• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • وقفات مع سورة الفاتحة ( محمد نصيف )

      أستاذ مساعد بقسم البلاغة والأدب في كلية اللغة العربية بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

    • #2
      جزاكم الله خيرا وأحسن إليكم
      ربنا يكرمك ياشيخ ، فقد استطعت أن تعطينا درسا مركزا ومضبوطا في هذه الوقفات النيرة ، التي عشنا أثناءها مع هذه السورة العظيمة .
      نفع الله بك ، وتقبل منك . ونفعك بهذا العمل في الدنيا والآخرة .
      والحمد لله رب العالمين
      عبد الكريم بن إبراهيم عزيز
      جامعة المدينة العالمية

      تعليق


      • #3
        وقفات مع سور القرآن
        الشيخ محمد نصيف
        رمضان 1433 هـ
        وقفات مع سورة الفاتحة
        (تفريغ موقع إسلاميات حصريا)

        الحمد لله على نعمة الإسلام وعلى نعمة القرآن. يقول الله (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (58) يونس) يأمر الله نبيه الخاتم عليه الصلاة والسلام في هذه الآية أن يأمر الناس أن يفرحوا بأمرين: بفضل الله وبرحمته وهما الفضل والرحمة: الإسلام والقرآن كما ثبت عن ابن عباس رضي الله (فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) فليفرحوا بهذا دون غيره، إذا أردت أن تفرح فافرح بالإسلام وافرح بالقرآن. كيف يكون الفرح بالإسلام؟ وكيف يكون الفرح بالقرآن؟ لا أن تقيم احتفالات ولا أن تقيم مراسم معينة وإنما تفرح بهما بأن تتمسك بهما وتعمل بهما وتهتدي بهما.
        نتكلم في هذه الأيام في سلسلة من الدروس إلى آخر شهر رمضان سيكون عن أعظم كتاب، عن أحسن كتاب (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ (23) الزمر) هذا القرآن أعظم ما ينشغل الإنسان به وهو وصية الله لأبينا آدم يوم أُخرج من الجنة بعد أن أكل آدم وزوجه من الجنة قال الله تعالى لهما (قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39) البقرة) وقد جاءنا هدى، هذا القرآن هو الهدى الذي جاءنا مع أفضل نبي . هذا القرآن عظيم وحقّه أن يكون همّ الإنسان الأكبر وقد قال النبي من جعل القرآن أمامه قاده إلى الجنة ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار. المسألة جادة بمعنى الجدية!
        لو ظل الإنسان طوال حياته يتعلم القرآن فإنه سيقول في النهاية: رب زدني علما، فالقرآن لا تفنى عجائبه ولا يخلق على كثرة الردّ.
        مع أول سورة في كتاب الله وأعظم سورة في كتاب الله وهي سورة الفاتحة. يقول أبو سعيد ابن المعلا: كنت أصلي فدعاني النبي فلم أجبه قلت يا رسول الله إني كنت أصلي – يريد أن يبين عذره لماذا لم يجب النبي لأن المسلم إذا دعاه النبي لا بد أن يجيب وإذا جاءه أمر عن النبي لا بد أن ينفّذ – قال النبي ألم يقل الله (اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ (24) الأنفال) ثم قال ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد؟ - هذا أسلوب تشويقي من النبي وكان يمكن للنبي أن يخبره مباشرة أن أعظم سورة هي كذا لكنه قال ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد، قال فأخذ بيدي – أخذ النبي بيد الصحابي – فلما أراد أن يخرج قلت: يا رسول الله إنك قلت لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قال الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته – لأن الله في سورة الحجر يخاطب النبي ويمتنّ عليه يقول (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (87) الحجر) السبع المثاني هي الفاتحة، سبع آيات امتن الله على نبيه أنه وهبه هذه الفاتحة العظيمة. هذه السورة كما في الحديث هي أعظم سورة في القرآن وهذا يعطينا منهجًا في تعاملنا مع كل الأمور أن عظمة الشيء ليست بحجمه لو كانت العظمة بالطول فالفاتحة ليست أطول سورة، ولا ثاني أطول سورة ولا ثالث أطول سورة