إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • أهمية اللغة العربية في فهم القضايا القرآنية

    من مميزات اللغة العربية في نظر الدين الإسلامي أنها لغة القرآن الكريم ولغة السنة النبوية الشريفة، وأن القرآن صار معجزة الرسول بلغته البديعة وأسلوبه المباين لسائر الأساليب المألوفة عند العرب قاطبة، وقد ثبت أن العرب عند نزول القرآن كانوا فرسان البلاغة وأرباب البيان وقد بلغوا قمّة البلاغة وذروة الفصاحة حتى إنهم ارتجلوا الشعرَ ارتجالا، وكانت اللغة سليقتهم.
    وكان العرب قد بلغوا لعهد القرآن مبلغهم من تهذيب اللغة ومن كمال الفطرة ومن دقة الحسّ البياني حتى أوشكوا أن يصيروا في هذا المعنى قبيلا واحدا باجتماعهم على بلاغة الكلمة وفصاحة المنطق.([1]) وكان العرب في ذلك الزمان لا يُهنّؤون إلا بشاعر ينبغ أو غلام يولد أو فرس تنتج؛ لأن الشعر ديوانهم والقبيلة يفتخر بالشاعر منهم، والغلام سيكون مدافعا عن قبيلتهم بالقتال ونحوه، وكان الفرس سلاحا عسكريا فهو بمنزلة الصاروخ الحربي هذا اليوم.
    وقد كان من عاداتهم أن يتحدى بعضهم بعضا في المساجلة والمقارضة بالقصيد والخطب، ثقة منهم بقوة الطبع، ولأن ذلك مذهبٌ من مفاخرهم يستَعْلون به ويذيع لهم حسن الذكر وعلوّ الكلمة وهم مجبولون عليهم فطرةً.([2]) وكانوا يعلّقون أشعارهم على الكعبة إذا كانت بالغةً من الجمال والحلاوة حتى عرفت اليوم ما يسمى بالمعلقات السبع، ويدل هذا على أن الفصاحة والبلاغة في الشعر عندهم كانت مفخرة لها قدسية قريبة من قدسية أصنامهم حيث وضعوها حول الكعبة كما وضعوا آلهتهم.
    أنزل الله القرآن في هذه الحالة متحدّيا لهم بأن يأتوا بمثل القرآن فعجزوا عن ذلك، قال تعالى ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ ﴾[الطور: 33-34] وتحداهم الله بأن يأتوا بعشر سور مثلَ القرآن فعجزوا ، قال تعالى ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾[هود : 13] ثم تحداهم أن يأتوا بسورة واحدة أو مثلها فعجزوا عن ذلك أيضا وهو أقلّ القدر المعجز من القرآن، قال تعالى ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾[يونس : 38].
    يرى المؤرخون أن اللغة العربية هي أم اللغات وأقدمها، منها انبثقت لغة السريانية وهي الآراميّة يقول الآلوسي: أخرج ابن عساكر في التاريخ عن ابن عباس أن آدم كان لُغتُه في الجنة العربيةَ، فلما أكل من الشجرة سلبها فتكلم بالسريانية فلما تاب ردّها الله تعالى عليه، وقال عبد الملك بن حبيب : كان اللسان الأول الذي هبط به آدم من الجنة عربياً إلى أن بعُد وطال العهد حُرّف وصار سريانياً وهو منسوب إلى أرض سورية وهي أرض الجزيرة. وبها كان نوح وقومه قبل الغرق، وكان يشاكل اللسان العربي إلا أنه محرّف.([3]) وقيل إن اللغة العربية والسريانية والعبرية من أصل واحد وهي لغة ساميّة، نسبة إلى سام بن نوح، ولا يهمنا تحقيق هذه القضية هنا.
    ويعلم كل الناس أن القرآن نزل بلغة العرب، يقول الله تعالى ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾[يوسف : 2] يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية : وذلك لأن لغة العرب أفصح اللغات وأبينها وأوسعها وأكثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس فلهذا أنزل أشرف الكتب بأشرف اللغات على أشرف الرسل بسفارة أشرف الملائكة وكان ذلك في أشرف بقاع الأرض وابتدئ انزاله في أشرف شهور السنة وهو رمضان فكمل من كل الوجوه.([4]) ويقول الله تعالى في سورة أخرى ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾[الزحرف : 3].
    ولقد نزل القرآن باللغة العربية، واختار الله هذه اللغة لتكون وعاءً لكلامه المنزّل على سيدنا محمد كما اختار الجزيرة العربية لمنازل القرآن، وهذا الاختيار مطابقا لقوله الله تعالى ﴿اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾[ الانعام : 124] فالله تعالى يعلم أن اللغة العربية في زمان نزول القرآن أفضل اللغات وأفصحها وأوسعها معنىً، ولم تزل اللغة العربية كذلك بفضل القرآن العظيم الذي وعد الله بحفظه.
    يقول السيوطي : ومن خصائص العربية أنها أفضل اللغات وأوسعها قال ابن فارس في فقه اللغة : لغة العرب أفضل اللغات وأوسعها، قال تعالى ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (193) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (194) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ (195) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ فوصفه سبحانه بأبلغ ما يوصف به الكلام وهو البيان.([5])اهـ
    وكما عرفنا أن القرآن كتاب الله الذي نزل من عنده باللغة العربية على قوم قد بلغوا في الفصاحة والبلاغة وعلوّ الكعب فيهما، عرفنا كذلك أن هؤلاء العرب قد عجزوا عن أن يأتوا بما تحداهم القرآن وهو الإتيان بمثل سورة منه، فإذا عجز أرباب البلاغة منهم، فمن باب الأولى أن يكون غيرهم أشدّ عجزا، وهو قياس من باب الأولى.
    فإذا عجز هؤلاء العرب وغيرهم من الأعاجم فمن يكون صاحب القرآن إذن؟! الجواب : أن القرآن ليس من عند أنفسهم، فلا يبقى إلا أنه نزل من عند الله تعالى، وهو وحده صاحب القرآن الحقيقي، ليس للخلق فيه أي تأثير، فجميع أفعال الخلق ودورانه وحركاته وسكناته بخلق الله تعالى وإرادته.
    ولقد أثّر القرآن على شعر لبيد بن ربيعة وحسان بن ثابت –وهما من كبار الشعراء في الجاهلية- حيث إن القرآن يراعى طريقةَ الصدق ويتنزّهُ عن الكذب على خلاف ما يكون في الشعر، يقول فخر الدين الرازي : إن لبيد بن ربيعة وحسان بن ثابت لما أسلما نزل شعرُهما ولم يكن شعرهما الإسلاميّ في الجودة كشعرهما الجاهلي.([6])وقيل: إن لبيدا لم يقل شعرا بعد أن حفظ سورة البقرة وغيره من السور.

