إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • فضل العربية على غيرها ( دراسة وصفية )

    فضل العربية على غيرها
    ( دراسة وصفية )

    هذا موضوع تفرّع من محاورة عن فائدة تعلم العربية لساناً للحياة قائمة بحاجة البيان .
    ونُشر بعد تنقيح على حلقات في " مجلة الرقيم " .
    وفي البدء أقول : إن من أدقّ مآخذ العلوم هو النظر في الفروق ، وإن من أصعب الفروق هي الفروق اللغوية ، فقد يتسر للباحث أمر فروق اللغة الواحدة التي تتجلى في اللهجات وطرائق الأداء ، على تعقده وتشعبه ، ولكن أمر الفروق بين اللغات أمر لا يقاس بصعوبته الفروق اللهجية ، وذلك لاختلاف الأمكنة والأزمنة والألسنة وطرق البحث عنها وفيها ووفرة المأثور من مادتها اختلافاً أبعد مما يكون بين لهجات اللغة الواحدة .
    وقد يرى بعض الناس أن الألسنة سَواسية، لا فرق بين عربي منها وأعجمي، وأن الأيام بينها دول، وأنها بين إقبال وإدبار، وبلوغ ذروة واندثار، وأن لكل زمان لساناً، أو لكل لسان زماناً، وأن لسان العربية قد أفل نجمه، وبزغ نجم " الألسنة العصرية ! " : الإنجليزية والفرنسية والصينية؛ فتلك عنده هي ألسنة العلوم والمخترعات.
    وقد ذكر الله تعالى اختلاف ألسنة العالمين في معرض الامتنان فقال : ( واختلاف ألسنتكم ) الروم 22، ومن طبائع الاختلاف التفاضل، فلا اختلاف مع تماثل، ومن طبائع التفاضل أن يكون هناك فاضل نعرف له فضله الذي قدّمه، وبعده مفضول لا ينقص من فضله ولا يبخس ، لكن مفضوليته لا تلغي أفضلية غيره .
    وإظهار فضل العربية على غيرها يكون ببيان قدرها الزائد إن كان وشرح مذهبها وكشف أوجه اقتدارها على الإبانة الإنسانية عن المراد... وليس بإنشاء كلام بعيد عن واقع الأمر .
    فهل نستطيع أن نثبت مزية للعربية في ذلك على غيرها من الألسنة؟، وهل في قوانين اللسان العربي ما يظهر مزيته على غيره إذا ما قُرن النظير بنظيره ؟ .ليكون في ذلك إشعار بأفضلية، لا تخطر ببال من يحقر ما هو عظيم في نفسه.
    قد يكابر من يكابر إذا عرضت عليه الأدلة النقلية في فضل العربية على غيرها، ويرى أن هذا التفضيل ما هو إلا تحكّم لا دليل معتبر عليه، وأنه نابع من هوى الإنسان وراء أشيائه ، وصادر من إعجابه بأمره وتعصبه لهويّته، وأن كل متكلم قادر على أن يقيم من الأدلة على قوة منطقه وبراعة كلامه وصلابة قناته ما قد يفوق به بلاغة كل بليغ ويكسر به يراعة كل كاتب؛ ومن ذا الذي لا يحب لغته ويفضلها ويناضل عنها؟، ومن ذا الذي يرضى الطعن في أخص خصائص هُوِيّته وقوميته؟ .
    إن تلك المكابرة تدفع إلى تعزيز النقل الصحيح بمقتضى حكم العقل الصريح والنظر الفسيح ، وتأييد النقل بالعقل أو هذا بذاك مذهب شريف ومبدأ نبيل ومأخذ مفيد، ولا سيما مع توافر أسباب النظر والموازنة والتفضيل.
    ومن أجل ذلك كان هذا البحث في أوجه تفضيل هذا اللسان العربي على غيره ، بحثاً مؤيداً بأدلة مأخوذة من اللسان العربي نفسه، مقيسة بنظائرها في الألسنة الأخرى..
    وقسمتُ الكلام عليه إلى أربعة أنحاء (ويسميها بعضهم : مستويات)، ودرست كلّ نحو منها على جهة مستقلة ، وهذه الأنحاء الأربعة هي :
    (1) نحو الصوت. (2) نحو الكلمة . (3) نحو الجملة . (4) نحو الكلام .
    والأنحاء الثلاثة الأولى منها لا تتطابق في كل الألسنة بالاتفاق،إلا في شيء دون شيء، ومن أجل اختلافها كانت الترجمة بين الألسنة ، أما النحو الرابع : نحو المعنى ، فهو الغاية والمقصد ؟ .
    والنحْويّ الحقّ (هنا في هذا البحث) هو الذي فَقِه هذه الأنحاء الأربعة معاً، ونحا فيها نحواً قاصداً وبلغ فيها مبلغاً راشداً، ولم يكتف منها ببعض دون بعض، فكأنه، وهو يستقرئ قوانين اللسان، لا تغيب عنه صورة "العربيّ" في جزيرته، وهو يبلغ من سامعه كل مبلغ. وهو نظير اللساني في الدراسات الحديثة . واللغوي هو الناقل لكلام العرب المتضمن لهذه الأنحاء ضرورة . وتخصيص لقب النحويّ بالناظر في " نحو الجملة " و" نحو الكلمة " تخصيص اصطلاحي متأخر .ألا ترى أن كتاب سيبويه لم يخل من تلك الأنحاء جميعاً ؟. وقول الإمام عليّ : "انحُ هذا النحو "..شاهد على أن ذلك المسلك من البحث المتخصص إنما كان على ذلك النحو حين دعت إليه الحاجة في ذلك الحين . وذلك المسلك لا ينفي بقية الأنحاء ، التي توالى ظهورها مع التاريخ اللساني العربي المواكب لحاجة الناطقين؛ ولا مشاحة في اصطلاحات هذه العلوم التي استقرت أعلاماً بالغلبة على مسمياتها .
    وعرض أصول العلوم العربية مرتبة ترتيباً متوافقاً مع الحكمة البيانية لدى العرب= كافٍ في بيان المزية، حتى يأتي من يعارض أو من يساند ، وفي كل خير .
    والمقارنة أو الموازنة التي تراها هنا ممكنة غير مستحيلة ، بين الألسنة التي لها قواعد مستنبطة ومدوّنة ، فلكل لسان منها أصوات وتصاريف وتراكيب ومعان .. وهي متوفرة طوع أيدي الباحثين .. " ملقاة في الطريق "!؛ على حد قول للجاحظ، ، قالها في مقام غير هذا المقام ..
    ولا أظن أننا بحاجة إلى الإحاطة بكل الألسنة وبكل مهاراتها وبكل اقتدار في النطق والكتابة ؛ إذن فليرزقنا الله تعالى برؤيا نرى فيها النبيء سليمان ! ! .
    وقطب الرحى في هذه المدارسة هي العربية التي هي المقصودة بالبيان؛ عَرْضاً للأصول من الكتب الجامعة لعلومها ، ورؤوس المسائل ، وأما بقية الألسنة ففي المقارنة أو الموازنة .
    وقد اخترت ، للمقارنة ، من نحو الصوت : عدد الحروف ( الأصوات ).
    ومن نحو الكلمة : أقسام الكلمة .
    ومن نحو الجملة : الإسناد .
    ومن نحو المعنى : معنى الإسناد .
    والبداية بنحو الصوت:

    أولاً : نحو الصوت :


