إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • وقفة مع سورة النور

    المقال الثاني

    الله نور السموت والأرض
    سورة النور ..
    تناسب جميل بين اسم السورة ومحتوى السورة, هذا التناسب يكشف عن جانب إنساني رفيع في طبيعة المجتمع القرآني, مجتمع النور, هذا الجانب الإنساني لا يوجد بغير مجتمع القرآن, بل ولا ينبغي أن يوجد بغير مجتمع القرآن, وليت المسلمون ينظرون للمجتمع القرآني بهذا المنظار الرائق الجميل ..
    إن كلمة النور في سورة النور لتتسع اتساعا بديعا ليشمل النور حالات في المجتمع, وأخلاق في النفس, وآداب في البيت, وإشراقات في القلب والروح, حتى ليخيل إليك حين تتأمل السورة أنها قد سكبت فوق النور نور, فجاء الاسم (سورة النور) على نور محتواها ومضمونها على نور مقاصدها فـكانت بحق نورا على نـور ..
    إسم السورة إذن هو النور .. لأنها تتكلم عن النور بمعناه الإنساني الرفيع لا بمعناه الحسي الضيق القريب, تتكلم عن نور الضمير والوجدان, وعن نور الطهر والستر والـعفاف, ونور السلوك والآداب, وتـتكلم فوق هذا وذاك عن نور الله الغامر العظيم ..
    إذن تعال نتأمل قطاعات السورة من البدء حتى الختام, لنرى كيف تتسع كلمة النور إلى جوانب أخرى هي في حقيقتها من النور وفي النور وإن بدا أنها لا تمد لاسم النور بصلة ..
    أول مقطع في السورة يتكلم عن فرضية الحدود, حدود الله في التعدي على أعراض المسلمين وحرمهم, وكيف أحاط الله هذا الشرف الرفيع بسور من الحدود الغليظة الشديدة, ليبقي أعراض المسلمين داخل هذا الحمى الآمن المنيع, وفي ذلك وقاية للمجتمع المسلم من الانحطاط والابتذال, وفي ذلك حفظه من الفوضوية الأخلاقية والانحلال الجنسي الذي يقوض عرى الأسرة إذا نشب بها, بل يقوض بنيان المجتمع إذا استطار به .. ووقاية المجتمع المسلم من تفشي تلك الأمراض هي نور أو هي معنى من معاني النور ..
    * * *
    أما المقطع الثاني من السورة فقد انحصر في تبرئة أمنا عائشة من إفك المنافقين حين رموها ببهتانهم مع الصحابي الجليل صفوان ابن المعطل, وقالوا فيها ما آذى رسول الله , حتى أرجفت المدينة وزلزل المؤمنون شهرا كاملا, فكان هذا الموقف تمحيصا للقلوب, واختبارا لدعائم المجتمع المسلم الصلبة وقد اتهم أشرف بيت فيه, وافتري على أطهر امرأة من نسائه, فكان أن برأها الله, وأخزى المنافقين وأركسهم بما كسبوا, وعلّم المسلمين كيف يكون الأدب مع أهل بين النبي . ثم توعد الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في المجتمع المسلم النظيف توعدهم عذابا شديدا, ووعد الذين يرمون المحصنات الغافلات عذابا عظيما قارب حد الزنا, ليقي المجتمع من قالة السوء وتفشي الفاحشة, وهذه النظافة والصفاء في المجتمع هي نور أو هي معنى من معاني النور ..
    يقول صاحب الظلال في ظلاله ..
    "إن ترك الألسنة تلقي التهم على المحصنات –وهن العفيفات الحرائر ثيبات أو أبكارا- بدون دليل قاطع, يترك المجال فسيحا لكل من شاء أن يقذف بريئة أو بريئا بتلك التهمة النكراء, ثم يمضي آمنا! فتصبح الجماعة وتمسي وإذا أعراضها مجرحة, وسمعتها ملوثة, وإذا كل فرد فيها متهم أو مهدد بالاتهام؛ وإذا كل زوج فيها شاك في زوجه, وكل رجل فيها شاك في أصله, وكل بيت فيها مهدد بالانهيار.. وهي حالة من الشك والقلق والريبة لا تطاق"[1] .
    * * *
    أما القطاع الثالث من السورة فيتكلم عن حرمة البيوت وأدب الاستئذان على أهلها, كي لا تقع عين الداخل على عورات الناس وهم أمنون في بيوتهم, ولكي لا يكون ذلك بابا للغواية وإثارة الشهوات, ولعل نظرة تقع عن غير قصد تسوق لميل وقصد, ثم تدبير ومكر ينتهي بفضيحة لأهل البيت ..
    ويتكلم المقطع أيضا عن غض البصر للمؤمنين والمؤمنات ليجعل منه حجابا على العين فوق حجاب الرأس, وهو بذلك يضيق سبل الغواية في المجتمع المسلم النظيف..
    ويتكلم عن أدب النساء في زينتهن ولمن يبدينها .. وهذه الآداب النظيفة لا تكون في مجتمع القرآن إلا نور أو معنى من معاني النور ..
    * * *
    والمقطع الرابع يتكلم عن تزويج الإماء والعباد الصالحين الذين لا يجدون ما ينفقون, يعينهم المجتمع المسلم النظيف إذا علم فيهم خيرا, وفي المقطع حث على العفة لمن لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله, والنهي عن إكراه الفتيات على البغاء لأجل عرض خسيس من أعراض الدنيا-وهي حالة نراها اليوم في الرجل تكون عنده نساء يمتهن البغاء لقاء مبلغ من المال- وهي حالة أشبه ما تكون بمرض اجتماعي إذا ما تفشى في الناس عمل في المجتمع عمل المعول في الجدار, لا يبقي فيه حجرا على حجر .. وتـزكية المجتمع من هذه الظواهر والأمراض نـور أو هي معنى من معاني النور ..
