إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • العلامة السعدي يرسم منهجا في نقد كتب العلماء



    لقد تعلمنا من أئمتنا ـ تعالى ـ سلوك طريق العدل في بيان ما للكتب وما عليها، وممن طبق هذا المبدأ العلامةُ السعدي : حين سئل عن كتاب ابن الجوزي : (ت: 597هـ) المشهور "صيد الخاطر"، وعما في أوائل كتابه من مسائل مشكلة، وأنا أسوق جوابه بطوله لما فيه من بيانٍ منهجي في هذا الباب:
    "ابن الجوزي ـ ، وغفر له ـ إمام في الوعظ والتفسير والتاريخ، وكذلك هو أحد الأصحاب المصنفين في فقه الحنابلة، ولكنه : خلّط تخليطاً عظيماً في باب الصفات، وتبع في ذلك الجهمية والمعتزلة، فسلك سبيلهم في تحريف كثير منها، وخالف السلف في حملها على ظاهرها، وقدح في المثبتين، ونسبهم إلى البلاهة.
    وهذا الموضوع من أكبر أغلاطه، ولذلك أنكر عليه أهل العلم، وتبرّأ منه الحنابلة في هذا الباب، ونزّهوا مذهبَ الإمام أحمد عن قوله وتخبيطه فيه، ومع وذلك فإن له في المذهب كتاب "المذهب" وغيره، وله تصانيف كثيرة جداً، حسنةٌ، فيها علمٌ عظيم، وخيرٌ كثير، وهو معدود من الأكابر الأفاضل، ولكن كل أحد مأخوذ من قوله ومتروك، سوى النبي ج، فكلامه في كتاب "التأويل"، وكلامه في الفصول التي في أول "صيد الخاطر" ـ كما أشرتم إليها ـ([1]) يجب الحذر منها والتحذير، ولولا أن هذه الكتب موجودة بين الناس لكان للإنسان مندوحة عن الكلام فيه؛ لأنه من أكابر أهل العلم وأفاضلهم، وهو معروف بالدين والورع والنفع، ولكن لكل جواد كبوة، نرجو الله أن يعفو عنا وعنه.
    وفي "صيد الخاطر" أيضاً أشياء تُنتقد عليه، ولكنها دون كلامه في الصفات، مثل كلامه عن أهل النار، وفي الخوض في بعض مسائل القدر، وأشياء يعرفها المؤمن الذكي، وإننا نأسف على صدورها من قِبَل هذا الرجل الكبير القدر"([2]).
    لقد اشتمل كلام الشيخ على ما يمكن جعله منهجاً في الكلام على الكتب والأشخاص، يلخص ذلك فيما يلي:
    1.حفظ منزلة العالم، وبيان ما تميز به من العلوم، وما تميزت به مصنفاته.
    2.تحديد موضع النقد، سواء في المنهج، أو في كتاب معين، حتى لا يطلق الكلام على عمومه.
    3.التفريق بين كتاب انتشر بين الناس، وبين كتاب لم ينتشر وإن كان فيه أخطاء؛ لأن مفهوم كلام الشيخ : أن نشر النقد لكتاب مغمور مما ينشره، وفي السكوت عنه إخماد لمفسدة انتشاره إذا كانت أخطاؤه كثيرة.

    ــ الحواشي ـــ
    ([1]) أي كما أشار إليها السائل.
    ([2]) "الفتاوى": (57)، المسألة الرابعة والعشرون، ضمن المجموعة الكاملة.
    عمر بن عبدالله المقبل
    أستاذ الحديث بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة القصيم

  • #2
    بارك الله فيك ياشيخ ، كلام السعدي ثمين دوماً وهذا من أثمن ما قرأت.
    وليت العنوان كان مطلقا لنجمع تحته ما تيسر من أقوال أهل العلم حول نقد كتب العلماء فيكون هذا الموضوع حاويا لهذه المسألة وجامعا لما تفرق فيها من الأقوال .
    أسأل الله أن يجزل لكم في عطائه وينفع بكم.

