إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • من مهمات التفسير : معرفة عرف القرآن والمعهود من معانيه واستعمالاته

    [align=center]بسم الله الرحمن الرحيم [/align]

    من الضوابط المهمة التي لابد منها للمفسر حتى يتمكن من تفسير القرآن والكشف عن معانيه بالطريقة الصحيحة :
    معرفة عرف القرآن والمعهود من معانيه واستعمالاته ؛ فإن للقرآن عرفاً يختص به وطريقةً يتمّيز بها سواء كان ذلك في استعمال الألفاظ لمعانٍ معينة أو في التركيب والأساليب التي يتميّز بها . وسواء أكان الاستعمال استعمالاً أغلبياً – بأن كانت الكثرة الكاثرة من الاستعمال متفقةً في دلالتها على معنى واحد أو مطرداً بأن يكون الاستعمال في جميع المواد متفقاً على معنى واحد أو عادة في أسلوب القرآن ) [من " قواعد الترجيح " للدكتور حسين الحربي بتصرف (1/172) ]..
    ومما يدل على أهمية هذا الضابط في التفسير أن بعض العلماء جعله مرجعاً يرجع إليه لمعرفة الصحيح من الأقوال عند تعارضها كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية – – وهو يتكلم عن تفسير التابعين : ( فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجةً على بعض ، ولا على مَن بعدهم ، ويُرجع في ذلك على لغة القرآن أو السنة ، أو عموم لغة العرب ، أو أقوال الصحابة في ذلك ) اهـ [ من " مقدمة التفسير " (ص92) ].
    وتبعه على هذا ابن كثير في " مقدمة التفسير " .
    فمراد ابن تيمية بقوله : ( لغة القرآن ) أي المعاني الشرعية للألفاظ التي جاءت في القرآن مع أن القرآن الكريم نزل بلغة العرب ، إلا أن وجدناه استعمل ألفاظاً عربية في معانٍ لم يعرفها العرب من قبل ، تصرّف فيها كما تصرف العرب فيها .[ ينظر كتاب : " لغة القرآن الكريم " للدكتور عبد الجليل عبد الرحيم فقد عقد فصلاً فيه بعنوان : المعاني الجديدة التي جاء بها القرآن الكريم مستعملاً لغة العرب ، ( من ص365-402) ..]
    ومن هنا تظهر أهمية معرفة عرف القرآن في استعماله للألفاظ والأساليب ، لأنها مقدمة على المعاني العرفية والمعاني اللغوية .
    ولذلك ذكر العلماء هذه الأمور ، فذكروا أنواعاً ثلاثة من الحقائق للألفاظ :
    الحقيقة الشرعية ، والحقيقة العرفية ، والحقائق اللغوية وجعلوا لها قواعد معروفة في كتب الأصول .
    ( والقاعدة في هذا : أن الأصل تقديم الحقيقة الشرعية في تفسير نصوص الشرع ما لم يأت ما يدل على تقديم الحقيقة اللغوية أو العرفية .
    فإن لم يكن للفظ معنى شرعي ، قدمت الحقيقة العرفية في تفسيره وبيان المراد منه ، ما لم يأت ما يدل على تقديم الحقيقة اللغوية .
    فإن لم يكن للفظ معنى شرعي ولا عرفي ، فسِّر بحسب اللغة ، ولا ينتقل عنه إلى المجاز إلا بقرينة – عند القائلين به ) [ ينظر كتاب قيم في هذا للشيخ محمد بن عمر بازمول بعنوان : " الحقيقة الشرعية في تفسير القرآن العظيم والسنة النبوية " .]

    جاء في الكتاب "الحقيقة الشرعية ..."ما مختصر: ( والقاعدة السابقة ركيزة أساسية لفهم القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ، والإخلال بها يؤدي إلى تحريف الشرع ، والانحراف بنصوصه عن معانيها المرادة منها ، كما يؤدي الإخلال بهذه القاعدة إلى حدوث الاختلاف والتنازع في أمور ، لو عُرفت حقيقتها ، وروعي تنوع الاصطلاح فيها ، وعُرفت الحقيقة الشرعية لها – لو عرف ذلك ؛ لما حصل الاختلاف والتنازع ، إلا أن يشاء الله ..
    لذلك ينبغي للناظر في القرآن الكريم والسنّة المطهرة أن لا يتسرع في الهجوم على المعنى المراد في النص الشرعي قبل أن تتميز له الحقيقة المرادة من النص الشرعي فعليه وظيفتان :
    الأولى : النظر هل لهذا للفظ الوارد في النص الشرعي حقيقة شرعية أم لا ؟

