتري لهو الحديث، عن هدي الحديث لِيُضِلَّ الناس بِغَيْرِ عِلْمٍ أي: بعدما ضل بفعله، أضل غيره، لأن الإضلال، ناشئ عن الضلال.

                        وقال سيد طنطاوي:
                        و لَهْوَ الحديث : باطله ، ويطلق على كل كلام يلهى القلب ، ويشغله عن طاعة الله - تعالى - ، كالغناء ، والملاهى ، وما يشبه ذلك مما يصد عن ذكر الله - تعالى - :

                        وقد فسر كثير من العلماء بالغناء ، والأفضل تفسيره بكل حديث لا يثمر خيرا .

                        وقال القرطبي:
                        فيه خمس مسائل: الاولى- قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ)" مِنَ" في موضع رفع بالابتداء. و" لَهْوَ الْحَدِيثِ": الغناء، في قول ابن مسعود وابن عباس وغيرهما. النحاس: وهو ممنوع بالكتاب والسنة، والتقدير: من يشتري ذا لهو أو ذات لهو، مثل:" وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ" «1» [يوسف: 82]. أو يكون التقدير: لما كان إنما اشتراها يشتريها ويبالغ في ثمنها كأنه اشتراها للهو «2». قلت: هذه إحدى الآيات الثلاث التي استدل بها العلماء على كراهة الغناء والمنع منه. والآية الثانية قوله تعالى:" وَأَنْتُمْ سامِدُونَ" «3» [النجم: 61]. قال ابن عباس: هو الغناء بالحميرية، اسمدي لنا، أي غني لنا. والآية الثالثة قوله تعالى:" وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ" «4» [الاسراء: 64] قال مجاهد: الغناء والمزامير. وقد مضى في" سبحان" «5» الكلام فيه. وروى الترمذي عن أبي أمامة عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن ولا تعلموهن ولا خير في تجارة فيهن وثمنهن حرام، في مثل هذا أنزلت هذه الآية:" وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ" إلى آخر الآية. قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، إنما يروى من حديث القاسم عن أبي أمامة، والقاسم ثقة وعلي بن يزيد يضعف في الحديث، قاله محمد بن إسماعيل. قال ابن عطية: وبهذا فسر ابن مسعود وابن عباس وجابر بن عبد الله ومجاهد، وذكره أبو الفرج الجوزي عن الحسن وسعيد بن جبير وقتادة والنخعي.
                        قلت: هذا أعلى ما قيل في هذه الآية، وحلف على ذلك ابن مسعود بالله الذي لا إله إلا هو ثلاث مرات إنه الغناء. روى سعيد بن جبير عن أبي الصهباء البكري قال: سئل عبد الله بن مسعود عن قوله تعالى:" وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ" فقال: الغناء والله الذي لا إله إلا هو، يرددها ثلاث مرات. وعن ابن عمر أنه الغناء، وكذلك قال عكرمة وميمون بن مهران ومكحول. وروى شعبة وسفيان عن الحكم وحماد عن إبراهيم قال قال عبد الله بن مسعود: الغناء ينبت النفاق في القلب، وقاله مجاهد، وزاد: إن لهو الحديث في الآية الاستماع إلى الغناء وإلى مثله من الباطل. وقال الحسن: لهو الحديث المعازف والغناء. وقال القاسم بن محمد: الغناء باطل والباطل في النار. وقال ابن القاسم سألت مالكا عنه فقال: قال الله تعالى:" فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ" «1» [يونس: 32] أفحق هو؟! وترجم البخاري «2» (باب كل لهو باطل إذا شغل عن طاعة الله، ومن قال لصاحبه تعال أقامرك)، وقوله تعالى:" وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً" فقوله: (إذا شغل عن طاعة الله) مأخوذ من قوله تعالى:" لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ". وعن الحسن أيضا: هو الكفر والشرك. وتأوله قوم على الأحاديث التي يتلهى بها أهل الباطل واللعب. وقيل: نزلت في النضر بن الحارث، لأنه اشترى كتب الأعاجم: رستم، وإسفنديار، فكان يجلس بمكة، فإذا قالت قريش إن محمدا قال كذا ضحك منه، وحدثهم بأحاديث ملوك الفرس ويقول: حديثي هذا أحسن من حديث محمد، حكاه الفراء والكلبي وغيرهما. وقيل: كان يشتري المغنيات فلا يظفر بأحد يريد الإسلام إلا انطلق به إلى قينته فيقول: أطعميه واسقيه وغنية، ويقول: هذا خير مما يدعوك إليه محمد من الصلاة والصيام وأن تقاتل بين يديه. وهذا القول والأول ظاهر في الشراء. وقالت طائفة: الشراء في هذه الآية مستعار، وإنما نزلت الآية في أحاديث قريش وتلهيهم بأمر الإسلام وخوضهم في الباطل. قال ابن عطية: فكان ترك ما يجب فعله وامتثال هذه المنكرات