    تعليق


    • #3
      لم يكن ببالي غير هذه الكلمة ، فلم أشأ أن أضع عنوانا غير مناسب للمضمون، فإذا اجتمع منك ومن غيرك من الإخوة ما يساعد على تغيير العنوان، فإن مشرفنا الفاضل لن يمانع إن شاء الله.
      عمر بن عبدالله المقبل
      أستاذ الحديث بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة القصيم

      تعليق


      • #4
        بارك الله فيكم . موضوع نقد العلماء وكتبهم ليس بهين أبداً وقد أثرتم - حفظكم الله - مسألة مهمة يحسن على كل طالب علم التنبه لها خصوصا ونحن نرى كثرة التطاول على العلماء وكتبهم. ولا بد أن نتعلم الأدب مع العلماء، وحسن التعامل معهم وكيفية نقد كتبهم، والتخلق بهذا يجنب طالب العلم كثير من المزالق التي تفوت عليه لذة الطلب، وما ينبغي عليه من الالتفات لحاله وبناء ذاته.
        يقول الشيخ محمد الشنقيطي حفظه الله " كان العلماء رحمة الله عليهم يربون في طلابهم الشعور بالانتماء للعلم ومحبة العلماء، وكانوا يكرهون من طالب العلم كثرة الاعتراضات؛ لأنه حينما يتعود طالب العلم على الاعتراض والنقد وعلى هذا الشعور؛ تجده جريئاً على أئمة السلف وعلى العلماء، صلفاً وقحاً -نسأل الله السلامة والعافية- لا يتورع في كلامه ولا يتورع في تخطيئهم؛ لكن إذا ربيت فيه الشعور بالأدب والإجلال والتقدير لأهل العلم أصبح إذا جاء ليرد على العلماء تحفظ وتوقى، وصان لسانه عن الوقيعة في أعراضهم؛ لأن لديه إلفاً وشعوراً بتعظيم وإجلال السلف الصالح رحمة الله عليهم.
        ولذلك كان بعض العلماء إذا وجد من الطالب هذا الشعور ربما طرده، ولربما أعرض عنه، وهذا معنى قول الإمام مالك رحمة الله عليه: (لا تعلموا أولاد السفلة العلم؛ حتى لا يستطيلوا على العلماء) لأن عندهم الإلف والشعور بذلك، فقد ألفوا ذلك في بيئاتهم وفي مجتمعاتهم، فالإلف له تأثير على نفسية الإنسان، ومن هنا كان من الخطأ الذي يقع فيه بعض المربين وبعض المدرسين أن يأتيه الطالب فينتقد شيئاً فيشيد به أمام الطلاب أنه انتقد، وأصبحنا نعود أبناءنا على الانتقاد، ولربما تجد البحث يقول لك: انقد كتاباً، فربينا فيهم الشعور على الجرأة.
        وقد كان الناس قبل مائة سنة يجلون العلماء، وما وجدنا أحداً من أهل العلم يأتي ويجعل من منهجية تعلميه نقد الكتب والعلماء، ولكن أصبحنا اليوم بمجرد أن يأتي الشاب وعمره ثلاث عشرة سنة أو أربع عشرة سنة- بل بعضهم حديث عهد بهداية- فنقول له: حضر كلمة انقد فيها كتاباً، أو لربما تكون مسابقة في عطلة صيفية أو مركز صيفي على نقد كتاب معين! من الذي ينقد؟! وما هذا الشعور الذي نربيه في الطالب؟ فالذي يتعود على النقد يصبح إلفاً له.
        وابحث عن عالم يكون درسه وعلمه قائماً على نقد العلماء والتجريح فيهم وتتبع عثراتهم، أو تكون كتبه قائمة على نقد العلماء والتجريح في العلماء، إلا وجدت طلابه يسيرون وراءه حذو القذة بالقذة، حتى إن الله ينتقم منه في الدنيا قبل الآخرة، فيسلط عليه من طلابه من ينتقده كما انتقد، ويسل عليه ما سله على علماء المسلمين، لكن من يربي في طلابه حب العلم، ويجعل عندهم الشعور بالانتماء لجماعة المسلمين، والانتماء للعلم والعلماء وإجلال السلف الصالح وإعظامهم وإكبارهم؛ تجد طلابه قد تربوا على حب الله ووده وإجلاله؛ لأنهم ألفوا ذلك وأحبوه واعتادوه؛ فصار ديدناً لهم شاءوا أم أبوا. فهذا المنهج ينبغي أن نعتني به كما اعتنى به الشرع".
        شرح زاد المستقنع للشنقيطي (102/ 18، بترقيم الشاملة).
        وأتمنى مشاركة الأخوة في هذا الموضوع.