    اللسان هو الجزء الظاهر من آلة التصويت الإنسانية التي هي ترجمان المعاني الذهنية ، واللغة الناشئة عنه أيّةً كانت هي أصوات تعبيرية ... وقد نسبت إليه اللغة لأن أكثر أصواتها يخرج منه . والأصوات هي أصغر مكونات اللغات .. وتسمى في الدراسات الحديثة : وحدات .
    وإن شئت التقريب فالأصوات هي المواد الخام التي انبنت بها اللغة ، وهي التي يكوّن بها اللسان الكلمات .
    ولسان الإنسان يختلف اختلافاً بيناً عن ألسنة الحيوان الأخرى ، التي لا تكاد تزيد عن نطق الحرف والحرفين ( في مقاطع ساذجة )، ولا مدخل للسان في إخراجها ، وإنما هي أصوات خارجة من "الجوف" فإذا هي : نباح أو عُواء أو مواء أو نهيق أو صهيل أو سجع أو زقزقة أو صفير أو هدهدة ونحوه .
    ومهما علت أصواتها فهي في نظر العربيّ عجماوات لا تفصح ولا تبين عما في أنفسها للناس ، وإن كانت تتعايش بذلك فيما بينها .
    حتى إذا أتيت على ألسنة الأناسي وجدتها تزيد عن ذلك العدد من الأصوات، وتتفاضل فيما بينها في تلك الأعداد وتختلف في توزيع المخارج وأنواع الصفات والوظائف التعبيرية والجمالية .
    الحيوانات متعلمة بالإلهام الغريزي (وأوحى ربك إلى النحل)، فلا تحتاج أن تتعلم لغاتها في أصوات وصرف ونحو وبلاغة !!!، إنما هي أصوات فقط وحركات .
    أما الإنسان فهو عالم بالتعلم ، لأنه مكلف بالإرادة ، محتاج إلى تعلم اللغة والشرع والخلق والعمل والإبداع والسباحة والرماية وركوب الخيل .. وعلّم الله آدم ما علمه من أصول البيان .. فتعلّمه ونجح في الامتحان البيان (أنبأهم بأسمائهم).
    وسندرس هذه الوحدات الصوتية في العربية ، وستكون هذه الدراسة من أوثق كتب هذا الفن ؛ كتاب إمام النحويين سيبويه ، عليه رحمة الله .
    قال سيبويه في الكتاب 4/431، و432 [ط هارون]:
    " هذا باب عدد الحروف العربية ومخارجها ومهموسها ومجهورها وأحوال مجهورها ومهموسها واختلافها .
    فأصل حروف العربية تسعة وعشرون حرفاً :
    الهمزة والألف والهاء والعين والحاء والغين والخاء والكاف والقاف والضاد والجيم والشين والياء واللام والراء والنون والطاء والدال والتاء والصاد والزاي والسين والظاء والذال والثاء والفاء والباء والميم والواو.
    وتكون خمسةً وثلاثين حرفاً، بحروفٍ هن فروعٌ، وأصلها من التسعة والعشرين، وهي كثيرةٌ يؤخذ بها وتستحسن في قراءة القرآن والأشعار؛ وهي النون الخفيفة، والهمزة التي بين بين، والألف التي تمال إمالةً شديدة، والشين التي كالجيم، والصاد التي تكون كالزاي، وألف التفخيم يعنى بلغة أهل الحجاز في قولهم الصلاة والزكاة والحياة .
    وتكون اثنين وأربعين حرفاً، بحروف غير مستحسنةٍ ولا كثيرة، في لغة من ترتضي عربيته، ولا تستحسن في قراءة القرآن ولا في الشعر؛ وهي الكاف التي بين الجيم والكاف، والجيم التي كالكاف، والجيم التي كالشين، والضاد الضعيفة، والصاد التي كالسين، والطاء التي كالتاء، والظاء التي كالثاء، والباء التي كالفاء.
    وهذه الحروف التي تممتها اثنين وأربعين، جيدها ورديئها، أصلها التسعة والعشرون، لا تتبين إلا بالمشافهة ... ". انتهى .
    ترتيب سيبويه للأصوات ترتيب صوتي "على مذاقها وتصعدها"؛ كما هو مبيّن في (سر صناعة الإعراب لابن جني)، وهو أدق من ترتيب من سبقه (على أي أساس نسَقي رُتبت أحرف العجم: A B C D E F …..) ؟ .أظن أنه لا أساس له إلا أنه مأثور .
    هذه هي الحروف التي يخرجها اللسان العربي ، إخراجاً مجرداً من هيئة ذلك الإخراج ، أي الأصوات في حالة سكونها واستقرارها .
    وهيئة إخراجه هي تلبسه بحركة تلازمه حالة النطق، وهي الحركات المعروفة : الضم للشفتين والفتح والكسر ، ما عدا الألف ؛ لأنه ساكن أبداً لا يقبل الحركات .
    وقد رأيت أن سيبويه نقل عن العرب تنوعاً في نطقها بين فصيح (29) ومستحسن (6) ومستهجن (8)، حتى بلغت اثنين وأربعين حرفاً ، ترتدّ كلها إلى الأصول التسعة والعشرين الفصيحة ( المنتخبة ).
    وفي الكتاب وغيره من كتب اللغة والقراءة وصف لتلك المخارج وصفاتها وإدغامها وسائر أحكامها ، فلا نطيل بذكرها .
    فتحصل للسان العربي تسعة وعشرون حرفاً متوزعة على جهاز التصويت الإنسانيّ من الجوف إلى الحلق فاللسان والشفتين والخيشوم .منها حرف مدّيّ هو الألف ، وله أخوان مدّيّان ؛ الواو والياء . وهذه الأحرف المدية تسمّى : الحركات الطويلة ؛ فهي ثلاث حركات .
    فإذا قصرت هذه الأحرف المدية الثلاثة كانت هي الحركات القصيرة أو أبعاض حروف المد واللين (كما في سر الصناعة)؛ أيْ : الضمة والفتحة والكسرة ، وقد تسمى الضمةُ واواً صغيرة ، والفتحة ألفاً صغيرة ، والكسرة ياء صغيرة .
    وعدد هذه الحركات ؛ الطويلة والقصيرة = ستة ، وهي صالحة لأن تتعاقب على الحروف الأصول الثمانية والعشرين ( بعد أن أدخلنا الألف المدية في الحركات الطويلة ).
    فتحصل أن مع الحروف الثمانية والعشرين ( وهي الساكنة في الأصل ) ستّ حركات ؛ أي لكل حرف صحيح من الثمانية والعشرين سبع أحوال مقطعية بسيطة .
    وتصوير هذا حساباً يكون كالآتي :
    ( 28 حرفاً ) × ( 7 مقاطع بسيطة ) = 196 ( صوت ) = مجموع أصوات العربية .
    أو قل : مجموع المواد التي تستطيع أن تؤلف بها الكلمات = 196 .
    وتمثيل تلك الأحوال في حرف الباء من الحروف الثمانية والعشرين = ما يأتي :
    ابْ ، بَـ ، بِـ ، بُـ ، بَا ، بي ، بُو .

