إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • موقف مفسري مدرسة مكة من الروايات الإسرائيلية

    مدخل:
    إن الحديث عن الروايات الاسرائيلية في التفسير هو حديث عن موضوع لم يسلم منه إلا القليل من مصادر تراث الأمة، أو مؤلف من مؤلفاتها، وإن لم يكن عندنا إحصاء دقيق واستقراء لهذا الأمر استقراء علميا تاما. ولكن الأمر غير خاف للعيان ولكل متتبع ومتمرس ودارس لتراث الأمة .
    ولكن ما يثلج الصدر في بعض هذه المصادر هو أن مؤلفيها بينوا هذا الدخيل وبينوا ضعفه وعدم صحته، وكذا تدليس أصحابه إن دلسوا، أو موافقة كلامهم لما بينته شريعتنا.
    ولفظ الاسرائيليات: يدل على اللون اليهودي للتفسير، وما كان من أثر للثقافة اليهودية فيه إلا أنه في حقيقة الأمر يعني ما هو أوسع من هذا ، فيضاف إليه اللون النصراني، وإطلاق اللفظ على جزئية منه فقط هو من باب التغليب ليس غير، إذ الأثر الغالب كان للثقافة اليهودية.(1). لأن ثقافة اليهود وثقافة النصارى ثقافة دينية، وكلتا الثقافتين كان لهما أثر في التفسير الى حد ما.
    فثقافة اليهود كانت تعتمد أول ما تعتمد على التوراة التي أشار إليها القرآن بقوله:" إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور" (2).ودل عل بعض ما جاء فيها من أحكام بقوله:" وكتبنا فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص".(3).
    وكثيرا ما يستعمل المسلمون واليهود أنفسهم لفظ التوراة ويطلقونه على كل الكتب المقدسة عند اليهود فيشمل الزبور وغيره. وتسمى التوراة بما اشتملت عليه من الأسفار الموسوية وغيرها: العهد القديم.
    وكان لليهود بجانب التوراة سنن ونصائح وشروح لم تؤخذ عن موسى بطريق الكتابة، وإنما تحملوها ونقلوها بطريق المشافهة، ثم نمت على مرور الزمن وتعاقب الأجيال، ثم دونت وعرفت باسم التلمود، ووجد بجوار ذلك كثير من الأدب اليهودي، والقصص والتاريخ والتشريع والأساطير.
    وأما النصارى فكانت ثقافتهم تعتمد في الغالب الأهم على الانجيل، وقد أشار القرآن الى أنه من كتب السماء التي نزلت على الرسل فقال:" ثم قفينا عل آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الانجيل ".(4).
    والأناجيل المعتبرة عند النصارى يطلق عليها وعلى ما انضم إليها من رسائل الرسل. اسم: العهد الجديد والكتاب المقدس لدى النصارى يشمل التوراة والانجيل ويطلق عليه العهد القديم والعهد الجديد.
    وكان طبعيا أن يُشرح الانجيل بشروح مختلفة، كانت فيما بعد منبعا من منابع الثقافة النصرانية، كما وجد بجوار ذلك ما زاده النصارى من القصص، والأخبار والتعاليم التي زعموا أنهم تلقوها عن عيسى ، وهذا كله كان من ينابيع الثقافة النصرانية.
    وإذا نحن أجلنا النظر في التوراة والانجيل نجد أنهما اشتملا على كثير مما اشتمل عليه القرآن الكريم، وبخاصة ما كان له تعلق بقصص الانبياء . مع اختلاف في الاجمال والتفصيل، هذا التفصيل هو الذي جعل المسلمين يقتبسون من الكتب الكتابية بقدر ما يرون أنه شارح لهذا الايجاز وموضح لما فيها من غموض، ومن ثم بدأت الاسرائيليات تدخل في التفسير، وتطور هذا الدخول ليتأثر التفسير بالتعاليم اليهودية والنصرانية" (5).
    د/ أحمد العمراني أستاذ التعليم العالي الجديدة المغرب

  • #2
    تفسير مدرسة مكة والروايات الاسرائيلية:
    -أقصد بمدرسة مكة في التفسير ما روي من نصوص تفسيرية مسندة كانت أو غير مسندة عن جهابذة أعلام هذه المدرسة أسهموا في تشكيلها بناء ومسارا، وكذلك نصوص الذين تتلمذوا وجلسوا الى شيوخها يأخذون من معينهم الفياض وزادهم المعرفي .
    -فمكة حرسها الله تعتبر منذ البعثة من أعظم البيوت القرآنية ، فيها نزل أول لفظ يدعو للقراءة ، وبها تأسس أول مركز لتعليم المسلمين " دارالأرقم" ليتخرج منها الأرقميون الذين تعهدوا القرآن وعلموه ، وساحوا في بقاع الأرض ينشرونه ، وبعد اتساع الفتوحات ، تفرق الصحابة في الأمصار وتفرق العلم معهم لتتوفر الدواعي على تطلب الأخبار الراجعة الى التفسير وغيره من العلوم الشرعية .
    -وقد عرف رجال بأنهم أثبات الأخبار وحجج الآثار تفاوتوا قلة وكثرة فيما روي عنهم ليتفوق في هذا المجال مؤسسو المدارس التفسيرية المشتهرة في هذا العهد ، ابن مسعود في العراق ، وأبي بالمدينة ، وابن عباس بمكة.
    -وتعد مدرسة مكة الأولى في هذا الحقل العلمي بفضل مؤسسها وخريجيها ، فابن عباس المؤسس هو حبر الأمة وبحرها، اعترف له كبار الصحابة بطول الباع في التفسير وغيره ، فيه قال ابن مسعود :"نعم ترجمان القرآن ابن عباس"(6) وقال فيه أيضا:" لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عاشره منا أحد " (7)، وفيه قال علي بن أبي طالب:" كأنما ينظر الى الغيب من ستر رقيق "(8)، أما تلامذته وخريجو مدرسته فعددهم لا يحصر ولا يحصى ، ولكن اشتهر منهم خمسة عدوا من الجهابذة الأول قال فيهم ابن تيمية : " أعلم الناس بالتفسير أهل مكة ، لأنهم أصحاب ابن عباس كمجاهد وعطاء وعكرمة وطاوس وسعيد بن جبير وغيرهم."(9).
    د/ أحمد العمراني أستاذ التعليم العالي الجديدة المغرب

