إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • "مسائل التفسير المستخلصة من (شرح ثلاثة الأصول)"للشيخ الفاضل/ عبد العزيز الداخل -حفظه الله-

    بسم الله الرحمن الرحيم


    [ مسائل التفسير المستخلصة من دورة في شرح ثلاثة الأصول للشيخ عبد العزيز الداخل حفظه الله ]

    تم إلقاء دروس الدورة مباشرة في القاعات الصوتية بالمعهد في الفترة:
    من 16 جمادى الأولى إلى 22 جمادى الآخرة 1432 هـ [ أي: من 20 إبريل إلى 25 مايو 2011 م ]

    وانتهت الدورة في 25 رمضان 1432 هـ

    التسجيل في الدورة مازال متاحاً من خلال الصفحة المخصصة لذلك ((هنــــــــــــا)).

    (( محمد بدر الدين بن أحمد سيفي ))
    - طـالب بمعهد آفاق التيسير الإلكتروني للعلوم الشرعيَّة -
    http://www.afaqattaiseer.com/vb/index.php


  • #2
    من الدرس الأول: شرح المسائل الأربع (1/2)

    1- (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ)

    - (بسم) الباء للاستعانة والتبرك، و(اسم) مفرد مضاف فيعم جميع الأسماء الحسنى، وقد حذفت الألف في كلمة (بسم) رسماً – أي عند الكتابة - تبعاً لحذفها لفظاً للكثرة.
    ومتعلق الجار والمجرور محذوف ويقدر بفعل يناسب المقام نحو: أَكْتُبُ، أو أعلِّمُ أو أدرس
    ويصح أن يقدر المتعلق اسماً كما دل عليه قوله تعالى: وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا، ويصح تقديره فعلاً كما دل عليه قوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ.
    والاستعانة بالله وشهود منته وطلب حفظه وتسديده من أسباب تمام العمل ونجاحه؛ فينبغي للمعلِّم والمتعلم أن يستحضرا معاني البسملة وأن تمام الأمر إنما هو بحول الله وقوته ومنته، وأن العبد لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله.
    - (الله) علم على الباري ، وهذا الاسم هو أعرف المعارف كما قال سيبويه .
    وقال بعض علماء اللغة : أصل اللفظ (الإله) فِعَالٌ بمعنى مفعول، والمألوه المعبود، الذي تألهه الخلائق محبة وتعظيماً وخضوعاً، وهذا الاسم هو الجامع لجميع صفات الكمال والجلال والجمال، ويدل عليها بالتضمن واللزوم، وهو اسم مختص بالله ، ولهذا تضاف الأسماء الحسنى إلى هذا الاسم؛ فيقال: الرحمن والرحيم والغفور من أسماء الله، ولا يقال العكس.
    (اللهم) معناها يا الله ، زيدت الميم عوضاً عن النداء، ولذلك لا تقال إلا في الدعاء.
    - (الرحمن) أي ذو الرحمة الواسعة التي وسعت كل شيء.
    - (الرحيم) الذي يرحم من يشاء من خلقه.
    o قال ابن القيم تعالى: ( (الرحمن) دالٌّ على الصفة القائمة به سبحانه، و(الرحيم) دال على تعلقها بالمرحوم؛ فكان الأول للوصف والثاني للفعل، فالأول دال على أن الرحمة صفته، والثاني دال على أنه يرحم خلقه برحمته، وإذا أردت فهم هذا فتأمل قوله تعالى: وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ، إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ولم يجئ قط رحمن بهم، فعلم أن (رحمن هو الموصوف بالرحمة، و(رحيم) هو الراحم برحمته).
    وصيغة فعلان في اللغة تدل على قيام الصفة بالموصوف وسعتها بما يناسب حاله فتقول فلان شبعان إذا امتلأ شبعاً، وغضبان إذا امتلأ غضباً، ونحو ذلك.
    والرحمة نوعان: رحمة عامة ورحمة خاصة فجميع ما في الكون من خير فهو من آثار رحمة الله العامة حتى إن البهيمة لترفع رجلها لصغيرها يرضعها من رحمة الله كما جاء ذلك في الحديث.
    وأما الرحمة الخاصة فهي ما يرحم الله به عباده المؤمنين مما يختصهم به من الهداية للحق واستجابة دعائهم وكشف كروبهم وإعانتهم وإعاذتهم وإغاثتهم ونصرهم على أعدائهم ونحو ذلك كلها من آثار الرحمة الخاصة.



    رابط الدرس:
    http://www.afaqattaiseer.com/vb/showthread.php?t=14358
    (( محمد بدر الدين بن أحمد سيفي ))
    - طـالب بمعهد آفاق التيسير الإلكتروني للعلوم الشرعيَّة -
    http://www.afaqattaiseer.com/vb/index.php

    تعليق


    • #3
      الدرس الثاني: شرح المسائل الأربع (2/2)


      1- قَولُه تَعَالَى: بسم اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالعَصْرِ (1) إنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2) إلاَّ الَّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَواصَوا بِالحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) [العصر:1-3].
      قوله تعالى: وَالْعَصْرِ الواو للقسم، والعصر فيه أقوال أشهرها قولان:
      الأول: أنه الدهر ، وهذا القول ذكره البخاري في صحيحه عن الفراء، وهو قول أكثر المفسرين ورجحه ابن القيم.
      والقول الثاني: أنه وقت العصر من اليوم، وهو مروي عن ابن عباس وقال به الحسن البصري وقتادة.
      واختار ابن جرير أن الآية تشمل القولين لأن لفظ العصر يطلق على المعنيين إطلاقاً صحيحاً ولا دلالة على التخصيص.
      والقول الأول له مناسبة وهو أن الدهر فيه الأعاجيب والعبر ، والقول الثاني له مناسبة أيضاً وهي أن العصر هو علامة بينة على انحسار النهار وقرب انقضائه فمناسبته لحال القسم ظاهرة.
      والله تعالى يقسم بما شاء من خلقه، وليس للمخلوق أن يقسم بغير الله لقول النبي : ((من كان حالفاً فليحلف بالله أو فليصمت)) متفق عليه من حديث عبد الله بن عمر .
      قوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْر هذا جواب القسم، والإنسان اسم جنس فيعم جميع الناس إلا من استثنى الله منهم في هذه السورة، والاستثناء دليل على إرادة الجنس، فالألف واللام لاستغراق الجنس أي إن كل إنسان لفي خسر إلا من استثناهم الله.
      لَفِي خُسْر اللام موطئة لجواب القسم ، والتنكير هنا للتهويل والتفخيم، أي في خسارة عظيمة، وتأملوا هذا التعبير لَفِي خُسْر ، كأنه منغمس في الخسران، محيط به من جميع جوانبه.
      والخسر هو الخسران ويعني: الهلاك والنقصان.
      وأعظم الخسران خسران الإنسان نفسه وأهله يوم القيامة كما قال الله تعالى: قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ * لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ.
      وقال تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ.
      وقال تعالى: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ.
      فتبين أن من لم يأت بالإيمان فهو خاسر، وأن من لم يؤمن بالله فهو ظالم لنفسه، وقد قال تعالى: وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَىٰ مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ * وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ * وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ * اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ.
      وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة قال: قال النبي : ((لا يدخلُ أحد الجنة إلا أري مقعده من النار لو أساء ليزداد شكراً، ولا يدخل النار أحد إلا أري مقعده من الجنة لو أحسن ليكون عليه حسرة)).
      فأيُّ خسران أعظمَ من خسران الكافر مقعده من الجنة في النعيم المقيم الخالد، فهو في العذاب المقيم، وأهل الجنة في الحبور والسرور مع أهليهم في النعيم المقيم.
      أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ.
      إذا تبين ذلك فإن الإنسان لا ينجو من هذا الخسران إلا بهذه الأمور الأربعة: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر.
      وهذه الأمور الأربعة مترتبة بعضها على بعض فالإيمان أساس العمل الصالح ، فلا يصلح العمل إلا بالإيمان، والتواصي بالحق هو من الأعمال الصالحة، وخُص بالذكر لأهميته، والتواصي بالصبر هو أيضاً من هو من التواصي بالحق؛ لأن الصبر المأمور به إما واجب وإما مستحب، والتواصي تواص بفعل الواجب أو فعل المستحب
      فصارت مرتبة الإيمان هي الأصل وينبني عليها العمل الصالح وينبي عليهما التواصي بالحق وينبي على ذلك كله التواصي بالصبر.
      ولذلك جاء في الأثر عن علي بن أبي طالب كما تقدم أن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد.
      فمن قام بهذه الأمور فقد سلم من الخسران وفاز فوزاً عظيماً.
      ومن لم يقم بها فقد خسر خسراناً عظيماً.
      ومن قصر في شيء من هذه الواجبات بما لا يخرجه من الإسلام ، بحيث يبقي معه أصل الإيمان وأصل العمل الصالح، مع ارتكابه من المعاصي والمحرمات ما يضعف الإيمان ويقدح في قيامه بالأعمال الصالحة فإنه يناله من الخسارة بقدر ما فرط فيه إلا أن يعفو الله عنه.
      فصار الناس في تحقيق هذه الأمور الأربعة على ثلاثة أقسام:
      القسم الأول: هم الذين لا يأتون بها كلها، أو لا يأتون بأصلها وهو الإيمان، لأن ما بني على غير إيمان فهو غير مقبول، وهؤلاء هم الخاسرون الخسارة العظيمة ، وهم الكفار الذين لم يؤمنوا ولم يعملوا الصالحات، ويلتحق بهم كلُّ من أحبط عمله وخرج من الإيمان بارتكابه ناقضاً من نواقض الإسلام والعياذ بالله، كما دل عليه قوله تعالى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ وتوجيه الخطاب في هذه الآية للنبي دليل على أن أمر الشرك لا يعفى عنه أبداً مهما بلغ صلاح العبد وكثرة عمله، إذا وقع في الشرك الأكبر حبط عمله وكان من الخاسرين، والعياذ بالله، فهذا الخطاب يقتلع جذور العجب والاغترار من القلب.
      فإذا كان أحبُّ الناس إلى الله وأقربهم منه منزلة لا يعفى عنه في أمر الشرك بالله فغيره أولى ، وحاشاه من الشرك، ولكنَّ هذا الأسلوب يفيد التأكيد الشديد على أنه لا يعفى عمن صدر منه الشرك مهما كان قدره ومنزلته وسابقة عمله، وهذا كما قال النبي : ((والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)) ، وحاشاها من السرقة.
      والمقصود أن من لم يؤمن بالله فهو من الخاسرين.
      وكذلك الذي تخف موازينهم من الأعمال الصالحة وعلى رأسها التوحيد فإنهم من الخاسرين كما قال الله تعالى: وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ.
      أما من كان معه حسنة التوحيد فإن موازينه لا تخف كما تخف موازين الكفار.
      والقسم الثاني: الذين يأتون بهذه الأمور الأربعة كما أوجب الله فهؤلاء هم المفلحون الناجون من الخسارة الفائزون بالثواب العظيم، ويزيد الله من فضله من يشاء.
      فإن المؤمنين يتفاضلون تفاضلاً عظيماً في الإتيان بهذه المسائل.
      والقسم الثالث: من كان معه أصل الإيمان وأصل العمل الصالح لكنه يرتكب من المحرمات ويترك من الواجبات ما يستحق به العذاب، فهذا القسم يناله من الخسارة بقدر ما فرط فيه إلا أن يعفو الله عنه.

      فهذا بيان القسم الأول من أقسام الناس في الإتيان بهذه الأمور الأربعة.
      قوله: وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ التواصي هو أن يوصي بعضهم بعضاً، وهذا كما يدل على وجوب الدعوة بإيصاء الآخرين بالحق، يدل على وجوب قبول الوصية بالحق إذا وجهت إليه.
      لأن التواصي تفاعل بين اثنين، هذا يوصي أخاه وعلى أخيه قبول الوصية، وعلى أخيه أيضاً إذا أوصاه أخاه أن يقبل وصيته بالحق.
      والحق هو امتثال ما أمر الله به ، وترك ما نهى الله عنه ، وتصديق خبر الله ورسوله .
      فمن قام بذلك فهو قائم بالحق.
      والتواصي بالصبر يشمل التواصي بالصبر على فعل المأمور، والتواصي بالصبر على ترك المحظور، والتواصي بالصبر على المصائب المقدرة.
      فيصبر ويُصبِّر إخوانه المسلمين.
      فهذه السورة تضمنت على وجازتها الدلالة على الدين كله لأن مبنى الدين على الأمر والنهي والخبر والقدر
      ففعل الأوامر وترك النواهي وتصديق الأخبار والإيمان بالقضاء والقدر هو الحق الذي يجب التواصي به والصبر على أدائه.
      وإذا تأملت هذه السورة تأملاً حسناً علمت ما يحبه الله من عباده المؤمنين ؛ فهو يحب منهم الإيمان والقيام بالأعمال الصالحة وأن يتآلفوا ويتوادوا ويتواسوا ويحب بعضهم لبعض الخير ، فيتواصون بالحق وفعل ما يحبه الله ليكون بعضهم سبباً في ثواب بعض، ويتواصون بترك ما حرم الله فيكون بعضهم سبباً في نجاة بعض، ويتواصون على الصبر فيكونون متواسين متآلفين متحابين
      ومن عرف ذلك حق المعرفة عرف معنى قول النبي : ((والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنون حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم)). رواه مسلم من حديث أبي هريرة .
      وإذا رأيت من نفسك أنك تسر إذا رأيت من يطيعُ الله وتبتهج لذلك ، وتحزن إذا رأيت من يعصيه وتتمنى ألا يقع في المعصية ؛ فإن ذلك دليل على صحة إيمانك وسلامة قلبك.
      وإن من أقبح ما يكون من الحسد أن يحسد المرء أخاه على قيامه بطاعة الله ويتمنى منه أن يقع في المعاصي ويحرمَ فضل الله ؛ فإن هذا من إخوان الشياطين والعياذ بالله ، بل يخشى عليه أن يبتلى بما تمناه لأخيه المسلم.
      إذا قامت الأمة بهذه الأمور الأربعة (الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر) كانت كما يحب الله أن تكون، وكان الله لهم كما وعدهم والله لا يخلف الميعاد.


      2- قول الله تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران: 104].

      حث الله المؤمنين أن تنتدب منهم طائفة للدعوة إلى الخير فقال تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ فالدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم أسباب الفلاح ، والفلاح يطلق في اللغة في الأصل على البقاء
      ومنه قول الشاعر:
      لــكــل هــــم مــــن الـهــمــوم ســعـــة = والمسي والإصباح لا فلاح معه
      أي لا بقاء معه.
      ثم كثر إطلاق هذا اللفظ على معنيين مشهورين:
      المعنى الأول: الفوز بالمطلوب.
      والمعنى الثاني: النجاة من المرهوب.
      وهذه المعاني الثلاثة تجتمع في حق المؤمنين المتبعين لهدى الله فإنهم ينالون مطلوبهم من فضل الله ورحمته وعظيم ثوابه، وينجون مما يخافون من عذاب الله وأليم عقابه، وهم باقون في النعيم المقيم الذي لا ينفد.



      (( محمد بدر الدين بن أحمد سيفي ))
      - طـالب بمعهد آفاق التيسير الإلكتروني للعلوم الشرعيَّة -
      http://www.afaqattaiseer.com/vb/index.php

      تعليق


      • #4
        من الدرس الثالث : شرح المسائل الثلاث (2/1)


        1- قَوْلُهُ تَعَالَى: إنَّا أَرْسَلْنَا إلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيكُم كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرعَوْنَ رَسُولاً (15) فَعَصَى فِرْعَونُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً [المزمل:15-16].

        - (إنا) الضمير عائد إلى ، والضمير إذا كان عائداً إلى مفرد وصيغ بصيغة الجمع فهو للتعظيم. (أَرْسَلْنَا) أي بعثناه إليكم برسالة يؤديها، فافقهوا معنى هذه الرسالة وامتثلوا ما فيها.
        - شَاهِداً عَلَيكُم كل رسول شهيد على أمته ، وسيأتي النبي شهيداً على أمته يوم القيامة في مشهد عظيم وصفه الله بقوله: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا.
        ففي هذه الآية وعيد شديد لمن عصى الرسول.
        وشهادة الرسول على من كانوا في حياته بما رأى منهم ، وعلى من بعده بما ترك لهم.
        كما قال الله تعالى عن عيسى : وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ.
        وقد قال النبي : (قد تركْتكُم على البَيْضاءِ لَيْلُها كنَهارِها لا يزيغُ عنها بعدي إلا هالِك). رواه أحمد وغيره من حديث العرباض بن سارية .
        - كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرعَوْنَ رَسُولاً وهو موسى كليم الله .
        - فَعَصَى فِرْعَونُ الرَّسُولَ لم يقل فعصاه فرعون ، وأعاد ذكر لفظ الرسول، لفائدة بلاغية لطيفة وهي بيان ترتب الحكم على الوصف لا على الشخص، فاستحقاق فرعون للعذاب هو لأجل أنه عصى من أرسله الله ، وليس لأجل كون الرسول هو موسى، بل لو أرسل إليه غير موسى فعصاه لاستحق العذاب أيضاً.
        وهذا يفيدك أن طاعة الرسول هي طاعة لله كما قال الله تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ.
        - فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبيلاً أي فعذبناه عذاباً شديداً ثقيلاً متتابعاً كما يتتابع الوابل من المطر قال ابن جرير : (العرب تقول لمن تتابع عليه الشرّ: لقد أوبل عليه).
        وعبر بالأخذ لبيان أنه لا يفلت من هذا العذاب.
        فأخذه عند الغرق هو وجنوده فلم يفلتهم مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا ذهبت أجسادهم للغرق، وأرواحهم للحرق، بسبب خطيئاتهم وطغيانهم.
        وهم في البرزخ يعذبون كم قال تعالى : النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ.
        فكذلك من يعص الرسول من هذه الأمة فإنه مستحق للعذاب الوبيل. نعوذ بالله من معصية الرسول.