وإنما هي من قصار السور وهي أول ما يحفظه المسلم غالبًا، الطفل الصغير، سورة صغيرة جدا في حجمها لكنها عظيمة في قدرها. نأخذ من هذا منهجًا أننا لا نحدد قيمة الأشياء بأحجامها ولا بكمياتها وإنما الذي يحدد عظمة الشيء أو حقارته الله ورسوله المبلّغ عنه وإلا لو نظرنا إلى الدنيا نراها عظيمة ومبهرة ومبهرجة لكنها عند الله (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (20) الحديد) الله يقول عنها متاع الغرور والناس تراها عظيمة! ويقول تعالى (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64) العنكبوت) القرآن يأتي ليبين لنا عكس ما نظن وعكس ما نرى فمن آمن وسلّم ربح في الدنيا والآخرة وإلا كان الخسار عليه والعياذ بالله. فهذه السورة مع قصرها أعظم سورة في القرآن.
        نقف مع هذه السورة ولو أردت أن أمضي عمري كله في كل يوم أتكلم عن الفاتحة في عشر دقائق لما انتهيت منها لأن عظمة هذه السورة لا يمكن أن يدركه على حقيقته بشر وإنما كتب العلماء المجلدات الكبار في هذه السورة ولكنهم وإن أدّوا شيئًا عظيمًا وإن تقربوا إلى الله بقربة كبيرة إلا أنهم لا يمكن أن يحيطوا بأسرار هذه السورة التي تقرؤها في السنة أكثر من ستة آلآف مرة إذا صليت الفرض، في اليوم تقرؤها 17 مرة وفي السنة (17x365=6205) فإذا صليت لمدة عشر سنوات تقرؤها أكثر من ستين ألف مرة، لا يمكن للحكيم الخبير أن يأمر عباده أن يرددوا شيئًا أكثر من ستين ألف مرة إذا كان شيئًا ذا قيمة عادية، لا بد أن يكون له قيمة عظيمة.
        نتكلم عن السورة من خلال تأريخها، هذه السورة مكية، ما معنى مكية؟ النبي عاش قبل البعثة أربعين سنة ثم بُعث وظل في مكة ثلاثة عشر سنة ثم انتقل إلى المدينة وظل فيها عشر سنوات، لكن لما انتقل النبي إلى المدينة لم يمكث فيها طوال تلك الفترة العشر سنوات فقد خرج في بدر، في أحد، في تبوك، خرج إلى مكة معتمرًا وخرج إلى مكة حاجًا وخرج إلى مكة فاتحًا فنزلت عليه في حجة الوداع (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا (3) المائدة) وهو في رعفة، هذه الآية قال العلماء مدنية لأنهم قالوا أن المكيّ ما نزل قبل الهجرة والمدني ما نزل بعد الهجرة بغضّ النظر هل نزل في مكة، النبي ذهب إلى الطائف عندما كان يقيم في مكة فلو نزلت آيات عليه في الطائف لا نسميها طائفية وإنما هي مكية لأنها قبل الهجرة وما كان بعد الهجرة يكون مدنيًا وسورة الفاتحة على الراجح مكّية. ما فائدة أن نعرف أن هذه السورة مكية وأن هذه السورة مدنية؟ هذا يظهر في غير هذه السورة أكثر وحتى في هذه السورة يظهر. فائدة أن تعرف أن السورة مكية أو مدنية أن نعرف أن النبي الكريم عليه أفضل صلاة وأتم تسليم مرّ في حياته بعد بعثته بعد (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) مرّ بمراحل كثيرة ومتنوعة، كان في حالات يمر في شدة وضيق وفي حالات ينتصر على الأعداء كما في بدر وفي حالات يكونون في برد وجوع يحفرون الخندق، حالات متنوعة فكانت السور تأتي مناسبة لتلك الحالات التي نزلت فيها تلك السورة فإذا لم تعرف متى نزلت هذه السورة لا تفهمها تمامًا وإنما تفهمها متى عرفت متى نزلت السورة، في أيّ ظرف نزلت تفهمها فهمًا أعمق وأحسن. عندما تقرأ سورة آل عمران وأنت لا تعرف أن هذه الآيات تتكلم عن غزوة أُحد قد لا تقهم الآيات لكن عندما تعرف أنها نزلت في غزوة أُحد تفهم الآيات من خلال معرفة أحداث غزوة أُحد.