    تعليق


    • #3
      أ-التوجيه النبوي وفهم الصحابة له:
      عاش موجه الأمة المحمدية واقعه الفكري ، وحرص (عليه الصلاة والسلام) في بداية الأمر على ربط أتباعه بكتاب الله وحده ، حتى لا تكثر عليهم الأقوال ، وتختلط في أذهانهم الأفكار ، ولتنفيذ ذلك لم يسمح لهم بكتابة الحديث في بدايته (10) ، وإن ورد الأمر بما يخالف هذا ولكن بقلة . وأمرهم كذلك بأن لا يخلطوا ثقافتهم بثقافة غيرهم حتى يكتسوا الحصانة الفكرية ، وبين لهم بأن ثقافة الاسلام كاملة تامة ، وشاملة ناسخة وبيضاء نقية.
      -فقد جاءه عمر بن الخطاب () يوما بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه عليه فغضب وقال:" أمتهوكون-متحيرون-فيها يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا، ما وسعه إلا أن يتبعني".(11).
      -وقال لهم أيضا : " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم" وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيئون من ربهم ، لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ".(12).
      وهو الخطاب الذي فهمه الصحابة الكرام ، وتمثلوه في علاقاتهم مع أهل الكتاب ، وخصوصا ابن عباس شيخ المدرسة الذي وجه خطابه لتلاميذه حاثا إياهم على ما حث عليه الرسول الكريم فقال : "يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل عليكم بين أظهركم محصن ولم يشب ، فهو أحدث الأخبار بالله ، وقد أخبركم الله عن أهل الكتاب أنهـم كتبوا بأيديهم كتبا ثم قالوا هذا من عند الله "ليشتروا به ثمنا قليلا " فبدلوها وحرفوها عن موضعها أفما ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم ؟ فو الله ما رأينا أحدا منهم يسألكم عن الذي أنزل إليكم (13). وهي نصوص واضحة في الدلالة على المنع من الأخذ عن أهل الكتاب .
      لكن ورد أيضا عن النبي () نص يستفاد منه الجواز ، وهو قوله :"بلغوا عني ولو آية ، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار"(14).
      وهذا الاختلاف في الحكم وجهه العلماء موفقين بين الأدلة فقال ابن حجر في الفتح : " قال الشافعي : " من المعلوم أن النبي لا يجيز التحدث بالكذب ، فالمعنى حدثوا عن بني إسرائيل بما لا تعلمون كذبه ، وأما ما تجوزونه فلا حرج عليكم في التحدث به عنهم ، وهو نظير قوله ( ): " إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم " ، ولم يرد المنع من التحدث بما يقطع صدقه."(15).
      وقال ابن حجر أيضا : " ويؤخذ من هذا الحديث التوقف عن الخوض في المشكلات والجزم فيها بما يقع في الظن وعلى هذا يحمل ما جاء عن السلف من ذلك."(16).
      -وقد تعامل الصحابة رضوان الله عليهم مع هذه التوجيهات بعلم ، فلم يفهموا من النهي المذكور المنع البات في كل أمور العلم ، وإلا كيف يكون قوله : " فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم" إلا بعد وقوع الرواية.؟ ومن هنا فإنهم امتنعوا بتاتا عن الرواية عنهم في أبواب العقيدة والتشريع، وتساهلوا في الأخبار والتواريخ وبدء الخليقة ، وهي ما تشكل موضوع القصص.
      وممن يذكر له سماع عن أهل الكتاب أو محاورة لهم : الفاروق عمر بن الخطاب وأبو هريرة الذي شهد له كعب الأحبار بقوله : " ما رأيت أحدا لم يقرأ التوراة أعلم بما فيها من أبي هريرة ".(17). وعبد الله بن عمرو بن العاص الذي أصاب جملة من كتب أهل الكتاب وأدمن النظر فيها ورأى فيها العجائب وكان يحدث منها أحيانا في الأخبار وبدء الخليقة وتاريخ الانبياء.."(18). وكذا صنع أعلام المدرسة ، وخصوصا شيخهم ، الذي تحاور معهم وساءلهم وراسلهم .
      ولعله من الأسباب الطبيعية التي دفعت الصحابة الكرام ليتعاملوا مع أهل الكتاب تلك الحركة الأولى في تفسير القرآن التي كانت تعتمد على النقل، وليس ثمة مجال للعمل الفكري الذي ينفي ويثبت، وإنما الأمر مرده الى الرواية المحضة."(19). ومن الأسباب أيضا : احتواء القرآن على كثير من القصص المجملة ، وفي النفس فضول -كما هو معلوم-لمعرفة التفاصيل وليس من مصدر مسعف ، لأنه ليس من مقاصد الدين تزويد الناس بمعلومات تاريخية مفصلة.
      ولتفصيل هذا المجمل لجأ الناس وخاصة القصاصون الى أهل الكتاب أو الى كتبهم يغرفون منها ويغمرون الساحة الاسلامية بركام هائل من الأخلاط الكتابية . وقد استغل أهل الكتاب هذا الفضول فلبوا على القصاص أمرهم ، وغلبوهم على عقولهم ، وملأوها بكثرة الأخبار الزائفة والمكذوبة ، وأوهموهم أن كتبهم ترجع الى الأنبياء ، فصدقوهم لقلة علمهم، ولسطحية تفكيرهم.
      ليحصل لهم ما حصل لمن يحتاج شراء سلعة عند تاجر خبيث ، وقد نبه العلماء الى هذه المداخل ، كما حذروا من القصاص، وعلى رأس المحذرين الامام علي (كرم الله وجهه)، الذي أخرجهم من جامع البصرة . إلا أن الأمر اتسع فيما بعد على المداوي حتى أعياه.
      د/ أحمد العمراني أستاذ التعليم العالي الجديدة المغرب

