إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • مقومات الحضارة في الإسلام - سلسلة متجددة

    بسم الله الرحمن الرحيم

    مقومات الحضارة في الإسلام


    الحمد لله رب العالمين , وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله بلغ الرسالة وأدى الأمانة.
    ثم أما بعد , قال تعالى في سورة إبراهيم:
    كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ - 1
    وقال تعالى:
    هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا..61 هود

    جاء الإسلام لإزاحة الجهل والتخلف سواء في العقائد أو المعاملات وأنار للإنسان الطريق المستقيم لقيام حضارة على هذا الكوكب مبنية على العلم والإيمان.

    وبهذا المفهوم الواضح قامت الحضارة الإسلامية التي هي أساس الحضارات الحديثة في الجانب المادي , ولأسباب عديدة تسلم شعلة الحضارة المادية أخرون...
    فالحضارة على الأرض لابد أن تبلغ ذروتها بتقدير الله تعالى حتى قيام الساعة...

    قال تعالى في سورة يونس:
    حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ - 24

    فعلى المسلمين إدراك حقيقة في غاية الأهمية وهي أنهم مطالبون بالإمساك بشعلة الحضارة كما فعل أسلافنا وذلك ليكونوا منارة هداية للبشرية وإنقاذها من الكفر والشرك والإحاد , فالحضارة في الإسلام وسيلة للتقرب من الخالق , ووسيلة لفهم آيات الله تعالى في الكون ووسيلة لإسعاد الإنسان في الدنيا والأخرة , ولتحقيق العدل بين الناس.

    قال تعالى في سورة ال عمران :
    إِنَّ فِي خَلْق ِالسَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ - 190

    فهل نظرنا إلى السماء ...؟ وكنا من أولي الألباب ؟ الذين حركتهم هذه الأيات الكونية وصنعنا الطائرات للدفاع عن سماءنا من المعتدين ؟. وصنعنا الأقمار الصناعية لسهولة الإتصالات والبث الإعلامي الإسلامي للدعوة إلى دين الله تعالى, لإنقاذ البشرية من الهلاك في الدنيا والأخرة...

    قال تعالى في سورة فصلت :
    سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ, أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ – 53

    وبناءا على ذلك يكون البحث العلمي واجب إيماني للنهوض بشعوبنا في شتى مجالات الحياة دون الإعتماد الكلي على الإستيراد ممن يسيئون إلى الإسلام والمسلمين وينظرون إليهم على أنهم شعوب متخلفة , وكنا ننظر إليهم سابقا – أيام العصر الذهبي للدولة الإسلامية – على أنهم شعوب متخلفة ولكن لم نسئ إليهم بل كانت دور العلم في الدولة الإسلامية مفتوحة للجميع وجميع مؤلفات علماء الإسلام في متناول الجميع , وهذا هو الفرق بين أن نكون متحضرين فنساعد العالم وبين أن نكون غير ذلك, فتضيع ثرواتنا في الإستيراد لكل متطلبات الحياة...
    وقد أمرنا الله تعالى بالتفكر والتدبر في ملكوت السموات والأرض..

    وإن شاء الله تعالى نتناول هذا البحث الهام في مقومات الحضارة في الإسلام , سائلين الله تعالى أن يعيننا وأن يرزقنا الإخلاص في كل ما نكتب وفي كل أعمالنا...

    ويعتمد هذا البحث على كتاب الله ( القرآن الكريم )
    وعلى الحديث الشريف من الكتب الصحاح مثل البخاري ومسلم
    وعلى المراجع العلمية التي تناولت هذا الموضوع...



    وإلى اللقاء القادم إن شاء الله تعالى
    دمتم في رعاية الله وأمنه
    ليسانس حقوق - دبلومة الشريعة الإسلامية - تمهيدي ماجستير في الشريعة الإسلامية

  • #2
    بسم الله الرحمن الرحيم


    العلم والبحث العلمي

    من أهم مقومات الحضار في الإسلام " العلم والبحث العلمي " فهو المقدمة الأولى لبناء الصرح الحضاري وبدونه يصبح الإنسان كائنا ينتظر المعونة من الغير حتى لو أصبح من أصحاب الملايين فبالمال تستطيع أن تشتري تكنولجيا متطورة ولكن يتحكم فيك صانعها فلا يعطيك إلا بقدر أن تكون تابعا له مع الإحتفاظ بأسرار مخترعاته.

    ولذلك نلاحظ إهتمام رسالة الإسلام بالعلم فإن أول ما نزل من القرآن آيات العلم , قال تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ – 1 خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ – 2 اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ – 3 الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ – 4 عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ – 5 ....سورة العلق

    نلاحظ هنا إهتمام الإسلام بالقراءة كمدخل أول للعلم ..في بداية رسالة الإسلام فالتعليم والبحث العلمي ضرورة إيمانية أولا ثم ضرورة حضارية ثانيا...

    إن الله سبحانه , علم الانسان ما لم يعلم..
    فكل ما نراه من إنجازات علمية فهي من الله على الحقيقة ..
    قال تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ -28 فاطر . أي إن أكثر الناس خوفا من الله هم العلماء , لما يرون من عظيم قدرة الله في آياته الكونية......

    والعلم من أهم صفات من نزل عليهم القرآن العظيم
    قال تعالى: في أول سورة فصلت: حم – 1 تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - 2 كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ – 3
    يخبر تعالى عباده أن هذا القرآن العظيم ﴿ تَنْزِيلُ ﴾ صادر ﴿ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ الذي وسعت رحمته كل شيء، الذي من أعظم رحمته وأجلها، إنزال هذا الكتاب، الذي حصل به، من العلم والهدى، والنور، والشفاء، والرحمة، والخير الكثير، فهو الطريق للسعادة في الدارين...
    ثم أثنى على الكتاب بتمام البيان فقال: ﴿ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ﴾ أي: فصل كل شيء , وهذا يستلزم من علماء المسلمين تدبر آياته والبحث في كافة العلوم التي أتى بها على الإجمال حتى يستوعبها البشر في كافة العصور....
    ﴿ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴾ أي: باللغة الفصحى أكمل اللغات، فصلت آياته وجعل عربيًا. ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ أي: لأجل أن يتبين لهم معناه، كما تبين لفظه، ويتضح لهم الهدى من الضلال، والْغَيِّ من الرشاد...

    وقد حافظ القرآن العظيم على اللغة العربية ونشرها في ربوع الأرض وجعلها من اللغات الحية في العالم.. وقد استوعبت اللغة العربية جميع علوم الأرض , والدليل على ذلك ما قام به علماء الإسلام بالترجمة لكتب العلوم في العصر الذهبي للدولة الإسلامية , والبحث العلمي في جميع أصول المعرفة سواء الرياضية في الجبر والهندسة أو العلوم الكيمائية أو الطبية أو علم الفلك من نجوم وكواكب أو الجغرافية أو التاريخية والشريعة والقانون ...
    والتفوق في العلوم الصناعية في كافة المجالات مثل صناعة السفن والأساطيل البحرية وإنشاء الترع والسدود و إنشاء المدن وما ترتب عليها من مرافق وإضاءة ...
    وأما الجاهلون، الذين لا يزيدهم الهدى إلا ضلالاً، ولا البيان إلا عَمًى فهؤلاء لم يُسَقِ الكلام لأجلهم، ﴿ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ 6 البقرة

    **
    هل أدركنا أهمية العلم والبحث العلمي في ظل عقيدة التوحيد
    فرسالة الإسلام هي سياج الأمان من إنحراف الحضارات , فبدون مبادئ الإيمان تشتعل الحروب ويروج لها تجار السلاح.
    قال تعالى: كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ – 64 المائدة

    ولكن في ظل عقيدة الإسلام , قال تعالى:
    إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا
    وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ
    إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا – 58 النساء

    *
    وإلى لقاء قادم إن شاء الله تعالى
    ليسانس حقوق - دبلومة الشريعة الإسلامية - تمهيدي ماجستير في الشريعة الإسلامية

    تعليق


    • #3
      بسم الله الرحمن الرحيم

      مازلنا مع أهم مقومات الحضارة
      العلم والبحث العلمي

      إن من أهم المبادئ التي أتى بها الإسلام مبدأ التدبر والعلم في كل ما يحيط بنا, سواء في الأرض أو في السماء , والبحث العلمي المبني على الأدلة ( هو منهج الإسلام ), ..
      وهناك مدن امتلأت بالعلم والعلماء ، ومعاهد العلم ، في العصر الذهبي للدولة الإسلامية مثل : القاهرة ، وبغداد ، ودمشق ، وقرطبة ، وغرناطة ، وإشبيلية، وبخارى ، وغيرها من العواصم التي تزخر بكل ألوان الحضارة.. وشرقت وغربت حتى نشرت الفكر الصحيح..
      وكل هذا بفعل الاتجاهات القرآنية التي غرسها الإسلام في قلوب الناس، والتي أدت إلى تنمية القوى العقلية في الإنسان المسلم ، ففتحت أمامه آفاقا واسعة لا حدود لها .

      وقد إعتمدت ذلك المنهج الأمم المتقدمة ماديا فوصلوا إلى ما نراه ونلمسه من حضارة مادية ساعدت الإنسان في حركته على الأرض من تنقلات ومساكن وإتصالات ورفهية ,
      ولكن المنهج الإسلامي كان أعمق بكثير من الحضارة المادية البحتة , حيث أن الإسلام استوعب تلك الحضارة وتجاوزها وجعلها طريقا للتقرب إلى رب العالمين , الذي وهبنا الحياة وخلق لنا ما في السموات والأرض جميعا منه. وجعل كل ما حولنا مادة للتعلم , نتعلم ولا ننسى الخالق لكل شئ. وبهذه تتحقق الغاية التي يهدف إليها العلم في الإسلام..

      قال تعالى:
      هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ -5
      إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ – 6 يونس

      الله تعالى هو الذي جعل الشمس ضياء, وجعل القمر نورًا, وقدَّر القمر منازل , فبالشمس تعرف الأيام , وبالقمر تعرف الشهور والأعوام,
      وهكذا بدوران الأرض حول محورها مرة كل يوم ينشأ الليل والنهار.
      وبدورانها مرة حول الشمس كل عام يتغير كل من طول الليل وطول النهار, و تنشأ الفصول الأربعة .,
      وهكذا نشأ علم الفلك وما ترتب عليه من علوم أخري. فعكف علماء الإسلام ومنهم على سبيل المثال " ابن الدجيلي " عكف على دراسة الكواكب والنجوم ليحدد أفلاكها، ويعرف أبعادها، ويقيس محيط الكرة الأرضية.
      وعبد الله الخوارزمي العالم المسلم الذي ولد في إقليم خوارزم , أول رجل في العالم يضع أصول علم الجبر، وفي كتابه ( الجبر والمقابلة ) وهكذا كان علماء الإسلام شموس تنير الدنيا علما ونورا...

      يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ

      ومن هنا ندرك أهمية العلم والبحث العلمي لدى الإنسان . لإنشاء حضارة على وجه الأرض.
      وفي هذه الآيات الحث والترغيب على التفكر في مخلوقات الله، والنظر فيها بعين الاعتبار، فإن بذلك تنفتح البصيرة، ويزداد الإيمان والعقل، وتقوى القريحة، وفي إهمال ذلك، تهاون بما أمر الله به، وإغلاق لزيادة الإيمان، وجمود للذهن والقريحة.

      قال تعالى:
      وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ - 38
      وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ - 39
      لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ
      – 40 يس


      وقد تأكد علميا في هذا العصر أن الشمس تجري بمجموعتها بسرعات كبيرة حيث مستقرها بإذن الله تعالى.
      وآية لهم الشمس تجري لمستقر لها, قدَّره الله لها لا تتعداه ولا تقصر عنه, ذلك تقدير العزيز الذي لا يغالَب, العليم الذي لا يغيب عن علمه شيء.
      والقمرَ آية في خلقه, حيث دورانه حول الأرض في منازل محددة كل ليلة ,
      لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ
      وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ.


      وهنا إشارة إلى مدارات جميع أجرام السماء , وقد وضعت بإحكام ودقة متناهيه , بحيث أنك ترى ملايين النجوم والكواكب والأقمار تجري بسرعات هائلة ولا يحدث بينها تصادم.

      إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ – 6

      **

      دمتم في رعاية الله وأمنه.
      وإلى اللقاء التالى إن شاء الله تعالى
      ليسانس حقوق - دبلومة الشريعة الإسلامية - تمهيدي ماجستير في الشريعة الإسلامية

      تعليق


      • #4
        بسم الله الرحمن الرحيم

        نستكمل إن شاء الله تعالى بقية أهمية العلم والبحث العلمي في الإسلام كمقوم من مقومات الحضارة.
        *
        قد يظن إنسان أن الدين في وادي والعلوم والحضارة في وادي أخر,
        قد يكون هذا الأمر في الديانات الوثنية أو الديانات المحرفة .
        أما في الإسلام فالدين هو رسالة الله تعالى للبشر لإخراجهم من ظلام الجهل إلى نور العلم والحضارة الحقيقية القائمة على الأخلاق والمبادئ التي تحقق السعادة في الدنيا والأخرة.
        وهذا الكلام ليس كلام إنشائي بل بالدليل القاطع من القرآن العظيم , وأليكم بعض العلوم التي تضمنتها الآيات في صدر سورة النحل.

        أولا - علوم السماوات والارض

        خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (3)

        خلق الله السموات والأرض بالحق; ليستدِل بهما العباد على عظمة خالقهما, وأنه وحده المستحق للعبادة, تنزَّه -سبحانه- وتعاظم عن شركهم.

        ثانيا - العلوم الإنسانية ( علم الأجنة ) من طب وتشريح .

        خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (4)

        وقال تعالى في سورة المؤمنون : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ -12 ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ – 13 ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ – 14
        سبحان الله وصف دقيق لمراحل تخليق الجنين أسلم الكثير من العلماء لما سمعوا بهذه الآيات وقالوا أنها تمثل أعلى ما وصل إليه العلم الحديث.

        ثالثا - علوم الأنعام التي نأكلها وننتفع بها.

        وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5)
        وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6)
        وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (7)

        والأنعامَ من الإبل والبقر والغنم خلقها الله لكم -أيها الناس- وجعل في أصوافها وأوبارها الدفء, ومنافع أُخر في ألبانها وجلودها وركوبها, ومنها ما تأكلون.
        ولكم فيها زينة تُدْخل السرور عليكم عندما تَرُدُّونها إلى منازلها في المساء, وعندما تُخْرجونها للمرعى في الصباح.
        وقال تعالى:
        وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ - 66

        رابعا - علوم وسائل النقل
        وكيف أشار الله تعالى إلي كل ما نعلمه , وما لا نعلمه من وسائل قديمة وحديثة ومستجدة لا نعرفها .

        وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (7)
        وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ (8)
        وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (9)


        وخلق لكم الخيل والبغال والحمير; لكي تركبوها, ولتكون جمَالا لكم ومنظرًا حسنًا; ويخلق لكم من وسائل الركوب وغيرها ما لا عِلْمَ لكم به; لتزدادوا إيمانًا به وشكرا له.
        فهذا بيان لكل مكتشف في وسائل النقل , فعلى الإنسان تطوير صناعة المواصلات , و على العلماء إستخدام الطاقة النظيفة مثل الطاقة الشمسية في تسير تلك المركبات بدلا من التلوث البيئي الذي نعاني منه .

        وعلى الله بيان الطريق المستقيم لِهدايتكم, وهو الإسلام, ومن الطرق ما هو مائل لا يُوصل إلى الهداية, وهو كل ما خالف الإسلام من الملل والنحل. ولو شاء الله هدايتكم لهداكم جميعًا للإيمان.

        خامسا - علوم المياه والزراعة

        هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10)
        يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11)

        هو الذي أنزل لكم من السحاب مطرًا, فجعل لكم منه ماءً تشربونه, وأخرج لكم به شجرًا تَرْعَوْن فيه دوابّكم, ويعود عليكم دَرُّها ونفْعُها.

        يُخرج لكم من الأرض بهذا الماء الواحد الزروع المختلفة, ويُخرج به الزيتون والنخيل والأعناب, ويُخرج به كل أنواع الثمار والفواكه. إن في ذلك الإخراج لدلالةً واضحة لقوم يتأملون, فيعتبرون.

        سادسا - علوم الفلك والفضاء

        وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12)

        وسخَّر لكم الليل لراحتكم, والنهار لمعاشكم, وسخَّر لكم الشمس ضياء, والقمر نورًا ولمعرفة السنين والحساب, وغير ذلك من المنافع, والنجوم في السماء مذللات لكم بأمر الله لمعرفة الأوقات, والاهتداء بها في الظلمات. إن في ذلك التسخير لَدلائلَ واضحةً لقوم يعقلون ويتعاملون مع هذه الظواهر الكونية بكل ما أتاهم الله تعالى من علم , فيعرفون عظمة الخالق سبحانه , وينعمون من جراء ما يستفيدون منه كالطاقة الشمسية وغيرها.

        سابعا - علوم الثروات الباطنة في الأرض
        من معادن وبترول وغيرها.

        وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (13)

        تلفتنا الآيات للتنقيب عن المعادن وجميع الثروات التي سخرها الله تعالى لنا في باطن الأرض.
        وسخَّر ما خلقه لكم في الأرض من الدوابِّ والثمار والمعادن, وغير ذلك مما تختلف ألوانه ومنافعه. إن في ذلك الخَلْق واختلاف الألوان والمنافع لَعبرةً لقوم يتعظون, ويعلمون أنَّ في تسخير هذه الأشياء علاماتٍ على وحدانية الله تعالى وإفراده بالعبادة.

        ثامنا - علوم البحار
        وما يخرج منها, والسفن والمركبات والغواصات

        وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14)

        تلفتنا الآيات إلى قيمة الثروة السمكية التي لو استغلت على حق لم ترى جائع على وجه الأرض. فهي ثروة مجانية في البحار والأنهار ولكن علينا الهمة والسعي لكي نحصل عليها .
        وهو الذي سخَّر لكم البحر; لتأكلوا مما تصطادون من سمكه لحمًا طريًا, وتستخرجوا منه زينة تَلْبَسونها كاللؤلؤ والمرجان, وترى السفن العظيمة تشق وجه الماء تذهب وتجيء, وتركبونها; لتطلبوا رزق الله بالتجارة والربح فيها, ولعلكم تشكرون لله تعالى على عظيم إنعامه عليكم, فلا تعبدون غيره

        تاسعا - علوم البيئة
        التي تبحث في طبيعة الأرض والجبال والسهول والوديان والانهار والمسالك والطرق.

        وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15)

        وللمزيد للتعرف على تفاصيل هذه العلوم , علينا بالإعجاز العلمي.

        وأرسى في الأرض جبالا تثبتها حتى لا تميل بكم, وجعل فيها أنهارًا; لتشربوا منها, وجعل فيها طرقًا; لتهتدوا بها في الوصول إلى الأماكن التي تقصدونها.

        عاشرا – علوم الفلك و النجوم
        ومواقعها العظيمة , التي تحدد معالم الاتجاهات في الليل وفي الصحاري الواسعة والمحيطات المائية الكبيرة.

        وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16)

        وجعل في الأرض معالم تستدلُّون بها على الطرق نهارًا, كما جعل النجوم للاهتداء بها ليلا. وأيضا للمزيد من المعلومات علينا بالبحث العلمي.
        هل أدركنا شمول رسالة الله تعالى للحياة كلها ؟ وهل يستطيع مكابر بعد هذه الأدلة أن ينحي الدين عن الحياة الواقعية ؟

        ثم يطرح ربنا على البشرية هذا السؤال

        أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (17)
        وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (18)


        دمتم في رعاية الله وأمنه.
        وإلى اللقاء التالى إن شاء الله تعالى
        ليسانس حقوق - دبلومة الشريعة الإسلامية - تمهيدي ماجستير في الشريعة الإسلامية

        تعليق


        • #5
          بسم الله الرحمن الرحيم

          إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ

          *
          نعيش اليوم مع المقوم الثاني من مقومات الحضارة في الإسلام

          مبدأ تغير النفس والعمل الجاد.