        2- قوله تعالى: وَأَنَّ المَسَاجدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً[الجن: 18].
        المساجد فيها ثلاثة أقوال مشهورة.
        الأول: أنها مواضع السجود من جسد الإنسان لأنها المساجد التي يسجد بها وهي (لله) لأن الله هو الذي خلقها فلا يجوز أن تعبد هذه المساجد إلا الله، وهذا القول مروي عن سعيد بن جبير والربيع بن أنس البكري وذكره الفراء وجهاً في التفسير، وقال به الزجاج.
        القول الثاني: أن المساجد مصدر كالمضارب فهي بمعنى السجود يقال سجدت سجوداً ومسجداً ومساجد ، وهذا قول ابن قتيبة .
        القول الثالث: أن المساجد مواضع الصلاة التي يصلى فيها ويدعى فيها فهي لله لا يجوز أن يشرك مع الله فيها أحد، وهذا قول جمهور المفسرين لأنه المعنى المتبادر لهذا اللفظ والمعهود في القرآن.
        ولما نزلت هذه الآية وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً لم يكن في الأرض إلا مسجدان معروفان: المسجد الحرام والمسجد الأقصى وهما معظمان عند العرب وعند أهل الكتاب تعظيماً كبيراً، ولهما شأن عظيم، وجمعهما على مساجد يفيد التعظيم أيضاً.
        وكون هذه المساجد لله لا ينازع فيه أحد، فإن الأصنام مستحدثة في المسجد الحرام لم تكن فيه، وقد بنيت هذه المساجد لله، فلا يجوز أن يدعى فيها غيره.
        قال ابن جرير في تفسيرها: (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد : قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا أيها الناس مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ولا تشركوا به فيها شيئا، ولكن أفردوا له التوحيد، وأخلصوا له العبادة).
        قال قتادة: (كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبِيَعهم أشركوا بالله، فأمر الله نبيه أن يوحد الله وحده).
        وهذه حجة عقلية ظاهرة؛ فإن المسجد بني لعبادة الله؛ فمن المنكر العظيم أن يدعى فيه غير الله.



        رابط الدرس:
        http://www.afaqattaiseer.com/vb/showthread.php?t=14492
        (( محمد بدر الدين بن أحمد سيفي ))
        - طـالب بمعهد آفاق التيسير الإلكتروني للعلوم الشرعيَّة -
        http://www.afaqattaiseer.com/vb/index.php

        تعليق


        • #5
          من الدرس الرابع : شرح المسائل الثلاث (2/2)

          1- قَولُهُ تَعَالى: لاَ تَجدُ قَوماً يُؤْمِنُونَ باللهِ وَاليَومِ الآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَو كَانُوا آبَاءَهُمْ أَو أَبْنَآءَهُمْ أَو إِخْوَانَهُمْ أَو عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبهِمُ الإيمَانَ وأَيَّدَهُمْ برُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللهِ ألا إنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ المُفْلِحُونَ [المجادلة:22].

          قال الله تعالى: لاَ تَجدُ قَوماً يُؤْمِنُونَ باللهِ وَاليَومِ الآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ..
          فأتى بها بصيغة الخبر، كأن الأمر مفروغ منه، وأنه من مقتضيات الإيمان الضرورية.
          كما قال الله تعالى لما ذكر استئذان المنافقين عن الغزو : لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (45) [التوبة: 44-45]
          فالله تعالى يعلم حال عباده المؤمنين المتقين ويعلم ما في قلوبهم من محبته واليقين بفضله وثوابه، وعظيم خشيتهم منه ، وخوفهم من عقابه إن هم عصوه ، ويعلم اشتياقهم لرؤيته وكرامته وأنهم يتمنون أن يموتوا في سبيله فكيف يستأذنونه عن الجهاد في سبيله؟!!.
          بل من لم يجد منهم وسيلة للجهاد تجده يتحسر ويتألم، بل ربما فاضت عيناه وحزن قلبه مما يجد في نفسه من الاشتياق للجهاد في سبيل الله وعدم قدرته على ذلك، كما ذكر الله عن البكائين في سورة التوبة في قوله: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ

          فالمؤمن بالله يجد من ضرورات الإيمان أن يحب ما يحبه الله ويبغض ما يبغضه الله، ويتبرؤ مما تبرأ الله منه.
          وقد نبه الله على هذا السبب بقوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ [الممتحنة: 13]
          فبغض أعداء الله من لوازم الإيمان بالله ولوازم محبته كما قال تعالى: لاَ تَجدُ قَوماً يُؤْمِنُونَ باللهِ وَاليَومِ الآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ.. فالإيمان بالله ينفي وجود محبة الكفار، لأن محبة المؤمن لله تعالى تقتضي منه أن يبغض أعداء الله ، وأن يبغض من يبغضه الله.
          ونحن إنما نبغضهم لكفرهم وفسوقهم وعصيانهم لا نبغضهم لذواتهم وهيئاتهم وأنسابهم وأعراقهم وبلدانهم إنما نبغضهم لما أبغضهم الله عليه، ولذلك فإنهم إن تابوا وأسلموا أحببناهم لزوال مقتضى البغض والكراهية.
          أما التعامل معهم فيكون وفق أحكام الشريعة وقد أمرنا الله تعالى بأن نقول للناس حسناً، وأن نعاملهم بالحسنى، وألا نجادل أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن، ويجب علينا أن نفي بالعهد بيننا وبينهم، وإذا ائتمننا أحد منهم أدينا له الأمانة، وندعوهم إلى الإسلام بالتي هي أحسن، ونبين لهم أخلاق أهل الإسلام ، ودعوةَ الله ورسوله إلى مكارم الأخلاق.
          كل ذلك مطلوب، ولا يقتضي محبتهم القلبية وهم مقيمون على الكفر والفسوق والعصيان.
          لأن تعامل المؤمن نابع من إيمانه وامتثاله لأحكام الشريعة السمحة وأخلاق القرآن العظيم.
          أما الكفار المحاربون والمعتدون الظالمون من الكفار والمنافقين فقد أُمرنا بالغلظة عليهم، كما قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ فالذين يستحقون أن نجاهدهم أمرنا بالغلظة عليهم، وهذه الغلظة كما تقدم في الدرس السابق لها حدودها الشرعية فلا يجوز أن تفضي بالمسلم إلى قول ما لا يجوز قوله ولا على العدوان والبغي.
          فتبين بذلك أن البراءة في الإسلام لها مقاصد سامية، وآداب عالية، وأنها ليست كالبراءة الجاهلية المبنية على الظلم والعدوان وقول الإثم والبهتان، وغصب الحقوق والدعاوى الباطلة.
          وأن البغض الإيماني ليس حقداً عنصرياً ولا كرهاً أعمى، بل هو بغض إيماني له أسباب ومقاصد وغاية كما تقدم.
          ونحن مع بغضنا لهم بسبب أعمالهم وكرهنا ومقتنا لكفرهم وفسوقهم وعصيانهم نود لهم الهداية ونسأل الله أن يخرجهم من الظلمات إلى النور وندعوهم إلى الإسلام بالتي هي أحسن، رجاء أن يمن الله عليهم بالهداية فنواليهم بعد المعاداة ونحبهم بعد البغض كما قال الله تعالى: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.


          2- قول الله تعالى: لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ [آل عمران: 28].

          [ولذلك لا يفعله من في قلبه إيمان، وإنما هو من خصال المنافقين النفاق الأكبر والعياذ بالله، وقد نزه الله تعالى عباده المؤمنين وبرأهم من هذه الخصلة الذميمة اللئيمة المبنية على الخداع والمكر والكيد للمؤمنين ومؤازرة الكافرين؛ فقال الله تعالى: لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ
          تأملوا هذا الوعيد والتحذير.]
          إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً هذا استثناء منقطع.
          فبين الله أن للمسلم حالان حال اختيار وحال اضطرار
          = ففي حال الاختيار لا يتخذ المؤمن الكفار أولياء، قال الله : وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ولم يقل : (ومن يفعل ذلك منهم) وهذا دليل على أن من صدر منه هذا الاتخاذ فليس بمؤمن، وليس من الله في شيء.
          وقد تبرأ الله منه ، ومن تبرأ الله منه فهو من الخاسرين ، والعياذ بالله.
          وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ أي فقد برئت منه ذمة الله، ليس له من ولاية الله نصيب، والعياذ بالله.
          = وأما في حال الاضطرار بأن يخشى من الكفار ضرراً فلا بأس أن يداريهم مداراة يدفع بها شرهم مع انطواء القلب على بغضهم وبغض ما يفعلون من الكفر والفسوق والعصيان.
          قال ابن جرير: (ومعنى ذلك: لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفارَ ظهرًا وأنصارًا توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلُّونهم على عوراتهم، فإنه مَنْ يفعل ذلك فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ يعني بذلك: فقد برئ من الله وبرئ الله منه، بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر).
          وقوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً فيه قولان مأثوران عن السلف :
          فالقول الأول: إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً إلا أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم فتظهروا لهم الولاية وتضمروا لهم العداوة ولا تشايعوهم على دينهم ولا تعينوهم على مسلم بشيء.
          وهذا القول مروي عن جماعة من المفسرين منهم ابن عباس وأبو العالية الرياحي وجابر بن زيد ، وقال به ابن جرير الطبري.
          القول الثاني: إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً أي إلا أن يكون بينكم وبين بعض الكفار رحم فتتقون قطيعتها فتصلونها من غير أن تتولوهم في دينهم. وهذا قول قتادة والحسن البصري.
          وابن جرير – - صحح هذا القول من جهة المعنى في نفسه لكنه بين أن لفظ الآية لا يدل عليه.
          وهذا المعنى الذي ذكره قتادة والحسن يدل عليه نص قول الله تعالى في الأبوين الكافرين: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا. وقوله: لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
          وسبب نزولها في قصة أم أسماء بنت أبي بكر .




          رابط الدرس:
          http://www.afaqattaiseer.com/vb/showthread.php?t=14533
          (( محمد بدر الدين بن أحمد سيفي ))
          - طـالب بمعهد آفاق التيسير الإلكتروني للعلوم الشرعيَّة -
          http://www.afaqattaiseer.com/vb/index.php

          تعليق


          • #6
            يتبع -بإذن الله تعالى-...
            (( محمد بدر الدين بن أحمد سيفي ))
            - طـالب بمعهد آفاق التيسير الإلكتروني للعلوم الشرعيَّة -
            http://www.afaqattaiseer.com/vb/index.php

            تعليق


            • #7
              من الدرس الخامس: شرح الأصل الأول وهو معرفة العبد ربه


              1- إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام: 79].
              إبراهيم لما رأى قومه على الشرك في عبادة الله بين لهم الأدلة على التوحيد وقال لهم كما حكى الله تعالى عنه.
              - حنيفاً أي مستقيماً موحداً.
              قال ابن جرير: (وأما"الحنيف"، فإنه المستقيم من كل شيء. وقد قيل: إن الرجل الذي تقبل إحدى قدميه على الأخرى، إنما قيل له"أحنف"، نظرا له إلى السلامة، كما قيل للمهلكة من البلاد"المفازة"، بمعنى الفوز بالنجاة منها والسلامة، وكما قيل للديغ:"السليم"، تفاؤلا له بالسلامة من الهلاك، وما أشبه ذلك).ا.هـ.
              ويقال: رجل يتحنف أي يتحرى أقوم الطريق.
              فالحنيف هو المستقيم على الطريقة، والملة الحنيفية هي الدين المستقيم، وهو دين التوحيد.
              كما قال الله تعالى لنبيه الكريم: وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
              وقال: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
              وفي صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار عن النبي عن ربه أنه قال: [إني خلقت عبادي حنفاء كلَّهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً].
              وقال الله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ

              قال حسان بن ثابت يهجو أبا سفيان بن الحارث وينصر رسول الله :
              هجوت مباركاً برَّا حنيفاً = أمينَ الله شيمتـه الوفـاء.
              حنيفاً أي مستقيماً لا تجدون عليه مغمزاً.

              قال الراعي النميري يبين للخليفة حال قومه وكذب الوشاة عليهم:
              خليـفـة الرحـمـن إنـــا مـعـشـر = حنفاء نسجد بكرة وأصيلاً
              عــرب نــرى لله فــي أمـوالـنـا = حــــق الــزكــاة مــنــزلاً تـنـزيــلا

              فتبين بذلك أن الحنيفية هي الملة القويمة المستقيمة التي لا ميل فيها ولا انحراف، وهي ملة التوحيد.
              وقد أمر الله تعالى نبيه باتباع ملة إبراهيم الحنيفية ، وأثنى الله تعالى في كتابه الكريم على إبراهيم بأنه كان حنيفاً في مواضع كثيرة من القرآن:
              - قال الله تعالى: قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
              - وقال: قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
              - وقال: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا
              - وقال: قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
              - وقال: ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
              - وقال: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
              فهذه الحنيفية التي مدحها الله ، وأثنى على أهلها، وأمر النبي بها، وأمر بها عباده هي : أن يكونوا مستقيمين على الدين القيم لا يشركون بالله شيئاً، مخلصين العبادة لله .
              وهو أمر بين الدلالة من الآيات السابق ذكرها.


              2- وَمَا خَلَقْتُ الْجنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56].
              أي خلقهم الله لعبادته
              هذا الأسلوب في لسان العرب يسمى الحصر ، فالله حصر الغاية من خلق الجن والإنس في عبادته وحده لا شريك له.
              فمن لم يفعل ذلك لم يؤدِّ ما خلق لأجله؛ فيستحق العذاب على تركه ما خلق لأجله.
              أما من امتثل هذا الأمر فعبد الله وحده لا شريك له فقد أدَّى ما خُلِق لأجله، وقد جعل الله له الثواب العظيم الجزيل، ووعده أن يدخله الجنة خالداً فيها في النعيم المقيم ، نسأل الله من فضله.
              فالغاية من خلق الجن والإنس هي عبادة الله وحده لا شريك له.
              والإنس هم بنوا آدم ، سموا إنساً لأنهم يأنس بعضهم ببعض.
              والجن سمواً جناً لاجتنانهم أي استتارهم عن أنظار الناس كما قال الله تعالى: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ.


              3- قول الله تعالى: وَاعْبُدُوا اللهَ وَلاَ تُشْرِكُوْا بهِ شَيْئاً [النساء: 36].
              قرن النهي عن الشرك بالأمر بعبادة الله تعالى فتبين بذلك معنى التوحيد، وهذه الآية تسمى آية الحقوق العشرة، وبدأ الله فيها بحقه الذي خلق الخلق لأجله.


              4- قول الله تعالى:الحَمْدُ لِلَّهِ رَب العَالَمِينَ[الفاتحة:2].
              بيان معنى (الرب)
              والرب هو الجامع لجميع معاني الربوبية من الخلق والملك والإنعام والتدبير والتربية والإصلاح
              فالربوبية في اللغة تشمل هذه المعاني كلها.
              - فهو الخالق العظيم والخلاق العليم الذي خلق كل شيء ، فما من موجود من المخلوقات إلا والله تعالى خالقه وحده لا شريك له.
              ومن معاني (الرب) في لسان العرب: المالك؛ فرب الشيء هو مالكه، ورب الدار: صاحبها ومالكها، ورب الإبل: مالكها.
              ولا يطلق هذا اللفظ بغير الإضافة إلا على الله ، فهو الرب وحده.
              والله تعالى هو رب كل شيء ومليكه، لا يخرج شيء عن ملكه، فهو مالك كل شيء، وبيده ملكوت كل شيء، فله جميع معاني الملك، فيملك المخلوقات، ويملك تصرفاتها ويملك تدبيرها والتصرف فيها، فلا تتصرف إلا بإذنه.
              وهو الذي يملك بقاءها وفناءها، وحركاتها وسكناتها، فيبقيها متى شاء، ويفنيها إذا شاء، ويعيدها إذا شاء.
              بل لا تملك جميع المخلوقات لنفسها نفعاً ولا ضراً إلا بإذنه .
              وهذا مما يوجب توحيده بالعبادة، وطاعته فيما يأمر به، وينهى عنه.
              ولذلك أنكر الله تعالى على من يعبد غيره فقال: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا
              وبقية المعاني العظيمة للربوبية العامة من الإنعام والإصلاح والتربية والتدبير هي من آثار اسمه (الملك)، فهو مالك النعمة وموليها، الذي ربى خلقه بالنعم، وأعطى كل شيء خلقه ثم هدى، وأصلح خلقهم وأحسنه، وأصلح أحوال معاشهم، فمهَّدَ لهم الأرض، وأنبت لهم فيها من كل الثمرات، وبث فيها من كل دابة، وأنزل لهم من السماء ماء، وجعل في الأرض الجبال الرواسي، والأودية والأنهار والآبار والبحار التي تحفظ لهم الماء، وجعل لهم الأنعام لهم فيها منافع كثيرة، وعَلَّمَهم الحِرَفَ التي يكتسبون بها أقواتهم.
              وهو الذي حفظ لهم هذا الملكوت العظيم الذي يعيشون فيه فأمسك السموات أن تقع على الأرض، وجعل الأفلاك تسير في نظام دقيق محكم تقوم به مصالح العباد في معاشهم وسائر أمور حياتهم
              فحماهم من شدة البرد وشدة الحر وأذاقهم شيئاً يسيراً منهما ليذكروا نعمة ربهم فيما صرف عنهم، وإلا لو قربت الأرض من الشمس مداراً أو مدارين لم يطق الناس شدة الحر، ولو ابتعدت مداراً أو مدارين لم يطيقوا شدة البرد.
              وكل ذلك إنما هو ذكر لأمثلة يسيرة مما نعلمه ونشاهده من معاني ربوبيته ، من باب تقريب الصورة وتوضيح المراد، وإلا لو تأملت تلك المعاني العظيمة حق التأمل وتفكرت في آثارها في الخلق والأمر لأفضت بك إلى نظر فسيح في ملكوت الله لا تملك معه إلا أن تسبح بحمده، وتوحده ، ولأيقنت أن العالم لا صلاح له إلا بأن يكون ربه واحدا، بل لا يمكن أن يكون له أرباب متعددون كما قال تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ
              وقال: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ
              فكما أن الكون ليس له إلا رب واحد على الحقيقة، فلا يكن في قلبك إلا إله واحد هو هذا الرب العظيم، فأسلم قلبك له واعبده وتوكل عليه.


              [ والربوبية لها معنيان:
              ربوبية عامة بالخلق والملك والإنعام والتدبير، وهذه عامة لجميع المخلوقات.
              وربوبية خاصة لأوليائه بالتربية الخاصة والهداية والإصلاح والنصرة والتوفيق والتسديد والحفظ.
              والله تعالى هو الرب بهذه الاعتبارات كلها ] من إضافتي.