        سورة الفاتحة سورة مكية وهي من أول ما نزل على النبي ليست أول ما نزل لأن أول ما نزل (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) أول خمس آيات من سورة العلق لكن سورة الفاتحة من أول ما نزل وبعض العلماء يجعله نزل في اليوم الثاني للبعثة لأن القرآن نزل على النبي يوم الاثنين نزلت اقرأ بسم ربك ثم بعدها بيوم على أحد الأقوال نزلت الفاتحة وقيل أنها أول سورة نزلت كاملة. سورة العلق نزلت منها أول خمس آيات ثم بقية الآيات تتحدث عن موقف مع أبي جهل مع النبي وهو موقف حصل بعد فترة، لكن أول سورة اكتملت هي سورة الفاتحة. وقال العلماء وذكروا الإجماع في هذا أن النبي لم يصلي صلاة قطّ إلا وقرأ فيها بالفاتحة. إذن لا بد أن تكون الفاتحة نزلت مبكرًا حتى يقرأها النبي في الصلاة. إذن سورة الفاتحة نزلت مبكرة جدًا ونزلت كاملة وكان المسلمون يصلّون بها وهذا كله يُشعر أنها مهمة جدًا.
        بعض العلماء قال إنها نزلت في المدينة لما ثبت في صحيح مسلم أن جبريل كان قاعداً عند النبي فسمع نقيضاً من فوقه فرفع رأسه فقال: هذا بابٌ من السماء فُتِح اليوم لم يُفتح قطّ إلا اليوم، فنزل منه ملك فقال هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قطّ إلا اليوم، (هذا يُشعِر أن الذي سيحصل أمر عظيم، باب لم يفتح قبل الآن، والحديث في صحيح مسلم يعني حديث صحيح) قال: فسلّم وقال أبشِر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك (الكلام من الملك للرسول وهو بشارة للنبي ابتداء ثم هو بشارة لأتباعه لأنهم سيأخذون هذين النورين) فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لم تقرأ بحرف منهما إلا أُعطيته. كلما تطلب شيئًا في هذه الآيات في خواتيم سورة البقرة أو في الفاتحة تُعطى، هذا وعد للنبي . هذا الحديث في صحيح مسلم وفيه ما يدل على أن هذه السورة نزلت في المدينة وأصح الأقوال أنها نزلت في مكة لكن بعضهم قال نزلت مرتين وهذا يدل على عظمتها، نزلت في مكة ثم أعيد إنزالها في المدينة.
        فضائل هذه السورة كثيرة جدًا وهي أكثر السور فضائل ويكفينا منها أنها أعظم سورة في القرآن وإلا فهناك أحاديث كثيرة تدل على عظمتها وفضلها ومن ذلك الحديث المعروف أن الله تعالى قسم الصلاة بينه وبين عبده نصفين ولعبده ما سأل (قسمتُ الصَّلاةَ بيني وبينَ عبدي نصفينِ، ولعبدي ما سألَ، فإذا قالَ العبدُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، قالَ اللهُ تعالى: حمدني عبدي وإذا قالَ: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قالَ اللهُ تعالى: أثنى عليَّ عبدي. وإذا قالَ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ. قالَ: مجَّدني عبدي (وقالَ مرَّةً: فوَّضَ إليَّ عبدي) فإذا قالَ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ قالَ: هذا بيني وبينَ عبدي ولعبدي ما سألَ. فإذا قالَ: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ قالَ: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل) وهذا الحديث من المهم أن لا ننساه ونحن نقرأ سورة الفاتحة لأن الفاتحة مع تكرارها الكثير تصبح أمرًا يجري على اللسان دون أن يعيه القلب ولذلك لو سألت أحدهم بعد الصلاة ماذا قرأ الإمام في الصلاة؟ يقول قرأ سورة كذا أو كذا ولا يذكر الفاتحة لأنها أمر روتيني ولكن الحقيقة أنها أمر عظيم وأنني وأنت وكل مسلم إذا قرأناها فإنه الله يجيب عبده، الله الغني يجيب العبد الفقير فيستشعر الإنسان هذه المناجاة بينه وبين من خلق السموات والأرض فينشرح صدره ويطمئن وينسى كل ما كان عنده من هموم قبل الصلاة إذا استشعر أنه يخاطب ملك الملوك الذي أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون.
        وهذه السورة أيضًا لها أسماء كثيرة. السور القرآنية بعضها له اسم واحد وبعضها له أكثر من اسم وهذه الأسماء المتعددة أحيانًا تكون كلها من النبي وأحيانًا يكون بعضها اجتهادا من الصحابة أو مَنْ بعدهم. هذه السورة لها أسماء أوصلها السيوطي إلى أكثر من عشرين اسمًا منها الاسم المشهور الفاتحة وفاتحة الكتاب وأم الكتاب والسبع المثاني وبعض العلماء يسميها الشافية لأنه ورد في حديث أنها شفاء من كل سُمّ أو من كل داء كما جاء في الحديث وصححه بعض أهل العلم. فأسماء هذه السورة كثيرة ولكن نحن نريد الاختصار وفتح الذهن حتى يبدأ الإنسان في التنبه إلى ما في القرآن من كنوز وإلا كل إنسان يستطيع وحده بعد ذلك أن قرأ ويسمع عن هذه السورة شيئًا كثيرًا.