          إن أكثر ما يضيع الإنسان والمجتمعات الأماني الفارغة دون عمل ودون الهمة والنشاط والسعي لطلب ما يسعده في الدنيا والأخرة .
          قال تعالى في سورة النساء :
          لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا -123 وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا -124

          أي: لَيْسَ الأمر والنجاة والتزكية بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ . والأماني: أحاديث النفس المجردة عن العمل، وهذا عامّ في كل أمر، فكيف بأمر الإيمان والسعادة الأبدية ؟!
          فإن أماني أهل الكتاب قد أخبر الله بها أنهم قالوا: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ - سورة البقرة -111
          وكذلك أدخل الله في ذلك من ينتسب إلى الإسلام لكمال العدل والإنصاف، فإن مجرد الانتساب إلى أي دين كان، لا يفيد شيئا إن لم يأت الإنسان ببرهان على صحة دعواه، فالأعمال تصدق الدعوى أو تكذبها .

          وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا...

          دخل في ذلك سائر الأعمال القلبية والبدنية ، صغير أو كبير، ذكر أو أنثى. والإيمان شرط لجميع الأعمال، لا تكون صالحة ولا تقبل ولا يترتب عليها الثواب ولا يندفع بها العقاب إلا بالإيمان.
          فالأعمال بدون الإيمان كأغصان شجرة قطع أصلها وكبناء بني على موج الماء، فالإيمان هو الأصل والأساس والقاعدة التي يبنى عليه كل شيء، وهذا القيد ينبغي التفطن له في كل عمل أطلق، فإنه مقيد به.

          العمل ضرورة لصدق الإنسان على ما يعتقده

          ورد في الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم :
          الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .
          الراوي : شداد بن أوس - المحدث : السفاريني الحنبلي – المصدر : شرح كتاب الشهاب - الصفحة أو الرقم - 289 خلاصة الدرجة : إسناده صحيح
          إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا - 30 الكهف

          والأمر بالعمل الصالح ورد كثيرا في القرآن العظيم مما يدل على أهميته..
          فالإسلام عقيدة وشريعة , فدائما نلاحظ إقتران الإيمان بالعمل الصالح وذلك عبر آيات القرآن من أوله إلى أخره.
          فالبعمل الصالح تنهض الأمم والشعوب وتقوى, فلا توجد على ظهر الأرض أمة تنهض بالعمل الصالح ثم تجدها متخلفة أو فقيرة أو محتلة أو ضعيفة ...أما الشعوب المتكاسلة عن العمل فسرعان ما ينخر فيها الضعف ويطمع في ثرواتها الطامعون ويسعى في غزوها الغاصبون...!
          وقد أدرك ذلك المسلمون الأوئل فكانوا خير أمة أخرجت للناس. وإليكم هذا النموذج ..
          في عهد النبي , قدم عبد الرحمن بن عوف المدينة ، فآخى النبي بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري ، فعرض عليه أن يناصفه أهله وماله ، فقال عبد الرحمن : بارك الله لك في أهلك ومالك ، دلني على السوق ، فربح .....
          الراوي: أنس بن مالك المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 3937
          خلاصة حكم المحدث: صحيح


          وورد أيضا , أن رجلا من الأنصار أتى النبي فسأله فقال أما في بيتك شيء قال بلى حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه وقعب نشرب فيه من الماء,
          قال: ائتني بهما فأتاه بهما فأخذهما رسول الله بيده وقال من يشتري هذين ؟
          قال رجل أنا آخذهما بدرهم قال رسول الله من يزيد على درهم مرتين أو ثلاثة قال رجل أنا آخذهما بدرهمين . فأعطهما إياه وأخذ الدرهمين فأعطاهما الأنصاري وقال اشتر بأحدهما طعاما فانبذه إلى أهلك واشتر بالآخر قدوما فائتني به فأتاه به فشد فيه رسول الله عودا بيده ثم قال اذهب فاحتطب وبع ولا أرينك خمسة عشر يوما, ففعل فجاء وقد أصاب عشرة دراهم فاشترى ببعضها ثوبا وببعضها طعاما فقال رسول الله هذا خيرا لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة إن المسألة لا تصلح إلا لثلاث لذي فقر مدقع أو لذي غرم مفظع أو لذي دم موجع .

          الراوي: أنس المحدث: المنذري - المصدر: الترغيب والترهيب - الصفحة أو الرقم: 2/45

          و من هذه الأحاديث ندرك كيف فهم المسلمون قيمة العمل في الإسلام ,
          والأمر بالعمل الصالح قد وجهه الله تعالى لرسله صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين..
          قال تعالى:
          يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ – 51 المؤمنون
          الأعمال الصالحة، التي هي صلاح في جميع الأزمنة، قد اتفقت عليها الأنبياء والشرائع، أولا – في العقيدة كالأمر بتوحيد الله، وإخلاص الدين له، ومحبته، وخوفه، ورجائه، والبر، والصدق، والوفاء بالعهد، وصلة الأرحام، وبر الوالدين، والإحسان إلى الضعفاء والمساكين واليتامى، والحنو والإحسان إلى الخلق،
          ثانيا - الأعمال الصالحة لمجالات الحياة المختلفة من تصنيع وتشيد للبناء والمدن والطرق والعمل في مجال الزراعة والصيد وإنشاء المصانع لتصنيع كل مايلزم الإنسان في حياته اليومية...
          قال تعالى:
          وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ - 10 أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ – 11 سبأ
          أي: ولقد مننا على عبدنا ورسولنا, داود عليه الصلاة والسلام, وآتيناه فضلا من العلم النافع, والعمل الصالح, والنعم الدينية والدنيوية، ومن نعمه عليه, ما خصه به من أمره تعالى الجمادات, كالجبال والحيوانات, من الطيور, أن تُؤَوِّب معه, وتُرَجِّع التسبيح بحمد ربها.
          ومن فضله عليه, أن ألان له الحديد, ليعمل الدروع السابغات, وعلمه تعالى كيفية صنعته, بأن يقدره في السرد, أي: يقدره حلقا, ويصنعه كذلك, ثم يدخل بعضها ببعض.
          قال تعالى: وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ – 80 الأنبياء
          وقال تعالى:
          يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ – 13 سبأ
          الشكر: تصور النعمة وإظهارها، ويضاده الكفر، وهو: نسيان النعمة، وسترها،
          وقيل: أصله من عين شكرى، أي: ممتلئة، فالشكر على هذا هو الامتلاء من ذكر المنعم عليه.
          والشكر ثلاثة أضرب:شكر القلب، وهو تصور النعمة.وشكر اللسان، وهو الثناء على المنعم.وشكر سائر الجوارح، وهو مكافأة النعمة بقدر استحقاقه بالبذل والعطاء والمساعدة .

          وقد تفضل الله تعالى على سائر البشر بأن علمهم مالم يكونوا يعلموا..
          قال تعالى :
          اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ -3 الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ -4 عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ – 5 العلق

          **
          والعمل الصالح كما يفيد في الدنيا فهو يفيد في الأخرة, قال تعالى:
          وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ – 82 سورة البقرة

          ويجب أن يدرك الأنسان أن جميع أعماله مراقبة , فالدنيا دار إختبار لأعمال الإنسان.
          قال تعالى:
          وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ– 110 سورة البقرة

          **

          وبهذه المقومات ساد المسلمون الأوائل العالم , فهل لنا أن نقتدي بهم ؟


          دمتم في رعاية الله وأمنه.
          وإلى اللقاء التالي إن شاء الله تعالى
          ليسانس حقوق - دبلومة الشريعة الإسلامية - تمهيدي ماجستير في الشريعة الإسلامية

          تعليق


          • #6

            بسم الله الرحمن الرحيم

            نستكمل إن شاء الله تعالى بقية أهمية العمل في الإسلام كمقوم من مقومات الحضارة..

            مبدأ الإحسان في العمل

            الإحسان في العمل يجعل من أي مجتمع مجتمعا متحضرا راقي...
            والأمثلة أمام أعيننا كثيرة لا تعد ولا تحصى
            وخير دليل على ذلك , الجيل الأول من هذه الأمة الذين أحسنوا في كل شئ , فأضاءوا الدنيا بشتى العلوم التي كانت نواة للحضارة الحديثة..
            وما زال العلماء من المسلمين الذين يلتزمون مبدأ الإحسان متفوقون في العالم...
            أما المجتمعات التي تركت الإحسان في العمل كان مصيرها التخلف والفقر والذل والهوان ومد يد طلب العون من الأمم التي أخذت بمبدأ الإحسان في العمل في كافة المجالات من صناعة وزراعة وإنشاء شبكات طرق ومدن جديدة وتطوير دفعاتها وتطوير مناهج تعليمها وتشجيع المواهب الشابة لمزيد من الإختراعات وتتبني تنفيذها....
            فهل أدركنا ما عندنا من كنوز المبادئ التي ترقى بالإنسان في الدنيا والنعيم الدائم في الأخرة ؟



            وقد ورد ذكر المحسنين كثيرا في القرآن العظيم , وكان بعضها مقرونا بحب الله تعالى لهم...

            الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ
            وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ -
            133 ال عمران

            فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ
            وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ –
            148 ال عمران

            إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ -13 المائدة

            لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا
            وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
            – 93 المائدة

            وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ - 114
            واصبر فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ - 115 هود

            **
            وورد في الحديث الشريف:

            بينما نحن عند رسول الله ذات يوم ، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب ، شديد سواد الشعر ، لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد ، حتى جلس إلى رسول الله ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ، ووضع كفيه على فخذيه ، ثم قال : يا محمد أخبرني عن الإسلام ؟ قال : أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا . قال : صدقت فعجبنا إليه يسأله ويصدقه ، ثم قال : أخبرني عن الإيمان ؟ قال : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر كله خيره وشره قال : صدقت .
            قال : فأخبرني عن الإحسان ؟ قال : أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك .
            قال : فأخبرني عن الساعة ؟ قال : ما المسؤول عنها بأعلم بها من السائل قال : فأخبرني عن أماراتها ؟ قال : أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء ، يتطاولون في البنيان . قال عمر : فلبثت ثلاثا ، ثم قال لي رسول الله : يا عمر هل تدري من السائل قلت : الله ورسوله أعلم قال : فإنه جبريل أتاكم ليعلمكم أمر دينكم .
            الراوي: عمر بن الخطاب خلاصة الدرجة: صحيح

            **

            وعلينا أن نتعلم من معلم البشرية صلى الله عليه وآله وسلم , وكيف عالج حالة الفقر لدى شخص قادر على العمل....