      تعليق


      • #4

        ب-مدرسة مكة والاسرائيليات:
        إن المطلع على الانتقادات التي وجهت الى الكثير من علماء الأمة ، الذين رجعوا الى أهل الكتاب ، وأخذوا عنهم-خاصة انتقادات المستشرقين ومن ركب مركبهم من المستغربين -أحمد أمين مثلا - ليجد نفسه أمام تحامل خطير وممنهج ، الغرض منه الوصول مستقبلا الى الطعن في النص المروي عنهم.إذ لو قبل المسلمون المطعن الأول لسهل قبول ما يأتي بعده.
        وبالتأكيد لم يسلم أعلام "المدرسة" من هذا التحامل ، ولكن الرد عليهم سهل ميسر على كل من درس مروياتهم واطلع على نصوصهم.
        فابن عباس الحبر ، تعلم من النبي ، وفقه إرشاداته ، فميز بين ما يلزم فعله وما لا يلزم.، حيث تعامل أولا مع علماء أهل الكتاب الذي أسلموا وحسن إسلامهم ، مثل:عبد الله بن سلام ، الذي كان أعلم اليهود وابن أعلمهم كما أخبر عن نفسه (20).وأخبر معاذ بن جبل في حديث موته أنه ممن شهد له رسول الله بالجنة.(21).
        كما تعامل مع كعب الاحبار المعدود من علماء أهل الكتاب وأحد أحبارهم، أسلم في خلافة عمر،وشهد بتزكيته المحدثون.(22). وهي شهادة كافية في توثيقه ورد كل تهمة تلصق به.
        -وقد رأى ابن عباس أن أحسن الفهم موجود عند أمثال هذا الرجل ، لهذا ساءله عن كثير من القضايا المتعلقة بما تتشوف العقول الى معرفته ، وقد اعتمد الحبر في هذه المساءلة طرقا متعددة.
        *فتارة كان يسأله مباشرة مثل:
        -ما روي عنه أنه ذهب الى كعب الاحبار فقال له : حدثني عن قول الله "الله نور السموات والأرض " (سورة النور)، الآية ، فقال كعب : الله نور السموات والأرض ، مثل نوره : مثل محمد كمشكاة(23).
        *وتارة كان يسأل أبناءه عن علمه مثل:
        -ما رواه ابن ابي حاتم في تفسيره عن معاذ بن عبد الله بن حبيب الجهني قال : رأيت عبد الله بن عباس مر به تبيع ابن امرأة كعب فسلم عليه فسأله : هل سمعت كعبا يقول في السحاب شيئا ؟ قال: نعم سمعته يقول: إن السحاب غربال المطر ، ولولا السحاب حين ينزل الماء من السماء لأفسد ما يقع عليه ، قال: قال سمعت كعبا يقول في الأرض : تنبت العام نباتا وعام قابل غيره ؟ قال : نعم سمعته يقول : إن البذر ينزل من السماء قال ابن عباس : سمعت ذلك من كعب يقوله(24).
        *ليصل به الأمر أحيانا الى جعله حكما فيما اختلف فيه مع غيره، مثل:
        -ما روي عنه في تفسير قوله تعالى : " عين حمئة " قال : قرأ معاوية هذه الآية : " (عين حامية) فقال ابن عباس : إنها عين حمئة ، قال : فجعلا كعبا بينهما ، قال : فأرسلا إلى كعب الأحبار فسألاه، فقال كعب: أما الشمس فإنها تغيب في ثأط ، فكانت على ما قال ابن عباس والشأط ، الطين.(25).
        *وتارة كان يراسله مثل:
        -ما روي عن كريب قال : دعاني ابن عباس ، فقال : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله بن عباس، إلى فلان حبر تيماء : سلام عليك ، فإني أحمد إليك الله ، الذي لا إله إلا هو ، أما بعد: قال : فقلت : تبدؤه تقول : السلام عليك؟ فقال : إن الله هو السلام ، ثم قال : أكتب ، سلام عليك أما بعد : فحدثني عن مستقر ومستودع ، قال : ثم بعثني بالكتاب إلى اليهودي ، فأعطيته إياه ؛ فلما نظر إليه قال : مرحبا بكتاب خليلي من المسلمين ، فذهب بي إلى بيته ، ففتح أسفاطا له كبيرة فجعل يطرح تلك الأشياء لا يلتفت إليها ، قال : قلت : ما شأنك ؟ قال : هذه أشياء كتبها اليهود ، حتى أخرج سفر موسى ، قال فنظر إليه مرتين ، فقال المستقر : الرحم ، قال ثم قرأ (ونقر في الأرحام ما نشاء)، وقرأ (ولكم في الأرض مستقر ومتاع) قال : مستقره فوق الأرض: ومستقره في الرحم ، ومستقره تحت الأرض ، حتى يصير إلى الجنة ، او إلى النار.(26).
        -وعنه أيضا قال : أرسلني ابن عباس الى رجل من أهل الكتاب أسأله عن هذه الآيات "جنة عرضها السماوات والارض " فأخرج أسفار موسى ، فجعل ينظر قال : سبع سماوات وسبع أرضين تلفق كما تلفق الثياب بعضها الى بعض ، هذا عرضها ، وأما طولها فلا يقدر قدره إلا الله.(27).
        *بل كثيرا ما جمعتهم مجالس العلم ، ليحصل النقاش العلمي المبني على المساءلة والتناصح مثل:
        ما روي عن عكرمة قال : " كنا جلوسا عند ابن عمر وابن عباس فمر طائر يصيح، فقال رجل من القوم : خير خير فقال ابن عباس : لا خير ولا شر، قال كعب لابن عباس : ما تقول في الطيرة ؟ قال: وما عسيت أن أقول فيها؟ لا طير إلا طير الله ولا خير إلا خير الله ولا حول ولا قوة إلا بالله ، قال كعب: أن هذه الكلمات في كتاب الله ، المنزل يعني التوراة."(28).
        وكثيرا ما كانت ترد عن ابن عباس روايات في بدء الخليقة وقصص القرآن مما لا مرجع له فيها إلا أهل الكتاب كما روي عنه في تفسير قوله تعالى : " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك.."(29).