        السؤال الذي يطرح نفسه لو لاحظنا سورة البقرة أطول سورة في القرآن طويلة جدًا حوالي خمسين صفحة ثم تأتينا سورة آل عمران وهي أقصر من البقرة ولكنها طويلة، ثم النساء طويلة وهكذا تتدرج السور في الطول، إذا وصلنا إلى جزء عمّ تصبح السور قصيرة جدًا، صحيح أن بعض السور تأتي بعضها أطول من بعض فمثلًا سورة الأنفال عشر صفحات بعدها سورة التوبة أطول منها حوالي عشرين صفحة لكن الغالب أن السور تقصر وأن السور التي تشبه الفاتحة في الطول في جزء عمّ مثل سورة الضحى والزلزلة، فلماذا وُضِعت في بداية المصحف؟ هنا توقف العلماء لماذا وضعت سورة الفاتحة في البداية مع أننا لو أردنا أن نضعها بحسب عقولنا في الموضوعات – سورة البقرة فيها أحكام وتفاصيل أما الفاتحة فلا – قالوا هذه السورة بمثابة المقدمة للكتاب التي فيها ملخص الكتاب أو بمثابة الديباجة التي يبتدئ بها المؤلف كتابه ويعطيك الزُبدة ولذلك نحن نقرؤها في كل ركعة كأننا نستحضر أساسيات الدين. إن أردت الحديث عن أسماء الله وصفاته فهي موجودة في السورة (الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (1) الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ (2) مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (3))، إذا أردت الجزاء والحساب (مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) يوم القيامة، إذا أردت أصل الشرع والعبادة (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) إذا أردت سير الأنبياء والصالحين (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ) وإذا أردت أن تعرف ملخّص سالكي الطريق المؤدي إلى النار (غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ) إلى غير ذلك مما فصّل في العلماء وبيّنوا أن هذه السورة فيها الخلاصة بل إن بعض العلماء وهو ابن القيم في كتابه "مدارج السالكين" شرح آية من هذه السورة في ثلاثة مجلدات! "مدارج السالكين في منازل إياك نعبد وإياك نستعين" مما يدل على ثراء وغزارة ما في هذه السورة من المعاني وأنا أنصح حتى لا يمل الإنسان من هذه السورة وتصبح عادة عنده كل شهر أفتح اليوتيوب وأكتب تفسير سورة الفاتحة وأسمع لشخص لم تسمع له من قبل فستسمع معاني جديدة وتتعجب من أين تأتي هذه المعاني ولكنها سورة الفاتحة.
        نستطيع أن نقف سريعًا جدًا مع المعاني التي في هذه السورة، القرآن لفظ ومعنى والكلام كله لفظ ومعنى واللفظ إنما يكتسب قيمته من معناه، لو أن إنسانًا أعجميًا لا يعرف العربية ولا يفقه منها شيئًا وسمع شخصًا يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فأعجبته الكلمة فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله لن ينفعه هذا اللفظ بشيء فهو لا يفهم معناه ولا يعرف التوحيد ولا الرسول، هذا لفظ وإن اللفظ إنما يكتسب قيمته من معناه. لو كان يكسب قيمته من اللفظ فقط فالبقرة أطول بكثير من الفاتحة. عندما نقول الفاتحة أعظم سورة هذا لا يعني تقليل عظمة السور الباقية لكن النبي أخبرنا وهو لا ينطق عن الهوى أنها أعظم والباقي عظيم وكل القرآن عظيم سواء الفاتحة أو غيرها. المعاني التي في السورة معاني عظيمة نمر عليها سريعًا جدًا دون توقف وإنما هو تأمل في هذه الأمور التي ينبغي للعبد أن يستحضرها في كل صلاة بعدد ركعات تلك الصلاة وإذا فهمنا هذا وتأملنا فيه فهمنا كيف أن الصلاة تغسل العبد من الذنوب وكيف أن ابن مسعود يقول: تحترقون تحترقون فإذا صلّيتم الظهر غسلتها. كيف تغسلها؟ بهذه المعاني العظيمة التي تزيل ما أصاب الإنسان من ذنوب وخطايا بين الصلاتين.
        من تلك المعاني:
        v حمد الله سواء على شيء طيب حصل لك بين الصلاتين أو شيء تظن أنه شرّ، واحد حصل له حادث بين الصلاتين فلما يصلي الظهر ويكبر ويقول الحمد لله رب العالمين، معنا حمد الله مهما كانت الأحوال. الحمد لله يعني كل حمد يستحقه الله وحده على كل ما يحصل في هذا الكون مهما تألمت وأنت تراه فالله يستحق الحمد عليه.
        v ثم تتذكر أمرًا آخر وهو أنه رب العالمين وهذا يعني أنه هو الذي خلق وملك ويدبر كل العوالم عالم الإنس، عالم الجن، عالم الطير، عالم البحار، عالم الأفلاك، كل العوالم يدبرها الرب وحده ويستحق الحمد على هذا التدبير وهذه الربوبية.
        v ثم نتذكر اسمين من أحب الأسماء إلينا (الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ) نذكرهما في كل صلاة لا نذكر في الصلاة وجوبًا اسم الله العظيم أو القهار لكن نتذكر في كل صلاة وجوبًا (الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ) وهذا يدلنا على أن رحمته سبقت غضبه وأننا قريبون من رحمة الله إن حاولنا أن نصل إليها.
        v ثم يتذكر الإنسان معنى رابعًا وهو أنه (مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) وهذا يعني أن كل ما يحصل الآن ليس نهاية المطاف، سمعنا البعض قالوا القذافي مات قبل أن يأخذ الحكم العادل، الحكم العادل هناك ليس هنا! لا الأمم المتحدة ولا محكمة العدل الدولية، كل هذا كلام فارغ والله يقول (ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَالْأَوْفَىٰ (41) النجم) يوم القيامة يأخذ الإنسان جزاءه الكامل فلا تحمل هم شيء، (مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) لا تحمل همّ شيء إلا همّ نفسك أن تكون مستعدة للقاء الله يوم الدين.
        v ثم يطلب الإنسان ويقول (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) في كل صلاة مهما قرأت القرآن بين الصلاتين مهما سبّحت مهما استغفرت تقول (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) وهذا يذكرنا في كل صلاة وفي كل ركعة في الصلاة أن أعظم ما نحتاج ونطلبه من الله هو الهداية إلى الصراط المستقيم.
        v ثم ذكرتنا بقية الايات بأن الصراط واحد وعندنا طريقان آخران. أما الصراط فهو صراط الذين أنعمت عليهم وقد بيّنه الله في سورة النساء فقال (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا (69) النساء) إذا تذكر الإنسان هذا في الصلاة يحاول بعد الصلاة أن يسير في درب هؤلاء يبحث ما هي سنة النبي كيف كان يأكل كيف كان يشرب كيف كان يمزح كيف كان يصلي كيف كان يعتمر كيف كان يحج، يبحث عن صراط سيد المرسلين ومن سار على نهجه من الصحابة والتابعين مع ما ذكره الله عن الأنبياء السابقين من أمور تدل على ما يجب الاقتداء به فيهم كما سيأتي في سورة الأنعام، كل ذلك يتذكره الإنسان ثم يتذكر أن هناك طريقين آخرين.
        · الذين أنعم الله عليهم كما قال العلماء قوم عرفوا الحق وساروا في طريقه.
        · والمغضوب عليهم قوم عرفوا الحق لكنهم ما ساروا في طريقه وأكبر مثال لسالكي هذا الطريق هم اليهود كانوا يعرفون الحق وبعضهم يقول لبعض أهو هو؟ يشير إلى النبي فيقول هو هو ولأقاتلنّه. عرف أنه النبي هؤلاء المغضوب عليهم والعياذ بالله!
        · والضالّون وهم أصحاب الطريق الثاني من طرق أهل الهلاك والعياذ بالله هم الذين ما عرفوا الحق ومشوا في طريق الباطل. إذن نحتاج إلى علم وإلى عمل بمقتضى ذلك العلم أسأل الله أن يسلك بنا صراطه المستقيم.
        سمر الأرناؤوط
        المشرفة على موقع إسلاميات
        (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

        تعليق


        • #4
          جزاكم الله خيرا

          تعليق


          • #5
            جزاك الله خير

            تعليق

            19,986
            الاعــضـــاء
            237,743
            الـمــواضـيــع
            42,692
            الــمــشـــاركـــات
            يعمل...
            X