            فقد ورد في سنن أبي داود
            أن رجلا من الأنصار أتى النبي يسأله فقال أما في بيتك شيء قال بلى حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه وقعب نشرب فيه من الماء قال ائتني بهما قال فأتاه بهما فأخذهما رسول الله بيده وقال من يشتري هذين قال رجل أنا آخذهما بدرهم قال من يزيد على درهم مرتين أو ثلاثا قال رجل أنا آخذهما بدرهمين فأعطاهما إياه وأخذ الدرهمين وأعطاهما الأنصاري وقال اشتر بأحدهما طعاما فانبذه إلى أهلك واشتر بالآخر قدوما فأتني به فأتاه به فشد فيه رسول الله عودا بيده ثم قال له اذهب فاحتطب وبع ولا أرينك خمسة عشر يوما فذهب الرجل يحتطب ويبيع فجاء وقد أصاب عشرة دراهم فاشترى ببعضها ثوبا وببعضها طعاما فقال رسول الله هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة لذي فقر مدقع أو لذي غرم مفظع أو لذي دم موجع .
            الراوي: أنس بن مالك -المصدر: سنن أبي داود - الصفحة أو الرقم: 1641

            *
            وهكذا نتعلم كيف نستغل الطاقة البشرية في التنمية والخروج من الفقر....
            ولأهمية الزراعة في حياة الشعوب يخبرنا معلم الإنسانية صلوات ربي وسلامه عليه :
            إن قامت الساعة و في يد أحدكم فسيلة ، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها
            الراوي: أنس بن مالك
            خلاصة الدرجة: إسناده صحيح على شرط مسلم


            وهكذا ننهض بالمجتمعات الفقيرة

            وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ -133
            الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ -134 ال عمران




            دمتم في رعاية الله وأمنه

            .وإلى اللقاء التالي إن شاء الله تعالى
            ليسانس حقوق - دبلومة الشريعة الإسلامية - تمهيدي ماجستير في الشريعة الإسلامية

            تعليق


            • #7
              بسم الله الرحمن الرحيم

              مازلنا نتابع المقوم الثاني من مقومات الحضارة وهو العمل الجاد والتطبيق العملي للأبحاث العلمية.
              وقد ورد التأكيد علي إستخدام المعادن وخاصة الحديد في القرآن العظيم . بل أفرد لها سورة تسمى بذلك المعدن الهام في الصناعة والصناعات الثقيلة والبناء والتشيد.
              فلا يكاد يخلو جهاز أو أدوات أو ماكينة أو طائرة أو سفينة أو سيارة أو بناية أوكباري إلا و الحديد يدخل في تكوينها,
              حتى دم الإنسان يحتاج إلى هذا العنصر في تكوينه.
              ويبين لنا الله تعالى أنه أنزل لنا الحديد إلى الأرض , وأوضح لنا قوة هذا المعدن الهام ومدى نفعه للناس
              ونلاحظ أن كل من أستغل هذا المعدن سواء في التصنيع أو التسليح أو التشيد والبناء أصبح في مقدمة الشعوب تقدما
              وأن من أهمل الإهتمام بهذا المعدن أصبح في مؤخرة الأمم .
              قال تعالى :
              وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ - 25

              وقد ورد في ( الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية )

              قال أشهر علماء العالم في مؤتمرات الإعجاز العلمي للقرآن الكريم وهو من علماء وكالة ناسا الأمريكية للفضاء ..
              قال : لقد أجرينا أبحاثا كثيرة على معادن الأرض وأبحاثا معملية .. ولكن المعدن الوحيد الذي يحير العلماء هو الحديد ..
              قدرات الحديد لها تكوين مميز .. إن الالكترونات والنيترونات في ذرة الحديد لكي تتحد فهي محتاجة إلى طاقة هائلة تبلغ أربع مرات مجموع الطاقة الموجودة في مجموعتنا الشمسية .. ولذلك فلا يمكن أن يكون الحديد قد تكون على الأرض .. ولابد أنه عنصر غريب وفد إلى الأرض ولم يتكون فيها .

              *
              وعلى الإنسان إستغلال ما أودعه الله تعالى لنا من طاقات
              فقد إستغل الإنسان الفحم في إنتاج الطاقة , ثم البترول , ثم الطاقة النووية , وهناك طاقة لم يستغلها الإنسان بصورة كبيرة وهي طاقة متجددة ونظيفة في نفس الوقت وقد ورد ذكرها في القرآن العظيم على أنها مسخرة للإنسان , ألا وهي الشمس, فالطاقة الشمسية طاقة مجانية , يمكن توليد منها الكهرباء وتخزينه في بطريات شحن بكل المستويات وإستخدامها في تشغيل المحركات والسيارات والطائرات إلى غير ذلك من المحركات والمصانع وإنارة المدن والقرى بتلك الطاقة الهائلة العملاقة والنظيفة والمتجددة في نفس الوقت.

              هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ - 5 إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ - 6 يونس

              وقال تعالى في سورة إبراهيم : وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ -33

              وبذلك ندرك أن إستغلال الطاقات التي سخرها الله تعالى للبشرية أمرا إيمانيا في الإسلام ويعتبر فرض عين على علماء الأمة.
              والأمة تأثم إن لم تستغل هذه النعم الربانية في إسعاد شعوبها والدفاع عن أراضيها

              **

              دمتم في رعاية الله وأمنه.
              وإلى اللقاء التالي إن شاء الله تعالى
              ليسانس حقوق - دبلومة الشريعة الإسلامية - تمهيدي ماجستير في الشريعة الإسلامية

              تعليق


              • #8
                بسم الله الرحمن الرحيم

                ( الدستور الدائم )

                ونمضي مع مقومات الحضارة في الإسلام , فقد عشنا في اللقاءات السابقة مع العلم والعمل , ونتكلم بعون الله تعالى اليوم مع المقوم الرئيسي والذي تبنى عليه بقية المبادئ ألا وهو الدستور الدائم للأمة الذي شمل التشريعات والمبادئ الأساسية في كافة المعاملات تحت عقيدة التوحيد

                قال تعالى :
                وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ - 48
                وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ - 49
                أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ - 50 المائدة

                *

                كتاب أتى بعقيدة التوحيد واضحة جلية,
                والقرآن معجز في بيانه ونظمه وترتيب آياته .
                وقد أعجز العرب والعجم أن يأتوا بمثله .

                قال تعالى :
                قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا – 88 الإسراء
                ولم يوجد كتاب على ظهر الأرض مثل القرآن في بيان حقيقة التوحيد,
                فلا مجال للكلام عن توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات , من مصادر لا تعتمد على القرآن الكريم والسنة المطهرة .
                إن عقيدة التوحيد هبة خالصة من الله تعالى للبشر .
                عرفها لهم عن طريق الرسل , ولم يتدرج الإنسان في هذه المعرفة كما تدرج في الصناعات .. فقد جاءت الرسالات الإلهية منذ فجر التاريخ كاملة حاسمة في دعوة التوحيد .
                وإن دعوة الرسل جميعا من لدن أدم إلى خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وأله وسلم ,
                لا إله إلا الله
                فهي رسالة الرحمة
                وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ -107 الأنبياء
                وقد اشتمال القرآن العظيم على منهاج تطبيقي في المعاملات الإنسانية , وبيان الفرائض والعبادات التي تقربنا الى الله تعالى . كتاب وضع مبادئ القيم الرفيعة والأخلاق العالية . كتاب أتى بشريعة صالحة لكل زمان ومكان كتاب أتى بأخبار الرسل السابقين والأمم السابقة . كتاب بين بداية خلق الإنسان ونشئة الكون . كتاب به أخبار الدار الأخرة بالتفاصيل , كتاب به معجزات علمية تم اكتشافها حديثا وسوف تستمر إلى يوم القيامة ,
                جاء في الحديث: عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه : قال رسول الله :
                ستكون فتنة . قلت : فما المخرج منها يا رسول الله ؟ قال : كتاب الله, فيه نبأ ما قبلكم, و خبر ما بعدكم, و حكم ما بينكم,
                هو بالفصل ليس بالهزل,

                من تركه من جبار قصمه الله, و من ابتغى الهدى في غيره أضله الله, وهو حبل الله المتين, وهو الذكر الحكيم,
                وهو الصراط المستقيم,
                وهو الذي لا تزيغ به الأهواء, و لا تلتبس به الألسن, و لا يخلق على كثرة الرد, و لا تنقضي عجائبه,
                من قال به صدق, ومن عمل به أجر, ومن حكم به عدل, ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم..

                الراوي: علي بن أبي طالب المحدث: ابن تيمية - المصدر: حقوق آل البيت - الصفحة أو الرقم: 22
                خلاصة الدرجة: مشهور

                فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (50) المرسلات
                قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ - 1 اللَّهُ الصَّمَدُ - 2
                لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ -3 وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ – 4

                فإذا أيقن القلب عقيدة التوحيد ,
                فعندئذ يتحرر من جميع القيود، وينطلق من كل الأغلال. يتحرر من الرغبة وهي أصل قيود كثيرة، ويتحرر من الرهبة وهي أصل قيود كثيرة.
                وفيم يرغب وهو لا يفقد شيئاً متى وجد الله؟
                ومن ذا يرهب ولا وجود لفاعلية إلا لله تعالى ؟
                كذلك سيصحبه نفي فاعلية الأسباب. ورد كل شيء وكل حدث وكل حركة إلى السبب الأول الذي منه صدرت، وبه تأثرت.. وهذه هي الحقيقة التي عني القرآن عناية كبيرة بتقريرها في التصور الإيماني. ومن ثم كان ينحي الأسباب الظاهرة دائماً ويصل الأمور مباشرة بمشيئة الله:
                وما رميت إذ رميت ولـكن الله رمى -17 الأنفال
                وما النصر إلا من عند الله – 126 ال عمران
                وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ – 29 التكوير

                والآيات كثيرة في هذا الموضوع
                وبتنحية الأسباب الظاهرة كلها، ورد الأمر إلى مشيئة الله وحدها، تنسكب في القلب الطمأنينة، ويعرف المتجه الوحيد الذي يطلب عنده ما يرغب، ويتقي عنده ما يرهب،
                فعقيدة التوحيد هي منهج للاتجاه إلى الله وحده في الرغبة والرهبة. في السراء والضراء. في النعماء والبأساء.
                ومنهج للتلقي عن الله وحده. تلقي العقيدة والتصور والقيم والموازين، والشرائع والقوانين والأوضاع والنظم، والآداب والتقاليد.
                ومنهج للتحرك والعمل لله وحده.. ابتغاء القرب من الحقيقة، وتطلعاً إلى الخلاص من الحواجز المعوقة والشوائب المضللة. سواء في قرارة النفس أو فيما حولها من الأشياء والنفوس. ومن بينها حاجز الذات، وقيد الرغبة والرهبة لشيء من أشياء هذا الوجود .
                ومبدأ التوحيد هو تفسير للوجود، ومنهج للحياة. وليس كلمة تقال باللسان أو حتى صورة تستقر في الضمير. إنما هو الأمر كله، والدين كله؛ وما بعده من تفصيلات وتفريعات لا يعدو أن يكون الثمرة الطبيعية لاستقرار هذه الحقيقة بهذه الصورة في القلوب.