    موازنة :


    اختفت من الانجليزية هذه الأصوات: الحاء والخاء والضاد والظاء والطاء والعين والغين .
    وتفرع عن الفاء (أو انشطرت إلى) ثلاثة أشكال (أشطار)، فعبروا عنه بـ(F V PH) ، والجيم (G J) واختلط فيها السين والصاد (C S)، وضعفت فيها الراء R، واختلطت الحروف ( الساكنة : الصامتة بالحركات (المتحركة : الصائتة ). وكانت الفروقُ بينها إما في الحركة والسكون كـ C و S أو الصفات كـ V وF، أو قلة الرموز كـ TH وSH، أو اختلاط الأصوات في الحرف الواحد كـ X ، الذي نعبر عنه بحرفين : اكس ، رغم أن هناك Q و S .
    وعلى ذلك فحروف الانجليزية تكافئ نصف الحروف الفصيحة في العربية أو ثلث الحروف المستهجنة منها .
    هذا وصف لهذه الأصوات في حال مقاطعها البسيطة، يظهر مبلغ فقر الإنجليزية الصوتي أمام غنى العربية.
    ومثل الانجليزية في فقرها الصوتي الفرنسية ، وقد حلّ فيها الغين محل الراء، ولا ينطق فيها حرف الهاء (H) ، فيقولون : أوتيل في (هوتيل) : فندق ، وينطقون السين أحياناً زاياً ، ولا ينطقون الحروف الصحاح ( السواكن ) إذا وقعت في الأواخر ؛ اقتصاداً ، ويُخرجون مُجاوِرات الميم والنون من الخيشوم ! .
    وتتكون الصينية ( (Hanzi) : هانْ زِي = الأحرف الصينية) من أكثر من أربعة وأربعين ألف حرف ( 44444 ) ، هي في الحقيقة مقاطع تعبيرية ، وكلّ مقطع منها كلمة ذات معنى .
    وبقرار من ( ماو سي تونغ ؛ وكان معلماً للغة الصينية ) اختصرت إلى الربع من ذلك ، فصارت عشرة آلاف حرف؛ أي (10000) كلمة أو مقطع ، ولمحو الأمية يحتاج الطالب إلى تعلم أربعة آلاف حرف ( 4000 )، وقريب من نظامها المقطعي الجامد هذا: اليابانية والكورية والفيتنامية ..
    ومعنى أنها مقاطع أنّها تتكون في أصغر وحداتها الصوتية من المقطع، ولا أصغر منه، ولا ينظر فيها إلى الحروف البسائط كما ننظرُ ، إلا من جهة أنها خادمة للمقطع ولبنة من لبناته .هي تنشئ الكلمات على غير نظام تصريفي ولا اشتقاقي ؛ أو قل : نحو الصوت فيها مختلط بنحو الكلمة .وتتبّعُ أصواتها المكوّنة لمقاطعها يُظهر نقصان أصوات كثيرة منها؛ تزيد على عشرة.
    واختفى من العبرية ( القديمة بله الحديثة الممسوخة!): الثاء والذال والضاد والظاء والواو .ويهتمون فيها بضبط السكون حتى إن عندهم سكوناً متحركاً (لعلهم يقصدون الحرف المقلْقل) ! .
    واختفى من الفارسية : الثاء والحاء والصاد والضاد والطاء والظاء والقاف والعين . وفيها جيمان وباءان وزايان؛ أيْ : من الحسَن والهجين في العربية . وهي لغة فخيمة المخارج ( يفخمون بعض المرققات في العربية ).
    هذه حروف خمسة ألسنة، للناطقين بها شهرة وعديد وتاريخ، تنقص أصواتها عن أصوات العربية يقيناً، ولا يضاهي تاريخها تاريخ العربية .
    وتتجلى من بينها العربية بأصواتها المستوعبة والباقية في لغتها الأدبية والمحكية والمتوزعة على مخارجها من غير اختلاط ولا غمغمة، والمترتبة على فصيحة ثم حسنة ثم هجينة، والبينة التقاطيع والتخاليف، والصافية النطق، والواضحة الصفات، والقابلة للسكون والحركة في حال البساطة وفي حال التركيب، والمد والقصر، والإدغام والإخفاء، في أقل قدر من الشذوذ .
    وفي المقابل ترى :
    - اختفاء أصول من الأصوات الإنسانية من تلك الألسنة متفقٍ على أن اللسان الإنساني يقتدر على نطقها بدرجات من اليسر . وهذه مزية للعربية التي حفظت أصواتها إلى الآن .
    - ميل العربية إلى الصفات القوية التأثير في الحديث في أغلب حروفها ، وهي الرقة (استفال اللسان حال النطق ) ، وإلى الجهارة ( اهتزاز الوترين ) ، والرخاوة ( انحباس الهواء مع النطق ) ، والانفتاح ( بعد اللسان عن الحنك الأعلى ) ، والثبات ( قلة حروق القلقلة.
    - نظام التهجي في العربية مطرد لا يتخلف إلا في كلمات معدودة معروفة الأسباب (أسباب إملائية تكون بحذف حروف العلة أو إثباتها اختصاراً أو تفرقة ، وليس ذلك في الحروف الصحاح ، وليست أسباب صوتية ) مثل : هذا ، وأولئك ، وعمرو .
    - الحروف الثمانية والعشرون في العربية هي حروف منتخبة من أصوات حسنة وهجينة ، انتخاباً كان عبر تاريخ عميق (هذا على القول الذي يرى أن اللغة اصطناع بشري!)، فتراها غير قابلة للتجريد أو للضمّ أو للحذف أو للاقتصاد أو للاعوجاج .
    وأما الهجينة منها فهي في نظر العربي تقوم عليها أبجديات كثير من الألسنة الأعجمية .
    - كثير من الأبجديات ترى لها رموزاً كثيرة في الكتابة ، ولكن إجالة النظر في أصواتها المنطوقة فعلاً تردها إلى عدد أقلّ مما هو وافر في أبجدية لسان العربية ، ونظامها التشكيلي ذي الحركات والسكنات .فهل يكون ذلك الاختلاف مؤذناً بالمزية ؟ .

    مزية في التأليف الصوتي :


