• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • مقال: تأملات في سورة الماعون، للأستاذ عبد الله السفياني




      في رمضان المنصرم كنت كتبت أسئلة من وحي سورة الماعون ثم حاولت الإجابة عليها بما فتح الله به .. وأعيد نشرها هنا .

      وللتذكير فهذه هي الأسئلة التي طرحت في حالة سابقة في الفيس بوك:
      ((قراءة الإمام لسورة الماعون اليوم أثارت لدي أسئلة كثيرة
      _ هل السورة مكية أم مدنية ..؟ لأن موضوعها مدني بامتياز ، وأسلوبها مكي بامتياز؟؟!
      _ ثم ما السر في الانتقال من التكذيب بالدين ( البعث ) القضية الكبرى ..إلى الحديث عن اليتيم والمسكين ..؟!
      _ ثم إدخال المصلين وتوعدهم بهذا الوعيد الشديد وشبه الإضراب عن المكذب بالدين السابق ذكره ..!؟
      _ ثم ذكر المصلين ، والانتقال من الصلاة باعتبارها قضية كبرى إلى موضوع أخر وهو ( منع الماعون ) ..!؟

      وغيرها من الأسئلة محل البحث ..!!)).

      وسوف أضع المناقشات على هيئة مسائل صغيرة ليسهل تناولها عليّ وعلى القارئ الكريم.


      المسألة الأولى :
      هل السورة مكية أم مدنية أم مكية مدنية ..؟ وقد انبثق السؤال من خلال موضوع السورة الذي تحدث عن التكذيب بالدين وهو موضوع مكي وكذلك عن ترك الصلاة والمراءاة فيها ودع اليتيم ومنع الماعون وهي موضوعات مدنية بالإضافة إلى كون أسلوبها يشبه كثيرا القرآن المكي..؟!
      وكنت وأنا أتأمل السورة أشعر أن السورة مكونة من جزأين مكي ومدني وبالرجوع إلى كتب التفسير اتضح أن في ذلك أقوالا ثلاثة :
      - أنها مكية وهو قول الجمهور.
      - أنها مدنية وهو المشهور عن ابن عباس.
      - أن الجزء الأول منها ( الآيات الثلاث الأولى ) مكية ، وبقيتها مدنية وهو قول منسوب إلى هبة الله المفسر الضرير.

      والمتأمل في نسق السورة يترجح له القول بأن أولها نزل في مكة وهي الآيات التي تتحدث عن المكذب بالدين ودع اليتيم ..إلخ
      وأن الجزء الذي يبدأ بقوله تعالى ( فويل للمصلين ..) نزل بالمدينة لتناسب الموضوعات بعضها مع بعض وسيأتي بيان ذلك.

      المسألة الثانية :
      هي ما يخص الجزء المكي فيها وكان الحديث فيه عن ثلاثة قضايا هي :
      - التكذيب بالدين.
      - دع اليتيم .
      - عدم الحض على إطعام المسكين.
      وقد بدأ الحديث بالاستفهام الداخل على الفعل ( رأيت ) ويبدو أن رأى هنا هي البصرية وليست التي بمعنى أخبرني وبهذا لن نكون بحاجة إلى تقدير مفعول ثان أو جواب له كما يقول الزمخشري وهو الأليق هنا بانسياب السورة وربطها بين صورتين متماثلتين صورة في مكة وصورة في المجتمع المدني.
      وكأن الآية تقول هل شاهدت يامحمد ذلك الذي يكذب بيوم الدين ويدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين ورأيت منه ما رأيت فإن هذا المشهد لم ينقطع في مكة بل له نظير مقابل في المجتمع المدني ولذلك جاء بعد ذلك بآية ( فويل للمصلين ) التي بدأت بالفاء التي تدل على التفريع ، وقد ذكرنا القاعدة النفيسة التي بينها العلامة ابن عاشور في تفسيره حول هذه الفاءات فقال : ( واعلم أنه إذا أراد الله إنزال شيء من القرآن ملحقا بشيء قبله جعل نظم الملحق مناسبا لما هو متصل به ، فتكون الفاء للتفريع . وهذه نكتة لم يسبق لنا إظهارها فعليك ملاحظتها في كل ما ثبت أنه نزل من القرآن ملحقا بشيء نزل قبله منه ).
      وإذا علم هذا فإننا لسنا بحاجة إلى الاستفسار عن سبب ذكر المصلين الذين يتركون الصلاة والحديث عن قوم يكذبون بالدين ..؟!! وذلك في حال القول بأن السورة مكية ، ولذلك زعم ابن عاشور أن قوله ( فويل للمصلين ) أي الذين لا يصلون من باب التهكم والسخرية بهم ويؤيد هذا وصفهم بالساهين عن الصلاة هكذا قال.
      ولكنه قول لا يستقيم وفيه تكلف واضح إذ كيف هم لا يصلون ثم هم يراؤون بصلاتهم ..!
      واستقامة المعنى والسياق أن المقطع الثاني نزل في منافقي المدينة ومن شابههم وسيأتي بيان سبب ذكرهم مع المكذبين بالدين.

