• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • سلسلة {اللطائف والأسرار والحكم} من زاد المسير لابن الجوزي

      إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له
      وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله .
      أما بعد :
      فهذه سلسلة اللطائف والأسرار والحكم أنتقيها من زاد المسير لابن الجوزي
      ونبدأها إن شاء الله من سورة الكهف
      الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا
      تمدَّح بانزاله ، لأنه إِنعام على الرسول خاصة ، وعلى الناس عامَّة .
      تخرج من أفواههم أي : إِنها قول بالفم لا صحة لها ، ولا دليل عليها
      فلعلك باخع نفسك
      فإن قيل : كيف قال : فلعلك والغالب عليها الشك ، والله عالم بالأشياء قبل كونها؟
      فالجواب : أنها ليست بشكّ ، إِنما هي مقدَّرة تقدير الاستفهام الذي يعنى به التقرير ، فالمعنى : هل أنت قاتل نفسك؟! لا ينبغي أن يطول أساك على إِعراضهم ، فإن من حَكَمْنَا عليه بالشِّقْوَةِ لا تجدي عليه الحسرة ، ذكره ابن الأنباري .

      إِنا جعلنا ما على الأرض زينة لها فيه أربعة أقوال .
      الرجال والثاني: العلماء .
      والثالث : أنَّه ما عليها من شيء والرابع : النبات والشجر
      فإن قيل : قد نرى بعض ما على الأرض سَمِجاً وليس بزينة .
      فالجواب : أنا إِن قلنا : إِن المراد [ به ] شيء مخصوص ، فالمعنى : إِنا جعلنا بعض ما على الأرض زينةً لها ، فخرج مخرج العموم ، ومعناه الخصوص . وإِن قلنا : هم الرجال أو العلماء ، فلعبادتهم أو لدلالتهم على خالقهم . وإِن قلنا : النبات والشجر ، فلأنه زينة لها تجري مجرى الكسوة والحلية . وإِن قلنا : إِنه عامّ في كل ما عليها ، فلكونه دالاًّ على خالقه ، فكأنَّه زينة الأرض من هذه الجهة .
      قوله تعالى : فضربنا على آذانهم قال الزجاج : المعنى : أنمناهم ومنعناهم السمع ، لأن النائم إِذا سمع انتبه
      سِنِينَ عَدَدًا
      والفائدة في ذِكْر العدد في الشيء المعدود ، توكيد كثرة الشيء ، لأنه إِذا قَلَّ فُهِم مقداره ، وإِذا كَثُر احتيج إِلى أن يُعَدَّ العدد الكثير
      وقيل : معنى سنين عدداً : أنه لم يكن فيها شهور ولا أيام ، إِنما هي كاملة ، ذكره الماوردي
      قوله تعالى : فابعثوا أحدكم
      قال ابن الأنباري : إِنما قال : «أحدَكم» ، ولم يقل : واحدَكم ، لئلا يلتبس البعض بالممدوح المعظَّم ، فان العرب تقول : رأيت أحد القوم ، ولا يقولون : رأيت واحد القوم ، إِلا إِذا أرادوا المعظَّم ، فأراد بأحدهم : بعضَهم ، ولم يُرِد شريفهم .
      قوله تعالى : وكذلك أعثرنا عليهم أي : وكما أنمناهم وبعثناهم ، أطلعنا وأظهرنا عليهم . قال ابن قتيبة : وأصل هذا أن من عَثَر بشيء وهو غافل ، نظر إِليه حتى يعرفه ، فاستعير العِثار مكان التبيين والظهور ، ومنه قول الناس : ما عثرت على فلان بسوءٍ قط ، أي : ما ظهرت على ذلك منه
      قوله : وثامنهم كلبهم
      فأما دخول الواو في قوله : وثامنهم كلبهم
      ولم تدخل فيما قبل هذا ، ففيه أربعة أقوال .
      أحدها : أن دخولها وخروجها واحد ، قاله الزجاج .
      والثاني : أن ظهور الواو في الجملة الثامنة دلالة على أنها مرادة في الجملتين المتقدمتين ، فأعلم بذكرها هاهنا أنها مرادة فيما قبل ، وإِنما حذفت تخفيفاً ، ذكره أبو نصر في شرح «اللمع» .
      والثالث : أن دخولها يدل على انقطاع القصة ، وأن الكلام قد تمَّ ، ذكره الزجاج أيضاً ، وهو قول مقاتل بن سليمان ، فإن الواو تدل على تمام الكلام قبلها ، واستئناف ما بعدها؛ قال الثعلبي : فهذه واو الحكم والتحقيق ، كأن الله تعالى حكى اختلافهم ، فتم الكلام عند قوله : ويقولون سبعة ، ثم حكم أن ثامنهم كلبهم . وجاء في بعض التفسير أن المسلمين قالوا عند اختلاف النصارى : هم سبعة ، فحقَّق الله قول المسلمين .
      والرابع : أن العرب تعطف بالواو على السبعة ، فيقولون : ستة ، سبعة ، وثمانية ، لأن العقد عندهم سبعة ، كقوله : التائبون العابدون . . . إِلى أن قال في الصفة الثامنة : والناهون عن المنكر [ التوبة : 112 ] ، وقوله في صفة الجنة : وفتحت أبوابها [ الزمر : 73 ] وفي صفة النار : فتحت أبوابها [ الزمر : 71 ] ، لأن أبواب النار سبعة ، وأبواب الجنة ثمانية ، ذكر هذا المعنى أبو إِسحاق الثعلبي
      . قوله تعالى : ولبثوا في كهفهم ثلاثمائةٍ سنين
      قال الضحاك : نزلت : ولبثوا في كهفهم ثلاثمائةٍ فقالوا : أياماً ، أو شهوراً ، أو سنين؟ فنزلت : «سنين» فلذلك قال : «سنين» ، ولم يقل : سنة .
      قيل : إِنما زاد التسع ، لأنه تفاوت ما بين السنين الشمسية والسنين القمرية ، حكاه الماوردي .
      يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ
      قال المفسرون : لما كانت الملوك تلبَس في الدنيا الأساور في اليد والتيجان على الرؤوس ، جعل الله ذلك لأهل الجنة
      قوله تعالى : واضرب لهم مَثَلاً رجلين .................
      قيل : هذا المَثَل [ ضُرِبَ ] لعيينة بن حصن وأصحابه ، ولسلمان وأصحابه .
      قوله تعالى : كِلتا الجنتين آتت أُكُلَها
      قال الزجاج : لم يقل «آتتا» ، لأن لفظ «كلتا» لفظ واحدة ، والمعنى : كل واحدة منهما آتت أكلها
      وفجرنا خلالهما نَهَراً فأعلمَنَا أن شربهما كان من ماء نهر ، وهو من أغزر الشرب .
      قوله تعالى : وكان له يعني : للأخ الكافر ثَمَر
      فإن قيل : ما الفائدة في ذِكْر الثّمر بعد ذِكْر الجنَّتين ، وقد عُلم أن صاحب الجنة لا يخلو من ثمر؟ فعنه ثلاثة أجوبة .
      أحدها : أنه لم يكن أصل الأرض ملكاً له ، وإِنما كانت له الثمار ، قاله ابن عباس .
      والثاني : أن ذِكْر الثّمر دليل على كثرة ما يملك من الثمار في الجنّتين وغيرهما ، ذكره ابن الأنباري .
      والثالث : إِنا قد ذكرنا أن المراد بالثمر الأموال من الأنواع ، وذكرنا أنها الذهب ، والفضّة ، وذلك يخالف الثمر المأكول؛ قال أبو علي الفارسي : من قال : هو الذهب ، والوَرِق ، فإنما قيل لذلك : ثُمُر على التفاؤل ، لأن الثمر نماء في ذي الثمر ، وكونه هاهنا بالجَنى أشبه من الذهب والفضة . ويقوي ذلك : وأحيط بثمره فأصبح يقلِّب كفَّيه على ما أنفق فيها ، والإِنفاق من الوَرِق ، لا من الشجر .

