إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • التثبت والتبين في القرآن الكريم (موضوع مرشح)

    المقدمة:
    زود الله عزوجل الإنسان بوسائل وأجهزة للعلم والمعرفة،وجعله مسئولا عنها في الحياة الدنيا وفي الآخرة،وهذه الوسائل على نوعين:نوع للاستقبال والتلقي وهي السمع والبصر والفؤاد،ونوع للإرسال والنقل وهي اللسان،وقد قال تعالى في محكم التنزيل):ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا)الإسراء/36.وإن الأخبار التي نتلقاها بأسماعنا وننقلها بألسنتنا أمانة ومسؤولية،يجب التثبت والتبين من صحتها أو كذبها حين التلقي أو النقل.
    وإن القرآن الكريم والسنة النبوية كلاهما يؤكدان على تلك الحقيقة،ويشددان النكير على مخالفتها.
    وعلماء النفس-اليوم-يؤكدون حقيقة نفسية مفادها أن الإنسان بطبعه مولع بجديد الأخبار وغرائبها فيصدق لأول وهلة ما يتلقاه،ولا يتريث حتى يتأكد منها،بل ينقلها ويشيعها بين الناس على أساس أنها حقائق ومسلمات لا تقبل الجدل..وعليه فإنه من الواجب شرعا وعقلا أن نضبط ألسنتا فلا نروج لأخبار تناهت إلى مسامعنا مهما كانت حقيقية،حتى نتأكد من صحتها،وفي ذلك جاء التحذير الرباني:(يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)الحجرات/06.وقد قال الإمام النووي :<إذا استوت المصلحة في الكلام أو السكوت فالسكوت أولى>،ورحم الله أئمة الزهد في أمتنا الذين أعطونا دروسا نظرية وعملية في وجوب حبس اللسان عن الكلام إلا للضرورة، وجزى الله خيرا رجال الحديث الشريف الذين سنوا قانونا فريدا في التعامل مع الأخبار الواردة عن سيد الخلق محمد .
    والحق أنه لا غرابة في ذلك،فمنهج القرآن الكريم قائم على تلك الحقيقة في شتى مجالات الدين والدنيا،ثابت بالنص لمن لاحظه،إما صراحة أو كناية،إشارة أو إيماء،وهذا ما سنحاول التطرق إليه في هذا المبحث المقتضب،وإن كان الأمر يتطلب وضع مذكرة كاملة أو مؤلفا جامعا لأهمية الموضوع.
    خطة البحث:
    المبحث الأول:التثبت والتبين في مجال العقائد
    المبحث الثاني:التثبت والتبين في مجال العبادات
    المبحث الثالث:التثبت والتبين في مجال الأخلاق والمعاملات
    الخلاصة
    ثبت المصادر والمراجع
    9
    ممتاز
    44.44%
    4
    جيد
    22.22%
    2
    عادي
    33.33%
    3
    ضعيف
    0.00%
    0

    هذا الاستطلاع منتهي

    التعديل الأخير تم بواسطة مركز تفسير; الساعة 04/09/1431 - 13/08/2010, 10:31 pm.

