إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • لماذا في الحج (هامدة)، وفي فصلت (خاشعة)؟!!

    بسم الله الرحمن الرحيم
    لماذا في الحج (هامدة)، وفي فصلت (خاشعة)؟!!


    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

    قال الله تعالى في سورة الحج: يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلَى أرذل العمر لكَيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذَا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج(الحج:5)
    وقال في سورة فصلت: ومن آياته أنك تَرى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا علَيها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيِي الموتى إنه علَى كلّ شيء قَدير ( فصلت:39)
    بعد قراءة الآيتين يأسر العقلَ تساؤلٌ، لماذا وصف الله الأرض بقوله (هامدة) في سورة الحج، وبقوله (خاشعة) في سورة فصلت ؟!!

    أقول ـ والله أعلم ـ: إذا رجعنا إلى سياق كلٍ منهما؛ فإنه سيتبين لنا المغزى؛ فالسياق في سورة الحج يتكلم عن مراحل خلق الإنسان، وتطوره، وإماتته، وإحيائه، وبعثه فناسب وصفه الأرض ههنا بقوله (هامدة)، ثم تدب بها الحياة بإنزال الماء عليها، وأما في سورة فصلت(حم السجدة) فالسياق سياق عبادة وخشوع، وتذلل وخضوع، وتكلمٍ عن وحدانية الله؛ ففي الآيات التي قبلها تكلم عن الآيات السماوية الشمس والقمر، وأمر بالسجود له تعالى، وتوحيده، وذكر أن الملائكة له يسبحون، بالليل والنهار لا يسأمون؛ فقال تعالى: ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمسِ ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون فإن استكبروا فَالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون(فصلت:37 ـ 38)
    ثم عطف فذكر آية أرضية ألا وهي الأرض فقال: ومن آياته أنك تَرى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا علَيها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيِي الموتى إنه علَى كلّ شيء قَدير ( فصلت:39)
    فناسب وصفه الأرض ههنا بقوله (خاشعة) أي ساكنة قبل إنزال الماء عليها فإذا نزل الماء تحركت وانتفخت كأنها تشكر الله على إنعامه وقدرته؛ فوصف الأرض في هذا المقام؛ كأنها شخص خاشع عابد، ذليل ساجد، قانت قوّام، للملك العلام.

    قلت: فانظر إلى براعة القرآن، وتناسقه، وروعته، وجماله، فما من كلمة في القرآن إلا أتت في محلها، ولا تصلح مكانها أي كلمة أخرى؛ فعلى المرء أن يحلّق في سماء معاني القرآن الكريم، ويصطاد الجواهر والدرر، ويجني العظات والعبر، ويتدبر السياق والسباق واللحاق ليخرج بالفوائد والنكات.


    ـ فوائد:

    الفائدة الأولى: في ذكر بعض أقوال أهل العلم في معنى لفظ (هامدة) ولفظ (خاشعة)؛ ومن الملاحظ أن أقوال العلماء كلها متقاربة وتؤول لنفس المعنى، لكني جمعت بعضها لأجل الفائدة.

    أولاً: (هامدة):

    ـ قال قتادة ـ ـ: "غبراء متهشمة".
    ـ قال السدي ـ ـ: "ميتة"
    ـ قال الطبري ـ ـ: "وأصل الهمود: الدروس والدثور، ويقال منه: همدت الأرض تهمد هُمودا؛ ومنه قول الأعشى ميمون بن قيس:
    قالَتْ قُتَيْلَةُ ما لِجِسِمَك شاحِبا
    وأرَى ثِيابكَ بالِياتٍ هُمَّدَا
    والهُمَّد: جمع هامد، كما الركّع جمع راكع".
    (جامع البيان:18/570)
    ـ قال النحاس ـ ـ: "وقال أبو جعفر: يقال: همدت النار إذا طفئت، وذهب لهبها، وأرض هامدة أي: جافة عليها تراب".
    (معاني القرآن للنحاس:4/380)
    ـ قال ابن كثير ـ ـ: واصفاً الأرض الهامدة " هي المقحلة التي لا ينبت فيها شيء"
    (تفسير القرآن العظيم 5/386)
    ـ قال السمين الحلبي ـ ـ في الدر المصون: "(هامدةً) نصب على الحال لأن الرؤيةَ بصريةٌ؛ والهُمُود: السكونُ والخُشُوع، وهَمَدَت الأرضُ: يَبِست ودَرَسَتْ، وهَمَدَ الثوبُ: بَلِي؛ قال الأعشى:
    قالَتْ قُتَيْلَةُ ما لجِسْمِكَ شاحباً
    وأرى ثيابَكَ بالِياتٍ هُمَّدا"
    (الدر المصون:8/234)
    ـ قال ابن قتيبة في غريب القرآن ـ ـ: "ترى الأرض هامدةأي ميتة يابسة، ومثل ذلك همود النار: إذا طَفِئت فذهبت".
    (غريب القرآن لابن قتيبة:1/290)