      يتبع ان شاء الله

    • #2

      جزاكم الله خيرا ونفعنا بكم.
      http://t1.gstatic.com/images?q=tbn:A...loXvWZSJXI8_bb

      تعليق


      • #3
        أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (41)
        المراد بالطلب هاهنا : الوصول ، فقام الطلب مقامه لأنه سببه
        وهي خاوية أي : خالية ساقطة على عروشها والعُروش : السقوف ، والمعنى : أن حيطانها قائمة والسقوف قد تهدَّمت فصارت في قرارها ، فصارت الحيطان كأنها على السقوف
        هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَققرأ أبو عمرو برفع «الحقُّ» ووافقه الكسائيُّ
        فإن قيل : لم نُعتت الولاية وهي مؤنثة بالحقِّ وهو مصدر؟ فعنه جوابان ذكرهما ابن الأنباري .
        أحدهما : أن تأنيثها ليس حقيقياً ، فحُملت على معنى النصر؛ والتقدير : هنالك النصر لله الحقُّ ، كما حُملت الصيحة على معنى الصياح في قوله : وأخذَ الذين ظلموا الصيحةُ [ هود : 67 ] .
        والثاني : أن الحقَّ مصدر يستوي في لفظه المذكَّر والمؤنث والاثنان والجمع ، فيقال : قولك حق ، وكلمتك حق ، وأقوالكم حق
        قوله تعالى : هو خير ثواباً أي : هو أفضل ثواباً ممن يُرجى ثوابه ، وهذا على تقدير أنه لو كان غيره يثيب لكان ثوابه أفضل
        قوله تعالى : وعُرضوا على ربك صفاً إِن قيل : هذا أمر مستقبل ، فكيف عُبِّر [ عنه ] بالماضي؟ فالجواب : أن ما قد علم الله وقوعه ، يجري مجرى المعايَن ، كقوله : ونادى أصحاب الجنة [ الأعرف : 43 ] .
        وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ
        قوله تعالى نادوا شركائيَ أضاف الشركاء إِليه على زعمهم
        وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا (52)
        قال ابن الأنباري : إِن قيل : لم قال : «مَوْبِقاً» ولم يقل : «مُوبِقاً» ، بضم الميم ، إِذ كان معناه عذاباً مُوبقاً؟
        فالجواب : أنه اسم موضوع لمَحْبِس في النار ، والأسماء لا تؤخذ بالقياس ، فيُعلم أن «مَوْبِقاً» : مَفْعِل ، من أوبقه الله : إِذا أهلكه ، فتنفتح الميم ، كما تنفتح في «مَوْعِد» و«مَوْلِد» و«مَحْتِد» إِذا سمّيت الشخوص بهنَّ .

        وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا (55)
        فإن قيل : إِذا كان المراد بسُنَّة الأولين العذاب ، فما فائدة التكرار بقوله : أو يأتيَهم العذاب ؟
        فالجواب : أن سُنَّة الأولين أفادت عذاباً مبهماً يمكن أن يتراخى وقته ، وتختلف أنواعه ، وإِتيان العذاب قُبُلاً أفاد القتل يوم بدر . قال مقاتل : «سُنَّة الأولين» : عذاب الأمم السالفة؛ «أو يأتيَهم العذاب قِبَلاً» ، أي : عِياناً قتلاً بالسيف يوم بدر .
        وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا
        فإن قيل : ظاهر هذه الآية يقتضي أن تأخير العذاب عن الكفار برحمة الله ، ومعلوم أنه لا نصيب لهم في رحمته .
        فعنه جوابان .
        أحدهما : [ أن ] الرحمة هاهنا بمعنى النعمة ، ونعمة الله لا يخلو منها مؤمن ولا كافر . فأما الرحمة التي هي الغفران والرضى ، فليس للكافر فيها نصيب .فيه نظر
        والثاني : أن رحمة الله محظورة على الكفار يوم القيامة ، فأما في الدنيا ، فإنهم ينالون منها العافية والرزق .
        وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ
        فأما فتاه فهو يوشع بن نون من غير خلاف . وإِنما سمي فتاه ، لأنه كان يلازمه ، ويأخذ عنه العلم ، ويخدمه .
        لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ
        ومعنى لا أبرح : لا أزال . وليس المراد به : لا أزول ، لأنه إِذا لم يُزل لم يقطع أرضاً
        يتبع إن شاء الله

        تعليق


        • #4
          جزاكم الله خيرا و نفع بكم.