              5- قول الله تعالى:لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ أكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [غافر:57].
              وَقَوْلُهُ تَعَالى: وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [فصلت:37].
              وَقَوْلُهُ تَعَالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماوات وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف:54].
              قَوْلُهُ تَعَالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ والَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رزْقاً لَكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:21-22]
              قَالَ ابْنُ كَثيِرٍ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى-: (الْخَالِقُ لِهذِهِ الأَشْيَاءِ، هُوَ المُسْتَحِقُّ لِلْعبَادَةِ).
              لمعرفة العبد ربه طريقان بينهما الله في كتابه الكريم:
              الطريق الأول: التفكر في آياته الكونية المخلوقة.
              والطريق الآخر : التفكر في آياته الشرعية وهي آيات القرآن العزيز وما تضمنه أمره في كتابه وفي غيره من الآيات البينات.

              و(الآية) في اللغة تطلق على العلامة وعلى الرسالة وعلى الجماعة.
              قال الله تعالى: قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً أي علامة في قول الجميع لا أعلم في ذلك خلافاً.
              وفي الصحيحين من حديث أنس أن النبي قال: ((آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار)).
              فالآية هي العلامة البينة الدالة على المراد.
              ومن الإطلاق الثاني قول كعب بن زهير:
              ألا أبــلــغـــا هـــــــذا الــمــعـــرض آيـــــــة = أيقظان قال القول إذ قال أو حلم
              وهذا استعمال مشهور في لغة العرب.
              فالآيات هي علامات بينات على ما أراده الله تعالى بها، وهي رسائل من الله إلينا.
              والعلامة وإن كان فيها معنى الظهور والبيان والدلالة على الشيء حيث جعلت عليه ومنه سمي الجبل علماً، لدلالته على الموضع دلالة بينة إلا إن لفظ الآية أبلغ في البيان والدلالة من لفظ (العلامة) ولذلك استعمل في القرآن الكريم.
              ففيها زيادةً على معنى الدلالة معنى الوضوح والجلاء والبيان، ومنه يقال (إياة الشمس) يعني ضوؤها، وقولك في التفسير والتبيين: (أي) هو من هذا الأصل الذي هو التبيين والوضوح والجلاء.
              وهذا مما يدل على براعة التعبير القرآني، وأسرار اختيار بعض الألفاظ على بعض.
              قال الخليل بن أحمد: (الآية: العَلامةُ، والآية: من آيات الله، والجميع: الآي)
              قوله: (والآية: من آيات الله) يشمل الآيات الكونية والشرعية
              - فالآيات الكونية: الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار وما خلق الله في السموات والأرض وما أنعم به من سائر النعم كلها آيات على أنها من عند الله
              وهي علامات بينات لا ينكرها إلا مُكابِر مُعانِد.
              - والآيات الشرعية هي: آيات القرآن المتلوة، سميت بذلك لأنها دالة على أنها من عند الله .
              ولأن فيها من البراهين البينة ما يوجب قيام الحجة على من بلغته.

              وقد ذكر الله تعالى في الكتاب براهين عقلية تدل على بطلان عبادة ما يعبد من دون الله
              قال الله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آَتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا
              - فذكر ثلاثة أدلة بينة على أن هؤلاء الشركاء الذين يُدعون من دون الله لا يستحقون أن يعبدوا من دون الله .
              1: فهم لم يخلقوا شيئاً ، وعبادة من لا يخلق من دون خالقه سفه وضلال كما دل عليه قوله تعالى: أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ
              2: وليس لهم نصيب في الملك يشاركون الله فيه، فيسألهم من يدعوهم من نصيبهم الذي يملكونه.
              3: ولم يأذن الله بعبادتهم.
              فبطل ما كانوا يغرون به بعضهم من زخرف القَوْل والعِدَات الباطلة.
              وقوله تعالى: بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا بيان لسنة كونية لا تنخرم، وهي أن الظالمون إنما يغر بعضهم بعضاً ويمنّي بعضهم بعضاً حتى إذا أتوا ما يمقتهم الله عليه وعاينوا عذابه لم تنفعهم وعودهم ولم تغن عنهم من الله شيئاً.
              وهذه الآية نظير قول الله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللِّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (4)
              فلم يخلقوا شيئاً ابتداء وليس لهم فيه شراكة في الملك، ولم يؤذن بعبادتهم.
              وقال تعالى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (22) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (23)
              قال ابن القيم تعالى: (فتأمَّلْ كيف أخذَتْ هذه الآية على المشركين بمجامع الطرق التي دخلوا منها إلى الشرك؟!!
              وسدتها عليهم أحكم سد وأبلغه؟!!
              فإن العابد إنما يتعلق بالمعبود لما يرجو من نفعه وإلا فلو لم يرجُ منه منفعةً لم يتعلَّقْ قلبه به.
              وحينئذ فلا بدَّ أن يكون المعبودُ:
              - مالكاً للأسباب التي ينفع بها عابده.
              - أو شريكاً لمالكها.
              - أو ظهيرا أو وزيراً ومعاوناً له.
              - أو وجيهاً ذا حرمة وقدر يشفع عنده.
              فإذا انتفت هذه الأمور الأربعة من كل وجه وبطلت انتفت أسباب الشرك وانقطعت موادُّه.
              فنفى سبحانه عن آلهتهم أن تملك مثقالَ ذرَّة في السموات والأرض.
              فقد يقول المشرك: هي شريكة لمالك الحق!
              فنفى شركتها له.
              فيقول المشرك: قد تكون ظهيراً ووزيراً ومعاوناً!
              فقال: وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ
              فلم يبقَ إلا الشفاعة؛ فنفاها عن آلهتهم.
              وأخبر أنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه؛ فهو الذي يأذنُ للشافع؛ فإن لم يأذن له لم يتقدم بالشفاعة بين يديه كما يكون في حق المخلوقين؛ فإن المشفوع عنده يحتاج إلى الشافع ومعاونته له فيقبل شفاعته وإن لم يأذن له فيها.
              وأما منْ كلُّ ما سواهُ فقيرٌ إليه بذاتِهِ، وهو الغني بذاتِهِ عن كل ما سواه فكيف يشفع عنده أحد بدون إذنه؟!!).

              وتأملوا قول الله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (40)
              وقوله: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (64) هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (65)
              - وقوله: وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14) يَا أَيَّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (17)
              تجدون فيها بياناً جلياً على وجوب إفراد الله تعالى، وتحريم الشرك، وأنه حد بين الكفر والإيمان.
              وقد قال الله تعالى لنبيه : قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (66)
              فأصبح مع الموحدين حجج وجوب التوحيد، ومن أهمها:
              1: أن الله هو الخالق الرازق المالك المدبر فهو المستحق للعبادة.
              2: أن الله تعالى هو الذي بيده وحده النفع والضر وغيره لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً فضلاً عن غيره كما قال الله تعالى: قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ أي الذي يعلم أحوالكم ويسمع دعاءكم.
              3: أن الموحدين معهم سلطان الحجة والبرهان بأن الله أمر بعبادته وحده لا شريك له، وبذلك أرسلت إليهم الرسل.
              4: وأن المشركين الظالمين إنما يغر بعضهم بعضاً وأنهم لا حجة لهم على الشرك، بل حجتهم داحضة عند ربهم، وعليهم غضب ، ولهم عذاب شديد.

              والمقصود أن من تأمل الآيات الكونية والآيات الشرعية تبين له وجوب إفراد الله تعالى بالعبادة، وأن من أشرك بالله شيئاً فهو من الخاسرين.
              ولكن الظالمين يكون لديهم علوم يفرحون بها، ومزاعم يغترون بها ، ويتعامون عن التفكر في ما أمر الله بالتفكر فيه، بل كرر الأمر به في مواضع كثيرة من القرآن العظيم، فيتعامى أولئك الظالمون عن تلك الآيات البينات، ويفرحون بما عندهم من العلم الدنيوي ، ويُعرضون عما جاءت به الرسل، ويستهزئون بهم وبما جاؤا به حتى إذا فنيت أعمارهم، وانقضت مهلة بقائهم في الدنيا، ورأوا ما كانوا يوعدون تبين لهم أنهم كانوا خاطئين وعرفوا من أول ما يرون آيات الآخرة أن الشرك بالله باطل وضلال مبين، فيؤمنوا حين لا ينفعهم الإيمان ولا يقبل منهم، ويتخلى عنهم الشيطان بعد أن أوردهم المهالك، وكتب عليهم الشقاء الأبدي، وحرمت عليهم السعادة أبداً ، وخسروا الخسران المبين والعياذ بالله .
              قال الله تعالى: وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ فَأَيَّ آَيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ (81) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآَثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (83) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (84) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (85).



              رابط الدرس:
              http://www.afaqattaiseer.com/vb/showthread.php?t=14554
              (( محمد بدر الدين بن أحمد سيفي ))
              - طـالب بمعهد آفاق التيسير الإلكتروني للعلوم الشرعيَّة -
              http://www.afaqattaiseer.com/vb/index.php

              تعليق


              • #8
                من الدرس السادس: بيان معنى العبادة وأنواعها (1/3)

                1- قول الله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32) [آل عمران: 31-32].

                فالعابد مُحِبٌّ لمعبوده أشد المحبة؛ يقدِّم محبته على محبة النفس والأهل والولد والمال، لا يهنأ إلا بذكر محبوبه، ولا يأنس إلا بفعل ما يحبه، فذكره في قلبه ولسانه لا يكاد يكل ولا يمل من ذكره، بل يأنس بذكره في كل أحيانه، ويجتهد في كسب رضاه ومحبته، حتى لو بلغ الأمر به أن يضحي بنفسه في سبيله.
                وهذه المرتبة من المحبة لا يستحقها أحد غير الله .

                وإذا عظمت محبة الله في قلب العبد قادته إلى الاستقامة على طاعة الله ، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فهو يطيعه محبة له ورغبة ورهبة.
                كما قال الله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32)
                وهذه الآية يسميها العلماء آية الامتحان، فإن دعوى المحبة سهلة، ولكن صدقها يبين بهذا الامتحان وهو اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم.

                ومن اتبع الرسول صلى الله عليه وسلم فقد أثبت صدق محبته لله تعالى، وأحبه الله وأفاض عليه من فضله ورحمته وأول ذلك مغفرته لذنوبه التي هي سبب الشقاء والعذاب.



                2- قال تعالى: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (62) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (63) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (64) [يس: 60-64].

                من شهد أن لا إله إلا الله فقد عاهد الله أن يخلِص العبادة له وحده، وبهذا العهد يدخل في دين الإسلام ، وقد علمتَ معنى العبادة فيما سبق من الشرح والبيان.
                فإذا شهدت أن لا إله إلا الله فاعلم أنك قد عاهدت الله أن تحبه المحبة الشديدة، وأن تعظمه، وأن تخضع له وتنقاد لأمره.

                ولذلك كانت (لا إله إلا الله) أعظم الحسنات، وأعلى شعب الإيمان، ومفتاح الجنة، وأفضل الذكر، ومن كانت آخر كلامه من الدنيا دخل الجنة.
                وهذا العهد العظيم جزاء من وفى به أن يدخله الله الجنة، ومن خان هذا العهد وغدر ونقضه أدخله الله النار.
                فهذا العهد الذي بين العبد وربه بالتوحيد وإخلاص العبادة له هو أعظم العهود، وأعظم الأمانات.
                وجزاؤه وثوابه أعظم الجزاء والثواب.
                وعقاب نقضه ونكثه أعظم العقاب.
                ...
                وكل عبادة لغير الله تعالى فهي عبادة للشيطان لأنها طاعة له في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله وأعظم ما حرم الله تعالى هو الشرك، سواء شعر الإنسان أنه يطيع الشيطان أو لم يشعر.
                ...
                [والمقصود أن] العهد الذي بين العبد وربه أعظم العهود وهو معقد الامتحان ومناط الفوز والخسران، والشيطان أحرص ما يكون على أن ينقض العبد هذا العهد الذي بينه وبين ربه .
                وكل منفعة أو لذة يحصلها العبد بسبب نقضه لهذا العهد فهو ثمن قليل زائل ولو أعطي الدنيا بحذافيرها فإنها لا تساوي شيئاً في جنب ما أعده الله لعباده المؤمنين ولا تدفع عن هذا الخاسر العذاب الأليم المقيم في نار جهنم والعياذ بالله.

                فكيف وهو لا يعطى من الدنيا إلا ما قدر له ، ومع هذا فمتاع الدنيا كثير النكد سريع الزوال.
                وقد قال الله تعالى: وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (95) مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (96) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)
                فضمن الله لعباده المؤمنين الذين يعملون الصالحات أعظم الثواب في الدنيا والآخرة ففي الدنيا لهم الحياة الطيبة التي لا أفضل منها، وفي الآخرة يجزيهم الله أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون.


                وفي الصحيحين من حديث معاذ بن جبل قال: «كنتُ رِدْفَ رسولِ الله -- على حمار يقال له : عُفَير ، فقال: يا معاذ ، هل تدري ما حقُّ الله على العباد ، وما حقُّ العباد على الله ؟
                قلتُ : الله ورسوله أعلم.

                قال : فإن حقَّ الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ، وحقُّ العباد على الله : أن لا يعذِّب مَن لا يشرِك به شيئا.
                فقلتُ : يا رسول الله : أفلا أبشِّرُ الناس ، قال : لا تبشِّرْهم فيتَّكِلُوا».
                وفي رواية: (فأخبر بها معاذ عند موته تأثُّما). تأثماً أي: تحرجاً من خشية كسب الإثم بكتمان العلم.
                فشأن هذا العهد عظيم، ولذلك شرع أن يجدده العبد في اليوم والليلة مراراً حتى لا ينساه أو يغفل عنه.
                وكُرِّرَ في الأذان للصلوات الخمس في جميع الأوقات في الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء.
                وكرر في الإقامة عند الحضور للصلاة واجتماع المصلين.
                ويكرره العبد في صلواته فلا تصح الصلاة بغير التشهد، وكان النبي يعلم أصحابه التشهد في الصلاة كما يعلمهم السورة من القرآن.

                وهذا العهد تضمنه سيد الاستغفار الذي يستحب للعبد أن يقوله إذا أصبح وإذا أمسى ورُتِّبَ على قوله الثواب العظيم، كما في صحيح البخاري من حديث شداد بن أوس رضي الله عَنِ النَّبِىِّ - قال: « سَيِّدُ الاِسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّى، لاَ إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِى وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرَّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَىَّ وَأَبُوءُ بِذَنْبِى، اغْفِرْ لِى، فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ » . قَالَ « وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِىَ ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهْوَ مُوقِنٌ بِهَا ، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ ، فَهْوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ »
                ولذلك كان الشيطان حريصاً على أن لا يفي العبد بهذا العهد، فيوسوس له، ويمنيه، ويثبطه عن الوفاء بهذا العهد العظيم، ويزين له الذنوب والمعاصي التي يقدح فعلها في الوفاء بهذا العهد العظيم، ولا يزال حريصاً على أن ينقض العبد هذا العهد الذي بينه وبين الله نقضاً تاماً، فينقض عهد الله من بعد ميثاقه، ويقطع ما أمر الله به أن يوصل؛ فيرتكب ناقضاً من نواقض الإسلام ينقضه به هذا العهد فيموت العبد كافراً والعياذ بالله.
                فهذه غاية الشيطان التي أقسم عليها كما بين الله تعالى ذلك بقوله: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (61) قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (62) قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (63) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (64) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبَّكَ وَكِيلًا.
                فمن حقق العبودية لله تعالى لم يكن للشيطان عليه سلطان.
                ومعنى لأحتنكن: أي لأستولين عليهم ولأقودنهم إلى المعاصي كما يقود الرجل دابته فيلقي على حنكها حبلاً يحتنكها به ويقودها به إلى حيث يشاء.
                فإذا علمت ذلك فأكرم نفسك عن أن تكون دابة لإبليس يلقي عليك حبله ويحتنكك كما تحتنك الدابة، فتسلَّم له القياد، يقودك إلى المعاصي والفواحش، ويوردك المهالك، ويخدعك بما يزينه لك من زخرف القول الذي لا يغني عنك من الله شيئاً، حتى إذا جاءت سكرة الموت بالحق، وجاءت رسل ربك لتقبض روحك تبرَّأَ منك، ولا تجد من تلوم إلا نفسك التي ظلمتها ظلماً عظيماً وفرطت في الثواب العظيم الذي جعله الله لمن وفى بعهده، وصدق بوعده.



                3- قال الله تعالى في حكاية قسم الشيطان لربه : قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (43) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (44) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (45) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ (46) [الحجر: 39-46].