        تعليق


        • #5
          سُئِلَ ابن تيمية عَنْ كتاب : "إحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ"و" قُوتِ الْقُلُوبِ " فَأَجَابَ :
          أَمَّا ( كِتَابُ قُوتِ الْقُلُوبِ ) و ( كِتَابُ الْإِحْيَاءِ ) تَبَعٌ لَهُ فِيمَا يَذْكُرُهُ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ : مِثْلَ الصَّبْرِ وَالشُّكْرِ وَالْحُبِّ وَالتَّوَكُّلِ وَالتَّوْحِيدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ . وَأَبُو طَالِبٍ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ ، وَالْأَثَرِ وَكَلَامِ أَهْلِ عُلُومِ الْقُلُوبِ مِنْ الصُّوفِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَبِي حَامِدٍ الْغَزَالِيِّ وَكَلَامُهُ أَسَدُّ وَأَجْوَدُ تَحْقِيقًا وَأَبْعَدُ عَنْ الْبِدْعَةِ مَعَ أَنَّ فِي " قُوتِ الْقُلُوبِ " أَحَادِيثَ ضَعِيفَةً وَمَوْضُوعَةً وَأَشْيَاءَ كَثِيرَةً مَرْدُودَةً . وَأَمَّا مَا فِي ( الْإِحْيَاءِ ) مِنْ الْكَلَامِ فِي " الْمُهْلِكَاتِ " مِثْلُ الْكَلَامِ عَلَى الْكِبْرِ وَالْعُجْبِ وَالرِّيَاءِ وَالْحَسَدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَغَالِبُهُ مَنْقُولٌ مِنْ كَلَامِ الْحَارِثِ الْمُحَاسَبِيِّ فِي الرِّعَايَةِ وَمِنْهُ مَا هُوَ مَقْبُولٌ وَمِنْهُ مَا هُوَ مَرْدُودٌ وَمِنْهُ مَا هُوَ مُتَنَازَعٌ فِيهِ.و" الْإِحْيَاءُ " فِيهِ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ ؛ لَكِنْ فِيهِ مَوَادُّ مَذْمُومَةٌ فَإِنَّهُ فِيهِ مَوَادُّ فَاسِدَةٌ مِنْ كَلَامِ الْفَلَاسِفَةِ تَتَعَلَّقُ بِالتَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَالْمَعَادِ فَإِذَا ذَكَرَ مَعَارِفَ الصُّوفِيَّةِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَخَذَ عَدُوًّا لِلْمُسْلِمِينَ أَلْبَسَهُ ثِيَابَ الْمُسْلِمِينَ . وَقَدْ أَنْكَرَ أَئِمَّةُ الدِّينِ عَلَى " أَبِي حَامِدٍ " هَذَا فِي كُتُبِهِ . وَقَالُوا : مَرَّضَهُ " الشِّفَاءُ " يَعْنِي شِفَاءَ ابْنِ سِينَا فِي الْفَلْسَفَةِ . وَفِيهِ أَحَادِيثُ وَآثَارٌ ضَعِيفَةٌ ؛ بَلْ مَوْضُوعَةٌ كَثِيرَةٌ . وَفِيهِ أَشْيَاءُ مِنْ أَغَالِيطِ الصُّوفِيَّةِ وَتُرَّهَاتِهِمْ . وَفِيهِ مَعَ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الْمَشَايِخِ الصُّوفِيَّةِ الْعَارِفِينَ الْمُسْتَقِيمِينَ فِي أَعْمَالِ الْقُلُوبِ الْمُوَافِقِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَمِنْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَالْأَدَبِ مَا هُوَ مُوَافِقٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِمَّا يَرِدُ مِنْهُ فَلِهَذَا اخْتَلَفَ فِيهِ اجْتِهَادُ النَّاسِ وَتَنَازَعُوا فِيهِ". مجموع الفتاوى (10/ 551).