    فإن وجدت له حقيقة شرعية ، تأتي الوظيفة التالية .
    الثانية : النظر هل هذه الحقيقة الشرعية مرادة في هذا النص أم أن هناك ما يمنع إرادتها ؟ فإن لم يجد ما يمنع من الحقيقة الشرعية في لفظ النص الذي بين يديه فسرّه بها ، وإلا ، صار بحسب القرينة إلى المعنى العرفي أو اللغوي ، كما سبق في القاعدة ) .
    ( ولكن كيف يتوصل إلى معرفة الحقيقة الشرعية للألفاظ ؟ يتوصل إلى معرفة المعنى الشرعي بإحدى طريقتين :
    الأولى : استقراء النصوص الشرعية ، وتتبع استعمال اللفظ المراد .
    الثانية : استعمال الصحابة وعرفهم للألفاظ ؛ إذ الشرع نزل بلغتهم وبعرفهم في الأصل ، وهو ما اصطلح عليه : بعرف زمن التشريع ) .
    وقد ذكر المؤلف نقولات من مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية – عليه – تؤيد كلامه وتوضحه وتبينه . ومن ذلك ما قاله شيخ الإسلام – – كتاب الإيمان : ( اللفظ إنما يدّل إذا عرف لغة المتكلم التي بها يتكلم ، وهي عادته وعرفه الذي يعتاده في خطابه ، ودلالة اللفظ على المعنى دلالة قصدية إرادية اختيارية ، فالمتكلم يريد دلالة اللفظ على المعنى ، فإذا اعتاد أن يعبر اللفظ عن المعنى كانت تلك لغته ولهذا كل مَن كان لـه عناية بألفاظ الرسول ومرادِه بها عرف عادته في خطابه وتبيّن له من مراده ما لا يتبين لغيره .
    ولهذا ؛ ينبغي أن يقصد إذا ذكر لفظ من القرآن والحديث أن يذكر نظائر ذلك اللفظ ؛ ماذا عنى بها الله ورسوله ؟ فيعرف بذلك لغة القرآن والحديث ، وسنَّة الله ورسوله التي يخاطب بها عباده ، وهي العادة المعروفة من كلامه .
    ثم إن كان لذلك نظائر في كلام غيره ، وكانت النظائر كثيرة ؛ عرف أن تلك العادة واللغة مشتركة عامة لا يختص بها هو - - بل هي لغة قومه، ولا يجوز أن يحمل كلامه على عادات حدثت بعده في الخطاب لم تكن معروفة في خطابه وخطاب أصحابه كما يفعله كثير من الناس ، وقد لا يعرفون انتفاء ذلك في زمانه ) .
    ثم ذكر كلاماً مهماً يتعلق بهذا في القياس في اللغة ، وذكر أن هذا هو سبب ضلال من ضل من المبتدعة فإنهم صاروا يحملون كلام الله ورسوله على ما يدّعون أنه دال عليه ولا يكون الأمر كذلك ، ويجعلون هذه الدلالة حقيقة وهذه مجاز ، كما أخطأ المرجئة في اسم الإيمان جعلوا لفظ الإيمان حقيقة في مجرد التصديق ، وتناوله للأعمال مجازاً . اهـ [ من كتاب الإيمان (ص110-112) ]
    .
    ثم ذكر المؤلف أنه ينبني على ما سبق أمور مهمة :
    منها : لا يجوز تفسير القرآن العظيم وحديث الرسول – – على غير تفسير الصحابة والتابعين .[ أي بتفسير يأتي على تفسيرهم بالنقض ، ويكون مخالفاً له .]

    ومنها : تفسير النصوص الشرعية بغير المراد الشرعي فتح لباب الزندقة .
    ومنها : أنه ليس كل ما جاز في الإعراب النحوي جاز تفسيراً !!
    قال ابن قيم الجوزية – رحمة الله عليه - : ( وينبغي أن يفطن هنا لأمر لابد منه ، وهو أنه لا يجوز أن يحمل كلام الله ويفسّر بمجرّد الاحتمال النحوي الإعرابي الذي يحتمله تركيب الكلام ، ويكون كلام به له معنى ما ؛ فإن هذا مقام غلظ فيه أكثر المعربين للقرآن ؛ فإنهم يفسرون الآية ويعربونها بما يحتمله تركيب تلك الجملة ، ويُفهم من ذلك التركيب أي معنى اتفق ، وهذا غلط عظيم يقطع السامع بأن مراد القرآن غيره ... ) .
    ثم ذكر أمثلة ، ثم قال : ( بل للقرآن عرف خاص ومعان معهودة لا يناسبه تفسيره بغيرها ، ولا يجوز تفسيره بغير عرفه والمعهود من معانيه فإن نسبة معانيه إلى المعاني كنسبة ألفاظه إلى الألفاظ ، بل أعظم ، فكما أن ألفاظه ملوكُ الألفاظ وأجلها وأفصحها ولها من الفصاحة أعلى مراتبها التي يعجز عنها قُدر العالمين ، فكذلك معانيه أجل المعاني وأعظمها وأفخمها ؛ فلا يجوز تفسيره بغيرها من المعاني التي لا تليق به ، بل غيرها أعظم منها وأجل وأفخم ، فلا يجوز حمله على المعاني القاصرة بمجرّد الاحتمال النحوي والإعرابي .
    ثم قال ابن القيم : ( فتدبر هذه القاعدة ، ولتكن منك على بال فإنك تنفع بها في معرفة ضعف كثير من أقوال المفسرين وزيفها وتقطع أنها ليست مراد المتكلم تعالى بكلامه ) [ من " بدائع الفوائد " بواسطة " بدائع التفسير " (2/248-249) .]
    ومنها : بطلان جعل تفسيرات الباطنية والصوفية مرادات في ألفاظ الشرع التي يوردونها مع أن اللفظ لا يدل عليها .
    ومنها : ( أي الأمور التي تنبني على معرفة هذه القاعدة ؛ الحقيقة الشرعية) :
    أهمية التفسير الموضوعي ، حيث يقوم على جمع الآيات المتعلقة بموضوع واحد من أجل بيان هذا الموضوع ، مع الاستعانة في ذلك بالأحاديث المتعلقة بالموضوع .
    ومنها : أنّه ليس كل ما جاز لغة جاز تفسيراً وذلك مراعاة لهذه القاعدة ، فلا يجوز الهجوم على تفسير القرآن الكريم والسنة النبوية بمجرّد المعاني اللغوية دون مراعاة كون هذا المعنى اللغوي مراداً شرعياً في النص المراد تفسيره .
    ولذلك تجد العلماء – - : يقولون عند بيانهم لمعنى لفظ شرعي : معناه في اللغة كذا ، وفي الشرع كذا .
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية – -: ( ومما ينبغي أن يعلم أن الألفاظ الموجودة في القرآن والحديث،إذا عرف تفسيرها وما اريد بها من جهة النبي - - ، لم يُحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم ، ولهذا قال الفقهاء : الأسماء ثلاثة أنواع : نوع يعرف حده بالشرع ، كالصلاة والزكاة ، ونوع يعرف باللغة ، كالشمس والقمر ، ونوع يُعرف بالعرف ، كلفظ القبض ، ولفظ المعروف في قوله : وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ .. ونحو ذلك ...
    فاسم الصلاة والزكاة والصيام والحج ونحو ذلك بيّن الرسول ما يراد بها في كلام الله ورسوله ، وكذلك لفظ الخمر وغيرها ، ومن هنا يعرف معناها،فلو أراد أحد أن يفسّرها بغير ما بينه النبي لم يقبل.
    أما الكلام في اشتقاقها ووجه دلالتها ، فذاك من جنس علم البيان وتعليل الأحكام ، وهو زيادة في العلم وبيان حكمة ألفاظ القرآن ، لكن معرفة المراد بها لا يتفق على هذا ) ا هـ [ " مجموع الفتاوى " (7/286) ..]