          تعليق


          • #5
            وجزاكم الله خيرا

            تعليق


            • #6

              فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا
              قيل لموسى : تزوَّدْ حوتاً مالحاً ، فاذا فقَدته وجدتَ الرجل . وكان موسى حين ذهب الحوت في البحر قد مضى لحاجة ، فعزم فتاه أن يخبره بما جرى فنسي . وإِنما قيل : «نسيا حوتهما» توسعاً في الكلام ، لأنهما جميعاً تزوَّداه ، كما يقال : نسي القوم زادهم ، وإِنما نسيه أحدهم . قال الفراء : ومثله قوله : يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان [ الرحمن : 22 ] ، وإِنما يخرج ذلك من الملح ، لا من العذب . وقيل : نسي يوشع أن يحمل الحوت ، ونسي موسى أن يأمره فيه بشيء ، فلذلك أُضيف النسيان إِليهما
              لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (62)
              النَّصَب : الإِعياءِ . وهذا يدل على إِباحة إِظهار مثل هذا القول عندما يلحق الإِنسانَ من الأذى والتعب ، ولا يكون ذلك شكوى
              فَانْطَلَقَا
              فانطلقَا يعني : موسى والخضر . قال الماوردي : يحتمل أن يوشع تأخر عنهما ، لأن الإِخبار عن اثنين ، ويحتمل أن يكون معهما ولم يذكر لأنه تَبَعٌ لموسى ، فاقتصر على حكم المتبوع .
              فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (73) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (74
              و«نكراً» أقل منكراً من قوله : «إِمراً» لأن تغريق مَنْ في السفينة كان عنده أنكر من قتل نفس واحدة .
              فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (74) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (75)
              إِن قيل : لم ذكر «لك» هاهنا ، واختزله من الموضع الذي قبله؟
              فالجواب : أن إِثباته للتوكيد ، واختزاله لوضوح المعنى ، وكلاهما معروف عند الفصحاء . تقول العرب : قد قلت لك : اتق الله . وقد قلت لك : يا فلان اتق الله ، وأنشد ثعلب :
              قد كنتُ حَذَّرْتُكَ آلَ المصْطَلِقْ ... وقلتُ : يا هَذا أَطِعْنِي وَانْطَلِقْ
              فقوله : يا هذا ، توكيد لا يختل الكلام بسقوطه . وسمعت الشيخ أبا محمد الخشاب يقول : وقَّره في الأول ، فلم يواجهه بكاف الخطاب ، فلما خالف في الثاني ، واجهه بها .
              فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ
              فإن قيل : كيف نسبت الإِرادة إِلى ما لا يعقل؟
              فالجواب : أن هذا على وجه المجاز تشبيهاً بمن يعقل ، ويريد : لأن هيأته في التهيؤ للوقوع قد ظهرت كما يظهر من أفعال المريدين القاصدين ، فوصف بالإِرادة إِذ كانت الصورتان واحدة ، وقد أضافت العرب الأفعال إِلى مالا يعقل تجوُّزاً ، قال الله : ولما سكت عن موسى الغضبُ [ الأعراف : 154 ] ، والغضب لا يسكت ، وإِنما يسكت صاحبه ، وقال : فإذا عزم الأمر [ محمد : 21 ]
              قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ
              قال الزجاج : المعنى : هذا فراقُ بينِنا ، أي : فراق اتصالنا ، وكرر «بين» توكيداً ، ومثله في الكلام : أخزى اللهُ الكاذب مني ومنك
              قال ابن عباس : كان قول موسى في السفينة والغلام ، لربِّه ، وكان قوله في الجدار ، لنفسه ، لطلب شيء من الدنيا
              أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79) وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ
              قوله تعالى : فأراد ربُّك قال ابن الأنباري : لما كان قوله : «فأردتُ» و«وأردنا» كل واحد منهما يصلح أن يكون خبراً عن الله ، وعن الخضر ، أتبعهما بما يحصر الإِرادة عليه ، ويزيلها عن غيره ، ويكشف البُغية من اللفظتين الأولَيين . وإِنما قال : «فأردتُ» «فأردنا» «فأراد ربُّك» ، لأن العرب تؤثر اختلاف الكلام على اتِّفاقه مع تساوي المعاني ، لأنه أعذب على الألسن ، وأحسن موقعاً في الأسماع ، فيقول الرجل : قال لي فلان كذا ، وأنبأني بما كان ، وخبَّرني بما نال
              وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى
              قال الفراء : «الحسنى» : الجنة ، وأضيف الجزاءُ إِليها ، وهي الجزاء ، كقوله : إِنه لَحَقُّ اليقين [ الحاقة : 51 ] و دينُ القيِّمة [ البيِّنة : 5 ] و ولدار الآخرة [ النحل : 30 ] . قال أبو علي الفارسي : المعنى : فله جزاء الخلال الحسنى ، لأن الإِيمان والعمل الصالح خِلال وقال ابن الأنباري : وقد يكون الجزاء غير الحسنى إِذا تأوَّل الجزاء بأنه الثواب؛ والحسنى : الحسنة المكتسبة في الدنيا ، فيكون المعنى : فله ثواب ما قدَّم من الحسنات
              آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ
              قال أبو عبيدة : الصَّدَفان : جَنْبا الجبل . قال الأزهري : يقال لجانبي الجبل : صَدَفان ، إِذا تحاذيا ، لتصادفهما ، أي : لتلاقيهما
              فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا
              والثالث : أنه قال : «فلا نقيم لهم» لأن الوزن عليهم لا لهم ، ذكره ابن الأنباري .
              إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا
              قال ابن الأنباري : كانت لهم في علم الله قبل أن يُخلَقوا .

              لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (108)
              فإن قيل : قد عُلم أن الجنة كثيرة الخير ، فما وجه مدحها بأنهم لايبغون عنها حِوَلاً؟
              فالجواب : أن الإِنسان قد يجد في الدار الأنيقة معنى لا يوافقه ، فيحب أن ينتقل إِلى دار أخرى ، وقد يملّ ، والجنة على خلاف ذلك قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (109)
              . وقال ابن الأنباري : سمي المداد مداداً لإِمداده الكاتب ، وأصله من الزيادة ومجيء الشيء بعد الشيء
              قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (109)

              فإن قيل : لم قال في أول الآية : «مداداً» وفي آخرها : «مدداً» وكلاهما بمعنى واحد ، واشتقاقهما غير مختلف؟
              فقد أجاب عنه ابن الأنباري فقال : لما كان الثاني آخر آية ، وأواخر الآيات هاهنا أتت على الفُعُل ، والفِعَل ، كقوله : «نُزُلاً» «هُزُواً» «حِوَلاً» كان قوله : «مَدَداً» أشبه بهؤلاء الألفاظ من المداد ، واتفاقُ المقاطع عند أواخر الآي ، وانقضاء الأبيات ، وتمام السجع والنثر ، أخف على الألسن ، وأحلى موقعاً في الأسماع ، فاختلفت اللفظتان لهذه [ العلة ] . وقد قرأ ابن عباس ، وسعيد ابن جبير ، ومجاهد ، وأبو رجاء ، وقتادة ، وابن محيصن : «ولو جئنا بمثله مداداً» فحملوها على الأولى ، ولم ينظروا إِلى المقاطع . وقراءة الأوَّلِين أَبْيَن حُجَّة ، وأوضح منهاجاً .
              قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ
              قال ابن عباس : علَّم الله تعالى رسوله التواضع لئلا يزهى على خلقه ، فأمره أن يُقِرَّ على نفسه بأنه آدمي كغيره ، إِلا أنه أُكرم بالوحي .

              قال معاوية بن أبي سفيان : هذه آخر آية نزلت من القرآن .

              تمت سورة الكهف والحمد لله

              تعليق


              • #7
                اللهم إنا نسألك الإخلاص في القول والعمل وأن ترزقنا الاستمرار على هذا العمل حتى النهاية
                كهيعص (1)
                أُسكنت هذه الحروف لأنها حروف تهجٍّ ، النيَّة فيها الوقف .