    والكلمات الآتية في هذه المقالة محاولة في إبراز بعض الجوانب التي تظهر من خلالها أهمية اللغة العربية في دراسة القضايا المتعلقة بالقرآن، ولا أدعى أنها جميع الجوانب فإن ذلك مما لا يسمح بمثل هذا البحث أو المقالة، وإنما سأذكر أربعة جوانب قرآنية فقط من جوانبها الكثيرة. الأول : جانب حفظ القرآن الكريم من التغيير والتبديل، الثاني : جانب إعجاز القرآن، الثالث : جانب شروط المفسر للقرآن، الرابع : ترجمة معاني القرآن إلى لغة أخرى غير عربية.

    ـــــ
    [1]إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، مصطفى صادق الرافعي (القاهرة ، دار المنار ، مكتبة فياض بالمنصورة ، 1997م) ط 1 ص 129- 130.

    [2]إعجاز القرآن (المرجع السابق) ص 132.

    [3]تفسير روح المعاني ، ج 12 ، ص 172. وهناك آراء أخرى وخاصة من المستشرقين بأن أصل اللغة العربية من الآرامية ، عكس ما قاله الآلوسي وهو يخالف رأي معظم المسلمين.

    [4] تفسير القرآن العظيم ، ج 2 ، ص 467.

    [5] المزهر في علوم اللغة وأنواعها ، جلال الدين السيوطي (بيروت ، دار الكتب العلمية 1998م) ط 1، ج 1 ، ص 254.

    [6]التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب ، فخر الدين محمد بن عمر التميمي الرازي ( بيروت ، دار الكتب العلمية 2000م) ط 1 ، ج 2، ص 107.

  • #2
    أ - اللغة العربية وقضية حفظ القرآن

    إن من فضائل هذه الأمة أن أنزل الله عليهم كتابا ووعدهم بحفظه، يقول الله تعالى ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾[الحجر : 9] يقول ابن كثير : قرر تعالى أنه هو الذي أنزل عليه الذكر وهو القرآن وهو الحافظ له من التغيير والتبديل.([1])اهـ
    وذلك بخلاف الأمم السابقين فقد كانوا مكلَّفين بحفظ كتبهم ولم يتكفل الله بحفظه، فيقول تعالى ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء ﴾[المائدة : 44]
    يقول ابن عاشور في تفسيره : وقد حكى عياض في المدارك: أن القاضي إسماعيل بن إسحاق بن حماد المالكي البصري سُئل عن السرّ في تطرّق التغيير للكتب السالفة وسلامة القرآن من طرق التغيير له. فأجاب بأن الله أوكل للأحبار حفظ كتبهم فقال تعالى ﴿ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ ﴾[سورة المائدة : 44] وتولى حفظ القرآن بذاته تعالى فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾[الحجر : 9] قال أبو الحسن بن المُنْتَاب ذكرتُ هذا الكلام للمَحَامِلي فقال لي : لا أحسنَ من هذا الكلام... وفي هذا مع التنويه بشأن القرآن إغاظة للمشركين بأن أمر هذا الدين سيتمّ، وينتشر القرآن ويبقى على مرّ الأزمان. وهذا من التحدّي ليكون هذا الكلام كالدليل على أن القرآن منزّل من عند الله آيةً على صدق الرسول ؛ لأنه لو كان من قول البشر أو لم يكن آية لتطرّقت إليه الزيادة والنقصان ولاشتمل على الاختلاف، قال تعالى ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ [ سورة النساء : 82 ]([2])
    فكلمة " الحفظ " بالنسبة لغير القرآن على صيغة الاستفعال التي تفيد الطلب والتكليف أي أن الله تعالى كلّفهم بالحفظ والمحافظة. والله امتحنهم بالحفاظ عليها فنسوا حظا مما ذكروا به، والذي لم ينسوه كتموا بعضه، والذي لم يكتموه يَلْوُون ألسنتَهم به ويحرّفونه عن موضعه، ثم جاءوا بأشياء من عندهم وقالوا هذه من عند الله ليشتروا بها ثمنا قليلا . ومن هنا فان الله قد تكفّل بحفظ كتابه فقال ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
    فمن خلال هذا التحليل اللغوي الصرفي، يعنى زيادة السين والتاء، نعرف أن قضية حفظ التوراة -وهي الآن جزء من الكتاب المقدس للمسيحيين- موكولة إلى أحبارهم وعلمائهم، حيث كأن الله تعالى قد تخلى بينهم وبين حفظها، على أننا وجدنا حفظ القرآن ورد بدون زيادة السين والتاء، بل أسند الحفظ إلى نفسه تعالى، فكأنه من الأمور التي يتصرف به الله تعالى وحده.
    ومن مظاهر حفظ الله تعالى للقرآن أن يعدّ الله تعالى القرّاء الحافظين منذ أن نزل إلى يومنا هذا، وقد بلغ عددهم أضعاف التواتر، وكلما حاول أحد أن يغيّر شيئا أو يبدّله عرف الناس ذلك، ومن مظاهره أيضا أن يتناول المسلمون هذا القرآن بفهم معانيه وتفسير ألفاظه وردّ كل موهم اختلافه أو تناقضه، ولقد كرّر الله قوله أربع مرات في سورة القمر ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾[ القمر : 17 ، 22 ، 32 ، 40]
    وإذا نظرنا إلى قوله تعالى ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾[الحجر : 9] وإلى الآيات قبلها تبين لنا أن حفظ الله للقرآن هو حفظه للقرآن الذي أنزل على النبي والذي يستخدم اللغة العربية، وليس للوحي أو لمعنى الوحي حالة كونه عند الله تعالى حتى أوحاه إلى محمد وقبل أن يتلوه بلسان عربي على ما قيل. فقد حكى الله تعالى في الآيات قبلها عن الذين أنكروا نزول القرآن على الرسول حيث يقول الله تعالى ﴿وَقَالُواْ يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (6) لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴾ فأجاب الله تعالى عليهم ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذًا مُّنظَرِينَ (8) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر : 6-9]
    يقول ابن عطية في تفسيره : وقوله تعالى ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ ردّ على المستخفّين في قولهم ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ وهذا كما يقول لك رجلٌ على جهة الاستخفاف يا عظيم القدر، فتقول له على جهة الرد : نعم أنا عظيم القدر، ثم تأخذ في قولك.([3])اهـ
    ومعلوم أن الذكر الذي قصده هؤلاء الكفار وأرادوه بقولهم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾[الحجر : 6] إنما هو القرآن الذي تمّ نزوله على محمد بالعربية، إذن فالمراد من الذكر في جوابه تعالى بقوله ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾[الحجر : 9] هو القرآن الذي نزل بالعربية والذي يتلوه النبي ويبلّغه إليهم. ولو كان المراد بالذكر هنا غير ما أراد به هؤلاء المنكرون هناك، لخالف الجواب والردّ عما يقتضيه الحال والسؤال، وهو عيبٌ في كلام البشر كما هو معلوم في علم البلاغة والفصاحة، فكيف بكلام خالق البشر.
    والخلاصة أن القرآن محفوظ بحفظ الله تعالى بأن يسّر الله تعالى أسبابه وأزال حواجزه، وإذا كان القرآن محفوظا بحفظ الله فكذلك اللغة العربية المتمثلة في القرآن، فإنها لغة محفوظة بحفظ القرآن الكريم، ولكن للأسف الشديد فقد بدأ يقلّ الاهتمام بهذه اللغة سواء من العرب أنفسهم أم من غيرهم، ولكن –الحمد لله- لم يزل القرآن موضوع قراءة ودراسة وبحث إلى الآن، سواء من حيث مضامينه أو لغته البديعة المعجزة.
    ثم إن القرآن أيضا محفوظ حال كونه في اللوح المحفوظ قبل نزوله إلى محمد قال تعالى ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾[البروج: 21-22] يقول ابن عاشور: وحفظ اللوح الذي فيه القرآن كناية عن حفظ القرآن. وقرأ نافع وحده برفع "محفوظ" صفة ثانية للقرآن.([4]) يقول ابن كثير: هو في الملأ الأعلى محفوظ من الزيادة والنقص والتحريف والتبديل.([5])
    وقراءة الرفع في "محفوظٌ" يدلّ على أن القرآن محفوظ أيضا حالة كونه في اللوح المحفوظ، يعني : أن التنوع الإعرابي النحوي في كلمة "محفوظ" يدل دلالة مغايرة لقراءة الخفض في "محفوظٍ" كما أن ذلك التنوع يفيد عن قضية حفظ القرآن الآخر، وهو حفظه في اللوح المحفوظ قبل نزوله إلى النبي في خلال أكثر من عشرين سنة.
    فمن خلال هذا التحليل اللغوي للآية القرآنية يمكن أن نردّ ما قيل من أن القرآن محفوظ قبل نزوله إلى الرسول ؛ لأننا نعرف أنه محفوظ في جميع تنزلاته، عند نزوله من الله إلى اللوح المحفوظ، وعند نزوله من اللوح المحفوظ إلى الرسول .
    أما عن حفظ القرآن قبل نزوله إلى اللوح المحفوظ فقد ثبت في علم الكلام أن جميع صفات الله تعالى قديمة، وكلام الله صفة من صفاته القائمة بذاته تعالى فلا تتغيّر ولا تتبدل، وهي قديمة كسائر صفاته تعالى، وهذا مما لا غبار فيه؛ لأن التغيّر من علامة الحدوث والله منزّه من أن يتصف بالحادث.