        وبالتأكيد لم يقتصر الأمر فقط على مثل هذه الأسئلة ، بل تجاوزه الى قصص الأنبياء بدءا بقصة آدم ، الى نوح فهود فسليمان وهلم جرا...
        وهي روايات مطعون في أسانيد بعضها ، وما صح منها أدرج ضمن ما سمح به ابن عباس لنفسه،وفهمه من التوجيهات النبوية ، وما كان غير ذلك فهو مدسوس عليه أو ضعيف من حيث السند أو المتن . إذ لا ننسى الاختلاقات التي مست تفسيره وما نسب إليه .
        د/ أحمد العمراني أستاذ التعليم العالي الجديدة المغرب

        تعليق


        • #5
          فالتوفيق بين أخذ ابن عباس عن أهل الكتاب وبين دعوته الى عدم الأخذ عنهم ، سهل وبين.
          إذ إن رجوعه إليهم لم يكن من طالب علم مبتدئ ، أو قاص جاهل ، إنما كان من عالم يعير سمعه لما يقال ، ثم يعمل فكره وعقله فيما سمع ، لينخل منه الزيف ويحتفظ بالصحيح .
          وقد وضع أساس منهج الاختيار العلمي بقوله : " العلم أكثر من أن يحاط به فخذوا منه أحسنه".
          وأنشد محمد بن مضعب لابن عباس:
          ما أكثر العلم وما أوسعهمن ذا يقدر أن يجمعه
          إن كنت لابد له طالبـامحاولا فالتمس أنفعه.(30).
          وعزز هذه المقولة بسلوكه مع كعب الأحبار نفسه في موضوع بلغه عنه، لتظهر الصورة الحقيقية للحبر والمتمثلة في المؤمن المعتز بدينه الكريم على نفسه وثقافته.
          حيث يروى أن رجلا أتى ابن عباس يبلغه زعم كعب الأحبار أنه يجاء بالشمس والقمر يوم القيامة كأنهما ثوران عقيران فيقذفان في النار ، فغضب ابن عباس وقال : كذب كعب الأحبار ، قالها ثلاثا ، بل هذه يهودية يريد إدخالها في الاسلام.(31). وقد اعتذر له كعب بعد وتعلل.(32)..
          ومن هذا الوادي ايضا ما روي من انه ذكر الظلم في مجلس ابن عباس فقال كعب : إني لا أجد في كتاب الله المنزل أن الظلم يخرب الديار ، فقال ابن عباس: أنا أوجدكه في القرآن ، قال الله : " فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا..".(33).
          هذه هي حقيقة موقف ابن عباس من أهل الكتاب ، وهو إذا كان يدعو الى تجنب الرجوع الى اهل الكتاب ، فبسبب ما أدخل من فساد على عقول العامة ، أما العلماء فإن معهم من الأسباب ما يجعلهم يقفون طويلا قبل أن يصدقوا ما يلقى إليهم من قول.
          وعلى نهج الحبر ابن عباس سار تلاميذه الكبار الذين شكلوا معه مدرسة التفسير ، وخصوصا سعيد بن جبير ومجاهد بن جبر وعكرمة مولى ابن عباس، وطاوس بن كيسان اليماني وعطاء بن أبي رباح ، وأضافوا بما حصلوا عليه من معارف شيوخهم ، وبما استزادوه من معارف عصرهم وبيئتهم ما لم يحصل أو لم يكن موجودا في عصر السابقين.
          ومرجع ذلك بالأساس الى أمرين اثنين:
          -كثرة من دخل من أهل الكتاب في الاسلام .
          -ميل نفوس القوم لسماع التفاصيل عما يشير إليه القرآن من أحداث يهودية أو نصرانية.
          مما جعل الكثير من النقاد ينظرون الى تفاسيرهم بعين الريبة في بعض الأحيان . ومن ذلك قولهم في تفسير مجاهد : " كتابه في التفسير يتقيه المفسرون"(34). وقد علل تلميذه الأعمش ذلك بقوله : " كانوا يرون أنه يسأل أهل الكتاب اليهود والنصارى".(35).
          وبالتأكيد أن هذا الاتقاء لتفسيره ظهر منذ البدايات الأولى في عصره ، كما صرح الأعمش وهو من تلاميذه ، ولكن مجاهدا ليس بدعا في هذا الأمر ، ولكنه فيه آثر متبع ، إذ بعض هذه الروايات منقولة عن شيخه ابن عباس والبعض الآخر من شيوخه الآخرين من الصحابة مثل عبد الله بن عمرو بن العاص وهو أكثر قليلا ، وقسم ثالث مصدره الأخبار التي راجت في عصره وبيئته .
          ورغم ذلك كله ، فبالرجوع الى النصوص المروية عنه في هذا المجال نجده فعلا قد أكثر وخالف المبدأ الشرعي للحديث المحذر " لا تصدقوهم ولا تكذبوهم " إذ كثيرا ما يروي عنهم أحاديث في الأنبياء وقصصا عنهم لا تجوز في حقهم وحق عصمتهم ، ومهما التمسنا له من مبررات للأخذ من أهل الكتاب وحصرنا الروايات القليلة التي رويت عنه في هذا المجال ، فإن المبدأ يبقى هو المبدأ والمنهج ذاته غير مقبول في رواية تلك الأخبار حتى ولو كان خبرا واحدا. وهذا لا ينقص من تفسيره ولا يزعزع ثقة الأمة فيه ، إذ يكفي لإزالة هذه الآثار وإلغائها ، القيام بتنقيحه والتعليق عليه لتسهل الاستفادة وتعم الفائدة ، وتزول الشبهات.
          وهو الكلام نفسه الذي يمكن أن يقال في تفسير باقي التلاميذ وكل تراث الأمة ، إذ تنقية تراثنا أضحى واجبا من الواجباب التي ينبغي أن تصرف فيه جهود الأمة اليوم ، وهو من الواجب الذي لا يتم الواجب إلا به.
          د/ أحمد العمراني أستاذ التعليم العالي الجديدة المغرب