    ومما يجدر التنبيه عليه أنه لا يُقال عن المعنى الشرعي إنه معنى اصطلاحي ؛ إذ الاصطلاح ما كان عن اجتماع بعض الناس فتصالحوا على معنى ما في لفظ ، والمعنى الشرعي ليس كذلك ، إنما هو ما نتج عن استقراء الاستعمال الشرعي لذلك اللفظ – وبالله التوفيق - ) .

    أمثلة تدل على أهمية هذا الضابط في تفسير كلام الله ومعرفة الراجح من الأقوال عند تعددها في معنى لفظة أو آية :
    1- الزينة في قوله تعالى : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا .
    قال العلامة الشنقيطي – – في تفسيره :"أضواء البيان" ، بعد أن ساق أقوال العلماء في المراد بالزينة الظاهرة والزينة الباطنة : ( وجميع ذلك راجع في الجملة إلى ثلاثة أقوال :
    الأول : أن المراد بالزينة ما تتزين به المرأة خارجاً عن اصل خلقتها ، ولا يستلزم النظر إليه رؤية شيء من بدنها كقول ابن مسعود ومن وافقه : إنها ظاهر الثياب ؛ لأن الثياب زينة لها خارجة عن أصل خلقتها ، وهي ظاهرة بحكم الاضطرار كما ترى وهذا القول هو أظهر الأقوال عندنا وأحوطها وأبعدها من الريبة وأسباب الفتنة .
    القول الثاني : أن المراد بالزينة ، ما تتزين به ، وليس من أصل خلقتها أيضاً لكن النظر إلى تلك الزينة يستلزم رؤية شيء من بدن المرأة ، وذلك كالخضاب والكحل ، ونحو ذلك لأن النظر إلى ذلك يستلزم رؤية الموضع الملابس له من البدن كما لا يخفى.
    القول الثالث : أن المراد بالزينة الظاهرة بعض بدن المرأة الذي هو من أصل حلقتها ، كقول من قال : إن المراد بما ظهر منها الوجه والكفان ) ا هـ .
    وأما سبب ترجيحه للقول الذي رجحه فهو ما أوضحه بقوله : ( وإيضاحه : أن لفظ الزينة يكثر تكراره في القرآن العظيم مراداً به الزينة الخارجة عن أصل المزين بها ، ولا يراد بها بعض أجزاء ذلك الشيء المزين بها كقوله تعالى : يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ .
    وقوله : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ .
    وقوله تعالى : إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا .
    وقوله تعالى : إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ . وقوله تعالى : فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ .
    وقوله : وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ .
    فلفظ الزينة في هذه الآيات كلها يراد بها ما يزين به الشيء وهو ليس من أصل خلقته كما ترى ، وكون هذا المعنى هو الغالب في لفظ الزينة في القرآن يدل على أن لفظ الزينة في محل النـزاع يراد به هذا المعنى الذي غلبت إرادته في القرآن العظيم .. وبه تعلم أن تفسير الزينة في الآية بالوجه والكفين فيه نطر ) ا هـ [ وانظر : " قواعد الترجيح " باختصار (1/179-181) .]
    2- ومن الأمثلة – أيضاً – التي تبين أهمية معرفة هذا الضابط وأنه يبطل بعض الأقوال لمخالفتها لمدلوله ، ما جاء في تفسير قوله تعالى : وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ .
    رأى بعض من فسّرَها أنها تدل على أن الجبال الآن في الدنيا يحسبها رائيها جامدة : أي واقفة ساكنة غير متحركة وهي تمر مرّ السحاب ، وذلك دوران الأرض حول الشمس بل أشاروا إلى أن هذا التفسير هو المتناسب مع الإتقان المذكور بعده صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ وإلا فالقيامة تخريب للعالم لا يتناسب مع الإتقان [ ينظر تقرير هذا الكلام في : " تفسير محاسن التأويل " للقاسمي (13/89-92) وفيه قوة من جهة الاستدلال ، فالمسألة تحتاج إلى نظر وتحرير .وقد سبق بحث هذا القول وذكر كلام القاسمي هنا :هل قوله تعالى : ( وترى الجبال تحسبها جامدة ...) في الدنيا أم في الآخرة ؟ أرجو التعليق

    قال صاحب كتاب " قواعد الترجيح " : ( وهذا القول مردود بهذه القاعدة وذلك أن جميع الآيات التي في حركة كلها في يوم القيامة كقوله تعالى : يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْراً . وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْراً ، وقوله : وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وقوله: وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً وقوله: وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ .
    فهذه الآيات ونحوها جاء الخبر فيها عن حركة الجبال في يوم القيامة بهذه الآية هي كذلك، كما جاء مطرداً في القرآن – فضلاً عن كونه غالباً ) إلخ كلامه (1/183).