          وتحدث عن منهج أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِي " فِي " كِتَابِ تَارِيخِ أَهْلِ الصُّفَّةِ " فقال:" اَلَّذِي جَمَعَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَنَحْوُهُ فِي " تَارِيخِ أَهْلِ الصُّفَّةِ " وَأَخْبَارِ زُهَّادِ السَّلَفِ وَطَبَقَاتِ الصُّوفِيَّةِ يُسْتَفَادُ مِنْهُ فَوَائِدُ جَلِيلَةٌ وَيُجْتَنَبُ مِنْهُ مَا فِيهِ مِنْ الرِّوَايَاتِ الْبَاطِلَةِ وَيُتَوَقَّفُ فِيمَا فِيهِ مِنْ الرِّوَايَاتِ الضَّعِيفَةِ . وَهَكَذَا كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الرِّوَايَاتِ وَمِنْ أَهْلِ الْآرَاءِ وَالْأَذْوَاقِ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالزُّهَّادِ وَالْمُتَكَلِّمِين وَغَيْرِهِمْ . يُوجَدُ فِيمَا يَأْثُرُونَهُ عَمَّنْ قَبْلَهُمْ وَفِيمَا يَذْكُرُونَهُ مُعْتَقِدِينَ لَهُ شَيْءٌ كَثِيرٌ وَأَمْرٌ عَظِيمٌ مِنْ الْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ . وَيُوجَدُ - أَحْيَانًا - عِنْدَهُمْ مِنْ جِنْسِ الرِّوَايَاتِ الْبَاطِلَةِ أَوْ الضَّعِيفَةِ وَمِنْ جِنْسِ الْآرَاءِ وَالْأَذْوَاقِ الْفَاسِدَةِ أَوْ الْمُحْتَمَلَةِ شَيْءٌ كَثِيرٌ . وَمَنْ لَهُ فِي الْأُمَّةِ لِسَانُ صِدْقٍ عَامٍّ بِحَيْثُ يُثْنَى عَلَيْهِ وَيُحْمَدُ فِي جَمَاهِيرِ أَجْنَاسِ الْأُمَّةِ فَهَؤُلَاءِ هُمْ أَئِمَّةُ الْهُدَى وَمَصَابِيحُ الدُّجَى وَغَلَطُهُمْ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى صَوَابِهِمْ وَعَامَّتُهُ مِنْ مَوَارِدِ الِاجْتِهَادِ الَّتِي يُعْذَرُونَ فِيهَا وَهُمْ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الْعِلْمَ وَالْعَدْلَ فَهُمْ بُعَدَاءُ عَنْ الْجَهْلِ وَالظُّلْمِ وَعَنْ اتِّبَاعِ الظَّنِّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُس" مجموع الفتاوى (11/ 43).
          ويستفاد من كلام شيخ الاسلام:
          - أن كلا يؤخذ من كلامه ويرد إلا الرسول .
          - النظر في كلام العالم فما كان من خطأ فيه رددناه وما كان من صواب أخذنا به.
          - إحسان الظن بالعلماء - وهذا في جانب تعامل الأخ مع أخيه فكيف مع العلماء- والتماس العذر لهم.
          - النظر فيما قدموه من الأعمال الجليلة وذكر حسناتهم والثناء عليهم في المواطن التي يسأل فيها عنهم.