          تعليق


          • #6
            وهذا مثال يحدثنا عن قصة النبي يوسف ( )تحدث عنها علماء "المدرسة"بتفصيل ، ساقوا أثناءها أسماء وأحداثا وأرقاما وتفاصيل بدت فيها الروايات الاسرائيلية جلية واضحة.
            ولنبدأ بما روي عن مجاهد حول هذه القصة قبل وقوعها وقبل أن يرمى في الجب حيث قال:"كان أول ما دخل على يوسف من البلاء فيما بلغني أن عمته ابنة اسحاق ، وكانت أكبر ولد اسحاق ، وكانت إليها منطقة اسحاق ، وكانوا يتوارثونها بالكبر ، فكان من اختص بها ممن وليها ، كان له سلما لا ينازع فيه،يصنع فيه ما يشاء ، وكان يعقوب حين ولدله يوسف ، كان قد حضنته عمته ، فكان معها وإليها ، فلم يحب أحد شيئـا من الأشياء حبها إياه ، حتى إذا ترعرع وبلغ سنوات ، وقعت نفس يعقوب عليه ، أتاها فقال : يا أخية سلمي إلي يوسف ، فو الله لا أقدر على أن يغيب عني ساعة ، فقالت : والله ما أنا بتاركته ، والله ما أقدر أن يغيب عني ساعة، قال : فو الله ما أنا بتاركه ، فقالت : فدعه عندي أياما أنظر إليه ، وأسكن عنه ، لعل ذلك يسليني عنه ، أو كما قالت : فلما خرج من عندها يعقوب عمدت الى منطقة اسحاق فحزمتها على يوسف من تحت ثيابه ، ثم قالت : لقد فقدت منطقة اسحاق ، فانظروا من أخذها ومن أصابها ، فالتمست ثم قالت : اكشفوا أهل البيت ، فكشفوهم ، فوجدوها مع يوسف ، فقالت : والله إنه لي لسلم أصنع فيه ما شئت ، قال: وأتاها يعقوب فأخبرته الخبر ، فقال لها : أنت وذاك إن كان فعل ذلك ، فهو سلم لك ، ما أستطيع غير ذلك، فأمسكته فما قدر عليه يعقوب حتى ماتت ، قال : فهو الذي تقول إخوة يوسف حين صنع بأخيه ما صنع ، حين أخذه ( إن يسرق فقد سرق له أخ من قبل ) .(36).
            فهذا التفصيل في سوق الأحداث والبيئة التي عاش فيها نبي الله يوسف ، مما تتطلبه النفس من معارف ولكن أنى لنا أن نصدق بصحتها ، وليس من صحيح القول في هذا المجال إلا ما أخبر به الصادق المصدوق وهذا لم يحصل. ومما يؤكد هذا المنحى ، اي الاهتمام بالتفاصيل التي لاطائل من ورائها:
            ما روي عن مجاهد قال : ألقى يوسف في الجب وهو ابن (سبع عشرة سنة ) ، وغاب عن ابيه (ثمانين سنة) (37).ولبث في السجن من ثلاث سنين الى تسع (38). وعند طاوس بقي فيه (أربع عشرة ) سنة ، وأعطي الحكم والعلم وهو ابن (ثلاث وثلاثين سنة) (39).ومات وهو ابن (مائة وعشرين سنة ).
            فهذا التفصيل والمتابعة من مجاهد على الخصوص في البحث عن كل صغيرة وكبيرة من حياة الرسول يوسف ، جعلته يقع في أخطاء كثيرة ، مما يبين أن مرجعيتها لا تتعدى المصادر الكتابية.
            ولكن قد يتساهل فيما سبق بيانه من مرويات إذ لا تعدو مشبعات للنفس فيما تتشوف إليه من معارف ،ولكن أن يذهب الأمر الى اتهام الأنبياء والشك في عصمتهم ، والتحدث عنهم بما لا يليق بمقامهم ،فهذا مما يحتاج الى التوقف في هذه المرويات والنظر إليها بحذر شديد ، بل وبرفض أشد.
            ففي تفسير قوله تعالى : " ولقد همت به وهم بها لولا أن رأىبرهان ربه " رويت عنه رويات متعددة،اذكرها ثم أعقب عليها بأقوال العلماء .
            -ففي رواية قال:" رأى صورة ابيه يعقوب في وسط البيت عاضا على إبهامه، فأدبر هاربا وقال: وحقك يا أبت لا أعود ابدا.(40).
            -وقال ايضا : " حل الهميان وجلس منها مجلس الخاتن ، فنودي : يا ابن يعقوب أتزني فتكون كالطائر وقع ريشه فذهب يطير فلا ريش له.(41).
            -وقال : " أسلمت له وحل التبان وقعد بين فخذيها ، فنادى مناد يا يوسف لا تكن كالطير إذا زنى،ذهب ريشه ، فلم يعظ النداء شيئا،فنودي الثانية فلم يعظ النداء شيئا ، فتمثل له يعقوب فضرب صدره فقام فخرجت الشهوة من أنامله.(42).
            -وقال : " فلم يتعظ بالنداء حتى صكه جبريل في صدره ، فطارت كل شهوة في رأسه ، فخرجت من أنامله ، فوثب الى الباب ، فوجده مغلقا ، فرفع يوسف رجله ، فضرب بها الباب الأدنى ، فانفرج له،فانفرجت له الأبواب التي دونه ، واتبعته فأدركته عند آخر باب منها.(43).
            -وقال : " جلس منها مجلس الرجل من امرأته حتى رأى صورة يعقوب في الجدار وفي رواية:"تمثل له يعقوب فضرب في صدر يوسف ، فطارت شهوته من أطراف أنامله ، فولد لكل ولد يعقوب اثنا عشر ذكر غير يوسف لم يولد له إلا غلامان.(44).
            وقد تصدى الكثير من العلماء لتفنيد هذه الأقوال ومن أجمع ما قيل في الرد عليها قول ابن حزم في الملل والنحل حيث قال : " قوله : " همت به وهم بها " فليس كما ظن بعض من لم يمعن النظر من المتأخرين، فقال : إنه قعد منها مقعد الرجل من امرأته ، معاذ الله أن يظن هذا برجل من صالحي المسلمين أو مستوريهم ، فكيف برسول من رسل الله صلى الله عليهم وسلم .
            فإن قيل : إن هذا قد روي عن ابن عباس من طرق جيدة ، قلنا نعم ولا حجة في قول أحد إلا فيما صح عن رسول الله فقط ، وال
            وهم في تلك الرواية إنما هي بلا شك عمن دونه ، أو لعل الحبر لم يقطع بذلك ، إنما أخذه عمن لا يدري من هو ، ولا شك في أنه شيء سمعه فذكره ، لأنه لم يحضر ذلك ، ولا ذكره عن رسول الله ()، ومحال أن يقطع () بما لا علم له به ولكن معنى الآية لا يعدو أن يكون أحد وجهين:
            -إما أنه هم بالايقاع بها وضربها كما قال تعالى : " وهمت كل أمة برسولها ليأخذوه"(45). لكنه امتنع من ذلك ببرهان أراه الله إياه استغنى به عن ضربها وعلم أن الفرار أجدى له وأظهر لبراءته على ما ظهر بعد ذلك من حكم الشاهد.
            -وإما أن الكلام قد تم عند قوله:" ولقد همت به " ثم ابتدأ الله تعالى خبرا آخر فقال:" وهم بها " لولا أن رأى برهان ربه، وهذا ظاهر الآية بلا تكلف تأويل .(46).
            وقال الشنقيطي في تفسيره بعد أن ساق هذه الروايات وغيرها : " الظاهر الغالب على الظن المزاحم لليقين أنه إنما تلقاه عن اسرائيليات لأنه لا مجال للرأي فيها ولم يرفع منه قليل ولا كثير إليه وبهذا نعلم أن لا ينبغي التجرؤ على القول في نبي الله يوسف بأنه جلس بين رجلي كافرة أجنبية يريد أن يزني بها اعتمادا على مثل هذه الروايات..(47). ثم شرح أوجه براءة يوسف .
            وبين الشيخ العدوي بأن ما قاله يوسف من عبارات جافة لامرأة العزيز تدل على نفرته من المعصية وبين أن نبي الله منزه عما شحنت به بعض كتب التفسير مما لا يليق بمن أعده الله لأن يكون رسولا وهيأه ليتولى زعامة أمة في دينها وخلُقها.(48).
            وقال الطباطبائي بعد أن ذكر أن ما روي عن يوسف من جلوس وغيره إنما هو إسرائيليات لا تسلم"ولو وجدت من يوسف أدنى زلة لنعيت عليه وذكرت توبته واستغفاره كما نعيت على آدم زلته وعلى داود وعلى نوح وعلى أيوب وعلى ذي النون وذكرت توبتهم واستغفارهم كيف وقد أثنى الله عليه وسماه مخلصا.(49).
            ويكفي في براءته أن شهود براءته كثيرون ، فالله تعالى يشهد بذلك إذ يقول : " إنه من عبادنا الصالحين"والشاهد الذي شهد من أهلها والعزيز يقولان : " إنه من كيدكن "وامرأة العزيز تقول : " أنا راودته عن نفسه " والنسوة إذ قلن:"حاش لله ما علمنا عليه من سوء"ويوسف ينفي ذلك عن نفسه وقد سماه صديقا.(50).
            أما ابن العربي المعافري فقال : " قد بينا في السالف من كتابنا وفي غير موضع عصمة الأنبياء صلوات الله عليهم من الذنوب ، وحققنا القول فيما نسب إليهم من ذلك ، وعهدنا إليكم عهدا لن تجدوا له ردا،وأن أحدا لا ينبغي أن يذكر نبيا إلا بما ذكره الله لا يزيد عليه ، فإن أخبارهم مروية وأحاديثهم منقولة بزيادات تولاها أحد رجلين : إما غبي عن مقدارهم ، وإما بدعي لا رأي له في برهم ووقارهم ، فيدس تحت المقال المطلق الدواهي ولا يراعي الأدلة والنواهي، وكذلك قال الله تعالى : " نحن نقص عليك أحسن القصص "يوسف:3،اي أصدقه على أحد التأويلات وهي كثيرة بيناها في أمالي أنوار الفجر.".(51)..
            وقال أيضا : "...فما تعرض لامرأة العزيز ولا أناب الى المراودة ، بل أدبر عنها وفر منها،حكمة خص بها، وعملا بمقتضى ما علمه الله سبحانه ، وهذا يطمس وجوه الجهلة من الناس ، والغفلة من العلماء في نسبتهم إليه مالا يليق به، وأقل ما اقتحموه من ذلك أن هتك السراويل وهم بالفتك فيما رأوه من تأويل ، وحاش لله ما علمت عليه من سوء ، بل أبرئه مما برأه منه ، فقال : " ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما"....فما لهؤلاء المفسرين لا يكادون يفهمون حديثا ويقولون:فعل وفعل ، والله إنما قال :هم بها ، لا أقالهم الله ولا أقاتهم ولا عالهم"(52).
            هذا نموذج مما ورد من روايات اسرائيلية أثناء الحديث عن قصص الأنبياء ولو شئنا تتبعها كلها لكانت لوحدها بحثا ضافيا وغنيا ،ولكن بحسبي الاشارة والتنبيه ، وإلا فما ورد في قصة أبينا آدم وهو في الجنة وخروجه منها وقصة نبي الله نوح والخرافات التي حيكت حول دعوته وسفينته ورحلته ، ونبي الله ايوب وما نمقه القصاص حول ابتلائه ، ولا ننسى نبينا محمد وما حيك من ترهات حول زواجه بزينب ،وحول نطقه بألفاظ الكفر وهلم جرا من التفسيرات والخرافات التي يجب الحذر والتحذير منها..
            د/ أحمد العمراني أستاذ التعليم العالي الجديدة المغرب