                فضمن الله تعالى لعباده المخلصين ألا يتسلط عليهم الشيطان، وبين أن الشيطان لا يتسلط إلا على أتباعه الغاوين
                وتسلط الشيطان على الإنسان ومحاولة تسلطه على ثلاث درجات:
                الدرجة الأولى: التسلط التام، وهذا إنما هو على المشركين والمنافقين، لأن اتباعهم للشيطان اتباع كامل فاستحقوا التسلط التام.
                قال الله تعالى في المنافقين: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ
                وقال تعالى: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ
                فهذا السلطان التام إنما هو على أوليائه الذين تولوه ودخلوا في حزبه وأشركوا به؛ فهم خارجون عن دين الإسلام وعن ولاية الله وحزبه.
                الدرجة الثانية: التسلط الناقص وهو باستزلال الشيطان للإنسان ، وهذا لايكون تاماً على المسلمين ، بل هو نوع تسلط يقوى ويضعف بحسب درجة اتباع العبد لخطوات الشيطان فكلما كان اتباعه أكثر كان تسلط الشيطان عليه أكبر، وقد يحرم العبد التوفيق لبعض الطاعات بسبب اتباعه لخطوات الشيطان كما قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ
                وقال: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ * وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ [الأعراف: 201-202]
                فالاستزلال سببه اتباع خطوات الشيطان، ومن اتبع خطوات الشيطان كان على خطر أن يزله الشيطان، وأصحاب هذه الدرجة من المسلمين لا يتمكن الشيطان منهم تمكناً تاماً فيستحوذ عليهم ولا يسلمون منه سلامة تامة بسبب اتباعه لخطواته فهم وإياه في جهاد، ومن تهاون منهم في اتباع خطواته كان على خطر أن يستزله الشيطان حتى يستحوذ عليه والعياذ بالله.
                الدرجة الثالثة: النزغ ، وهذا ليس تسلطاً وإنما هو محاولة من الشيطان لاستجراء العبد ليتبع خطواته فإن اتبع خطواته استزله، وإن استعاذ العبد بالله عصم منه .
                قال الله تعالى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201) وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (202)
                - والاستعاذة التامة تكون بالقلب والقول والعمل ، ومن كملت استعاذته كملت إعاذته وعصم من كيد الشيطان، ومن كانت استعاذته ناقصة لم يكن له عهد بأن يعصم من كيد الشيطان العصمة التامة التي ينجو بها من آثار نزغه.
                فقد يعصمه الله تفضلاً منه وكرماً وإثابة له على حسنات سابقة ، وقد يصيبه من الشر بقدر ما نقص من واجب الاستعاذة.
                فالاستعاذة بالقلب تكون بصدق الالتجاء إلى الله تعالى من كيد الشيطان واليقين بأنه إن لم يعصمه الله من كيده ضل وخسر.
                والاستعاذة بالقول تكون بذكر ما ورد من الاستعاذة من الشيطان الرجيم ، ويتأكد ذلك عند قراءة القرآن وعند خشية تسلط الشيطان بسبب غضب أو فزع أو غفلة .
                قال الله تعالى: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ذلك أن كتاب الله تعالى هو الدليل إلى الفلاح والفضل العظيم في الدنيا والآخرة ، وهو ميسر للذكر والحفظ والفهم والامتثال فإذا قرأه المسلم قاصداً الاهتداء بما فيه من الهدى دله على فلاحه وسبل سعادته في الدنيا والآخرة؛ فيكون الشيطان أحرص ما يكون على حجبه عن معالم الهداية في القرآن العظيم حتى يضل عنها ، حتى يظلّ العبد يقرأ صفحات من القرآن وهو لا يدري ما قرأ.
                والاستعاذة بالعمل تكون باتباع هدى الله فيما وصى به من الأمور التي تعصم من كيد الشيطان ، فمن اتبع هدى الله ضمن الله له أن لايضل ولا يشقى، ولا يخاف ولا يحزن، وأن يهديه سبل السلام ويخرجه من الظلمات إلى النور، وأن ينجيه وييسر أمره ويجعل العاقبة له ، كل ذلك ببركة اتباع هدى الله .
                فمن كملت استعاذته بالقلب والقول والعمل فقد تكفل الله له بالإعاذة .
                في ختم آيتي الاستعاذة من نزغ الشيطان باسمين من الأسماء الحسنى دليل على إرادة مقتضاهما قال الله تعالى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ وقال في الآية الأخرى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
                فختم الآية باسمين جليلين من الأسماء الحسنى وهما السميع العليم؛ فهو السَّمِيعُ لاستعاذتهم ودعائهم إياه، وهو الْعَلِيمُ بما قلوبهم من صدق الالتجاء إليه، والعليم بأعمالهم في اتباع هديه .
                وسأضرب لكم مثلاً لبيان هذا المعنى: لو أن رجلاً يسير في فلاة فسمع صوت سباع وخاف منها، ورأى حصناً قريباً ونادى صاحبَ الحصن أني أخاف من السباع ؛ فقال له صاحب الحصن: ادخل إلى الحصن من بابه؛ فإن دخلت فإنك في مأمن.
                فلم يستجب هذا المستنجد لصاحب الحصن، ولم يمتثل وصيته؛ فهل تنفعه استعاذته بلسانه؟
                وهل يعتبر صادقاً في استعاذته؟
                فإن من كان صادقاً في طلب الالتجاء لا بد له من امتثال الهدي؛ فإن خالف الهدي لم يكن مستعيذاً صادقاً في الاستعاذة.


                4- قال الله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ [التوبة: 58].
                من تعلق شيئاً دون الله وكل إليه، ومن أحب شيئاً من دون الله حتى يعصي الله بسببه عذب به.
                وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي قال: (( تعِسَ عَبدُ الدِّينار وعَبدُ الدرهم وعبد الخميصة إن أُعْطي رضِي وإن لم يُعطَ سخط تعِسَ وانتكَس وإذا شيك فلا انتقش)).
                وهذا دعاء عليه من النبي بالتعاسة والانتكاسة، فكلما قام من سقطة وقع في أخرى، وإذا أصيب ببلاء لم يهتد للخروج منه، وسبب ذلك عبوديته للدنيا ، وغفلته عن الله .
                وقد بين النبي الضابط في ذلك فقال: ((إذا أعطِي منها رضي وإن لم يُعط سَخط)).
                فإذا كان العبد همته للدنيا إن أعطي منها رضي، وإن لم يعط ظل ساخطاً على قضاء الله وقدره متبرماً منه لم يكن قلبه سليماً لله بل فيه عبودية لغير الله .
                وهذا من شأن المنافقين كما قال الله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ فرضاهم لغير الله وسخطهم لغير الله .
                ومن كان هذا حاله فهو لم يحقق العبودية الواجبة لله تعالى.
                وهذا أمر تشاهد آثاره فيمن تعلق قلبه بمال أو رئاسة أو شخص يحبه حتى يعصي الله لأجله
                فيكون في قلبه رق لما أحبه وتعلق به وعصى الله لأجله.
                قال ابن تيمية: (كل من علق قلبه بالمخلوقين أن ينصروه أو يرزقوه أو أن يهدوه خضع قلبه لهم وصار فيه من العبودية لهم بقدر ذلك وإن كان في الظاهر أميراً لهم مدبراً لأمورهم متصرفاً بهم فالعاقل ينظر إلى الحقائق لا إلى الظواهر؛ فالرجل إذا تعلق قلبه بامرأة ولو كانت مباحة له يبقى قلبه أسيراً لها تَحَكُّم فيه وتتصرف بما تريد، وهو في الظاهر سيدها لأنه زوجها أو مالكها، ولكنه في الحقيقة هو أسيرها ومملوكها، ولا سيما إذا علمت بفقره إليها وعشقه لها وأنه لا يعتاض عنها بغيرها؛ فإنها حينئذ تتحكم فيه تحكم السيد القاهر الظالم في عبده المقهور الذي لا يستطيع الخلاص منه، بل أعظم؛ فإنَّ أَسْرَ القلب أعظم من أسر البدن، واستعباد القلب أعظم من استعباد البدن؛ فإن من استُعبد بدنه واسترق وأسر لا يبالي إذا كان قلبه مستريحا من ذلك مطمئناً ، بل يمكنه الاحتيال في الخلاص .
                وأما إذا كان القلب الذي هو مَلِكُ الجسم رقيقاً مستعبَدا متيماً لغير الله؛ فهذا هو الذل والأسر المحض والعبودية الذليلة لما استعبد القلب).
                قال: (وهذا لعمرو الله إذا كان قد استعبد قلبَه صورة مباحة؛ فأما من استعبد قلبَه صورةٌ محرمةٌ امرأة أو صبي فهذا هو العذاب الذي لا يدانيه عذاب .
                وهؤلاء عشاق الصور، من أعظم الناس عذابا وأقلهم ثوابا ، فإن العاشق لصورة إذا بقي قلبه متعلقا بها مستعبدا لها اجتمع له من أنواع الشر والفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد ولو سلم من فعل الفاحشة الكبرى؛ فدوام تعلق القلب بها بلا فعل الفاحشة أشد ضرراً عليه ممن يفعل ذنبا ثم يتوب منه ويزول أثره من قلبه).
                قال: (ومن أعظم أسباب هذا البلاء إعراض القلب عن الله فإن القلب إذا ذاق طعم عبادة الله والإخلاص له لم يكن عنده شيء قط أحلى من ذلك ولا ألذ ولا أمتع ولا أطيب والإنسان لا يترك محبوبا إلا بمحبوب آخر يكون أحب إليه منه أو خوفا من مكروه فالحب الفاسد إنما ينصرف القلب عنه بالحب الصالح أو بالخوف من الضرر . قال تعالى في حق يوسف: كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ).ا.هـ.

                وإذا كان القلب أسيراً لشيء من هذه المحبوبات لم يكن خالصاً لله ، ولم يأت صاحبه بالعبودية الواجبة.
                بل يكون في قلبه ذلٌّ لها مصحوب بخوف ورجاء وهذا هو معنى العبادة التي يجب إخلاصها لله ، ولذلك سماه النبي عبداً للمال ، وإن كانت هذه العبودية ليست تامة بحيث تفضي به إلى الشرك الأكبر إلا من بلغت به عبوديته للدنيا أن يرتكب ناقضاً من نواقض الإسلام والعياذ بالله.

                ...
                والله تعالى قد جعل من ابتلائه لعباده أن يحوجهم إلى ما تقوم به مصالحهم من المطعم والمشرب والملبس والمنكح وغيرها.
                وهذا الأمور التي أحوج الله عباده إليها أمرهم أن يطلبوها منه وأن يرضوا بما يعطيهم منها وأن يتبعوا هداه في ابتغائها بما شرع الله وأذن فيه من الأسباب.

                فإن أعطوا منها رضوا وشكروا، وإن لم يعطوا صبروا ورجو ثواب ربهم وحسن تعويضه لهم.
                ومن كان هذا حاله أعطي خيراً مما حرم
                كما قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَىٰ إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
                ...
                والمقصود أن المؤمن المتقي محقق لدرجة العبودية الواجبة لله تعالى فإن أعطاه الله قبل ورضي وشكر ، وإن ابتلي بتأخير ما يطلب لم يحمله ذلك على التسخط والجزع والتبرم من قضاء الله وقدره كما يفعل أهل النفاق.


                5- قال تعالى: وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [لقمان: 22].
                [فمن كان يحب لأجل الله، ويبغض لأجل الله ، ويعطي ويمنع لأجل الله فهو مؤمن كامل الإيمان، نسأل الله من فضله.
                ومن كان هذا حاله فقد أسلم قصده لله تعالى واستمسك بالعروة الوثقى التي لا أوثق منها كما قال الله تعالى: وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ]

                الوثقى صيغة مبالغة، يقال: عروة وثيقة أي شديدة متينة مأمونة، وعروة أوثق من عروة، والعروة الوثقى أي التي لا أوثق منها.
                والعروة هي ما يستمسك به للنجاة؛ فإذا كانت العروة وثقى، والاستمساك قوياً نجا العبد مما يخاف.



                6- قَوْلُهُ تَعَالى: وَأَنَّ المَسَاجدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً [الجن:18].
                وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالى: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبهِ إنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون:117].

                [ذكر الشيخ أصول العبادات وأهم أنواعها، وبَيَّن أن] هذه العبادات يجب إفراد الله تعالى بها، وأن مَن صرَف شيئاً منها لغير الله تعالى فهو مشرك كافر والعياذ بالله.
                واستدل لذلك بقول الله تعالى : وَأَنَّ المَسَاجدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً

                وقوله: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَـرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبهِ إنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ
                هذه الآية فيها وصف من دعا غير الله بأنه كافر.
                وقوله لاَ بُرْهَانَ لَهُ بهِ هذا وصف كاشف للعلة اللازمة لكل ما يعبد من دون الله تعالى وهو أنه لا برهان لأحد بأن الله تعالى قد أذن بعبادة إله من دونه.


                رابط الدرس:
                http://www.afaqattaiseer.com/vb/showthread.php?t=14618
                (( محمد بدر الدين بن أحمد سيفي ))
                - طـالب بمعهد آفاق التيسير الإلكتروني للعلوم الشرعيَّة -
                http://www.afaqattaiseer.com/vb/index.php

                تعليق


                • #9
                  من الدرس السابع: بيان معنى العبادة وأنواعها (2/3)


                  1- قوله تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذيِنَ يَسْتَكْبرُونَ عَنْ عِبَادَتي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:60] .
                  دَاخِرِينَ صاغرين.

                  هذا أمر من الله بدعائه وهو يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة، والاستجابة لدعاء المسألة تكون بإعطاء المسؤول سؤله.
                  والاستجابة لدعاء العبادة بقبولها والإثابة عليها.
                  قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ومن ذلك قوله تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجبْ لَكُمْ فالدعاء يتضمن النوعين وهو في دعاء العبادة أظهر ؛ ولهذا أعقبه : إِنَّ الَّذيِنَ يَسْتَكْبرُونَ عَنْ عِبَادَتي الآية . ويفسر الدعاء في الآية بهذا وهذا).
                  وقال ابن القيم : (والدعاء نوعان: دعاء عبادة ودعاء مسألة، والعابد داع كما أن السائل داعٍ، وبهما فسر قوله تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجبْ لَكُمْ، قيل: أطيعوني أثِبكم، وقيل: سلوني أعطِكم، وفُسِّرَ بهما قوله تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ).
                  روى البخاري في الأدب المفرد والترمذي في سننه من حديث أبي هريرة عن النبي أنه قال: ((مَن لم يسأل الله غضب الله عليه)).
                  قال شيخ الإسلام ابن تيمية : (وهو سبحانه كما أخبر عن نفسه وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ وقال: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذيِنَ يَسْتَكْبرُونَ عَنْ عِبَادَتي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ .
                  وفي الصحيحين عن النبي أنه قال : ((ما مِن داع يدعو الله بدعوة ليس فيها ظلم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى خصال ثلاث: إما أن يعجل له دعوته وإما أن يدّخِر له من الخير مثلها وإما أن يصرف عنه مِن الشر مثلها)).
                  فالدعوة التي ليس فيها اعتداء يحصل بها المطلوب بها أو مثله وهذا غاية الإجابة؛ فإن المطلوب بعينه قد يكون ممتنعا أو مفسدا للداعي أو لغيره، والداعي جاهل لا يعلم ما فيه المفسدة عليه، والرب قريب مجيب، وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها، والكريم الرحيم إذا سئل شيئا بعينه وعلم أنه لا يصلح للعبد إعطاؤه أعطاه نظيره، كما يصنع الوالد بولده إذا طلب منه ما ليس له فإنه يعطيه من ماله نظيره، ولله المثل الأعلى).


                  2- قَوْلُهُ تَعَالى: إنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيطَانُ يُخَوِّفُ أوْلِيَآءَهُ فَلاَ تَخَافُـوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:175].
                  [ إن حمل هذا الخوف صاحبَه على ترك بعض الواجبات التي لا يعذر بتركها أو ارتكاب محظور لا يعذر بارتكابه فهو محرم لا يجوز.
                  مثاله: جماعة من المسلمين ظاهرون في بلد من البدان حملهم الخوف من العدو على ترك الجهاد في سبيل الله ؛ وترك إعداد العدة لذلك؛ فهؤلاء مذمومون مفرطون مذنبون بتركهم فريضة الجهاد في سبيل الله ، وسنة الله تعالى جارية بأن يسلط الله عليهم أعداءهم وينزع مهابتهم من صدور الكافرين بسبب مخالفتهم لاتباع هدى الله ، وتقديمهم خوف العدو على الخوف من الله . ] من إضافتي.


                  - يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ أي يعظمهم في نفوسكم حتى تخافوهم.
                  فهذا الخوف من أولياء الشيطان محرم لا يجوز.
                  بل قد يصل الخوف من غير الله تعالى بالعبد إلى الكفر والعياذ بالله ؛ كمن يحمله الخوف على الرضا بالكفر واختياره خوفاً وجبناً كما قال الله تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (107) أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (108) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ
                  وهذا هو أصل خوف الأتباع من المتبوعين من أئمة الكفر كما قال الله تعالى فيهم: وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (31) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (32) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
                  وقال تعالى: وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (47) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (48)
                  فهؤلاء حملهم خوفهم الطبيعي على الكفر والعياذ بالله.



                  3- قَوْلُهُ تَعَالى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبهِ فَلْيَعمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بعِبَادَةِ رَبهِ أَحَداً[الكهف: 110].
                  الرجاء نقيض اليأس، وهو طمع القلب في حصول منفعة.
                  قال الله تعالى: وادعوه خوفاً وطمعاً إن رحمة الله قريب من المحسنين
                  وقال عن أوليائه المتقين: تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون
                  والرجاء على قسمين:
                  القسم الأول: رجاء العبادة.
                  القسم الثاني: رجاء نفع الأسباب.

                  - فرجاء العبادة لا يجوز صرفه لغير الله ، ومن صرفه لغير الله تعالى فهو مشرك لأنه يحمل معاني العبادة من التذلل والخضوع والمحبة والانقياد واعتقاد النفع والضر وتفويض الأمر وتعلق القلب والتقرب إلى المعبود ، وهذه كلها عبادات عظيمة تقتضيها عبادة الرجاء فمن صرفها لغير الله فهو مشرك كافر.
                  وهذا كرجاء المشركين في آلهتهم التي يعبدونها من دون الله أنها تشفع لهم عند الله أو أنها تقربهم إلى الله زلفى ، وكرجاء بعض عباد الأولياء والقبور بأنهم ينجونهم من الكربات ويدفعون عنهم البلاء ويجلبون لهم النفع ونحو ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى.

                  - القسم الثاني: رجاء نفع الأسباب مع اعتقاد أن النفع والضر بيد الله .
                  وهذا على ثلاث درجات:
                  الدرجة الأولى: رجاء جائز، وهو رجاء نفع الأسباب المشروعة مع عدم تعلق القلب بها، فهذا جائز ، وليس بشرك ، وفي مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي من حديث أبي هريرة عن النبي قال: ((خيركم من يُرجى خيره ويُؤمَنُ شرُّه، وشرُّكم من لا يُرجَى خيره ولا يُؤمن شره)). وإسناده صحيح.
                  فهذا الرجاء ليس هو رجاء العبادة، وإنما هو رجاء نفع السبب مع اعتقاد أن النفع والضر بيد الله .
                  الدرجة الثانية: رجاء محرم، وهو الرجاء في الأسباب المحرمة ليستعين بها على معصية الله .
                  الدرجة الثالث : شرك أصغر، وهو تعلق القلب بالأسباب؛ كتعلق بعض المرضى بالرقاة والأطباء تعلقاً قلبياً يغفلون معه عن أن الشفاء بيد الله ؛ فهذا من شرك الأسباب كما تقدم شرحه.