    يجوز لنا في العربية أن نؤلف من تلك المقاطع الصوتية البسائط المحصورة العدد المؤلفة من الحروف والحركات الطويلة والقصيرة ، والتي قاربت المائتَيْن = كلماتٍ لا حصر لها ، من الجذر الواحد فضلاً عن الجذور المختلفة ، والمثال شهير ( ض ر ب ) : ضرَب ، يضرِب ، اضرب ، ضرْب ، ضارب ، مضروب ، مضرب ، ضربة ، ضريب ، ضريبة ، ضرّاب ، ضِراب ، اضطراب ، ... (مزية لا تجارى ).
    وتتعاقب الحركات والسكنات في أحرف الكلمات ، بلا كلفة ولا حظر ، لولا بعض ما يستثقله العرب مما يخالف الفصاحة وعذوبة المنطق ورقته ووضوحه وترسّله ، فإذا قلت مثلاً : اِبَّـبِـبُـبَـابـيـبُـو ؛ في تأليف ذلك المثل السالف المضروب على أحوال الأصوات على ما سبق ترتيبه :اِبْ ، بَـ ، بِـ ، بُـ ، بَا ، بي ، بُو= كنت قد أتيت بما يستثقله لسان العربيّ ، ولم يؤثر عنه مثله ؛ لأن العرب تكره فيما هو كالكلمة الواحدة : كلفة البدء بصوت ساكن إلا بِصلة ، كما تكره الوقف على صوت متحرك إلا بسكت ، وتكره توالي ساكنين صحيحين ، وتكره عثار توالي أكثر من متماثلين ، وتكره اضطراب توالي أربع متحركات ، وتكره ثقل مجاوزة الاسم سبعة أحرف والفعل ستة أحرف ، وتكره عسر الانتقال من كسر إلى ضم ، وتكره تعاقب أحرف متقاربة في المخرج أو الصفة من نحو : " مُسْتَشْزِرَات ": مرتفعات ، و"الهُعْخُعُ": نَبْت، أو لم يعهد استعمالها عندهم ، نحو مهندز ؛ بالزاي بعد الدال ؛ ولذا عربوها من الفارسي إلى : مهندس ؛ بالسين .
    وعلة هذه الكراهة لتلك الأمور أنهم يتوافقون مع قوانين البديهة والحسّ والعلوم الطبيعية ؛ جمعاً وتوزيعاً وتحريكاً وتسكيناً .
    وأحسب أن للتأليف الصوتي في آلة الكلمة في اللسان العربي نظاماً وحراكاً وخصوبة وتوالداً لا تراها في غيرها من آلات كلمات الألسنة الأخرى .
    وبيان ذلك بإيجاز: أن هذه الكلمة تتألف من مقاطع ثابتة ومرنة معاً، وهي الأحرف الصحاح الثابتة في بنية الكلمة، وتدور حول الأحرف الصحاح الأحرفُ العليلة وأبعاضها، في تأويب تجري فيه الحركات إلى مستقر لها؛ البدء بمتحرك والوقف بالسكون؛ دورانَ الجسيمات في الذرة والكواكب في المجرة، ودوران كل شيء بحسبه!، ولا يصحّ أن تحذف تلك الأحرف الصحاح التي عليها المدار بحال، أو أن تضطرب، أو تنشز، أو تقتصد، أو تعوجّ، إلا ترخيماً كيا سُعا، أو تخفيفاً كيَدٍ، وذلك نادر لا يقاس عليه؛ بخلاف العليلة التي تحذف وتبدل وتتغير .
    ويأتي الإعراب في أواخر المعربات والتحريكُ في أواخر المبنيات الساكنات = ليجعل التقاطيع والتخاليف فيها مفتوحة مسترسلة مرتّلة ، إلا في حالات الوقف (المقطع المغلق)، وليؤلف من الكلم ما يجعله في نظم صوتي واحد، كتغريدات عصفور متتابعة أو سجعات حمامة، أو كخطوات منتظمة ، أو قطرات متتابعة .
    وترى بدائع من ذلك التأليف الصوتي الحكيم = في علم العرب وديوانهم ، الذي ليس لهم علم أصحُّ منه ، وهو توقيع أبيات الشعر؛ على أوزانه الستة عشر ؛ في عد الخليل وتكميل الأخفش ، وأصواته المائة كما ذكر الأصفهاني في الأغاني .
    ويفهم هذا في قوله تعالى : ( ورتلناه ترتيلاً ) ، ووصف نطق النبيء عليه الصلاة والسلام أن فيه ترسيلاً وترتيلاً ؛ بجامع تتابع نظام الأصوات، وتتابع نظام الكلمات والآيات، وتتابع نظام المعاني والعبر .
    وقد تكون العبرية أقرب في هذا النظام إلى العربية؛ كلاهما ساميّ، ولكنك ترى فيها، زيادة على النظام التشكيلي للحروف، نبرَ بعض المقاطع (النبر : إبراز نطق حرف بكلفة دون غيره ، وهو من سمات ذوات المقاطع الجامدة كالصينية)، بل ترى له قواعد تصريفية ووظائف معنوية فارقة ، وترى توالي ساكنين صحيحين ، بقلقلة الأول ، وأن كلّ الحروف قابلة للقلقلة (يسمونه : السكون المتحرك) إذا ابتدئت بها صدور المقاطع ، وترى شَدّتها خفيفة حيناً مع أحرف وثقيلة في أحوال أخرى ، و لا تشدد أحرف الحلق ولا تسكن ، وقد يقولون شدة مقدرة أي غير ظاهرة !.
    إن كثرة الأصوات في اللسان الإنساني ككثرة المعادن في الكون ، وفقر لسان من بعضها كأنما هو فقر في خامات التصنيع ، وأنواع البذور ، وأجناس الأحياء وأوتار الأصوات ، ونقصان أصوات من بعض الألسنة أو اختلاطها ببعضها أو ضعف نطق بعضها .. قد أضر بها ضرراً لا ينكره أهلها ..
    وقد وصل البحث اللغوي الحديث إلى أن لكل صوت من أصوات اللسان الإنساني موقعه في رقعة اللغة ، وزوال جزء منها مؤذن بزوال جميعها ولو بعد حين .
    وتعمد ألسنة كثيرة إلى أمور أخرى غير الأصوات الطبيعية في التعبير عن مراداتها ، ومنها التنغيم والتقطيع والنبر والتحزين والحركات الجسدية والإيحاءات والإشارات والرفرفة والحومان والتقليد وغيرها ، مما لا يستطيع أحد تسطيره في كتاب. وما ذلك الذي يصنعه أهلها إلا من قبيل جبر ما بها من كسر ورتق الفتق وسد الخلل وتعويض الضائع..
    ... فعلى ماذا يدل هذا ؟ ! ! ..
    سبحان من أنزل بها كتابه الحكيم ، وجعلها في أحسن تقويم وصراط مستقيم وفضل كريم ، فأنهلها وأعلّها ، وأدقها وأجلّها ، وأكثرها وأقلها ، وأثّلها وأبلّها .


    [ يتبع .. ثانياً : نحو الكلمة ]
    عصام عبدالله المجريسي
    ماجستير في اللغة العربية
    بنغازي . ليبيا

  • #2
    ثانياً : نحو الكلمة


    هذا هو النحو الثاني من أنحاء العربية الأربعة التي سبق إجمالها في الجزء الأول ، وهو نحوٌ نريد أن نجعله محل موازنة ثانية بين اللسان العربي وغيره من الألسنة .
    إذا نحونا هذا النحو؛ نحوَ الكلمة، الناشئ من تأليف الأصوات الذي سبق ذكره في نحو الصوت المذكور آنفاً = فسيوقفنا على بابة من علم اللسان، توصل إلى البيان من جهتيه جميعاً : اللفظية والمعنوية ، وتكتنفه من مقصديه معاً : الإبانة والاستبانة .

    تعريف


    الكلمة : من الكَلْم ، وهو الجُرْح ، وسُمّي اللسان جارحة؛ لأنه يعمل الكلام ، فيجرح به طعناً وهمزاً ولمزاً شتماً وذمّاً، وهي في الاصطلاح : لفظ ذو معنى ، لفظ: مؤلف من بعض أحرف الهجاء ، والمعنى: المقصد .
    وللكلمة في كلّ قسم من أقسامها نظام وزمام وأحكام .
    ونحو الكلمة هو الذي دُرست فيه الكلمة من زوايا نظر مختلفة، في علوم كثيرة، من علوم اللسان ، تجدها محصورة في كتب إحصاء العلوم ؛ كمفتاح السعادة لطاشكبري زاده (- 968هـ)؛ وهي علم التصريف ، وعلم الاشتقاق ، وفي علم المعجم ، وهو متن ألفاظ اللغة ، وفقه اللغة .
    وهي علوم أصيلة في العربية ، مطردة الأقيسة ، موفورة النقل ، بديعة الاستنباط والتجريد والتقسيم .