      المسألة الثالثة:
      ما السر في الانتقال في الأوصاف من التكذيب بالدين وهو الجزاء والحساب على قول الجمهور وهو من القضايا الأساسية إلى موضوع اجتماعي يتعلق بالأيتام والمساكين والرحمة بهم والشفقة عليهم ..؟
      يذكر سيد قطب أن هذا وارد لبيان أن الدين ليس شعارات ترفع ولا يعمل بها وأنه اعتقاد وسلوك عملي يرى أثره في الوجود الواقعي للناس.

      ورغم صحة ما ذكره سيد قطب إلا أن البحث هنا عن سر النظم وطريقة القرآن في ذلك ، ولذلك يبدو لي والعلم لله أن ذكر الجزاء والحساب مرتبط في القرآن الكريم في كثير من المواضع بذكر الرحمة والمغفرة وغيرها من المعاني التي يكون الإنسان بأمس الحاجة إليها يومئذ، فهؤلاء الذين يدعون اليتيم ولا يحضون على طعام المسكين مكذبون بيوم هم في أشد الحاجة فيه إلى هذه الرحمة والشفقة.
      وتجد ذلك في سورة الفاتحة ( الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين ) ، وقريب منه في سورة البقرة قوله تعالى في إنظار المعسر ( وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون ) ثم في الآية التي تليها ( واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ) فإنظار المعسر في دينه والرحمة به والشفقة عليه هي من باب اتقاء يوم يكون الإنسان أحوج ما يكون إلى هذه المعاني العظيمة.

      المسألة الرابعة :
      ما السر في ذكر المصلين والبداية في صفات جديدة غير التي وردت في الآيات الأولى ؟
      وإذا كنا قررنا أن السورة مكية مدنية وأن الفاء في قوله ( فويل للمصلين ) هي للتفريع فإن الربط يكون بين صورتين صورة شاهدتها النبي بمكة ورآها رأي العين وخاطبه بها ربه بقوله : ( أرايت ) وصورة قد تبدو محجوبة في المدينة بسبب النفاق والاختفاء وأن الصورتين متماثلتان تماما بل الصورة الثانية كان انصباب الوعيد عليها أشد حيث بدأ الكلام عنها بالتهديد ( بويل ) لما في شأنها من الخطر العظيم على المجتمع المسلم.
      بينما الصورة الكافرة في المجتمع الكافر كان الحديث عنها حديث الاستفهام الإنكاري لاعتقادهم وسلوكهم وقضيتهم محسومة سلفا، فالانتقال من إلى هذه الصفات هي من باب المقابلة بينها وبين ما رآه النبي في مكة.


      المسألة الخامسة :
      في سر الصفات الواردة في آخر السورة وهي :
      - السهو عن الصلاة.
      - المراءاة فيها .
      - منع الماعون.
      ولو أمعنا النظر لوجدنا أن هذه الصفات تكاد تقابل الصفات الواردة في أول السورة فالسهو عن الصلاة وتركها وإهمالها والمراءاة بها يقابل التكذيب بيوم الدين فمن يؤمن بيوم الدين والجزاء والحساب لا يحصل منه هذا الإهمال والترك وصرف أجل العبادات لغير الله.
      ومنع الماعون عن الناس وتقديم العون لهم ومساعدتهم وما في ذلك من الرحمة والبر والخير يقابل دع اليتيم وعدم الحض على طعام المسكين.
      فتجد أن الصفات تدور في فلك الاعتقاد ( التكذيب بيوم الدين / ترك الصلاة والرياء فيها ) وفي فلك الشعائر الاجتماعية الرحيمة ( دع اليتيم والمسكين / منع الماعون ).

