إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • دراسة لما ورد في كتب التفسير حول معنى " يَسْتَفِزَّهُمْ " في الآية (103) من سورة الإسراء

    المقدمة
    أولاً: توطئة:
    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
    حين يستشكل فهم المراد من آية في القرآن الكريم عند قراءة المسلم لكتاب الله تعالى، فإن أول ما يخطر بباله هو التوجه إلى كتب السادة المفسرين _ تعالى _ .
    وكثير من كتب السادة المفسرين مبنية على ما قبلها، إما اختصاراً أو شرحاً.. مع فوائد جديدة يحددها منهج المفسر في تفسيره، هل يتسم بالعناية بالتفسير بالمأثور أم الرأي؟ وهل يركز على الجانب البلاغي أم الفقهي أم الاجتماعي.. وهكذا.
    وأحياناً ينقل المفسر عن سلفه الكرام دون كثير تدبر، ثقةً بمن سبقه، وتقليداً من التلميذ لشيخه، علامةً على التواضع وإنكار الذات، مسبوقاً بالتقدير والاحترام للشيخ.
    وأضحى القرآن الكريم في عصرنا الحالي محل نقد وفحص من غير المؤمنين بإلهية مصدره، وعده كثير من الناس كأي دراسة أدبية تخضع للنقد، دون وقوف عند قدسية النص، حتى تجرأ أحدهم قائلاً: " القرآن ينتمي إلى ثقافة البشر " [1-27].
    لذا وجب على المفسرين المعاصرين تمحيص ما ينقلونه عن السادة العلماء السابقين من تفسيرٍ لآيات القرآن الكريم ونقده؛ خشية تحميل القرآن الكريم أخطاءَ بشر يصيبون ويخطئون.
    ومثال ذلك تأويل أكثر السادة المفسرين لمعنى (الاستفزاز) في قوله تعالى في سورة الإسراء: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لأظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً (101) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لأظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً (102) فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الأرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً (103) .
    حيث ذكر الأعم الأغلب منهم أن المقصود بالاستفزاز: الإخراج.
    فأصبح تفسير الآية الكريمة: فأراد فرعون أن يخرج بني إسرائيل من أرض مصر.
    وهذا يخالف إجماع كتب التاريخ والقصص القرآني على أن فرعون رفض إخراج بني إسرائيل من مصر، وأن الخروج من مصر كانت أمنية بني إسرائيل المستعبدين في أرض مصر [انظر: 2-1/240 و3-1/249 و4-1/339].
    بل إن القرآن الكريم يقرر أن سيدنا موسى  جعل إخراج بني إسرائيل من مصر من أولويات دعوته، قال تعالى في سورة الأعراف: وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (104) حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ(105) .
    فلا يُعقَل أن يُلام فرعون على تنفيذه طلب سيدنا موسى ، وما طلب موسى  ذلك إلا بوحي من الله .
    ثانياً: أهمية الدراسة وهدفها:
    تبرز أهمية هذه الدراسة لإزالة شبهة أن يكون ذلك التفسير سبباً في اتهام القرآن الكريم بالوقوع في أخطاء تاريخية، متفق على صحتها.
    فهدف الدراسة الرئيس هو بيان المعنى الأصح للاستفزاز في الآية الكريمة، انتصاراً للقرآن الكريم، ورداً لما قد يثار حوله من شبهات، بالدليل العلمي المنهجي.
    ثالثاً: منهج البحث:
    سيتم البحث في هذه الدراسة باستخدام منهج الاستقراء الكلي لتتبع الآيات الكريمة التي ذكرت الكلمات المشتقة من الجذر (فزز)، ثم استخدام المنهج الاستقرائي الجزئي؛ لاستقراء ما ورد في أبرز كتب المفسرين حول معنى (الاستفزاز) في الآيات الكريمة.
    ومن ثم، وبربط المقدمات بنتائجها، يتم استخدام المنهج الاستنباطي لبيان المعنى الصحيح للاستفزاز، وذلك بما لا يخالف اللغة وسياق الآيات الكريمة، وما قرره الإسلام من عقائد وأحكام، وما يوافق صحيح المذكور في كتب التاريخ والقصص القرآني.
    رابعاً: الدراسات السابقة:
    لم يجد الباحث أي دراسة علمية تناولت موضوع هذا البحث بالتفصيل والنقد، وإن كان ما فيه من أصول المسائل متفرقاً في كتب التفسير واللغة، والله أعلم.
