• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • بين المصالح المرسلة والسنن الإلهية :



      بين المصالح المرسلة والسنن الإلهية :



      من مشكاة السنن الإلهية نتساءل :
      *- هل استوعب دارسو المصالح نصوص الكتاب ؟
      لاشك أن أخذ أئمتنا بالمصالح المرسلة لم يكن إلا من باب العمل برفع الحرج, وصرف الضرر لكونه قاعدة كلية، ثم إن المصالح تخضع أحيانا للأمزجة والأهواء, وهذا ما ستكشفه السنن الإلهية القرآنية.


      وهل للسنن الإلهية من استنتاج غير ما سبق عن طريق المصالح المرسلة ؟ هل السنن الإلهية جاءت لتزحزح المصالح المرسلة عن كونها أحد الأدلة المختلف فيها علما والمتفــق عليهــا عملا ؟



      انطلاقا من أوامر الله الصادرة لمخلوقاته تهدينا السنن الإلهية القرآنية إلى ما يرتاح له الضمير وينساق له الفؤاد في راحة بال وسكون نفس.
      لكن حتى لا نمضي لنفحص كل ما قيل عنه أنه جاء من باب المصالح المرسلة؛ لكون ذلك يقتضي تعقبه مجلدات نكتفي بالإشارة إلى بعض المصالح المرسلة, ونكشف ما انطوت عليه من انسجام أو مخالفة للسنن الإلهية وهكذا سنرى تبعا :
      أولا : مسألة جمع القرآن.
      ثانيا : تدوين الدواوين.
      ثالثا : قتل الجماعة بالواحد.
      رابعا : تضمين الصناع.
      خامسا : ثلاث طلقات بكلمة واحدة.
      سادسا : الخروج على الحكام.
      ننطلق ونقتحم هذه المجالات بعد التوكل على الله والاستعانة به .

      *- بين كلمات الله التامات والمصالح المرسلة عند الأصوليين :

      السنن الإلهية أو كلمات الله التامات وهي عبارة عن عهود الله لكل شيء في هذا الوجود, ليسير الكون في نظامه البديع على نمط رفيع وبشكل رائع.



      أن المصالح المرسلة منها المعتبرة شرعا ومنها الملغاة شرعا ومنها ما سكت عنها الشارع ولم يتعرض لها باعتبار ولا بإلغاء وهذه هي المصالح المرسلة أو الاستصلاح. فمن العلماء من اعتبرها وجعلها أصلا من أصول التشريع ومنهم من أنكر العمل بها.
      ولا يوجد رابط بين السنن الإلهية من جهة والمصالح المرسلة من جهة ثانية. وليس المجال مجالا أصوليا للتصدي للفروق ومناقشةتعريف العلماء للمصالح المرسلة.


      ? جمع القرآن والمصالح المرسلة :

      ولعل أول من أصل المصالح المرسلة في مذهبه : الإمام مالك , وإن لم يكن أول من عمل بها بحكم العمل بمقتضاها جرى في "عرف الأصوليين" منذ الخلافة على منهاج النبوة, أي منذ زمن أبي بكر وعمر .
      ومن ذلك ما ثبت أن زيد بن ثابت t قال : أرسل إلي أبو بكر - مقتل أهل اليمامة – فإذا عمر بن الخطاب عنده. قال أبو بكرt : إن عمر أتاني فقال : إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن, قلت لعمر, كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله r قال عمر : هذا والله خير... الحديث.[i]1

      E- يقول الأصوليون :
      إن في جمع القرآن خير, والخير والمصلحة إن لم يكونا شيئا واحدا, فهما متلازمان, ففي كل مصلحة خير، وفي الخير مصلحة, ومصلحة جمع القرآن وإن لم يأمر بها الرسول صل1,فإنه بالمقابل لم ينه عن ذلك, فهي إذن مصلحة مرسلة.
      ومن ذلك أيضا : تدوين الدواوين, وتضمين الصناع, وقتل الجماعة بالواحد إلى غير ذلك، وليس المقام مقام مناقشة الأصوليين في اعتبار المصالح المرسلة أو إلغائها بل في مقارنة ما توصل إليه العلماء من أقوال واجتهادات من باب المصلحة المرسلة مع ما تمليه السنن الإلهية في مواطن هذه الحالات.