                  وهذه العبادات قاعدتها واحدة من فقهها سهل عليه معرفة هذه التقسيمات وتيسر له ضبط مسائلها إن شاء الله تعالى .
                  وهو أن هذه الألفاظ : المحبة والخوف والرجاء والاستعانة والاستعاذة والاستغاثة والرغبة والرهبة والخشية ونحوها تطلق في النصوص على معنيين:
                  المعنى الأول: ما كان يحمل معنى العبادة من التذلل والخضوع والمحبة والتعظيم والانقياد واعتقاد النفع والضر فتكون حينئذ عبادة من صرفها لغير الله فقد أشرك الشرك الأكبر والعياذ بالله، ويكون بذلك كافراً خارجاً عن الملة.
                  وإذا أردت أن تعرف هذا المعنى فانظر إلى ما يفعله مَن أثنى الله عليهم من الموحدين في هذه العبادات، وما يفعله مَن ذمهم الله من المشركين بهذه العبادات.
                  وبذلك تعرف المعنى التعبدي فيها الذي لا يجوز صرفه لغير الله .

                  المعنى الثاني: ما ليس فيه معنى العبادة ، وإنما هو سبب من الأسباب فهذا حكمه بحسب ما يترتب عليه فإن استعين به على طاعة الله فهو طاعة وقربة، وإن استعين به على محرم فهو حرام، وإن حمل على فعل محرم أو ترك واجب لا يعذر بتركه فهو محرم؛ فأما إن تعلق القلب بالسبب وصار فيه نوع تذلل له مصحوب بخوف ورجاء فيكون حينئذ شركاً أصغر، وهو من شرك الأسباب كما سبق بيانه في الدرس السابق.

                  لم يذكر المؤلف (المحبة) وهي عبادة من أجل العبادات، بل هي أصل هذه العبادات، وأعلاها شأناً وقد قال الله تعالى : والذين آمنوا أشد حباً لله والمحبة العظيمة التي تحمل معنى العبادة من التذلل والخضوع والتعظيم والانقياد لا يجوز صرفها لغير الله .
                  وسبق بيان القاعدة في هذا الباب.
                  واعلم أن هذه العبادات الثلاثة : المحبة والخوف والرجاء هي أصول العبادات وعليها مدارها. قال ابن القيم : ( القلب في سيره إلى الله عز و جل بمنزلة الطائر؛ فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه؛ فمتى سلم الرأس والجناحان فالطير جيد الطيران، ومتى قطع الرأس مات الطائر، ومتى فقد الجناحان؛ فهو عرضة لكل صائد وكاسر).
                  وبيان ذلك أن ما يدفع القلب للعمل ثلاثة أمور: المحبة ، والخوف ، والرجاء
                  فمن أحب الله أطاعه ، ومن خاف الله أطاعه، ومن رجا ثواب الله أطاعه
                  فمن المؤمنين من يغلب عليه دافع المحبة فيطيع الله محبة له، مع خوفه من الله ورجائه له ، لكن الذي يغلب على قلبه المحبة وصدق التقرب إلى الله .
                  ومن المؤمنين من يغلب عليه الخوف من الله فيطيع الله خوفاً منه ، سواء خاف عقابه الدنيوي أو عقابه الأخروي؛ فالذي يحمله غالبا على فعل الطاعات واجتناب المحرمات خوفه من الله.
                  ومن المؤمنين من يغلب عليه رجاء ثواب الله فتجد أن أكثر ما يحمله على فعل الطاعات واجتناب المحرمات هو رجاء ثواب الله وفضله.
                  والكمال أن يجمع العبد بين هذه الثلاثة ، فيطيع الله محبة له، وخوفاً منه ، ورجاء لثوابه وفضله.
                  المحبة أعلى مرتبة من مرتبة الخوف والرجاء إذا أردنا المفاضلة بينها ، لأن المحبة تبقى في الدنيا والآخرة ، وأما الخوف فإنه يزول في الآخرة.
                  والجمع بين هذه الثلاثة هو منهج السلف الصالح وهو الذي عليه هدي النبي
                  وقال بعض ضلال الصوفية بالتفريق بينها وزعموا أن من يعبد الله محبة له فقط أعلى وأكمل ممن يعبد الله رجاء لثوابه أو خوفاً من عقابه ، حتى كان بعضهم يدعو: (اللهم إن كنت تعلم أني أطيعك رغبة في جنتك فاحرمني منها!!) وهذا ضلال مبين وخسران عظيم - إن لم ي لجهله وقلة عقله -
                  فإن الله أمر بسؤاله من فضله ورغَّب في ثوابه فمن ترك رجاء الله فقد عصى الله.
                  وحذر الله من عقابه وعذابه فمن لم يخف الله فقد عصى الله.
                  والمقصود أن هدي النبي وهدي أصحابه الجمع بين هذه العبادات العظيمة فيعبدون الله محبة له كما وصفهم الله بقوله: والذين آمنوا أشد حباً لله
                  ويعبدون الله خوفاً من عقابه كما أمرهم الله بقوله: وخافون إن كنتم مؤمنين
                  وجعل صفة الرجاء فرقاناً بين المؤمنين والكافرين فقال: وترجون من الله ما لا يرجون
                  ورغَّبهم في ثوابه وأمرهم بسؤاله من فضله فقال تعالى : واسألوا الله من فضله.
                  فاللهم إنا نسألك من فضلك يا ذا الفضل العظيم.
                  ولتوضيح منازل هذه العبادات العظيمة والتلازم الشرعي بينها ، وحاجة المؤمن إليها جميعاً في سلوكه الصراط المستقيم يقال: إن من أحب الله سار إليه وتقرب إليه ، والسير إليه يكون بامتثال أوامره واجتناب نواهيه فهو سير معنوي على الصراط المستقيم الذي هو الطريق إلى المحبوب الأعظم.
                  فمحبة الله تدفع العبد إلى التقرب إليه، وعلى حسب قوة المحبة وضعفها تكون مسارعة العبد في الطاعات ومسارعته في الكف عن المحرمات.
                  وخوفه من الله يمنعه من الانحراف عن الصراط المستقيم فلا يتعدى حدود الله وهو يخاف عقاب الله.
                  ورجاؤه لفضل الله يحفزه لفعل الطاعات ويؤمله لقاء الله تعالى والفوز بقربه والتنعم بعظيم ثوابه.
                  نسأل الله تعالى من فضله وبركاته.



                  4- قَوْلُهُ تَعَالى: وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة:23]، وَقَوْلُهُ تَعَالى: ومَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:3] .
                  [التوكل طلب الوكالة من الوكيل ، والوكيل والمتوكل بالأمر هو الذي يضمن القيام به.
                  فالوكيل هو الذي يُسند إليه الأمر ويُفوَّضُ إليه ويعتمد عليه فيه.
                  والمتوكِّل هو المعتمِد والمفوِّض.
                  فالتوكُّل على الله تعالى حقيقته : الاعتماد على الله وتفويض الأمر إليه ثقة في حسن تدبيره واعتقاداً بأن النفع والضر بيده وحده سبحانه.
                  - فالتوكل عبادة من أجل العبادات، وهو يجمع عبادات عظيمة من التذلل لله، والخضوع إليه، وتفويض الأمر إليه، ورجاؤه سبحانه، والاستعانة به، والالتجاء إليه، وحسن الظن به ، واعتقاد أن النفع والضر بيده وحده.
                  - والتوكل يستلزم الإيمان بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا فيؤمن بسعة علم الله تعالى وقدرته، وعظيم ملكه وسعة رحمته، وكمال غناه وجميل حمده، وحسن ولايته وربوبيته، وبديع حُكْمِهِ وحِكمته، وغيرها من الصفات العليا الجليلة التي هي من آثار أسمائه الحسنى؛ فما يقوم في قلب المتوكل عند توكله من هذه العبادات وغيرها أمر لا تحيط به العبارة ولا يوفيه الشرحُ حقَّه.
                  - والمتوكلون يتفاضلون فيه تفاضلاً كبيراً ، ويجمع ذلك أن التوكل عبادة عظيمة من أجل العبادات فمن صرفه لغير الله تعالى فلا شك في كفره وشركه وظلمه وضلاله. ] من إضافتي.


                  - قال الله تعالى: وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين فقدم الجار والمجرور لإفادة الحصر، كما صرح به في قوله تعالى: ولا تتخذوا من دوني وكيلا.
                  - وقال تعالى: قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا .
                  - وقال: فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم
                  - وقال: وعلى الله فليتوكل المتوكلون
                  -وقال الله تعالى: وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه
                  قال الإمام أحمد: (التوكل عمل القلب)
                  وثواب التوكل على الله عظيم جليل جزيل إذ جعل الله ثواب المتوكل أن الله هو حسبه وكافيه وفي ذلك غَناء له عن كل ما تتطلبه النفس، فليس وراء الله مذهب، ولا بعده مطلب.
                  قال الله تعالى: ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب فجعل هذا من ثواب التقوى وهو تفريج الشدة وحصول الرزق أيا كان نوعه، أما التوكل فثوابه أعظم : ومن يتوكل على الله فهو حسبه.
                  وقد أثنى الله تعالى على نفسه بأنه نعم الوكيل وهذا الثناء يفتح لأولي الألباب أبواباً من المعاني الجليلة التي يستلزمها هذا الثناء الجميل فيثمر التفكر فيها من اليقين والإيمان ما يحمل العبد على الثقة بالله .
                  فكونه نعم الوكيل يستلزم علمه بحاجة من اتخذه وكيلاً، وعلمه بما يرجوه ويخافه كما قال الله تعالى: والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيرا
                  ويستلزم قدرته على تحقيق ما ينفع عبده ودفع ما يضره، ويستلزم نصره لعبده، ولطفه به ورحمته وإحسانه إلى غير ذلك من المعاني الجليلة التي يكفي فيها وصف نعم الوكيل ليحصل للنفس المؤمنة من اليقين والسكينة، والأمن والطمأنينة، والثقة العظيمة بالله ما لا تقوم له هموم الدنيا لو اجتمعت.
                  ولذلك تجد هذه العبارة حسبنا الله ونعم الوكيل يقولها أناس فتبلغ بهم من رضوان الله والقرب منه والزلفى لديه منزلاً عالياً جداً، ويقولها أقوام لا تجاوز حناجرهم.
                  وسر ذلك ما وقر في القلب من أنواع العبودية لله .
                  يقولها أقوام وهمهم النكاية بآخرين لأمر من أمور الدنيا غضبوا لأجله، وقد يكون هذا الأمر محرماً في أصله أو في التعلق به، وقد يكونون هم الظالمين المسيئين، ويقولها أقوام وهمهم إعلاء كلمة الله ونصرة دينه وتحقيق العبودية له وطلب كفايته والاستغناء به والأنس به وعبادته على الوجه الذي يحبه ويرضاه، وأن يكفيهم ما يحتاجون إليه من أمور الدنيا.
                  فالتوكل على الله تعالى لا يختص بالأمور الدنيوية كما يتوهمه بعض الجهال، بل التوكل على الله في الأمور الدينية من أداء واجبات العبودية لله تعالى والجهاد في سبيله في جميع مراتب الجهاد والتوكل عليه في طلب الهداية في جميع الأمور كبيرها وصغيرها أولى وأعظم.
                  وإن كان التوكل على الله في المصالح الدنيوية مطلوباً ومثاباً عليه بل قد يجب أحياناً، لكن التوكل على الله في أمور الدين أعظم وأنفع.
                  قال ابن القيم تعالى: (التوكل على الله نوعان:
                  أحدهما: توكل عليه في جلب حوائج العبد وحظوظه الدنيوية أو دفع مكروهاته ومصائبه الدنيوية.
                  والثاني: التوكل عليه في حصول ما يحبه هو ويرضاه من الإيمان واليقين والجهاد والدعوة إليه.
                  وَبَيْنَ النوعين من الفضل ما لا يحصيه إلا الله؛ فمتى توكل عليه العبد في النوع الثاني حق توكله كفاه النوع الأول تمام الكفاية، ومتي توكل عليه في النوع الأول دون الثاني كفاه أيضاً لكن لا يكون له عاقبة المتوكل عليه فيما يحبه ويرضاه.
                  - فأعظم التوكل عليه التوكل في الهداية وتجريد التوحيد ومتابعة الرسول وجهاد أهل الباطل فهذا توكل الرسل وخاصة أتباعهم)ا.هـ.



                  5- قول الله تعالى: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (131) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (132) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآَخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (133) مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (134) [النساء: 131-134].
                  تأملوا التأكيد على أن لله ما في السماوات وما في الأرض ثلاث مرات في هذه الآيات، والتأكيد على غناه بأكثر من وجه، وترغيبه عباده أن يسألوه من خير الدنيا والآخرة، وما في ضمن ذلك من وعده الكريم بتحقيق ما يأملون إن هم استجابوا له واتبعوا هديه، وأنه لن يضيع شيئاً من دعائهم ولا يفوته شيء من ذلك فهو السميع البصير.
                  كل هذه المعاني إذا تأملها المؤمن أورثته يقيناً وإيماناً وإخباتاً وإنابة لله .
                  وعلم أن الله تعالى هو نعم الوكيل وكفى بالله وكيلا.





                  رابط الدرس:
                  http://www.afaqattaiseer.com/vb/showthread.php?t=14639

                  (( محمد بدر الدين بن أحمد سيفي ))
                  - طـالب بمعهد آفاق التيسير الإلكتروني للعلوم الشرعيَّة -
                  http://www.afaqattaiseer.com/vb/index.php

                  تعليق


                  • #10
                    من الدرس الثامن : بيان معنى العبادة وأنواعها (3/3)

                    1- قوله تعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء:90]
                    هذا ثناء من الله تعالى على أنبيائه بأنهم يدعونه رغباً ورهباً وحث على الاتساء بهم .
                    والدعاء في الآية يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة
                    والرغب والرهب من صفات العبادة الملازمة لها، فكل عابد راغب راهب.
                    قال شيخ الإسلام ابن تيمية : (وكل داع فهو راغب راهب طامع خائف.
                    وكل سائل راغب راهب فهو عابد للمسؤول، وكل عابد له فهو أيضا راغب وراهب يرجو رحمته ويخاف عذابه؛ فكل عابد سائل، وكل سائل [أي بهذا المعنى] عابد؛ فأحد الاسمين يتناول الآخر عند تجرده عنه، ولكن إذا جمع بينهما فإنه يراد بالسائل الذي يطلب جلب المنفعة ودفع المضرة بصيغ السؤال والطلب، ويراد بالعابد من يطلب ذلك بامتثال الأمر وإن لم يكن في ذلك صيغ سؤال.
                    والعابد الذي يريد وجه الله والنظر إليه هو أيضا راج خائف راغب راهب يرغب في حصول مراده ويرهب من فواته، قال تعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً
                    وقال تعالى: تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا ولا يتصور أن يخلو داع لله دعاء عبادة أو دعاء مسألة من الرغب والرهب ومن الخوف والطمع).

                    فالرغبة والرهبة بهذا المعنى عبادة لا يجوز صرفها لغير الله تعالى قال تعالى: وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ تقديم الجار والمجرور يدل على الحصر، أي لا ترغب إلا إلى الله.
                    وفي الصحيحين من حديث البراء بن عازب قال: قال النبي : (( إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمنِ ثم قل: اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة واجعلهن آخر ما تتكلم به)).

                    فهذه الرغبة والرهبة عبادة لما تحمله من المعاني التعبدية من التذلل والخضوع والمحبة والتعظيم والرجاء والخوف ، وهذه عبادات يجب إخلاصها لله .
                    فمن صرفها لغير الله فقد أشرك بالله شركاً أكبر مخرجاً عن الملة والعياذ بالله.
                    وهذا أمر تشاهد آثاره فيمن يعبد غير الله من عباد القبور والأولياء والجن والأشجار والأحجار وغيرها ، يكون في قلب العابد لها رغبة ورهبة تعبدية مشتملة على التذلل والخضوع والمحبة والرجاء والخوف.


                    ويجب على العبد أن يخلص الرغبة والرهبة لله تعالى ولا يشرك به شيئاً فيها؛
                    فمن لم يخلص الرغبة والرهبة فهو مشرك كافر، ومن أخلصها لله تعالى فهو مسلم موحد ، والمسلمون يتفاضلون في درجة أداء هذه العبادات كما تقدم بيانه؛ وكلما كان العبد أعظم رغبة في فضل الله تعالى ورحمته كان أكثر تعبداً من هذا الوجه.

                    2- قال تعالى: فذكر إن نفعت الذكرى سيذكر من يخشى [الأعلى:9]
                    وهذا وعد من الله لأهل خشيته أنهم سيذكرون وينتفعون من كتابه أعظم انتفاع.
                    والتذكر المراد هنا يشمل ثلاثة أمور:
                    الأمر الأول: التذكر الذي يحمل على محبة الله ، ومحبة لقائه والتقرب إليه من تذكر صفات الله وكرمه وفضله وإحسانه فإن العبد إذا عظمت محبة الله تعالى في قلبه أحب ما يذكره به ومن أحب ذكر الله أحبَّ الله له أن يتذكر ، ومن كره ذكر الله كان جزاؤه من جنس عمله إلا أن يعفو الله عنه ويتوب عليه.
                    وصدق المحبة يحمل على الخشية من الانقطاع عن الله والحرمان من رضوانه، ولذلك إذا بلغهم من نصوص الكتاب والسنة أن من عقوبة بعض الذنوب أن صاحبها لا يكلمه الله ولا ينظر إليه أورثهم ذلك خشية خاصة يجدونها في قلوبهم لما وقر فيها من معرفة الله ، واليقين بأن الحرمان من تكليمه والنظر إليه عقوبة عظيمة لا يحتملها من صدقت محبته لله .
                    الأمر الثاني: التذكر الذي يحمل على الرجاء في فضل الله وحسن ثوابه؛ فإنه إذا تذكر ما أعده الله لعباده من الثواب والفضل العظيم دعاه ذلك إلى الازدياد من الأعمال الصالحة لما يرجو من حسن ثوابها.
                    وصدق الرجاء يحمل على الخشية من فوات ثواب الله وفضله.
                    الأمر الثالث: التذكر الذي يحمل على الخوف من الله تعالى والخوف من سخطه وعقابه ، وهذا ما يزجره عن ارتكاب المحرمات والتفريط في أداء الفرائض.
                    والخوف الصادق يحمل على خشية التعرض لسخط الله وعقابه.
                    وهذه الأمور الثلاثة (المحبة والرجاء والخوف) هي أركان العبادة، وعليها مدراها، وهي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالخشية كما سبق بيانه، وبهذا تعلم شيئاً من الفرق بين الخشية والخوف، وأن خشية العبادة لها لوازم تعبدية من المحبة والخوف والرجاء.