    خامساً: خطة البحث:
    تم تقسيم البحث إلى ثلاثة مباحث، تناول المبحث الأول معنى لفظ (يستفز) لغة واصطلاحاً، وإثبات أن له معنى مقارباً لمعنى (يستخف) بحسب اصطلاح القرآن الكريم، وقد اشتمل على مطلبين: الأول: بحث في معنى (الاستفزاز) لغة واصطلاحاً، والثاني في معنى (الاستخفاف).
    أما المبحث الثاني فهو صلب هذه الدراسة؛ لأنه اشتمل على دراسة نقدية لما ورد في أبرز كتب التفسير لمعنى كلمة (يستفز)، وذلك من خلال مطالب ثلاثة: الأول: استقراء ما ورد في القرآن الكريم من ألفاظ تعود إلى الجذر (فزز)، والثاني: عرض تفسيرها بحسب ما ورد في أبرز كتب التفسير، والمطلب الثالث: في تحرير محل النزاع.
    ويليه المبحث الثالث الذي تمت فيه الإجابة عن سؤالين قد يخطران ببال قارئ البحث، وخصص لإجابة كل سؤال مطلب، فالمطلب الأول أجاب عن سؤال: " كيف تسقِط هذا المعنى على واقع قصة فرعون مع بني إسرائيل؟ "، والثاني أجاب عن سؤال: " لماذا أراد فرعون استفزاز بني إسرائيل ؟ ".
    ثم ختِم البحث ببيان ما ترشد إليه الآيات الكريمة من دروس وعبر، والنتيجة التي خلص إليها وتوصيته، وذلك بحسب التفصيل التالي:
    المبحث الأول
    بيان تقارب معنى كل من (الاستفزاز) و(الاستخفاف) في اللغة والمصطلح القرآني
    مَن يتتبع كتب الغريب القرآني ومعاجم اللغة العربية، ومن يتتبع اصطلاح القرآن الكريم، يجد التقارب الشديد في معنى كل من (الاستفزاز) و(الاستخفاف)، بحسب التفصيل التالي:
    المطلب الأول: معنى (الاستفزاز) في كتب غريب القرآن والمعاجم:
    قال الراغب: " يستفزهم ": أي: يزعجهم، وفزني فلان، أي: أزعجني، والفز: ولد البقرة، وسمي بذلك لِما تُصوِّر فيه من الخفة، كما يسمى عِجلا لِما تُصوِّر فيه من العَجَلة [5-2/260].
    وقال ابن الأثير: " لا يَسْتَفِزُّه ": أي: لا يَسْتَخِفُّه، ورَجُلٌ فَزُّ: أي: خفيف. وأفززته: إذا أزعجته وأفزعته [6-3/443].
    وقال البخاري في كتاب التفسير: " باب سورة بني إسرائيل (الإسراء).. وَاستفزز: استخِفَّ " [صحيح البخاري:4431].
    وقال ابن فارس: " (فز) الفاء والزاء: أصيلٌ يدلُّ على خفّةٍ وما قاربها. تقول: فَزَّهُ واستفزَّه، إذا استخفَّه، قال الله تعالى: وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْض [الإسراء 76]، أي يحملونك على أن تَخِفَّ عنها، وأفزَّه الخوفُ وأفْزَعَه بمعنىً، وقد استفَزَّ فُلاناً جهْلُه، ورجل فَزٌّ: خفيف. ويقولون: فزَّ عن الشيء: عدل، والفَزُّ: ولَد البقرة، ويُمكن أن يسمَّى بذلك لخفَّة جسمه " [7-4/343].
    وبالعودة إلى أصل معنى (فزّ) يتبين ما أراد فرعون من بني إسرائيل: فقد أراد أن يجعل من كل واحد منهم خائفاً فزِعاً، كابن الظبي أو البقر الوحشي (الفرير)، الذي يفر لأدنى خوف، ومنه أطلقت العرب على الهروب جبناً: (الفرار) [8-5/52]، وفزَّ الظبي: فزِع [9-669] وهل هناك أشد فزعاً من ظبي صغير خائف منزعج؟!
    المطلب الثاني: معنى (الاستخفاف) في اصطلاح القرآن الكريم:
    المفسر يعتمد في أول تفسيره على تفسير القرآن بالقرآن، وبما أنه تم ترجيح تفسير (الاستفزاز) بالاستخفاف، وجب بيان معنى الاستخفاف في القرآن الكريم.
    باستقراء الآيات الكريمة التي تتحدث عن الاستخفاف، تبينَ ورود آيتين كريمتين تذكران معنىً مقارباً لمعنى الاستفزاز (موضع الدراسة)، والآيتان:
    - الآية الأولى: قال تعالى: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ [الروم: 60].
    - الآية الثانية: قال تعالى: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ [الزخرف: 54].