                وبهذا يمكن عمل مقارنة بين المؤمن وغير المؤمن .
                إن عقيدة التوحيد تؤثر في حياة الإنسان تأثيرا يشمل الحياة كلها وهي الحصن الذي يحمي الإنسان بينما يكون الخسران لمن تحصن بالشرك ,

                أولا - فالمؤمن واسع الأفق لأنه يؤمن بالله خالق السموات والأرض
                رب العالمين , فهو لا يستغرب شيئا بعد هذا الإيمان .
                بينما غير المؤمن ضيق الأفق فلا ينظر إلا للمادة ولا يتصور حياة في الأخرة , لا يرى إلا العدم .

                ثانيا - المؤمن عزيز النفس فهو يعلم أنه لا ضار ولا نافع إلا هو سبحانه,
                بينما المشرك والملحد والكافر يطأطئ رأسه لمخلوق مثله .

                ثالثا - المؤمن مع عزة نفسه متواضع لأنه يعلم أن الكبرياء لله تعالى وحده ,بينما ترى المشرك متكبر بغير الحق .

                رابعا - المؤمن حريص على تزكية نفسه بالصالحات لأنه يعلم أن الإيمان ليس بالتمني ولكن بالعمل الصالح , فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ...
                بينما الكافر والمشرك يمني نفسه بالأماني الكاذبة .

                خامسا - المؤمن لا يتسرب الى قلبه اليأس فهو يعلم أن الله له ملك السموات والأرض , فهو يبذل الجهد متوكلا على الله الواحد الذي بيده خزائن السموات والأرض . بينما المشرك والملحد سرعان مايتسرب اليأس إلي قلبه فتتحطم نفسيته وقد يقدم على الإنتحار .

                سادسا - المؤمن ثابت العزم قوي الإرادة ليقينه بأنه يعتمد على مالك الملك وليس للمشرك هذا اليقين .

                سابعا - المؤمن لا يلوث نفسه بالطمع والدناءة وقبيح الأعمال , لأنه يعلم أن الأمر كله لله يرزق من يشاء بغير حساب . بينما المشرك والكافر لا يعبئ من أي شئ يحصل على المال .

                ثامنا - المؤمن يسير حياته وفق شريعة الله التي تحدد له الحلال والحرام . فهو أمن في الدنيا والأخرة بإذن الله تعالى . بينما المشرك منفلت لشهواته ورغباته لا يخاف إلا من الشرطي.
                وبهذه المقارنة السريعة نلاحظ قيمة التوحيد في حياة الإنسان...

                **

                فإن الحضارة القائمة على الحق والعدل وعقيدة سليمة مصدرها كتاب الله القرآن العظيم والسنة الصحيحة المطهرة , لهي حضارة مستمرة وإن حدث ضعف في بعض فترات التاريخ فإن ذلك أمر طارئ مثل السحابة أمام الشمس , وليل يأتي بعده فجر جديد بكل مقومات الحضارة المتكاملة لإسعاد البشر ية في الدنيا و الأخرة ...

                **

                دمتم في رعاية الله وأمنه.
                وإلى اللقاء التالي إن شاء الله تعالى
                ليسانس حقوق - دبلومة الشريعة الإسلامية - تمهيدي ماجستير في الشريعة الإسلامية

                تعليق


                • #9
                  بسم الله الرحمن الرحيم

                  نستكمل إن شاء الله تعالى , أهم مبادئ الحضارة في الإسلام
                  تحدثنا في اللقاء السابق عن أهمية عقيدة التوحيد في الحفاظ على الحضارة
                  واليوم نتكلم عن المرجعية في التشريع..

                  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ – 87 وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ – 88 المائدة

                  من الأمور الخطيرة التي يقع فيها الإنسان تحريم وتحليل الأشياء بغير مرجعية تحدد له الحلال والحرام , وبذلك يقع فريسة لشياطين الإنس والجن ليحطموا كيانه البدني , بواسطة تزين المحرمات مثل الخمر ولحم الخنزير والدم , وتحريم الطيبات من اللحم المذبوح بطريقة شرعية , وغيرها من الطيبات من الرزق .
                  وتعاني الإنسانية هذه الأيام - من جراء هذه المخلافات - العديدة من الأمراض التي لم تكن من قبل .
                  قال تعالى :
                  ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ – 41 الروم
                  أي: استعلن الفساد في البر والبحر أي: فساد معايشهم ونقصها وحلول الآفات بها، وفي أنفسهم من الأمراض والوباء وغير ذلك، وذلك بسبب ما قدمت أيديهم من الأعمال الفاسدة المفسدة بطبعها , وتركهم الحلال الطيب .
                  ويقول تعالى :
                  قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ – 32 قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ – 33 الأعراف
                  ينكر تعالى على من تعنت، وحرم ما أحل اللّه من الطيبات من أنواع اللباس على اختلاف أصنافه، والطيبات من الرزق، من مأكل ومشرب بجميع أنواعه،
                  فمَن هذا الذي يقدم على تحريم ما أنعم اللّه بها على العباد، ومن ذا الذي يضيق عليهم ما وسَّعه اللّه ؟
                  وهذا التوسيع من اللّه لعباده بالطيبات، جعله لهم ليستعينوا به على عبادته،

                  وقال تعالى في سورة النحل :
                  فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ - 114 إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ - 115 وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ - 116
                  يأمر تعالى عباده بأكل ما رزقهم الله من الحيوانات والحبوب والثمار وغيرها. ﴿حَلالا طَيِّبًا﴾ أي: حالة كونها متصفة بهذين الوصفين بحيث لا تكون مما حرم الله أو أثرا عن غصب ونحوه. فتمتعوا بما خلق الله لكم من غير إسراف ولا تَعَدٍّ.
                  ولا تحرموا وتحللوا من تلقاء أنفسكم، كذبا وافتراء على الله وتقولا عليه.
                  فالله تعالى ما حرم علينا إلا الخبيثات تفضلا منه، وصيانة لنا عن كل مستقذر.

                  يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ من المطاعم والمشارب، فإنها نعم أنعم الله بها عليكم، فاحمدوه إذ أحلها لكم، واشكروه ولا تردوا نعمته بكفرها أو عدم قبولها، أو اعتقاد تحريمها، فتجمعون بذلك بين القول على الله الكذب، وكفر النعمة، واعتقاد الحلال الطيب حراما خبيثا، فإن هذا من الاعتداء.

                  والله قد نهى عن الاعتداء فقال: ﴿وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ بل يبغضهم ويمقتهم ويعاقبهم على ذلك.
                  ثم أمر بضد ما عليه المشركون، الذين يحرمون ما أحل الله فقال: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا﴾ أي: كلوا من رزقه الذي ساقه إليكم، بما يسره من الأسباب، إذا كان حلالا, لا سرقة ولا غصبا ولا غير ذلك من أنواع الأموال التي تؤخذ بغير حق، وكان أيضا طيبا، وهو الذي لا خبث فيه، فخرج بذلك الخبيث من السباع والخبائث.

                  ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في امتثال أوامره، واجتناب نواهيه. ﴿الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ فإن إيمانكم بالله يوجب عليكم تقواه ومراعاة حقه، فإنه لا يتم إلا بذلك.
                  ويدخل في هذه الآية أنه لا ينبغي للإنسان أن يتجنب الطيبات ويحرمها على نفسه، بل يتناولها مستعينا بها على طاعة ربه.

                  *

                  فقد جاءت شريعة الله رحمة وهداية لجميع البشر.

                  قال تعالى لجميع البشر رحمة لهم :
                  يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأرْضِ حَلالا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ - 168 البقرة



                  وقال تعالى لأحبابه المؤمنين :
                  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ - 172 إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ – 173 البقرة

                  هذا أمر للمؤمنين خاصة, بعد الأمر العام, وذلك أنهم هم المنتفعون على الحقيقة بالأوامر والنواهي, بسبب إيمانهم, فأمرهم بأكل الطيبات من الرزق, والشكر لله على إنعامه , باستعمالها بطاعته , والتقوي بها على ما يوصل إليه ، فأمرهم بما أمر به المرسلين في قوله : ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا – 51 المؤمنون ﴾

                  **

                  وقال تعالى لأهل الكتاب رحمة بهم :
                  الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ – 157 الأعراف

                  وهذا من دلائل النبوة لرسولنا الكريم صلوات ربي وسلامه عليه, الذي علم الإنسانية.
                  فهذا وصفه في التوراة والإنجيل.
                  يأمرهم بالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وصلة الأرحام، وبر الوالدين، والإحسان إلى الجار , وبذل النفع لسائر الخلق، والصدق، والعفاف، والبر، والنصيحة، وما أشبه ذلك، وينهى عن الشرك باللّه، وقتل النفوس بغير حق، والزنا، وشرب ما يسكر العقل، والظلم لسائر الخلق، والكذب، والفجور، ونحو ذلك‏.‏

                  فأعظم دليل يدل على أنه رسول اللّه، ما دعا إليه وأمر به، ونهى عنه، وأحله وحرمه،
                  فإنه ‏﴿ ‏يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ ‏﴾‏ من المطاعم والمشارب، و الزواج‏.‏
                  ﴿ ‏وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ‏ ﴾ ‏من المطاعم والمشارب والفواحش، والأقوال والأفعال‏.‏
                  ﴿ ‏وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِم ‏﴾‏ فالإسلام مع عظم تعاليمه إلا أنه دين سهل واضح المعالم , سمح ميسر، لا إصر فيه، ولا أغلال، ولا مشقات ولا تكاليف ثقال‏.‏

                  قال تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ – 107 الأنبياء
                  **

                  دمتم في رعاية الله وأمنه.
                  وإلى اللقاء التالي إن شاء الله تعالى
                  ليسانس حقوق - دبلومة الشريعة الإسلامية - تمهيدي ماجستير في الشريعة الإسلامية

                  تعليق


                  • #10
                    بسم الله الرحمن الرحيم

                    نستكمل الحديث اليوم عن التشريع الإسلامي كأهم مقوم من مقومات الحضارة الإسلامية.

