إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • #16
    وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ10 وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ11
    جاء في تاج العروس:
    "..ونَهَر الرّجُلَ يَنْهَرُه نَهْراً: زَجَرَهُ، كانْتَهَرَه، قال اللَّه تعالى: وأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَر...
    وفي التهذيب: نَهَرْتُه وانْتهَرْته، إِذا استقبَلْته بكلامٍ تَزْجرُه عن خَبرٍ."
    قالت بنت الشاطيء:
    (وفي "السائل"قيل هو المستجدي وقيل هو طالب العلم (الزمخشري والنيسابوري) وصرح ابن القيم لأن آية الضحى تتناولهما معا يعني سائل المعروف والصدقة وطالب العلم.
    واختار الطبري كل ذي حاجة..
    واختار الشيخ محمد عبده المستفهم عما لا يعلم وهو عندنا أولى بالمقام ،ويؤيده الاستئناس بالاستعمال القرآني لمادة "سأل" حيث ترد كثيرا في هذا المعنى كما يرجحها سياق الآيات قبلها)
    قلت :لعل السياق يرجح المعنى الآخر أكثرمن ثلاثة وجوه:
    1-حاجة المستجدي إلى المال والطعام متسقة مع وضع اليتيم كما في قوله تعالى:
    كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (19) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (20) [الفجر : 17 - 20]
    وفي قوله تعالى:
    أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3) [الماعون : 1 - 3]

    2-حاجة المستجدي مناسبة لقوله تعالى في السورة..
    وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى8
    كما بينا من قبل.
    3- إجابة طلب العلم متضمنة في قوله تعالى:
    وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ11
    وحمل المعنى على التأسيس خير من حمله على التوكيد..
    لاسيما وأن الأستاذة قد ذهبت في تفسير الآية الأخيرة من السورة مذهبا حسنا.إذ قالت:
    وحمل التحدث هنا على الشكر،إذا سمح به الاستعمال اللغوي،فإن السياق لا يعين عليه،وإنما التحدث هنا ،هو صريح ما تعلق به مما يتصل بمهمة الرسول التي اصطفي لها ،وهو أن يبلغ رسالة ربه.ومن هنا نؤثر أن تكون النعمة هنا، مهما يكن من دلالاتها المعجمية اللغوية،هي الرسالة ،أكبر النعم التي يؤثر بها نبي مرسل..."
    وهذا كلام حسن كما ترى..
    نضيف إليه أن سورة الضحى وهي من الوحي المبكر قد حددت منذ البداية معالم الرسالة في وجهيها المشرقين:
    1-التعليم
    2- والتزكية
    رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [البقرة : 129]
    كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [البقرة : 151]
    لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [آل عمران : 164]
    هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [الجمعة : 2]

    فيكون قوله تعالى:
    فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ9
    وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ10
    من مجال تزكية النفوس
    وقوله تعالى:
    وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ11
    من مجال تبليغ العلم ونشره.
    والنعمة هي النبوة والدين كما قالت الأستاذة ...وهي الواردة في قوله تعالى:
    الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة : 3]
    فتكون النعمة مذكورة في حالة ابتدائها مثلما هي مذكورة في حالة إتمامها.

    تعليق


    • #17
      فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ9 وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ10
      ماالسر البياني في النهي؟
      من المعلوم أن القوة الإنجازية الحرفية للنهي عدمية فقط ،فهو لا يطلب إضافة فعل إلى الوجود (كالأمر) بل يقتصر على طلب إنهاء فعل هو موجود وقت صدور النهي...
      فنلحظ- تبعا لهذا- أن الآيتين لم تتضمنا طلب إيصال خير بل طلب الكف عن الشر!!
      فليس المطلوب توفير حماية لليتيم ،ولا الربت على رأسه، ولا الإحسان إليه بصورة من الصور بل المطلوب هو عدم قهره فقط، أو قل كأن الآية لا تأمر:
      " أيها الناس اصنعوا خيرا في اليتامى"
      بل تنهى:
      "أيها الناس امنعوا شركم عن اليتامى!"
      وإذا استحضرنا آيتي اليتيم في السورة:
      أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى6
      فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ9
      نجد الرحمن قد تكفل-وحده- باليتيم أما الناس فحسبهم أن يمنعوا شرهم عنه فلا يقهروه.

      وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ10
      اعلم أن للسائل ثلاث أحوال مع مسؤوله:
      -حالة إيجاب
      -حالة حياد
      -حالة سلب
      الحالة الأولى فيها جبر للمنكسر، وإزالة لحاجة السائل بالإطعام وغيره..
      في الحالة الثانية يرجع السائل صفر اليدين كما أتى صفر اليدين..
      في الحالة الثالثة يزداد انكسارا..فبدل أن يعطيه المسؤول يؤذيه بالنهر... فينقلب السائل لم يصب خيرا بل ازدادت حالته سوءا فقد شفع الانكسار المادي بالانكسار المعنوي...
      فما طلبت الآية من المسؤول موقفا بالحياد.
      ولا طلبت منه- فضلا عن ذلك - إغناء السائل.
      بل اقتصرت على نهيه من السقوط إلى المرتبة الثالثة فيزيد السائلَ هما إلى هم...
      وإذا استحضرنا آيتي السائل في السورة:
      وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى8
      وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ10
      أدركنا هذا العمق الدلالي مرة أخرى:إغناء الفقير شأن رباني لا يطلب من الإنسان، بل المطلوب من الإنسان –الآن على الأقل- ألا يكون مخربا فنزلت صيغة الأمر:
      "أصلح!"
      إلى صيغة النهي:
      "لا تفسد!".....