    ويلاحَظ هنا أن الاستخفاف في الآية الأولى (الروم:60): خرج من مشركي قريش إلى سيدنا محمد ، وأن الاستخفاف في الآية الثانية (الزخرف: 54): خرج من فرعون إلى قومه.
    وقد فسر أكثر العلماء (الاستخفاف) في الآيتين الكريمتين بـ (الاستفزاز):
    - فمعنى (الاستخفاف) في آية الروم: (الاستفزاز)، كما ذكر ذلك القرطبي والشوكاني والواحدي وابن الجوزي [10-14/49، و11-4/232، و12-2/842، و13-6/163].
    - ومعنى (الاستخفاف) في آية الزخرف: (الاستفزاز)، وقال بذلك القرطبي والجلال وابن الجوزي [10-16/101، و14-652، و13-7/322].
    ومما ورد في بيان التقارب في المعنى بين (الاستفزاز) و(الاستخفاف) في كتب اللغة:
    قال الفيروزآبادي: " لا يستخفنك ": لا يستفزنك، ولا يستجهلنك [9-1042].
    وقال كل من الزمخشري وابن منظور: " استخفه ": استفزه [15-1/445، و8-9/88].
    وعلى هذا:
    فمعنى (الاستفزاز) قريب من معنى (الاستخفاف)، ومعنى (الاستخفاف) قريب من معنى (الاستفزاز)، في كل من كتب اللغة والاصطلاح القرآني، وكلٌّ منهما يدور معناه حول الإفزاع والتخويف؛ بدليل أنك عند تفسير القرآن بالقرآن تجد:
    - في خطاب الله  لسيدنا محمد :
    وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلا قَلِيلا [الإسراء: 76].
    فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ [الروم: 60].
    وتبين كلتا الآيتين الكريمتين أن إزعاج النبي الكريم  والاستخفاف به بقصد التشويش على دعوته: هدف مستقبلي لمشركي قريش، ولكنه لم يتحقق.
    - وفي سياق الحديث عن فرعون، وعلاقته بكل من مؤمني بني إسرائيل وأتباعه من قومه (المصريين):
    1. علاقته بالمؤمنين من بني إسرائيل: فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الأرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً [الإسراء: 103]، وتبين الآية الكريمة: أن الاستفزاز هدف مستقبلي لفرعون، ولكنه لم يتحقق.
    2. علاقته بأتباعه المصريين: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ [الزخرف: 54]، وتبين الآية الكريمة: أن الاستخفاف كان هدفاً لفرعون، وتحقق.
    وبهذا يتبين أن المقصود بالاستفزاز في اللغة وفي الاصطلاح القرآني: الاستخفاف بقصد الإزعاج والتخويف، ولكن: هل هذا ما ذهب إليه المفسرون؟ الجواب في المبحث التالي.

    المبحث الثاني
    معنى: " الاستفزاز " في كتب التفسير
    المطلب الأول: استقراء مَواضع الجذر " فزز " في القرآن الكريم:
    تكررت الكلمات المشتقة عن الجذر (فزز) ثلاث مرات في القرآن الكريم، وجميعها في سورة الإسراء:
    - الموضع الأول: وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ وَالأولادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُوراً (64) .
    - الموضع الثاني: وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلا قَلِيلا(76).
    - الموضع الثالث _ محل هذه الدراسة _ : فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الأرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً(103).
    ويلاحَظ عند النظر إلى المقصود بالاستفزاز في المواضع الثلاثة:
    - أفاد الموضع الأول: صدور الاستفزاز من إبليس إلى بني سيدنا آدم .
    - وأفاد الموضع الثاني: صدور الاستفزاز من مشركي قريش إلى رسول الله .
    - وأفاد الموضع الثالث: صدور الاستفزاز من فرعون إلى بني إسرائيل.
    المطلب الثاني: عرض ما ورد في أبرز التفاسير حول معنى (الاستفزاز) في المواضع الثلاثة من سورة الإسراء:
    1. تفسير (الاستفزاز) في الموضع الأول: وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ وَالأولادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُوراً (64) .
    اتفق المفسرون على أن المقصود بالاستفزاز هنا: (الاستخفاف)، بحسب التفصيل التالي:
    ذكر ابن كثير والجلال وابن الجوزي أن معنى: (استفزِزْ) أي: استخفهم بذلك [16-3/50، و14-373، و13-5/58].
    وبيّن القرطبي أن أصل الاستفزاز والاستخفاف: القطع، ومنه: تفزز الثوب، إذا انقطع. والمعنى: استزله بقطعك إياه عن الحق، واستفزه الخوف: أي استخفه. وقعد مستوفزاً: أي غير مطمئن. واستفزز أمر تعجيز، أي: أنت لا تقدر على إضلال أحد، وليس لك على أحد سلطان فافعل ما شئت [10-10/288].