    سيبويه إمام الكلمة


    بدأ سيبويه كتابه بالكلمة وأقسامها على جهة الإفراد، وتبعه كل النحويين من بعد ؛ قال سيبويه في صدر كتابه :
    " (هذا بابُ علْم ما الكَلِمُ من العربية )
    فالكَلِم : اسمٌ وفِعْلٌ وحَرْفٌ جاء لمعنىً ليس باسم ولا فعل .
    فالاسمُ : رجلٌ وفرسٌ وحائط .
    وأما الفعل فأمثلة أُخذتْ من لفظ أحداث الأسماء وبُنيتْ لما مضى ، ولما يكون ولم يقع ، وما هو كائن لم يَنقَطع .
    فأما بناء ما مضى فذَهَبَ وسَمِعَ ومَكُث وحُمِدَ ، وأما بناء ما لم يقَع فإنّه قولك آمِراً: اذهَب واقتُلْ واضرِبْ ، ومخبِراً: يَقْتُلُ و يَذهَبُ ويَضرِبُ ويُقْتَلُ ويُضرَبُ . وكذلك بناء ما لم يَنقطع وهو كائن إذا أخبرتَ.
    فهذه الأمثلة التي أُخذت من لفظ أحداث الأسماء ولها أبنية كثيرة ستبيَّن إن شاء الله .
    والأحداث نحو الضَّرْبِ والحمد والقتل .
    وأما ما جاء لمعنىً وليس باسم ولا فعلٍ فنحو : ثُمَّ ، وسَوْف ، وواو القسم ، ولام الإضافة ، ونحوها". انتهى [الكتاب 1/12]
    استفدنا من هذه العبارة لسيبويه تعالى في الكتاب ما يلي :
    1. أن الكلمات العربية تدور على ثلاثة محاور (وهذا تقسيم سطحي أو أفقي) ، وهي أن يكون الكلام على: أسماء وأفعال وحروف ؛ لا تخرج الكلمات عن أن تكون إحداها: اسماً أو فعلاً أو حرفَ معنى.
    2. وأن هذا التقسيم هو أول استنباط في تاريخ النحو بمعناه العام علي ما جَرَيْنا على استعماله هنا ، وأول مفتاح قدّمه النحويون لحلّ عُقد لسان العرب ، وهو تقسيم لا يستغني عنه مستغنٍ يدرس العلوم العربية .
    3. وأن لتقسيمه هذا عللاً حكيمة طواها ، ولكن نشَرَها من بعده ، كالزجاجي والأنباري.
    4. وأن في كلام سيبويهِ هذا " بساطة " في التقسيم ( أقصد بالبساطة : ما كانت خلافَ التركيب ) ؛ بساطة لا تراها بهذا الوضوح والإيجاز في كلام غيره من النحويين ، ولا عند أهل الألسنة الأخرى .
    تأمل معي مُدخل سيبويه ومُخرجه في تقسيمه جنس " الكلام " تقسيماً جامعاً مانعاً إلى أنواعه الثلاثة التي لا يخرج عنها الكلام : الاسم والفعل والحرف ، وإلى تقسيمه بعد ذلك نوع " الفعل " إلى فصوله الثلاثة ؛ دون قسيميه ؛ الاسم والحرف ، اللذَيْن لا ينفكّان عن أقسام وأنواع وفروع، وتأملْ أيضاً: ما طواه في الفعل ، أو بعبارة ثانية أدقّ ؛ تأملْ بيانه ما انطوى عليه " الفعل "؛ بصيغه الثلاثة ( نحو: فعَل يفعلُ افعلْ ) من أمور ثلاثة ، وهي : (1) الحدث (2) والزمن الذي وقع فيه الحدث (3) والصيغة التي يصاغ بها الحدث في زمنه .. طيّاً .. أو انطواءً لا يُعرف ولن يعرف في لسان من الألسنة، التي انفرط عقد الفعل فيها ، فصار للحدث صيغة مع كل زمن ، وللزمن صيغة تجاور الفعل، ولا رابط بين تلك الصيغ من اشتقاق أو أصل أو قياس إلا في النادر !
    وذلك الإيجاز والإجمال في قسمة الفعل العربيّ كائن عند سيبويه في قوله : "بناء ما مضى"، و"بناء ما يكون ولم يقع "، و"بناء ما لم ينقطع وهو كائن" . فأنت هنا مضطر أن تلتفت إلى كل الأزمنة التي يحتملها هذا الكلام في صيغه الثلاثة ؛ لأن هذا الكلام الذي أوجزه سيبويه في صدر كتابه لهو أكبر من أن يقال : إنه يقصد به الفعل الماضي والفعل المضارع وفعل الأمر ؛ على ما جرى على النحويون الذين جاؤوا من بعده ، وتُنوسي كلامه هذا على نفعه في كتب النحو .
    وعلة تلك القسمة الثلاثيّة للكلمة إلى : اسم وفعل وحرف لمعنى = أشار إليها الزجاجيّ (- 339) حين كان يجيب عن سؤال يتهم النحويين المقلدين لسيبويه بلا برهان= قال ما خلاصته : الاسم هو علامة دالة على ذات المسمى ، والفعل علامة على الحدث ، والحرف رابط بين الذوات والأحداث ، فالاسم يخبر به ويخبر عنه ، والفعل يخبر به ولا يخبر عنه ، والحرف لا .. ولا .. ، وأن التعبير عما في الأنفس من أمور الحياة جارٍ على اعتبار هذه الأمور الثلاثة. فإذا كانت أقسام الحياة ثلاثة : أشياء : ذوات : ج ذات ، وحركات هذه الأشياء (أحداث)، ورابط يربط بين الأشياء بعضها مع بعض والأحداث .. فيجب أن تكون أقسام مفردات اللسان كذلك : اسم (للشيء) وفعل (للحدث) وحرف (للربط). [الإيضاح في علل النحو 44]
    وهذا مصداق القول القائل: إن اللغة وعاء لفظيّ لعلامات دالة على الواقع؛ أو شيء بمعناه. .
    ويفسر أبو البركات الأنباري (-577) وجه حصر الأقسام في ثلاثة ، من غير زيادة ، في قوله : "فلمَ قلتم : إن أقسام الكلام ثلاثة لا رابع لها ؟ قيل : لأنا وجدنا هذه الأقسام الثلاثة يعبر بها عن كلّ ما يخطر بالبال ، ويُتوهّم في الخيال ، ولو كان ههنا قسم رابع لبقي في النفس شيء لا يمكن التعبير عنه .
    ألا ترى أنه لو سقط آخر هذه الثلاثة الأقسام لبقي في النفس شيء لا يمكن التعبير عنه بإزاء ما سقط" . [ أسرار العربية 4]
    يقصد الأنباري أن الزيادة على ثلاثة الأقسام المذكورة للكلمة عبثٌ في التقسيم ، وأن النقص عنها مخلّ بمقاصد المتكلم .
    ولو تجاوزت هذا الحد من تعريف الكلمة وأنواعها .. إلى فصولها ؛ من الإعراب والبناء والاشتقاق والجمود والتجريد والزيادة ، لكنتَ كمن يوغل في وصف أوراق غصن نضيد أو أبناء أمّ ولود أو كمن يجمع الشبيه إلى شبيهه والنظير إلى نظيره .
    وقد كان لانضباط قوانين (الإعراب والبناء) في الكلمة و(الاشتقاق والجمود) و(التجريد والزيادة) في العربية واطّرادها ومرونتها = أثر ظاهر في تسويغ هذا التجريد البديع لشجرة اللسان . وهذا من جهة تعلق الكلمة بغيرها ( الذي يدرس في علم النحو على اصطلاحه المتأخر عن زمن سيبويه ).
    أما الكلمة في نفسها فقانون آخر (يدرس في علم الصرف)، لا يبعد في تجريده من تجريد الكلمة التي تعلقت بغيرها . فأنت تستعرض الكلمات العربية لتتبصر فيها آلة بديعة الصنعة ، قوامها أربعة أمور :
    1. الأحرف الأصول: ( ف . ع . ل . ل . ل ( الثابتة في كل كلمة ، ثُلاثية الأصول كانت أم رباعية (في الأسماء والأفعال) أو خماسية الأصول (ولا تكون كذلك إلا في الأسماء) .
    2. هذه الحروف الأصول تكون صحيحة ، وتكون عليلة ؛ وهي : الألف والواو والياء والهمزة .
    3. وتتغشاها أحرف الزيادة ؛ إن في الصدر أو في الحشو أو في العجُز ، وهي : ( سألتمونيها ) .
    4. وأحرف الإبدال التي تعتري أحرف الزيادة وهي المجموعة في قول : ( هدأت موطيا )!.
    وتتوالد أبنية لا حدّ لها على سنن هذا الميزان المحكم أو الآلة الدقيقة ، وتستخرج المعاني من صيغ الأوزان كما تستخرج من أحرف الكلمة المجموعة .
    والكلمة العربية على ذلك القانون الصرفيّ المُحكَم : غير قابلة لتجريد (: حذف أصول) أقل مما كان من الأصول الثلاثة؛ فليس في العربية كلمات أحادية أو ثنائية على الصحيح، إلا على تقدير حذف ، من نحو : قِ ، ويدٌ، وغير قابلة للضمّ والتمازج إلا إدغاماً نحو: مدّ ، أو بعلبك ، وغير قابلة للحذف منها إلا لقياس أو خفة مأثورة ، وغير قابلة للاقتصاد ( وفرق بين الخفة وهي مطلوبة ، والاقتصاد وهو مذموم في هذا الباب !) وغير قابلة للاعوجاج والذبول والتعجّم ".
    - وإذا كانت الكلمة العربية ( المرنة والمطواعة والقياسية) فأبنيتها خاضعة للميزان الصرفي ، وجارية على أقيسة مقطعية مطردة في الغالب، أما إذا كانت غير ثابتة الشكل في كل أحوالها ( أي المبنية ) ولا مجهولة الأصول ( أي الأعجمية (فغير داخلة في الميزان . ما الفائدة من وزن شيء مجهول ؟ أو وزن شيء ثابت الوزن ؟ .
    وتتدرج الكلمة في قياسيتها وضبطها المحكم من التركيب الثلاثي إلى الرباعي إلى الخماسي ، ومن المجرد إلى المزيد: مثال الأسماء الثلاثية المجردة : فَلْس وفَرس وكتِف وعضُد وحَمَل وعِنب وإِبل وقُفْل وصُرَد وعُنُق ودُئِل . ومثال الأفعال الثلاثية المجردة : ضرَب وجلس ونصر وعلم وحسب وكرم (أبواب الفعل الثلاثي الستة) .
    وإذا قلّبت كتاب المزهر للسيوطي في جزئه الثاني هالتْكَ تلك الكثرة الكاثرة من أوزان الأسماء، عنوانَ ثراء آلة اللسان العربي الذي يكاد يستحصي أوزان (الأسماء كلها) .
    وزمام الكلمة في العربية بيد الحروف المجردة (من داخل الكلمة)، التي تدور حولها الزوائد والعلل والبدائل .. بخلاف غيرها من كلم اللغات الأخرى فزمامها بيد المتكلم (أيْ: من خارج الكلمة) .
    هذا في الكلمة من الجهة اللفظية التي هي سعة في طواعية .. فما الجهة المعنوية ؟ .

