إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • ما المقصود بالاستفزاز

    الاخوة الأفاضل
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    استوقني تفسير المفسرين لمعنى الاستفزاز في قوله تعالى: " أَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا " في سورة الإسراء: 103

    حيث اتفقوا على ان المقصود إخراجهم من مصر وقيل قتلهم.

    مع ان هدف فرعون ابقاءهم في مصر لخدمته، وكل هم سيدنا موسى إخراج بني إسرائيل من مصر

    ولما رجعت الى كتب اللغة وجدت المعنى نفسه
    فهل هذا معقول ؟!
    طالب علم

  • #2
    مادة (فزز) في اللغة العربية تأتي بمعنى الإزعاج والإفزاع كما ذكر أصحاب المعاجم كلسان العرب . وقد وردت هذه المادة في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع ، كلها في سورة الإسراء هي :
    الأول : قوله تعالى :(واستفزز من استطعت منهم بصوتك) الإسراء 64
    الثاني : (وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلاً) الإسراء 76
    الثالث : (فأراد أن يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معه جميعاً) الإسراء 103
    وهذا الفعل يتعدى بنفسه كما في قوله :( (واستفزز من استطعت منهم بصوتك).
    ويتعدى بحرف (من) كما في قوله : (يستفزونك من الأرض) وقوله:(يستفزهم من الأرض).
    فإن تعدى الفعل بنفسه كان بمعنى الإزعاج والاستخفاف للفؤاد. قال في لسان العرب:(استفزَّهُ : خَتَلَهُ حتى ألقاه في مهلكةٍ ، واستفزَّه الخوفُ أي استخفَّهُ).
    وإن تعدى بـ(من) كان بمعنى الإخراج والاستئصال بالقتل أو الطرد. قال في لسان العرب :(واستفزه من الشيء : أخرجه). وقال ابن عباس في تفسيرها :(يستأصلهم من الأرض) ، فضمَّن الفعلَ (يستفز) معنى الاستئصال فعدَّاه بِمِن. وهذا الفعل (فزز) فيه معنى الاضطراب والخفة لشدة الخوف والفزع ، حتى قال أبوعبيد : (أفززتُ القومَ وأَفزعتُهُم سواءٌ). والذي يظهر لي أن المعنى الأصلي والدقيق للاستفزاز هوالأول (الإزعاج والاستخفاف للفؤاد) وأَنَّ (الخوف والهرب وربما الموت من شدة الاضطراب والهلع) من نتائج المعنى الأول للكلمة. وهذا المعنى الأصلي هو معنى الاستفزاز في كلامنا اليوم ، فإنه بمعنى الاستثارة ، والإزعاج ، مما يدعو للتحفز والتوثب للخوف أو الهرب أو الانتقام أو غير ذلك.
    والآية التي وقع السؤال عنها ، وهي قوله تعالى :فأراد أن يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معه جميعاً حسب التقعيد السابق تكون بمعنى الإخراج . وهذا صحيح أن فرعون بعد أن لحق بهم كان يريد طردهم على وجه الذلة والخزي ، أو قتلهم أو استعبادهم على وجه أشد من ذي قبل ، وإن كان قبل أن يتبعهم لم يوافق على طلب موسى بأن يأذن لهم في الخروج معه ، ويريد بقاءهم لاستعبادهم وجعلهم في خدمته.
    والمفسرون كما ذكرت أخي عبدالرحيم في سؤالك كلهم يفسرون الاستفزاز في الآية بمعنى الإخراج دون توقف عند المعنى الذي استوقفك والذي يدل على فقهك وفطنتك.
    ولذلك لم يتوقف عندها الطبري فقال في تفسيرها: (فأراد فرعون أن يستفز موسى وبني إسرائيل من الأرض). ولم يزد على ذلك ، فكأَنَّ (يستفزُّ) عنده بمعنى (يُخرجُ) فلم يشرحها. وقال القرطبي :(أي أراد فرعون أن يُخرجَ موسى وبني إسرائيل من أرض مصر بالقتلِ أوالإبعاد) 10 / 338 . غير أن الاستفزاز ليس معنى مطابقاً للإخراج ، بل هو أعم منه بدليل قوله تعالى : (وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلاً) فقد جعل الإخراج من مكة دون الرجوع إليها علةً للاستفزاز ، فدل على أن الاستفزاز معنى أعم من الإخراج ، وإنما هو الإخراج على وجه الخوف والاضطراب والهلع.
    وأَما القاسميُّ فقد أَلْمَحَ إلى المعنى الذي ذكرته أعلاه للكلمة فقال :(أي يُفزعهم ويزعجهم بِما يَحملِهم على خِفَّةِ الهَرَبِ فَرَقاً منه. أو ينفيهم عن ظهر الأرض بالقتل والاستئصال). فالشطر الأول لكلامه يدل على أَنَّ المفردة تدل في أصلها على الإفزاع والإزعاج بما يحملهم على الهرب خوفاً منه ومن بطشه ، وهذا المعنى تؤيده آية أخرى ، وهي قوله تعالى :(فلما ترآءا الجمعان قال أصحاب موسى إِنَّا لمدركون)[الشعراء:61] ودخل الخوف نفوسهم من بطش فرعون.
    وأختم بما يمكن أن يبدو في الآية التي وقع السؤال عنها من معنى الاستفزاز الذي وقع على فرعون نفسه ، حيث دخله الاضطراب والانزعاج والخفة لَمَّا سَمِعَ بِخُروجِ موسى ببني إسرائيل ، فخرج مسرعاً مستعجلاً لحتفه وهلاكه ، فكأَنَّ الاستفزازَ (بمعنى الخفة والاضطراب) في حقه أصدقُ منه في حقِّ موسى عليه الصلاة والسلام وقومه ، بدليل تسرعه في اقتحام البحر مع خطورة هذا القرار الذي اتخذه ، والذي كان فيه هلاكه وقومه، ولكنها حكمة الله وإرادته وانتقامه . فلعل التعبير بهذه اللفظة (يستفزهم) تشير إلى هذه الدلالات التي أحاطت بتلك الحادثة مجتمعة والله أعلم وأستغفر الله من الخطأ والزلل.
    عبدالرحمن بن معاضة الشهري
    أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود
    amshehri@gmail.com