    * * *
    وبعد أن عالج القرآن في المقاطع السابقة أقوى دوافع الإنسان, وأشدها عرامة وهياجا, يرجع إلى القلوب والضمائر, يسمها بميسم النور, ويربط تلك الآداب الإنسانية الكريمة, يربطها إلى ذاك النور الكبير الذي ملأ أقطار السموت والأرض, النور الغامر الذي ينساب في الضمير والوجدان, فتشف القلوب, وترف الأرواح, وتسموا النفوس, وقد تزكت بتلك الآداب وانغمست ببحر النور ومن هذا النور تستمد تلك المعاني نورها ولألاءها في حياة المجتمع القرآني الفريد ..
    الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم
    وبعد وصف مثل نور الله يذكر نور القلوب في رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع, يسبحون الله في الغدو والآصال, فتتناسق اللوحة الفنية الجميلة, نور في الآداب والأخلاق, ونور يغمر السموات والأرض, ونور في أطواء القلوب ..
    لكن برغم هذا النور الغامر للسموات والأرض, الغامر للروح والوجدان, هنالك قلوب مظلمة لا أمن فيها ولا خير, كالبيوت الخربة لا نور فيها ولا ضياء, يضرب الله لها مثلين يقابل بهما مثل القلوب المؤمنة والبيوت المنيرة بالتسبيح وذلك ضرب من التناسق الفني في القرآن ..
    ثم يترك الحديث عن القلوب المظلمة وأصحابها في عماءة سوداء حالكة إذا أخرج المرء يده لم يكد يراها, يتركهم ليرجع بنا إلى النور, إلى آيات الله في السماء والأرض, تسبيح الوجود له, وحركة الرياح وتصريف السحاب وتقليب الليل والنهار وخلق الحياة من الماء وكلها تنبه القلب الغافل إلى ذلك النور الغامر, إلى الله تعالى رب العالمين .. وذلك نور أو هو معنى من معاني النور ..
    * * *
    ويأتي المقطع السادس يتكلم عن أدب الطاعة, طاعة الله ورسوله, وحسن الأدب في التحاكم إلى الله ورسوله, فترى الفارق البعيد بين كذب المنافقين وأدب المؤمنين مع النبي
    إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون
    وذاك الأدب نور أو هو معنى من معاني النور ..
    * * *
    أما المقطع السابع فيعود إلى آداب الاستئذان, لكن ليس الاستئذان إلى البيوت بل الاستئذان في البيوت, الخدم والرقيق والأطفال الذين لم يبلغوا الحلم, يستأذنوا في الدخول على آبائهم في أوقات معلومة, قد يفضي فيها الرجل لأهله فتكشف العورات, والأوقات هي قبل صلاة الفجر والناس بعد في ثياب النوم, ووقت الظهيرة إبان القيلولة والراحة, وبعد صلاة العشاء وقـت يضع الناس ثيابهم للراحة أو للنوم, وذاك أدب قرآني رفيع له آثاره الجميلة في المجتمع, وله آثاره العميقة في النفوس ..
    ويتناول المقطع أيضا آداب الطعام في بيوت الأهل أو بيوت الأقارب ما يصح منها وما لا يصح وما يليق وما لا يليق .. وهذه الآداب نور أو هي معنى من معاني النور .
    * * *
    أما المقطع الأخير في السورة فيتكلم عن الآداب النفسية التنظيمية بين الجماعة وقائدها, فهي تتكلم عن استئذان المسلمين قائدهم في الأمر الجامع الذي يشترك به الجماعة, ثم يتكلم المقطع عن أدب الكلام مع النبي فلا ينادى باسمه يا محمد أو كنيته يا أبا القاسم بل ينادى بلقب التشريف يا رسول الله أو يا نبي الله .. وهذا الأدب نور أو هو معنى من معاني النور ..
    وهكذا ترى التناسب الجميل والتناسق البديع بين محتوى السورة وبين اسمها, وترى السورة قد بثت نورها في المجتمع المسلم (مجتمع القرآن) فإذا للكلمة معان كثيرة تختلف ما تختلف ثم تلتقي في النور أو تلتقي بمعنى النور, فإقامة الحدود نور, والطهر والعفة نور, والاستئذان على البيوت أو في البيوت نور, ونظافة المجتمع من أوساخ الانحلال الأخلاقي نور, ومحاربة الفاحشة أو شيوعها في المجتمع نور, ووراء ذلك كله ذاك النور الغامر العظيم, الذي يمد هذه الآداب بمقومات وجودها, ذاك هو نور الله تعالى
    الله نور السموات والأرض
    * * *


    [1]هو الشهيد السيد قطب ي , ص 2490 سورة النور ج 28 .

  • #2
    جزاكم الله خيرا كثيرا
    http://www.facebook.com/dr.hanydorgham

    تعليق


    • #3
      جزاك الله خيرا ..

      تعليق


      • #4
        جزيتم الجنة

        تعليق

        19,962
        الاعــضـــاء
        231,994
        الـمــواضـيــع
        42,584
        الــمــشـــاركـــات
        يعمل...
        X