    ــــ
    [1]تفسير القرآن العظيم ، ج 2 ، ص 548.
    [2]التحرير والتنوير ، محمد الطاهر ابن عاشور (تونس , الدار التونسية للنشر 1984م) ج 14, ص 21-22.

    [3]المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ، أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (لبنان , دار الكتب العلمية1993م) ط 1، ج 3 , ص 351.

    [4]التحرير والتنوير ج30 , ص 254-255. وكلام ابن عاشور هكذا : وقرأ الجمهور : (محفوظ) بالجر على أنه صفة ( لوح) . وحفظ اللوح الذي فيه القرآن كناية عن حفظ القرآن .وقرأه نافع وحده برفع (محفوظ) على أنه صفة ثانية لقرآن ويتعلق قوله : (في لوح) بـ (محفوظ) . وحفظ القرآن يستلزم أن اللوح المودع هو فيه محفوظ أيضاً ، فلا جرم حصل من القراءتين ثبوت الحفظ للقرآن وللوح . فأما حفظ القرآن فهو حفظه من التغيير ومن تلقف الشياطين قال تعالى : ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [ الحجر : 9 ] وأما حفظ اللوح فهو حفظه عن تناول غير الملائكة إياه . أو حفظه كناية عن تقديسه كقوله تعالى : ﴿فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ (78) لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ﴾ [ الواقعة : 78 ، 79 ] إهـ

    [5]تفسير القرآن العظيم , ج 4 , ص 497-298.