    ثانياً: (خاشعة):

    ـ قَال السّدي ـ ـ:"خَاشِعَةً: مَيْتَةً يَابِسَةً".
    ـ قال الزمخشري ـ ـ: "الخشوع: التذلل والتصاغر، فاستعير لحال الأرض إذا كانت قحطة لا نبات فيها".
    ( الكشاف3/154)
    ـ قال أبو حيان ـ ـ:
    "ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة: أي غبراء دارسة، كَما قال:
    وَنُؤْيٌ كَجِذْمِ الْحَوْضِ أَبْلَمُ خَاشِعُ
    استعير الخشوع لها، وهو التذلل لما ظهر بها من القَحط وعدم النبات وسوء العيش عنها، بخلاف أن تكون معشبة وأشجارا مزهرة ومثمرة، فذلك هو حياتها".
    ( البحر المحيط: 9/308)

    الفائدة الثانية: أتى الله تعالى في الآيتين بدليل عظيم على وحدانيته، وقدرته على إحياء الموتى، وعلى بعثه الخلق بعد موتهم؛ أتى بدليل يبهت الملحدين، ويفحم الضالين. تأمل معي هذا الدليل العظيم المحسوس المشاهد في كل مكان وآن؛ فهذه الأرض التي تكون قحطاً جرداء يابسة لا حياة فيها؛ فإذا نزل عليها الماء ارتوت، وانتعشت، ودبت فيها الحياة، وانتفخت، وعلت، وازدانت بأصناف الورود والثمار، والأعشاب والنباتات؛ فسبحان رب الأرض والسماوات القادر على إحياء الموتى كقدرته على إحياء الأرض الموات.

    وأقول: لماذا لا نجعل قلوبنا مروية منتفخة مشبعة بذكر الله، وأنوار القرآن والسنة؛ فكما أن الأرض تروى بالماء وتزدان؛ فإن القلب يروى ويصان بالطاعة، والإنابة، والتوبة، والأوبة؛ فاحرص أخي على إرواء قلبك، ولا تجعله عطشاناً قحطاً خربا...ً؛ فإن عمرت قلبك بالإيمان والقرآن؛ فإن النتيجة سعادة وجنان، وإن خربته بالذنوب والعصيان؛ فإن النتيجة شقاء وخسران.
    نسأل الله العفو والعافية ...



    الفائدة الثالثة: أن في قوله تعالى: اهتزت وربتقراءتين:
    1) القراءة الأولى: ربتقراءة الجميع إلا أبا جعفر
    2) القراءة الثانية: ربأت وهي قراءة أبي جعفر المدني
    قال الإمام ابن الجزري في الدرة المضية:
    اهْمِزْ مَعًا رَبَأَتْ أَتى
    ـ التوجيه:
    القراءة الأولى: ربت بمعنى زادت من ربا
    القراءة الثانية:ربأت بمعنى ارتفعت من ربأ
    قال السمين الحلبي في توجيهه قراءة أبي جعفر: "يقال: ربأ بنفسه عن كذا أي: ارتفع عنه، ومنه الرّبِيئَة وهو من يطلع على موضع عال لينظر للقوم ما يأتيهم، ويقال له (ربِيءٌ) أيضاً؛ قال الشاعر:
    بَعَثْنا ربِيئاً قبل ذلك مخملاً
    كذئب الغضى يمشي الضَّراء ويَتَّقي"
    (الدر المصون:8/234)

    هذا والله أعلم وأحكم وصلى الله على رسول الله


    وكتبه
    أبو قدامة المدني
    سعيد بن إبراهيم بن "محمد سعيد" النمارنة
    ـ عفا الله عنه ـ
    باحث في مرحلة الدكتوراه في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية
    صفحتي على التويتر
    https://twitter.com/saeedalnmarna

  • #2
    سبحان الله

    تعليق


    • #3
      احسن الله اليكم .. النظر في السياق هي نقطة محورية في الاجابة على الكثير من اسئلة من هذا النوع


      [تمت المشاركة باستخدام تطبيق ملتقى أهل التفسير]
      والحمد لله رب العالمين

      تعليق

      19,962
      الاعــضـــاء
      231,999
      الـمــواضـيــع
      42,584
      الــمــشـــاركـــات
      يعمل...
      X