      ما سنة الله القرآنية فيما جرى به الحكم في هذا الباب عند الفقهاء ؟

      - جمع القرآن من منظور السنن الإلهية القرآنية:

      اقتضت المصلحة المرسلة بجمع القرآن خشية ضياعه لما استحر القتل في القراء في حرب اليمامة.
      لكن السنن الإلهية تنظر لهذا العمل الجليل على أنه جاء وفق وعد الله :
      ]إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ[ القيامة : 17.
      وهنا تكمن نبوة سيدنا محمد صل1 إذ لو كان مفتريا لهذا القرآن لحرص أيما الحرص على جمعه والنصح به حتى لا يضيع في ثنايا الإهمال، لكنه صل1 فعل ما أمره ربه وترك الأمر لمالكه, وإذا أراد الله شيئا هيأ له أسبابه.
      كيف يجهد نفسه في تبليغ القرآن والدعوة إليه ثم يمضي إلى ربه ويتركه في صدور الصحابة, أو مكتوبا على الرقع, أو فيما تيسرت الكتابة عليه ؟
      وهكذا وعد بجمع القرآن, وشرح لذلك صدر الصحابة ورأوه خيرا, واقتحموه ونعم ما فعلوا.

      فهل استجاب هذا العهد الرباني لضابط المصلحة لدى الأصوليين؟
      فالنص قائم والعهد لا مرد له، ها هو قد انجز كما أراده ربه، وليست هناك مصلحة مرسلة بل عهد رباني أمضاه ولن تجد لسنة الله تبديلا.
      والقول بالمصلحة المرسلة في هذا الباب انحراف فهم، وعدم إدراك لسنن الله في قرآنه وكونه.


      ب- تدوين الدواوين :


      ?- تدوين الدواوين بين المصالح المرسلة وسنن الله القرآنية :

      عن باشرة بن سمي اليزني قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول في يوم الجابية وهو يخطب الناس :
      إن الله جعلني خازنا لهذا المال وقاسمه له, ثم قال : بل الله يقسمه, وأنا بادئ بأهل النبي صل1 ثم أشرفهم. ففرض لأزواج النبي صل1 عشرة آلاف إلا جويرية وصفية وميمونة. فقالت عائشة إن رسول الله كان يعدل بيننا, فعدل بينهن عمر, ثم قال إني بادئ بأصحابي المهاجرين الأولين, فإنا أخرجنا من ديارنا ظلما وعدوانا, ثم أشرفهم ففرض لأصحاب بدر منهم خمسة آلاف ولمن كان شهد بدرا من الأنصار أربعة آلاف, ولمن شهد أحدا ثلاثة آلاف ... الحديث. 3
      هكذا يصرح النص أن عمر دون الدواوين ديوان المهاجرين وديوان أهل بدر وديوان أهل أحد ...

      ?- ما قول السنن الإلهية في الموضوع ؟

      يقول عز من قائل :
      ]وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ[- يس : 12.
      ]وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا[ الجن : 28.
      ]لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا[ مريم : 94.
      فالله مستغن عن التدوين والإحصاء, ويخبرنا بفعله؛ تعليما لنا لتقنيات التسيير وضروراته، إذ أفعال الله ممدوح الاقتداء بها, إلا بما اختص به من عظمة وتكبر.
      قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e :" الْعِزُّ إِزَارُهُ وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ فَمَنْ يُنَازِعُنِي عَذَّبْتُهُ"4.
      يقول عز من قائل :
      ]وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ[الأنعام : 38.
      ومن هنا يضحى اتخاذ الدواوين ضرورة ملحة أذن فيها الشارع :
      ] وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا[- النبأ : 29.
      وكل شيء أحصاه الله كتابا, وهو لا ينام ولا ينسى, فكيف بمن النسيان آفته ؟ أليس هو أجدر بإحصاء كل شيء كتابا ؟ والحكمة ضالة المؤمن.



      فهل فعلا تدوين الدواوين هو تحصيل حاصل من نقل ناقل عن اليونان وتدويناتهم، أم فعلا كوننا قصرنا في فهم شرع ربنا؛ وصرنا عالة على تقليد غيرنا بينما كتابنا يرشدنا لاتخاذ الإحصاء سبيلا والدواوين لذلك تقييدا.
      وأين باتت المصلحة المرسلة التي لم ينص عليها الشارع، وهذا كتابنا يحثنا ويعلمنا سبل تسيير الأمور؟


      ج - قتل الجماعة بالواحد :

      ?-قتل الجماعة بالواحد والمصالح المرسلة :