    تعليق


    • #3
      ب - اللغة العربية وقضية إعجاز القرآن

      وقد ثبت بأدلة قاطعة أن القرآن معجزة، ومعنى كونه معجزة أنه لا يكون من عند البشر بل هو كتاب نزل من عند الله تعالى دليلا على صدق نبوة محمد ، يقول الله تعالى ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (13) فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [هود : 13- 14] يقول الباقلاني : فجعل عجزهم عن الإتيان بمثله دليلا على أنه منه تعالى ودليلا على وحدانيته([1]).اهـ
      ومن المعلوم أن وجوه إعجاز القرآن كثيرة جدا، بعضها تحقق منذ نزوله والآخر تحقق في العصور المتأخرة، مثل الإعجاز العلمي. فمن وجوه إعجاز القرآن الذي تحقق منذ عهد نزوله إعجازه اللغوي، ويعنى بالإعجاز اللغوي ما عبّر عنه العلماء بعبارته المختلفة.
      فقال الباقلاني : إنه بديع النظم عجيب التأليف متناهٍ في البلاغة إلى الحدّ الذي يعلم عجز الخلق عنه.([2])
      وقال ابن عطية : التحدي وقع بنظمه وصحة معانيه وتوالي فصاحة ألفاظه.([3])
      وقال القاضي عياض : إعجازه صورة نظمه العجيب والأسلوب الغريب المخالف لأساليب كلام العرب ومناهج نظمها ونثرها الذى جاء عليه، ووقفت مقاطع آيه وانتهت فواصل كلمات إليه، ولم يوجد قبله ولا بعده نظير له، ولا استطاع أحد مماثلة شئ منه، بل حارت فيه عقولهم، وتدانت دونه أحلامهم، ولم يهتدوا إلى مثله في جنس كلامهم من نثر أو نظم أو سجع أو رجز أو شعر.([4])
      وذكر ابن عاشور ثلاث جهات لغوية ترجع إليه وجوه الإعجاز :
      الجهة الأولى : بلوغه الغاية القصوى مما يمكن([5]) أن يبلغه الكلام العربي البليغ من حصول كيفيّاتٍ في نظمه مفيدةٍ معاني دقيقةً ونكتا من أغراض الخاصة من بلغاء العرب مما لا يفيده أصلُ وضع اللغة، بحيث يكثر فيه ذلك كثرةً لا يدانيها شيءٌ من كلام البلغاء من شعرائهم وخطبائهم.
      الجهة الثانية: ما أبدعه القرآن من أفانين التصرف في نظم الكلام مما لم يكن معهودا في أساليب العرب، ولكنه غير خارج عما تسمح به اللغة.
      الجهة الثالثة: ما أودع فيه من المعاني الحكمية والإشارات إلى الحقائق العقلية والعلمية مما لم تبلغ إليه عقول البشر في عصر نزول القرآن وفي عصور بعده متفاوتة.([6])
      هذه عبارات العلماء في بيان وجه إعجاز القرآن اللغوي. نعم، القرآن عربي نزل بلسان عربي ولغة عربية، إلا أن لغته بديعة ومعجزة خارقة تُعجز جميع أرباب تلك اللغة نفسها، فلا أحد يعرف البلاغة ويبلغ الذروة في الفصاحة يسطتيع أن يأتي بمثل القرآن، وهذه حقيقة ثابتة في التاريخ وثابتة بأدلة قرآنية كثيرة.
      ومع هذا الإعجاز اللغوي، ذكر العلماء وجوه الإعجاز الأخرى مثل الإخبار عن المغيبات مما لم يقع فوجد كما أخبره، وقصص الأنبياء الأولين، وكذلك اكتشف المعاصرون وجوها، منها إعجازه في علومه ومعارفه وهدايته.
      قال الزرقاني : بيان ذلك أن القرآن قد اشتمل على علوم ومعارف في هداية الخلق إلى الحق بلغت في نبالة القصد ونصاعة الحجة وحسن الأثر وعموم النفع مبلغا يستحيل على محمد، وهو رجل أمي نشأ بين الأميين أن يأتي بها من عند نفسه بل يستحيل على أهل الأرض جميعا من علماء وأدباء وفلاسفة ومشترعين وأخلاقيين أن يأتوا من تلقاء أنفسهم بمثلها([7]).
      وهناك وجه الإعجاز الآخر وهو إعجاز هداية القرآن وإصلاحه في المجتمع، قال الزرقاني : أن القرآن الكريم جاء بهدايات تامة كاملة تفي بحاجات البشر في كل عصر ومصر وفاءً لا تظفر به في أي تشريع ولا في أي دين آخر، فقد أصلح القرآ في العقائد، والعبادات والأخلاق، والاجتماع، والسياسة، والاقتصاد، والنسائي بحماية المرأة، والحرب، محاربة الاسترقاق في المستقبل وتحرير الرقيق الموجود بطرق شتى([8]).
      وليس هناك تعارض وتناقض بين تلك الوجوه، فإنها موجودة ومجتمعة كلها في ذلك القرآن العظيم الذي لا ينقضي عجائبه، فلا داعي لأن ندّعي أن وجه هدايته المعجزة هو أعظم وجوه إعجازه، بل يرى العلماء أن أعظم وجوه إعجازه إعجاز لغويّ، حيث إن كل رسول إنما جاء بمعجزة من جنس ما شاع في قومه، فأرسل موسى بالعصا في أمة شاع بينهم السحر والسحرة، وأرسل عيسى بإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى في قوم عُرفوا بالطبّ.
      وربما قيل : إن القرآن ما دام يستخدم اللغة العربية فهو منتج بشري، لأن اللغة نتاج البشر، فلا يكون القرآن معجزة. أجاب عن هذا القيل والقال د. محمد عبد الله دراز في كتابه النبأ العظيم، وخلاصة ذلك الجواب أن القرآن وإن كان لا يخرج عن اللغة العربية، إلا أن مثله كمثل المهندسين البنائين الذين لا يخلقون مادة بناء لم تكن في الأرض، ولم يخرجوا عن قواعد الصناعة العامة، ولكن يكون بعضهم أتقن وأبدع وتفوق على الآخرين، فكذلك أهل اللغة العربية، فمنهم بليغ أدّى الغرض الواحد على طرائق شتى، يتفاوت حظها في الحسن والقبول، وما من كلمة من كلامهم ولا وضع من أوضاععهم بخارجٍ عن موادّ اللغة وقواعدها في الجملة، ولكن حسن الإختيار في تلك المواد والأوضاع قد يعلو بالكلام إلى الذروة العليا وقد ينزل به إلى الدرجة السفلى. وهذا القرآن قد بلغ في الحسن والبلاغة والفصاحة حدا يعجر عن الإتيان بمثله جميع الخلق. ولكن لا يدرك ذلك إلا من هو أهله من أرباب اللغة والبلاغة، مثل الوليد بن المغيرة وغيره الذين يشهدون بذلك مع ما يعرف من عدواتهم للإسلام والقرآن، أما الذين ليسوا من أهله بأن لم يفرّق بين كلام عربي وكلام عربي أخر، فتلك الشهادة من أهله يكفى أن تكون شهادة لهم.([9])
      فهل إذا ثبت أنه معجز يجوز أن يقال إنه منتَجٌ بشريّ أو منتج ثقافي، كلا، فإن معنى كونه منتج البشر أنه من وضعه أو من صناعته، وقد ثبت أن جميع البشر والخلق عجزوا عن الإتيان بكلام يماثل القرآن، ولا سيما أن يأتوا بذلك القرآن نفسه، لأن من عجز أن يأتي بمثل الشيء فهو أعجز عن الإتيان بذلك الشيء نفسه.
      هذا كله إذا سلمنا أن اللغة العربية منتجٌ بشريّ وأنها اصطلاح على المواضعة، كما هو رأي معظم العلماء المتأخرين، فكيف إذا جرينا على رأي يقول بأن اللغة العربية توقيفية إلهية منذ آدم حينما علمه الله الأسماء كلها كما هو رأي بعض العلماء المتقدمين انطلاقا من قوله تعالى ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا﴾[البقرة : 21] كما قاله أبو الحسن الأشعري وابن فورك وغيرهما.
      فإذا كان القرآن معجزة وكان أعظم وجوه إعجازه وجها لغويا، فمعرفة اللغة العربية بجميع نواحيها النحوية والصرفية والبلاغية وأساليبها المتنوعة في عصورها المختلفة بداية من عصر ما قبل الإسلام فعصر النبوة والرسالة فالأموية والعباسية إلى عصرنا الحاضر ضرورةٌ من ضرورة الدين الإسلامي.