                    *
                    نظام المواريث في أعظم تقسيم يدرس في كليات الحقوق والمعاهد الدينية.

                    لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا - 7 النساء

                    كان العرب في الجاهلية - من جبروتهم وقسوتهم لا يورثون الضعفاء كالنساء والصبيان، ويجعلون الميراث للرجال الأقوياء لأنهم -بزعمهم- أهل الحرب والقتال والنهب والسلب، فأراد الرب الرحيم الحكيم أن يشرع لعباده شرعًا، يستوي فيه رجالهم ونساؤهم، وأقوياؤهم وضعفاؤهم.

                    *
                    وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا – 8

                    وهذا من أحكام الله الحسنة الجليلة الجابرة للقلوب فقال: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ أي: قسمة المواريث ﴿أُولُو الْقُرْبَى﴾ أي: الأقارب غير الوارثين بقرينة قوله: ﴿الْقِسْمَةَ﴾ لأن الوارثين من المقسوم عليهم. ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين﴾ أي: المستحقون من الفقراء. ﴿فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ﴾ أي: أعطوهم ما تيسر من هذا المال الذي جاءكم بغير كد ولا تعب، ولا عناء ولا نَصَب، فإن نفوسهم متشوفة إليه، وقلوبهم متطلعة، فاجبروا خواطرهم بما لا يضركم وهو نافعهم.

                    **
                    ومع أعظم نظام تأمين عرفته البشرية.

                    وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا - 9
                    إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظلما إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا - 10

                    قيل: إن هذا خطاب لمن يحضر مَنْ حضره الموت وظلم في وصيته، أن يأمره بالعدل في وصيته والمساواة فيها، بدليل قوله: ﴿وَلْيَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ أي: سدادا، موافقا للقسط والمعروف. وأنهم يأمرون من يريد الوصية على أولاده بما يحبون معاملة أولادهم بعدهم.
                    وقيل: إن المراد بذلك أولياء السفهاء من المجانين والصغار والضعاف أن يعاملوهم في مصالحهم الدينية والدنيوية بما يحبون أن يعامل به مَنْ بعدهم من ذريتهم الضعاف ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ﴾ في ولايتهم لغيرهم، أي: يعاملونهم بما فيه تقوى الله، من عدم إهانتهم والقيام عليهم، وإلزامهم لتقوى الله.
                    ولما أمرهم بذلك، زجرهم عن أكل أموال اليتامى، وتوعد على ذلك أشد العذاب فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظلما﴾ أي: بغير حق. وهذا القيد يخرج به من جواز الأكل للفقير بالمعروف، ومن جواز خلط طعامهم بطعام اليتامى.
                    فمَنْ أكلها ظلمًا فـ ﴿إنما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ أي: فإن الذي أكلوه نار تتأجج في أجوافهم وهم الذين أدخلوها في بطونهم. ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ أي: نارًا محرقة متوقدة. وهذا أعظم وعيد ورد في الذنوب، يدل على شناعة أكل أموال اليتامى وقبحها، وأنها موجبة لدخول النار، فدل ذلك أنها من أكبر الكبائر. نسأل الله العافية.

                    *
                    مصادر قانون المواريث المواريث في الشريعة الإسلامية.

                    يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ ,
                    فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ,
                    وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ,
                    وَلأبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ ,
                    فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأمِّهِ الثُّلُثُ ,
                    فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ,
                    آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا - 11
                    وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ,
                    فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ,
                    وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ ,
                    فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ,
                    وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ ,
                    فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ -12

                    وقد إشتملت الآيات السابقة أحكام المواريث لكل من الأبناء , والأباء والأزواج و الأخوة لأم والوصية.

                    *
                    أما الأخوة الأشقاء أو لأب فقد شملتهم الآية الأخيرة من سورة النساء .

                    يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ - 176



                    هذه الآيات هن آيات المواريث المتضمنة لها. فإنها مع حديث عبد الله بن عباس الثابت في صحيح البخاري "ألْحِقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر" - مشتملات على جل أحكام الفرائض،
                    بل على جميعها على التفصيل في كتب الفقه والقانون ، إلا ميراث الجدات فإنه غير مذكور في ذلك. لكنه قد ثبت في السنن عن المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة أن النبي أعطى الجدة السدس، مع إجماع العلماء على ذلك.

                    *
                    دمتم في رعاية الله وأمنة
                    وإلى اللقاء التالي إن شاء الله تعالى
                    ليسانس حقوق - دبلومة الشريعة الإسلامية - تمهيدي ماجستير في الشريعة الإسلامية

                    تعليق


                    • #11
                      بسم الله الرحمن الرحيم

                      نواصل إن شاء الله تعالى الحديث عن مقومات الحضارة في الإسلام,

                      إن الإسلام يعتبر المال وسيلة للتعامل وليس سلعة في حد ذاته, ولو تحول المال إلى سلعة فسوف يحقق ربحا مؤقتا لفئة من الناس . ولكنه سيعود بالأزمات المالية والفقر على قطاعات كبيرة من المجتمع ...
                      ولعل ما نلاحظه في هذه الأيام من انهيار الإقتصاد لدول عديدة من جراء ذلك المفهوم الخاطئ في التعاملات المالية....

                      وفي ظل الإنفاق تظهر لنا صورتين لنوعين من البشر....
                      النوع الأول أناس ينفقون أموالهم ليلا ونهارا سرا وعلانية مما أنعم الله عليهم من ثروات , وتكون النتيجة زيادة تلك الثروات في الدنيا.. وفي الأخرة النعيم المقيم.
                      النوع الثاني أناس يبخلون بما أعطاهم الله من ثروات , بل يرمون تلك الثروة ( مثل القمح ) في البحار لكي لا يقل سعرها.
                      وحين ينفقون الأموال يأخذون عليها فوائد مضاعفة " الربا "

                      النموذج الأول

                      الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ - 274 البقرة

                      النموذج الثاني

                      الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ - 275

                      الذين يتعاملون بالربا - وهو الزيادة على رأس المال- لا يقومون في الآخرة من قبورهم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من الجنون;
                      ذلك لأنهم قالوا: إنما البيع مثل الربا, في أن كلا منهما حلال, ويؤدي إلى زيادة المال,
                      فأكذبهم الله, وبيَّن أنه أحل البيع وحرَّم الربا; لما في البيع والشراء من نفع للأفراد والجماعات,
                      ولما في الربا من استغلال وضياع وهلاك. فمن بلغه نهي الله عن الربا فله ما مضى قبل أن يبلغه التحريم لا إثم عليه فيه, وأمره إلى الله فيما يستقبل من زمانه ...
                      فإن استمرَّ على توبته فالله لا يضيع أجر المحسنين, ومن عاد إلى الربا
                      فقد استوجب العقوبة, وقامت عليه الحجة...
                      ولهذا قال سبحانه:
                      فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ

                      **

                      الإقتصادي الإسلامي مقابل النظام الربوي

                      فالصدقة عطاء وسماحة , وطهارة وزكاة , وتعاون وتكافل . . والربا شح , وقذارة ودنس , وأثرة وفردية . .
                      والصدقة نزول عن المال بلا عوض ولا رد . والربا استرداد للدين ومعه زيادة حرام مقتطعة من جهد المدين أو من لحمه . من جهده إن كان قد عمل بالمال الذي استدانه فربح نتيجة لعمله هو وكده . ومن لحمه إن كان لم يربح أو خسر , أو كان قد أخذ المال للنفقة منه على نفسه وأهله ولم يستربحه شيئا . .
                      فالربا - الوجه الآخر المقابل للصدقة . . الوجه الكالح الطالح !
                      ولم يبلغ من تفظيع أمر أراد الإسلام إبطاله من أمور الجاهلية ما بلغ من تفظيع الربا . ولا بلغ من التهديد في اللفظ والمعنى ما بلغ التهديد في أمر الربا - في هذه الآيات وفي غيرها في مواضع أخرى - ولله الحكمة البالغة . فلقد كانت للربا في الجاهلية مفاسده وشروره .
                      النظام الربوي أدى إلى كوارث إقتصادية خطيرة يعاني منها العالم اليوم أكثر من معاناة المجتمعات القديمة..
                      يدرك اليوم من هذا كله ما لم يكن يدركه الذين واجهوا هذه النصوص أول مرة . وامامه اليوم من واقع العالم ما يصدق كل كلمة تصديقا حيا مباشرا واقعا . والبشرية التي تأكل الربا وتوكله - تنصب عليها البلايا الماحقة الساحقة من جراء هذا النظام الربوي ...

                      إن الإسلام يقيم نظامه الاقتصادي - ونظام الحياة كلها - على تصور معين يمثل الحق الواقع في هذا الوجود .
                      يقيمه على أساس أن الله - سبحانه - هو خالق هذا الكون . فهو خالق هذه الأرض , وهو خالق هذا الإنسان . . هو الذي وهب كل موجود وجوده . .
                      وإن الله - سبحانه - وهو مالك كل موجود بما أنه هو موجده قد استخلف الجنس الإنساني في هذه الأرض ; ومكنه مما ادخر له فيها من أرزاق وأقوات ومن قوى وطاقات , على عهد منه وشرط . ولم يترك له هذا الملك العريض فوضى , يصنع فيه ما يشاء كيف شاء . وإنما استخلفه فيه في إطار من الحدود الواضحة . استخلفه فيه على شرط أن يقوم في الخلافة وفق منهج الله , وحسب شريعته . فما وقع منه من عقود وأعمال ومعاملات وأخلاق وعبادات وفق التعاقد فهو صحيح نافذ . وما وقع منه مخالفا لشروط التعاقد فهو باطل موقوف .