    اللسان الأوسع المطواع !


    قبل الانتقال إلى نحو الجملة لنرى ما فيه من فضائل .. لا بد أن نستجلي أمراً فضيلاً ثالثاً من فضائل الكلمة العربية ، قد يخفى من نحو الكلمة، وهو لا يكاد يكون إلا في العربية .
    هذا الأمر يتجلى في الموروث الضخم من الكلم العربي، في العلم الذي سمي متن اللغة (ومتن الشيء: ظَهْره الذي يعتمد عليه)، الذي هو قاعدة ما سلف من الكلام عن آلة التجريد والتصريف والجمود والاشتقاق، وقاعدة ما يأتي من أنحاء وآلات .
    ذلك العلم الذي أحاطت به المعجمات العربية، ابتداء من معجم العين المنسوب إلى الخليل، إلى المعجم الوسيط الذي صنعه مجمع القاهرة، حتى استوى معجم اللسان العربي موثقاً بالنقل منظماً بالعقل واضحاً كالشمس . ولا زال العلماء يستدركون على هذه الكتب.
    امتد بناء المعجم العربي في الكتب منذ بدأ التدوين مع القرن الهجري الأول إلى الآن (أي : أربعة عشر قرناً ) بغير انقطاع ، فاجتمع له من العراقة والتهذيب والإحاطة والصحة والبراعة والخصوصية واللسن والتبحر والاستدراك والإحكام لم ينلها معجم آخر من آثار الألسنة الأخرى ، حتى بدا للناس في أبهى حلة وأجمل زينة وأنضر تاج على أحلى عروس.
    والأمر الذي أريد أن نستجليه هنا هو أن هذا ( المتن ) انبنى بأصوات كلام العرب، التي سلفت، وأن تلك الأصوات المؤلفة في كلمات كانت مفصّلة على أسس رفيعة من الحكمة والانسجام والتناظر والقياس، الذي يحكم أبوابها وفصولها وتقاليبها ومقاييسها وحروفها ودلالاتها ، حكمة تُدخل إلى العقل الريب في أنه من اصطلاح بشر، لا يزالون يختلفون .
    ونظرة إلى أول معجم حاول جمع أبنية العربية، وهو معجم العين المنسوب إلى الخليل بن أحمد (-175)، تكشف أن الخليل الذي كان سبب وضع أصل هذا الكتاب وراسم خطة أبوابه (منهجه)، وتلميذه الليث بن المظفر (-180) الذي تممه قد بنياه على أمرين ، ووُفّقا فيهما كل التوفي،وكان منهجه :
    (1) أن ترتب حروفه على ترتيبها الصوتي بدءاً من الجوف وانتهاءً بالشفتين والخيشوم .
    (2) أن يركب من هذه الحروف كلمات ، تقلب أصولها الستة وما يتصرف منها ، حتى يأتي على كل الأصول ، دالة في تقاليبها الستة على مدلول واحد عامّ .
    فمثلاً ( سَلِم ) تُقْلب إلى : سَمل ، ملم ، ملس ، ملل ، لمم = الإصحاب والملاينة ...
    وتبعه على هذا النهج الأزهري في التهذيب ، والقالي في البارع ، والصاحب في المحيط ، وابن سيده في المحكم.
    وكان البحث في هذه الدواوين الكبيرة مركزاً في تثبيت تفاصيل المنهج وتصحيح المواد وإحكامها، حتى قال ابن منظور في اللسان : ما رأيت أجمل من التهذيب للأزهري، ولا أكمل من المحكم لابن سيده .