                فإن قيل : لم قالوا : ها يا ، ولم يقولوا في الكاف : كا ، وفي العين : عا ، وفي الصاد : ص ، لتتفق المباني كما اتفقت العلل؟
                فقد أجاب عنه ابن الأنباري ، فقال : حروف المعجم التسعة والعشرون تجري مجرى الرسالة والخطبة ، فيستقبحون فيها اتفاق الألفاظ واستواء الأوزان ، كما يستقبحون ذلك في خطبهم ورسائلهم ، فيغيِّرون بعض الكِلَم ليختلف الوزن وتتغيَّر المباني ، فيكون ذلك أعذب على الألسن وأحلى في الأسماع .
                إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا
                وفي علة إِخفائه لذلك ثلاثة أقوال .
                أحدها : ليبعد عن الرياء ، قاله ابن جريج .
                والثاني : لئلا يقول الناس : انظروا إِلى هذا الشيخ يسأل الولد على الكِبَر ، قاله مقاتل .
                والثالث : لئلا يعاديه بنو عمه ، ويظنوا أنه كره أن يلوا مكانه بعده ، ذكره أبو سليمان الدمشقي . وهذه القصة تدل على أن المستحب إِسرار الدعاء ، ومنه الحديث : " إِنكم لا تدعون أصمّ "
                قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي
                أراد أن قوَّة عظامه قد ذهبت لِكبَره؛ وإِنما خصّ العظم ، لأنه الأصل في التركيب . وقال قتادة : شكا ذهاب أضراسه .
                وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي
                قوله تعالى : وإِني خِفتُ الموالي يعني : الذين يلونه في النسب ، وهم بنو العم والعَصبة من ورائي أي : من بعد موتي .
                وفي ما خافهم عليه قولان .
                أحدهما : أنه خاف أن يَرِثوه ، قاله ابن عباس . فإن اعترض عليه معترض ، فقال : كيف يجوز لنبيّ أن يَنْفَس على قراباته بالحقوق المفروضة لهم بعد موته؟
                فعنه جوابان .
                أحدهما : أنه لما كان نبيّاً ، والنبيّ لا يورث ، خاف أن يرِثوا ماله فيأخذوا ما لا يجوز لهم .
                والثاني : أنه غلب عليه طبع البشر ، فأحبَّ أن يتولَّى مالَه ولدُه ، ذكرهما ابن الأنباري .
                قلت : وبيان هذا أنه لا بد أن يتولَّى ماله وإِن ولم يكن ميراثاً ، فأحبَّ أن يتولاه ولده .
                والقول الثاني : أنه خاف تضييعهم للدِّين ونبذهم إِيّاه ، ذكره جماعة من المفسرين
                يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا قوله تعالى : لم نجعل له من قبلُ سَمِيّاً فيه ثلاثة أقوال .
                أحدها : لم يُسمَّ يحيى قبله ، رواه أبو صالح عن ابن عباس ، وبه قال عكرمة ، وقتادة ، وابن زيد ، والأكثرون .
                فإن اعترض معترض ، فقال : ما وجه المِدْحَة باسم لم يُسمَّ به أحد قبله ، ونرى كثيراً من الأسماء لم يُسبَق إِليها؟ فالجواب : أن وجه الفضيلة أن الله تعالى تولَّى تسميته ، ولم يَكِل ذلك إِلى أبويه ، فسماه باسم لم يُسبَق إِليه .
                قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا
                وفي معنى «كانت» قولان .
                أحدهما : انه توكيد للكلام ، فالمعنى : وهي عاقر ، كقوله : كنتم خير أُمَّة [ آل عمران : 110 ] أي : أنتم .
                والثاني : أنها كانت منذ كانت عاقراً ، لم يحدُث ذلك بها ، ذكرهما ابن الأنباري ، واختار الأول .
                وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا
                فإن قيل : كيف خَصَّ التسليم عليه بالأيام ، وقد يجوز أن يولد ليلاً ويموت ليلاً؟
                فالجواب : أن المراد باليوم الحِين والوقت ، على ما بيّنا في قوله : اليوم أكملتُ لكم دينَكم [ المائدة : 3 ] .
                قال ابن عباس : وسلام عليه حين وُلد .
                وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا
                قال سفيان بن عيينه : أوحش ما يكون الإِنسان في ثلاثة مواطن ، يوم يولد فيرى نفسه خارجاً مما كان فيه ، ويوم يموت فيرى قوماً لم يكن عاينهم ، ويوم يُبعث فيرى نفسه في محشر لم يره ، فخص الله تعالى يحيى فيها بالكرامة والسلامة في المواطن الثلاثة .
                قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا
                البغيّ : الفاجرة الزانية . قال ابن الأنباري : وإِنما لم يقل : «بغيَّة» لأنه وصف يغلب على النساء ، فقلَّما تقول العرب : رجل بغيّ ، فيجري مجرى حائض ، وعاقر . وقال غيره : إِنما لم يقل : «بغيَّة» لأنه مصروف عن وجهه ، فهو «فعيل» بمعنى : «فاعل» .
                وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا
                معنى الآية : ليس لي زوج ، ولستُ بزانية ، وإِنما يكون الولد من هاتين الجهتين
                فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22)
                وإِنما بَعُدت ، فراراً من قومها أن يعيِّروها بولادتها من غير زوج . فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ
                فأجاءها المَخاض . قال الفراء : المعنى : فجاء بها المخاض ، فلما أُلقيت الباء ، جُعلت في الفعل ألفاً
                فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24)
                فإن قيل : كيف ناسب تسليتها أن قيل : لا تحزني ، فهذا نهر يجري؟
                فالجواب : من وجهين .
                أحدهما : أنها حزنت لجدب مكانها الذي ولدت فيه ، وعدمِ الطعام والشراب والماء الذي تتطهر به ، فقيل : لا تحزني قد أجرينا لك نهراً ، وأطلعنا لك رطباً ، قاله أبو صالح عن ابن عباس .
                والثاني : أنها حزنت لِما جرى عليها من ولادة ولد عن غير زوج ، فأجرى الله تعالى لها نهراً ، فجاءها من الأردنِّ ، وأخرج لها الرَّطب من الشجرة اليابسة ، فكان ذلك آية تدل على قدرة الله تعالى في إِيجاد عيسى ، قاله مقاتل

                ) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ
                الباء في قوله تعالى : بجذع النخلة فيها قولان .
                أحدهما : أنها زائدة مؤكدة ، كقوله تعالى : فليمدد بسبب إِلى السماء [ الحج : 15 ] قال الفراء : معناه : فليمدد سبباً . والعرب تقول : هزَّه ، وهزَّ به ، وخذ الخطام ، وخذ بالخطام ، وتعلَّق زيداً ، وتعلَّق به والثاني : أنها دخلت على الجذع لتلصقه بالهزِّ ، فهي مفيدة للالصاق ، قاله ابن الأنباري .
                وَقَرِّي عَيْنًا
                وروى ابن الأنباري عن الأصمعي أنه قال : معنى «وقرِّي عيناً» ، ولتبرد دمعتك ، لأن دمعة الفرح باردة ، ودمعة الحزن حارَّة . واشتقاق «قرِّي» من القَرور ، وهو الماء البارد