    وقال الشوكاني : " واستفزز " أي: استزعج واستخف مَن استطعت مِن بني آدم ، يقال: أفزه واستفزه أي: أزعجه واستخفه، والمعنى: استخفهم بصوتك داعياً لهم إلى معصية الله [11-3/241].
    وبهذا يتبين اتفاق العلماء على تفسير (الاستفزاز) في الموضع الأول بالاستخفاف وهو الإزعاج بقصد التخويف.
    وواضح أن (الاستفزاز) صادر من إبليس إلى أبناء آدم .. وهو استخفاف ناجح مع أوليائه منهم، وغير ناجح مع عباد الله المخلصين، مصداقاً لما سطره القرآن الكريم على لسان الشيطان حين أخرج من الجنة، فتوعد بني آدم  .. قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأرْضِ وَلأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [الحجر: 39و40].
    فعلاقة الشيطان بأوليائه علاقة استخفاف من سيد لعبيده، فهو لا يحترمهم بل يسوقهم كما تُساق الأنعام: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران: 175].
    2. تفسير (الاستفزاز) في الموضع الثاني: وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلا قَلِيلا (76) .
    كثير من المفسرين اكتفوا بدلالة: لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا على تفسير المراد بالاستفزاز هنا دون بيان معنى الاستخفاف فيه، ومنهم: ابن كثير والشنقيطي والسعدي [16-3/45، و17-3/175، و18-464].
    إلا أن شيخ المفسرين الطبري جعل الاستفزاز في الآية الكريمة مقدمة للإخراج، لا عَين الإخراج. حيث قال: " يقول : وإن كاد هؤلاء القوم ليستفزونك من الأرض، يقول: ليستخفونك من الأرض التي أنت بها، ليخرجوك منها " [19-15/132].
    وأيده القرطبي حين بيَّن أن المشركين أرادوا " أن يستخفوه من أرض العرب بتظاهرهم عليه " [10-10/301].
    وذكر البيضاوي أن الإخراج سيكون بسبب كثرة الإزعاج: " ليزعجوك بمعاداتهم.. ليخرجوك منها " [20-3/461].
    وذكر محمد جواد مغنية كلاماً جديراً بالتأمل، فقال: " لما عجز المشركون عن استدراج النبي  إلى المساومة، حاولوا أن يستخفوه ويزعجوه بكل وسيلة ليخرجوه من مكة.. ولو أن المشركين أخرجوا رسول الله  عنوة وقسراً، بحيث يصبح.. لا يدري أين يتجه، لعجَّل الله في هلاكهم. ولكن النبي  حين خرج من مكة، إنما خرج منها بأمر الله  إلى قوم يفدونه بالأنفس والمال والعيال " [21-5/72].
    وبهذا يتضح أن مذهب أكثر المفسرين هو حمل (الاستفزاز) الوارد في الموضع الثاني على معنى: (الاستخفاف والإزعاج)، مما قد يسهم في التفكير بالهجرة والخروج من بقعة الأرض التي فيها هذا الإزعاج؛ لذا كان (الاستفزاز) هو المسبب الرئيس للهجرة والإخراج، ولكنه ليس عين الإخراج.
    ويتضح من السياق أن (الاستفزاز) هنا صادر من كفار مكة إلى رسول الله  ولكنه لم ينجح؛ فهم كادوا يستفزونه ولكنهم لم يستفزوه.
    3. تفسير (الاستفزاز) في الموضع الثالث (محل هذه الدراسة): فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الأرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً (103) .
    اختلف السادة المفسرون في تفسير (الاستفزاز) في هذا الموضع على آراء أبرزها: الإخراج، وقيل: القتل، وقيل: الاستخفاف ثم الإخراج.. بحسب التفصيل التالي:
    أ) الإخراج:
    أراد فرعون أن يُخرج موسى  وبني إسرائيل من أرض مصر، ويخليهم عنها، وهذا رأي ابن كثير والقرطبي والرازي والجلال والواحدي والنسفي والسعدي [16-3/68، و10-10/338، و22-21/56، و14-337، و12-2/650، و23-1/269، و18-468].
    وقال ابن عاشور: الاستفزاز: الاستخفاف، وهو كناية عن الإبعاد [24-15/228].
    ب) القتل:
    يعني: أراد فرعون إخراج بني إسرائيل عن هذه الحياة الدنيا بالقتل، حين لم يستطع أن يخرجهم من أرض مصر بالإجلاء، فقد أراد أن يستخفهم ويقلعهم إما بقتل أو بإجلاء. وقال به ابن عطية والزمخشري والشوكاني [25-3/490، و26-2/271، و11-3/263].