                      من بين بنود هذا العهد أن يقوم التكافل بين المؤمنين بالله , فيكون بعضهم أولياء بعض , وأن ينتفعوا برزق الله الذي أعطاهم على أساس هذا التكافل - لا على قاعدة الشيوع المطلق كما تقول الماركسية . ولكن على أساس الملكية الفردية المقيدة - فمن وهبه الله منهم سعة أفاض من سعته على من قدر عليه رزقه . مع تكليف الجميع بالعمل كل حسب طاقته واستعداده وفيما يسره الله له - فلا يكون أحدهم كلا على أخيه أو على الجماعة وهو قادر . وجعل الزكاة فريضة في المال محددة . والصدقة تطوعا غير محدد .
                      وقد شرط عليهم كذلك أن يلتزموا جانب القصد والاعتدال , ويتجنبوا السرف والشطط فيما ينفقون من رزق الله الذي أعطاهم ; وفيما يستمتعون به من الطيبات التي أحلها لهم . ومن ثم تظل حاجتهم الاستهلاكية للمال والطيبات محدودة بحدود الاعتدال .
                      وشرط عليهم أن يلتزموا في تنمية أموالهم وسائل لا ينشأ عنها الأذى للآخرين .
                      وكتب عليهم الطهارة في النية والعمل , والنظافة في الوسيلة والغاية , وفرض عليهم قيودا في تنمية المال لا تجعلهم يسلكون إليها سبلا تؤذي ضمير الفرد وخلقه , أو تؤذي حياة الجماعة وكيانها .

                      إن النظام الربوي نظام معيب من الوجهة الاقتصادية البحتة - وقد بلغ من سوئه أن تنبه لعيوبه بعض أساتذة الاقتصاد الغربيين أنفسهم ; وهم قد نشأوا في ظله , وأشربت عقولهم وثقافتهم تلك السموم التي تبثها عصابات المال في كل فروع الثقافة والتصور والأخلاق . وفي مقدمة هؤلاء الأساتذة الذين يعيبون هذا النظام من الناحية الاقتصادية البحتة "دكتور شاخت" الألماني ومدير بنك الرايخ الألماني سابقا . وقد كان مما قاله في محاضرة له بدمشق عام 1953 أنه بعملية رياضية [ غير متناهية ] يتضح أن جميع المال في الأرض صائر إلى عدد قليل جدا من المرابين . ذلك أن الدائن المرابي يربح دائما في كل عملية ; بينما المدين معرض للربح والخسارة . ومن ثم فإن المال كله في النهاية لا بد - بالحساب الرياضي - أن يصير إلى الذي يربح دائما ! وأن هذه النظرية في طريقها للتحقق الكامل . فإن معظم مال الأرض الآن يملكه - ملكا حقيقيا - بضعة الوف ! أما جميع الملاك وأصحاب المصانع الذين يستدينون من البنوك , والعمال , وغيرهم , فهم ليسوا سوى أجراء يعملون لحساب أصحاب المال , ويجني ثمرة كدهم أولئك الألوف ! .
                      وليس هذا وحده هو كل ما للربا من جريرة . فإن قيام النظام الاقتصادي على الأساس الربوي يجعل العلاقة بين أصحاب الأموال وبين العاملين في التجارة والصناعة علاقة مقامرة ومشاكسة مستمرة . فإن المرابي يجتهد في الحصول على أكبر فائدة .
                      ثم إن جميع المستهلكين يؤدون ضريبة غير مباشرة للمرابين . فإن أصحاب الصناعات والتجار لا يدفعون فائدة الأموال التي يقترضونها بالربا إلا من جيوب المستهلكين . فهم يزيدونها في أثمان السلع الاستهلاكية فيتوزع عبؤها على أهل الأرض لتدخل في جيوب المرابين في النهاية . أما الديون التي تقترضها الحكومات من بيوت المال لتقوم بالإصلاحات والمشروعات العمرانية فإن رعاياها هم الذين يؤدون فائدتها للبيوت الربوية كذلك . إذ أن هذه الحكومات تضطر إلى زيادة الضرائب المختلفة لتسدد منها هذه الديون وفوائدها . وبذلك يشترك كل فرد في دفع هذه الجزية للمرابين في نهاية المطاف .

                      *
                      ونخلص مما سبق أن النظام الربوي مرفوض في الإسلام ,
                      وأن التعامل الربوي لا يمكن إلا أن يفسد ضمير الفرد وخلقه , وشعوره تجاه أخيه في المجتمع ; وإلا أن يفسد حياة المجتمعات البشرية وتضامنها بما يبثه من روح الشره والطمع والمقامرة بصفة عامة .

                      فالإسلام نظام متكامل . فهو حين يحرم التعامل الربوي يقيم نظمه كلها على أساس الاستغناء عن الحاجة إليه ; ونظم جوانب الحياة الاجتماعية بحيث تنتفي منها الحاجة إلى هذا النوع من التعامل , بدون مساس بالنمو الاقتصادي والاجتماعي والإنساني المطرد .



                      وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا.

                      *
                      دمتم في رعاية الله
                      وإلى اللقاء القادم إن شاء الله تعالى
                      ليسانس حقوق - دبلومة الشريعة الإسلامية - تمهيدي ماجستير في الشريعة الإسلامية

                      تعليق


                      • #12
                        بسم الله الرحمن الرحيم

                        مبدأ التوثيق كأهم مقوم حضاري في الجانب المالي والمعاملات ودعم الإستقرار بين الناس والحد من التنازع.
                        وقد سبق الإسلام بهذا المبدأ الهام كل قوانين العالم.

                        قال تعالى في سورة البقرة:

                        يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ, وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ, وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ, فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً, فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ, وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ, فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى, وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ, وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ, وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ, وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ - 282

                        والحديث هنا عن القرض الحسن بلا ربا ولا فائدة , وعن المعاملات التجارية الحاضرة المبرأة من الربا....
                        حيث تتجلى الدقة العجيبة في الصياغة القانونية حتى ما يبدل لفظ بلفظ , ولا تقدم فقرة عن موضعها أو تؤخر . وحيث لا تطغى هذه الدقة المطلقة في الصياغة القانونية على جمال التعبير وطلاوته . وحيث يربط التشريع بالوجدان الديني ربطا لطيف المدخل عميق الإيحاء قوي التأثير , دون الإخلال بترابط النص من ناحية الدلالة القانونية . وحيث يلحظ كل المؤثرات المحتملة في موقف طرفي التعاقد وموقف الشهود والكتاب ,

                        إن الإعجاز في صياغة آيات التشريع هنا لهو الإعجاز في صياغة آيات الإيحاء والتوجيه . ولولا الإعجاز ما حقق الدقة الشتريعية المطلقة والجمال الفني المطلق على هذا النحو الفريد.

                        ذلك كله فوق سبق التشريع الإسلامي بهذه المبادىء للتشريع المدني والتجاري بحوالي عشرة قرون.. كما يعترف بذلك الفقهاء المحدثون.

                        يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه

                        هذا هو المبدأ العام الذي يريد تقريره . فالكتابة أمر مفروض بالنص , غير متروك للاختيار في حالة الدين إلى أجل . لحكمة سيأتي بيانها في نهاية النص.

                        وليكتب بينكم كاتب بالعدل.

                        وهذا تعيين للشخص الذي يقوم بكتابة الدين فهو كاتب .
                        وهذه إشارة إلى التخصص القانوني للكاتب وإشارة أيضا لذلك العلم الخاص بالشريعة والقانون.
                        فلا بد من كاتب وليس أحد المتعاقدين . وحكمة استدعاء ثالث - ليس أحد الطرفين في التعاقد - هي الاحتياط والحيدة المطلقة . وهذا الكاتب مأمور أن يكتب بالعدل , فلا يميل مع أحد الطرفين , ولا ينقص أو يزيد في النصوص.

                        ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله.

                        وهذا أمر تكليف للكاتب بعد إتمام الدراسة للشريعة والقانون ولابد للدولة أن توفر له المعاش اللائق يحتى يقوم بالعمل على أكمل وجه...
                        فالتكليف هنا من الله - بالقياس إلى الكاتب - كي لا يتأخر ولا يأبى ولا يثقل العمل على نفسه . فتلك فريضة من الله بنص التشريع .



                        ( وليملل الذي عليه الحق . وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا . فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل )

                        إن المدين - الذي عليه الحق - هو الذي يملي على الكاتب اعترافه بالدين , ومقدار الدين , وشرطه وأجله . . ذلك خيفة أن يقع الغبن على المدين لو أملى الدائن , فزاد في الدين , أو قرب الأجل , أو ذكر شروطا معينة في مصلحته . والمدين في موقف ضعيف قد لا يملك معه إعلان المعارضة رغبة في اتمام الصفقة لحاجته إليها , فيقع عليه الغبن .

                        فإذا كان المدين هو الذي يملي لم يمل إلا ما يريد الارتباط به عن طيب خاطر . ثم ليكون إقراره بالدين أقوى وأثبت , وهو الذي يملي . . وفي الوقت ذاته يناشد ضمير المدين - وهو يملي - أن يتقي الله ربه ولا يبخس شيئا من الدين الذي يقر به ولا من سائر أركان الإقرار الأخرى . . فإن كان المدين سفيها لا يحسن تدبير أموره . أو ضعيفا - أي صغيرا أو ضعيف العقل - أو لا يستطيع أن يمل هو إما لعي أو جهل أو آفة في لسانه أو لأي سبب من الأسباب المختلفة الحسية أو العقلية . . فليملل ولي أمره القيم عليه . .( بالعدل ). . والعدل يذكر هنا لزيادة الدقة . فربما تهاون الولي - ولو قليلا - لأن الدين لا يخصه شخصيا . كي تتوافر الضمانات كلها لسلامة التعاقد..

                        وبهذا ينتهي الكلام عن الكتابة من جميع نواحيها , فينتقل الشارع إلى نقطة أخرى في العقد , نقطة الشهادة.