    تعليق


    • #3
      أخي الفاضل
      الاستفزاز وقع من فرعون إليهم ..
      والشبهة هنا واضحة ..

      ففرعون هو المستفِز لا المستفَز

      هنا الإشكال

      وهذا من شبهات المشككين في سلامة القرآن الكريم من الزلل فالأمر ليس بالسهل
      ولا ينبغي التعامل معه ببساطة

      مع محبتي
      طالب علم

      تعليق


      • #4
        صدقت أخي الحبيب الأمر سهل والشبهة واضحة ، ولا يشكل فهمها إلا على أعجمي لا يفهم لغة العرب. ولسنا في حاجة إلى بسط الواضحات لكل عجمي لا يفهم العربية. والأفعال في اللغة العربية ليست معانيها محصورة فيما قاله أصحاب المعاجم دائماً ، فقد يقع في تعبيرهم التقصير في الشرح. والحجة في مثل هذه الآية هي السياق الظاهر للآية الذي يدل على المعنى دون تكلف ، ولم أجد أحداً من المفسرين الذين يعنون بمثل هذه اللطائف وقف عندها ، لوضوحها فيما يبدو لي.
        فلعلك في بحثك تفيدنا بالجواب فتح الله عليك باعتبارك تكتب رسالتك الدكتوراه في مثل هذه الشبهات إن كانت. أسأل الله لك التوفيق السداد.
        عبدالرحمن بن معاضة الشهري
        أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود
        amshehri@gmail.com

        تعليق


        • #5
          بإذن الله أخي الفاضل وشكرا لاهتمامك
          أسأل الله أن يوفقنا لخدمة الإسلام
          آمين
          طالب علم

          تعليق


          • #6
            الأخوان الكريمان الشيخان عبد الرحمن الشهري وعبد الرحيم
            السلام عليكماورحمة الله وبركاته
            واسمحا لي أن أشارككما الرأي فيما وصلتما إليه

