إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • خواطر عن سورتي الفاتحة والبقرة

    الحمد لله وكفى , وصلاة وسلامًا على عباده الذين اصطفى , لاسيما عبده المصطفى وآله المستكملين الشرفا
    أما بعد ...
    فهذا موضوع كنت قد أعددته لدروس رمضان , وكنت أود أن أعرضه هنا في هذا المنتدى المبارك بغية التصحيح والتوجيه من الأساتذة والمشايخ الكرام , قبل إلقائه على مسامع الناس , ولكن الحمد لله الذي عرَّف نفسه لعباده بنقض العزائم .
    ثم تجرأت على عرضه على مشايخنا - كما قلت من قبل بغية التوجيه منهم - بعد أن وضعت أول مشاركة لي في هذا المنتدى , ولاقت استحسانًا حتى أنها ثُبِتَتْ من قِبل المشرفين , فأحسست بالاهتمام وحسن الاستقبال , بشركم الله بالخير والرضوان وأجزل لكم المثوبة ومَنَّ عليكم بالغفران ... آمين
    وسأضع الموضوع على هيئة مشاركات متفرقة , وأنتظر توجيهاتكم , فالله وحده يعلم كم أحتاج لها فكونوا خير أعوان لأخيكم , بارك الله فيكم .

    سُورَةُ الفَاتِحَــةُ

    قال تعالى : ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿1﴾ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ﴿2﴾ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴿3﴾ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴿4﴾ اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ ﴿5﴾ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ ﴿6﴾ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ﴿7﴾ .

    قال ابنُ العثيميّن : سورة الفاتحة سمِّيت بذلك؛ لأنُه افتُتِح بها القرآن الكريم؛ وقد قيل: إنّها أوّل سورة نزلت كاملة..
    هذه السّورة قال العلماء: إنها تشتمل على مجمل معاني القرآن في التوحيد، والأحكام، والجزاء، وطرق بني آدم، وغير ذلك؛ ولذلك سمِّيت "أم القرآن"؛ والمرجع للشيء يسمى "أُمّاً"..
    وهذه السّورة لها مميزات تتميّز بها عن غيرها؛ منها أنّها ركن في الصلوات التي هي أفضل أركان الإسلام بعد الشهادتين: فلا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب؛ ومنها أنّها رقية: إذا قرئ بها على المريض شُفي بإذن الله؛ لأنّ النبيّ ( قال للذي قرأ على اللديغ، فبرئ: "وما يدريك أنّها رقية" ..
    وقد ابتدع بعض الناس اليوم في هذه السورة بدعة، فصاروا يختمون بها الدعاء، ويبتدئون بها الخُطب ويقرؤونها عند بعض المناسبات .، وهذا غلط: تجده مثلاً إذا دعا، ثم دعا قال لمن حوله: "الفاتحة" ، يعني اقرؤوا الفاتحة ؛ وبعض الناس يبتدئ بها في خطبه، أو في أحواله . وهذا أيضاً غلط ؛ لأنّ العبادات مبناها على التوقيف ، والاتِّباع..

    · قوله تعالى : ﴿ الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ :

    الحـمد : لام التعريف هنا للاستغراق , أي استغراق جميع أنواع المحامد واشتمالها .
    قال ابن العثيمين : ( الحمد ) : وصفالمحمود بالكمال مع المحبة، والتعظيم؛ الكمال الذاتي، والوصفي، والفعلي؛فهو كامل في ذاته، وصفاته، وأفعاله؛ ولا بُدّ من قيد وهو "المحبة، والتعظيم" ؛قال أهل العلم: "لأن مجرد وصفه بالكمال بدون محبة، ولا تعظيم: لا يسمىحمداً؛ وإنما يسمى مدحاً"؛ ولهذا يقع من إنسان لا يحب الممدوح؛ لكنه يريدأن ينال منه شيئاً .اهـ