      المسألة السادسة :
      في سر ذكر منع الماعون بعد الصلاة التي هي الركن الأعظم ..؟
      والذي يظهر أن ذكر منع الماعون جاء لسببين :
      الأول : المقابلة بينه وبين دع اليتيم وعدم الحض على طعام المسكين.
      الثاني : التلازم المعلوم من الدين بالضرورة بين الصلاة والزكاة، ولذلك وردت في القرآن كثيرا بهذا التلازم، ومن منع الماعون الذي هو شأن يسير ( من دلو أو فأس أو حبل ...إلخ ) عن الناس فهو عن دفع الزكاة والصدقات أشد امتناعا، ولذلك فسر بعض السلف الماعون هنا بالزكاة وبالمال مما يدل على هذا المعنى .

      والخلاصة أن هذه السورة الجليلة تتحدث عن صفات تتكرر في المجتمع الكافر والمسلم على حد سواء ولكن بصور مختلفة ومؤداها واحد فهي صور تحمل خللا في الفكر والاعتقاد وخللا آخر في السلوك والتطبيق وأثرها ممتد من الذات إلى الآخر من الفرد إلى المجتمع وكأن السياق القرآني يقول في هذه السورة مخاطبا محمدا عليه الصلاة والسلام أرأيت يا محمد ذلك الكافر العنيد الذي ينكر البعث والجزاء والحساب ولا يرجو رحمة ولا شفقة فهو دافع لليتيم ناهر له غافل عن المسكين وإطعامه فلا هو يعطي ولا يحض غيره على العطاء هذه الصورة التي رأيتها في مكة ماثلة رأي العين هي هذه تتكرر عند هؤلاء المصلين الذين هم ساهون غافلون عن صلاتهم مراؤون بها شاحون عن فعل الخير والبر فيمنعون الماعون وهم لما سواه من البذل والعطاء أشد منعا وشحا.
      ووصف المصلين بالساهين هنا هو من باب الاستعارة والمقصود به الإعراض وعدم المبالاة والترك المتعمد أو كما قال ابن عباس يصلون علانية ولا يصلون سرا .

      والله تعالى أعلم .

      عبد الله بن رفود السفياني

      الرابط
      د. حاتم بن عابد القرشي
      كلية الشريعة _ جامعة الطائف
      [email protected]

    • #2
      هذا مقال للأخ الصديق العزيز والشاعر والأديب عبد الله بن رفود السفياني نشره عبر صفحته في تويتر، ولإفادة الأعضاء والزملاء فضلت نشره هنا للاستفادة منه والنظر فيه .
      وللمعلومة فهذا معرِّف كاتب المقال في تويتر @asufyani
      د. حاتم بن عابد القرشي
      كلية الشريعة _ جامعة الطائف
      [email protected]

      تعليق


      • #3
        جزاكم الله خيرا

        تعليق


        • #4
          يبدو لي والعلم لله أن ذكر الجزاء والحساب مرتبط في القرآن الكريم في كثير من المواضع بذكر الرحمة والمغفرة وغيرها من المعاني التي يكون الإنسان بأمس الحاجة إليها يومئذ، فهؤلاء الذين يدعون اليتيم ولا يحضون على طعام المسكين مكذبون بيوم هم في أشد الحاجة فيه إلى هذه الرحمة والشفقة.
          وتجد ذلك في سورة الفاتحة ( الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين ) ، وقريب منه في سورة البقرة قوله تعالى في إنظار المعسر ( وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون ) ثم في الآية التي تليها ( واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ) فإنظار المعسر في دينه والرحمة به والشفقة عليه هي من باب اتقاء يوم يكون الإنسان أحوج ما يكون إلى هذه المعاني العظيمة.

          كلام جميل

          تعليق

          20,173
          الاعــضـــاء
          230,961
          الـمــواضـيــع
          42,373
          الــمــشـــاركـــات
          يعمل...
          X