            الاستفزاز أصل يدل على الفزع والإزعاج
            ولما كان للفزع والإزعاج موارد يعسر تحديدها بمجرد اللفظ احتيج في السياق إلى ما يبين المراد
            وعليه فلما قصد به الإزعاج بالصوت والإفزاع به قيل واستفزز من استطعت منهم بصوتك) الإسراء 64
            ولما قصد به الإخراج من الأرض قيل وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلاً الإسراء 76
            ثم تبقى هذه اللفظة محل الدراسة غفلا حيث لم تردف بما يوضح المقصود بالاستفزاز فيها فأراد أن يستفزهم من الأرض
            ليخوض المفسرون في بيانها انطلاقا من معناها اللغوي المباشر أو تأويلا له بشيء من لوازمه كالإخراج أو القتل أو غير ذلك
            لكن بتتبع موارد القصة في الكتاب العزيز نستطيع أن نقف على خصوصية معنى الاستفزاز هنا
            وذلك أننا قد وعينا من تتبعنا لهذه القصة في سورة الإسراء وفي غيرها أن هناك مستفِزا هو فرعون ومستفَزا هو موسى وقومه وسياق القصة في سور القرآن الكريم يدل على أن هذا الاستفزاز لم يحدث إلا بعد أن علا شأن موسى عندما آمن به السحرة الذين كان فرعون قد أعدهم للتصدي لموسى فحدث ما لم يكن فرعون يتوقعه حيث آمن السحرة بعد أن بان لهم الحق في قصة معلومة قد قصها القرآن لا يحتاج أهل العلم إلى أن نذكرهم بها ، ومن ثم سوف نقفز إلى محل الكلام مباشرة وهو المقصود بالاستفزاز الذي أراد فرعون أن يوقعه بموسى وبني إسرائيل بعد هزيمته وفضيحته أمام ملائه
            أقول هذا الاستفزاز قد وضحه فرعون نفسه فيما حكاه القرآن عنه وهو أنه عزم على سبي نسائهم وقتل ذراريهم بعد أن استشعر خطرهم عليه وقد نبهه إلى ذلك بطانته السيئة وهذه الآية من سورة الأعراف تحكي ذلك :
            وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُون َ الأعراف: 127
            ولأن مشهد الإيمان الرائع قد أثر على بني إسرائيل فمنهم من آمن بموسى كما حكت سورة يونس فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ83
            فقد اغتاظ فرعون واشتد كيده وقد صورت آيات سورة الشعراء سيكولوجية فرعون وحالته النفسية السيئة التي اعترته بعد نجاح موسى وكيف أنه قد بلغ به الغيظ مبلغه فاتخذ قراره باستفزاز ببني إسرائيل وهو سبي نسائهم وذبح أبنائهم ولهذا اتبعهم بعد أن فروا منه - خوفا ووجلا - بقرار من موسى عليه أرشده إليه الوحي : وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ52 فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ53 إِنَّ هَؤُلَاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ54 وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ55 وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ56 فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ57 وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ58 كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ59 فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ60
            وتضيف لنا آية سورة إبراهيم التي جاءت في إطار الامتنان على بني إسرائيل لتضيف بعدا جديدا لمعنى الاستفزازوهو تعذيب فرعون رجال بني إسرائيل وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيم لاحظ أن هذا البعد قد أضافه العطف بين هذه الجمل الثلاث يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وهو ما اقتضى المغايرة وهو ما ليس موجودا بآيتي البقرة ( ) ( 49 ) والأعراف ( ) ( 141 )
            وعلى هذا فلا محل للشبهة لأن محاولة فرعون ملاحقة بني إسرائيل سبيا لنسائهم وقتلا لذراريهم – وهو في نظري الاستفزاز المذكور – كان بعد قصة السحرة ونجاح موسى في ميدان التحدي والتباري حيث اغتاظ فرعون فعزم على الانتقام
            وأما فكرة استعباد بني إسرائيل فهي الفكرة التي كانت مستقرة وقائمة قبل مجيء موسى وقبل قصة التباري حيث كان بنو إسرائيل بالفعل عبيدا لفرعون ولذلك قال له موسى مستفهما مستنكرا فيما نتصوره عن الدلالة الصوتية لهذه العبارة وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ22 الشعراء
            والحاصل أن قرار الاستعباد كان قبل مجيء موسى وإيمان السحرة وقرار الاستفزاز هو الطارئ بعد نجاح موسى وإيمان السحرة وخوف فرعون على زعزعة مكانته
            وهو ما فهمناه بتتبع موارد القصة في القرآن الكريم ، وعليه لا يكون للشبهة المذكورة موضع .
            والله أعلم

            أخي عبد الرحيم بارك الله فيك ووفقك في موضوعك وإني لمفتقدك منذ فترة وإني لسعيد بالاطمئنان عليك عبر الملتقى
            أحمد سعد الخطيب
            أستاذ التفسير وعلوم القرآن

            تعليق


            • #7
              بسم الله الرحمن الرحيم

              أخي وحبيبي الخطيب ... أشهد الله إني أحبك في الله
              كنت أظن أن الأخ الجندي يطلعك على أخباري..