    وقد وهم البعض حينما عرّف (الحمد) بالثناء , والصواب أنّ الثناء هو تكرار ذكر المحامد وأوصاف الكمال , لذا يقول الله في الحديث القدسيّ : ﴿قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين: إذا قال: الحمد لله رب العالمين قال الله تعالى: حمدني عبدي؛ وإذا قال: الرحمن الرحيم قال الله تعالى: أثنى عليَّ عبدي﴾ .
    وأصل الثناء في اللغة من التثنية أي : التكرار , ومنه سُميت الفاتحة (مثاني) ؛ لأنّها تتكرر في كلّ ركعة على مدار الصلوات . والله أعلم


    لله : اللام هنا للاستحقاق , أي أنّ الله هو وحده المستحق لك أنواع المحامد لا غيره , وهو وحده الذي يُحمد على كلّ شئ سواء خيراً أو غير ذلك , ولهذاكان النبي إذا أصابه ما يسره قال: "الحمد لله الذيبنعمته تتم الصالحات" ؛ وإذا أصابه خلافُ ذلك قال: "الحمد لله على كل حال" .
    قال ابن العثيمين : و "الله" اسم ربنا عزّ وجلّ؛ لا يسمى به غيره؛ ومعناه: المألوه . أي المعبود حباً، وتعظيماً..

    وهذا هو الاسم الذي تعود إليه كلّ الأسماء الحسنى والصفات العلى , وتتعلق به من حيث كونها صفة له , ولا يكون هو صفة لغيره , فأنت تقول : الله الرحمن , الله رحيم , الله يُعينك , ولا تقول : الرحمن الله , على سبيل الوصف.

    ربّ العالمين :
    والربّ : هو الخالقُ , المالكُ , المدبّرُ لجميع شئون خلقه وملكه.
    والربّ : هو المربي لخلقه بالنّعم , فخلقُه لك ابتداءً نعمة , وانفرادُه بالملك , يملكُكَ ويملُك كلّ شئ نعمة منه سبحانه وبحمده , أن جعل لك مالكاً ترجع إليه في حاجياتك وإراداتك , تعلَمُ بقدرته على كلّ شئ وأنّ بيدِهِ كلَّ شئ , يدبّر لك أمور معاشك ويحفظك من حيث لا تدري ويرزقك من حيث لا تحتسب , كم من نعمة له عليك لا تعلمها , كم من نعمة ساقها إليك في ثوب ماتظنه أنت نقمة , وكم من نقمة رفعها عنك وأنت لا تعلمها , وكم من شرّ وقاك إياه ولو وقع بك لهلكت , وكم بيّن لك طريق الخير ورغبك فيه , وحذرك طريقَ الشرّ ورهبك منه , وكم اطّلع على المعاصي من قلبك وأمهلك لتتوب وتئوب , وكم رأك قائماً على معصيته وأرخى عليك جميل ستره وما استحييت , يرزق كلّ عباده ولو أعطى كلّ واحد منهم مسألته ما نقُص ذلك من ملكه شئ وهو العزيز الحميد .
    والعالمين : قالالعلماء: كلّ ما سوى الله فهو من العالَم؛ وُصفوا بذلك؛ لأنهم عَلَمٌ علىخالقهم ؛ ففي كل شيء من المخلوقات آيةٌ تدلُّ على الخالق: علىقدرته، وحكمته، ورحمته، وعزته، وغير ذلك من معاني ربوبيته..

    يُتبع إن شاء الله

  • #2
    · قوله تعالى : ﴿ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ﴾ :

    الرّحمن : هو ذو الرحمة الواسعة , التي تشمل جميع الخلق عدلاً , فلو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء , فالرحمن اسم لله يشتمل على صفة الرحمة وهي صفة ذات لله .

    الرّحيم : هو ذو الرحمة الواصلة , التي تشمل المؤمنين فضلاً , فالرحيم اسم لله يشتمل صفة الرحمة , ولكنها هنا صفة فعل , أي هي إيصال هذه الرحمة لعبادة المؤمنين .

    وكل من الاسمين فيهما معنى الإيصال , لكن الرحيم أدلّ على ارتباطها بالمؤمنين وأكثر استعمالاً معهم .