    ج) الاستخفاف ثم الإخراج:
    يرى البيضاوي أن الآية تبيِّن أن فرعون أراد أمرين: أن يستخف بموسى  وبقومه، وأن ينفيهم من الأرض _ أرض مصر _ " [20-3/470].
    وجاء في تفسير روح المعاني للآلوسي ذكر المعاني الثلاثة مع ترجيح القتل:
    " وأصل الاستفزاز الإزعاج، وكنى به عن إخراجهم. (من الأرض) أي: أرض مصر التي هم فيها، أو من جميع الأرض، ويلزم إخراجهم من ذلك قتلهم واستئصالهم، وهو المراد " [27-5/396].
    ويتضح من سياق الآية الكريمة، أن الاستفزاز صدر عن فرعون إلى سيدنا موسى  وأتباعه من مؤمني بني إسرائيل، وهذا الاستفزاز لم يُقدَّر له أن يتمّ؛ بسبب إغراق الله  لفرعون.. فأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الأرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ [الإسراء: 103].
    المطلب الثالث: تحرير محل النزاع:
    يرى أكثر المفسرين _ تعالى جميعاً _ حَمْل الاستفزاز الوارد في الآية الكريمة (103 من سورة الإسراء) على الكناية _ كناية عن الإخراج، أو القتل.. _.
    بينما يرى الباحث أن الحق إبقاء معنى الاستفزاز على معناه الحقيقي: (الاستخفاف)؛ فهو الأصل، وما يوافق القرآن الكريم وسياق الآية الكريمة وما أجمع عليه المؤرخون، من أن فرعون إنما أراد إبقاء بني إسرائيل لاستعبادهم والاستمرار في الاستخفاف بهم وإزعاجهم وتخويفهم لينقادوا لسلطته، وأن آخر ما كان يتمناه خروجهم من مصر، أو وفاتهم.
    وهذا يوافق اللغة العربية وما قرره القرآن الكريم، بحسب ما ورد في كتب الغريب والمعاجم، وبحسب استقراء عادة الاصطلاح القرآني للاستفزاز، ولذا فلا مسوغ لوضع معنى اصطلاحي للاستفزاز يخالف المعنى اللغوي له وهو: " الاستخفاف بقصد الإزعاج والتخويف ".

    المبحث الثالث
    تساؤلات بين يدي الدراسة
    في كل دراسة جديدة تظهر تساؤلات، ومن الأسئلة التي قد تثيرها هذه الدراسة: كيف تُسقِط ما ترجحه من معنى (الاستفزاز) على واقع القصة؟ ولماذا أراد فرعون استفزاز بني إسرائيل؟ والجواب في المطلبين التاليين:
    المطلب الأول: إجابة سؤال: كيف تسقِط هذا المعنى على واقع قصة فرعون مع بني إسرائيل؟
    يتم ذلك بإجابة سؤال آخر، وهو: كيف كانت العلاقة بين فرعون وبني إسرائيل قبيل خروجهم من مصر؟
    الجواب:
    يبين القرآن الكريم أن فرعون قد خاف أن يؤمن بنو إسرائيل بدعوة سيدنا موسى  مما يهدد مركزه الاجتماعي والديني في مصر، وتسخيره لهم خدمة له ولقومه.
    وزاد خوفه من دعوة سيدنا موسى  بعد أن دخلت الدعوة إلى المصريين أنفسهم، بل واخترقت الفئة المقربة مِن فرعون، فآمن السحرة (كما ورد في سورة الأعراف: 120-126)، وكذا آمن الرجل المؤمن مِن آل فرعون (كما ورد في سورة غافر: 39-45).
    عندها عبَّر الملأ من حول فرعون عن طبيعة الخطر الذي سيلحق به وبهم، فخوفوه من أن دعوة موسى وأخيه هارون _ _ هي دعوة تمكين للمستضعفين، وتحرير للناس من عبادة غير الله تعالى. بينما دعوة فرعون هي دعوة عبودية لمخلوق، وإخضاع الناس للإزعاج والاستخفاف بهم، وفي ذلك ظلم لا يرضاه الله تعالى.
    فخاطبوهما على مسمع فرعون: قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ. [يونس: 78] والكبرياء هنا: الدولة والمُلك والسلطان والتمكين [19-11/147].
    وظل الملأ يخوفون فرعون من تهديد الدعوة الجديدة على سلطانه، فطلبوا منه إزعاج أتباعها والتشويش عليهم.. حتى وافقهم واستخدم التهديد والوعيد ليخوف بني إسرائيل ويستخفهم ويفزعهم وَقَالَ الْمَلأ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ [الأعراف: 127].