              على كل حال..

              عندي فهم جديد للمقصود بالاستفزاز في الآية الكريمة أرجو التكرم ببيان صوابه أو عدمه

              فالموضوع مهم جدا وقد يكون محاولة لرسم معالم وآفاق جديدة

              مقدمة:
              قال تعالى في سورة الإسراء: " وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لأظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا(101) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لأظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا(102)فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الأرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا(103)وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا(104) ".

              تتحدث الآيات الكريمة عن تسع آيات (معجزات، ضربات) نزلت على فرعون وقومه ليسمحوا لبني إسرائيل بالخروج من مصر هاربين بدينهم (( ليتمكنوا )) من عبادة الله تعالى ويحقق الاستخلاف في الأرض كما أمرهم وأمر كل طائفة مؤمنة.
              فقد كان بنو إسرائيل في ذلك الزمان وذاك المكان يمثلون الفئة المؤمنة.
              فكان ذلك الخروج تحقيقاً لوعد الله باستخلاف الفئة المؤمنة والتمكين لها.

              ولكن فرعون (أراد) غير ذلك فقد عقد العزم على (استفزاز) بني إسرائيل ـ كما نجح في استفزاز قومه (استخفافهم) فأطاعوه ـ

              ولكن أمر الله تعالى وتدبيره المحكم كان خيراً وأحكم من تدبير فرعون فأغرقه ولم يحقق له (الاستفزاز) الذي أراده وحلم به.

              ما المقصود الاستفزاز الذي أراده فرعون ؟

              جل المفسرين ـ تعالى وجمعنا بهم في مستقر رحمته ـ فسروا الاستفزاز بالإخراج من الأرض، إخراجاً حقيقياً إما بالطرد أو القتل.
              وهذا تفسير مشكل، فإخراج بني إسرائيل من مصر أمنيتهم، وهو خلاف مراد فرعون الذي أرادهم مسخرين لخدمته وقومه، أتباعاً لهم، عبيداً .. فكيف ذلك ؟

              جواب ذلك: إن الاستفزاز في الآية الكريمة لا يمكن حمله على الطرد، بل العكس تماماً.. والشواهد تدل على ذلك،
              ولذلك سيتم استقراء ما اشتق من الجذر (فزز) في القرآن الكريم والسنة وكلام العرب والمعاجم ، ثم استنباط المعنى الأنسب إلى سياق الآيات الكريمة، والذي لا يخالف المسلمات التاريخية ويزيل احتمال التناقض بين الآيات الكريمة. كقوله تعالى مخاطباً موسى وهارون ـ في سورة الشعراء ـ : " فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ(16)أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ(17) ".

              أولاً: مادة (فزز) في القرآن الكريم... تكرر ما اشتق من (فزز) في القرآن الكريم ثلاث مرات جميعها في سورة الإسراء (وفي هذا إشارة ينبغي دراستها في مقابلة الوحدة الموضوعية لسورة الإسراء ).
              الأولى ـ في خطاب الله تعالى لإبليس ـ : " قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا(63)وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا(64) ".
              الثانية في بيان نعم الله تعالى على سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام: " وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا(76) ".
              الثالثة ـ في سياق بيان ضعف مكر فرعون ـ : " فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا(103) ".

              دراسة معنى الاستفزاز في الآية الأولى:
              ذكر المفسرون ـ وحتى البخاري في صحيحه مرتين ـ في تفسير الآية الأولى أن المقصود باستفزاز إبليس: استخفافه.
              فعلاقة الشيطان بأوليائه علاقة استخفاف السيد بأتباعه..
              ومثله استخفاف فرعون بقومه قال تعالى في سورة الزخرف: " فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ(54) ". وفسر العلماء استخفافه ((((( بالاستفزاز ))))) انظر القرطبي والجلالين.
              هذا استفزاز (استخفاف) ناجح.
              وذكر القرآن الكريم مثالاً على استفزاز غير ناجح بسبب توفيق الله تعالى.
              قال تعالى في آخر آية من سورة الروم: " فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ(60) ".
              قال النحاس في معاني القرآن: عن معنى لا يستخفنك: " لا يستفزنك ".