  • #2
    المبحث الأول:التثبت والتبين في مجال العقائد
    الإسلام دين العقل والعلم،ولا يقبل من أتباعه الإيمان بالحقائق الكبرى التي جاء بها الإسلام بمجرد التلقي،دون نظر وتمحيص،ولذلك وجدنا القرآن الكريم قد أورد حشدا حائلا من النصوص الكريمة التي تفرض النظر وإعمال الفكر للوصول إلى اليقين والتسليم المطمئن.
    ومن بين أهم النصوص في ذلك قوله تعالى:(فاعلم أنه لا إله إلا الله)1،ولم يقل: فقل لا إله إلا الله، ذلك أن القول باللسان يحسنه كل الناس مؤمنهم وكافرهم ومنافقهم،أما العلم فيقتضي الاستدلال والتدبر والتبين عن طريق النظر في ملكوت السماوات والأرض،ومن ذلك قوله تعالى:(إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيى به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون)2،ومنه قوله -يوجب التفكر-:(قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون)3.
    ولما كان السير في الأرض والتنقيب عن الآثار المدفونة ورؤية الأطلال القائمة مما يؤكد ما جاء في الكتاب العزيز،فقد ندب تعالى إلى ذلك في عدة آيات كريمة منها قوله:(قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير )4،والسير المقصود هنا ليس غرضه مجرد السياحة وتمتيع الأبصار بالمناظر الخلابة المبثوثة في الأرض والمعلقة في السماء،وإنما الغرض هو التبين ومطابقة ما جاء على لسان الرسول، من هلاك الأمم البائدة وما تركوه من آثار شاهدة على صدق ما ورد في النصوص الكريمة، ومن غايات السير أيضا الاعتبار بالآيات الكونية ورؤية عظمة وجلال الخالق المبدع،قال :(أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت)5.
    وفي هذا السياق جاء القرآن بأسلوب يهاجم فيه من يقلدون الآباء والأجداد في موضوع الاعتقاد،ويؤكد على وجوب النظر وإعمال الفكر،ويستحث النفوس لطلب الدليل والتبين من صدقية الرسالة والرسول،وهاهو أبونا إبراهيم يحاور والده بأسلوب يفيض بالشفقة والأدب من جهة،ومن جهة أخرى يحثه على التبين من معبوده الذي لا يملك ضرا ولا نفعا:(يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا)6..ثم يتبرأ منه ويهجره بعد أن تبين له كفره وإصراره على ما وجد عليه الأولين:(فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه)7.

    تعليق


    • #3
      ويترك إبراهيم قومه حين خرجوا من القرية،فيعمد إلى كبير آلهتهم فيضع المعول في عنقه،بعد أن يحطم الأوثان الصغيرة،يسفه بذلك أحلام قومه الذين ألغوا عقولهم وخالفوا منطقها الصحيح.
      وما أحوج مسلمي اليوم الذين تعودوا على أداء الطقوس الدينية بمجرد وراثتها عمن سبق من الآباء والأجداد إلى إعمال عقولهم والاستدلال بها على قضايا الإيمان،لأن هذا الاعتقاد الفاتر،وهذا الانهزام المقيت في شتى مجالات الحياة إنما يعكس ضبابية الإيمان وهوانه في نفوس أصحابه،ذلك بالرغم من توفر النصوص التي عز بها الأوائل وأقاموا بها حضارة ملأت الآفاق.
      وليس هذا الكلام مما يطعن في إسلام الناس وإنما هو من باب طلب اليقين والطمأنينة التي احتاجها إبراهيم نفسه حين رجا ربه بقوله:(رب أرني كيف تحيي الموتى؟قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي)8،فهو رغم يقينه إلا أنه أراد أن يتحقق و يطمئن،وكذلك موسى حين طلب من مولاه أن يريه وجهه الكريم في قوله:(رب أرني أنظر إليك قال لن تراني)9..وإن كان حال موسى يعكس الشوق إلى رؤية المحبوب إلا أنه أيضا يدل على حاجة فطرية في نفس الإنسان إلى التبين والمكاشفة ليزداد الإيمان والتحقيق....وهاهو عُزير يتبين حقيقة القدرة الإلهية المطلقة من خلال عمليتي الإماتة والإحياء في قوله تعالى:(أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشرها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير)10.
      ولتأكيد أمور الغيبيات المستترة عنا ورد في القرآن أن الله تعالى سيجعلها حقائق مكشوفة يوم القيامة،ليحصل اليقين لكل المخلوقات مؤمنهم وكافرهم، ومن ذلك قوله عزوجل:(وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمومنون)11.
      التعديل الأخير تم بواسطة أبو مالك العوضي; الساعة 04/09/1431 - 13/08/2010, 03:47 pm. سبب آخر: سيدنا العزير؟!