    من هنا بدأت مناورات الاستفزاز والحرب النفسية من فرعون وملئه بأتباع الدعوة الجديدة، والتي عبَّر عنها القرآن الكريم: فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلا ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ [يونس: 83].
    وخوفاً من تأثير استخفاف فرعون ببني إسرائيل ( كما استخفَّ قومَه فأطاعوه) - كان الأمر الرباني لسيدنا موسى  بالهجرة من مصر مع أتباع دعوته؛ ليجدوا أرضاً (يتمكنوا) فيها؛ ليقيموا فيها شعائر دينهم الحق بلا إزعاج ولا تخويف ولا استخفاف ولا استفزاز.
    لذا خرج بهم سراً في الليل (الإسراء) دون أن يشعر بهم فرعون، وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ [الشعراء: 52]، فقد أمره الله بأن يخرج ببني إسرائيل ليلاً [16-6/142].
    ثم تُبيِّن سورة الشعراء مشهد لحوق فرعون وجيشه بهم: فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ(60)فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ(61)قَالَ كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ(62)فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ(63) .
    وعلم فرعون بتلك الهجرة متأخراً؛ فالجمعان شاهد كل منهما الآخر ـ مع أن الخروج كان ليلاً ـ، وهذا يؤكد أن الإخراج لم يكن عن طيب خاطر من فرعون، وإلا لتركهم يذهبون، بل العكس من ذلك، لحق بهم؛ لأنه أراد إبقاءهم للخدمة والعبودية.
    المطلب الثاني: إجابة سؤال: لماذا أراد فرعون استفزاز بني إسرائيل ؟
    قال تعالى في سورة الإسراء: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لأظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً (101) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لأظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً (102) فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الأرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً (103) .
    يتكون المجتمع المصري في ذلك الوقت من قسمين:
    - قوم فرعون: وهم المصريون.
    - قوم موسى : وهم بنو إسرائيل.
    وحين أراد فرعون استفزاز بني إسرائيل لم يشأ أن يستخفهم ليخرجهم، بل أراد تخويفهم بكثرة الإزعاج؛ لينفضوا من حول موسى  ويسهل انقيادهم له عبيداً أذلاء.
    بدليل أنه حين استخف بقومه المصريين لم يرد إلا ذاك، فأطاعوه ليرتاحوا من إزعاجه، ويأمنوا جانبه، ويستمروا في الحياة وإن كانت حياة ذل وصَغار.
    لم يُرد فرعون إلا أن يستخف بكل مَن في مصر: المصريين (ونجح في ذلك) وبني إسرائيل (وكان يأمل أن ينجح في ذلك).. ولا يُعقَل أن يتمنى خروج المصريين ولا بني إسرائيل.
    أراد الله  للطائفة المؤمنة من بني إسرائيل العلو والتمكين في الأرض، ولا يتحقق ذلك وهم يتعرضون لاستفزاز فرعون وملئه صباح مساء، وكيف يقيمون شعائرهم ويعملون لعمارة الكون وهم منشغلون برد تخويف وإزعاج فرعون وملئه؟
    إن عمارة الكون لا تكون إلا بعد التمكين للفئة المنوط بها عمارته، والتمكين لا يتحقق مع تكرار الاستفزاز والاستخفاف، ومن سنن الله تعالى في الكون أن التمكين عاقبة الصبر على الاستفزاز، مع الأخذ بأسباب التوكل على الله تعالى.
    قال ابن القيم في مدارج السالكين/ أول كتاب التمكن: " فمن وفَّى الصبر حقه، وتيقن أن وعد الله حق، لم يستفزه المبطلون، ولم يستخفه الذين لا يوقنون، ومتى ضعف صبره ويقينه _ أو كلاهما _ استفزه هؤلاء واستخفه هؤلاء، فجذبوه إليهم، بحسب ضعف قوة صبره ويقينه، فكلما ضعف ذلك منه، قوي جذبهم له، وكلما قوي صبره ويقينه، قوي انجذابه منهم، وجذبه لهم " [28-3/215].
    وهذا الذي تحقق للطائفة المؤمنة من بني إسرائيل بتوفيق من الله تعالى، فتم التمكين والاستخلاف لهم عاقبة لهم على صبرهم ورفضهم الخضوع للتخويف والاستفزاز: قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ. [الأعراف: 128].
    وتمت سنة الله الكونية الثابتة فيهم بسبب ثباتهم وعدم خضوعهم واستسلامهم للاستفزاز: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ [الأعراف: 137].