      يقول الإمام الشافعي في كتابه الأم بعد أن بين أن الجماعة تقتل بالواحد والرجل يقتل بالمرأة : " فإن قال قائل أرأيت قول الله :
      ]كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى[- البقرة : 178.
      هل فيه دلالة على أن لا يقتل حران بحر ولا رجل بامرأة ؟ قيل له لا نعلم مخالفا في أن الرجل يقتل بالمرأة. فإذا لم يختلف أحد في هذا ففيه دلالة على أن الآية خاصة".
      وبعد أن ساق حديثا في سبب نزول الآية شاهدا على كلامه5.
      يعقب سعيد رمضان البوطي على قول الشافعي هذا, فإن سقطت دعوى المعارضة بين ما قضى به عمر بن الخطاب ونص الكتاب, فإن غاية ما في الأمر أن تكون الآية ساكتة عن هذا الحكم, وحينئذ يكون سنده الاستحسان عند من يقول به أو المصالح المرسلة عند الآخرين وبهما استدل كثير من الفقهاء6.
      قال ابن رشد :" أما قتل الجماعة بالواحد فإن جمهور فقهاء الأمصار قالوا: تقتل الجماعة بالواحد, منهم مالك وأبو حنيفة والشافعي والثوري وأحمد وأبو ثور وغيرهم, سواء كثرت الجماعة أو قلت, وبه قال عمر. وقال داود وأهل الظاهر لا تقتل الجماعة بالواحد وهو قول ابن الزبير وبه قال الزهري وروي عن جابر... فعمدة من قتل بالواحد الجماعة النظر إلى المصلحة, فإنه مفهوم أن القتل إنما شرع لنفي القتل كما نبه عليه الكتاب في قوله تعالى :
      ]وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُوْلِي الْأَلْبَابِ[ البقرة : 179.
      وإذا كان ذلك كذلك, فلو لم تقتل الجماعة بالواحد لتذرع الناس إلى القتل بأن يتعمدوا قتل الواحد بالجماعة، لكن للمعترض أن يقول : إن هذا إنما كان يلزم لو لم يقتل من الجماعة أحد, فأما إن قتل منهم واحد وهو الذي من قتله يظن إتلاف النفس غالبا على الظن, فليس يلزم أن يبطل الحد حتى يكون سببا للتسليط على إذهاب النفوس, وعمدة من قتل الواحد بالواحد قوله تعالى :
      ]وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ …[- المائدة : 45 "7
      هذه خلاصة قول الفقهاء في المصلحة المرسلة في هذا الشأن.

      ? - قتل الجماعة بالواحد والسنن الإلهية :
      فما قول السنن الإلهية في قتل الجماعة بالواحد: يقول الحق في كتابه العزيز :
      ]مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا.[ المائدة : 32
      ومعلوم أن "من" تستعمل في حق الشخص كما تستعمل في حق الجماعة ولما سعى الشخص أو الجماعة إلى قتل الناس جميعا يقتل بهم أو يقتلون بقتلهم. وهكذا يتناغم الاستنتاجان ويأتيان بنتيجة واحدة.
      وبهذا فإن الشخص الذي قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض، يقتل بقتلها كما أن الجماعة التي قتلت شخصا بغير نفس أو فساد في الأرض تقتل جميعا بقتله .
      وهكذا يحسم الأمر من جهة السنن الإلهية لمصلحة من قالوا بقتل الجماعة بالواحد, وظهر خطأ من قال بأن لا تقتل الجماعة بالواحد.
      فهل جاء الحكم بناء على نص من الكتاب أم بما اقتضته المصلحة المرسلة كما يقول الأصوليون؟
      فالنص واضح وليست هناك ما تقتضيه المصلحة المرسلة، إذ لا اجتهاد مع نص؟

      د- تضمين الصناع :

      ?- تضمين الصناع والمصالح المرسلة :

      قال القرافي : " يد المستأجر يد أمانة على المعروف من المذهب لأجل الإذن في المباشرة, كالوكيل والمودع. وقاله الأئمة. وقيل ضامن كالقابض في البيع الفاسد, أما يد الأجير على سلعة يؤثر فيها كالخياط ونحوه فيده يد ضمان عمل في بيته أو حانوته بأجر أو بغير أجر يلقب بصنعته أولا إن انتصب للصنعة وإلا فيده يد أمانة ".8
      قال ابن رشد : " أما الذين اختلفوا في ضمانهم من غير تَعَدٍّ إلا من جهة المصلحة فهم الصناع,.. أما تضمين الصناع ما ادعوا هلاكه من المصنوعات المدفوعة إليهم, فإنهم اختلفوا في ذلك, فقال مالك وابن أبي ليلى وأبو يوسف : يضمنون ما هلك عندهم, وقال أبو حنيفة : لا يضمن من عمل بغير أجر ولا الخاص, ويضمن المشترك, ومن عمل بأجر. وللشافعي قولان في المشترك والخاص عندهم هو الذي يعمل في منزل المستأجر, وقيل هو الذي لم ينتصب للناس, وهو مذهب مالك في الخاص, وهو عنده غير ضامن, وتحصيل مذهب مالك على هذا أن الصانع المشترك يضمن, و سواء عمل بأجر أو بغير أجر. وبتضمين الصناع قال علي وعمر ... وعمدة من لم ير الضمان عليهم أنه شبه الصانع بالمودع عنده والشريك والوكيل وأجير الغنم ومن ضمنه فلا دليل له إلا المصلحة وسد الذريعة.
      وأما من فرق بين أن يعملوا بأجر أو بغير أجر فلأن العامل بغير أجر إنما قبض المعمول لمنفعة صاحبه فقط فأشبه المودع, وإذا قبضها بأجر المنفعة لكليهما, فغلبت منفعة القابض, أصله القرض والعارية عند الشافعي وكذلك أيضا من لم ينصب نفسه لم يكن في تضمينه سد ذريعة، والأجير عند مالك لا يضمن إلا أنه استحسن تضمين حامل القوت وما يجري مجراه وكذلك الطحان وما عدا غيرهم فلا يضمن إلا بالتَّعَدِّي".9