      تعليق


      • #4
        المبحث الثاني: التثبت والتبين في مجال العبادات
        يقوم الإسلام على التبين في العبادات،ففي مجال :
        *الطهارة: ينبغي التبين من طهارة ماء الوضوء و الغسل (لم يتغير طعمه و لونه و ريحه)ومن أجل ذلك اعتبر الشارع الحكيم مجرد الشك في الحدث بعد الطهور ناقضا للعبادة.
        كما أمر بالتبين من الحدث نفسه، إن كان أكبرا يوجب الغسل كالحيض و المني ،أو أصغرا يكفي منه الوضوء كالمذي و الودي،و جعل الحيض علامة على براءة الرحم من الحمل (و المطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء)12.
        *وفى مجال الصلاة،أمرنا بالتبين من الوقت ،فالصلاة باطلة قبل دخول الوقت إن أديت ولا تكون أصلا واجبة ، قال تعالى(أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا)13 ،و قال: (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا)14،وطبيعي أن معرفة الوقت تحتاج إلى التبين بترصد حركتي الشمس و القمر.
        *وفى مجال الصوم أيضا ،لابد من التثبت من هلال رمضان ، فقال تعالى:(فمن شهد منكم الشهر فليصمه)15، وقال صلى الله عليه و سلم:(صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)16.
        ولذلك إن غم علينا و لم نتثبت من دخول أول رمضان، أكملنا عدة شعبان ثلاثين يوما،وكذا يجوز الأكل و الشرب و الجماع طيلة ليل رمضان و إذا تبين للمسلم الفجر يمسك عن ذلك كله لقوله تعالى(و كلوا و اشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر)17.
        *وفي مجال الزكاة ينبغي التثبت من أمور مهمة مثل بلوغ النصاب و السن و دوران الحول و معرفة من يستحق الزكاة فعلا وغير ذلك مما اشترطه الفقهاء...