    ومثله ما وعد الله  رسوله محمداً  _ وأمته من بعده _ بسبب صبرهم ورفضهم الخضوع للتخويف والاستفزاز: وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً.. [النور: 55].
    إنها سنة الله الكونية الثابتة في كل طائفة مؤمنة لا تستسلم للاستفزاز، سيمكن لهم الله تعالى، ويرزقهم النصر والخلافة: وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُوهَا وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً [الأحزاب: 27].
    ومن المُلاحَظ أن التمكين والاستخلاف تم كل منهما بعد الهجرة، سواء كان ذلك في زمن موسى  أم محمد .
    وهكذا فإن المواضع الثلاثة الكريمة (الآيات:64 و76 و103) من سورة الإسراء تقرر أهمية تخلق المؤمن بخلق: العزة، وضرورة استعلائه على مَن يريد استفزازه وجعله مطية للباطل وأعوانه (جناً كانوا أم إنساً)، وتسفيه من رضي لنفسه أن يكون (فزاً وفريراً..) سواء كان ذلك لشياطين الجن أم شياطين الإنس.
    المسلم العزيز لا يخشى إزعاجات وتخويفات الشياطين وأعوانهم، فما هي إلا (استفزازات) و(استخفافات) لا يليق بالمؤمنين المخلصين أن تنال من عزيمتهم، ولهذا حذرهم من أن يكون مصيرهم كمصير قوم فرعون، فرعون الذي قاد أتباعه المستخَف بهم إلى الهلاك في الدنيا، سيقودهم أيضاً في الآخرة إلى أشد العذاب، يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُود [هود: 98]، وبين العذابين عذاب البرزخ في القبر النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر: 46].
    وهذه سنة الله في الأتباع والمتبوعين، كما بينتها سورة البقرة وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167) .
    ولا تقبل حجة الأتباع في تبرير انسياقهم وراء المتبوعين بدعوى خشية التخويف والاستفزاز إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء: 97].

    نتيجة البحث
    أفاد البحث أن التفسير الإجمالي الصحيح للآية الكريمة (103) من سورة الإسراء، كما يلي:
    كانت إرادة فرعون أن يستخدم البطش والتهديد ليستخف بفئتي المجتمع في مصر: المصريين، وبني إسرائيل، لتسهل السيطرة عليهم، وليستتب له الحكم بلا معارضة.
    وقد نجح فرعون في ذلك مع قومه المصريين، حيث استخفهم فأطاعوه، ولم ينجح مع مؤمني بني إسرائيل؛ لأن الله  يريد عزة الطائفة المؤمنة، فلا تخضع للترغيب والترهيب على حساب دينها، ولا تفزع من الاستفزازات المشغلة لها عن تحقيق الخلافة لله وحده في الأرض..
    ولا يتحقق كل ذلك بلا تمكين.
    لذا كانت معية الله  للطائفة المؤمنة من بني إسرائيل، حيث بدت السنة الإلهية في نصر العباد المؤمنين وتمكينهم، حين أراد فرعون الاستخفاف ببني إسرائيل.. ولكن دائرة السَّوء قُلِبت عليه، وارتد كيده إلى نحره، حيث غرق في اليم، فخسر الدنيا والآخرة.
    ذاك هو الحق الذي بينه الحكيم الخبير في سورة الإسراء: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لأظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً(101)قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لأظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً(102)فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الأرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً(103) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً(104) وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا مُبَشِّراً وَنَذِيراً (105) وصدق الله العظيم.

    توصية البحث
    في ختام هذا البحث يوصي الباحث بتخصيص موضوع البحث برسالة علمية تعنى بدراسة موضوعية لكل من لفظَي (الاستفزاز) و(الاستخفاف) في القرآن الكريم، من حيث استعراض الأشباه والنظائر لكل من اللفظين، والفرق بينها في المعنى، ووجه مناسبة معنى كل لفظ لسياقه، ومن ثم الاستفادة من ذلك لمعالجة الواقع الحالي، من خلال استنباط ما ترشد إليه الآيات الكريمة من عبر ودروس مستفادة.
    والحمد لله رب العالمين.

    المصادر والمراجع
    - القرآن الكريم.
    [1] أبو زيد، د. نصر حامد، 1990م ـ مفهوم النص / دراسة في علوم القرآن. الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، مصر.
    [2] الطبري، محمد بن جرير، 1407هـ ـ تاريخ الأمم والملوك. دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
    [3] ابن كثير، عماد الدين إسماعيل بن عمر، 1988م ـ البداية والنهاية. الطبعة السابعة، مكتبة المعارف، بيروت، لبنان.