                    قال ابن كثير: (وقولُه: سَيَذَكَّرُ مَنْ يَخْشَى. أي: سَيَتَّعِظُ بما تُبَلِّغُه يا محمدُ, مَن قَلْبُه يَخْشَى اللَّهَ ويَعْلَمُ أَنَّه مُلاقيهِ).
                    فالذي تقوم في قلبه خشية العبادة لله تعالى من محبته والتذلل له والتعظيم والانقياد والرغبة والرهبة ورجاء لقائه وفضله العظيم والخوف من سخطه وعقابه والخوف من أن يتخلى عنه ربه ووليه إذا هو ارتكب ما يسخطه، من قام في قلبه هذا المعنى كان من أكثر الناس حظاً وانتفاعاً بالقرآن العظيم ، لأنه يقرأ القرآن ويسمعه وقلبه متطلع إلى مزيد من الهدى ليتعرف به على أسباب التقرب إلى الله تعالى والفوز برضوانه وفضله العظيم والسلامة من سخطه وعقابه.
                    ومن كان هذا حاله فهو موعود بما يسره ويرضيه، من الهداية لما يقربه إلى الله تعالى ويدنيه ، ويسعده في الدنيا والآخرة ولا يشقيه ، وتأمل وصف الله تعالى لحال أهل خشيته عند تلاوتهم وسماعهم لآيات الله تتلى عليهم ومعرفتهم بأنهم هم المعنيون أولاً بما فيه من العبر والبينات، قال الله تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (22) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23)

                    3- قال تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (24) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (25) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (26) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28) إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (30) [فاطر]
                    جمع الله لهم مواضع الاعتبار والتفكر ووعدهم أن يوفيهم أجورهم ويزيدهم زيادة من عنده تليق بفضله وكرمه سبحانه لم يبينها لهم بل أخفاها لهم ليتشوقوا إليها، وأخبرهم أنه غفور شكور ، فيغفر لهم ذنوبهم وسيئاتهم ويفتح لهم أبواب الرجاء في مغفرته وعفوه وتجاوزه ، وهو تعالى شكور لا يضيع لهم أي عمل صالح يعملونه ولو كان مثقال ذرة، بل يقبله منهم وينميه لهم ويضاعف لهم مثوبته.
                    وأرشدهم الله تعال إلى التفكر في آياته الكونية المخلوقة وآياته المتلوة ، فهذا الماء الذي ينزل من السماء هو ماء واحد وتخرج به ثمرات مختلف ألوانها؛ فكذلك وحي الله تعالى المنزل هو وحي واحد ولكن انظر إلى اختلاف آثاره في قلوب الناس وأعمالهم ؛ فمنتفع ومحروم، ومستقل ومستكثر، إن في ذلك لعبرة لمن يخشى.

                    4- قَوْلُهُ تَعَالى: وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ[الزمر:54]
                    قال قتادة في قوله تعالى: وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ : أي أقبلوا إلى ربكم.
                    وقال عبد الرحمن بن زيد : (الإنابة: الرجوع إلى الطاعة، والنزوع عما كانوا عليه، ألا تراه يقول: ( مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ ).



                    5- وقد أمر الله تعالى عباده بالإنابة إليه فقال تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ(54) [الزمر]
                    فجمع الله تعالى في هاتين الآيتين الأسباب الثلاثة الحاملة على الإنابة وهي:
                    السبب الأول: تحبيبهم إليه تعالى، وتذكيرهم بصفاته المقتضية لمحبته فهو ربهم وهم عباده، وهو الرحيم الذي لا يؤيس عباده من رحمته، الغفور الذي يغفر الذنوب جميعاً مهما بلغت فلا يستعظمه ذنب أن يغفره، وهو الودود الذي تودد إلى عباده بحسن مخاطبتهم رحمة بهم وإحساناً إليهم وهو الغني عنهم ، ورفع من شأنهم إذ أضافهم إليه في خطابه لهم يَا عِبَادِيَ.
                    فمن تأمل هذه الأسماء الحسنى والصفات العليا وآثارها أحبَّ الله تعالى وأناب إليه.
                    السبب الثاني: الرجاء في رحمته ومغفرته وفضله العظيم لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا
                    السبب الثالث: التخويف من عذابه مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ
                    فمن تدبر هاتين الآيتين عرف أسباب الإنابة، وأنها ترجع إلى المحبة والخوف والرجاء التي هي أصول العبادة.
                    وقال تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32)

                    6- قوله: وإن من شيء إلا عندنا خزائنه [الحجر:21] وتقديم الظرف للحصر.
                    وقوله: وأن إلى ربك المنتهى [النجم:42]
                    قال ابن القيم : ( وإن من شيء إلا عندنا خزائنهمتضمن لكنز من الكنوز وهو أن كلَّ شيء لا يطلب إلا ممن عنده خزائنه ومفاتيح تلك الخزائن بيديه، وأن طلبه من غيره طلب ممن ليس عنده ولا يقدر عليه.
                    وقوله: وأن إلى ربك المنتهى متضمن لكنز عظيم وهو أن كل مراد إن لم يُرَد لأجله ويتصل به وإلا فهو مضمحل منقطع؛ فإنه ليس إليه المنتهى، وليس المنتهى إلا إلى الذي انتهت إليه الأمور كلها؛ فانتهت إلى خلقه ومشيئته وحكمته وعلمه؛ فهو غاية كل مطلوب.
                    وكل محبوب لا يحب لأجله؛ فمحبته عناء وعذاب، وكل عمل لا يراد لأجله؛ فهو ضائع وباطل، وكل قلب لا يصل إليه؛ فهو شقي محجوب عن سعادته وفلاحه.
                    فاجتمع ما يراد منه كله في قوله: وإن من شيء إلا عندنا خزائنه واجتمع ما يراد له كله في قوله: وأن إلى ربك المنتهى فليس وراءه سبحانه غاية تطلب، وليس دونه غاية إليها المنتهى.
                    وتحت هذا سرٌّ عظيم من أسرار التوحيد، وهو أن القلب لا يستقرُّ ولا يطمئنُّ ولا يسكن إلا بالوصول إليه، وكل ما سواه مما يحب ويراد؛ فمراد لغيره، وليس المراد المحبوب لذاته إلا واحد إليه المنتهى، ويستحيل أن يكون المنتهى إلى اثنين، كما يستحيل أن يكون ابتداء المخلوقات من اثنين؛ فمن كان انتهاء محبته ورغبته وإرادته وطاعته إلى غيره بطل عليه ذلك وزال عنه وفارقه أحوج ما كان إليه، ومن كان انتهاء محبته ورغبته ورهبته وطلبه هو سبحانه ظفر بنعمته ولذته وبهجته وسعادته أبد الآباد)ا.هـ.


                    7- قال الله تعالى: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ [الأنعام:162]
                    قوله: وَنُسُكِي
                    النسك هو كل ما يُتعبَّد به، وأشهر ما يطلق عليه لفظ النسك: الذبح، وبه فسر هذه الآية جماعة من السلف منهم مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة.
                    والنسيكة: الذبيحة، جمعها نُسُك وَنَسَائِك.
                    - فالذبح الذين يكون على وجه التقرب أو يذكر عليه اسم فهو عبادة من صرفه لغير الله فهو مشرك كافر سواء أكان المذبوح من بهيمة الأنعام أم غيرها.
                    والسبب في ذلك أن الذابح إذا أهل باسم غير الله فقد أشرك به، وإذا قصد تقديم هذه الذبيحة قرباناً لغير الله فهو مشرك كافر بهذا التقرب.

                    8-لكن أنبه إلى أن الوفاء بالنذر شأنه عظيم ، وإخلافه كبيرة من الكبائر؛ فقد مدح الله عباده الذين يوفون بالنذر فقال تعالى: إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (12) [الإنسان]
                    فجعل من أول صفاتهم أنهم يوفون بالنذر؛ والوفاء بالنذر في هذه الآية يشمل أداء الفرائض التي أوجبها الله عليهم، وما أوجبوه على أنفسهم تقرباً لله .
                    قال ابن كثير: (وقوله: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا أي: يتعبدون لله فيما أوجبه عليهم من الطاعات الواجبة بأصل الشرع، وما أوجبوه على أنفسهم بطريق النذر).
                    وقال تعالى في الحجاج: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29) [الحج]
                    قال مجاهد:( وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ: نذر الحجّ والهَدي، وما نذر الإنسان من شيء يكون في الحجّ).
                    وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ واللام هنا للأمر.
                    فالوفاء بالنذر من صفات الأبرار الذين مدحهم الله وشكر سعيهم وذكر ثوابهم العظيم.

                    وعدم الوفاء بالنذر من خصال المنافقين المذمومة، بل هو من أسباب النفاق والعياذ بالله؛
                    كما قال تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [التوبة:75/77]
                    وفي الصحيحين من حديث عمران بن حصين أن رسول الله قال: ((خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم - قال عمران: لا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة - ثم يجيء قوم ينذرون ولا يَفُون، ويخونون ولا يؤتمنون، ويشهدون ولا يستشهدون، ويظهر فيهم السِّمَن))
                    فجعل من أول صفاتهم أنهم ينذرون ولا يوفون.
                    وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النذر وبيَّن أنه لا يأتي بخير ففي الصحيحين من حديث ابن عمر أنه قال: (نهى النبي عن النذر وقال: (( إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل)) ).
                    وفي رواية في صحيح مسلم: ((النذر لا يقدم شيئاً ولا يؤخره، وإنما يستخرج به من البخيل)).
                    وفي صحيح مسلم أيضاً من حديث أبي هريرة عن النبي أنه قال: ((لا تنذروا فإن النذر لا يغني من القدَر شيئاً، وإنما يستخرج به من البخيل)).
                    وفي مصنف ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((إياكم والنذر؛ فإنَّ الله لا ينعم نعمة على الرُّشا، وإنما هو شيء يستخرج به من البخيل)).
                    فمن نذر نذراً معلقا بشرط حصول نعمة أو اندفاع نقمة؛ فإنَّ النذرَ لا يغيّر من القَدَر شيئاً، وإنما يستخرج به من البخيل على نفسه بالتقرب إلى الله تعالى، لأنه إذا حصلت هذه النعمة وجب عليه الوفاء وإلا ارتكب كبيرة من الكبائر بإخلاف وعدِه لله.


                    رابط الدرس
                    http://www.afaqattaiseer.com/vb/showthread.php?t=14659
                    (( محمد بدر الدين بن أحمد سيفي ))
                    - طـالب بمعهد آفاق التيسير الإلكتروني للعلوم الشرعيَّة -
                    http://www.afaqattaiseer.com/vb/index.php

                    تعليق


                    • #11
                      من الدرس التاسع : الأصل الثانى وهو معرفة دين الإسلام بالأدلة ( 3/1)

                      1- قوله تعالى: إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلامُ [آل عمران:19]
                      الإسلام في هذه الآية المراد به الإسلام الشرعي العام الذي هو دين الأنبياء جميعاً وهو التوحيد ، وعلى هذا تفاسير السلف لمعنى الإسلام في هذه الآية.
                      قال قتادة في قوله تعالى: إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلامُ: (الإسلام: شهادة أنّ لا إله إلا الله، والإقرار بما جاء به من عند الله، وهو دين الله الذي شرع لنفسه، وبعث به رسله، ودلّ عليه أولياءه، لا يقبل غيرَه ولا يجزى إلا به). رواه ابن جرير.
                      وفيه دلالة على وجوب التوحيد وأنه الدين الذي يقبله الله تعالى، والإسلام الذي بعث به محمد صلى الله عليه وسلم أصله التوحيد لله .
                      قال ابن القيم : (وقد دل قوله: إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلامُ على أنه دين جميع أنبيائه ورسله وأتباعهم من أولهم إلى آخرهم، وأنه لم يكن لله قط ولا يكون له دين سواه.
                      - قال أول الرسل نوح: فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
                      - وقال إبراهيم وإسماعيل: رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ
                      - وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
                      - وقال يعقوب لبنيه عند الموت: مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ إلى قوله وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
                      - وقال موسى لقومه: إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ
                      - وقال تعالى: فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
                      - وقالت ملكة سبأ: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
                      فالإسلام دين أهل السموات، ودين أهل التوحيد من أهل الأرض، لا يقبل الله من أحد ديناً سواه).
                      وقال ابن كثير : (قوله: إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلامُ إخبار من الله تعالى بأنه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام، وهو اتباع الرسل فيما بعثهم الله به في كل حين، حتى ختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم، الذي سد جميع الطرق إليه إلا من جهة محمد ، فمن لقي الله بعد بعثته محمدًا بدِين على غير شريعته، فليس بمتقبل. كما قال تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ).ا.هـ.


                      2- قوله تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ في الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرينَ [آل عمران:85]
                      وللسلف في المراد بالإسلام في هذه الآية قولان :
                      القول الأول: أنه دين الإسلام الذي بعث به محمد ، وأصله الشهادتان، وعليهما مدار التوحيد، وأن هذه الآية نسخت جميع الأديان السابقة من اليهودية والنصرانية والصابئية وبقايا الحنيفية.
                      القول الثاني: أن المراد به الإسلام العام الذي هو دين جميع الأنبياء، وهو توحيد الله .
                      قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وقوله تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِيناً الآية عام في الأولين والآخرين بأن دين الإسلام هو دين الله الذي جاء به أنبياؤه وعليه عبادة المؤمنون كما ذكر الله ذلك في كتابه من أول رسول بعثه إلى أهل الأرض نوح وإبراهيم وإسرائيل وموسى وسليمان وغيرهم من الأنبياء والمؤمنين).

                      وأجمعوا على أن المراد بالإسلام في قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا هو دين الإسلام الذي بعث به محمد .


                      3- قوله تعالى: شَهدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إلَّا هُوَ وَالمَلاَئِكَةُ وَأُولُوا العِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لاَ إلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الحَكِيمُ [آل عمران:18]
                      - لفظ الشهادة وما تصرف منه يطلق على معنيين مشهورين:
                      المعنى الأول: الحضور والمعَاينَة والإبصَار، كما في قوله تعالى: وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
                      المعنى الثاني: الإخبار البيّن الجازم عن أمرٍ ذي شأن ، وهو المراد هنا كما في قوله تعالى: شَهدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إلَّا هُوَ .
                      وقد اجتمع المعنيان في قوله تعالى: وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (19)
                      أَشَهِدُوا استفهام إنكاري، أي: هل حضروا خلقهم وعاينوه؟
                      وشَهَادَتُهُمْ أي إخبارهم الجازم في هذا الأمر العظيم.
                      والمقصود أن الشهادة بالمعنى الثاني تتضمن معاني الإخبار والبيان والجزم عن أمر ذي شأن.

                      فإذا تحققت هذه الأوصاف سمي شهادة وإن لم يكن فيه لفظ الشهادة ، ولذلك سمى الله تعالى هذا الزعم منهم شهادة.
                      والشهادة إذا لم تكن بحق فهي شهادة زور.
                      - وسمي قول (لا إله إلا الله) شهادة لأنه إخبار بيّن جازم عن أمر ذي شأن.
                      - قوله تعالى: شَهدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إلَّا هُوَ وَالمَلاَئِكَةُ وَأُولُوا العِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لاَ إلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الحَكِيمُ
                      أي أن الله تعالى وملائكته وأولوا العلم يشهدون أنه لا إله إلا الله.
                      قال ابن القيم : (وقوله تعالى: قَائِماً بِالْقِسْطِ القسط هو العدل؛ فشهد الله سبحانه أنه
                      قائم بالعدل في توحيده، وبالوحدانية في عدله.
                      والتوحيد والعدل هما جماع صفات الكمال؛ فإن التوحيد يتضمن تفرده سبحانه بالكمال والجلال والمجد والتعظيم الذي لا ينبغي لأحد سواه.
                      والعدل يتضمن وقوع أفعاله كلها على السداد والصواب وموافقة الحكمة).


                      4- قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي [الزخرف:27]
                      تضمنت البراءة مما يعبد من دون الله ، وإثبات العبادة لله وحده، وهذا هو معنى التوحيد، لا بد فيه من نفي وإثبات، نفي استحقاق غير الله للعبادة والبراءة مما يعبد من دون الله.
                      وإثبات العبادة لله وحده.
                      فلا يكون موحّداً إلا من جمع بين النفي والإثبات.
                      وهذا أمر يدل عليه المعنى اللغوي للتوحيد ، فجعل الشي واحداً يستلزم إثباتاً ونفياً
                      إثبات الوحدانية له، ونفي مشاركة غيره له.


                      5- وأما قوله تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَينَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لاَ نَعْبُدَ إلَّا اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران:64]
                      السواء في لسان العرب: النَّصَف والعدْل، وأصل ذلك أن العرب إذا تنازعوا وحصل بينهم من القتل والجراحات ما يحصل وأرادوا الصلح تداعوا إلى السَّواء فيصطلحون على أمر يكون فيها إنصاف للمتنازعين يسوَّى فيه بينهم في الدماء والحقوق.
                      قال زهير ابن أبي سلمى:
                      أَرونا سُنَّةً لا ضيـم فيهـا = يُسَوّى بَينَنا فيهـا السَّـواءُ
                      فَإِن تَدَعُوا السَّواءَ فَلَيسَ بَيني = وَبَينَكُمُ بَني حِصـنٍ بَقـاءُ

                      ومن العرب من تأخذه العزة بالإثم والبطر بالقوة فيأبى الدعوة إلى السَّواءِ، كما قال عنترة:
                      أبينا فما نُعطي السَّواءَ عدوَّنا = قياماً بأعضادِ السراء المعطّفِ

                      والعرب يمتدحون من يعطي السَّواء ويرضى به لأنه أرضى للنفوس وأقرب لمكارم الأخلاق والشيم .
                      وقد خاطبهم الله تعالى بما يعرفون فقال: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَينَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لاَ نَعْبُدَ إلَّا اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
                      قال ابن جرير: (إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ يعني: إلى كلمة عدل بيننا وبينكم، والكلمة العدل، هي أن نوحِّد الله فلا نعبد غيره، ونبرأ من كل معبود سواه، فلا نشرك به شيئًا).
                      والكلمة تطلق في اللغة على الجملة المفيدة، وأما اصطلاح النحويين على أن الكلمة اسم وفعل وحرف جاء لمعنى، فيجعلون الاسم كلمة، والفعل كلمة والحرف الذي جاء لمعنى كلمة؛ فهذا اصطلاح حادث ، ولا مشاحة في الاصطلاح ، لكن ليتفطَّن إلى أن معنى الكلمة في لسان العرب ليس هو المعنى الاصطلاحي عند النحاة.
                      قال الله تعالى: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا فسمَّى هذه الجملة المفيدة كلمة، والأدلة والشواهد على هذا الإطلاق كثيرة جداً.
                      فكلمة التوحيد: هي كلمة (لا إله إلا الله).
                      والكلمة السواء التي دعا الله تعالى إليها هي: أَنْ لاَ نَعْبُدَ إلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ
                      وهذه الآية بيَّنت معنى التوحيد ، وأن تفسيره الصحيح الذي لا يصح غيره أنه عبادة الله وحده لا شريك له، والبراءة من كل ما يعبد من دون الله . أَنْ لاَ نَعْبُدَ إلَّا اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً
                      قوله تعالى: وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ
                      قال ابن عطية: (واتخاذ بعضهم بعضاً أرباباً هو على مراتب:
                      - أعلاها اعتقادهم فيهم الألوهية وعبادتهم لهم على ذلك، كعزير وعيسى ابن مريم ، وبهذا فسَّر عكرمة.
                      - وأدنى ذلك طاعتهم لأساقفتهم ورؤسائهم في كل ما أمروا به من الكفر والمعاصي والتزامهم طاعتهم شرعاً، وبهذا فسَّر ابن جريج.
                      فجاءت الآية بالدعاء إلى ترك ذلك كله).
                      ودلَّ قوله تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ على أن من قام بذلك فهو من المسلمين، ومن أبى وتولَّى فليس بمسلم.