    4- المراد بالمسجد الحرام في القرآن :
    يوجد بحث للدكتور إبراهيم الصبيحي عن هذه المسألة في كتابه : " المسائل المشكلة في مناسك الحج والعمرة " وهذا مختصرٌ لما ذكره فيها :
    ( ورد ذكر المسجد الحرام في كتاب الله تعالى خمس عشرة مرة وهو في جميع هذه الآيات معرفاً موصوفاً ، وقد اختلف العلماء في المراد به ، وهذه مجموعة من أقوال العلماء في ذلك :
    قال الماوردي : كل موضوع ذكر الله فيه المسجد الحرام فهو الحرم إلا قوله تعالى : فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فهو نفس الكعبة .
    وقال الإمام القرطبي – – في تفسير قوله تعالى : فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ : وهذا اللفظ يطلق على جميع الحرم ، وهو مذهب عطاء ، فإذا يحرم تمكين المشرك من دخول الحرم أجمع .
    وقال ابن القيم – – في سياق كلام له عن غزوة الفتح : ( ... قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ الآية والمسجد الحرام هنا المراد به الحرم كله ، كقوله تعالى : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا فهو المراد به الحرم كله ، وقوله سبحانه : سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى وفي الصحيح : أنه أسرى به من بيت أم هانئ [ في كلام ابن القيم هنا نظر في قوله : ( وفي صحيح ) ذكره محقق كتاب زاد المعاد ] وقال تعالى : ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وليس المراد به حضور نفس موضع الصلاة اتفاقاً ، وإنما هو حضور الحرم والقرب منه ) إلخ كلامه .

    وقد أورد المؤلف نقولاً أخرى تتعلق بهذه المسألة ثم قال : ( قلت : هذه نصوص أهل العلم ، والمسألة خلافية كما ترى ، إلا أن الظاهر أن المراد به عموم الحرم ؛ لأن اسم المسجد الحرام إذا أطلق في القرآن فالظاهر أنه يراد به العموم كما سبق نقل ذلك عن العلامة ابن القيم – – وإن أصرح الآيات في ذلك قول الله تعالى :
    1- وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ .
    2- وقال تعالى : يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ .
    3- وقال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ .

    فهذه الآيات دالة على أن المراد بالمسجد الحرام الحرم كله ، وممن ذهب إلى هذا – أيضاً – الإمام ابن حزم – – فقد أطال في الاستدلال على هذا (ثم ذكر المؤلف كلامه في هذا) وينبني على هذا أن الصلاة في الحرم كله مضاعفة وأنها بمائة ألف صلاة فيما سواه لما ثبت أن صلاة في مسجد النبي -- بألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجد النبي –صلى الله عليه سلم- (وفي هذه المسألة خلاف أيضاً) .

    (ويدخل تحت هذا جلُّ ما ذكره المفسرون من الكليات ؛ لأن جلها أغلبي لا كلي مطرد إلا القليل منها . فيحكونها كلية لأجل ترجيحهم في موضع التنازع لما غلب استعماله في أكثر المواضع ومن ذلك قول ابن القيم مثلاً : النجوم حيث وقعت في القرآن فالمراد منها الكواكب .اهـ مع أن الخلاف في آية الواقعة (75) معلوم وقد ذكره ابن القيم – أيضاً - .
    وقد ذكر ابن فارس في كتابه " الأفراد" جملة من الكليات في التفسير نقلها عنه الزركشي والسيوطي وزاد عليها جملة وافرة .
    وذكر الراغب الأصفهاني في " المفردات " جملة منها واهتم بالأسلوب أكثر من غيره (ذكرها المحقق صفوان داوودي في الفهارس : " فهرس القواعد الكلية في التفسير " .
    واهتم بها – أيضاً – الكفوي في كلياته ، وذكر المفسرون في مواضع متناثرة جملة منها ) [ من كتاب : " قواعد الترجيح " (1/184-185).] ومن ذلك :
    1- قول ابن عباس ومجاهد وعطاء وعمرو بن دينار : كل شيء في القرآن أو كذا أو كذا فصاحبه بالخيار أيّ ذلك شاء فعل . ا هـ [ " جامع البيان " (2/237 ].
    2- ومنها قول ابن زيد : التزكي في القرآن كله : الإسلام . ا هـ [ " جامع البيان " (30/39).]
    3- ومنها قول قتادة : حيثما ذكر الله الخير في القرآن فهو المال . ا هـ .

    ولمعرفة المزيد من الأمثلة ينظر كتاب:"الحقيقة الشرعية" لمحمد بن عمر بازمول.


    حرر عصر الخميس 5 جمادى الآخرة 1425هـ في مدينة الرياض .
    محمدبن عبدالله بن جابر القحطاني
    moh396@gmail.com

  • #2
    وسأذكر - إن شاء الله - أمثلة تطبيقية متتابعة لهذه القاعدة :

    من الأمثلة ما جاء في تفسير قول الله نعالى : اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ (الحديد: من الآية20)

    قال ابن القيم في سياق كلام له عن هذه الآية : ( ثم أخبر سبحانه عن مصير الدنيا وحقيقتها ، وأنها بمنزلة غيث أعجب الكفار نباته ، والصحيح - إن شاء الله - أن الكفار هم الكفاربالله ، وذلك عرف القرآن حيث ذكروا بهذا النعت في كل موضع ، ولو أراد الزراع لذكرهم باسمهم الذي يعرفون به ، كما ذكرهم به في قوله : " يعجب الزراع " .
    وإنما خص الكفار به ، لأنهم أشد إعجاباً بالدنيا ، فإنها دارهم التي لها يعلمون ويكدحون ، فعهم أشد إعجاباً بزينتها وما فيها - من المؤمنين . ) [ عدة الصابرين ص281 ]
    محمدبن عبدالله بن جابر القحطاني
    moh396@gmail.com

    تعليق


    • #3
      جاء في كتاب المغني في الفقه لابن قدامة ما نصه :

      ( وعرف القرآن فيما أريد به التخيير البداية بالأخف ككفارة اليمين، وما أريد به الترتيب بدئ فيه بالأغلظ فالأغلظ ككفارة القتل ) هنا