            تعليق


            • #7
              وهو المثال الذي أختم به هذا المبحث لتعلقه بنبينا محمد ( ) ورسالته المنزلة.
              -ففي تفسير قوله تعالى : " وما أرسلنا قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ ما يلقي الشيطان ثم يحكم آياته والله عليم حكيم " (53)..فقد أورد الطبري رواية عن ابن عباس في الموضوع،بسند من طريق العوفي الذي تكلم فيه العلماء (54) ، كما نقله السيوطي عن البزار وابن مردويه والضياء في المختارة ويقول السيوطي : بسند رجاله ثقات من طريق سعيد بن جبير ، وايضا نقله عن ابن جرير وابن مردويه من طريق العوفي ، وعن ابن مردويه من طريق الكلبي والنص على الشكل التالي:
              -حدثني محمد بن سعد ، قال : حدثني أبي، قال : حدثني عمي ، قال: حدثني أبي عن ابيه،عن ابن عباس قوله (وما أرسلنا من قبلك من رسول الله ولا نبي إلا إذا تمنى القى الشيطان في امنيته) إلى قوله (والله عليم حكيم) وذلك ان نبي الله بينم اهو يصلي ، إذنزلت عليه قصة آلهة العرب ، فجعل يتلوها فسمعه المشركون ، فقالوا : إنا نسمعه يذكر آلهتنا بخير ، فدنوا منه ، فبينما هو يتلوها وهو يقول : أفرايتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى " ألقى الشيطان: إن تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى ، فجعل يتلوها ، فنزل جبريل ، فنسخها ثم قال : " وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته الى قوله : " والله عليم حكيم ".(55).
              وهذا حديث خطير أورده أغلب المفسرين في تصانيفهم ، وبالتأكيد سيقرأه كل طالب علم ، وقد يسأل أهل العلم وقد لا يسأل ، وهنا تحصل الكارثة ويحصل التشكيك لدى طلبة العلم والقراء ، لا يزول إلا بتتبع أقوال العلماء في الموضوع.
              قال القاضي عياض : " قال ابن عطية: هذا الحديث الذي فيه الغرانيق العلا ، وقع في كتب التفسير ونحوها ، ولم يدخله البخاري ومسلم ولا ذكره في علمي مصنف مشهور، بل يقتضي مذهب أهل الحديث أن الشيطان ألقى ، ولا يعينون هذا السبب ولا غيره ، ولا خلاف أن إلقاء الشيطان إنما هو لألفاظ مسموعة وقعت بها الفتنة ، ثم اختلف الناس في صورة هذا الالقاء ،...وإنما الأمر أن الشيطان نطق بلفظ أسمعه الكفار عند قوله النبي " أفرايتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى" وقرب صوته من صوت النبي حتى التبس الأمر على المشركين ، وقالوا : محمد قرأها ، وقد روي نحو هذا التأويل عن ابي المعالي ، وقيل: ألقى شيطان الانس كقول الله : " والغوا فيه".(56).
              وبعد أن ذكر القاضي عياض ( ) الدليل على صدق النبي ، وإجماع الأمة -فيما طريقه البلاغ-بعصمته من الاخبار عن شيء بخلاف ما هو عليه لا قصدا ولا عمدا سهوا أو غلط أضاف قائلا : " اعلم رحمك الله ، أن لنا في الكلام على مشكل هذا الحديث مأخذين :
              أحدهما في توهين أصله ، والثاني على تسليمه.
              أما المأخذ الأول : فيكفيك أن هذا الحديث لم يخرجه أحد من اهل الصحة، ولا رواه بسند صحيح سليم متصل ثقة ، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم.
              قال ابو بكر البزار : وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي () بإسناد متصل إلا ما رواه شعبة عن ابي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فيما أحسب ، والشك في الحديث أن النبي () كان بمكة وذكر القصة،ولم يسنده عن شعبة ، وإنما يعرف عن الكلبي عن ابي صالح عن ابن عباس ، فقد بين لك ابو بكر أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره سوى هذا ، وفيه من الضعيف ما نبه عليه من وقوع الشك فيه ، الذي ذكرناه الذي لا يوثق به ولا حقيقة معه ،.أما حديث الكلبي فما تجوز له الرواية عنه،ولا ذكره لقوة ضعفه وكذبه ، كما أشار إليه البزار . والذي منه في الصحيح أن النبي () قرأ " والنجم " بمكة فسجد المشركون وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والانس ،وهذا توهينه من طريق النقل.
              أما المأخذ الثاني : فهو مبني على تسليم الحديث لو صح ، وقد أعاذنا الله من صحته ، ولكن على كل حال فقد أجاب أئمة المسلمين عنه بأجوبة منها الغث والسمين ، والذي يظهر على تسليمه أن النبي() كما امره ربه يرتل القرآن ترتيلا ، ويفصل الآي تفصيلا في قراءته كما رواه الثقات عنه،فيمكن ترصد الشيطان لتلك السكتات ودسه فيما اختلقه من تلك الكلمات محاكيا نغمة النبي () بحيث يسمعه من دنا إليه من الكفار ، فظنوها من قول النبي () وأشاعوها ، ولم يقدح ذلك عند المسلمين لحفظ السورة قبل ذلك على ما أنزلها الله وتحققهم من حال النبي () في ذم الأوثان وعيبها ما عرف منها.(57).
              والطبري عندما ذكر هذه الرواية ، ذكر لها روايات كثيرة كلها باطلة لا أصل لها ، (58). فصوب على المرمى وقرطس ، ولو شاء الله ما ذكرت رواية واحدة ولا سطرت ، ولكن الله فعال لما يريد.
              أما ابن كثير فقال : " ذكر كثير من المفسرين ههنا قصة الغرانيق ،..,ولكنها من طريق مرسلة ، ولم أرها مسندة من وجه صحيح ، والله أعلم.ونقل أيضا كلام القاضي عياض في الموضوع.(59).
              قال القاضي: " فاعلم أن للناس في معنى هذه الاية أقاويل منها السهل والوعث ، والسمين والغث ، وأولى ما يقال فيها ما عليه الجمهور من المفسرين، أن التمني هاهنا التلاوة ، وإلقاء الشيطان فيها شغله بخواطر وأذكار من أمور الدنيا للتالي حتى يدخل عليه الوهم ، والنسيان فيما تلاه ، أو يدخل غير ذلك على أفهام السامعين من التحريف وسوء التأويل ما يزيله الله سبحانه ويكشف لبسه ، ويحكم آياته.(60).

              وبعد ، فهذه بعض التصحيحات لما يمكن أن يطلع عليه شبابنا في كتب التفسير ، وخصوصا ما يمكن أن يصبح عائقا في حسن فهمهم وربما تدينهم بسبب الشبهات التي تقدمها النصوص التفسيرية لأحاديث الأنبياء ، ومثل هذا المبحث يجب أن يقدم لكل التفسير وكل كتب التراث الاسلامي ، عسى أن يخرج دخنه وتزول علله فتصبح الكتب في متناول كل دارس دون أن يخشى على نفسه وعقله من تلك الترهات الفكرية التي تتشوف إليها العقول ، ولكنها قد تخربها في بعض الأحيان.
              د/ أحمد العمراني أستاذ التعليم العالي الجديدة المغرب

              تعليق


              • #8
                مدرسة مكة

                بارك الله بالدكتور أحمد على هذا البحث القيم . واشكره على استحداث هذا المصطلح(مدرسة مكة للتفسير) ولكن يا دكتور وكما تعلم بأن أي مدرسة من المدارس سواء كانت فكرية او نحوية أو تفسيرية كما استحدثتم لا بد لها من ميزات تميزها عن غيرها. فمثلاً بالنسبة للمدارس النحوية فإن مدرسة الكوفة تختلف عن البصرة وتتميز عنها من ناحية بعض الإعراب أو طريقة الإملاء أو الاختلاف على الهمز والى غير ذلك من اختلافات. أي أن المدرسة يجب أن تتميز عن غيرها من المدارس التي تحمل نفس الموضوع . والسؤال الآن بما أن حضرتكم قد استحدثتم هذا الإصطلاح. : ما هو الذي يميز المدرسة المكية عن غيرها من المدارس التفسيرية ؟ بل قل أولاً ما هي المدارس التفسيرية الأخرى غير المدرسة المكيّة؟. وهل المدرسة المكية التي تتكلمون عنها هي المدرسة القديمة في فترة ما بعد الوحي والتابعين فقط؟ أم أنها تحوي كل من سكن مكة من المفسرين الى يومنا هذا؟؟ .وبماذا تتميز مدرسة مكة عن غيرها من ناحية الأخذ من الإسرائيليات؟؟ مع ذكر تميز المدارس الأخرى لو تكرمتم . وبارك الله تعالى بكم .