                      رابط الدرس :
                      http://www.afaqattaiseer.com/vb/showthread.php?t=15171
                      (( محمد بدر الدين بن أحمد سيفي ))
                      - طـالب بمعهد آفاق التيسير الإلكتروني للعلوم الشرعيَّة -
                      http://www.afaqattaiseer.com/vb/index.php

                      تعليق


                      • #12
                        من الدرس العاشر : الأصل الثانى وهو معرفة دين الإسلام بالأدلة (3/2)

                        وهذا التفريق بين الإسلام والإيمان استُدِل له بآيات من القرآن الكريم:
                        منها: قوله تعالى: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات:14]
                        وهذه الآية للسلف في تفسيرها قولان مشهوران:
                        القول الأول: أن الإسلام المثبَت لهم هو مرتبة الإسلام ، وأنهم لم يبلغوا مرتبة الإيمان.
                        القول الثاني: أن الإسلام المثبَت لهم هو الإسلام الظاهر الذي لا يقتضي أن يكون صاحبه مسلماً حقاً في الباطن ، وذلك كما يحكم لأهل النفاق بالإسلام الظاهر ، وإن كانوا كفاراً في الباطن؛ لأن التعامل مع الناس هو على ما يظهر منهم ؛ فمن أظهر الإسلام قبلنا منه ظاهره ووكلنا سريرته إلى الله ، فيعامل معاملة المسلمين ما لم يتبين لنا بحجة قاطعة ارتداده عن دين الإسلام.
                        القول الأول: هو قول الزهري وإبراهيم النخعي وأحمد بن حنبل واختاره ابن جرير وابن تيمية وابن كثير وابن رجب.
                        والقول الثاني: هو قول مجاهد والشافعي والبخاري ومحمد بن نصر المروزي وأبي المظفر السمعاني والبغوي والشنقيطي واستدلوا بقوله تعالى: وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ قالوا : فهؤلاء لم يدخل الإيمان في قلوبهم بنص القرآن ، ومن لم يدخل الإيمان في قلبه فليس بمسلم على الحقيقة، وإنما إسلامه بلسانه دون قلبه.
                        وأصحاب القول الأول يقولون إن الإيمان المنفي عنهم هو ما تقتضيه مرتبة الإيمان ، فهم لم يعرفوا حقيقة الإيمان وإنما أسلموا على جهل فيثبت لهم حكم الإسلام.
                        وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ أي لم تباشر حقيقة الإيمان قلوبكم.
                        وابن القيم قال بالقول الأول في بدائع الفوائد، وقال بالقول الثاني في إعلام الموقعين.
                        والتحقيق أن دلالة الآية تَسَعُ القولين، فإذا أريد بنفي الإيمان في قوله تعالى: لَمْ تُؤْمِنُوا نفي أصل الإيمان الذي يَثبت به حكم الإسلام ؛ فهؤلاء كفار في الباطن ، مسلمون في الظاهر، فيكون حكمهم حكم المنافقين، وقد يتوب الله على من يشاء منهم ويهديه للإيمان.
                        وإذا أريد بنفي الإيمان نفي القدر الواجب من الإيمان الذي مدح الله به المؤمنين وسماهم به مؤمنين؛ فهذا لا يستلزم نفي أصل الإيمان والخروج من دين الإسلام، فيثبت لهم حكم الإسلام، وينفى عنهم وصف الإيمان الذي يطلق على من أتى بالقدر الواجب منه.
                        وهذا كما في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة أن النبي قال: ((والله لا يؤمن! والله لا يؤمن! والله لا يؤمن!))
                        قيل: من يا رسول الله؟
                        قال: ((الذي لا يأمن جاره بوائقه)).
                        فهذا نفى عنه حقيقة الإيمان والقدر الواجب منه الذي مدح الله به المؤمنين وسماهم به،
                        ولا يقتضي أن من فعل ذلك فهو خارج عن دين الإسلام.

                        والذي يوضح هذا الأمر أن قول أَسْلَمْنَا قد يقوله الصادق والكاذب؛ فإذا قاله الكاذب فهو منافق مدَّعٍ للإسلام مخادع للذين آمنوا، يُظهر الإسلام ويبطن الكفر.
                        وإذا قاله الصادق فهو مسلم ظاهراً وباطناً، ومعه أصل الإيمان.
                        ولهذا قال الله تعالى: بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ
                        فعلق وصف الإيمان بالصدق؛ فمن صدق منهم فهو من أهل الصنف الأول، ومن لم يصدق منهم فهو من أهل الصنف الثاني، وهذا يبيّن جواز أن يكون فيمن نزلت فيهم هذه الآيات من هو من أصحاب الصنف والأول، ومنهم من هو من أصحاب الصنف الثاني، وشملت هذه الآيات الصنفين كليهما.
                        وهذا مثال بديع لحسن بيان القرآن الكريم، ودلالته على المعاني العظيمة بألفاظ وجيزة.

                        والمقصود أن الآية على القول الأول في تفسيرها فيها دلالة على التفريق بين مرتبة الإسلام ومرتبة الإيمان.
                        قال محمد بن نصر المروزي: (نقول إن الرجل قد يسمى مسلما على وجهين:
                        أحدهما: أن يخضع لله بالإيمان والطاعة تدينا بذلك يريد الله بإخلاص نية.
                        والجهة الأخرى: أن يخضع ويستسلم للرسول وللمؤمنين خوفا من القتل والسبي؛ فيقال قد أسلم أي خضع خوفا وتقية، ولم يسلم لله، وليس هذا بالإسلام الذي اصطفاه الله وارتضاه الذي هو الإيمان الذي دعا الله العباد إليه).

                        وكذلك قوله تعالى: فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الذاريات: 35-36]

                        نجَّى الله جميع المؤمنين من العذاب كما قال تعالى: فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين .
                        وقوله : فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين دليل على أنه لم يكن في قرى قوم لوط إلا بيت واحد على الإسلام، وهو بيت لوط .
                        وأهل لوط كلهم مؤمنون إلا امرأته كانت كافرة بنص القرآن كما في قوله تعالى: ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط ، لكن اختلف أهل العلم:
                        هل كانت مسلمة في الظاهر أو كانت على دين قومها ظاهراً وباطنا على قولين:
                        القول الأول: أنها كانت على دين قومها، وإنما كانت خيانتها أنها تدل قومها الذين يعملون السوء على أضياف لوط، وهذه خيانة له.
                        القول الثاني: أنها كانت تظهر الإسلام وتبطن الكفر.
                        والقول الأول أصح وأشهر وهو المأثور عن ابن عباس وسعيد بن جبير.
                        فإن قيل: كيف يبقيها في ذمته وهي كافرة؟
                        قيل: إن ذلك كان جائزاً في شريعتهم، كما كان جائزاً في أول الإسلام ثم نسخ.

                        وسواء أكانت امرأة لوط مسلمة في الظاهر أم غير مسلمة في الظاهر؛ فإن ذلك لا ينقض الحكم على البيت بأنه بيت إسلام،كما أن وجود بعض الكفار في بلاد الإسلام لا يجعلها بلاد كفر.
                        ومقصود الآية أن قرى قوم لوط لم يكن فيها بيت على الإسلام إلا بيت لوط .


                        وهذه الآية فيها لطيفة وهي أن المؤمنين موعودون بالنجاة ، والمسلم غير المؤمن ليس له عهد بالسلامة من العذاب والنجاة منه؛ فقد يعذب بمعاصيه في الدنيا وقد يعذب في قبره وقد يعذب في النار ، لكنه لا يخلد فيها.
                        وهذا نظيره ما ورد في قصة أصحاب السبت فإن الله تعالى أنجى المؤمنين الذين ينهون عن السوء وسكت عن الساكتين عن إنكار المنكر وأخذ الذين ظلموا بعذاب بئيس، فتبين أن أصحاب الكبائر من المسلمين ليس لهم عهد أمان من العذاب كما جعل الله ذلك لأهل الإيمان؛ فقد يُعذَّبون، وقد يعفو الله عنهم بفضله وكرمه، وهذا يبين لك الفرق العظيم بين مرتبة الإسلام ومرتبة الإيمان.
                        فالمؤمن له عهد أمان بأن لا يعذبه الله ولا يخذله، وأنه لا يخاف ولا يحزن، ولا يضل ولا يشقى، وقد تكفل الله له بالهداية والنجاة والنصر والرفعة .
                        وهو في أمان من نقمة الله تعالى وسخطه، وفي أمان من عذاب الآخرة كما قال الله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ .

                        وفي هذا القدر كفاية في بيان الفرق بين مرتبة الإسلام ومرتبة الإيمان.


                        رابط الدرس:
                        http://www.afaqattaiseer.com/vb/showthread.php?t=15180
                        (( محمد بدر الدين بن أحمد سيفي ))
                        - طـالب بمعهد آفاق التيسير الإلكتروني للعلوم الشرعيَّة -
                        http://www.afaqattaiseer.com/vb/index.php

                        تعليق


                        • #13
                          من الدرس الحادى عشر : الأصل الثانى وهو معرفة الإسلام بالأدلة (3/3)

                          1- وقد وعد الله تعالى المحسنين في الإنفاق بالفضل العظيم كما قال تعالى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (262) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264) [البقرة]
                          وهذا المثل من أبلغ الأمثلة وأعظمها عبرة، والعرب تشّبه قليل الخير والبركة من الناس بالصفا الأصلد الذي لا ينبت كلأً ولا يوري ناراً.

                          قال تأبط شراً:
                          وَلَستُ بجلبٍ جلبِ ريحٍ وقرَّةٍ = وَلا بصَفاً صَلدِ عَنِ الخَيرِ معزلِ


                          الجِلْبُ: هو السَّحَاب المعترض كأنه جَبَل، يُرى عظيماً ولا ماءَ فيه ولانفع، وإنما يجلبُ الريح والبرْد، ويُضْرَبُ مثلاً للذي يَعِدُ الوعود العظيمة وهو في حقيقة الأمر يؤذي ولا ينفع.
                          كما قال نهشل الدارمي:
                          كَجِلبِ السوءِ يُعْجِبُ مَنْ رآهُ = وَلا يَسْقِي الحَوَائِم مِن لَمَـاقِ


                          الحوائم: الطيور الحائمة، واللَّماق: المُذْقَة اليسيرة.
                          والشاهد قوله: (ولا بصفا صلد عن الخير معزلِ)
                          والصفا الصلد هو الحجر الكبير الصلب الأملس لا ينبت كلأ ولا يوري ناراً، تجعله العرب مثلاً للرجل الذي لا ينتفع به.
                          ومما يوضح هذا المعنى قول الحطيئة:
                          لا يُبعِدِ اللهُ مَن يُعطي الجزيلَ ومَن = يَحبو الجَليلَ وما أَكْدَى وَلا نَكدا
                          وَمَن تُلاقيهِ بِالمَعـروفِ مُبتَهِجـاً = إِذا اجرَهَدَّ صَفا المَذمُومِ أَو صَلَدا


                          وقال الأصمعي: (صَلَدَ الزّنادُ إذا صَوَّت ولم يخرج ناراً).

                          فقوله تعالى: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا
                          أي إن مثل هذا المنفق المغترّ بنفقته، ويظنّ أنها تنفعه، وهو قد أبطلها بالمن والأذى كمثل صفوان صلد لا نفع فيه ولا خير، إذْ كان مافعله من الخير باطلاً، وإنما هو كتراب غطَّى الصفوان فلما أصابه المطر تبيَّنت حقيقته وبقي صلداً.
                          فهذا مثَل المسيء في نفقته، وأما مثل المحسن فكما قال الله تعالى: وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
                          نسأل الله من فضله.
                          وتأمَّل كيف شبَّه الله تعالى آياته ومواعظه بالماء الذي إذا نزل على مكان طيّب صالحٍ للنبات قد ثُبّت غرسه فإنه ينفعه ويثمره وينميه ، وأما الصفوان الأصلد الذي غطي بالتراب فإنه يكشفه على حقيقته ويعرّيه.
                          = فالمحسن في نفقته كالذي يغرس في جنة طيبة مباركة، قد ثبت غرسها تثبيتاً حتى استقر في تلك الأرض الطيبة فكان ما يصيبها من الماء نافعا لها منبتاً لغرسها حتى ينمو نباتها ويؤتي ثماره ضعفين.
                          = وأما المسيء في نفقته فمحلّ غرسه خبيث لا يستقر فيه الغرس وإنما هو كتراب على صفوان؛ يغترّ به صاحبه فإذا أصابه المطر تركه صلداً لا أثر فيه لنبات ولا غرس، ولا تُرجى منه ثمرة، ولا يقدر منه على شيء.
                          فانظر إلى اختلاف آثار آيات القرآن الكريم على قلوب العباد فمنتفع بها مبارك له فيها، ومحروم من بركتها معذَّب بها، والعياذ بالله.

                          2- قوله تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ.
                          فالدعاء هنا يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة.
                          ومن قام بهذه الأمور التي أمر الله بها فهو من أهل الإحسان.
                          قال شيخ الإسلام ابن تيمية : (وقوله : إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ فيه تنبيهٌ ظاهرٌ على أن فِعْلَ هذا المأمور هو الإحسان المطلوب منكم، ومطلوبكم أنتم من الله رحمته، ورحمته قريبٌ من المحسنين الذين فعلوا ما أمروا به من دعائه تضرعًا وخفيةً وخوفًا وطمعًا .
                          فَقَدْرُ مطلوبكم منه - وهو الرحمة - بحسب أدائكم لمطلوبه، وإن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم .
                          وقوله تعالى: إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ له دلالةٌ بمنطوقه ودلالةٌ بإيمائه وتعليله ودلالةٌ بمفهومه:
                          - فدلالته بمنطوقه على قرب الرحمة من أهل الإحسان.
                          - ودلالته بإيمائه وتعليله على أن هذا القرب مستحق بالإحسان، وهو السبب في قرب الرحمة منهم.
                          - ودلالته بمفهومه على بعده من غير المحسنين .
                          فهذه ثلاث دلالات لهذه الجملة ؛ وإنما اختص أهل الإحسان بقرب الرحمة لأنها إحسانٌ من الله أرحم الراحمين وإحسانه إنما يكون لأهل الإحسان ؛ لأن الجزاء من جنس العمل وكلما أحسنوا بأعمالهم أحسن إليهم برحمته.
                          وأما من لم يكن من أهل الإحسان؛ فإنه لما بعد عن الإحسان بعدت عنه الرحمة، بُعْدٌ ببُعْدٍ وَقُرْبٌ بقُرْب؛ فمن تقرب إليه بالإحسان تقرب الله إليه برحمته، ومن تباعد عن الإحسان تباعد الله عنه برحمته.
                          والله سبحانه يحب المحسنين، ويبغض من ليس من المحسنين، ومن أحبه الله فرحمته أقرب شيءٍ منه، ومن أبغضه الله فرحمته أبعد شيءٍ منه.
                          والإحسان هاهنا هو فعل المأمور به سواءٌ كان إحسانًا إلى الناس أو إلى نفسه؛ فأعظم الإحسان: الإيمان والتوحيد والإنابة إلى الله تعالى والإقبال إليه والتوكل عليه وأن يعبد الله كأنه يراه إجلالًا ومهابةً وحياءً ومحبةً وخشيةً؛ فهذا هو مقام الإحسان كما قال النبي - وقد سأله جبريل عن الإحسان -؛ فقال : (( أن تعبد الله كأنك تراه ))
                          فإذا كان هذا هو الإحسان فرحمته قريبٌ من صاحبه ؛ وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان يعني هل جزاء من أحسن عبادة ربه إلا أن يحسن ربه إليه).ا.هـ


                          رابط الدرس:
                          http://www.afaqattaiseer.com/vb/showthread.php?t=15300
                          (( محمد بدر الدين بن أحمد سيفي ))
                          - طـالب بمعهد آفاق التيسير الإلكتروني للعلوم الشرعيَّة -
                          http://www.afaqattaiseer.com/vb/index.php

                          تعليق


                          • #14
                            من الدرس الثانى عشر : بيان الأصل الثالث وهو معرفة الرسول

                            قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ
                            (7) [المدثر:1-7]
                            هذه الآيات هي أول ما نزل على النبي بعد فترة الوحي الأولى، كما تقدم بيانه.
                            والمدَّثر : أصله: (المتدثّر) ثم أدغمت التاء في الدال وشدِّدَت.
                            والمدثر هو المتغطي بالدِّثَار وهو لباس يكون فوق الشعار ؛ فالشعار هو اللباس الذي يلي الجسد ، والدّثار لباس فوقه .
                            ومنه قول النبي : ((الأنصار شعار والناس دثار)) متفق عليه من حديث عبد الله بن زيد .
                            قال الفراء وأبو معمر وابن قتيبة وابن جرير وغيرهم: المدثر هو المتدثر بثيابه إذا نام.
                            وقال إبراهيم النخعي: كان متدثراً بقطيفة.