      ?- تضمين الصناع والسنن الإلهية :
      قال عز من قائل :
      ]مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا[ فصلت : 46.
      ]مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[ القصص : 84.
      يتضح من خلال هذه العهود أنه من أفسد شيئا أو أضاعه فهو ضامن لا غرو؛ لكونه أساء عملا, والصانع تعطى له الأشياء لإصلاحها لا لإتلافها وضياعها، ويقيم التعويض بمقدار ما أضاع :
      (((فلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)))- القصص : 84.

      - خلاصة القول :
      القول بتضمين الصانع قول سديد ورأي رشيد وموفق, تؤيده السنن الإلهية على عكس من عارض أو شاكس.
      فهل جاء الأمر وفق مقتضى سنة من سنن الله وعهوده، أم هو أمر اقتضته المصلحة المرسلة التي لم يشهد لها الشارع باعتبار أو بإلغاء؟



      هـ- ثلاث طلقات في طلقة واحدة :
      ?- مع المصالح المرسلة :
      يقول سعيد رمضان البوطي :" تحقيق في عمل عمر, وفي حكم الطلاق الثلاث بلفظ واحد :
      والحقيقة أنه ليس في قضاء عمر هذا, أي مخالفة للكتاب والسنة.
      فأما الكتاب فليس في قوله تعالى : (الطلاق مرتان ...) الآية, ما يدل دلالة قاطعة ولا ظاهرة ظهورا جليا, على أن المراد مرة بعد مرة, بحيث لو لم يقع كذلك لم يقع الطلاق أو لم يقع للثلاث. وإذا سلمنا أن فيه إشارة إلى ذلك, فإن مما يبطل هذه الإشارة ويلغيها دلائل كثيرة في كتاب الله وسنة رسوله صل1.
      - فأما دلائل الكتاب : فمنها قوله تعالى :
      (((وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ))) الطلاق : 1.
      بعد قوله تعالى :
      (((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنّ ))) الطلاق : 1.
      وقوله تعالى :
      (((وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ))) الطلاق : 2.


      فقد فسر ذلك عمر وابن مسعود وابن عباس وعائشة وأبو هريرة وغيرهم من الصحابة بأن الزوج إذا طلق بغير العدة, أو لم يفرق بين الطلقات كما أمر فقد ظلم نفسه, ولم يجعل الله له مخرجا مما أوقعه بنفسه إن لحقه ندم, وذلك على العكس مما لو اتبع سبيل السنة في التطليق فقد جعل الله له مخرجا عند الندم وهو الرجعة ...
      - وأما دلائل السنة :
      فمنها حديث عويمر العجلاني10 الذي ذكره الشيخان في باب اللعان فقد قال بعد أن لاعن زوجته في مجلس رسول الله صل1, كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها, هي طالق ثلاثا.
      ولا يخدش شيئا من دلالة هذا الحديث أن طلاق عويمر لا أثر له؛ لوقوعه بعد بينونة أعظم من بينونة الطلاق ...
      كما أن تلفظ عويمر بالطلاق الثلاث دليل واضح على أنها كلمة كانت مطروقة مستعملة, ولا تكون كذلك إلا حيث يكون لها الأثر المطلوب..."11 أه.
      هكذا ذهب سعيد رمضان البوطي لتبرير و تجويز فعل عمر بن الخطاب أو بالأحرى لتأصيله.
      فإذا لم يتق الله المطلِّق, فهل يتقيه القاضي لئلا يطبق على أخيه أحكاما غير مشروعة ؟.

      ?- مع السنن الإلهية :

