إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • إضاءات حول الآية....

    قال تعالى:إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [سورة القصص الآية 85]
    لم تكن صدفة أن توقف قلبي عند هذه الآية الكريمة، ليس فقط لأنها آية قرآنية معجزة أبهرت أصحاب اللغة العربية وعقدت ألسنتهم عن الإتيان بمثلها، أو بمثل أخواتها، رغم تبجحهم بالقدرة على صياغة القول على ما يريدون ووفق ما يرغبون، لكن أوقفني الخطاب القرآني لرسول الرحمة محمد r صاحب الرسالة ومبلغها إلى الناس، البشير النذير أكبر محرر للإنسانية من العبودية للعباد.
    ليست بدعا من الآيات الأخر، هذه الآية تبين طبيعة العلاقة بين الله ورسوله والرسالة، والمرسلين إليه، الأقطاب الأربعة لفاعلية هذه الرسالة وتحويلها إلى الواقع.
    قلت ليست بدعا فالرسول في عدة آيات تبين وظيفته الإنذار والتبليغ، لا أكثر و لا أقل، فهو لا يملك ضرا ولا نفعا لأحد، ولا يملك حتى هداية ولا إضلالا لأحد، مبلغ وكفى وما أعظمها من مهمة.
    الغوص في ظلال الآية:
    الآية واضحة جدا، خاصة إذا عرفنا إطار نزولها، آية مكية ولدت في خضم الصراع بين المشركين والدعوة الجديدة، صراع لا يتسم في معظمه إلا بالرفض لا لذات الدعوة ولكن لما تحققه من مساواة وعدل وما تمده من حرية ومسؤولية لكل فرد، وأيضا لما تقره من بعث وحساب يتعالى عنه كل من لا يسوي بينه وأخيه، ويعد نفسه المالك لكل ما استخلف فيه وأكثر من ذلك مالك لرقاب الناس ومتحكم فيها سواء الذين اشترى ذممهم بماله أو من كان تحت سلطته زوجا وأولادا وأخوة حتى، وعموما كانت الرسالة تصيبهم بانحباس عقلي نظرا لما ألفوه من مفاهيم وشبوا عليها وشابوا، أعطتهم من النفوذ ما لا يمكن التنازل عنه بسهولة أمام إغراءات النفس ونزوات الشيطان.
    ليس لمحمد إلا التبليغ، لا سلطة له في قلوب الناس ولا في عقولهم، استفرغ كل جهده لرسالته، فلا كل ولا مل، ولكن كان له من الأوقات ما ينزل قلبه ضعف، كما يعتريه من قوة ونشاط، وهذه طبيعة البشر وما كان الرسول إلا بشرا.
    وقد أورد أبو منصور الثعالبي أن الآية الكريمة ضمن السورة مكية، نزلت بالجحفة[1] يوم هجرة الرسول إلى المدينة.
    نحسب من خلال هذه القراءة أن الآية الكريمة لم تأت إلا مواساة لرسول الحق محمد وطبعا هذا منسحب على كل من حذا حذوه وجعل سنته ديدنه ومسيره إلى أن يلقى ربه، ولإضاءة الآية أكثر لا بد لنا من الإحاطة بمعاني مفرداتها، ونرى أن اللفظين: فرض و معاد، محوران أساسيان لفهم الآية ومعرفة دلالاتها، فأورد صاحب الجواهر الحسان أبو منصور الثعالبي أن المعاد: الآخرة، الجنة، مكة، على أقوال للصحابة، وفي كتاب العين للخليل عدة معان للعود: أولها تثنيةُ الأمرِ، وثانيها إذا قلت فلان في مَعادة، أي: مُصيبة، والعادةُ: الدُّرْبة في الشيء، ومعان أخرى لا يمكن حصرها هنا[2]، وأضاف صاحب المقاييس أن المَعَاد: كل شيء إليه المصير. والآخرة مَعادٌ للناس. واللهُ تعالى المبدِئ المُعيد[3]، أما صاحب المفردات فأورد عدة معان للجذر "عود" نخص منها قوله:"والمعاد يقال للعود وللزمان الذى يعود فيه"[4]، وقد يكون للمكان الذى يعود إليه، وذكر أن المراد به في الآية مكة، ولكنه رجح القول بأنه الجنة.