    نكتة :
    فعلى تعريفِ الربوبيَّةِ بالملكِ والخلقِ والتدبيرِ , ناسبَ مقامَهَا التَّسَمِّي بالرَّحمنِ ؛ إذ هو أدلُّ على الذاتِ تعظيمًا وتمجيدًا , وعلى تعريفِ الربوبيَّةِ بالتربيةِ للخلقِ بالنِّعمِ , ناسبَ المقامَ التَّسَمِّي بالرَّحيمِ ؛ إذ هو أدلُّ على الفعلِ . والله أعلم

    وفي الآية أنّ ربوبية الله عزّ وجلّ مبنيّة على الرحمة الواسعة للخلق الواصلة لهم ؛ لأنّه تعالى لما قال) رب العالمين( كأنّ سائلاً يسأل: "ما نوع هذه الربوبية؟ هل هي ربوبية أخذ، وانتقام ؛ أو ربوبية رحمة ، وإنعام؟ " قال تعالى ) الرّحمن الرّحيم( .

    بل لمّّا قال تعالى : (الحمد لله رب العالمين) , وكأنّ سائل سأل : (من الله رب العالمين) , كقوله تعالى : (قال فرعون وما ربّ العالمين) , فجاء الردّ , قال تعالى : (قال ربّ السموات والأرض ...) الآيات , وهذا إثبات ربوبيّة الله ؛ لذا في سورة الفاتحة ترى الله عرّف بعد إثبات الربوبيّة لنفسه بالرّحمن الرّحيم , وكأنّها أحب الصفات إليه , فقد روى البخاريّ من حديث أبي هريرة عن النبيّ , قال : (إنّ الله لمّا قضى الخلق كتب عنده فوق عرشه : إنّ رحمتي سبقت غضبي) .




    · قوله تعالى : ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ :

    مالك : هو الملِكُ المالِكُ , وفي قراءة سبعية متواترة (ملِك يوم الدين) , وفي الجمع بين القراءتين فائدة عظيمة تكمّل المعنى في كمال ملك الله تعالى , إذ لا يُشترط في الخلق أن يكون كلّ ملك يكون مالكاً كملوك الأمصار والبلدان فهم ملوك متوجون على البلاد , لكنهم لا يملكونها ملكاً خاصاً , ومن النّاس من يملك وهو ليس بملك , والمثل الأعلى لله تعالى فالله هو المالك الملك سبحانه وبحمده .

    يوم الدّين : هو يوم القيامة , والدّين هو الجّزاء , فهو يوم الجّزاء على الأعمال التي قدّمها العبدُ في دنياه .

    وإذ قدّم الله الحمد والربوبيّة واتصافه بالرحمةِ الواسعةِ الواصلةِ لخلقِهِ , أشار سبحانه لألوهيته وهو توحيده في العبادة , بمآلها وهو يوم الدّين , حين يُجازى النّاس على عباداتهم لله جلّ وعلا , وكلٌّ يُفضي إلى ما قدّم .
    وكذا ألّا يتّكلُ النّاسُ على سعة رحمة الله تعالى التي قدّم بها من أوّل السورة , فلفت انتباهَهُم إلى أنّ الرّحمن الرّحيم هو ذو العذاب الأليم , قال تعالى : ﴿نبئ عبادي أنّي أنا الغفور الرّحيم وأنّ عذابي هو العذاب الأليم﴾ .

    تعليق


    • #3
      · قوله تعالى : ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ :

      والأصل في الترتيب اللغويّ : نعبد إيّاك ونستعين إيّاك , وتقديم ماحقه التأخير يُفيد الاختصاص والحصر والقصر .
      والمعنى لا نعبد إلا إيّاك , ولا نستعين إلا إياك , نخصُّك وحدك بالعبادة وبالاستعانة , ونقصُر ونحصُر صرف كلّ معاني العبادة والاستعانة في التوجّه إليك وحدك .