      محمدبن عبدالله بن جابر القحطاني
      moh396@gmail.com

      تعليق


      • #4
        من عادات القرآن

        أحسن الله إليك يا أبا مجاهد على هذا التنبيه المهم، وقد أشار ابن عاشور في المقدمة العاشرة من مقدمات تفسيره التحرير والتنوير إلى هذه المسألة بعنوان: عادات القرآن، ومما قاله: (يحق على المفسر أن يتعرف عادات القرآن من نظمه وكلمه، وقد تعرض بعض السلف لشيء منها، فعن ابن عباس: كل كاس في القرآن فالمراد بها الخمر، وذكر ذلك الطبري عن الضحاك أيضاً. وفي صحيح البخاري في تفسير سورة الأنفال: قال ابن عيينة: ما سمى الله مطراً في القرآن إلا عذاباً، وتسميه العرب: الغيث كما قال تعالى: "وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا". وعن ابن عباس أن كل ما جاء من "يا أيها الناس" فالمقصود به أهل مكة المشركون). وللحديث بقية...
        د. يوسف بن عبد الله العليوي
        قسم البلاغة والنقد ومنهج الأدب الإسلامي
        جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

        تعليق


        • #5
          قال ابن القيم : ( فعرف القرآن من أوله إلى آخره في الذين أوتوا الكتاب أنهم أهل الكتابين خاصة وعليه إجماع المفسرين والفقهاء وأهل الحديث . ) كتاب أحكام أهل الذمة، الجزء 2، صفحة 813.
          محمدبن عبدالله بن جابر القحطاني
          moh396@gmail.com

          تعليق


          • #6
            قال ابن عاشور في تفسيره 1/125: (وقد استقريت بجهدي عادات كثيرة في اصطلاح القرآن سأذكرها في مواضعها، ومنها: أن كلمة "هؤلاء" إذا لم يرد بعدها عطف بيان يبين المشار إليهم فإنها يراد بها المشركون من أهل مكة، كقوله تعالى: "بل متعت هؤلاء وآباءهم" وقوله: فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين").
            د. يوسف بن عبد الله العليوي
            قسم البلاغة والنقد ومنهج الأدب الإسلامي
            جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

            تعليق


            • #7
              ومما له صلة بالموضوع ما ذكره ابن القيم في تفسير النجوم في قول الله تعالى : ( فلا أقسم بمواقع النجوم ) قال :

              ( وقد اختلف في النجوم التي أقسم بمواقعها ؛ فقيل : هي آيات القرآن ومواقعها نزولها شيئا بعد شيء وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء وقول سعيد بن جبير والكلبي ومقاتل وقتادة .
              وقيل النجوم هي الكواكب ومواقعها مساقطها عند غروبها هذا قول أبي عبيدة وغيره .
              وقيل مواقعها انتشارها وانكدارها يوم القيامة وهذا قول الحسن ، ومن حجة هذا القول أن لفظ مواقع تقتضيه فإنه مفاعل من الوقوع وهو السقوط فلكل نجم موقع وجمعها مواقع ومن حجة قول من قال هي مساقطها عند الغروب أن الرب تعالى يقسم بالنجوم وطلوعها وجريانها وغروبها إذ فيها وفي أحوالها الثلاث آية وعبرة ودلالة كما تقدم في قوله تعالى ( فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس ) وقال ( والنجم إذا هوى ) وقال ( فلا أقسم برب المشارق والمغارب ) .
              ويرجح هذا القول أيضا أن النجوم حيث وقعت في القرآن فالمراد منها الكواكب كقوله تعالى ( وإدبار النجوم ) وقوله ( والشمس والقمر والنجوم ) .) انتهى من كتاب التبيان في أقسام القرآن، الجزء 1، صفحة 137.

              تنبيه : سمعت من الدكتور زغلول النجار أن علماء الفلك مجمعون على أن النجوم غير الكواكب ، وأن التسوية بينهما خطأ علمي كبير .[انتهى ما أفدته من النجار]
              والفرق بينهما : أن النجوم أجسام غازية ملتهبة ينبعث منها ضوء وحرارة وهي بعيدة جدا عن الأرض0
              و الكواكب : أجسام كروية معتمة وباردة تستمد الضوء والحرارة من النجم الرئيس الذي تدور حولة 0

              تذييل : مما يؤخذ على بعض طلبة العلم أنهم يستقون معلوماتهم المتعلقة بالعلوم الكونية أو الطبية من مراجع متقدمة ، رغم تطور العلم الحديث في هذه المجالات .
              ومن باب الاستغراب أذكر أن خطيب مسجدنا وفقه الله يخطب في بداية الشتاء خطبة عن الشتاء وما يحصل فيه من تغيرات ، وينقل خطبته من كلام لابن القيم ، وكثير من المعلومات التي يذكرها لو سمع بها طبيب متخصص لتعجب كثيراً ؛ لأن أكثرها لم يعد له مصداقية بعد تطور علم الطب .
              وقد ذكر الطبيب على عامر ياسين [ وهو مهتم بالعلم الشرعي ، ومحقق متقن ] شيئاً من المعلومات الطبية التي اشتمل عليها كتاب صيد الخاطر لابن الجوزي ، والطب الحديث يبطلها ، ولا يقرها . كما في تحقيقه الجيد للكتاب المذكور .
              محمدبن عبدالله بن جابر القحطاني
              moh396@gmail.com

              تعليق


              • #8
                ومن الأمثلة على أهمية معرفة عرف القرآن وعادته ما أورده ابن القيم عند تفسيره للقسم في قول الله تعالى : فلا أقسم بالخنّس * الجوار الكنّس حيث ذكر أنه قد قيل في تفسير الخنس هنا : إنها بقر الوحش والظباء ، ثم ذكر أن هذا التفسير غير ظاهر لوجوه ، ومنها قوله :