                تعليق


                • #8
                  فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26)
                  قال ابن مسعود : أُمِرتْ بالصمت ، لأنها لم تكن لها حُجَّة عند الناس ، فأُمرتْ بالكفِّ عن الكلام ليكفيَها الكلامَ ولدُها مما يُبرِّىء به ساحتها
                  فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ
                  فإن قيل : «أتت به» يغني عن «تحمله» فلا فائدة للتكرير .
                  فالجواب : أنه لما ظهرت منه آيات ، جاز أن يتوهَّم السامع «فأتت به» أن يكون ساعياً على قدميه ، فيكون سعية آيةً كنطقه ، فقطع ذلك التوهُّمَ ، وأعلم أنه كسائر الأطفال ، وهذا مِثْل قول العرب : نظرت إِلى فلان بعيني ، فنفَوْا بذلك نظر العطف؛ والرحمة ، وأثبتوا [ أنه ] نظرُ عَيْنٍ .
                  يَا أُخْتَ هَارُونَ
                  روى المغيرة بن شعبة قال : " بعثني رسول الله إِلى أهل نجران ، فقالوا : ألستم تقرؤون : «يا أخت هارون» وقد علمتم ما كان بين موسى وعيسى؟ فلم أدرِ ما أُجيبهم ، فرجعت إِلى رسول الله فأخبرتُه ، فقال : «ألا أخبرتَهم أنهم كانوا يسمُّون بأنبيائهم والصالحين قبلَهم» "
                  قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا
                  فيها أربعة أقوال .
                  أحدها : أنها زائدة ، فالمعنى كيف نكلِّم صبياً في المهد؟! .
                  والثاني : أنها في معنى : وقع ، وحدث .
                  والثالث : أنها في معنى الشرط والجزاء ، فالمعنى : من يكن في المهد صبياً ، فكيف نكلِّمه؟! حكاها الزجاج ، واختار الأخير منها؛ قال ابن الأنباري : وهذا كما تقول : كيف أعظ من كان لا يقبل موعظتي؟! أي : من يكن لا يقبل ، والماضي يكون بمعنى المستقبل في الجزاء .
                  والرابع : أن «كان» بمعنى : صار ، قاله قطرب .
                  قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ
                  قال المفسرون : إِنما قدَّم ذِكر العبودية ، ليُبطلَ قول من ادَّعى فيه الربوبية
                  آتَانِيَ الْكِتَابَ
                  وفي معنى الآية قولان .
                  أحدهما : أنه آتاه الكتاب وهو في بطن أُمه ، قاله أبو صالح عن ابن عباس . وقيل : علم التوراة والإِنجيل وهو في بطن أُمه .
                  والثاني : قضى أن يؤتيني الكتاب ، قاله عكرمة .
                  وَبَرًّا بِوَالِدَتِي
                  قال ابن عباس : لمَّا قال هذا ، ولم يقل : «بوالديّ» علموا أنه وُلد من غير بَشَر
                  والسلام عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا
                  فإن قيل : لم ذكر هاهنا «السلام» بألف ولام ، وذكره في قصة يحيى بلا ألف ولام؟ فعنه جوابان .
                  أحدهما : أنه لمّا جرى ذِكر السلام قبل هذا الموضع بغير ألف ولام ، كان الأحسن أن يَرِد ثانية بألف ولام ، هذا قول الزجاج .
                  وقد اعتُرِض على هذا القول ، فقيل : كيف يجوز أن يعطف هذا وهو قول عيسى ، على الأول وهو قول الله ؟!
                  وقد أجاب عنه ابن الأنباري فقال : عيسى إِنما يتعلَّم من ربِّه ، فيجوز أن يكون سمع قول الله في يحيى ، فبنى عليه وألصقه بنفسه ، ويجوز أن يكون الله عرَّف السلام الثاني لأنه أتى بعد سلام قد ذكره ، وأجراه عليه غير قاصدٍ به إِتباع اللفظ المحكيّ ، لأن المتكلِّم ، له أن يغيِّر بعض الكلام الذي يحكيه ، فيقول : قال عبد الله : أنا رَجُل منصف ، يريد : قال لي عبد الله : أنتَ رَجُل منصِف .
                  والجواب الثاني : أن سلاماً والسلام لغتان بمعنى واحد ، ذكره ابن الأنباري .
                  ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلُ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ
                  برفع اللامْالمعنى : هو قولُ الحق
                  ذكر ابن الأنباري في الآية وجهين .
                  أحدهما : أنه لما وُصف بالكلمة جاز أن يُنعت بالقول .
                  والثاني : أن في الكلام إِضماراً ، تقديره : ذلك نبأُ عيسى ، ذلك النبأ قول الحق .
                  مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ
                  قال الزجاج : المعنى : أن يتخذ ولداً . و«مِنْ» مؤكِّدة تدل على نفي الواحد والجماعة ، لأن للقائل أن يقول : ما اتخذت فرساً ، يريد : اتخذت أكثر من ذلك ، وله أن يقول : ما اتخذت فرسين ولا أكثر ، يريد : اتخذت فرساً واحداً؛ فإذا قال : ما اتخذت من فرس ، فقد دلَّ على نفي الواحد والجميع .
                  إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ
                  فإن قيل : ما الفائدة في «نحن» وقد كفت عنها «إنّا»؟
                  فالجواب : أنه لما جاز في قول المعظَّم : «إِنّا نفعل» أن يوهم أن أتباعه قعلوا ، أبانت «نحن» بأن الفعل مضاف إِليه حقيقة .
                  فإن قيل : فلم قال : «ومَنْ عليها» وهو يرث الآدميين وغيرهم؟!
                  فالجواب : أن «مَنْ» تختص أهل التمييز ، وغيرُ المميِّزين يدخلون في معنى الأرض ويجرون مجراها ، ذكر الجوابين عن السؤالين ابن الأنباري .

                  تعليق


                  • #9
                    وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا
                    وضع اللسان مكان القول ، لأن القول يكون باللسان .
                    وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا قال ابن الأنباري : إِنما أعاد «كان» لتفخيم شأن النبيّ المذكور .
                    وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ
                    الوادي لا يَدَ لَهُ فكيف يكون له يمين"؟؟؟
                    قال ابن الأنباري : خاطب الله العرب بما يستعملون في لغتهم ، ومن كلامهم : عن يمين القِبلة وشمالها ، يعنون : مما يلي يمين المستقبِل لها وشماله ، فنقلوا الوصف إِلى ذلك اتِّساعاً عند انكشاف المعنى ، لأن الوادي لا يَدَ لَهُ فيكون له يمين . وقال المفسرون : جاء النداء عن يمين موسى ، فلهذا قال : «الأيمنِ» ، ولم يُرِد به يمين الجبل .
                    وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ
                    فإن قيل : كيف خُصَّ بصدق الوعد إِسماعيل ، وليس في الأنبياء من ليس كذلك؟
                    فالجواب : أن إِسماعيل عانى [ في الوفاء ] بالوعد ما لم يعانه غيره من الأنبياء ، فأُثني عليه بذلك . وذكر المفسرون : أنه كان بينه وبين رجل ميعاد ، فأقام ينتظره مدة
                    خَرُّوا سُجَّدًا
                    قال الزجاج : «سُجَّداً» حال مقدَّرة ، المعنى : خرُّوا مقدِّرين السجود ، لأن الإِنسان في حال خروره لا يكون ساجداً ، ف «سُجَّداً» منصوب على الحال
                    فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا
                    ليس معنى هذا اللقاء مجرد الرؤية ، وإِنما المراد به الاجتماع والملابسة مع الرؤية
                    جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ
                    وعدهم بها ، ولم يَروْها ، فهي غائبة عنهم

                    إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا
                    قال الفراء : إِنما لم يقل : آتياً ، لأن كل ما أتاك ، فأنت تأتيه؛ ألا ترى أنك تقول : أتيت على خمسين سنة ، وأتت عليَّ خمسون [ سنة ] ؟ .
                    لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا
                    قال أبو عبيدة : السلام ليس من اللغو ، والعرب تستثني الشيء بعد الشيء وليس منه ، وذلك أنها تضمر فيه ، فالمعنى : إِلا أنهم يسمعون فيها سلاماً . وقال ابن الأنباري : استثنى السلام من غير جنسه ، وفي ذلك توكيد للمعنى المقصود ، لأنهم إِذا لم يسمعوا من اللغوا إِلا السلام ، فليس يسمعون لغواً البتَّة ، وكذلك قوله : فإنهم عدوٌّ لي إِلا ربَّ العالمين [ الشعراء : 77 ] ، إِذا لم يخرج من عداوتهم لي غير رب العالمين ، فكلُّهم عدو .
                    تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا
                    قال المفسرون : ومعنى «نورث» : نعطي المساكن التي كانت لأهل النار - لو آمنوا للمؤمنين . ويجوز أن يكون معنى «نورث» : نعطي ، فيكون كالميراث لهم من جهة أنها تمليك مستأنف .