                        وهذا ما نراه في اللقاء القادم إن شاء الله تعالى

                        *
                        دمتم في رعاية الله وأمنه
                        ليسانس حقوق - دبلومة الشريعة الإسلامية - تمهيدي ماجستير في الشريعة الإسلامية

                        تعليق


                        • #13
                          بسم الله الرحمن الرحيم

                          نستكمل إن شاء الله تعالى مبدأ التوثيق , وقد تكلمنا في اللقاء السابق عن كتابة الدين من كل جوانبها , واليوم مع الشهادة على العقد.
                          قال تعالى:
                          ( واستشهدوا شهيدين من رجالكم . فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء - أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى. )
                          إنه لا بد من شاهدين على العقد - ( ممن ترضون من الشهداء ) - والرضى يشمل معنيين: الأول أن يكون الشاهدان عدلين مرضيين بين المؤمنين..
                          والثاني أن يرضى بشهادتهما طرفا التعاقد . . ولكن ظروفا معينة قد لا تجعل وجود شاهدين أمرا ميسورا . فهنا ييسر التشريع فيستدعي النساء للشهادة , ففي مجال التشريع يكون كل نص محددا واضحا معللا: ( أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ). وذلك من فضل الله على المرأة حيث أعانها بإخت لها تذكرها إن نسيت, فوجود امرأتين فيه ضمانة أن تذكر إحداهما الأخرى - إذا نسيت مع أي انفعال - فتتذكر وتفيء إلى الوقائع المجردة.

                          وكما وجه الخطاب في أول النص إلى الكتاب ألا يأبوا الكتابة , يوجهه هنا إلى الشهداء ألا يأبوا الشهادة.
                          ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا
                          فتلبية الدعوة للشهادة إذن فريضة وليست تطوعا . فهي وسيلة لإقامة العدل وإحقاق الحق . والله هو الذي يفرضها كي يلبيها الشهداء عن طواعيه .
                          تأكيد كتابة الدين صغيرا كان أوكبيرا.
                          ( ولا تسأموا أن تكتبوه - صغيرا أو كبيرا - إلى أجله . ذلكم أقسط عند الله , وأقوم للشهادة , وأدنى ألا ترتابوا )
                          لا تسأموا . . أي لا تملوا أن تكتبوا الدين سواء كبر أو صغر . . ( ذلكم أقسط عند الله ). . أعدل وأفضل وأحرى أن ينشب التنازع مع الوقت في عدم كتابة الدين وخاصة في حالة الوفاة . .

                          ( وأقوم للشهادة ).
                          فالشهادة على شيء مكتوب أقوم من الشهادة الشفوية التي تعتمد على الذاكرة وحدها . وشهادة رجلين أو رجل وامرأتين أقوم كذلك للشهادة وأصح من شهادة الواحد , أو الواحد والواحدة .

                          ( وأدنى ألا ترتابوا )
                          أقرب لعدم الريبة . الريبة في صحة البيانات التي تضمنها العقد , أو الريبة في أنفسكم وفي سواكم إذا ترك الأمر بلا قيد.
                          وهكذا تتكشف حكمة هذه الإجراءات كلها ; ويقتنع المتعاملون بضرورة هذا التشريع , ودقة أهدافه , وصحة إجراءاته . إنها الصحة والدقة والثقة والطمأنينة..
                          لإشاعة الإستقرار بين الأفراد والمجتمع المتحضر..
                          ذلك شأن الدين المسمى إلى أجل . أما التجارة الحاضرة فإن بيوعها مستثناة من قيد الكتابة .

                          وهذا ما سوف نعرفه في اللقاء القادم إن شاء الله تعالى

                          **
                          دمتم في رعاية الله وأمنه.
                          ليسانس حقوق - دبلومة الشريعة الإسلامية - تمهيدي ماجستير في الشريعة الإسلامية

                          تعليق


                          • #14
                            بسم الله الرحمن الرحيم

                            الحديث عن مقومات الحضارة في الإسلام ضرورة هامة في هذا العصر الذي ينحى فيه الدين جانبا وكأنه محصور في شكليات وليس به ما ينظم حياة البشر وسلوكهم.
                            وقد رأينا في اللقاءات السابقة كيف إهتم الإسلام بالعلم والبحث العلمي وأهتم بالعمل في كافة مجالات الحياة , ثم بينا الجانب التشريعي في الإسلام حيث نظم المعملات المالية , وتكلمنا تفصيلا عن مبدأ التوثيق في المعاملات المالية , ووقفنا عند المعاملات التجارية الحاضرة.

                            فالتجارة الحاضرة بيوعها مستثناة من قيد الكتابة .
                            وتكفي فيها شهادة الشهود تيسيرا للعمليات التجارية التي يعرقلها التعقيد , والتي تتم في سرعة , وتتكرر في أوقات قصيرة . ذلك أن الإسلام وهو يشرع للحياة كلها قد راعى كل ملابساتها ; وكان شريعة عملية واقعية لا تعقيد فيها , ولا تعويق لجريان الحياة في مجراها...
                            ( ألا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم , فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم )

                            وظاهر النص أن الإعفاء من الكتابة رخصة لا جناح فيها . أما الإشهاد فموجب . وقد وردت بعض الروايات بأن الإشهاد كذلك للندب لا للوجوب ولكن الأرجح هو ذاك.

                            حقوق الكتبة والشهود.

                            فإنه يقرر حقوق الكتاب والشهداء كما قرر واجباتهم من قبل
                            لقد أوجب عليهم ألا يأبوا الكتابة أو الشهادة . والأن يوجب لهم الحماية والرعاية ليتوازن الحق والواجب في أداء التكاليف العامة.

                            وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ, وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ, وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ..

                            لا يقع ضرر على كاتب أو شهيد , بسبب أدائه لواجبه الذي فرضه الله عليه . وإذا وقع فإنه يكون خروجا منكم عن شريعة الله ومخالفة عن طريقه . وهو احتياط لا بد منه . لأن الكتاب والشهداء معرضون لسخط أحد الفريقين المتعاقدين في أحيان كثيرة . فلا بد من تمتعهم بالضمانات التي تطمئنهم على أنفسهم , وتشجعهم على أداء واجبهم بالذمة والأمانة والنشاط في أداء الواجبات , والحيدة في جميع الأحوال .
                            وهذا يستوجب الحماية البدنية من الإعتداء والحماية المالية لكي لا يتعرضوا لإغراء الرشاوى ..
                            ولذلك أمر الله المؤمنين بالتقوى , وأنه تعالى المتفضل عليهم بالعلم
                            وأن تقواه تفتح قلوبهم للمعرفة وتهيىء أرواحهم للتعليم , ليقوموا بحق هذا الإنعام بالطاعة والرضى والإذعان..

                            وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ..

                            فكيف يكون التصرف في حالة السفر حيث لا يوجد كاتب ولا شهود ؟

                            *

                            هذا ما نعرفه في اللقاء القادم إن شاء الله تعالى

                            دمتم في رعاية الله وأمنه
                            ليسانس حقوق - دبلومة الشريعة الإسلامية - تمهيدي ماجستير في الشريعة الإسلامية

                            تعليق


                            • #15
                              بسم الله الرحمن الرحيم

                              واستكمالا للحديث عن التوثيق في المعاملات المالية نواصل الحديث بعون الله تعالى عن التوثيق في حالة السفر حيث لا يوجد كاتب لكتابة الدين ,

                              وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ - 283

                              ﴿ وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ ولم تجدوا كاتبا ﴾ أي: إن كنتم مسافرين ﴿ ولم تجدوا كاتبا ﴾ يكتب بينكم ويحصل به التوثق ﴿ فرهان مقبوضة ﴾ أي: يقبضها صاحب الحق وتكون وثيقة عنده حتى يأتيه حقه،
                              ودل هذا على أن الرهن غير المقبوضة لا يحصل منها التوثق.
                              ولما كان المقصود بالرهن التوثق جاز حضرا وسفرا، وإنما نص الله على السفر، لأنه في مظنة الحاجة إليه لعدم الكاتب فيه، هذا كله إذا كان صاحب الحق يحب أن يتوثق لحقه،
                              فإذا كان صاحب الحق آمنا من غريمه وأحب أن يعامله من دون رهن فعلى من عليه الحق أن يؤدي إليه كاملا غير ظالم له ولا باخس حقه ﴿ وليتق الله ربه ﴾ في أداء الحق ويجازي من أحسن به الظن بالإحسان .

                              ( فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ )

                              والأمانة لفظ جامع يتضمن موضوعات كثيرة ولو تحدثنا عن الأمانة ما وسعنا هذا المقام ولكن حسبنا أن نتذكر أننا يجب أن نتخلق بهذه الصفة حيث يسود الإستقرار في المعاملات فالأمانة مبدأ حضاري يقوم عليها صلاح الدنيا والاخرة ..
                              ونتذكر أن رسولنا الأمين صلى الله عليه واله وسلم كان يعرف بهذه الصفة , فهو الصادق الأمين صلى الله عليه وأله وسلم...

                              قال رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم:
                              إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة . قال : كيف إضاعتها يا رسول الله ؟ قال : إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة.

                              الراوي: أبو هريرة - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 6496
                              خلاصة الدرجة: صحيح


                              ﴿ ولا تكتموا الشهادة ﴾ لأن الحق مبني عليها لا يثبت بدونها، فكتمها من أعظم الذنوب، لأنه يترك ما وجب عليه من الخبر الصدق ويخبر بضده وهو الكذب، ويترتب على ذلك فوات حق من له الحق، ولهذا قال تعالى: ﴿ ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم ﴾

                              ويؤكد التعبير هنا على القلب . فينسب إليه الإثم . تنسيقا بين الاضمار للإثم , والكتمان للشهادة . فكلاهما عمل يتم في أعماق القلب . ويعقب عليه بتهديد . فليس هناك خاف على الله .
                              ( والله بما تعملون عليم ).

                              وقد اشتملت هذه الأحكام الحسنة التي أرشد الله عباده إليها على حكم عظيمة ومصالح عميمة دلت على أن الخلق لو اهتدوا بإرشاد الله لصلحت دنياهم مع صلاح دينهم، لاشتمالها على العدل والمصلحة، وحفظ الحقوق وقطع المشاجرات والمنازعات، وانتظام أمر المعاش، فلله الحمد كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه لا نحصي ثناء عليه.

                              وبهذا ندرك أن التشريعات في الشريعة الإسلامية كانت من أهم مقومات الحضارة في الدولة الإسلامية.
                              حيث لا حضارة بلا قوانين وتشريعات.

                              *
                              ونستكمل الحديث عن بعض التشريعات
                              في اللقاء القادم إن شاء الله تعالى
                              دمتم في رعاية الله وأمنه.
                              ليسانس حقوق - دبلومة الشريعة الإسلامية - تمهيدي ماجستير في الشريعة الإسلامية

                              تعليق

                              19,840
                              الاعــضـــاء
                              231,465
                              الـمــواضـيــع
                              42,359
                              الــمــشـــاركـــات
                              يعمل...
                              X