      ــــ
      [1] إعجاز القرآن، أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني (القاهرة، دار المعارف ، 1997م) ط 5 ، تحقيق: السيد أحمد صقر، ص 17.

      [2]المصدر السابق، ص 35.

      [3]المحرر الوجيز، ج 2 ، ص 52.

      [4]الشفا بتعريف حقوق المصطفى، القاضي أبي الفضل عياض اليحصبي 544 هـ ( بيروت، دار الفكر، 1409 هـ - 1988 م) ج 1 ، ص 264.

      [5]هكذا في المطبوع، ولعل الصواب "لا يمكن" بالنفي، والله أعلم.

      [6] التحرير والتنوير، ج1 ، ص 104..

      [7] مناهل العرفان، ج 2 ، ص 247.

      [8] مناهل العرفان، ج 2 ، ص 253- 254.

      [9] النبأ العظيم، نظرات جديدة في القرآن، د. محمد عبد الله دراز (كويت، دار القلم، 1996م) ط 8 ، ص 90 – 93.

      تعليق


      • #4
        جـ - اللغة العربية وقضية شروط المفسر

        إن القرآن كلام معجز فائق سائر الكلام من حيث اللفظ والمعنى، وليس جميع الناس في استعداد تام لكي يفهم هذا الكلام العظيم، فالشروط التي أقرّها العلماء لم تكن حاجزة وضعوها لكي تحجز الناس عن فهم القرآن وتدبّره، فإن تدبره وفهمه فرض على كل من بلغه هذا الكتاب، حتى يتبين له أنه الحقّ، بل إن اشتراط العلماء لتلك الشروط لم يكن إلا لصونه ودفعه من تفاسير خاطئة حيث يحمل القرآن على حسب الأهواء والظنون والتقول على الله تعالى بغير علم ولا دراية.
        يقول أبو شهبة : وسلوا بطانات الملوك والرؤساء والأمراء والوزراء، ينبئوكم بأن الواحد منهم محسوب عليه كل كلمة، بل كل حرف ينطق به، ومؤاخذ على كل ما يصدر منه مهما قلّ، وأن كلمة يقولها تطيح بعنقه أو تقصيه عن منصبه، فما بالكم بمن يفسر كلام الله رب الأرباب وملك الملوك، ويقول مراد الله كذا أو عنى اللهُ كذا؟!([1]) اهـ
        ذكر العلماء شروطا يجب أن تتوفر عند كل أحد قبل أن يتصدى لتفسير القرآن، قال السيوطي : اختلف الناس في تفسير القرآن، هل يجوز لكل أحد الخوض فيه؟ فقال قوم : لا يجوز لأحد أن يتعاطى تفسير شيء من القرآن، وإن كان عالما أديبا متسعا في معرفة الأدلة والفقه والنحو والأخبار والآثار، وليس له إلا أن ينتهي إلى ما روي عن النبي في ذلك. ومنهم من قال : يجوز تفسيره لمن كان جامعا للعلوم التي يحتاج المفسر إليها وهي خمسة عشر علما.([2]) اهـ
        وإذا لاحظنا تلك العلوم التي اشترطها العلماء على من أراد أن يفسر القرآن عرفنا أن أكثرها وغالبها علوم تندرج تحت اسم علم اللغة بمعناها العام. وتلك العلوم الخمسة عشر التي حعلها العلماء شروطا لجواز التصدى لتفسير القرآن ذكرها الإمام السيوطي في الإتقان، وذلك بعد أن ذكر صحة اعتقاد المفسر ولزومه سنة الدين، وصحة قصده وغرضه، واعتماده على التفسير المأثور المنقول عن النبي وأصحابه ومن عاصرهم، وهي كما يلي:
        (1) اللغة لأن بها يعرف شرح مفردات الألفاظ ومدلولاتها بحسب الوضع.
        (2) النحو لأن المعنى يتغير ويختلف بإختلاف الإعراب فلا بد من إعتباره.
        (3) التصريف لأن به تعرف الأبنية والصيغ.
        (4) الاشتقاق لأن الإسم إذا كان إشتقاقه من مادتين مختلفتين إختلف المعنى بإختلافهما.
        (4، 5، 7) المعاني والبيان والبديع لأنه يعرف بالأول خواص تراكيب الكلام من جهة إفادتها المعنى وبالثاني خواصها من حيث اختلافها بحسب وضوح الدلالة وخفائها وبالثالث وجوه تحسين الكلام وهذه العلوم الثلاثة هي علوم البلاغة.
        (8) علم القراءات لأن به يعرف كيفية النطق بالقرآن وبالقراءات يترجح بعض الوجوه المحتملة على بعض.([3])
        (9) أصول الدين بما في القرآن من الآيات الدالة بظاهرها على ما لا يجوز على الله.([4])
        (10) أصول الفقه إذ به يعرف وجه الإستدلال على الأحكام والإستنباط.([5])
        (11) أسباب النزول والقصص إذ بسبب النزول يعرف معنى الآية المنزلة فيه بحسب ما أنزلت فيه.
        (12) الناسخ والمنسوخ ليعلم المحكم من غيره.([6])
        (13) الفقه.([7])
        (14) الأحاديث المبينة لتفسير المجمل والمبهم.([8])
        (15) علم الموهبة وهو علم يورثه الله تعالى لمن عمل بما علم.([9])