    النهج الأصعب .. الأعمق


    أنبه أن اختيار الخليل بن أحمد لطريقة التقليب هذه هو اختيار للأصعب لا للأسهل ، كما لا يخفى ، ولا أحسب (شهيد التعليم والتيسير !) عدل عن الأسهل إلى الأصعب إلا لحكم في نفسه ، أظهرها في مواضع من العين كما قال ابن فارس.
    قال ابن فارس إن الفضل في بناء معجمه (المقاييس) يعود إلى الخليل وإشاراته في كتابه.
    وجاء أبو الفتح بن جني (-392) ، تابعاً أبا علي الفارسي ، فلفت النظر إلى حكم ترتيب معجم العين للخليل، وسمى ذلك الترتيب تقليباً [الخصائص 2/134-139]، فتكلم عن الاشتقاق ، وعدّه واحداً من خصائص العربية .
    وقد قسم ذلك الاشتقاق إلى اشتقاق أصغر ، وهو أن تأخذ أصلاً من الأصول ، فتتقراه ( تستقرئه )، فتجمع بين معانيه ، وإن اختلفت صيغه ومبانيه ، كتركيب (س ل م) فتصرفه بمعنى السلامة على سلم ويسلم وسالم وسلمان وسلمى والسلامة والسليم.
    وإلى اشتقاق أكبر ، و"هو أن تأخذ أصلاً من الأصول الثلاثية ، فتعقد عليه وعلى تقاليبه الستة معنى واحداً ، تجتمع التراكيب الستة وما يتصرف من كل واحد منها عليه ، وإن تباعَد شيءٌ من ذلك عنه رُدّ بلطف الصنعة والتأويل إليه ؛ كما يفعل الاشتقاقيون ذلك في التركيب الواحد".
    وضرب على ذلك أمثلة: تقليب الكلام (ك ل م) والقول (ق و ل) والجبر (ج ب ر) والقسوة (ق س و) والسلام (س ل م) .فتقاليب (الكلام) ترجع إلى القوة والشدة .
    وتقاليب (القول) ترجع إلى الإسراع والخفة .وتقليب (الجبر) ترجع إلى القوة والشدة . وتقاليب (القسو) ترجع إلى القوة والاجتماع .وتقاليب (السلام) ترجع إلى الإصحاب والملاينة .
    فهو يرى أنها مادة واحدة شُكّلت على صور مختلفة ، فكأنها لفظة واحدة، وأن اختلاف صورها اختلاف تنويع وتفصيل وتقييد .
    ابن جني يقارن بين تصاريف جذور الكلم ، ويقارن تصاريف جذر الكلمة الواحدة ، وقد رأى في كلٍّ معانيَ جامعة ومشتركة .وتوقف ابن جني عند جواز طرد الاشتقاقين في كل اللغة ، لأن ذلك يفوق طوق آحاد الخلق .ومن هنا لفت النظر إلى حكمة من حكم الوضع العربي .
    واستبان ذلك أيضاً أحمد بن فارس (- (395، ولكنه استدرك أنه ليس كل كلام العرب جارياً على هذا القياس والحكم والطرد، فقد استبعد من ذلك القياس: المعرّب والمبدل والمقلوب والمؤتلف من أصل واحد وحكاية الصوت وأسماء النبت والمكان والأعلام والألقاب والإتباع والمنحوت والمبهم والحروف والأدوات ؛ فهذه ألفاظ لا يدخلها قياس ، وأعفى نفسه من إدخالها في معجمه : (معجم مقاييس اللغة).
    ولكن بقي مما استثناه ابن فارس شيء كثير، استوعبه في كتابه: معجم مقاييس اللغة (2650 صفحة) في ستة مجلدات (ط هارون).
    ومن أمثلة هذا الاشتقاق : قال ابن فارس :"وإن لله في كل شيء سراً ولطيفة، وقد تأملت هذا الباب (باب الدال مع اللام) ، من أوله إلى آخره ، فلا ترى الدال مؤتلفة مع اللام بحرف ثالث إلا وهي تدل على حركة ومجيء ، وذهاب وزوال ، من مكان إلى مكان". معجم مقاييس اللغة 2/298.
    وقال الزَّبيدي : "نقل شيخنا عن الزمخشري في الكشاف أنه قال : لو استقرئ أحد الألفاظ التي فاؤها نون ، وعينها فاء ، لوجدها دالة على معنى الذهاب والخروج ". التاج (نفد).
    إن لك أن ترى هنا آلتين أخريين في هذا الباب :
    3) ) آلة انتظام الجذر الواحد في معنى واحد ، وهو الأَوْلى (في رأيي وهو ممكن في كثير المواد) أو اثنين ... أو خمسة (انظر : ابن فارس معجم مقاييس اللغة ) .
    4) ) آلة اشتراك بعض المتقاربات الأصوات في معان عامة (انظر : ابن جني في الخصائص: باب إمساس الألفاظ أشباه المعاني وغيره) .
    وما أحوجنا اليوم إلى البحث في هذه الأبواب من الاشتقاق والتنقير فيها وتوسيعها .

    فائدة


    جاء في كتاب العين ( مادة : كنع ): أن لغة الكنعانيين تشبه العربية ! والكنعانيون هم أبناء سام بن نوح .

    رأي يحتمل !


    ظهر كتاب سيبويه (-180 هـ) كاملاً فأعيا من بعده؛ كما قيل، وظهر كتاب العين (180هـ تقريباً) منقوصاً، ولم يستتم المعجم العربي إلا بعد ذلك .ويظهر الفرق واسعاً بين العين والتهذيب والمحكم واللسان والتاج ! .وسبب ذلك أن ضبط أقيسة الكلام العربي (المدونة في كتاب سيبويه) أيسر من ضبط مادته (المدونة في العين).
    وفي هذا عذر للخليل بن أحمد ، وهو أصل الكتابين معاً، وعذر لأتباعه بإحسان ، الذين صنعوا ما صنعوا من معجمات فرادى !.
    يدلنا هذا أن اللسان العربي سهل البناء والأقيسة من جهة ، عميق الجذور واسع المادة باسق المعاني من جهة أخرى .وأمر قياس العروض كالنحو تماماً وكالصرف .