      إن سنن الله القرآنية تخبرنا :
      ]وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ[ الطلاق : 1.
      وموقفنا مع الظالم, أن نأخذ على يديه لقوله صل1 : "انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ قَالَ تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنْ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُه".13
      وقوله طالق ثلاثا هي قولة خبيثة يشم من نتن رائحتها الكذب والزور, والكلمة الخبيثة لا أصل لها، إنما هي كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار، وتمييزها بالخبث جاء وفق القول في الإسلام إما كونه قولا طيبا وإما خبيثا, ولا ثالث له. والقول الطيب هو قول الحق وماذا بعد الحق إلا الضلال ؟
      وقول القائل "هي طالق ثلاثا " هو لفظ بالطلاق مع شهادة زور ينبغي أن يعزر عليها.
      ]وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنْ الْقَوْلِ وَزُورًا [ المجادلة : 2.
      ولهذا حكمها طلاق واحد.
      أما من اعتبر الكلمة " هي طالق ثلاثا " بالبينونة الكبرى فقد اعتدى على أخيه, مع اعتدائه على نفسه, لكونها كلمة خبيثة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار, فكيف تتخذ ذريعة للحكم و أساسا له ؟ لكون الأمر لا ينبني إلا على أساس من تقوى من الله وإلا انهار بصاحبه في نار جهنم.
      - وخلاصة القول :
      فقول القائل "هي طالق ثلاثا" في مجلس واحد, هي من حيث الشكل كلمة خبيثة لا أصل لها ولا قرار لها، ومن حيث المضمون فهي شهادة زور مع تلفظ بالطلاق.
      وينبغي للسامع والحاكم الضرب على يد المتلاعب بالألفاظ, وإجباره بالخضوع للحق الذي لا يسوي بتاتا بين واحدة وثلاثة.
      وهكذا يتضح أنه لا داعي للتكلف في استخراج الشواهد, وفي الأحاديث التي جاء بها سعيد رمضان البوطي أقوال ليس هذا محل للرد عليها .

      فهل تم استنتاج الحكم من نصوص الكتاب، أم فعلا أن حكمها دخل علينا من باب المصلحة التي لا يشهد لها الشارع لاباعتبار ولا بإلغاء.؟


      و- الخروج على الحكام :

      ?- الخروج على الحكام والمصالح المرسلة :

      * مع أقوال العلماء :
      قسم صاحب كتاب "الغلو في الدين" : الخروج على الحكام إلى أقسام 14: الخروج على الحاكم الكافر, الخروج على الحاكم الفاسق والظالم، حدود الغلو في ذلك الخروج.
      1- الخروج على الحاكم الكافر :
      لقد أجمع العلماء على أن إمامة الكافر لا تصح ابتداء, فلا يولّى الكافر أمور المسلمين, وإن طرأ عليه الكفر وجب عزله إن أمكن, وإلا خرج عليه المسلمون إن قدروا... واستدل على ذلك بقوله تعالى :
      ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [ النساء : 59.
      فقوله تعالى "منكم" أي من المؤمنين, فمن لم يكن منهم فليس له عليهم حق الطاعة ...15
      2- الخروج على الحاكم الفاسق أو الجائر :
      يختلف أهل القبلة اختلافا كبيرا في حكم الخروج على أئمة الجور. وتتعدد الأقوال حتى يتولد من القول عدة أقوال؛ لأن كل فريق يضيف إليه شرطا أو قيدا وتعد هذه المسألة من أعظم مسائل الخلاف في الأمة, حيث أهدرت بسببها الدماء, وسلبت الأموال. يقول الشهرستاني : وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة, إذ ما سل سيف الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الإمامة في كل زمان"16.

      - القول الأول :
      ذهب أهل السنة والجماعة إلى تحريم الخروج على أئمة الظلم والجور بالسيف, ما لم يصل ظلمهم إلى حد الكفر. وهذا قول جمع من الصحابة كسعد بن أبي وقاص وأسامة بن زيد وابن عمر ثم محمد بن مسلمة وغيرهم, وهو مذهب أهل الحديث. ولقد ادعى الإجماع عليه جمع من العلماء منهم النووي, حيث قال : "... أما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين17 (وإن كانوا فسقة ظالمين ), وقال الكرماني وقد أجمع الفقهاء على أن الإمام المتغلب [ii]18 تلزم طاعته ما أقام الجماعات والجهاد, إلا إذا وقع كفر صريح فلا تجوز طاعته في ذلك بل تجب مجاهدته لمن قدر ..."19.
      وقال أيضا : " وفي الحديث أن السلطان لا ينعزل بالفسق, إذ في عزله سبب في الفتنة وإراقة للدماء وتفريق ذات البين. والمفسدة في عزله أكثر منها في بقائه "20.

      - القول الثاني :
      ذهبت طوائف من أهل السنة وجميع المعتزلة وجميع الخوارج والزيدية إلى جواز الخروج على الحاكم بالسيف, بل إلى وجوبه في بعض الأحوال, ونسب الإمام ابن حزم هذا القول إلى جمع من الصحابة الذين روي عنهم الخروج سواء في الفتنة أيام علي ومعاوية أو بعد ذلك يوم الحرة وغيره. 21
      ثم ذكر ذلك عن جمع من التابعين وتابعيهم ثم قال : " فإن كل من ذكرنا من قديم وحديث, إما ناطق بذلك في فتواه, وإما فاعل لذلك, بسل سيفه في إنكار ما رآه منكرا.22
      وسرد جزءا مهما من الأحاديث تؤيد وتشهد لهذا المبدأ.