          تعليق


          • #6
            الشيخ عمر المقبل جزاك الله كل خير وبارك فيك
            ورحم الله الشيخ السعدي وأعلى درجته في عليين
            يا حامل العلم والقرآن إن لنا *** يوما تضم به الماضون والأخر
            فيسـأل الله كلا عن وظيفته *** فليت شعري بماذا منه تعتـذر

            تعليق


            • #7
              وإياك أخي ماجد، وجميع من أمّن وقرأ .
              عمر بن عبدالله المقبل
              أستاذ الحديث بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة القصيم

              تعليق


              • #8
                من العلماء الذين عُرفوا بالمنهج الدقيق المتوازن في النقد ؛ الإمام الذهبي (ت:748ه). وهو منهج يستحق التأمل والوقوف معه كثيرا.
                وقد وجدت في مقدمة التحقيق لكتاب سير أعلام النبلاء شيئاً من العوامل التي أثْرت جانب النقد عند هذا الإمام الفذ، فقال المحقق في بيان هذا الجانب :" ظهرت براعة الذهبي التاريخية كثيرا كما ظهرت في الرجال فإنه قد درس التاريخ السياسي، واختصر عددا من المؤلفات الرئيسية فيه مثل تاريخ أبي شامة المتوفى سنة 665 ه وتاريخ أبي الفداء المتوفى سنة 732 ه وغيرهما، وأفاد من معظم التواريخ المعروفة في عصره ودرسها كسيرة ابن إسحاق المتوفى سنة 151 ه وتواريخ: الطبري المتوفى سنة 310 ه وابن الاثير المتوفى سنة 630 ه وابن الجوزي المتوفى سنة 597 ه وغيرهما مما يطول تعداده.
                وقد ظهرت هذه الكتابات في تواريخه المرتبة على الحوادث والوفيات مثل " تاريخ الاسلام " و " العبر " و " دول الاسلام " وغيرها.
                ونستبين من نطاق كتاباته هذه أنه كان مؤرخا جوال الذهنية استطاع استيعاب عصور التاريخ الاسلامي من أول ظهوره حتى زمانه الذي كتب فيه مؤلفاته، وهي فترة تزيد على السبعة قرون، فألف في كل هذه العصور بعد أن درسها دراسة عميقة قامت على دعامتين رئيستين هما: الرواية الشفوية والكتب وهذا أمر لم يتأت لكثير من العلماء الذين سبقوه أو عاصروه.
                وحينما كتب الذهبي كتابه " تذكرة الحفاظ " ورتبه على الطبقات تكلم في نهاية أكثرها على الاوضاع السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية في الوقت الذي تناولته فأجمل الاوضاع العامة بفقرات قليلة دللت على سعة أفقه التاريخي وقدرته الفائقة على تصوير حقبة كاملة من الزمن وعلى امتداد العالم الاسلامي المترامي الأطراف بعبارة وجيزة.
                وهذا أمر لا يتأتى إلا لمن استوعب العصر ودرسه دراسة عميقة بحيث حصل له مثل هذا التصور والفهم العام.
                ثم إن هذه المعرفة الرجالية الواسعة مع ما أوتي من ذكاء وإدراك واسعين جعلت منه ناقدا رجاليا ماهرا، تدل على ذلك مؤلفاته في النقد وأصوله والتي من أبرزها كتابه العظيم " ميزان الاعتدال في نقد الرجال " الذي اعتبره معاصروه ومن جاء بعدهم من أحسن كتبه وأجلها.
                وقد تناوله عدد كبير من الحفاظ والعلماء والمعنيين بالنقد استدراكا وتعقيبا وتلخيصا بحيث قال شمس الدين السخاوي: " وعول عليه من جاء بعده ".
                ثم بين المحقق شيئا من منهج الإمام الذهبي في النقد فقال:" وللذهبي التفاتات بارعة في أصول النقد، فقد ألف رسالة في " ذكر من يؤتمن قوله في الجرح والتعديل " تكلم فيها على أصول النقد وطبقات النقاد وكيفية أخذ أقوالهم.
                وأورد في مقدمة " الميزان " عبارات الجرح والتعديل من أعلى مراتبها إلى أدناها وبين مدلولاتها في النقد.
                وهو في كتبه يشرح بعض هذه الاصول، من ذلك مثلا ما ذكره في ترجمة أبان بن تغلب الكوفي، قال: " شيعي جلد، ولكنه صدوق فلنا صدقه، وعليه بدعته.