    الموازنة


    تتكون الانجليزية من أقسام أكثر من أقسام العربية ، وهي :
    (1) اسم NOUN
    2) ) ضمير PRONOUN
    3) ) فعل VERP
    4) ) صفة ADJECTIVE
    5) ) حال أو ظرفADVERP
    6) ) حرف جرّ PREPOSITION
    7) ) حرف عطف CONJUNCTION
    8) ) حرف تعجب INTERJECTION
    9) ) أداة ARTICIE
    10) ) مصطلحات IDIOMS
    ومثل الانجليزية في هذا التقسيم الفرنسيةُ ، وسائر الأوربيات التي توخت القواعد اللاتينية، ووجدت أن بعض الهندوأربيات اتبعت التقسيم اللاتيني لأقسام الكلمة؛ لأنه تقسيم يصدق على أقسامها في واقع الأمر .
    وكثرة الأقسام وتعصيها على الاختصار تعني فيما تعنيه نوعاً من تفلت الزمام وتعثّراً في اطراد الأحكام وفشلاً في انتظام الأقسام على أقل من ذلك العدد من الأقسام .
    وحق العربية ، وهي الكبيرة المعجم والكثيرة الأصوات ، أن تكون أقسام كلِمها أكثر ، ولكن رأينا العكس، وسبب ذلك أن الأكثر أقساماً هو الأكثر تعقيداً ، وأن العكس بالعكس .
    فإذا أضيف إلى كثرة أقسام الكلمة كثرةُ أزمنة الفعل (22 زمناً)، وكثرةُ الصيغ المعبرة عن تلك الأزمنة، وكثرة الأفعال الشاذة في تصريفها والمختلفة في صيغتها، حتى كأن الأصل هو اختلافها وشذوذها = يبلغ التعقيد مدى لا تشعر به في العربية التي تتكون من ثلاث صيغ (ماض ومضارع وأمر) ، تعبر بها وبغيرها من المشتقات المتصرفة والمقيسة والمطردة ، عن فروع تلك الأزمنة الثلاثة (المضي والحضور والاستقبال) . ويكاد يتفق الدارسون أن قواعد الأفعال والضمائر هي من أصعب ما يمر به المتعلم في الانجليزية .
    وهذا التقسيم في الانجليزية ، وما كان في شبه نظامها من الألسنة ذات الأصول اللاتينية (الهندوأربية) ، يخلط بين نحو الكلمة ونحو الجملة (انظر مثلاً المصطلحات : الأمثال ).
    وليس محل الإشكال هو كثرة الأزمنة ؛ فالإنسان مضطرّ إلى معرفتها بدقة واستعمالها على ظروفها ومنازلها؛ بخلاف كثرة الصيغ المعبرة عنها التي هي المركب الصعب .
    وترى في الانجليزية تحت تلك الأقسام ) مقسمة تقسيماً عُمقيّاً أو رأسيّاً ، وتأتي فيه الأنواع المندرجة تحت القسم السطحي/ الأفقي السالف ) مفرداتٍ تقل عن مفردات العربية في الدلالة على الأشياء ، مثال ذلك الضمائر: I We You They He She It، ومثل أدوات الشرط التي تفوق العشرين في العربية ، وليست إلا واحدة في الإنجليزية : IF.
    فهي كثيرة الأقسام قليلة الألفاظ ؛ بخلاف العربية قليلة الأقسام كثيرة الألفاظ .
    واختفى من الانجليزية ما يعبر عن الضمائر العربية : أنتِ أنتما أنتنّ هما هنّ . وجعلوا ضميراً لغير العاقل(It)؛ اعتبروا غير العاقل، ولم يعتبروا النساء (التأنيث)! .والعرب ترى أن لكل شيء عقلاً بحسبه ، نحو قوله: ( قالت نملة : ) (قالتا : أتينا طائعين) ، ويا جبلُ ، ألا أيها الليلُ.
    دع حروف الجرّ ، فهي في العربية: عشرون ، وفي تلك الألسنة لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة . وحروف الجر من روابط الكلام، وهي تجرّ في العربية ليس غير ، أما في غيرها فهي جارّة بلا جرّ .
    ولك أن تتصور الفرق بين ذينك التقسيمين في تكليف المبتدئين استخراج أقسام الكلام العربي من نص عربي ، واستخراج أقسام الكلام من نص انجليزي ! .
    وتعتمد ألسنة كثيرة على الأفعال المساعدة في أداء معانٍ جليلة، كأفعال الكينونة وأفعال الملكية وغيرها ، وذلك لضعف في قدرة أفعالها عن تحمل الدلالة الزمنية في طيها وعن قصورها عن أن تسند إليها الضمائر ، كما سيأتي في نحو الجملة .
    ومر بنا أن الصينية تتكون من مقاطع .. فلا معنى للتقسيم السالف فيها ! ، ولا تستطيع أن تعرف من شكل المفردة الصينية أهي اسم أم فعل أم صفة أم ضمير أم جماد أم إنسان؟، إلا في السياق (كالحرف عندنا: يدل على معني مع غيره)، وقد يسمع الصينيّ المقاطع واضحة فلا يفهم مدلولها ، وتستعمل المقاطع في تكوين الكلمات المفردة بأنواعها ( أسماء/ أفعال/ حروف ). وقد ترى جملةً من مقطعين ومفردةً من ثلاثة مقاطع ، والأغلب أن لكل مفردة مقطعاً واحداً كالقالب الجامد ، لا يجرّد ولا يوزن ولا يبدل ولا يتصرف إلا نادراً وبلواحق .
    واستقل فيها التعبير الزماني عن الفعل كالانجليزية ، فيأتي الفعل وبعده مقطع أو مقاطع تبين زمنه الذي وقع فيه ، وقد ترى مقاطع بعينها، خارجةً عن بنية الفعل، يعبرون بها عن الاسمية والفعلية، أو مقاطع مكرّرة أو أصوات تحاكي الحدث أو تطابق الصوت، وهي في العربية أسماء أصوات مثل: قَب ؛ لغلق باب، وغاق ؛ لصوت الغراب، لا أصوات مطابقة للصوت في الواقع فحسب. وليس عندهم مقاطع لصيغة الجمع ، بل المفرد يُعبر به عن المثنى والجمع! . واختفت من معارفها الضمائر، فيستعيظون عنها بما هو أثقل : الاسم الظاهر مضافاً إليه مقاطع تثبت حضوره أو غيابه !. واستجاب لسانها العتيق طائعاً لقرار عظيم الصين ؛ ماو سي تونج (أشرت إليه آنفاً) الذي حَصَد منها ثلاثة أرباعها !.
    وفي الانجليزية (من الأوربيات) أسماء وأفعال تكتب بمقطع واحد يفرق بينهما السياق (كالصينية ! . (وهذا يبعدهما عن الألسنة الاشتقاقية المرنة المطواعة، ويقربهما من الألسنة المتصلبة المتعجمة (من عجمة النواة: صلابتها).
    والفارسية من الألسنة الاشتقاقية كالألمانية (بجامع : الهندوأوربية)، ولكن لم تستطع (مثل العربية مع كلمات الفارسية المعرَّبة ) تصريف الكلمات العربية التي دخلت إليها على موازين كلامها ، فجاءت الكلمات العربية فيها دخيلة جامدة (مبنيّة) بادية العسر ( وهذا نوع من انفلات الزمام والتعجّم والتصلّب) !. وسبب ذلك ضعف منظومتها الصرفية والاشتقاقية مقارنة بمنظومة العربية ذات الأصل والفصل !.
    ويبدو تأثر واضعي قواعد الفارسية بشكل القواعد العربية واصطلاحاتها ، مع اختلاف المضمون !، فجاء تقسيم أزمنة أفعالها والصيغ التي تعبر عنها متشابهاً مع نظام الانجليزية (في التعقيد).
    واختفى من ضمائرها أنتِ وأنتما وأنتن وهما وهنّ (كالانجليزية والفرنسية) ، كاختفاء هذين وهاتين !.
    وتأثر معجم العبرية (السفردية) ، كالمعجم الفارسي ، بما أخذوه عن العرب ، إبان إقامتهم في الأندلس؛ للتقارب الكبير بينهما في التكون من الأصول الثلاثية للكلمات ونحوه، وتأثر بما نقله (الأشكناز) من الأوربيات، وجعلوا حديثاً للحال والاستقبال فعلين ؛ واحداً للحال وواحداً للاستقبال ؛ عوضاً عن فعل واحد يغني عن صيغتين : بدل الفعل المضارع في العربية الذي يسدّ مسدهما؛ فالأفعال عندهم أربع صيغ ؛ وما ذلك إلا لنقص الاشتقاق فيها . يقول العربي في الحال : (أنا أذهب)، وفي الاستقبال : (أنا ذاهبٌ) من باب الترجمة! فأنا ذاهب: ليس فيها دلالة زمنية؛ كما لا يخفى، فهي اسم، وبعض الكوفيين يسمي في : (أنا ذاهبٌ) منوناً: فعلاً دائماً؛ يقصدون : الحدث، وفي العبرية الحديثة بالعكس !. ( وقد كانت العبرية القديمة ثلاثية التقسيم كالعربية ).
    واختفى منها أنتما وهُما ، وتؤدي بضمير البعد معنى الإشارة إلى البعيد ؛ فلا اسم إشارة له فيها .
    اختفت من هذه الألسنة المحكية والمدونة = أسماء كثيرة بأوزانها ، واختفت دلالات معنوية وزمانية في ألفاظها وتصاريفها ، واختفت معاني حروف وحروف معانٍ... وبقيت تلك الأسماء والأوزان والدلالات والحروف في العربية المدونة والمحكية .
    فعلى أيّ معنى يدل بقاء تلك الفنون اللفظية المعنوية في العربية ، مع ذاهب آثارها من غيرها ؟ ..

    (يتبع .. ثالثاً : نحو الجملة )
    عصام عبدالله المجريسي
    ماجستير في اللغة العربية
    بنغازي . ليبيا

    تعليق


    • #3
      حقيقة موضوع ماتع جدا أشكركم عليه. وأرجو منكم إكماله حفظكم الله .

      تعليق

      19,912
      الاعــضـــاء
      231,501
      الـمــواضـيــع
      42,375
      الــمــشـــاركـــات
      يعمل...
      X