      ?-الخروج على الحكام والسنن الإلهية:
      * - أقوال في الخروج على الحكام :
      يقف جل المنظرين لمسألة الخروج على الحكام عند قوله تعالى :
      ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [ النساء : 59.
      دون لازمها وشرطها قوله :
      ]فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء : 59.
      ثم السياق الذي جاءت فيه هذه الآية فقبلها قوله :
      ]إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا [ النساء : 58.
      وبعد الآية يأتي قوله :
      ]أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا[ النساء : 60.
      لا غرو أن الأمر بيّن لا يحتاج إلى وضوح أكثر فكيف جنح العلماء إلى تبكيت الأصوات وتكبيل الأيدي وتكفير كل خارج ؟ وبالتالي الركون والسكون إلى الظالمين بل ومنهم من يتواطأ معهم على قاعدة " تصيب منا ونصيب منك ".
      * مع عهود السنن الإلهية :
      أ- عهد الله لإبراهيم u :
      (((قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ))) البقرة : 124.
      ب- آية الطاعة موجهة للمؤمنين :
      ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا[ النساء : 59.
      ج- الكفار خارجون عن الإيمان فلا تجب لهم طاعة.
      ]وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [ البقرة : 120.
      د- لفظ الملة والدين في كتاب الله لا يعني بالضرورة الإسلام والكفر, بل قد يعني النظام القائم :
      ]مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [ يوسف : 76.
      هـ- لا غرو أن الفاجر والفاسق والظالم ليسوا بمؤمنين كاملي الإيمان وجزاؤهم عند الله الخزي في الدنيا, وأشد العذاب يتربصهم في الآخرة لقوله تعالى : ]أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [ البقرة : 85.
      إنه عهد خطير, والذين ارتضوا هذا الإمام على فسقه وفجوره وظلمه سيعيشون أذلة مخزيين كما هو حال الأمة الإسلامية في هذا الزمان, هذا في الدنيا أما في الآخرة يوم تنادى كل أمة بإمامها23, ما من شك أنه سيكون إماما لكل من سانده.
      و- إنه الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعض والمؤمنون مطالبون بالإيمان بالكتاب كله، إذن فلا بد من انفصام وانفصال عن أصحاب النار بالكينونة مع المتقين الصادقين المؤمنين بالكتاب كله، وما كان الله ليخلف وعده.
      ز- استخفاف فرعون بقومه, وخنوعهم له؛ جعلهم فاسقين :
      ]فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ[ الزخرف : 54.
      ح- هل يجوز الخروج على الفاسقين الظالمين ؟
      إن عدم الخروج عليهم يجعلك منهم ويصيبك الله بذنوبهم إلا على المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا, وعلى هؤلاء بغض الحكام الظالمين وكراهيتهم والفرار منهم إن استطاعوا.
      كثيرة هي الأساليب العصرية الحضارية التي تمكن من التعبير عن الرأي الحر، ودعوة المخالف للتحاور وتقارب وجهات النظر, فليس الاستبداد بالرأي وفرض وجهة النظر الشخصية من الإسلام في شيء, والمسلم مطالب بابتكار أساليب التبليغ والتوعية للدعوة إلى الاستقامة على شرع الله, كما هو مطالب بابتكار أساليب احتجاجه والتعبير عن رأيه دون أن يقودنا ذلك إلى تعصب للرأي والخروج عن الشرع, إذ الهدف الأول والآخر هو ابتغاء وجه ربه الأعلى.
      فالمسلم لا تأخذه في الله لومة لائم فهو قائم لله على بينة من أمره :
      (((وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ))) هود : 113.
      ويقول عز من قائل محرضا على مواجهة الظالمين :
      (((إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ))) البقرة : 150.
      بعد هذه الوعود والعهود يمكن إجمال القول بأنه ما أصاب الأمة من شر مثل ما أصابها من جراء فقه فقهاء متقاعسين عن عتبة مجاهدة الحكام, الراكنين إلى الظالمين على قاعدة تصيب منا ونصيب منك.
      والله علق تمام نعمته على عباده الذين خافوا الله في السر والعلن ولم يخشوا أحدا من الظالمين.
      والثقة بالله هي مطية المؤمنين للمعالي، والجهاد في سبيل الله سبيل الظفر وبلوغ إحدى الحسنيين. فهل تستفيق الهمم لاقتحام عقبة الجهاد ثقة بالله وبوعوده, بعد الأخذ بالحسبان تجنب العنف بكل أشكاله, فليس الجهاد حمل السلاح في وجه المسلم- إذ القاتل والمقتول في النار- بقدر ما هو حمل سلاح الحق والدعوة إلى سبيل الرشاد, لكون الحق اسم الله, ومن نصر الله نصره ولو كان فردا أعزلا من كل سلاح, إلا سلاح الإيمان والتقوى ؟
      ]إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [ محمد : 7.