                وقد وثقة أحمد بن حنبل، وابن معين، وأبو حاتم، وأورده ابن عدي، وقال: كان غاليا في التشيع. وقال السعدي: زائغ مجاهر".
                ثم قال بعد ذلك:" ولقائل أن يقول: كيف ساغ توثيق مبتدع، وحد الثقة العدالة والاتقان ؟ فكيف يكون عدلا من هو صاحب بدعة ؟ وجوابه أن البدعة على ضربين: فبدعة صغرى كغلو التشيع، أو كالتشيع بلا غلو ولا تحرف، فهذا كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق، فلو رد حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية، وهذه مفسدة بينة.
                ثم بدعة كبرى كالرفض الكامل والغلو فيه، والحط على أبي بكر وعمر ، والدعاء إلى ذلك، فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة..ولم يكن أبان بن تغلب يعرض للشيخين أصلا، بل قد يعتقد عليا أفضل منهما".
                وقال في ترجمة أبي نعيم أحمد بن عبد الله الاصبهاني: " أحد الاعلام صدوق، تكلم فيه بلا حجة، ولكن هذه عقوبة من الله لكلامه في ابن منده بهوى، قال الخطيب: " رأيت لابي نعيم أشياء يتساهل فيها، منها أنه يطلق في الاجازة أخبرنا ولا يبين.
                وقلت (يعني الذهبي): هذا مذهب رآه أبو نعيم وغيره، وهو ضرب من التدليس.
                وكلام ابن منده في أبي نعيم فظيع، لا أحب حكايته، ولا أقبل قول كل منهما في الآخر، لا أعلم لهما ذنبا أكثر من روايتهما الموضوعات ساكتين عنها..قلت: كلام الاقران بعضهم في بعض لا يعبأ به، لا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد، ما ينجو منه إلا من عصم الله، وما علمت أن عصرا من الأعصار سلم أهله من ذلك، سوى الأنبياء والصديقين، ولو شئت لسردت من ذلك كراريس، اللهم فلا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم ".
                ولم يكن الذهبي ليصدر اتباعا لآراء الآخرين في النقد فهو يخالفهم في بعض الأحيان حين لا يجد لآرائهم من سند قوي يؤيدها، فمن ذلك - مثلا ما جاء في ترجمة زيد بن وهب الجهني، أحد التابعين، وهو الذي تكلم فيه أبو يعقوب الفسوي في " تاريخه " وذكر أن في حديثه خللا كبيرا، فقال: " ولا عبرة بكلام الفسوي " وأورد في " ميزان الاعتدال " مآخذ الفسوي عليه ورد عليها ثم قال: " فهذا الذي استنكره الفسوي من حديثه ما سبق إليه، ولو فتحنا هذه الوساوس علينا لرددنا كثيرا من السنن الثابتة بالوهم الفاسد " والميزان ملئ بمثل هذه النقدات لا مجال لتكثير الامثلة منها.
                بل وجدناه يؤلف كتابين، يرد فيهما على جملة من علماء الجرح والتعديل هما: " رسالة في الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب ردهم "، وكتاب " من تكلم فيه وهو موثق ".
                ولم يقتصر نقد الذهبي على الرجال حسب، بل تعدى ذلك إلى نقد الموارد التي يطالعها أو يختصرها أو يأخذ منها، وهو ما يعرف اليوم بنقد المصادر، من ذكر مثلا نقده لكتاب " الضعفاء " لابن الجوزي المتوفى سنة 597 ه الذي اختصره وذيل عليه، فقال في ترجمة أبان بن يزيد العطار: قد أورده أيضا العلامة ابن الجوزي في " الضعفاء " ولم يذكر فيه أقوال من وثقه. وهذا من عيوب كتابه يسرد الجرح ويسكت عن التوثيق ".
                وانتقد الذهبي كتاب " الضعفاء " لابي جعفر محمد بن عمرو العقيلي المتوفى سنة 322 ه لايراده بعض الثقات ومنهم حافظ عصره علي بن المديني المتوفى سنة 234 فقال في ترجمة ابن المديني من الميزان: " ذكره العقيلي في كتاب الضعفاء، فبئس ما صنع " ورد عليه حينما نقل قول عبد الله بن أحمد بن حنبل: " كان أبي حدثنا عنه، ثم أمسك عن اسمه..ثم ترك حديثه "، بقوله: " بل حديثه عنه في مسنده " وهذا رد مفحم من الذهبي بل قال بعد ذلك: " وهذا أبو عبد الله البخاري وناهيك به قد شحن صحيحه بحديث ابن المديني".