      فلا يستقيم للعبدِ عبادةُ ربه إلا بمعونته , فلا حول ولا قوة إلا بالله , لاحول أي لا تحوّلاً ولا وقايةً من معصية الله إلا بالله , ولا قوةً على الطاعةِ وامتثالِ الأمر واجتناب النّهيّ وكمال العبادات إلا بالله وحده لا شريك له , كما أنّه ليس ثمّ مجازياً للعباد على أعمالهم إلا مالك يوم الدّين وحده لا شريك له سبحانه وبحمده .
      كما قال القائل :
      واللهِ لولا اللهُ ما اهتدينا ..... ولا تصدقنا ولا صلينا

      لطيفة :
      وأصل طلب الاستعانة من الله على مرضاته , أنّك تعبد الله على وفق ما يحبُّ هو ويرضى , لا على وفق ما يحبُّ العبد ويرضى , فالمخلص المتبع يتقرّب إلى الله بما يحبّه الله , لا بما يحبّ هو من العبادات ويجد فيها أريحيةُ نفسه , فترى العبد إذا أحب طاعة ووجد فيها راحة نفسه سهُلت عليه , وحينها لم يستشعر قوة الاستعانة والفقر إليها من ربه , لكنّه يجد هذا الفقرَ في العبادات التي تصعُب عليه ويجد فيها المشقّة , وهو الأصل , والتفريق بينهما دقيق جداً : إذ راحة النفس – التي يجدها العبد في الطاعة التي يحبها هو ولا يجد فيها المشقّة – الأصل فيها أن تكون من آثار العبادة , لا من البواعث عليها والدوافع لها ففرّق , وتجد هذا التفريق في قوله تعالى : ﴿كتب عليكم القتال وهو كره لكم﴾ لذا كان من أعظم الأعمال عند الله , لأن مشقّته على النفس كبيره وهو مما تكرهه النفوس , أمّا في حديث النبيّ : ﴿ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات : .... وإسباغ الوضوء على المكاره ...﴾ هذه الكراهة ليست في أصل العمل بل هي في صفة يقع بها فيها كراهة للعبد ألا وهي الوضوء بالماء البارد في اليوم البارد , ولكن ترى في أصل العمل قول النبيّ : ﴿إنّ أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ...﴾ رواه مسلم .
      فالله يحبّ قيام الليل , لكنّه ثقيل على النّفس , فهل ستغلّب مرضاة ربك على مرضاة نفسك , وكذا فقس في كلّ العبادات , فأنت مفتقر بذاتك لله ليُعينك على مرضاته .

      نكتة :
      أشارَ اللهُ في هذه الآيةِ إلى قاعدةٍ عزيزةٍ , يقومُ عليها كونُ اللهِ , وهي أساسٌ في التعاملِ بين اللهِ وعبادِهِ , ألا وهي : ﴿التوكلُ ونَبْذُ التواكلِ﴾ .
      فاللهُ أمرك بحمدِهِ على ربوبيَّتِهِ , والتي تَشتَمِلُ لزاماً على تدبيرِهِ أمرِكَ وأمرِ معاشِكَ من الرِّزقِ ؛ لكنَّه أمرك بالسعيِّ لذلك والأخذِ بأسبابِ الرزقِ من الله , وعدمِ اعتمادِ القلبِ على تلك الأسبابِ ؛ إنَّما يكون تعلقُ القلبِ باللهِ وحدَهُ فقط , كما خاطب الله تعالى الَّذين يعتمدون على الأسبابِ فقال تعالى : ﴿أَفَرَأَيتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنتُم تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ فأسندَ فعلَ الزراعةِ لذاتِهِ سبحانَهُ وبحمدِهِ ؛ ألَّا تتعلق قلوبهم بالسببِ وفقط , ويظنون أنَّهم هُمُ الَّذين أنبتوا وزرعوا بمجهودِهِم , فتقول فِرْقَةٌ : إذن لا نعتمد على الأسبابِ ولا نأخذُ بها أيضاً لأنَّ اللهَ هو الذي يُنبِتُ الزَّرعَ على الحقيقةِ , فيخاطبهم الله بنسبةِ فعلِ الزَّرعِ لهم , كما جاء على لسانِ يوسفَ , قال تعالى : ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُم فَزَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾ .
      فحالُ الأولينَ إشراكٌ باللهِ , وحالُ الأخرينَ تواكلٌ , والمؤمنُ صاحبُ الصِّراطِ المستقيمِ : يأخذُ بالأسبابِ , وقلبُهُ متعلقٌ بربِ الأسبابِ وحدَهُ .
      وكذا في الأمرِ بتوحيدِهِ في ألوهيَتِهِ , فإِيَّاكَ نَعبُدُ أَخذٌ بالأسبابِ , وإِيَّاكَ نستعينُ اعتمادٌ على ربِ الأسبابِ وحدَهُ , ألَّا يتواكل الناسُ (اعملوا فإنَّ كلٌّ ميسرٌ لما خُلقَ له) , وألَّا يظنوا أنَّ هدايةَ الصِّراطِ المستقيمِ فضلٌ محضٌ من اللهِ دونَ سعي العبدِ وعملِهِ (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) , وألَّا يظنُ العبادُ أنَّهم بأعمالِهِم يستحقون الجنَّةَ عن جدارةٍ , فإنَّه : (لن يُدخِلَ أحدكُمُ الجنَّةَ عملُهُ , قالوا : ولا أنت يا رسولَ اللهِ ؟! قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني اللهُ برحمةٍ منه) , لذا قال تعالى : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِأُوْلَـئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .





      · قوله تعالى : ﴿ اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ ﴾ :

      هذا دعاء مفعمٌ بمعاني الاستعانة بالله , إذ لا سبيل للعبد لمعرفة طريق الله المستقيم إلا بتوفيق الله وهدايته إليه , ترى النبيّ يقول في دعاء استفتاحه لقيام الليل الذي رواه مسلم عن عائشة : ﴿اللهم ربَّ جبرائيلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ فاطرَ السمواتِ والأرضِ عالمَ الغيبِ والشهادةِ أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختُلف فيه من الحقِّ بإذنك إنّك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم﴾ .
      وقد أخبر سبحانه أنّ صراطه وحده هو الحق وما عاداه فباطل , قال تعالى : ﴿وأنّ هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرّق بكم عن سبيله﴾.
      هذا الصّراط الذي بعث الله رسوله بمعالمه وخرائطه فوضحه للأمة وبيّنه أجلى بيان , وبيّن للأمة ضلال من كان قبلهم من الأمم اعتباراً , بل ودعاهم لمخالفتهم وحذرهم من الوقوع مما وقعوا فيه من تحريف دينهم والاختلاف على أنبيائهم , حتى قال أهل الكتاب : (والله ما نرى محمداً إلا أراد مخالفتنا) , وحذرنا النبيّ وأبلغنا أنّ من هذه الأمّة من سيتبعهم على ضلالهم وسيفعل أفاعيلهم , فقال : ﴿لتتبعنّ سَنَنَ من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى إذا دخلوا جحرَ ضبٍّ خربٍ دخلتموه وراءهم﴾ , فقال الصّحابة : اليهودَ والنصارى ؟ فقال النبيّ : ﴿فمن!﴾ .

      قال ابن العثيميّن : ومن بلاغة القرآن، حيث حذف حرفَ الجرِّ من) اهدنا( , إذ الأصل (اهدنا إلى الصّراط المستقيم) ؛ والفائدة من ذلك: لأجل أن تتضمن طلب نوعي الهداية : التي هي هداية العلم،وهداية التوفيق ؛ لأنّ الهداية تنقسم إلى قسمين: هداية علم وإرشاد؛ وهدايةتوفيق وعمل؛ فالأولى ليس فيها إلا مجرد الدّلالة ؛ والله عزّ وجلّ قد هدىبهذا المعنى جميع الناس، كما في قوله تعالى: [شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدًى للناس] ؛ والثانية فيها التوفيق للهدى، واتباع الشريعة، كما في قوله تعالى: [ذلك الكتاب لا ريب فيه هدًى للمتقين] وهذه قد يحرمها بعض الناس، كما قال تعالى: [وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى]) فهديناهم( أي بيّنّا لهم الحق، ودَلَلْناهم عليه؛ ولكنهم لم يوفقوا..

      لذا بيّن الله تعالى أنّ سبيله سالكها هم من أراد , هم الذين أنعم عليهم واختارهم واجتباهم على العالمين ...

      تعليق

      19,961
      الاعــضـــاء
      231,974
      الـمــواضـيــع
      42,577
      الــمــشـــاركـــات
      يعمل...
      X