              على هذا: الاستفزاز والاستخفاف بمعنى واحد.

              دراسة معنى الاستفزاز في الآية الثانية والآية الثالثة:
              تتحدث الآيتان عن إرادتين:
              الأولى: إرادة الله تعالى الشرعية ثم إرادة عباده المؤمنين بنقل المؤمنين من مكان لا يستطيعون فيه تحقيق أمر الله تعالى بإقامة الخلافة المأمور بها شرعا وعمارة الأرض وفق حكم الله تعالى والتمكين لهم.
              الإرادة الثانية: محاولة الشيطان وأتباعه استمالة المؤمنين إلى جانبهم والاستخفاف بهم ليطيعوهم كما أطاعهم كثير من (الأنعام).

              هنا تتصارع الإرادتان: إرادة من لا يرضون الحكم إلا لله تعالى ويرفضون التبعية لمخلوق.
              وإرادة تريد سلب عزة المؤمن واستمالته بأطماع الدنيا وشهواتها الرخيصة.. وقد عبر عنها القرآن الكريم بعبارات منفرة: استخفاف ، استفزاز...

              ولكن الله تعالى وعد النبيَّين (موسى ومحمد ) بأن مكر أعدائهما سيزول وأن العاقبة لهما، وسيمكنان من الأرض.. ولن يتحقق للكفار أمنية (استفزازهم من الأرض) بل سيتحقق (تمكينهم في الأرض).

              وإن كان المقصود بالاستفزاز (الإخراج) فالمقصود ليس الإخراج المادي (بالطرد)
              فآخر ما كانت تريده قريش إخراج سيدنا محمد من مكة. (( كما ورد في الآية الثانية ))
              وآخر ما كان يريده فرعون، إخراج بني إسرائيل من مصر (( كما ورد في الثالثة ))


              بل كل ما أراده الفريقان: إخراج النبيين وأتباعهم من أن يكون للطائفة المؤمنة أي دور ريادي وسيادي في الأرض، بل كانوا يريدونهم أتباعاً يسهل سوقهم كالأنعام.
              ويؤيد المعنى اللغوي ذلك:
              جاء في الصحاح: استفزه الخوف: استخفه. ورجل فزّ: خفيف.
              وفي تاج العروس: يستفزونك: يستخفونك، ويفزعونك ليحملوك على الهرب..
              وفي لسان العرب: فزه فزاً وأفزه: .. أفزعه وطيّر فؤاده.
              قال أبو عبيد: أفززت القوم وأفزعتهم سواء.

              وقد ورد في حديث صفية عن صفة النبي : " ولا يستفزه "
              قال ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث: " ولا يستفزه: أي لا يستخفه ".
              وقال ابن فارس في الاتباع والمزاوجة: قال الأصمعي: فزٌّ ونزٌّ وهو الخفيف.

              وقال القالي في الأمالي: أفزَّته، استخفته.
              وذكر أن أصلها من ولد البقر الذي يقال له (فز) لأنه يستخفه كل شيء رآه أو أحس به.

              والمقصود البقر الوحشي.. قال النوري في نهاية الأرب: قالت العرب: ولد البقرة الوحشية ما دام يرضع فهو فز وفرقد وفرير.. ".

              وأختم بقول ابن فارس في معجم مقاييس اللغة: الفاء والزاء أُصَيلٌ يدلُّ على خفّةٍ وما قاربَهَا. تقول: فَزَّهُ واستفزَّه، إذا استخفَّه. قال الله تعالى: وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْض [الإسراء 76]، أي يحملونك على أن تَخِفَّ عنها. وأفزَّه الخوفُ وأفْزَعَه بمعنىً. وقد استفَزَّ فُلاناً جهْلُه. ورجل فَزٌّ: خفيف. ويقولون: فزَّ عن الشيء: عدل. والفَزُّ: ولَد البقرة. ويُمكن أن يسمَّى بذلك لخفَّة جسمِه. قال:
              كما استغَاثَ بسيءٍ فَزُّ غَيْطَلَةٍ خافَ العُيونَ ولم يُنظُرَ به الحَشَكُ
              ------------------
              البيت لزهير في ديوانه 177 واللسان (سيأ، فزز، غطل، حشك) . وسيء، يقال بفتح السين وكسرها، وهو اللبن قبل نزول الدرة يكون في طرف الأخلاف.
              والغيطلة البقر الوحشي..
              =======================================

              أما في كتب غريب القرآن فقد اتفقت ـ إن ذكرت معنى استخف واستفز ـ على أن معنى استفز: استخف.
              واستخف: استفز.