      * - خلاصة قول السنن الإلهية في الخروج على الحكام :
      1- الحاكم الكافر :
      إن الحاكم الكافر لا تجوز طاعته بتاتا ومحاربته بكل السبل وبالإعداد ما استطاع المرء من قوة, وما استطاع لذلك سبيلا. إذ الخروج عليه واجب والحرب عليه معلنة واجبة وجوبا عينيا, إلا على الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا وجب عليهم الفرار منهم فرارهم من المجذوم.
      2- الحاكم المنافق والفاسق الظالم :
      ينبغي مناصحته وإقامة الحجة عليه في الأمور الكلية للدين لا فيما تعورف عليه من خلاف في فقه الجزئيات. والرد في حسم الخلاف لله ولرسوله لا لغيرهما من مصادر تشريع الإنسان للإنسان.
      عند امتناعه ورفضه للاستقامة وجب الخروج عليه حتى يستفيق من غفلته ويتوب إلى رشده, وإلا وجب الوقوف في وجه الباطل بكل ما أوتي المرء من سبيل حضاري يحفظ للناس دماءهم وللشرع حرمته ولأهل الذمة ذمتهم ولأهل الحقوق حقوقهم : ]وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ [ هود : 113.
      ]إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [ البقرة : 150
      ]فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ [ الزخرف : 54.
      فكيف يسوغ بعد هذاالوعيد الشديد من جهة، وهذا الوعد بتمام النعمة والهداية من جهة ثانية، وكذلك خشية الكينونة مع الفاسقين والتخلف عن أوامر الله, - ودون أن يستخفنا الأمر فنقع في المحظور شرعا من إرجاف وحرابة فنضحى ممن أعلن الله ورسوله عليهم الحرب، و نحن ندعي ابتغاء مرضاته سبحانه و تعالى-. مراعين في ذلك قوله صل1 : ... وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا لَا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا وَلَا يَفِي لِذِي عَهْدِهَا فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عُمِّيَّةٍ يَدْعُو إِلَى عَصَبِيَّةٍ أَوْ يَغْضَبُ لِعَصَبِيَّةٍ فَقُتِلَ فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ "24.
      إنها وسطية الإسلام فلا تطرف فيها, لا إلى إفراط ولا إلى تفريط.
      وبين هذا وذاك يتصرف المسلم بكل حكمة وأمانة راجيا وجه الله ناصحا لقومه بدعوتهم للفرار إلى الله للنجاة من عذاب الخزي في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة.

      وهل المسألأة اقتضتها المصالح المرسلة التي لم يشهد لها الشارع باعتبار ولا بإلغاء، أم فعلا جاء الاجتهاد بناء على نصوص ثابتة وقطعية الورود والدلالة؟

      * - خلاصة المصالح المرسلة :
      لوحظ أن عددا من الاجتهادات التي أخذت من باب المصالح المرسلة ساندتها السنن الإلهية القرآنية, لكن بعض الاجتهادات تنكبت عنها. ذلك لأن السنن الإلهية قوانين أزلية, وأن بيان المصالح المرسلة يخضع لعدة عوامل وأمزجة. لقد دان العلماء بتأييد المنتصر بالسلاح كائنا من كان, وأوجبوا طاعته وهذا أقصى ميزة البعد عن السنن الإلهية.


      والشرع إذا خضع للأمزجة والأهواء؛ كان عرضة للانحراف والانجراف وراء كل تيار مؤثر، لقد حاول العلماء وضع ضوابط للمصالح المرسلة لتقييدها؛ حتى لا تخضع للمؤثرات الخارجية، لكنه لا يمكن حسم الضوابط, والأمزجة تتقاذفها ذات اليمين وذات الشمال.


      هكذا في خضم هذه الملابسات تأتي السنن الإلهية القرآنية ضوابط تضبط المصالح المرسلة، ولم تتركها للأهواء والأمزجة. وإذا جاء نور الله انطفأت الشموع المضيئة واستحوذت شمس الأفق على الكون:إنها كلمات الله التامات.
      هل آن الأوان لسد باب الاختلاف في الاستدلال بالمصالح المرسلة بعد أن برهنت سنن الله القرآنية على أنها في غنى عن المصالح المرسلة ؟
      وللجواب عن هذا السؤال يقتضي خوض بحث معمق في الموضوع قصد التأكد والتثبت من هذه النتيجة, والله الهادي إلى سواء السبيل. وإن كنت أميل إلى طي القول بالمصالح المرسلة نهائيا لما ترتب عن ذلك من تلاعب الأمزجة بالمصالح. (أنظر تأصيل سعيد رمضان البوطي للطلاق الثلاث بكلمة واحدة. على سبيل المثال وهو يتكلف في استخراج الأدلة ويلوي أعنـاق النصــوص لتستجيــب لمبتغاه !!!).