                    لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ
                    قال ابن الأنباري : وإِنما وحَّد ذلك ، والإِشارة إِلى شيئين .
                    أحدهما : «ما بين أيدينا» .
                    والثاني : «ما خلفنا» ، لأن العرب توقع ذلك على الاثنين والجمع

                    تعليق


                    • #10
                      وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (66) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (67)
                      إِن قيل : ظاهره ظاهر سؤال ، فأين جوابه؟ فعنه ثلاثة أجوبة ذكرها ابن الأنباري .
                      أحدها : أن ظاهر الكلام استفهام ، ومعناه معنى جحد وإِنكار ، تلخيصه : لستُ مبعوثاً بعد الموت .
                      والثاني : أنه لمّا استفهم بهذا الكلام عن البعث ، أجابه الله بقوله : أَوَلا يَذْكُرُ الإِنسان ، فهو مشتمل على معنى : نعم ، وأنت مبعوث .
                      والثالث : أن جواب سؤال هذا الكافر في [ يس : 78 ] عند قوله تعالى : وضرب لنا مَثَلاً ، ولا يُنكَر بُعْد الجواب ، لأن القرآن كلَّه بمنزلة الرسالة الواحدة ، والسورتان مكيَّتان .

                      ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا
                      قال الزجاج : وفي رفع «أَيُّهم» ثلاثة أقوال .
                      أحدها : أنه على الاستئناف ، ولم تعمل «لننزعنَّ» شيئاً ، هذا قول يونس .
                      والثاني : أنه على معنى الذي يقال لهم : أيُّهم أشدُّ على الرحمن عِتِيّاً؟ قاله الخليل ، واختاره الزجاج ، وقال : التأويل : لننزعنّ الذي من أجل عُتُوِّه يقال : أيُّ هؤلاء أَشَدُّ عِتِيّاً؟ وأنشد :
                      وَلَقَدْ أَبِيتُ عن الفَتَاةِ بمنزلٍ ... فأبيت لا حَرِج ولا محروم
                      المعنى : أبيت بمنزلة الذي يقال له : لا هو حَرِج ولا محروم .
                      والثالث : أن «أيُّهم» مبنية على الضم ، لأنه خالفت أخواتها ، فالمعنى : أيُّهم هو أفضل . وبيان خلافها لأخواتها أنك تقول : اضرب أيُّهم أفضل ، ولا يَحْسُن : اضرب مَنْ أفْضل ، حتى تقول : من هو أفضل ، ولا يَحْسُن : كُلْ ما أطيب ، حتى تقول : ما هو أطيب ، ولا خُذْ ما أفضل ، حتى تقول : الذي هو أفضل ، فلما خالفت «ما» و«مَنْ» و«الذي» بُنيت على الضم ، قاله سيبويه .

                      تعليق


                      • #11
                        قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا
                        قال الزجاج : وهذا لفظ أمر ، ومعناه الخبر ، والمعنى : أن الله تعالى جعل جزاء ضلالته أن يتركه فيها ، قال ابن الأنباري : خاطب الله العرب بلسانها ، وهي تقصد التوكيد للخبر بذكر الأمر ، يقول أحدهم : إِن زارنا عبد الله فلنُكْرِمْه ، يقصد التوكيد ، وينبِّه على أني أُلزم نفسي إِكرامه؛ ويجوز أن تكون اللام لام الدعاء على معنى : قل يا محمد : مَنْ كان في الضلالة فاللَّهم مُدَّ له في النِّعَم مَدّاً . قال المفسرون : ومعنى مدِّ اللهِ تعالى له : إِمهالُه في الغَيِّ .
                        قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ .................... .إِنما أخبر عن الجماعة ، لأن لفظ «مَن» يصلح للجماعة
                        وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا
                        قال القاضي أبو يعلى : وفي هذا دلالة على أن الوالد إِذا اشترى ولده ، لم يبق ملكه عليه ، وإِنما يعتق بنفس الشراء ، لأن الله تعالى نفى البُنُوَّة لأجل العبودية ، فدل على أنه لا يجتمع بنوَّةٌ وَرِقٌ .
                        إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا
                        فإن قيل : لأيَّة علَّة وحَّد في «الرحمن» و«آتيه» وجمع في العائد في «أحصاهم ، وعدَّهم» .
                        فالجواب : أن لكل لفظ توحيد ، وتأويل جمع ، فالتوحيد محمول على اللفظ ، والجمع مصروف إِلى التأويل .
                        قلت :بدأ السورة ب نِدَاءً خَفِيًّا وختمها ب رِكْزًا
                        تمت سورة مريم والحمد لله

                        تعليق


                        • #12
                          سورة طه
                          إِذْ رَأَى نَارًا
                          قال المفسرون : رأى نوراً ، ولكن أخبر بما كان في ظن موسى .
                          أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى
                          قال ابن الأنباري : يجوز أن تكون «على» هاهنا بمعنى «عند» ، وبمعنى «مع» ، وبمعنى الباء . وذكر أهل التفسير أنه كان قد ضَلَّ الطريق ، فعلم أن النار لا تخلو من مُوقِد
                          فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ
                          إِنما كرَّر الكناية ، لتوكيد الدلالة وتحقيق المعرفة وإِزالة الشبهة ، ومثله إِنّي أنا النذير المبين [ الحجر : 89 ]
                          إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15)
                          فإن قيل : فما فائدة هذا الإِخفاء الشديد؟
                          فالجواب : أنه للتحذير والتخويف ، ومن لم يعلم متى يهجم عليه عدوُّه كان أشد حذراً
                          وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17)
                          فإن قيل : ما الفائدة في سؤال الله تعالى له : «وما تلك بيمينك» وهو يعلم؟ فعنه جوابان .
                          أحدهما : أن لفظه لفظ الاستفهام ، ومجراه مجرى السؤال ، ليجيب المخاطَب بالإِقرار به ، فتثبت عليه الحجة باعترافه فلا يمكنه الجحد ، ومثله في الكلام أن تقول لمن تخاطبه وعندك ماء : ما هذا؟ فيقول : ماءٌ ، فتضع عليه شيئاً من الصبغ ، فإن قال : لم يزل هكذا ، قلت له : ألست قد اعترفت بأنه ماء؟ فتثبت عليه الحجة ، هذا قول الزجاج : فعلى هذا تكون الفائدة أنه قرَّر موسى أنها عصاً لمّا أراد أن يريَه من قدرته في انقلابها حيَّة ، فوقع المُعْجِز بها بعد التثبت في أمرها .
                          والثاني : أنه لما اطَّلع الله تعالى على ما في قلب موسى من الهيبة والإِجلال حين التكليم ، أراد أن يؤانسه ويخفف عنه ثِقَل ما كان فيه من الخوف ، فأجرى هذا الكلام للاستئناس ، حكاه أبو سليمان الدمشقي .