                ( أنه ليس بالبين إقسام الرب تعالى بالبقر والغزلان ، وليس هذا عرف القرآن ولا عادته ، وإنما يقسم سبحانه من كل جنس بأعلاه ، كما أنه لما أقسم بالنفوس أقسم بأعلاها ، وهي النفس الإنسانية ، ولما أقسم بكلامه أقسم بأشرفه وأجله ، وهو القرآن . ولما أقسم بالعلويات أقسم بأشرفها وهي السماء ، وشمسها وقمرها، ونجومها . ولما أقسم بالزمان أقسم بأشرفها ، وهو الليالي العشر . وإذا أراد سبحانه أن يقسم بغير ذلك أدرجه في العموم ، كقوله " فلا أقسم بما تبصرون * وما لا تبصرون " وقوله "الذكر والأنثى" في قراءة رسول الله ونحو ذلك. ) انتهى من كتابه : التبيان في أقسام القرآن .
                محمدبن عبدالله بن جابر القحطاني
                moh396@gmail.com

                تعليق


                • #9
                  أحسنت بارك الله فيك
                  ولعل موضوعك هذا يكون عمدة
                  فجزاك الله كل خير

                  تعليق


                  • #10
                    قال ابن القيم ـ ـ : إن المعهود استعمال الختم على القلب في شأن الكفار في جميع موارد اللفظ في القرآن كقوله :
                    ( ختم الله على قلوبهم ) , وقوله : ( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة ) ونظائره .
                    التبيان في أقسام القرآن - ج1/ص116

                    تعليق


                    • #11
                      لعل تلك القاعدة هي نفسها التي يعبرون عنها بقولهم (تفسير القرآن بالقرآن) وهذا هو عين ما اعتمد عليه الشنقيطي _ _ في تفسيره : أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

                      تعليق


                      • #12
                        أخي " أخوكم " تفسير القرآن بالقرآن أعم من هذه القاعدة ....

                        فهي نوع من أنواعه ...
                        محمدبن عبدالله بن جابر القحطاني
                        moh396@gmail.com

                        تعليق


                        • #13
                          اعتنى ابن عاشور في تفسيره بهذا النوع من بيان القرآن ، وأطلق عليها : " مصطلح القرآن "

                          ومن أقواله في ذلك :


                          1- ( فالمراد بــالنَّاسِ : أهل مكة جرياً على مصطلح القرآن في إطلاق هذا اللفظ غالباً. ) قال هذا عند تفسيره للناس في قول الله تعالى: ﴿ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ ﴾(الفتح: من الآية20)

                          2- ( والأجر: الثواب في الآخرة كما هو مصطلح القرآن. ) في تفسير قول الله تعالى : ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾(الزمر: من الآية10)

                          3- ( وهَـؤُلاَءِ إشارة إلى غير مذكور في الكلام، وقد استقريْتُ أن مصطلح القرآن أن يريد بمثله مشركي العرب، ولم أر من اهتدى للتنبيه عليه...) عند تفسير قول الله تعالى : ﴿ بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ ﴾ (الزخرف:29)

                          4- ( والكفُر: الإشراك بالله كما هو مصطلح القرآن حيثما أطلق الكفر مجرداً عن قرينة إرادة غير المشركين. ) في تفسير قول الله تعالى : ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾ (محمد:1)

                          5- ( و (عَبْد) المضاف إلى ضمير الجلالة هنا هو محمد كما هو مصطلح القرآن، فإنه لم يقع فيه لفظ العبد مضافاً إلى ضمير الغيبة الراجع إلى الله تعالى إلا مراداً به النبي ..) في تفسير قول الله تعالى : ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً ...﴾(الاسراء: من الآية1)



                          تنبيه : كما يطلق ابن عاشور هذا المصطلح على عرف القرآن ؛ فإنه يطلقه أحيانأ على مبتكرات القرآن . وقد سبق إفرادها بموضوع هنا مبتكرات القرآن . هل سبق ابن عاشور أحدٌ في الاهتمام بها ؟!


                          حرر صباح الجمعة 7 - 11- 1426هـ في مدينة القاهرة .
                          محمدبن عبدالله بن جابر القحطاني
                          moh396@gmail.com

                          تعليق


                          • #14
                            عرف القرآن في التفريق بين الغلبة والنصر

                            هذا مقال عن مصطلحي الغلبة والنصرفي القرآن للأستاذ إبراهيم الباش

                            لعل في إخبار القرآن الكريم عن حوادث غيبية مستقبلية مظهراً مهما من مظاهر التحدي القرآني، ولا يخفى ما في ذلك من إثبات لنبوة محمد من جهة، وتسلية وتصبير لقلوب المؤمنين وهم في مرحلة الاستضعاف من جهة أخرى، وهم لا يزالون في مكة ولم تتعد الدعوة الإسلامية حدودها بعد. فكيف إذا كان ذلك يدور في إطار النصر والظفر لعباد الله على من يحيط بهم من المشركين وغيرهم من الدول المتصارعة، التي اضمحلت قوتها فيما بعد أمام ميزان القوى المعنوية التي يتمتع بها المؤمنون الصادقون، وأمام أخبار قاطعة يقينية جسدتها فواتح سورة الروم وهي تؤكد نصراً مبيناً للمؤمنين بقوله تعالى: (ألم، غلبت الروم، في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون، في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم، وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون، يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون) "الروم: 1 ـ 7".