      الهوامش:

      1- صحيح البخاري , كتاب " فضائل القرآن " باب " جمع القرآن " وجامع المسانيد لمحمد فؤاد عبد الباقي,ج.3/ 62.
      3 - رواه الإمام أحمد في مسنده , ج . 3 / 475 .
      4 - رواه مسلم 2620 في كتاب البر والصلة باب تحريم الكبر عن أبي سعيد الخذري وأبي هريرة وأبو داود رقم 4090 في اللباس باب ما جاء في الكبر عن أبي هريرة .
      5 - الأم للشافعي , ج 6/ 24.
      6 - ضوابط المصلحة، ص 149.
      7 - بداية المجتهد ونهاية المقتصد , ج.2/ 299.
      8 - الذخيرة للقرافي , ج . 5/ 502 .
      9 - - بداية المجتهد ونهاية المقتصد , ج .2/ 175.
      10 - صحيح البخاري كتاب الطلاق باب من أجاز الطلاق الثلاث عن سهل بن سعد الساعدي ومسلم كتاب اللعان الحديث رقم 1492
      11 - ضوابط المصلحة, ص : 151 وما بعدها .
      12 - أنظر كتابه الجهاد في الإسلام و اجتهاداته البارعة في نكايته بالمؤمنين و تزلفه ...
      13 –. - رواه البخاري 5/ 70 في كتاب المظالم باب أعن أخاك ظالما أو مظلوما , و الترمذي رقم 2255 في الفتن باب أنصر أخاك ظالما أو مظلوما عن أنس بن مالك.
      14 - عبد الرحمان بن معلا اللويحق, ص : 406 وما بعدها .
      15 - لكم تتيه بنا المصطلحات ففي وجه الكافر كان الإيمان حاسما وعند الكلام عن الحاكم الفاسق تاهت العقول. هل الفاسق مؤمن كامل الإيمان ؟ كلا إذن فلماذا نضيع في الجدال ؟
      16 - المصدر السابق , ص : 411.
      17 - لاحظ كيف تستعمل الأدلة للإرهاب الفكري . إجماع من ؟ ومتى تم ؟ أجاب ابن تيمية في مجموع فتاويه بأنه إجماع المحدثين.
      18 - الركون للمتغلب , ركون للظالم , لكونه استولى على أمانة الناس بالسيف وتجب معصيته, والخروج عليه واجب بل وتجب مناصحته حتى يخضع للحق ويرجع الأمور إلى أهلها ليختاروا من شاؤوا لها.
      19 - الكواكب الدراري شرح صحيح البخاري للكرماني , ج 10/ 69.
      20 - نفسه.
      21 - الملل والنحل , ج 5/ 20.
      22 - الغلو في الدين في حياة المسلمين لعبد الرحمان بن معلا اللويحق, ص : 406- 426.
      23 - قال الطبري بعد أن سرد ما قيل في لفظ إمام قال وأولى هذه الأقوال عندنا بالصواب, قول من قال معنى ذلك ندعو كل أناس بإمامهم الذي كانوا يقتدون به ويأتمون به في الدنيا, لأنه الأغلب من استعمال العرب الإمام فيما ائتم واقتدي به, وتوجيه معاني كلام الله إلى الأشهر أولى ما لم تثبت حجة بخلافه يجب التسليم لها.
      24 - أخرجه النسائي في كتاب تحريم الدم باب التغليظ فيمن قاتل تحت راية عمية. ( 7/ 123) عن أبي هريرة.
      http://www.mohamed-jabri.com

    • #2
      ما شاء الله... الله يفتح عليك من نوره أخي محمد جابري، كلام نفيس، يعيد الى النفوس إتزانها، وتعلقها بكتاب ربها،

      الر تلك ايات الكتاب المبين سورة يوسف - سورة 12 - آية 1
      الر تلك ايات الكتاب وقران مبين سورة الحجر - سورة 15 - آية 1
      تلك ايات الكتاب المبين سورة الشعراء - سورة 26 - آية 2
      طس تلك ايات القران وكتاب مبين سورة النمل - سورة 27 - آية
      وما من غائبة في السماء والارض الا في كتاب مبين سورة النمل - سورة 27 - آية 75
      تلك ايات الكتاب المبين سورة القصص - سورة 28 - آية 2
      وما علمناه الشعر وما ينبغي له ان هو الا ذكر وقران مبين سورة يس - سورة 36 - آية 69
      والكتاب المبين سورة الزخرف - سورة 43 - آية 2
      والكتاب المبين سورة الدخان - سورة 44 - آية 2
      باحث

      تعليق

      19,982
      الاعــضـــاء
      237,721
      الـمــواضـيــع
      42,691
      الــمــشـــاركـــات
      يعمل...
      X