    [4] ابن الجوزي، عبد الرحمن بن علي، 1995م ـ المنتظم في تاريخ الأمم والملوك. تحقيق: محمد عبد القادر عطا ومصطفى عبد القادر عطا، الطبعة الثانية، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
    [5] الراغب، الحسين بن محمد، (د.ت.) ـ المفردات. دار المعرفة، بيروت، لبنان.
    [6] ابن الأثير الجزري، المبارك بن محمد، 1979م ـ النهاية في غريب الحديث. المكتبة العلمية، بيروت، لبنان.
    [7] ابن فارس، أبو الحسين أحمد، 1991م ـ معجم مقاييس اللغة. تحقيق: عبد السلام هارون، دار الجيل، بيروت، لبنان.
    [8] ابن منظور، محمد بن مكرم، (د. ت.) ـ لسان العرب. الطبعة الأولى، دار صادر، بيروت، لبنان.
    [9] الفيروزآبادي، محمد بن يعقوب ـ 1994م، القاموس المحيط. الطبعة الرابعة، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.
    [10] القرطبي، محمد بن أحمد، 1373 هـ ـ الجامع لأحكام القرآن. دار الشعب، الطبعة الثانية، القاهرة، مصر.
    [11] الشوكاني، محمد بن علي، 1994م ـ فتح القدير. دار ابن كثير، دمشق، سوريا.
    [12] الواحدي، علي بن أحمد، 1415 هـ ـ الوجيز في التفسير. دار القلم/دمشق، والدار الشامية/ بيروت، لبنان.
    [13] ابن الجوزي، عبد الرحمن بن علي، 1404هـ ـ زاد المسير. المكتب الإسلامي، الطبعة الثالثة، بيروت، لبنان.
    [14] الجلالين، جلال الدين السيوطي وجلال الدين المحلي، (د.ت.) ـ تفسير الجلالين. دار الحديث، الطبعة الأولى، القاهرة، مصر.
    [15] الزمخشري، محمود بن عمر، 1992م ـ أساس البلاغة. الطبعة الأولى، دار صادر، بيروت، لبنان.
    [16] ابن كثير، إسماعيل بن عمر، 1401 هـ ـ تفسير القرآن العظيم. دار الفكر، بيروت، لبنان.
    [17] الشنقيطي، محمد الأمين، 1995م ـ أضواء البيان. دار الفكر، بيروت، لبنان.
    [18] السعدي، عبد الرحمن بن ناصر، 2000م ـ تيسير الكريم الرحمن. تحقيق: محمد بن عثيمين، دار الرسالة، بيروت، لبنان.
    [19] الطبري، محمد بن جرير، 1405 هـ ـ جامع البيان. دار الفكر، بيروت، لبنان.
    [20] البيضاوي، عبد الله بن عمر، 1996م ـ أنوار التنزيل. دار الفكر، بيروت، لبنان.
    [21] مغنية، محمد جواد، 1981م ـ تفسير الكاشف. الطبعة الثالثة، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان.
    [22] الرازي، محمد بن عمر، 1994م ـ مفاتيح الغيب. دار الفكر، بيروت، لبنان.
    [23] النسفي، عبد الله بن أحمد، 1344 هـ ـ مدارك التنزيل. المكتبة الحسينية المصرية، القاهرة.
    [24] ابن عاشور، الطاهر، 1984م ـ التحرير والتنوير. الدار التونسية للنشر، تونس.
    [25] ابن عطية، عبد الحق بن غالب، 1993م ـ المحرر الوجيز. الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
    [26] الزمخشري، محمود بن عمر، 1997م ـ الكشاف عن حقائق التنزيل. الطبعة الأولى، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.
    [27] الآلوسي، محمود شكري، 1985 ـ روح المعاني. الطبعة الرابعة، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.
    [28] ابن القيم، محمد بن أبي بكر، (د.ت.) ـ مدارج السالكين. دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، مصر.
    طالب علم

  • #2
    بحث محكم بعنوان: " دراسة نقدية لتأويل معنى " يَسْتَفِزَّهُمْ " في الآية 103 من سورة الإسراء "،
    نشر في مجلة الجامعة الإسلامية، غزة، (سلسلة الدراسات الإسلامية)، المجلد التاسع عشر، العدد الأول، كانون الثاني (يناير) 2011م، ص357-370.
    وأعتذر عن الطريقة المزعجة في التوثيق التي اشترطتها المجلة
    طالب علم

    تعليق

    19,939
    الاعــضـــاء
    231,694
    الـمــواضـيــع
    42,459
    الــمــشـــاركـــات
    يعمل...
    X