                        انتهى:

                        الخلاصة:
                        1- أنني لم أصرف النظر هنا عن مراد الكاتب - بارك الله فيه - وإنما وقفت على جانب مهم في طرق الاستدلال وهي النظر الأولي إلى أئمة الفن ورجاله وهم - أهل التفسير - لأن إغفال نقولهم وأقوالهم المعتبرة جملة - والتي قد تحتاج أيضًا إلى تمحيص واستدلال- لا تخلوا من صحة واتفاق إن لم أقل إجماع في هذه المسألة بالذات.
                        فالتغافل عن هذه الأخبار والآثار والأقوال هو من أخطر الطرق الموصلة إلى الانحراف عن منهج الاستدلال الصحيح والنظر المحكم في الأدلة.
                        2- ثم ناهيك عن الآثار الصحيحة في السنة النبوية وهي واضحة وجلية.
                        3- النظر والاستدلال في المسائل بالقرآن فقط دون التعويل على السنة والإجماع قصور واضح في طرق الاستدلال الصحيح والمقبول.
                        إذ لا يصح أن يفند- الكاتب الكريم - الحكم المتعلق بالغناء من خلال جانب استدلالي واحد - وهو القرآن - ثم يغفل - السنة - والأقوال - والآثار لأن هذا يفضي إلى خلل في منهجية الأدلة. وهو لا يخفى عليه ذلك.
                        ولهذ نقلت أقوال الجهابذة من المفسرين فضلاً عن كلام غيرهم لأدلل به على ذلك.. وللحديث عود..
                        عاطف عبد المعز الفيومي
                        كاتب و باحث في مجال القرآن والدعوة.

                        تعليق


                        • #13
                          بارك الله فيك أخي وفي كاتب المقال وجنبنا الله التعصب وجعلنا ممن ينظرون فيما يقولون!
                          موقع أمر الله للدعوة والدارسات القرآنية
                          www.amrallah.com/ar

                          تعليق


                          • #14
                            المشاركة الأصلية بواسطة عاطف الفيومي مشاهدة المشاركة

                            الخلاصة:
                            1- أنني لم أصرف النظر هنا عن مراد الكاتب - بارك الله فيه - وإنما وقفت على جانب مهم في طرق الاستدلال وهي النظر الأولي إلى أئمة الفن ورجاله وهم - أهل التفسير - لأن إغفال نقولهم وأقوالهم المعتبرة جملة - والتي قد تحتاج أيضًا إلى تمحيص واستدلال- لا تخلوا من صحة واتفاق إن لم أقل إجماع في هذه المسألة بالذات.
                            فالتغافل عن هذه الأخبار والآثار والأقوال هو من أخطر الطرق الموصلة إلى الانحراف عن منهج الاستدلال الصحيح والنظر المحكم في الأدلة.
                            2- ثم ناهيك عن الآثار الصحيحة في السنة النبوية وهي واضحة وجلية.
                            3- النظر والاستدلال في المسائل بالقرآن فقط دون التعويل على السنة والإجماع قصور واضح في طرق الاستدلال الصحيح والمقبول.
                            إذ لا يصح أن يفند- الكاتب الكريم - الحكم المتعلق بالغناء من خلال جانب استدلالي واحد - وهو القرآن - ثم يغفل - السنة - والأقوال - والآثار لأن هذا يفضي إلى خلل في منهجية الأدلة. وهو لا يخفى عليه ذلك.
                            ولهذ نقلت أقوال الجهابذة من المفسرين فضلاً عن كلام غيرهم لأدلل به على ذلك.. وللحديث عود..
                            الأخ الفاضل عاطف شكر الله لك ما تفضلت به
                            ولكن أرى أنك خرجت عن المقصود إلى ما حذرت منه وهو عدم مناقشة حكم الغناء
                            نحن نريد النقاش حول صحة الاستدلال بالآية على أن معنى "لهو الحديث" هو الغناء
                            كلامك له وجاهته إذا كان البحث في حكم ما فإنه يجب النظر في الأدلة مجتمعة كما ذكرتَ.
                            وفق الله الجميع لما فيه الخير والصواب وصلاح الدنيا والدين

                            تعليق


                            • #15
                              بسم الله الرحمن الرحيم
                              والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين
                              أرجو من المشرفين الكرام تصحيح الآية في عنوان هذه المشاركة

                              (( نقاش حول دلالة قوله تعالى:(ومن الناس من يتشري لهو الحديث) ومنهجية الاستدلال ))

                              (((وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ)))(لقمان6)
                              أ.د.حسن عبد الجليل عبد الرحيم -تخصص علوم القرآن الكريم -
                              قسم العلوم الأساسية - جامعة البلقاء التطبيقية- الأردن [email protected]
                              777717312 / 00962

                              تعليق

                              19,958
                              الاعــضـــاء
                              231,923
                              الـمــواضـيــع
                              42,563
                              الــمــشـــاركـــات
                              يعمل...
                              X