                ولا يقتصر الذهبي عند نقد الكتب على إيراد مساوئها، بل كثيرا ما يذكر محاسنها ومميزاتها، فقد سبق أن قال إن كتاب العقيلي مفيد، وقال عن كتاب " الكامل " لابن عدي المتوفى سنة 365 ه إنه " أكمل الكتب وأجلها في ذلك "، وقال في ترجمة الدار قطني المتوفى سنة 385 ه: " وإذا شئت أن تتبين براعة هذا الامام الفرد فطالع العلل له فإنك تندهش ويطول تعجبك ".
                ونحن نعلم أيضا أن الذهبي قد عانى النقد في تآليف خاصة رد بها على كتب معينة، فقد ألف كتابا في الرد على ابن القطان المتوفى سنة 628 ه كما ألف كتاب " من تكلم فيه وهو موثق " رد به على جملة من كتب الضعفاء كما بينا.
                وبسبب هذا الذي قدمنا ذكره من براعة الذهبي في النقد والتمكن منه، فقد أصبح " شيخ الجرح والتعديل " كما ذكر تاج الدين السبكي.
                وقال ابن ناصر الدين المتوفى سنة 842 ه: " ناقد المحدثين وإمام المعدلين والمجرحين..وكان آية في نقد الرجال، عمدة في الجرح والتعديل "، وقال شمس الدين السخاوي المتوفى سنة 902: " وهو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال "، فأصبحت أقوال الذهبي فيمن يترجم لهم تعتبر عند النقاد والمؤرخين الذين جاءوا بعده أقصى حدود الاعتبار، وظهرت بصورة جلية في المؤلفات التي كتبت بعد عصره، ولا سيما في مؤلفات مؤرخ القرن التاسع وحافظه ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852 ه.
                وتطالعنا عند قراءة كتب الذهبي العديد من الأمثلة التي تدل على قوته في البحث والاستدلال، ومناقشة آراء الغير بروح علمي يعتمد الدليل والاقناع.
                ومن الأمثلة على ذلك مناقشته لمسألة معرفة النبي - الكتابة، فقال في ترجمة الحافظ العلامة أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي المتوفى سنة 474 ه: " ولما تكلم أبو الوليد في حديث الكتابة يوم الحديبية الذي في البخاري قال بظاهر لفظه، فأنكر عليه الفقيه أبو بكر ابن الصائغ وكفره بإجازة الكتب على رسول الله النبي الامي وأنه تكذيب بالقرآن، فتكلم في ذلك من لم يفهم الكلام حتى أطلقوا عليه الفتنة وقبحوا عند العامة ما أتى به خطباؤهم في الجمع وقال شاعرهم:
                برئت ممن شرى دنيا بآخرة * وقال: إن رسول الله قد كتبا
                وصنف أبو الوليد رسالة بين فيها أن ذلك غير قادح في المعجزة فرجع بها جماعة.
                قلت: ما كل من عرف أن يكتب اسمه فقط بخارج عن كونه أميا لانه لا يسمى كاتبا.
                وجماعة من الملوك قد أدمنوا في كتابة العلامة وهم أميون، والحكم للغلبة لا للصورة النادرة، فقد قال : " إنا أمة أمية " أي أكثرهم كذلك لندور الكتابة في الصحابة، وقال تعالى: هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم.
                وقال في موضع آخر معقبا على هذه المسألة أيضا: " قلت: وما المانع من جواز تعلم النبي - يسير الكتابة بعد أن كان أميا لا يدري ما الكتابة، فلعله لكثرة ما أملى على كتاب الوحي وكتاب السنن والكتب إلى الملوك عرف من الخط وفهمه وكتب الكلمة والكلمتين كما كتب اسمه الشريف يوم الحديبية محمد بن عبد الله، وليست كتابته لهذا القدر اليسير ما يخرجه من كونه أميا ككثير من الملوك أميين ويكتبون العلامة ". ومثل هذا كثير في كتب الذهبي". مقدمة سير أعلام النبلاء (1/ 57-64)باختصار وتصرف.
                وقد تأثرت حقيقة بمنهج الإمام الذهبي في النقد وحسن تعامله مع العلماء، والتأمل في مناهج هؤلاء العلماء له وقع جميل في القلب، وتأثير كبير على النفس، لأننا نجد الحياة تدب في كتبهم حتى وإن وارى أصحابها في التراب، فهي مازالت تنطق بألسنتهم وتعلمنا أن نتعلم الأدب قبل العلم منهم.
                وأتمنى أن نقف وقفات مع هذه النصوص المنقولة أو غيرها من كلام الذهبي لنستخلص منها الفوائد المتعلقة بهذا الموضوع.