              \\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\ \\\\\

              في النهاية: تقرر الآيات الثلاث الكريمة في سورة الإسراء أهمية عزة المؤمن واستعلائه على الباطل (جناً كان أم إنساً). وتحقير من رضي لنفسه أن يكون ( فزاً وفريراً ... ) !!
              وعدم الرضوخ إلى عصاه وجزرته فما هي إلا (استفزازات) و(استخفافات) لا تليق بالمؤمنين المخلصين الدعاة ولهذا حذرهم من أن يكون مصيرهم كمصير قوم فرعون الذي..

              " يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ " [هود: 98]

              نسأل الله تعالى العفو والعافية... آمين

              إخوتي الأفاضل: أرجو قراءة الموضوع مرة أخرى والتكرم بتصويب ما فيه وبارك الله فيكم

              مع محبتي
              طالب علم

              تعليق


              • #8
                السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ،،


                أصل الشبهة هو أن قوم موسى كانوا خارجين هاربين من مصر و أن فرعون أراد أن يستفزهم (أي يخرجهم حسب كلام المفسرين) من أرض مصر ، فكيف يكون هذا ؟ كيف يخرجهم و هم أصلاً خارجين ؟

                هذه هي الشبهة ببساطة و الرد هو أن الاستفزاز ليس معنى مطابقًا للاخراج ، فهو لا يدل على الاخراج عمومًا بل على كيفية معينة لهذا الاخراج .

                و انسحاب بني إسرائيل من أرض مصر كان انسحابًا تكتيكيًا و من لديه خلفية عن العلوم العسكرية يعلم جيدًا أن أكبر خسائر الجيوش المنهزمة تكون أثناء الفرار لأن القوات المنتصرة ساعتها تركب ظهور و أعناق الهاربين و تمزقهم تمزيقًا و تلحق بهم خسائر جسيمة و هو المعروف بمطاردة فلول الهاربين ، لهذا وجب أن يكون الانسحاب بالنسبة للفارين الهاربين مدروسًا و منظمًا .

                لهذا السبب خرج فرعون بقواته ليحبط هذا الخروج المدروس لبني إسرائيل و أراد ان يكون خروجهم على نحو هروب الجيوش المنهزمة أمام المنتصرين الذين يمزقون ظهورهم و أعناقهم أثناء الفرار .

                و هذا هو معنى الاستفزاز : أي خروجهم بهذه الكيفية المعينة و ليست الكيفية الرزينة المدروسة التي رسمها موسى لقومه .

                و هذا دافع لنا لنتأمل و نتفكر في الانتقاء البديع للكلمات في القرآن العظيم ، و أرجو أن يفهم القاريء براعة اختيار كلمة (يستفزهم) في هذا السياق ، و هي كلمة بديعة تدل على الاخراج بكيفية معينة لا يمكن التعبير عنها إلا بهذه الكلمة الرائعة .

                و تأمل قول الألوسي في روح المعاني : (( فأراد فرعون أن يستفزهم أي موسى وقومه وأصل الاستفزاز الإزعاج وكنى به عن إخراجهم من الأرض أي أرض مصر التي هم فيها أو من جميع الأرض ويلزم إخراجهم من ذلك قتلهم واستئصالهم وهو المراد .. فأغرقناه ومن معه جميعا أي فعكسنا عليه مكره حيث أراد ذلك لهم دونه فكان له دونهم فاستفز بالإغراق هو وقومه وهذا التعكيس أظهر من الشمس على الثاني وظاهر على الأول لأنه أراد إخراجه من مصر فأخرج هو أشد الإخراج بالإهلاك والزيادة لا تضر في التعكيس بل تؤيده )) روح المعاني ج15 ص186 .. و سبحان العزيز الجبار !

                http://www.aljame3.com/forums/index.php?showtopic=6755

                تعليق


                • #9
                  أخي المكرم د. هشام...

                  أنا لا أتساءل كيف يخرجهم فرعون وهم خارجون أصلاً ؟ بل السؤال الأصح: هل أراد أن يخرجهم ؟!
                  لو أراد فرعون إخراجهم فما الداعي إلى الضربات التسع: الجراد والقمل والضفادع...