                            إنها آيات بينات سيقت في معرض تصبير المسلمين وتسليتهم عما لاقوا من أذى قريش والأهم من ذلك للنظر حولهم خارج مكة وإلى المسرح الدولي وقواه الفاعلة وتهيئة أنفسهم للانخراط فيه والمشاركة بصنعه وقد افتتحت بهذا التقرير المتحقق (غلبت الروم) وذلك بعد أن كانت الفرس والروم أقوى أمم الأرض آنذاك، وكان يقوم بينهما من الحروب والقتال ما يكون بين الدول المتوازنة، والروم اسم أطلقه العرب على البيزنطيين ويطلق اليوم على المسيحيين الشرقيين من كاثوليك وأرثوذكس،وقد كان بين فارس والروم قتال ضار، واحتربوا بين أذرعات وبصرى فغلبت فارس الروم، فبلغ ذلك مكة فشق على النبي والمسلمين، لأن فارس كانت مجوساً يعبدون النار لا كتاب لهم، والروم أهل كتاب ينتسبون إلى الإنجيل وهم أقرب إلى المسلمين من الفرس، ففرح المشركون بهذه الغلبة وشمتوا وقالوا للمسلمين: لقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من الروم ولنظهرن عليكم فنزلت الآيات تصبيراً واستبشاراً للمؤمنين وقطعاً بوعد لن يخلف.

                            وقد صدرت الآيات بقوله تعالى، (غلبت الروم في أدنى الأرض) ويلفت النظر ههنا الإبهام والإستتار في الفاعل الحقيقي للغلب وهو الله ، وفي هذا دلالة واضحة إلى أن أسباب الغلب راجعة إليه لا إلى سواه، وفي هذا تفخيم لشأنه وقدره النافذ.

                            والملاحظ تأكيد القرآن على البعد المكاني (أدنى الأرض) وربما ناسب ذلك ما حصل للروم من انتكاس، ولا يبعد أن يكون (أدنى الأرض) معنوياً يتصل بما نتج عن ذلك من إذلال وانهزام مؤقت.

                            ثم يؤكد السياق القرآني بما لا يدع مجالاً للشك وهم من بعد غلبهم سيغلبون (في بضع سنين) إنه تقرير صارم لا مرد له، فالآية تدل على أن الروم سيقومون من بعد غلبهم أشد عوداً وأصلب قوةً من ذي قبل وسيغلبون عدوهم الفرس، وجاء تحديد المدة والبعد الزماني في هذا الصراع ـ من خلال استعمال حرف السين وهو حرف استقبال (سيغلبون) فلم يقل (سوف يغلبون) فالمدة أقصر مما يتصور حيث أن السين تشير إلى المستقبل القريب المنتظر، وفضلاً عن هذه الدلالة يأتي التصريح بالمدة الوجيزة في قوله "في بضع سنين" وكلمة بضع من ألفاظ العدد المحصورة بين الثلاث والتسع على ما يقرره علماء اللغة.

                            ولا ريب أن تراوح المدة في هذا العدد القليل من السنين، فيه إدخال للرهبة في قلوب المشركين في كل وقت، وأن زهوهم بأنفسهم واعتدادهم بقوتهم أمام الصحابة ليس إلا لحين يطول أو يقصر، ولكنه آيل إلى الانتهاء، ومفض إلى العاقبة الحتمية وهي الارتداد والانتكاس، فلا يخفى ما في الآية من تهديد سيُبقي المشركين من الفرس في ذعر وخوف وتوجس، ولو أن الفرس غلبوا في أول سنة ولم يكن ذلك في بضع سنين لهان الأمر، ولكنهم توعدوا بأمر لا يدرى، فهو في (بضع سنين) وهذا أشد من أن يأتي الأمر ويمضي دون تريث.

                            ولا شك أن إخبار القرآن بهذا الغيب المستقبلي هو دليل قاطع على التحدي القرآني في باب الإخبار عن الغيب وما يشتمل عليه المستقبل من حوادث سيكون لها تأثيرها على مسرح التاريخ الدولي آنذاك، ومن وجه آخر فإن قوله: (وهم من بعد غلبهم سيغلبون) فيه إثبات رسالة النبي لأن الإخبار عن الغيب لا يكون إلا بوحي.

                            وتتوالى السنون، ويتحقق وعد الله بغلبة الروم على الفرس في بضع سنين ولكن السياق القرآني يأبى إلا أن يربط ذلك بمسبب الأسباب (لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله).

                            فالله كامل السلطان والتدبير وكل الأسباب لا تكون إلا بأمره (لله الأمر) وقدم المتعلق (لله) على لفظ (الأمر) ليفيد ذلك الحصر والاختصاص وجاء لفظ الأمر معرفاً ليفيد ذلك استغراق الأمور أي كل الأمور أمرها إلى الله.

                            (ويومئذ يفرح المؤمنون) أي يوم إذ يغلب الروم الفرس يفرح المؤمنون بنصر الله وجاء الفرح بصيغة فعلية (يفرح) ليدل ذلك على الفعل الحركي والتجدد المستمر للفرح وانطلاقته بحسب مجريات الأحداث القادمة التي تبشر بها الآية.

                            والآيات السابقة آيات مكية نزلت في مرحلة الاستضعاف، فالراجح أنها نزلت قبل الهجرة بخمس سنوات، والآيات المكية لا شك هي أحوج ما تكون إلى تتبع المرحلة والظرف التاريخي اللذين ترعرعت بهما الدعوة الإسلامية، فقد تزامن نصر أهل الكتاب على المشركين بنصر المسلمين على المشركين يوم بدر في السنة الثانية للهجرة، من أجل ذلك"يومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله"، فلا بأس أن يفرح المؤمنون بانتصار الأعداء على بعضهم إذا التقى ذلك مع المصلحة العليا للمسلمين، فضرب المشرك بالمشرك أو الكافر بالكافر سنة إلهية قد يكون لها حكمتها في نصرة الفئة المؤمنة (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض)، وحتى لو كان المقصود بالنصر في الآية نصر المسلمين في بدر على مشركي العرب من قريش فإن غلبة الروم على المشركين يصب في كفة الإسلام ودعوته على أي حال.