    والنظر المفحص يهدينا إلى دلالة التنكير في اللفظة "معاد" وليس المعاد، وهذا جاء في سياق البشارة للرسول بالرد إلى معاده سواء كان معاده الدنيوي وهو مكة التي خرج منها طاعة لربه وسيعود إليها رحمة من ربه وفتحا مبينا له وللمؤمنين، أو المعاد الأخروي الأخير في الجنة، فتعظيم البشارة يقتضي التنكير لتهويل أمرها عند المتلقي فلا يدرك كنهها إلا إذا رآها رأي العين، التنكير يعين الاسم ولا يعطي تفاصيله فلا يعرف السامع أيقصد هذا أم ذاك، والأيام ستجلي ملامحه وتكشف المستور، وتعرف المجهول.
    والجملة بعد البشارة من دلالات البشارة، فعند الفتح ظهر من كان مؤيدا بالحق ومن كان غاليا في ضلاله، فالمعاد فرق بين الحق والباطل، فحصل الرسول على معاده الأول، وانتظر حتى قبض الله روحه مختارا "الرفيق الأعلى" ليشهد معاده الأخير ومعاد كل المؤمنين قبله وبعده.
    أما ما يخص العمود الثاني المفردة "فرض" فحسب ابن فارس فقد أحصى لها معنيين: التأثير في الشيء من حزٍّ أو غيره، والفَرْض: الحزُّ في الشَّيء، ويضيف:" ومن الباب اشتقاق الفَرْض الذي أوجَبَه الله تعالى، وسمِّي بذلك لأنّ له معالمَ وحدوداً"[5] ولنا أن نسأل ما طبيعة الفرض الذي نزل على محمد، والسياق جاء بالفرض على القرآن، فماذا على النبي اتجاه القرآن؟
    نقوم بتدوير العجلة إلى الوراء قليلا، لنبلغ غار حراء حيث المنزل النبوي، وحيث الخلوة المحمدية، وحيث منبت التأملات التي كللت بالاتصال الإلهي بين السماء والأرض، ففي الليلة المباركة نزل القرآن على محمد وأول ما نزل "اقرأ" وحسبنا أن يكون أول فرْضٍ فُرِض على محمد تجاه القرآن، وعلى أمته من بعده جمعاء. والأسئلة تتهاطل حول هذا الفرض، ووقته ومكانه وكيفيته وصفاته، ومحمد بالتالي لم يسأل ولكن أقرَّ بعجزه عن القراءة فقال: "ما أنا بقارئ" وجبريل يعيد الطلب مرة أخرى وأخرى، ومحمد يعيد نفس الجواب، وتأتي التتمة اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ باب من القراءة كبير، باسم ربك، ونوقف الحديث هنا لأن الغوص في دلالات هذا الأمر تحيلنا إلى معالم كبيرة ليس هنا مقام التفصيل فيها وقد ترد مقامات ذلك في لاحق الأزمان.

    [1]الجُحُفة: ميقات أهل الشام في الاحرام واسمها مَهيعة سميت جُحْفة لان السيل أجتحف أهلها. الجبال والأمكنة والمياه للزمخشري، 1/5. الجُحفةُ، منزلٌ بالقُرب من مكّة، لأن السَّيلَ جَحَف أهلَها، أي اقتلعَهم فذهبَ بهم. ابن دريد الاشتقاق.


    [2]معجم العين الخليل بن احمد مادة "عود" 1/138.
    3معجم مقاييس اللغة لابن فارس، مادة "عود".
    4 المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني، 2/457، نشر: مكتبة نزار مصطفى الباز.






    [5]ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، مادة "فرض"، 4/488.

  • #2
    جزاك الله خيرا على ما تفضلت به من تصور في معنى الآية ..
    و أريد أن أعرف من فضلكم هل من الواجبو اللازم معرفة أسباب النزول لكل آية للوصول إلى المعنى..؟؟؟
    بارك الله فيكم

    تعليق

    19,840
    الاعــضـــاء
    231,391
    الـمــواضـيــع
    42,340
    الــمــشـــاركـــات
    يعمل...
    X