                تعليق


                • #9
                  السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
                  الدكتور الفاضل أحمد العمراني..حفظك الله.
                  المجال هنا في الملتقى مجال مناقشات علمية ، ولعل صدرك يسع ما سأقوله، ولا يكن في الخلاف في الرأي خلاف للود .
                  إن موقف الصحابة والتابعين من الإسرائيليات واضح وسهل جدا. وعلى موقفهم هذا سار السلف من بعدهم ولم يكن هناك أي إشكال في الرواية عن بني إسرائيل ، فقد جاء الحديث الصريح بجواز التحديث عنهم، فما علمنا صدقه صدقناه، وما علمنا كذبه كذبناه، وما لم نعلم صدقه أو كذبه سكتنا عنه.
                  ولو تأملتَ - حديثك حفظك الله - وجدته مبنياً على أحكام وتصورات سابقة لا على الآثار التي اعتمدت عليها أو على غيرها مما هو موجود في كتب الآثار ؛ فليس في تلك الآثار ما يدل على قولك:
                  "ولعله من الأسباب الطبيعية التي دفعت الصحابة الكرام ليتعاملوا مع أهل الكتاب تلك الحركة الأولى في تفسير القرآن التي كانت تعتمد على النقل، وليس ثمة مجال للعمل الفكري الذي ينفي ويثبت، وإنما الأمر مرده الى الرواية المحضة"
                  فمعلوم أن الصحابة والتابعين كانوا يجتهدون ، وكان هناك مجال كبير للعمل الفكري ، والآثار التي تدل على اجتهاد الصحابة والتابعين كثيرة جدا.
                  أو على قولك عن ابن عباس وتلاميذه" هذه هي حقيقة موقف ابن عباس من أهل الكتاب ، وهو إذا كان يدعو الى تجنب الرجوع الى اهل الكتاب ، فبسبب ما أدخل من فساد على عقول العامة ، أما العلماء فإن معهم من الأسباب ما يجعلهم يقفون طويلا قبل أن يصدقوا ما يلقى إليهم من قول.
                  وعلى نهج الحبر ابن عباس سار تلاميذه الكبار الذين شكلوا معه مدرسة التفسير ، وخصوصا سعيد بن جبير ومجاهد بن جبر وعكرمة مولى ابن عباس، وطاوس بن كيسان اليماني وعطاء بن أبي رباح ، وأضافوا بما حصلوا عليه من معارف شيوخهم ، وبما استزادوه من معارف عصرهم وبيئتهم ما لم يحصل أو لم يكن موجودا في عصر السابقين" فلم أجد في الآثار التي ذكرتها نتيجة تؤدي إلى هذا الاستدلال الذي توصلت إليه. ولو ذكرت لنا أمثلة تدل على أن أنهم فرقوا في في الحكم في جواز الأخذ عن بني إسرائيل على حسب المتلقي.
                  وقولك عن مجاهد"فبالرجوع الى النصوص المروية عنه في هذا المجال نجده فعلا قد أكثر وخالف المبدأ الشرعي للحديث المحذر " لا تصدقوهم ولا تكذبوهم " إذ كثيرا ما يروي عنهم أحاديث في الأنبياء وقصصا عنهم لا تجوز في حقهم وحق عصمتهم ، ومهما التمسنا له من مبررات للأخذ من أهل الكتاب وحصرنا الروايات القليلة التي رويت عنه في هذا المجال ، فإن المبدأ يبقى هو المبدأ والمنهج ذاته غير مقبول في رواية تلك الأخبار حتى ولو كان خبرا واحدا"
                  فأخالفك – حفظك الله - في قولك هذا ، فليس في الآثار ما يدل على أن مجاهد خالف هذا الحديث ، بل كان عمله موافق لهذا الدليل ولغيره، كقوله "حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج"
                  وهذه الأحاديث الإسرائيلية كما هو معلوم لديك تذكر للاستشهاد لا للاعتقاد،كما قال ابن تيمية ، وكما بيّن في مقدمته أنها على ثلاثة أقسام :
                  أحدها : ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق فذاك صحيح .
                  والثاني : ما علمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه .
                  والثالث : ما هو مسكوت عنه لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به ولا نكذبه وتجوز حكايته؛ لما تقدم . وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني؛ ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في مثل هذا كثيرًا . ويأتي عن المفسرين خلاف بسبب ذلك، كما يذكرون في مثل هذا أسماء أصحاب الكهف، ولون كلبهم، وعدتهم، وعصا موسي من أي الشجر كانت، وأسماء الطيور التي أحياها اللّه لإبراهيم، وتعيين البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة، ونوع الشجرة التي كلم اللّه منها موسى، إلى غير ذلك مما أبهمه اللّه في القرآن، مما لا فائدة في تعيينه تعود على المكلفين في دنياهم ولا دينهم، ولكن نقل الخلاف عنهم في ذلك جائز، كما قال تعالى : سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاء ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا [ الكهف : 22 ] .
                  فقد اشتملت هذه الآية الكريمة على الأدب في هذا المقام، وتعليم ما ينبغي في مثل هذا؛ فإنه تعالى أخبر عنهم بثلاثة أقوال، ضعف القولين الأولين، وسكت عن الثالث، فدل على صحته؛ إذ لو كان باطلاً لرده كما ردهما، ثم أرشد إلى أن الاطلاع على عدتهم لا طائل تحته، فيقال في مثل هذا : قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم فإنه ما يعلم بذلك إلا قليل من الناس ممن أطلعه اللّه عليه؛ فلهذا قال : فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاء ظَاهِرًا أي : لا تجهد نفسك فيما لا طائل تحته، ولا تسألهم عن ذلك؛ فإنهم لا يعلمون من ذلك إلا رجْم الغيب .
                  فهذا أحسن ما يكون في حكاية الخلاف؛ أن تستوعب الأقوال في ذلك المقام،وأن ينبه على الصحيح منها، ويبطل الباطل، وتذكر فائدة الخلاف وثمرته؛ لئلا يطول النزاع والخلاف فيما لا فائدة تحته، فيشتغل به عن الأهم . فأما من حكى خلافًا في مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص؛ إذ قد يكون الصواب في الذي تركه أو يحكى الخلاف ويطلقه، ولا ينبه على الصحيح من الأقوال فهو ناقص أيضًا . فإن صحح غير الصحيح عامدًا فقد تعمد الكذب، أو جاهلا فقد أخطأ، كذلك من نصب الخلاف فيما لا فائدة تحته أو حكى أقوالاً متعددة لفظًا، و يرجع حاصلها إلى قول أو قولين معنى فقد ضيع الزمان، وتكثر بما ليس بصحيح فهو كلابس ثوبي زور . واللّه الموفق للصواب " أنظر: مجموع فتاوى ابن تيمية (التفسير) (ج 2 / ص 313-315).
                  فالأمر يسير – حفظك الله - ولا يحمل أن المرء " يخشى على نفسه وعقله من تلك الترهات الفكرية التي تتشوف إليها العقول ، ولكنها قد تخربها في بعض الأحيان"فلم نعهد أن الحديث عن بني إسرائيل كان له أثر سلبي على عقيدة أو أفكار المسلمين يوماً ما.
                  هذه ملاحظات سريعة على مقالك، ليتسع لها صدرك ، وليتك – رعاك المولى – تطلع على مقدمة ابن تيمية مع شرح الشيخ مساعد الطيار، وكذلك كتابه: مقالات في علوم القرآن وأصول التفسير ، وهي موجودة في الملتقى على الرابط:http://vb.tafsir.net/showthread.php?t=19163
                  ففيها نفائس ودرر.
                  وأستغفر الله الذي لا إله إلا هو وأتوب إليه.