        تعليق


        • #5
          المبحث الثالث: التثبت و التبين في مجال المعاملات و الأخلاق
          للكلمة خطرها و أثرها على الفرد و المجتمع،فكم من كلمة صنعت مجدا أو دعت إلى الخير أو أصلحت بين طرفين متنازعين...وكم من كلمة أثارت عداوات وأشعلت حروبا وورثت ضغائن طال أمدها...
          وفي هذا المعنى يقول تبارك و تعالى:(يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الإسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون)18،و قال النبي صلى الله عليه و سلم "وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في جهنم "19.
          ولذلك الغرض كان لابد من التبين و التثبت من صحة الأخبار قبل التفوه بها ، و خاصة إذا تعلق الأمر بالأعراض و المقدسات الشرعية.
          قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى:(يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا)20: <<يأمر تعالى بالتثبت في خبر الفاسق ليحتاط له، ومن هاهنا امتنع طوائف من العلماء من قبول رواية مجهول الحال،لاحتمال فسقه في نفس الأمر ، و قبلها آخرون ،و قد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط،حيث بعثه رسول الله صلى الله عليه و سلم على صدقات بني المصطلق،و قد روي من طرق منها ما رواه أحمد عن الحارث بن أبي ضرار الخزاعي قال:قدمت على رسول الله صلى الله عليه و سلم فدعاني إلي الإسلام فدخلت فيه و أقررت به ،و دعاني إلى الزكاة فأقررت بها،و قلت يا رسول الله أرجع إليهم فأدعوهم إلى الإسلام و أداء الزكاة ، فمن استجاب لي جمعت زكاته، و ترسل إلي يا رسول الله رسولا إبان كذا و كذا ليأتيك بما جمعت من الزكاة، فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له ، وبلغ الإبان الذي أراد رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يبعث إليه احتبس عليه الرسول و لم يأته و ظن الحارث أنه قد حدث فيه سخطة من الله تعالى و رسوله،فدعا بسروات قومه(أي أشرافهم) ، فقال لهم إن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان وقت لي وقتا يرسل إلي رسوله ،ليقبض ما كان عندي من الزكاة و ليس من رسول الله صلى الله عليه و سلم الخلف، ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطه فانطلقوا بنا نأتي رسول الله صلى الله عليه و سلم، و بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة فلما أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فرق (أي خاف) فرجع حتى أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال يا رسول الله صلى الله عليه و سلم إن الحارث قد منعني الزكاة و أراد قتلي، فغضب رسول الله صلى الله عليه و سلم و بعث البعث إلى الحارث و أقبل الحارث بأصحابه حتى إذا استقبل البعث و فصل عن المدينة لقيهم الحارث، فقالوا هذا الحارث، فلما غشيهم قال لهم :إلى من بعثتم؟ فقالوا:إليك قال :ولم ؟ قالوا:إن رسول الله صلى الله عليه و سلم بعث إليك الوليد بن عقبة فزعم أنك منعته الزكاة و أردت أن تقتله،قال : لا و الذي بعث محمدا صلى الله عليه بالحق ما رأيته بتة و لا أتاني، فلما دخل الحارث على رسول الله صلى الله عليه و سلم قال :"منعت الزكاة وأردت قتل رسولي؟" ، قال و الذي بعثك بالحق ما رأيته و لا أتاني وما أقبلت إلا حين احتبس علي علي رسول الله صلى الله عليه و سلم ، خشيت أن يكون كونت سخطة من الله تعالى و رسوله، قال فنزلت الحجرات"يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ...إلى قوله حكيم "أخرجه أحمد و ابن أبي حاتم و الطبراني>>21.إذن فهذه الآية الكريمة والحديث الذي ورد بشأنها يبين أن الفاسق كان صحابيا ومع ذلك لم تشفع له صحبته،بل عدته فاسقا،بمجرد أنه نقل خبرا كاذبا لم يتبين من صحته،فما بالك إذا كا نقلة الأخبار من الكذبة أو المغرضين والشانئين....
          و تحدثنا السيرة النبوية الشريفة أن النبي بالرغم من أنه قد طلب منه أن يصالح كفار قريش عام الحديبية، إلا أنه لم يأذن له في رد المؤمنات بشرط التثبت و التبين من صحة إيمانهن.
          فقال تعالى في ذلك :(يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار...)22، قال ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة: <<...فإن الله عز و جل أمر عباده المؤمنين إذا جاءهم النساء مهاجرات أن يمتحنوهن، فإن علموهن مؤمنات فلا يرجعوهن إلى الكفار :(لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن)23، و سبب النزول ما روي أنه لما هاجرت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، خرج أخواها :عمارة و الوليد حتى قدما على رسول الله صلى الله عليه و سلم فكلماه فيها أن يردها إليهما ،فنقض الله العهد بينه و بين المشركين في النساء خاصة ،فمنعهم أن يردوهن إلى المشركين و أنزل الله آية الامتحان. وروى ابن جرير عن أبي نصر الأسدي قال:سئل ابن عباس كيف كان امتحان رسول الله النساء؟ قال: كان يمتحنهن: "بالله ما خرجت من بغض زوج، و بالله ما خرجت رغبة عن أرض إلى أرض، و بالله ما خرجت التماس دنيا، و بالله ما خرجت إلا حبا لله و رسوله "، رواه ابن جرير و رواه البزار من طريقه ،و ذكر أن الذي كان يحلفهن عن أمر رسول الله عمر بن الخطاب>>24.ولا ريب أن ذلك الامتحان كان لونا من ألوان التبين والتثبت من حقيقة إيمانهن.