                تعليق


                • #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة عمر المقبل مشاهدة المشاركة
                  لقد تعلمنا من أئمتنا ـ تعالى ـ سلوك طريق العدل في بيان ما للكتب وما عليها،
                  بارك الله فيكم فالعدل و الإنصاف نادران بالأصل , و قد زادت الندرة في زمن الغفلة و ضعف التربية !
                  على أن العدل كذلك يتأثّر سلبًا بمقدار العلم الذي يتعلّق أكثره - في هذه الخلفيّة - بمعلافة ما لدى الآخر ! و لا يتمّ ذلك إلا بالدراسة على أصحابه أو بالتجرّد من سوابق التصوّرات على الأقل و هو شاقّ إن لم يستطع أحدنا اللقاء و المشافهة التي تزيل عن القلوب الكثير من الغشاوات !
                  " إنّ العاملين في خدمة القرآن إن لم يعرضوا عن الدنيا
                  فإنّ الدنيا تعرض عنهم "
                  شيخ الإيمان في آخر الزمان

                  تعليق


                  • #10
                    كان من منهج علماء السلف التحذير من كتب المبتدعة ومجالستهم، ومن ذلك ما جاء في طبقات الحنابلة (1/ 233) عن علي بن خالد قال: قلت: لأحمد إن هذا الشيخ - لشيخ حضر معنا - هو جاري وقد نهيته عن رجل ويحب أن يسمع قولك فيه حارث القصير، يعني حارث المحاسبي، كنت رأيتني معه منذ سنين كثيرة فقلت: لي لا تجالسه ولا تكلمه فلم أكلمه حتى الساعة وهذا الشيخ يجالسه فما تقول فيه؟.
                    قال: فرأيت أحمد قد احمر لونه وانتفخت أوداجه وعيناه وما رأيته هكذا قط ثم جعل ينتفض ويقول ذاك فعل الله به وفعل ليس يعرف ذاك إلا من خبره وعرفه ذاك جالسه المغازلي ويعقوب وفلان فأخرجهم إلى رأي جهم هلكوا بسببه فقال له الشيخ يا أبا عبد الله يروى الحديث ساكن خاشع من قصته ومن قصته، فغضب أبو عبد الله وجعل يقول: لا يغرك خشوعه ولينه ويقول لا تغتر بتنكيس رأسه فإنه رجل سوء ذاك لا يعرفه إلا من قد خبره لا تكلمه ولا كرامة له، كل من حدث بأحاديث رسول الله - - وكان مبتدعاً تجلس إليه! لا ولا كرامة ولا نعمى عين وجعل يقول ذاك ذاك.
                    وقال الحافظ سعيد بن عمرو البردعى: شهدت أبا زرعة - وقد سئل عن الحارث المحاسبى وكتبه - فقال للسائل: إياك وهذه الكتب، هذه كتب بدع وضلالات، عليك بالاثر، فإنك تجد فيه ما يغنيك.
                    قيل له: في هذه الكتب عبرة.
                    فقال: من لم يكن له في كتاب الله عبرة فليس له في هذه الكتب عبرة، بلغكم أن سفيان ومالكا والاوزاعي صنفوا هذه الكتب في الخطرات والوساوس، ما أسرع الناس إلى البدع ! ".
                    ثم قال الذهبي:" وأين مثل الحارث؟ فكيف لو رأى أبو زرعة تصانيف المتأخرين كالقوت لابي طالب، وأين مثل القوت ! كيف لو رأى بهجة الاسرار لابن جهضم، وحقائق التفسير للسلمى لطار لبه.
                    كيف لو رأى تصانيف أبى حامد الطوسى في ذلك على كثرة ما في الاحياء من الموضوعات.
                    كيف لو رأى الغنية للشيخ عبد القادر ! كيف لو رأى فصوص الحكم والفتوحات المكية ! ". ميزان الاعتدال (1/ 431).
                    قال الشيخ ربيع في منهج أهل السنة: "رحم الله الإمام الذهبي كيف لو رأى مثل (الطبقات) للشعراني،وجواهر المعاني وبلوغ الأماني في فيض ابن عباس التيجاني لعلي ابن حزام الفاسي؟!
                    كيف لو رأى خزينة الأسرار لمحمد حقي النازلي؟!!
                    كيف لو رأى نور الأبصار للشنجلي؟!
                    كيف لو رأى شواهد الحق في جواز الاستغاثة بسيد الخلق وجامع الكرامات للنبهاني؟!
                    كيف لو رأى تبليغي نصاب وأمثاله من مؤلفات أصحاب الطرق الصوفية؟!". موسوعة الرد على الصوفية (176/ 11).

                    تعليق


                    • #11
                      هل يوجد تعليق (مطبوع) لأحد العلماء على ما في صيد الخاطر من أخطاء ؟
                      أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله

                      تعليق

                      19,963
                      الاعــضـــاء
                      232,069
                      الـمــواضـيــع
                      42,594
                      الــمــشـــاركـــات
                      يعمل...
                      X