                            والقرآن الكريم لم يقف بالمسلمين عند هذا الوعد ولا في حدود هذا الحادث، إنما كانت هذه مناسبة لينطلق بهم إلى آفاق أبعد، وآماد أوسع من ذلك الحادث الموقوت كي يربط دائماً وأبداً بين سنة الله في نصرة العقيدة السماوية والحق الذي قامت عليه السماوات والأرض وما بينهما من أجل الخروج من عزلة المكان والزمان والحادث إلى فسحة الكون كله ماضيه ومستقبله وحاضره.

                            ولعل هذه الحقيقة البارزة هي التي يغفل عنها الكثيرون في زماننا، ولا يهتمون لشأنها كما اهتم بها الأوائل في عصر الرسول منذ حوالي أربعة عشر قرناً، ومن ثم ينحصرون داخل حدود جغرافية وجنسية ولا يدركون أن القضية في حقيقتها هي قضية الكفر والإيمان، وأن المعركة في صميمها هي المعركة بين حزب الله وحزب الشيطان.

                            وعند التأمل في السياق القرآني السابق نرى أن الغلبة التي هي القهر والتمكن نسبت إلى المخلوقين مع العلم يقيناً أن أمرها إلى الله ومنه (غلبت الروم) (سيغلبون) وفي سياقات أخرى أيضا من القرآن الكريم كقوله تعالى (وإن جندنا لهم الغالبون) "القصص: 173".

                            وقوله تعالى: (ونصرناهم فكانوا هم الغالبين) "الصافات: 116".

                            وقوله تعالى: (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله) "البقرة: 249".

                            أما استقراء آيات النصر فإن النصر في القرآن نسب في أغلب وروده لله في أكثر من أثنين وثلاثين موضعاً في القرآن منه قوله تعالى: (إذا جاء نصر الله والفتح) "النصر: 1"

                            وقوله تعالى: (حتى أتاهم نصرنا) "الأنعام: 34".

                            وقوله تعالى: (ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله) "الروم".

                            إلى غير ذلك من المواضع التي نسب فيها النصر إلى الله ، ولعل في هذا تفريقاً واضحاً بين مصطلح (الغلب) ومصطلح (النصر) فالمتأمل في سياقات الآيات يرى بجلاء أن ظهور الكافرين على المؤمنين أو ظهور الكافرين على الكافرين من أمثالهم لا يسمى في عرف القرآن نصراً بل يسمى غلباً وهو ظهور لغير المسلمين وهذا الظهور والغلب قد لا يقتضي الديمومة والاستمرارية من جهة، ومن جهة أخرى قد لا يقتضي تحصيل ثمرات مباشرة تجنيها الفئة المسلمة المؤمنة بل هي ثمرات بعيدة المدى مثلما حصل مع المسلمين في إجتناء ثمار يانعة فيما بعد، من جراء اصطراع أكبر إمبراطوريتين كانتا تحكمان الأرض في تلك الفترة.

                            أما ظهور المؤمنين على غيرهم فهو الظهور الذي له شأن عظيم فيسميه الله نصراً، وهو نصر سرعان ما يؤتي أكله ولا سيما أن نتائج هذا النصر قد ظهرت في معركة بدر الكبرى، فإضافة النصر إلى الله في القرآن الكريم لا يكون إلا إذا كان هذا النصر مقترناً بنصر الفئة المؤمنة الصابرة المجاهدة، ومن وجه آخر فإن نسبة النصر إلى الله في القرآن فيها تنبيه صارخ على أن النصر والعزة والغلبة وكل ما يتمناه المسلمون إنما هو بيد الله، ومن تعلق بمجرد الأسباب فقد وجه لإيمانه طعنةً نجلاء مميتة، فالأسباب كلها تتلاشى أمام قوة الله (وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر).

                            ومن هنا فتحقق النصر للعصبة المؤمنة يتم عن طريق عمل المؤمنين ودورهم في عالم الأسباب على قدر المستطاع مع تسليم الأمر كله لله، ثم نرى (وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون) فهذا من الأمور الغيبية التي أخبر الله بها، ولكن فريقاً زاغت بهم السبل فكذبوا بهذا الوعد فهم لا يعلمون عواقب الأشياء بل (يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون).

                            وأما المؤمنون المتيقنون فقد سبق في كتاب الله منذ الأزل أن النصر مؤكد لعباده المؤمنين، وأن هذه حقيقة نقرؤها في كتاب الله ونحن نرى مصارع الغابرين الذين وقفوا في وجه الأنبياء استكباراً وعتواً فأباد الله خضراءهم وأتاهم بأس الله من حيث لم يحتسبوا.

                            (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، إنهم لهم المنصورون، وإن جندنا لهم الغالبون، إن في ذلك لبلاغاً لقوم عابدين) "الصافات: 173".

                            انتهى المقال .
                            محمدبن عبدالله بن جابر القحطاني
                            moh396@gmail.com

                            تعليق


                            • #15
                              أكرمكم الله أخي..

                              قال في سورة العنكبوت: " وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (14) ".

                              قال ابن عاشور ـ تعالى ـ : " وميَّز " خمسين " بلفظ: " عاماً "؛ لئلا يُكرر لفظ: " سنة " ".

                              هل يُسوَّغ الاستدراك على قول الإمام الطاهر، بحجة أن (العام) بحسب عادة القرآن الكريم للدلالة على الخير والراحة، و(السنة) للدلالة على النصَب والشقاء ؟

                              بمعنى أنه عليه الصلاة والسلام:
                              لبث في قومه تسعمائة سنة من الشقاء..
                              ثم بعد أن أفناهم الطوفان، لبث في الناجين منهم خمسين عاماً.
                              طالب علم

                              تعليق

                              19,840
                              الاعــضـــاء
                              231,420
                              الـمــواضـيــع
                              42,345
                              الــمــشـــاركـــات
                              يعمل...
                              X