          تعليق


          • #6
            ولما كان الأصل في الإسلام السلم و حقن الدماء و تحريم الظلم ، عاتب الله عز و جل ورسوله كلامهما أسامة بن زيد حينما قتل عدوه بمجرد الظن في صدق إدعائه الإسلام ، فقد قال تعالى فيه خاصة و في غيره عامة: (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألفى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا)25،فلما قرئت هذه الآية الكريمة على أسامة ،حلف لا يقتل رجلا يقول لا إله إلا الله بعد ذلك الرجل وما لقي من رسول الله صلى الله عليه و سلم فيه.
            وفي سياق مخالف لموضوع التبين ، ينهي النبي صلى الله عليه و سلم عن التحقق في حال الظن و الشك فقال:<<إذا ظننت فلا تحقق>>26، و هذا من أ خلاق الإسلام العظيمة ،ذلك أن الأصل في الناس البراءة ،ثم إن محاولة معرفة ذلك ربما يحمل على تتبع العورات و التجسس مما يثير الاشمئزاز و الضغائن.
            ولأمر ما لا تطبق الحدود الشرعية و التعازير إلا إذا وصلت إلى الحاكم ببيناتها ،إما بالإقرار و الاعتراف من الجاني أو بالإشهاد على الجناية ، فقال تعالى –في حد القذف –(والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا و أولئك هم الفاسقون )27.
            وباب( الإشهاد) من أبواب الفقه ، الغرض منه ، التبين و التثبت من صحة الدعاوى في المعاملات و الجنايات و الحدود.
            ويندرج تحت هذا الباب موضوع الفراسة و الأخذ بالقرائن و الأمارات و القافة(أي تتبع الأثر) و اللوث(غلبة الظن في وقوع القتل) ، وقد عقد الشيخ ابن قيم الجوزية في ذلك كتابا كاملا و سمه ب : (الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ) و بين فيه أن الحاكم من حقه إن عدم البينة و الدليل على المخالفات الشرعية أن يتبين و يتثبت بالقرائن و الأمارات ثم يبني على ذلك الأحكام.ولبيان هذا الباب النفيس نورد هاهنا مثالا واحدا من الكتاب العزيز، فقد ورد في قصة يوسف مع امرأة العزيز التي اتهمت نبي الله-بهتانا- بأنه راودها على نفسها فأبت عليه،و الحق غير ذلك ،و ذلك ما انتبه إليه الشاهد من أهلها بمجرد القرينة (إن كان قميصه قد من قبل فصدقت و هو من الكاذبين و إن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين)28.
            ثم بعد ما ذكر الآيتين 25-28 من سورة يوسف من قوله تعالى( واستبقا الباب )إلى قوله (إن كيدكن عظيم ) ، قال :فتوصل بقد القميص إلى تمييز الصادق منهما من الكاذب ، وهذا لوث في أحد المتنازعين،يبين به أولاهما بالحق.


            وهذا نبي الله سليمان حينما جاءه الهدهد بخبر بلقيس و قومها ،لم يصدقه للوهلة الأولى بل أرسله بكتاب يتبين له من خلاله الأمر، قال تعالى في ذلك (قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون)29.
            ولما وصل الكتاب بلقيس و عرفت ما فيه جمعت قومها و استشارتهم في الأمر،ثم بدا لها أن تتبين و تتثبت من أمر سليمان: (و إني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون )30، فإن كان نبيا لم يقبل الهدية و إن قبلها فليس بنبي و لابد من قتاله ،كما ذهب إلى ذلك سيد المفسرين حبر الأمة عبد الله بن عباس ،فقال :"قالت لقومها: إن قبل الهدية فهو ملك فقاتلوه،و إن لم يقبلها فهو نبي فاتبعوه "31.
            وفي موضوع التبني عندما يدعي أحد إستلحاق الولد ، يتبين القاضي زعمه هذا بفارق السن أو شهادة مرضعة أو يمين ...و إلا فيعتبر أخا في الدين و مولى قال تعالى: (فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم )32.

            تعليق


            • #7
              خلاصة:
              إن التثبت والتبين من أهم الأخلاق التي عني بها كتاب الله عز و جل و سنة نبيه صلى الله عليه و سلم ، و على هذا المنهج الكريم درج الصحابة و التابعون أجمعين، حيث أسسوا لحضارة عظيمة لم يشهد لها التاريخ مثيلا ، فحفظ تراث الإسلام بذلك و لم تؤثر عليه حركات الوضع و التشويه.وظلت المجتمعات الإسلامية على مدى الأزمان والدهور قوية متماسكة،لم تؤثر فيها الشائعات والأراجيف،والسبب بالطبع كان راجعا لتطبيق منهج التثبت والتبين في التلقي والنقل على السواء.