        نلاحظ أن السبعة من الخمسة عشر علما علوم لغوية، فعلم معاني المفردات العربية –وهو الذي عبره السيوطي باللغة- وعلم النحو، وعلم التصريف أو الصرف، وعلم الاشتقاق، وعلم المعاني والبيان والبديع علوم لغوية بمعناها العام. فإذا لم يكن أحد على دراية بعلوم اللغة فلا يجوز له أن يتصدى لتفسير ذلك القرآن العظيم. وقد ذكرها السيوطي تلك السبعة في أوائل تلك العلوم الخمسة عشر ليشير إلى أهميتها وأوليتها قبل علوم أخرى.
        والإمام محمد عبده لخص تلك العلوم وزاد عليها علوما أخرى كما فعل الشيخ أبو شهبة أيضا.([10]) والجدير بالذكر أن تلك الشروط إنما اشتُرطت لمن أراد أن يبلغ تفسيرُه مرتبة عليا في العلمية، ويصل إلى هداية الناس بالوقوف على أسرار القرآن وعجائبه التي لا تنقضي على مرّ العصور، أما من أراد أن يفسر القرآن تفسيرا إجماليا أو يستدلّ بالقرآن لجلب الناس العوام على الخير والهدى وإبعادهم عن الشر والضلال، فلا يشترط تلك العلوم الكثيرة التي قد لا تتيسر في هذا الزمان أن تجتمع كلها في شخص واحد.
        يقول الإمام محمد عبده : للتفسير مراتب، أدناها أن يبين بالإجمال ما يُشرِب القلبَ عظمة الله وتنزيهه، ويصرف النفس عن الشرّ ويجذبها إلى الخير. وهذه هي التي قلنا إنها متيسرة لكل أحد ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾[القمر : 17، 22، 32، 40]، وأما المرتبة العليا فلا تتمّ إلا بأمور فبدأ الإمام يذكر تلك العلوم.([11])

        ــــ
        [1]الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير، د. محمد بن محمد أبو شهبة ( القاهرة، مكتبة السنة، 1408 هـ) ط 4 ، ص 36.

        [2]الإتقان في علوم القرآن، ج 2 ، ص 477.

        [3] قد تأتي القراءة الصحيحة بمعنى آخر وبحكم آخر فيجب على المفسر أن يعرف اختلاف مثل تلك القراءات، أما اختلاف القراءات التي لا أثر له في معنى الآية كاختلافها في الأداء فلا يجب على المفسر أن يعرفه، أما القراءات غير الصحيحة أو الشاذة فلا يشترط معرتها كوسيلة لتفسير القرآن، وغاية الأمرأنها تعتبر أخبار الآحاد فتفيد كما تفيد. والله أعلم.

        [4]ويقصد به علم التوحيد أو علم الكلام مما يساعد العقل للوصول إلى معرفة ما يجب وما يستحيل وما يجوز في حق الله وكذا في حق الرسل عليهم الصلاة والسلام ينفع هذا للمفسر عندما يفسر الآيات المتعلقة بصفات الله وقصص الرسل ونحوهما، وربما يفيد المفسر أيضا معرفة طريقة تركيب الأدلة العقلية من مقدمتين ونتيجة، فقد كان في علوم القرآن فصل أو باب في جدل القرآن، وإن كان بينه وبين جدل المتكلمين فرق. والله أعلم

        [5]هذا مما يحتاجه المفسر عند يواجه آيات الأحكام الشرعية حتى يستطيع أن يستنبط أحكاما فرعية، وكذا ينفعه هذا العلم لما فيه من الكلام عن دلالات الكلام على المعاني مثل مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة وغير ذلك من المباحث.

        [6]هذا العلم وما قبله واجب حتى لا يقع المفسر في القول بما قد نسخ أو وقع في انغلاق الفهم للجهل بسبب نزول الآية، وقد ذكر العلماء فوائد معرفة أسباب النزول وأقوال الأئمة في وجوب معرفة الناسخ والمنسوخ، وكذلك معرفة قصص القرآن أي تاريخ الأمم السابقة مع أنبيائهم من لدن أدم إلى مشاهد يوم القيامة –إن صحّ أن يعتر قصصا سوف تقع-.

        [7]يقول ابن عاشور في مقدمة تفسيره : ولم نعدّ الفقه من مادة علم التفسير كما فعل السيوطي؛ لعدم توقف فهم القرآن على مسائل الفقه، فإن علم الفقه متأخر عن التفسير، وفرع عنه، وإنما يحتاج المفسر إلى مسائل الفقه عند قصد التوسع في تفسيره. ( انظر : تفسير التحرير والتنوير، ج 1، ص 26)

        [8]هذا لأن المفسر عليه أن ينهج المنهج أو الطريق الأحسن في تفسير القرآن كما سبق أن ذكرت، وهو تفسير القرآن بالقرآن، ثم بالسنة وهكذا. والآثار المروية عن النبي وصحابته التي تفسر الآيات لا تعتبر علما آخر عن التفسير، بل هو تفسير مأثور عنهم، يقول ابن عاشور : اعلم أنه لا يعد من استمداد علم التفسير الآثار المروية عن النبي صلى الله عليه و سلم في تفسير آيات ولا ما يروى عن الصحابة في ذلك لأن ذلك من التفسير. (تفسير التحرير والنتوير، ج 1 ، ص 27)