                            قوله: (وَمَعْنَى: قمْ فَأَنْذِرْ يُنْذِرُ عَنِ الشِّرْكِ، وَيَدْعُو إِلى التَّوْحِيدِ).
                            قال ابن جرير: (وقوله:(قُمْ فَأَنْذِرْ) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد : قم من نومك فأنذر عذابَ الله قومك الذين أشركوا بالله، وعبدوا غيره).
                            والإنذار يكون من العذاب وسببه؛ فالشرك سبب للعذاب، والنار وما يعاقب الله به المشكرين عذاب، ويقع الإنذار من هذا وهذا.

                            قوله: (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ أَيْ: عَظِّمْهُ بِالتَّوْحِيدِ).
                            قال ابن جرير: (وَرَبَّكَ يا محمد فعظم بعبادته، والرغبة إليه في حاجاتك دون غيره من الآلهة والأنداد).
                            فالتكبير هو التعظيم كما قال الله تعالى: وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا
                            قال الشنقيطي: (وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا أي: عظمه تعظيماً شديداً، ويظهر تعظيم الله في شدة المحافظة على امتثال أمره واجتناب نهيه، والمسارعة إلى كل ما يرضيه: كقوله تعالى:وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ ، ونحوها من الآيات).

                            قوله: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ أَيْ: طَهِّرْ أَعْمَالَكَ عَنِ الشِّرْكِ).
                            هذا أحد الأقوال في تفسير هذه الآية، أن الطهارة فيه معنوية، والعرب تسمي الرجل الذي يتعفف ويتنزه عن المعايب والفواحش والمكاسب المحرمة نقي الثياب، وطاهر الثياب، وطيب الأردان
                            ومنه قول امرئ القيس:
                            ثِيابُ بَني عَوفٍ طَهارى نَقِيَّةٌ = وَأَوجُهُهُم عِندَ المُشاهدِ غِرّان
                            كما يسمون الفاجر والغادر والفاحش وآكل السحت دنس الثياب، ومنه قول الشاعر فيما أورده ابن قتيبة:
                            لاهمَّ إن عامر بن جهم = أوذمَ حجاً في ثياب دُسْمِ
                            أوذم : أي عزم .
                            والثياب الدسم هي المتسخة .
                            وقد روى ابن جرير عن ابن عباس أنه سئل عن قوله تعالى: وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ قال: لا تلبسها على معصية ولا على غدرة
                            ثم أنشد قول غيلان الثقفي:
                            وإني بحمد الله لا ثوب فاجر = لبست ولا من غدرة أتقنع

                            والمقصود أن تطهير الثياب يراد به تطهير النفس من النجاسات المعنوية، وأشدها الشرك.

                            قوله: (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ الرُّجْزُ: الأَصْنَامُ، وَهَجْرُهَا: تَرْكُهَا وَأَهْلِهَا، وَالبَرَاءَةُ مِنْهَا وَأَهْلِهَا، وَعَدَاوَتُها وَأَهْلِهَا، وَفِرَاقُهَا وَأَهْلِهَا).

                            والرّجز: الأوثان، تضم الراء وتكسر، وهما قراءتان.
                            وقد قال الله تعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ
                            قال ابن المبارك اليزيدي: (الرجز والرجس واحد).
                            وقد قيل في اشتقاق هذه العبارة أن هذا الأصل الذي هو الـراء والجيم والزاي (ر ج ز) يفيد الاضطراب, ويفيد المهانة أيضا, فيه معنى الاضطراب وفيه معنى الامتهان, لأن أصل الرجز في اللغة هو داءٌ يصيب أعجاز الإبل فتضطرب منه أي: تتحرك حركة مضطربة
                            قال ابن فارس: (الراء والجيم والزاء أصلٌ يدلُّ على اضطرابٍ. من ذلك الرِّجَزُ: داءٌ يصيبُ الإبلَ في أعجازِها، فإذا ثارت النّاقةُ ارتعشَتْ فَخِذاها.
                            ومن هذا اشتقاق الرِّجَزِ من الشِّعر؛ لأنه مقطوع مضطرب).

                            والشرك فيه اضطراب لأنه على غير قرار ولا يستند لحجة ولا يطمئن قلب صاحبه، بل هو مضطرب في اعتقاده، مضطرب في سلوكه، قال الله تعالى: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ
                            وقال: وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ.
                            وفيه أيضاً معنى الامتهان: وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ
                            ولا يسلم العبد من هذا الاضطراب والامتهان إلا بالتوحيد.
                            فإنه بالتوحيد يتطهر ويزكو ويطمئن ، فيكون طيباً مباركاً ثابتاً على يقين وبينة من أمره، يمشي سوياً على صراط مستقيم.

                            (( محمد بدر الدين بن أحمد سيفي ))
                            - طـالب بمعهد آفاق التيسير الإلكتروني للعلوم الشرعيَّة -
                            http://www.afaqattaiseer.com/vb/index.php

                            تعليق


                            • #15
                              من الدرس الثالث عشر : مسائل مهمة (2/1)

                              1- قال تعالى : فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (175) [النساء]
                              ثلاث بشارات عظيمة كل واحدة منها خير من الدنيا وما فيها.
                              وتأمل قول الله تعالى: فسيدخلهم في رحمة منه وفضل فكأن الرحمة والفضل يحيطان بهم من جميع جوانبهم يتقلبون فيهما كيف يشاؤون.
                              ويهديهم إليه صراطاً مستقيماً وهذه هداية خاصة تقربهم إلى الله تعالى وتدنيهم منه وتعرّفهم بما يحبه الله ويرضاه وتعرّفهم بما لم يكونوا ليهتدوا إلى معرفته لولا فضل الله من أسباب رحمته وتوفيقه وفضله العظيم في الدنيا والآخرة.


                              والاعتصام بالشيء اتخاذه عاصماً ومانعاً مما يخشى ضرره، وقد أمر الله تعالى بالاعتصام به، وفي ضمن ذلك وَعْدُه لمن اعتصم به أن يعصِمَه مما يخاف ضرره.
                              وقد قال الله تعالى: فمن اتبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون
                              فالاعتصام بالله يكون باتباع هدى الله ، في ما بينه في كتابه الكريم وفي ما بيَّنه الرسول ، لأن الضرر الذي يخشى في الدنيا والآخرة قد بيَّن الله تعالى في كتابه وفي سنة نبيه أسباب العصمة منه؛ فمن فعل ما أُمر به وانتهى عما نُهِيَ عنه فقد أخذ بأسباب العصمة، ومن أعرض عن الكتاب والسنة أو وقع في مخالفة الأمر وارتكاب النهي لم يكن معتصماً.
                              وفي صحيح مسلم وغيره من حديث جابر بن عبد الله أن النبي قال لأصحابه في خطبة الوداع: (( وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله وأنتم تسألون عني؛ فما أنتم قائلون؟ ))
                              قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت.
                              وقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: (( اللهم اشهد، اللهم اشهد)) ثلاث مرات.
                              وفي مستدرك الحاكم وسنن البيهقي وغيرهما من حديث أبي هريرة عن النبي أنه قال: (( إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما : كتاب الله و سنتي و لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض)). صححه الألباني.

                              والاعتصام بالكتاب والسنة أصل عظيم من أصول أهل السنة والجماعة ، وتنبني عليه مسائل كثيرة من مسائل الاعتقاد، وقد ضلَّت طوائف من أهل البدع بسبب ضعف اعتصامهم بالكتاب والسنة، بل من الطوائف من قدمت عقولها وأراءها على الكتاب والسنة، ومنها من قدمت أهواءها وأقوال معظميها على صريح دلالة الكتاب والسنة، ومنهم من وقع بسبب ذلك في فتنة التأويل المذموم، ومنهم من وقع في فتنة التفويض.
                              ومنهم من وقع في فتن أخرى.
                              ولا عصمة لأحد في اعتقاده إلا بالاعتصام بالكتاب والسنة؛ فالمعتصم مهتدي، والمفرّط في الاعتصام عرضة للضلالة، والعياذ بالله.
                              وأمر الاعتصام بالكتاب والسنة ميسَّر ليس فيه عنت ولا مشقة، وما جعل الله علينا في الدين من حرج.


                              2- قوله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا [المائدة:3]
                              اليوم المقصود به يوم عرفة من حجة الوداع ، وهو اليوم الذي أنزلت فيه هذه الآية.
                              كما في الصحيحين من حديث طارق بن شهاب قال : جاء رجلٌ من اليهود إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين آيةٌ في كتابكم تقرءونها لو علينا -معشر اليهود - نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً.
                              قال: أي آية؟
                              قال: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً
                              فقال عمر: (قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي ، وهو قائم بعرفة يوم جمعة).


                              فقد جمع الله لنزول هذه الآية خير الأيام من أيام الأسبوع، وخير الأيام من أيام السنة، وخير الأركان من أركان الحج، وأفضل جمع اجتمع من خير أمة أخرجت للناس، فامتنَّ الله تعالى على المسلمين في ذلك اليوم بإكمال الدين وإتمام النعمة وَرِضَاه لنا بدين الإسلام ديناً، والمقصود بالإسلام هنا الدين الذي أنزله الله على محمد بإجماع العلماء.
                              قال ابن كثير: (وقوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا هذه أكبر نعم الله على هذه الأمة حيث أكمل تعالى لهم دينهم ، فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم، صلوات الله وسلامه عليه؛ ولهذا جعله الله خاتم الأنبياء، وبعثه إلى الإنس والجن، فلا حلال إلا ما أحله، ولا حرام إلا ما حرمه، ولا دين إلا ما شرعه، وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق لا كذب فيه ولا خُلْف، كما قال تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا أي: صدقاً في الأخبار، وعدلاً في الأوامر والنواهي.
                              فلما أكمل الدين لهم تمت النعمة عليهم؛ ولهذا قال الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا أي: فارضوه أنتم لأنفسكم، فإنه الدين الذي رضيه الله وأحبه وبعث به أفضل رسله الكرام، وأنزل به أشرف كتبه).

                              قوله : وأتممت عليكم نعمتي النعمة المرادة هنا هي النعمة الخاصة التي اختص الله بها أولياءه وهي نعمة الهداية.
                              فإن إنعام الله تعالى على عباده على نوعين:
                              النوع الأول: إنعام عام، وهو إنعام فتنة وابتلاء ، كما قال تعالى: فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن الآيتين.
                              وقال: فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
                              وهذا الإنعام عام للمؤمنين والكافرين كما قال تعالى: كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا
                              وهذا الإنعام حجة على العباد ودليل على المنعم ليخلصوا له العبادة ويشكروه على نِعَمِه كما بيَّن الله تعالى ذلك بقوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ
                              وقال: وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (51) وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (52) وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (53) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (54) لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ

                              النوع الثاني: الإنعام الخاص، وهو إنعام منَّة واجتباء ، وهو الإنعام بالهداية إلى ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال، وما يمنُّ به على بعض عباده من أسباب فضله ورحمته وبركاته
                              وهذا الإنعام هو المقصود هنا ، وفي قول الله تعالى في إرشاده لعباده في أم القرآن: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين
                              وهو المقصود في قوله تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا
                              وقوله: أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا
                              فقوله تعالى: وأتممت عليكم نعمتي أي نعمة بيان الهدى إلى ما يحبه الله ويرضاه ؛ فهي نعمة تامة غير ناقصة ، شاملة جميع ما يحتاجه المسلمون أفراداً وجماعات في أي شأن من شؤونهم، كما قال الله تعالى: إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم حذف متعلق أفعل التفضيل لإرادة العموم ؛ أي أقوم في كل شيء يُحتاج إليه من أبواب الدين في العقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق والسلوك والدعوة والسياسة وغيرها مما تتعلق به حاجة الفرد أو الأمة إلى الهداية إلى ما ينفع ويقرب إلى الله ، وتتحقق به النجاة والسلامة مما يخشى ضرره كما قال تعالى: قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ .
                              وقال: فمن اتبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وقال: فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى
                              فدلت الآية على كمال الدين وتمام النعمة الخاصة التي اختص الله بها هذه الأمة، فمَنْ قَبِلَها وشكرها كان موعوداً بالخير والفضل العظيم في الدنيا والآخرة، ومن بدَّلها وكفرها كان متوعداً بالعذاب الشديد ، والخسران المبين، كما قال الله تعالى: وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ
                              وقال: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (28) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (29) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (30) قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ
                              فبيَّن الله تعالى في هذه الآيات غاية الكفر وغاية الشكر
                              * فغاية الكفر: هو تبديل النعمة بالكفر والتعرض لسخط الله ومقته بالشرك به .
                              وأعظم هذه النعم نعمة الإسلام فمن رفضه فقد بدَّل النعمة أقبح تبديل، وسمِّي ذلك تبديلاً للنعمة لأن من فعل أسباب سلب النعمة وإحلال النقمة محلها مبدِّل للنعمة
                              كما بيَّن الله تعالى ذلك بقوله: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
                              فمن كان على فطرة الإسلام إذا فعل ما يستحق به سلب هذا النعمة فهو مبدّل لهذه النعمة، ومن أتاه البيان إلى ما يحبه الله ويرضاه وما يفوز به العبد في دنياه وأخراه ثم رفضه فهو مبدل للنعمة.
                              فإنه لما جاءته نعمة الهداية والبيان فردها وزاغ قلبه عنها قصداً وعمداً أزاغ الله قلبه جزاء وفاقاً فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين
                              ومن كان على دين الإسلام ثم ارتد عنه فهو مبدّل للنعمة أقبح تبديل.
                              فهذا بيان أنواع غاية الكفر، وهو الكفر الذي يخرج به من الملة ويستحق به صاحبه الخلود في النار والعياذ بالله ، وهو الذي وصفه الله بقوله: وجعلوا لله أنداداً ليضلوا عن سبيله ... الآية
                              * وأما غاية الشكر: فما أرشد الله تعالى إليه من إقامة الصلاة والإنفاق في سبيله سراً وجهراً خوفاً وطمعاً وهذا يستلزم تحقيق الإخلاص، ومن فعله فهو من أهل الإحسان في الإسلام.
                              وبين هاتين المرتبتين -غاية الشكر وغاية الكفر -درجات كثيرة ومنازل للناس يتفاوتون فيها كما سبق تقرير نظائره في مسائل كثيرة.

                              ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
                              سميع لما يقوله المؤمنون من حمده ، ولما يقوله الكافرون من نسبة النعمة إلى غيره ظلماً وعلواً.
                              عليم بما في قلوبهم وما تعمله جوارحهم من الشكر أو الكفر.

                              فتبيَّن بهذا التقرير وبما تقدم من الأدلة أن الناس يتفاضلون في نصيبهم من هذه النعمة الخاصة على تفاضلهم في طاعة الله والرسول.
                              وتبيَّن أن طاعة الله تعالى وطاعة رسوله هي الشكر الذي يحبه الله ويرضاه.
                              وتبيَّن أن كمال الدين لا يقتضي كمال جميع المنتسبين إليه، وذلك لتفاوتهم في الطاعة؛ فمن أتم الطاعة فقد استكمل دينه، ومن نقص نقص من دينه بقدره.

                              قوله تعالى: ورضيت لكم الإسلام دينا
                              -يدل بمنطوقه على أن ما رضيه الله تعالى لنا فهو خير لنا وأصلح وأقوم، لأنه رضا عن علم وحكمة ورحمة؛ فدين الإسلام خير الأديان وأصلحها وأفضلها لنا ، وهو دين قد رضيه الله ، والله تعالى لا يرضى بما فيه شرٌّ ومفسدة وظلم.
                              -ويدل بمفهومه على أن غير دين الإسلام لا يرضاه الله لنا.
                              فكل دين غير دين الإسلام فالله تعالى لا يرضاه، وما لا يرضاه الله فهو غير مقبول ولا نافع لمن اتبعه.

                              وكمال دين الإسلام يستلزم اعتقاد كمال بيان النبي لأمور الدين، وأن بيانه لأمور الدين أتم البيان وأحسنه.
                              وهذا أصل مهم يرد به على أهل البدع والأهواء.
                              قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (اليوم أكملت لكم دينكم فلم يترك شيئا من أمور الدين وقواعده وأصوله وشرائعه وفصوله إلا بيَّنه وبلَّغه على كماله وتمامه ولم يؤخر بيانه عن وقت الحاجة إليه، إذ لا خلاف بين فرق الأمة أنَّ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز بحال).
                              وقال أيضاً: (ومما جاء به الرسول: إخباره بأنه تعالى قد أكمل الدين بقوله سبحانه: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا .
                              ومما جاء به الرسول: أمر الله له بالبلاغ المبين كما قال تعالى : وما على الرسول إلا البلاغ المبين وقال تعالى : وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم
                              وقال تعالى : يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس .
                              ومعلومٌ أنه قد بلَّغ الرسالة كما أُمِر، ولم يكتم منها شيئًا ؛ فإنَّ كتمان ما أنزله الله إليه يناقض موجب الرسالة ؛ كما أن الكذب يناقض موجب الرسالة .
                              ومن المعلوم من دين المسلمين أنه معصومٌ من الكتمان لشيء من الرسالة كما أنه معصومٌ من الكذب فيها .
                              والأمة تشهد له بأنه بلَّغ الرسالة كما أمره الله وبين ما أنزل إليه من ربه، وقد أخبر الله بأنه قد أكمل الدين ؛ وإنما كَمُلَ بما بَلَّغه ؛ إذ الدين لم يعرف إلا بتبليغه؛ فعُلِمَ أنه بلغ جميع الدين الذي شرعه الله لعباده كما قال صلى الله عليه وسلم: (( تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالكٌ )).
                              وقال : (( ما تركت من شيءٍ يقربكم إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به، وما تركت من شيءٍ يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم به)).
                              وقال أبو ذر : (لقد توفي رسول الله وما طائرٌ يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علمًا) ).
                              رابط الدرس :
                              http://www.afaqattaiseer.com/vb/showthread.php?t=16705
                              (( محمد بدر الدين بن أحمد سيفي ))
                              - طـالب بمعهد آفاق التيسير الإلكتروني للعلوم الشرعيَّة -
                              http://www.afaqattaiseer.com/vb/index.php

                              تعليق

                              19,840
                              الاعــضـــاء
                              231,391
                              الـمــواضـيــع
                              42,340
                              الــمــشـــاركـــات
                              يعمل...
                              X