              تعليق


              • #8
                الهوامش:
                1-محمد/19.
                2-البقرة/164.
                3-يونس/101.
                4-العنكبوت/20.
                5-الغاشية/17-20.
                6-مريم/42.
                7-التوبة/114.
                8-البقرة/260.
                9-الأعراف/143.
                10-البقرة/259.
                11-المدثر/31.
                12-البقرة/228.
                13-الإسراء/78.
                14-النساء/103.
                15-البقرة/185.
                16-متفق عليه من حديث أبي هريرة رصي الله عنه.
                17-البقرة/187.
                18-الحجرات/11.
                19-رواه البخاري عن أبي هريرة.
                20-الحجرات/06.
                21-مختصر تفسير ابن كثير للشيخ محمد علي الصابوني،ص360.
                22-الممتحنة/10.
                23-الممتحنة/10.
                24- مختصر تفسير ابن كثير للشيخ محمد علي الصابوني،ص485.
                25-النساء/94.
                26-أخرجه الحافظ العراقي في تحقيق الإحياء عن أبي هريرة.
                27-النور/04.
                28-يوسف/26-27.
                29-النمل/27.
                30-النمل/35.
                31- مختصر تفسير ابن كثير للشيخ محمد علي الصابوني،ص671.
                32-الأحزاب/05.



                المصادر و المراجع:
                *القرآن الكريم.
                *كتب السنة.
                1/مختصر تفسير ابن كثير للشيخ محمد علي الصابوني،شركة الشهاب،الجزائر،1990.
                2/زاد المعاد في هدي خير العباد،لابن قيم الجوزية،مؤسسة الرسالة،بيروت،1984.
                3/الرحيق المختوم،صفي الرحمن المباركفوري،دار الكتاب الحديث،الكويت،2009.
                4/فقه السنة،السيد سابق،دار الجيل،نشر دار الفتح العربي القاهرة،ط10، 1993.

                تعليق


                • #9
                  تم ترشيح هذا الموضوع ضمن مسابقة الملتقى، يمكنك أخي العضو التصويت عليه أعلاه
                  مركز تفسير للدراسات القرآنية
                  الرياض - حي الغدير - طريق الملك عبدالعزيز
                  هاتف 0096612109620 - فاكس 0096612109713
                  بريد إلكتروني : [email protected]
                  رؤيتنا : الريادة في تطوير الدراسات القرآنية

                  تعليق


                  • #10
                    السلام عليكم
                    ولا واحد يكتب انطباعه؟؟؟
                    تقبل الله منا ومنكم