                  تعليق


                  • #10
                    بسم الله الرحمن الرحيم ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين .
                    الأخ الفاضل الأستالذ الدكتور أحمد العمراني ـ حفظه الله ـ
                    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .
                    سعيد بتجديد اللقاء معكم على هذا الموقع المبارك ، في هذا الشهر المبارك.
                    جزاكم الله خيرا .
                    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.
                    أحمد بزوي الضاوي أستاذ التعليم العالي ـ جامعة شعيب الدكالي الجديدة ـ المغرب .

                    تعليق


                    • #11
                      الدكتور أحمد العمراني
                      حياكم الله في الملتقى ، وبارك الله لكم في بحوثكم .
                      وهذا البحث مما وقع فيه نزاع ظاهر ، وكم أتمنى أن تتأملوا بعض ما وصلتم إليه ، وبعض المصطلحات التي استخدمتموها .
                      1 ـ أرجو أن تتأمل عبارة : (وهي روايات مطعون في أسانيد بعضها ، وما صح منها أدرج ضمن ما سمح به ابن عباس لنفسه،وفهمه من التوجيهات النبوية ، وما كان غير ذلك فهو مدسوس عليه أو ضعيف من حيث السند أو المتن)
                      إن عبارة ( مدسوس عليه ) كلمة خطيرة ، فهل خفي هذا المدسوس على الطبري وابن عطية وابن كثير والخازن وغيرهم ؟!
                      وكيف نعرف أنه مدسوس عليه ، وهون ثابت عنه ؟!
                      2 ـ وأرجو أن تتأمل هذه الجملة : (والوهم في تلك الرواية إنما هي بلا شك عمن دونه ، أو لعل الحبر لم يقطع بذلك ، إنما أخذه عمن لا يدري من هو ، ولا شك في أنه شيء سمعه فذكره ، لأنه لم يحضر ذلك ، ولا ذكره عن رسول الله ()، ومحال أن يقطع () بما لا علم له به) .
                      كيف حصل لكم الجزم بأن الوهم هو عمن دونه؟
                      ثم هل هذه الاحتمالات تكفي في ردِّ الثابت عنه؟!
                      وكيف يُتَّهم الحبر بأنه أخذ عمن لا يدري من هو؟!
                      3 ـ لا حقيقة لوجود مدارس تفسيرية بين السلف ، فهم مدرسة واحدة ، وأصولها واحده ، ومنهجها واحد ، وأرجو أنتتأمل هذا ، فهم مدرسة واحدة أمام غيرهم من أهل البدع من الرافضة والمعتزلة وغيرهم ممن يخالفهم في الأصول .
                      إن الموضوع بحاجة إلى إعادة نظر ، وأتمنى أن يتسع صدركم لهذا .
                      وأسأل الله أن ينفعني وإياكم بالعلم النافع والعمل الصالح .
                      التعديل الأخير تم بواسطة مساعد الطيار; الساعة _17/_08/_2010 - 17/08/2010, 06:24 pm.
                      د. مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار
                      أستاذ مشارك بجامعة الملك سعود
                      [email protected]

                      تعليق


                      • #12
                        الاخوة الأفاضل ، السلام عليكم ورحمة الله
                        أشكركم على قراءة الموضوع ، ثم أشكركم على ما أبديتموه من ملاحظات علمية ، واعذروني إن لم أجبكم الآن ، لأنكم طلبتم مني بحوثا وليس ردودا وأجوبة ، وأعدكم أني سأجيبكم قريبا عما طلبتم بعد توفير بعض الوقت لذلك ، وإن كنت سأختلف مع إخوة عقبوا على ما خطت يدي ، والخلاف لا يفسد للود قضية ، وكل كلام يؤخذ منه ويرد إلا كلام الوحي الصادق ، وشكرا لكم مرة أخرى والسلام عليكم وحرمة الله وبركاته.
                        كما أشكر الإخوة الذين رحبوا بي ، وعلى رأسهم الأستاذ عبد الرحمان الشهري ، والأستاذ أحمد بزوي ، والأستاذ مساعد الطيار،والأستاذ الفجر الباسم،والأستاذ تيسير الغول،والأستاذ عطاء الله الأزهري ، وكل الاخوة الأفاضل جزاهم الله خيرا.
                        محبكم د/ أحمد العمراني.
                        د/ أحمد العمراني أستاذ التعليم العالي الجديدة المغرب

                        تعليق


                        • #13
                          حياكم الله يادكتور أحمد مرة أخرى ، وقولكم : (والخلاف لا يفسد للود قضية ، وكل كلام يؤخذ منه ويرد إلا كلام الوحي الصادق ) هي من أصول الملتقى التي يقوم عليها ، وأرجو أن يستمر على ذلك ، وحياكم الله مرة أخرى .
                          د. مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار
                          أستاذ مشارك بجامعة الملك سعود
                          [email protected]

                          تعليق


                          • #14
                            المشاركة الأصلية بواسطة أحمد العمراني مشاهدة المشاركة
                            الاخوة الأفاضل ، السلام عليكم ورحمة الله
                            أشكركم على قراءة الموضوع ، ثم أشكركم على ما أبديتموه من ملاحظات علمية ، واعذروني إن لم أجبكم الآن ، لأنكم طلبتم مني بحوثا وليس ردودا وأجوبة ، وأعدكم أني سأجيبكم قريبا عما طلبتم بعد توفير بعض الوقت لذلك ، وإن كنت سأختلف مع إخوة عقبوا على ما خطت يدي ، والخلاف لا يفسد للود قضية ، وكل كلام يؤخذ منه ويرد إلا كلام الوحي الصادق ، وشكرا لكم مرة أخرى والسلام عليكم وحرمة الله وبركاته.
                            كما أشكر الإخوة الذين رحبوا بي ، وعلى رأسهم الأستاذ عبد الرحمان الشهري ، والأستاذ أحمد بزوي ، والأستاذ مساعد الطيار،والأستاذ الفجر الباسم،والأستاذ تيسير الغول،والأستاذ عطاء الله الأزهري ، وكل الاخوة الأفاضل جزاهم الله خيرا.
                            محبكم د/ أحمد العمراني.
                            نعم أخي الفاضل لقد شكرتك من كل قلبي وما زلت شاكراً لك ولكني أيضاً سألت مجموعة من الأسئلة حول ما استحدثتم من من مصطلح (مدرسة مكة ) أرجو التكرم ببيان ذلك رغم أن الدكتور مساعد أثار هذه النقطة بطريقة النفي لها . ولكني ما زلت متسائلاً أنتظر الإجابة الوافية . والسلام عليك

                            تعليق


                            • #15
                              لا أريد أن انفي مصطلح المدرسة التفسيرية ولكنه على الأقل مصطلح غير دخيل فهناك وكما هو معلوم مدارس للفقه والحديث وكلها تتبع لأهل السنة والجماعة لا ينازعها أحد بذلك. فما الذي يمنع أن يكون هناك مدارس للتفسير ؟ وهل أهل الظاهر في نهجهم الظاهري إلا نموذجاً للمدارس التفسيرية ؟؟ لا أريد أن أتعجل ولن أتدخل في بحث الدكتور أحمد ولكني متأكد أن لديه ما سيقوله إزاء ذلك . والسلام

                              تعليق

                              19,961
                              الاعــضـــاء
                              231,882
                              الـمــواضـيــع
                              42,540
                              الــمــشـــاركـــات
                              يعمل...
                              X