                          وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18)
                          فإن قيل : قد كان يكفي في الجواب أن يقول : «هي عصاي» ، فما الفائدة في قوله : «أتوكَّأُ عليها» إِلى آخر الكلام ، وإِنما يُشرح هذا لمن لا يعلم فوائدها؟ فعنه ثلاثة أجوبة .
                          أحدها : أنه أجاب بقوله : «هي عصاي» ، فقيل له : ما تصنع بها؟ فذكر باقي الكلام جواباً عن سؤال ثانٍ ، قاله ابن عباس ، ووهب .
                          والثاني : أنه إِنما أظهر فوائدها ، وبيَّن حاجته إِليها ، خوفاً [ من ] أن يأمره بإلقائها كالنعلين ، قاله سعيد ابن جبير .
                          والثالث : أنه بيَّن منافعها لئلا يكون عابثاً بحملها ، قاله الماوردي .

                          وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18)
                          فإن قيل : فلم اقتصر على ذِكْر بعض منافعها ولم يُطِل الشرح؟ فعنه [ ثلاثة ] أجوبة .
                          أحدها : أنه كره أن يشتغل عن كلام الله بتعداد منافعها .
                          والثاني : استغنى بعلم الله فيها عن كثرة التعداد .
                          والثالث : أنه اقتصر على اللازم دون العارض .
                          وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18)
                          فإن قيل : المآرب جمع ، فكيف قال : «أُخرى» ولم يقل : «أُخَر»؟ فالجواب : أن المآرب في معنى جماعة ، فكأنه قال : جماعة من الحاجات أُخرى ، قاله الزجاج .

                          فائدة
                          وفي وجه الفائدة في إِظهار هذه الآية ليلة المخطابة قولان .
                          أحدهما : لئلا يخاف منها إِذا ألقاها بين يدي فرعون .
                          والثاني : ليريَه أن الذي أبعثك إِليه دون ما أريتك ، فكما ذلَّلْتُ لك الأعظم وهو الحية ، أُذلّلُ لكَ الأدنى

                          فائدة
                          فإن قيل : إِنما كانت العصا واحدة ، وكان إِلقاؤها مَرَّة ، فما وجه اختلاف الأخبار عنها ، فإنه يقول في [ الأعراف : 107 ] : فإذا هي ثُعبان مُبِين ، وهاهنا : «حية» ، وفي مكان آخر : كأنها جانّ [ النمل : 20 ] ، والجانّ ليست بالعظيمة ، والثعبان أعظم الحيات؟
                          فالجواب : أن صفتها بالجان عبارة عن ابتداء حالها ، وبالثعبان إِخبار عن انتهاء حالها ، والحيّة اسم يقع على الصغير والكبير والذكر والأنثى . وقال الزجاج : خَلْقُها خَلْق الثعبان العظيم ، واهتزازها وحركتها وخِفَّتها كاهتزاز الجانِّ وخِفَّته .
                          يتبع إن شاء الله

                          تعليق


                          • #13
                            لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (23)
                            إِن قيل : لِمَ لم يقل : «الكُبَر؟ فعنه ثلاثة أجوبة .
                            أحدها : أنه كقوله : مآرب أخرى وقد شرحناه ، هذا قول الفراء .
                            والثاني : أن فيه إِضماراً تقديره : لنريك من آياتنا الآية الكبرى . وقال أبو عبيدة : فيه تقديم وتأخير ، تقديره : لنريك الكبرى من آياتنا .
                            والثالث : إِنما كان ذلك لوفاق رأس الآي ، حكى القولين الثعلبي .

                            وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي
                            قال الماوردي : وإِنما سأل الله تعالى أن يجعل له وزيراً ، لأنه لم يُرِد أن يكون مقصوراً على الوزراة حتى يكون شريكاً في النبوَّة ، ولولا ذلك لجاز أن يستوزر من غير مسألة

                            إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى
                            فإن قيل : ما فائدة قوله : «ما يوحى» وقد علم ذلك؟ فقد ذكر عنه ابن الأنباري جوابين .
                            أحدهما : أن المعنى : أوحينا إِليها الشيء الذي يجوز أن يوحى إِليها ، إِذ ليس كل الأمور يصلح وحيه إِليها ، لأنها ليست بنبيّ ، وذلك أنها أُلهمت .
                            والثاني : أن «ما يوحى» أفاد توكيداً ، كقوله : فغشّاها ما غشّى

                            إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ
                            قال الفراء : وإِنما اقتصر على ذِكْر المشي ، ولم يذكر أنها مشت حتى دخلت على آل فرعون فدلَّتهم على الظِّئر ، لأن العرب تجتزىء بحذف كثير من الكلام ، وبقليله ، إِذا كان المعنى معروفاً ، ومثله قوله
                            أنا أُنبِّئكم بتأويله فأرسلون [ يوسف : 45 ] ، ولم يقل : فأُرسل حتى دخل على يوسف .
                            اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43)
                            فائدة تكرار الأمر بالذهاب ، التوكيد

                            تعليق


                            • #14
                              الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (53) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ
                              معنى هذا الأمر : التذكير بالنِّعم

                              قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (59)
                              وإِنما علَّقه بالضحى ، ليتكامل ضوء الشمس واجتماع الناس ، فيكون أبلغَ في الحجة وأبعدَ من الريبة .
                              قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (65) قَالَ بَلْ أَلْقُوا
                              قال ابن الأنباري : دخلت «بل» لمعنى : جحد في الآية الأولى ، لأن الآية الأولى إِذا تُؤمِّلتْ وُجِدتْ مشتملة على : إِما أن تلقي ، وإِما أن لا تلقي .


                              قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ
                              فإن قيل : لم نسبوا الآيات إِلى أنفسهم بقولهم : «جاءنا» وإِنما جاءت عامة لهم ولغيرهم .
                              فالجواب : أنهم لما كانوا بأبواب السحر ومذاهب الاحتيال أعرف من غيرهم ، وقد علموا أن ما جاء به موسى ليس بسحر ، كان ذلك في حق غيرهم أبْيَن وأوضح ، وكانوا هم لمعرفته أخص .
                              إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ
                              فإن قيل : كيف قالوا : أكرهتنا ، وقد قالوا : «أإِن لنا لأجراً» ، وفي هذا دليل على أنهم فعلوا السحر غير مكرهين؟ فعنه أربعة أجوبة .
                              أحدها : أن فرعون كان يكره الناس على تعلّم السِّحر ، قاله ابن عباس . قال ابن الأنباري : كان يطالب بعض أهل مملكته بأن يعلِّموا أولادهم السحر وهم لذلك كارهون ، وذلك لشغفه بالسحر ، ولما خامر قلبه من خوف موسى ، فالإِكراه على السحر ، هو الإِكراه على تعلُّمه في أول الأمر .
                              والثاني : أن السحرة لما شاهدوا موسى بعد قولهم : «أئن لنا لأجراً» ورأوا ذكرَه الله تعالى وسلوكه منهاج المتقين ، جزعوا من ملاقاته بالسحر ، وحذروا أن يظهر عليهم فيطَّلع على ضعف صناعتهم ، فتفسد معيشتهم ، فلم يقنع فرعون منهم إِلا بمعارضة موسى ، فكان هذا هو الإِكراه على السحر .
                              والثالث : أنهم خافوا أن يُغلَبوا في ذلك الجمع ، فيقدح ذلك في صنعتهم عند الملوك والسُّوَق ، وأكرههم فرعون على فعل السحر .
                              والرابع : أن فرعون أكرههم على مفارقة أوطانهم ، وكان سبب ذلك السحر ، ذكره هذه الأقوال ابن الأنباري .