                  بل تلك إرادة سيدنا موسى وبني إسرائيل أصلاً...


                  حالها كحال القضية ذاتها في تفسير الاستفزاز في السورة الكريمة عينها: " وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا(76) ".

                  هل فعلاً (((( أحب وأراد ))) كفار قريش إخراج سيدنا محمد من مكة ؟!

                  ألم يجلسوا في دار الندوة ويطرحوا ذلك الاقتراح ولكنهم رفضوه كي لا يجمع حوله الأتباع بلسانه الحكيم البليغ ( بحسب وجهة نظرهم ) ؟

                  ثم لماذا بعثوا خلفه من يبحث عنه وأعدوا أكبر الجوائز .. (قصة سراقة بن مالك في حادثة الهجرة ).

                  أليست الآية الكريمة نص في أن الاستفزاز غير الإخراج ؟؟؟

                  أم هنا ترادف ؟!


                  ما أرت قوله سهل:

                  فسر السادة الأفاضل العلماء، الاستفزاز في قوله تعالى: " وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا(64) ". بالاستخفاف بحسب أصل معنى الكلمة.

                  ولكنهم فسروه ( بلازم ) الكلمة بحسب فهمهم في الموضعين التاليين..
                  وهنا الإشكال فالأولى حمل اللفظ على حقيقته إلا بوجود مسوغ...

                  فلماذا لم يفسروه بحسب ظاهره وانتهى الأمر..
                  وخاصة أن القرآن الكريم استعمل المعنى ذاته في موضعين منفصلين يخصان النبيين الكريمين صلى الله عليهما وسلم..

                  سيدنا محمد عبر عن إرادة المشركين استخفافه في آخر آية من سورة الروم " فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ(60) ".
                  وفي الوقت ذاته عبر عن تلك الإرادة في سورة الإسراء: " وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا(76) ".


                  أما سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام فقد نجح فرعون في الاستخفاف بقومه كما بينت سورة الزخرف " فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ(54) ".
                  ولكنه رأى هذا الاستخفاف ناقصا لأنه لم يشمل بني إسرائيل فأراد الاستخفاف بهم كما استخف بقومه: " فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا(103) ".

                  ومن عجيب الأمر أن المفسرين فسروا الاستخفاف في الزخرف والروم بالاستفزاز !!!

                  إذا:
                  الاستخفاف = الاستفزاز.
                  والاستفزاز = الاستخفاف.

                  وهذا لا يعني الترادف .. بل أحدهما مقدمة للآخر..
                  ومن الممكن أن يكون الاستفزاز سابق للاستخفاف ( الاستخفاف مرحلة متقدمة ).

                  باختصار: المقصود بالاستفزاز في الآيات الثلاث: المنع من التمكين في الأرض، وإخراج المسلم من العزة إلى العبودية، ومن الاستعلاء على الباطل إلى الخضوع له.



                  يريد أهل الباطل الاستفزاز من الأرض

                  ليمنعوا التمكين في الأرض

                  هذا ما يقتضيه سياق الآيات الثلاث وتحتمله اللغة والموافق للتفسير بالمأثور ( تفسير القرآن بالقرآن ) ولم يرد نص شرعي في إثبات عكسه.


                  والله تعالى أعلم ...
                  ورحم الله السادة المفسرين العلماء الذين نتشرف بمسح الغبار عن أحذيتهم..

                  وأسأله جل في علاه أن يجمعنا بهم في مستقر رحمته إخوانا على سرر متقابلين.
                  طالب علم

                  تعليق


                  • #10
                    استنباط موفق ، زادك الله توفيقاً أخي عبدالرحيم ، وأعانك في بحثك .
                    عبدالرحمن بن معاضة الشهري
                    أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود
                    amshehri@gmail.com

                    تعليق


                    • #11
                      أخي الفاضل:

                      بقي سؤال يحيرني

                      سؤال أخير:

                      بحسب تفسيري للاستفزاز، ما معنى حرف الجر " من "

                      في قوله تعالى: " فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ " هل من الممكن أن تكون بمعنى الظرفية ( في )
                      بحسب نظرية تعاور معاني حروف الجر ؟

                      وجزاكم الله كل خير
                      طالب علم

                      تعليق


                      • #12
                        تعاور أو تناوب حروف الجر من المسائل الخلافية الكبرى بين النحويين البصريين والكوفيين.
                        فمنعه جماهير البصريين وقال به جماهير الكوفيين.
                        وهذا ما ينفيه بشدة علماء البلاغة والنظم القرآني المدافعين عن رأيهم (( الصحيح )) في نفي الترادف عن القرآن الكريم.
                        فإن كان الترادف منفياً، فإن تناوب الحروف منفي من باب أولى.