        [9]قد يسأل سائل كيف اشترط علم الموهبة، وهي علم لا سبيل إلى تعلّمه وتحصيله؟ يقول السيوطي : ولعلك تستشكل علم الموهبة وتقول هذا شيء ليس في قدرة الإنسان وليس كما ظننت من الإشكال والطريق في تحصيله إرتكاب الأسباب الموجبة له من العمل والزهد. (انظر: الإتقان في علوم القرآن، ج 2 ، ص 477 – 479)
        - وبعد أن نقل د. إبراهيم خليفة كلام السيوطي بطوله يقول : ويتحصّل أن شروطه أربعة:
        (1) صحة الاعتقاد ولزوم سنة الدين. (2) صحة المقصد. (3) الاعتماد على المنقول الثابت، إن وجد. (4) الامتلاك من العلوم العديدة المفيدة للاقتدار على تحصيل التفسير.اهـ (دراسات في مناهج المفسرين، د. إبراهيم عبد الرحمن خليفة، ص 43) أقول : والشرط الرابع هو تلك العلوم أثبتناها في المتن.
        [10]زاد الإمام محمد عبده، علم أحوال البشر أو علم تاريخ البشر، وعلم بوجه هداية البشر كلهم بالقرآن، وعلم سيرة النبي وأصحابه. [انظر : تفسير المنار، ج 1 ، ص 22 – 24 ملخصا]
        أما أبو شهبة فقد زاد عليها أيضا، وفي نفس الوقت لخّص تلك الشروط في أربعة نقاط من العلوم، وهي:
        (1) أن يكون عالما بالأحاديث، صحيحها وحسنها وضعيفها، ولئن عزّ ذلك في عصرنا هذا فليكن واقفا على ما قاله العلماء وجمعه الأئمة فيما يتعلق بتفسير القرآن الكريم وبيان فضائل آياته وسوره.
        (2) لأن يكون عالما بالسيَر، ولا سيما سيرة النبي وسيرة أصحابه، وعالما بالتواريخ، وأحوال الأمم الماضية، ولا سيما تاريخ الأنبياء السابقين، والملوك الغابرين، فإن ذلك يعين المفسر على إصابة وجه الحق والصواب.
        (3) أن يكون على علم بعلم الاجتماع البشري وعلم النفس، فإن هذين العلمين يعينان المفسر على فهم المراد من بعض الآيات، وتفسيرها تفسيرا علميا صحيحا.
        (4) أن يكون على علم بتاريخ الأديان السماوية اليابقة كاليهودية والنصرانية وما دخلهما من تبديل وتحريف، والمذاهب الدينية غير السماوية، كالبرهمية والبوذية والمزدكية والمانوية ونحوها.[ الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير، ص 37- 38.]

        [11]تفسير المنار ، ج 2 ، ص 21.

        تعليق


        • #5
          د - اللغة العربية وقضية ترجمة القرآن

          بما أن هذا القرآن كتاب عالميّ وأن الإسلام دين علمي، ونحن الآن في عصر العولمة الغير المحددة بدأ الناس يترجمون القرآن الذي نزل باللغة العربية إلى لغة بل إلى لغات أخرى. وذكر صاحب تفسير المنار أنه قد نادى بعض الناس إلى ترجمة القرآن والاستغناء بها عن القرآن الذي باللغة العربية.
          يقول صاحب المنار:حدثت في الإسلام عصبية الجنسية الجاهلية التي حرمها الإسلام وشدد في منعها، بعد أن ضعف العلم والدين في المسلمين بضعف اللغة العربية فيهم، حتى قام بعض الأعاجم في هذه السنين الأخيرة يدعون قومهم إلى ترجمة القرآن بلغتهم والاستغناء عن القرآن العربي زاعما أن الإسلام دين ليس له لغة. وغلا بعض هؤلاء في بغض العربية فدعا مسلمي قومه إلى الأذان والصلاة والخطبة بلغتهم، وقد أجمع المسلمون بالعمل على إقامة هذه الشعائر الإسلامية بلغة الإسلام العربية إلى اليوم، وكان من عاقبة هذا الضعف في العلم والدين أن بعض المسلمين في بلاد الأعاجم -كجاوة، التي يقل فيها العلماء العارفون بالدين ولغته، القادرون على دفع الشبه عن القرآن- صاروا يرتدون عن الإسلام لإيضاع دعاة النصرانية خلالهم ، وسؤالهم الفتنة بالتشكيك في القرآن والطعن فيه. وأين من يفهمه ويدافع عنه هناك؟ ومنهم من صار يفخر بسلفه من الوثنيين والمجوس حتى بفرعون الذي لعنه الله في جميع كتبه.([1])
          ولقد بلغت ترجمة القرآن إلى لغات أخرى في عصرنا الحاضر إلى عدد يصعب إحصاءه احصاء تاما، وقد ذكر الزرقاني في زمانه أن بعض الباحثين أحصى عددها مائة وعشرين ترجمة في خمس وثلاثين لغة، وهي ما بين شرقية وغربية ... وأوفر هذه الترجمات وأكثرها طبعا هي الترجمات الانكليزية فالفرنسية فالألمانية فالإيطالية وهناك خمس ترجمات في كل من اللغتين الفارسية والتركية وأربع ترجمات باللغة الصينية وثلاث باللاتينية واثنتان بالأفغانية وواحدة بالجاوية وأخرى بالأوردية.([2]) وبالتأكيد زاد هذا العدد زيادة سريعة حيث وجدنا في بلدنا إندونيسيا ترجمة إلى اللغة الإندونيسية وإلى لغات أخرى كلغة سوندا، والجاوة وغيرهما.
          إلا أن تلك الترجمات الكثيرة المتوفرة لا يمكن بحال من الأحوال أن تنقل إلينا جميع معاني القرآن المستودعة فيه بلغته العربية، ولذلك فقد وجدنا أقوالا كثيرة في استحال ترجمة القرآن إلى لغة أخرى، فيقول ابن فارس –وهو من أهل اللغة- : لا يقدر أحد من التراجم على أن ينقل القرآن إلى شىء من الألسن كما نقل الإنجيل عن السريانية إلى الحبشية والرومية وترجمت التوراة والزبور وسائر كتب الله تعالى بالعربية لأن العجم لم تتسع فى الكلام اتساع العرب.([3])
          وتأتي استحالة ترجمة القرآن بلغة أخرى من وجوه ذكرها رشيد رضا في تفسير المنار، الأول : أن ترجمته بالتمام غير ممكنة لإعجازه من جهة البلاغة. والوجه الثاني: أن فيه كثيرا من الكلمات لا يوجد لها مقابل في اللغة التي يترجم إليها، فيضطر المترجم إلى الإتيان بما يدل عليها مع شيء من التغيير. ثم إذا نقلت هذه الترجمة إلى لغة أخرى يحدث فيها شيء من التغيير أيضا وهلم جرا. والوجه الثالث: أن كلمات الكتب السماوية يستخرج منها بعض إشارات وأحكام بطريق الحساب، فإبدالها بالترجمة يسد هذا الطريق، مثال ذلك أن سعدي جلبي كتب في حاشيته على البيضاوي عند تفسير سورة الفاتحة أنه إذا أخرجت الحروف المكررة من سورة الفاتحة التي هي أول القرآن وسورة الناس التي هي آخر سورة تكون الحروف الباقية ثلاثة وعشرين. قال: وفي ذلك إشارة إلى مدة سني النبوة المحمدية- فإذا ترجم القرآن لا يبقى في الترجمة مثل هذه الفوائد التي هي من جملة معجزاته.([4])
          ولذلك اختلف العلماء قديما وحديثا في حكم ترجمة القرآن إلى لغة أخرى بين المانعين والمجوزين، وألف العلماء كتبا في الكلام عن هذا المبحث، منهم محمد مصطفى المراغي شيخ الجامع الأزهر للقول بجواز ترجمة القرآن وكتب في ذلك رسالة عظيمة الشأن وأيده آخرون، وتصدى العلامة الكبير الشيخ مصطفى صبري شيخ الإسلام بتركيا سابقا للرد على ذلك في كتاب دقيق سماه مسألة ترجمة القرآن وظاهره آخرون، وتكلم د. محمد عبد الله دراز عن ذلك في كتابه النبأ العظيم، ومنهم ومحمد رشيد رضا صاحب المنار في رسالة له باسم ترجمة القرآن وما فيها من المفاسد ومنافاة الإسلام.
          والتحقيق أن الترجمة ينقسم إلى قسمين : ترجمة حرفية وترجمة تفسيرية؛ فالترجمة الحرفية هي التي تراعى فيها محاكاة الأصل في نظمه وترتيبه فهي تشبه وضع المرادف مكان مرادفه وبعض الناس يسمي هذه الترجمة لفظية. والترجمة التفسيرية هي التي لا تراعى فيها تلك المحاكاة أي محاكاة الأصل في نظمه وترتيبه بل المهم فيها حسن تصوير المعاني والأغراض كاملة ولهذا تسمى أيضا بالترجمة المعنوية.([5])
          فالترجمة التفسيرية أو ترجمة معاني القرآن ممكنة وجائزة، وهي ترجمات إلى لغات أخرى كما نشاهدها الآن، أما الترجمة الحرفية أو اللفظية بحيث تؤدى الترجمة جميع ما في القرآن من المعاني الدلالية والإشارية أو المعاني الثانوية البلاغية فلا يتأتي ذلك، فلذلك يمتنع أن يقال ترجة القرآن أو القرآن المترجم، بل يقال ترجمة معاني القرآن أو ترجمة تفسيرية للقرآن ونحو ذلك.
          يقول الإمام الشاطبي : للغة العربية من حيث هي ألفاظ دالة على معان، نظران:
          أحدهما: من جهة كونها ألفاظ وعبارات مطلقة دالة على معان مطلقة وهى الدلالة الأصلية.
          والثاني: من جهة كونها ألفاظا وعبارات مقيدة دالة على معان خادمة وهي الدلالة التابعة ... فلا يمكن من اعتبر هذا الوجه الأخير أن يترجم كلاما من الكلام العربي بكلام العجم على حال، فضلا عن أن يترجم القرآن وينقل إلى لسان غير عربي.([6])