                              وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى
                              قال ابن الأنباري : وإِنما قال : «فأولئك» ، لأن «مَن» تقع بلفظ التوحيد على تأويل الجمع . فإذا غلب لفظها ، وُحِّد الراجع إِليها ، وإِذا بُيِّن تأويلها ، جُمع المصروف إِليها .
                              فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ
                              قال ابن الأنباري : ويعني بقوله : «ما غشيهم» البعض الذي غشيهم ، لأنه لم يغشَهم كل مائِهِ .

                              تعليق


                              • #15
                                فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى
                                قال العلماء : والمعنى : فتشقَيا؛ وإِنما لم يقل : فتشقيا ، لوجهين .
                                أحدهما : أن آدم هو المخاطَب ، فاكتفى به ، ومثله : عن اليمين وعن الشمال قعيد [ ق : 17 ] ، قاله الفراء .
                                والثاني : أنه لما كان آدم هو الكاسب ، كان التعب في حَقِّه أكثر ، ذكره الماوردي .
                                فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى
                                وأطرافَ النهار المعنى : وسبِّح أطرافَ النهار . قال الفراء : إِنما هم طَرَفان ، فخرجا مخرج الجمع ، كقوله تعالى : إِن تتوبا إِلى الله فقد صَغَتْ قلوبُكما
                                وللمفسرين في المراد بهذه الصلاة ثلاثة أقوال .
                                أحدها : أنها الظُّهر ، قاله قتادة؛ فعلى هذا ، إِنما قيل لصلاة الظهر : أطراف النهار ، لأن وقتها عند الزوال ، فهو طَرَف النِّصف الأول وطرف النِّصف الثاني .
                                والثاني : أنها صلاة المغرب وصلاة الصبح ، قاله ابن زيد؛ وهذا على أن الفجر في ابتداء الطَّرف الأول ، والمغرب في انتهاء الطَّرف الثاني .
                                والثالث : أنها الفجر والظهر والعصر؛ فعلى هذا يكون الفجر من الطرف الأول ، والظهر والعصر من الطرف الثاني ، حكاه الفراء .

                                تمت سورة طه والحمد لله

                                تعليق


                                • #16
                                  سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا
                                  وفي معنى التسبيح هاهنا قولان .
                                  أحدهما : أن العرب تسبِّح عند الأمر المعجب ، فكأن الله تعالى عجَّب العباد مما أسدى إِلى رسوله من النعمة .
                                  والثاني : أن يكون خرج مخرج الرد عليهم ، لأنه لما حدَّثهم بالاسراء ، كذبوه ، فيكون المعنى : تنزه الله أن يتخذ رسولا كذاباً
                                  مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى
                                  فان قيل : ما معنى قوله : إِلى المسجد الأقصى وأنتم تقولون : صعِد إِلى السماء؟
                                  فالجواب : أن الإِسراء كان إِلى هنالك ، والمعراج كان من هنالك .
                                  وقيل : إِن الحكمة في ذِكْر ذلك ، أنه لو أخبر بصعوده إِلى السماء في بَدْءِ الحديث ، لاشتد إِنكارهم ، فلما أخبر ببيت المقدس ، وبان لهم صدقُه فيما أخبرهم به من العلامات الصادقة ، أخبر بمعراجه .
                                  الْأَقْصَى
                                  وقيل له : الأقصى ، لبُعد المسافة بين المسجدَين

                                  وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ
                                  لمَّا ذكر في الآية الأولى إِكرام محمد ، ذكر في هذه كرامة موسى

                                  أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا
                                  قوله تعالى : وكِيلاً قال مجاهد : شريكاً . وقال الزجاج : ربّاً . قال ابن الأنباري : وإِنما قيل للربِّ : وكيل ، لكفايته وقيامه بشأن عباده ، من أجل أَن الوكيل عند الناس قد عُلم أَنه يقوم بشؤون أصحابه ، وتفقُّد أمورهم ، فكان الرب وكيلاً من هذه الجهة ، لا على معنى ارتفاع منزلة الموكِّل وانحطاط أمر الوكيل .
                                  ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا
                                  قال العلماء : ووجه الإِنعام على الخَلْق بهذا القول ، أنهم كانوا في صلب من نجا .
                                  فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ
                                  خصت المساءاة بالوجوه ، والمراد : أصحاب الوجوه ، لما يبدو عليها من أثر الحزن والكآبة .

                                  وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا
                                  ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أي : بأن لهم أجراً وهو الجنة ، وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أي : ويبشرهم بالعذاب ، لأعدائهم ، وذلك أن المؤمنين كانوا في أذىً من المشركين ، فعجَّل الله لهم البشرى في الدنيا بعقاب الكافرين .
                                  وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً
                                  وجعلنا آية النهار يعني : الشمس مبصرة فيه ثلاثة أقوال .
                                  أحدها : منيرة ، قاله قتادة . قال ابن الأنباري : وإِنما صلح وصف الآية بالإِبصار على جهة المجاز ، كما يقال : لعب الدهر ببني فلان .وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ
                                  وإِنما قيل للحظ من الخير والشر : «طائر» ، لقول العرب : جرى له الطائر بكذا من الخير ، وجرى له الطائر بكذا من الشر ، على طريق الفأل والطِيَّرة ، فخاطبهم الله بما يستعملون ، وأعلمهم أن ذلك الأمر الذي يجعلونه بالطّائر ، هو الذي يُلزمه أعناقهم .
                                  والرابع : أنه ما يَتطيَّر من مثله من شيء عمله ، وذِكْرُ العنق عبارة عن اللزوم له ، كلزوم القلادة العنق من بين ما يلبس ، هذا قول الزجاج . وقال ابن الأنباري : الأصل في تسميتهم العمل طائراً ، أنهم كانوا يتطيَّرون من بعض الأعمال .
                                  كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا
                                  وفي معنى حسيباً ثلاثة أقوال .
                                  أحدها : محاسِباً . والثاني : شاهداً . والثالث : كافياً ، والمعنى : أن الإِنسان يفوَّض إِليه حسابه ، ليعلم عدل الله بين العباد ، ويرى وجوب حجة الله عليه ، واستحقاقه العقوبة ، ويعلم أنه إِن دخل الجنة ، فبفضل الله ، لا بعمله ، وإِن دخل النار ، فبذنبه . قال ابن الأنباري : وإِنما قال : حسيباً ، والنفس مؤنثة ، لأنه يعني بالنفس : الشخص ، أو لأنه لا علامة للتأنيث في لفظ النفس ، فشبِّهت بالسماء والأرض ، قال تعالى : السماء منفطر به [ المزمل : 18 ] ، قال الشاعر :
                                  [ فلا مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقها ] ... ولا أرضَ أبقلَ إِبقالَها
                                  وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا
                                  وإِنما خص المترَفين بالذكر ، لأنهم الرؤساء ، ومَن عداهم تبع لهم

                                  تعليق

                                  19,988
                                  الاعــضـــاء
                                  237,777
                                  الـمــواضـيــع
                                  42,714
                                  الــمــشـــاركـــات
                                  يعمل...
                                  X