                        ولكنهم جوزوا القول بأن بعض حروف الجر، تفيد معانٍ عدة (منها معاني حروفٍ أخرى) تفهم من السياق، مع فرق دقيق بين معنى الحرف المراد من الآية.
                        كالفرق بين الريب والشك، في قوله تعالى: " لا ريب فيه "... ومثله الفرق بين: مهطعين ومسرعين، الخوف والخشية، المكر والكيد،... الخ


                        مثلاً الباء: تفيد معنى..
                        في: كقوله تعالى: " ولقد نصركم الله ببدر ". آل عمران123.
                        عن: كقوله تعالى: " فاسأل به خبيراً ". الفرقان: 59.
                        على: كقوله تعالى: " ما أن تأمنه بقنطار ". آل عمران: 75.
                        مع: كقوله تعالى: " فأتبعهم فرعون بجنوده ". طه: 78.
                        من: كقوله تعالى: " عيناً يشرب بها عباد الله ". الإنسان: 6.
                        إلى: كقوله تعالى: " وقد أحسن بي ". يوسف: 100.

                        انظر: الجني الداني في معاني حروف المعاني للمرادي، ورصف المباني في شرح حروف المعاني للمالقي.

                        والآن إلى موضع الشاهد هنا:
                        قوله تعالى: " فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الأرْضِ "

                        من معاني ( مِن ) : الظرفية: ( في )
                        ومن معاني ( في ) : التبعيض أو البيان ( مِن ).
                        فمن الممكن أن يدل أحدهما على معنى الآخر...


                        أولاً: " في " بمعنى " من ":

                        - قوله تعالى: " ويوم نبعث في كل أمة شهيداً ". النحل: 89.
                        أي: من كل أمة. انظر ما قبلها: " وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ(84) ". والنساء: " فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا(41) ".

                        - وقول امرئ القيس: ألا أيها الليل الويل ألا انجلي بصبح وما الإصباح فيك بأمثل
                        أراد: منك.

                        - وقوله: وهل يعمن من كان أحدث عهده ثلاثين شهراً في ثلاثة أحوال
                        أراد: من ثلاثة أحوال.

                        ( انظر: البرهان للزركشي4/303، الأزهية في علم الحروف للهروي، ص289).


                        ثانياً: " مِن " بمعنى " في " :

                        - قوله تعالى: " إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة " . الجمعة: 9.
                        أي: في يوم الجمعة.
                        (انظر: البرهان للزركشي4/421، ومغني اللبيب لابن هشام ص321، وشرح الأشموني على ألفية ابن مالك2/288، وشرح التصريح على التوضيح للأزهري 2/8 ).
                        - وقوله تعالى: " أروني ماذا خلقوا من الأرض " . فاطر: 40.
                        أي: في الأرض.
                        (انظر: المراجع السابقة والأزهية ص293، والجني الداني ص314 ).

                        - ومثله للشاعر الجاهلي أبي اللحام التغلبي ـ وقيل لعدي بن زيد ـ :
                        عَسى سائِلٌ ذُو حاجَةٍ إِن مَنَعتَهُ مِن اليَومِ سُؤلاً أَن يَكون لَهُ غَدُ
                        أي: في اليوم.
                        (انظر: رصف المباني ص314 ).




                        بهذا يتبين أنه يجوز لـ ( من ) أن تحمل معنى الظرفية ( في ), بالإضافة إلى ما تتميز به من معان أخرى.
                        ومن اليسير نقد هذا الرأي أو ذاك، فكلها خاضعة للاجتهاد المأجور، سواء كان بأجر أو أجرين.

                        والله الميسر لما فيه الحق والسداد
                        طالب علم

                        تعليق

                        19,840
                        الاعــضـــاء
                        231,391
                        الـمــواضـيــع
                        42,340
                        الــمــشـــاركـــات
                        يعمل...
                        X