                    تعليق


                    • #11
                      المشاركة الأصلية بواسطة علي عدلاوي مشاهدة المشاركة
                      المبحث الثاني: التثبت والتبين في مجال العبادات
                      يقوم الإسلام على التبين في العبادات،ففي مجال :
                      *الطهارة: ينبغي التبين من طهارة ماء الوضوء و الغسل (لم يتغير طعمه و لونه و ريحه)ومن أجل ذلك اعتبر الشارع الحكيم مجرد الشك في الحدث بعد الطهور ناقضا للعبادة.
                      أخي الفاضل علي عدلاوي حفظه الله.
                      الفكرة التي تتكلمون فيها ممتازة وهي لا شك مهمة بالنسبة للعبادات. ولكن ليس كل العبادات تُبنى على اليقين . بل هناك بعض العبادات تبنى على الظن . فمثلاً الشك في الوضوء لا يعدم الطهارة . فلو شككت هل أنت على وضوء أم لا فإنك تبني على غلبة الظن لا على اليقين . وكذلك المياه فإن أصلها طاهر ما لم تثبت النجاسة.
                      ففي بَابُ الْمَاءِ يَشُكُّ فيه من كتاب الأم قَالَ الشّاَفعيُّ : رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وإذا كان الرَّجُلُ مُسَافِرًا وكان معه مَاءٌ فَظَنَّ أَنَّ النَّجَاسَةَ خَالَطَتْهُ فَتَنَجَّسَ ولم يَسْتَيْقِنْ فَالْمَاءُ على الطَّهَارَةِ وَلَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِهِ وَيَشْرَبَهُ حتى يَسْتَيْقِنَ مُخَالَطَةَ النَّجَاسَةِ بِهِ.ومن شك أنه أحدث فَلاَ يَجِبُ عليه الْوُضُوءُ حتى يَسْتَيْقِنَ أَنَّهُ أَحْدَثَ.وَلَوْ شَكَّ رَجُلٌ أَنْزَلَ أو لم يُنْزِلْ لم يَجِبْ عليه الْغُسْلُ حتى يَسْتَيْقِنَ بِالإِنْزَالِ وَالاِحْتِيَاطُ أَنْ يَغْتَسِلَ.وكثير من هذه المسائل الموجودة في كتب الفقه. ولكن رغم ذلك فإن الأصل التثبت وعدم التسيب. ولكني أحببت فقط أن تتدارك ذلك في موضوعك إن أمكن ليصبح أكثر شمولية وأعظم فائدة . لأن من خصائص البحث الناجح شموليته على معظم المسائل المتعلق به. وبارك الله بك أخي الفاضل وها قد علّقت على موضوعك كما كنت تحب وترغب.

                      تعليق


                      • #12
                        المشاركة الأصلية بواسطة تيسير الغول مشاهدة المشاركة
                        أخي الفاضل علي عدلاوي حفظه الله.
                        الفكرة التي تتكلمون فيها ممتازة وهي لا شك مهمة بالنسبة للعبادات. ولكن ليس كل العبادات تُبنى على اليقين . بل هناك بعض العبادات تبنى على الظن . فمثلاً الشك في الوضوء لا يعدم الطهارة . فلو شككت هل أنت على وضوء أم لا فإنك تبني على غلبة الظن لا على اليقين . وكذلك المياه فإن أصلها طاهر ما لم تثبت النجاسة.
                        ففي بَابُ الْمَاءِ يَشُكُّ فيه من كتاب الأم قَالَ الشّاَفعيُّ : رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وإذا كان الرَّجُلُ مُسَافِرًا وكان معه مَاءٌ فَظَنَّ أَنَّ النَّجَاسَةَ خَالَطَتْهُ فَتَنَجَّسَ ولم يَسْتَيْقِنْ فَالْمَاءُ على الطَّهَارَةِ وَلَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِهِ وَيَشْرَبَهُ حتى يَسْتَيْقِنَ مُخَالَطَةَ النَّجَاسَةِ بِهِ.ومن شك أنه أحدث فَلاَ يَجِبُ عليه الْوُضُوءُ حتى يَسْتَيْقِنَ أَنَّهُ أَحْدَثَ.وَلَوْ شَكَّ رَجُلٌ أَنْزَلَ أو لم يُنْزِلْ لم يَجِبْ عليه الْغُسْلُ حتى يَسْتَيْقِنَ بِالإِنْزَالِ وَالاِحْتِيَاطُ أَنْ يَغْتَسِلَ.وكثير من هذه المسائل الموجودة في كتب الفقه. ولكن رغم ذلك فإن الأصل التثبت وعدم التسيب. ولكني أحببت فقط أن تتدارك ذلك في موضوعك إن أمكن ليصبح أكثر شمولية وأعظم فائدة . لأن من خصائص البحث الناجح شموليته على معظم المسائل المتعلق به. وبارك الله بك أخي الفاضل وها قد علّقت على موضوعك كما كنت تحب وترغب.
                        أشكرك سيدي جزيل الشكر على تجاوبك،وقد انتفعت فعلا بملاحظتك القيمة،والحق لم يكن قصدي الاستقصاء بقدر لفت انتباه الإخوة إلى ضرورة الكتابة والتوسع في هذا الموضوع اللاحب...
                        أشكركم سيدي مرة أخرى