          ويقصد الإمام الشاطبي بالنظر الثاني معان ونكات بلاغية واعتبارات زائدة يختص بها اللغة العربية، وهذا أمر طبيعي في شأن اللغة؛ فإن لكل لغة خصائصها التي تختصّ بها.

          يقول الزرقاني : هذه الاعتبارات مع فصاحة المفردات هي مناط بلاغة الكلام والمتكلم وعلوم البلاغة على سعتها ووفرة مباحثها وحسن بلاء الباحثين فيها لا تكفي وحدها لتصل بدارسها إلى مصاف البلغاء وذوي اللسن والبيان بل غايتها أن يعرف بها أن هذه الحال تقتضي هذا الاعتبار وأن تلك الحال تقتضي ذلك الاعتبار وهكذا أما التطبيق والقدرة على الصياغة البلاغية فشأو بعيد يتوقف على أمور كثيرة منها الإلمام بظروف الكلام وأحوال المخاطبين ومنها الإحاطة بدرجة تلك الأحوال قوة وضعفا ومنها الإتيان بالخصوصيات المناسبة لهذه الأحوال والمقامات ومنها الذوق البلاغي أو الحاسة البيانية التي تكتسب بممارسة كلام البلغاء وأساليبهم وترويض النفس على محاكاتهم وتقليدهم وإلا فكم رأينا من مهرة في علوم اللسان لا يحسنون صناعة الكلام ولا يستطيعون حيلة إلى أقل درجات البيان فضلا عن أن يبرزوا في هذا الميدان.([7])
          إذن يتبين لنا أهمية اللغة العربية في إدراك أسرار القرآن وخصائص عبارته وأسلوبه، وذلك مما يؤكد لنا ناحية إعجازه اللغوي، حيث كان العلماء القدماء قد انصبّ اهتمامهم لدراسة القرآن من النحية اللغوية لإثبات وجه إعجازه وللردّ على ما قيل من أن إعجازه إنما كان بالصرفة كما ادعى به النظام المعتزلي وأن القرآن لم يكن معجزة من ناحية نفسه، يعنى ناحية لغته.
          كما يتبين لنا أن أحدا لا يمكن أن يفهم القرآن فهما دقيقا مدركا لأسرار القرآن البلاغية ومعانيه العميقة إلا بعد أن هضم علوم اللغة هضما واستطاع أن يطبقها في دراسته للقرآن وتفسيره، ويستحيل لأحد أن يفهم القرآن معتمدا على الترجمة التفسيربة للقرآن – سواء ترجمة إندونيسية أو غيرها- دون إدراك لغة القرآن الأصلية وأسرارها وخصائصها.


          والله أعلم

          بقلم : نور فائزين محيط الإندونيسي
          ـــــ
          [1]تفسير المنار ، ج1 ، ص 25.

          [2]مناهل العرفان، ج 2 ، ص 76-77.

          [3] البرهان في علوم القرآن، ج 1 ، ص 465.

          [4] تفسير المنار، ج 9 ، ص 276.

          [5]انظر : مناهل العرفان في علوم القرآن، ج 2 ، ص 80.

          [6]الموافقات في أصول الفقه، إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي المالكي، دار المعرفة، بيروت، تحقيق : عبد الله دراز ، ج 2 ، ص 66.


          [7]مناهل العرفان في علوم القرآن، ج 2 ، ص 88.

          تعليق

          19,912
          الاعــضـــاء
          231,501
          الـمــواضـيــع
          42,375
          الــمــشـــاركـــات
          يعمل...
          X