                        تعليق


                        • #13
                          المشاركة الأصلية بواسطة علي عدلاوي مشاهدة المشاركة
                          المبحث الثاني: التثبت والتبين في مجال العبادات
                          يقوم الإسلام على التبين في العبادات،ففي مجال :
                          *الطهارة: ينبغي التبين من طهارة ماء الوضوء و الغسل (لم يتغير طعمه و لونه و ريحه)ومن أجل ذلك اعتبر الشارع الحكيم مجرد الشك في الحدث بعد الطهور ناقضا للعبادة.
                          .
                          موضوع ممتاز
                          شكر الله لك أخانا علي
                          ولكن هذه العبارة والتي أشار إليها قبلي الأخ الفاضل تيسير تحتاج منك إلى تصحيح
                          فالشك في الحدث غير مؤثر على الطهارة
                          فالقاعدة الفقهة تقول:
                          "اليقين لا يزول بالشك"
                          فإذا تطهر الإنسان ثم شك هل أحدث بعد أو لا؟
                          فالأصل بقاء الطهارة لأنها المتيقنة
                          ودليل هذه القاعدة
                          قوله : (( إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا ؟ فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً )) رواه مسلم قال النووي في شرح مسلم (4/49): (وهذا الحديث أصل من أصول الإسلام وقاعدة عظيمة من قواعد الفقه، وهي أن الأشياء يحكم ببقائها على أصولها حتى يتيقن خلاف ذلك ، ولا يضر الشك الطارئ عليها ).
                          وقوله : (( إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى أثلاثاً أم أربعاً؟ فليطرح الشك وليبْن على ما استيقن ، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم ، فإن كان صلى خمساً شفعن له صلاته ، وإن كان صلى تماماً لأربع كانتا ترغيماً للشيطان ))

                          تعليق


                          • #14
                            المشاركة الأصلية بواسطة أبو سعد الغامدي مشاهدة المشاركة
                            موضوع ممتاز
                            شكر الله لك أخانا علي
                            ولكن هذه العبارة والتي أشار إليها قبلي الأخ الفاضل تيسير تحتاج منك إلى تصحيح
                            فالشك في الحدث غير مؤثر على الطهارة
                            فالقاعدة الفقهة تقول:
                            "اليقين لا يزول بالشك"
                            فإذا تطهر الإنسان ثم شك هل أحدث بعد أو لا؟
                            فالأصل بقاء الطهارة لأنها المتيقنة
                            ودليل هذه القاعدة
                            قوله : (( إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا ؟ فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً )) رواه مسلم قال النووي في شرح مسلم (4/49): (وهذا الحديث أصل من أصول الإسلام وقاعدة عظيمة من قواعد الفقه، وهي أن الأشياء يحكم ببقائها على أصولها حتى يتيقن خلاف ذلك ، ولا يضر الشك الطارئ عليها ).
                            وقوله : (( إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى أثلاثاً أم أربعاً؟ فليطرح الشك وليبْن على ما استيقن ، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم ، فإن كان صلى خمساً شفعن له صلاته ، وإن كان صلى تماماً لأربع كانتا ترغيماً للشيطان ))

                            بورك فيكم أخي أبي سعد
                            أعتقد أنني كنت أقصد العبارة التالية:(....ومن أجل ذلك اعتبر الشارع الحكيم مجرد الشك في الطهارة بعد الحدث ناقضا للعبادة)..ولكنها كانت زلة قلم..
                            اللهم لا تواخذنا إن نسينا أو اخطانا
                            بارك الله في ملاحظاتكم القيمة

                            تعليق

                            19,962
                            الاعــضـــاء
                            231,999
                            الـمــواضـيــع
                            42,584
                            الــمــشـــاركـــات
                            يعمل...
                            X