      هي الحكمة البالغة في الدعوة!!
      السورة من الوحي المبكر..والعالم جله شر..(والرسول أول من عانى من هذه الشرور )فمنهج الدعوة السليم يقتضي التخلية قبل التحلية :
      فلا بد من قلع نوازع الشر عند الانسان، وإحياء فطرته وضميره، شرطا ضروريا قبل أن يتأهل لإصلاح العالم..فتكون السورة بشرت بهذا المنهج المتدرج الحكيم:
      نطالبكم- اليوم- بعدم قهر اليتيم وبعدم نهر المسكين،وقد نطالبكم –غدا- بما هو أزكى من ذلك وأسمى!!
      فلله هذا القرآن!!

      تعليق


      • #18
        أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى6 وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى7 وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى8
        آوَى.. هَدَى... أَغْنَى
        الأفعال مسندة كلها إلى الله تعالى. والقاعدة العقدية عندنا أن كل فعل في الوجود يسند إلى الله تعالى خلقا وتقديرا ،ويسند بعضها إلى المخلوقات كسبا، ويسند بعضها إليها تسببا ،فيصح أن يقال:
        أنبت الله الزرع.
        وأنبت الماء الزرع.
        وأنبت الله الزرع بالماء.
        بيد أن هذا التقرير العقدي غير كاف في المنهج البلاغي ،ففي الحالات التي يصح فيها إسناد الفعل إلى الله تعالى وإلى غيره ينتصب السؤال البلاغي العتيد:لم أسند الفعل إلى هذا الفاعل بعينه، وما النكتة في ذلك الإسناد؟؟
        المسألة تحتاج إلى بحث استقرائي في القرآن، ولا يحضرني الآن إلا فكرتان :
        1-أن ينسب الله الفعل إلى نفسه ،وإن تلبس به غيره، تنبيها على حكمة بالغة كامنة في الفعل، لو تأملها العقل لوجدها تسمو عن طاقة الفاعل الإنساني ووعيه..
        2- أن ينسب الله الفعل إلى نفسه وإن تلبس به غيره، تنبيها على أن إنجاز ذلك الفعل تم على وجه فيه شائبة خرق العادة...
        لنوضح بالمثال الآتي:
        فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4) [قريش : 3 - 4]
        فإطعام قريش تم-قطعا- بالأسباب الدنيوية الوضعية ،وليس كإطعام قوم موسى-مثلا- في برية التيه حيث كانت تنزل عليهم المن والسلوى من غير أسباب اعتيادية..فلو أسند الإطعام في آية قريش إلى ما لم يسم فاعله وقال(أطعموا..) لصح التعدد في تقدير الفاعل، فهو الله باعتباره أراد وقدر وخلق، وهم بعض مخلوقاته من الحجاج والزوار والتجار وغيرهم ممن باشر إيصال الطعام إلى قريش..
        غير أن الله تعالى أسند الفعل إلى ذاته العلية تنبيها على أن الفعل قد تحقق على وجه فيه شائبة خرق العادة...إذ كيف يشبع ساكنة واد غير ذي زرع؟بل كيف يعمرون مكانا أجرد غير مرحب فلا يهجرونه إلى مكان خصيب وقد كانت الشعوب في ذلك الوقت رحلا يبحثون عن مكان فيه وفرة طعام وفسحة أمن؟ ثم ما هذا الوضع غير المعتاد للقرشيين: غيرهم يذهبون إلى الطعام وهم الطعام يأتيهم!
        إذن فلا فرق بين إطعام بني إسرائيل في سيناء وإطعام قريش بين جبال فاران..إطعام العبريين تم على وجه معجز جلي و إطعام العرب تم على وجه معجز أيضا لكن فيه خفاء..
        وأسند الله فعل الإطعام لنفسه إشارة إلى هذه النكتة..
        أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى6 وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى7
        لنلحظ أن فعل "آوى" يختلف نوعيا-بالمعنى الذي قررناه - عن فعل "هدى" ،على اعتبار أن الإيواء تحقق لليتيم محمد داخل منظومة القرابة الاجتماعية، فيصح أن يقال" آوى عبد المطلب حفيده" و"آوى أبو طالب ابن أخيه" (بل لعل السورة عندما نزلت كان النبي ما يزال في مأوى عمه.)
        لكن فعل "هَدَى" لا يمكن إسناده إلا لله..فهو خالص لله من جميع الوجوه:إرادة وتقديرا وخلقا وفعلا..
        وسنرى أن نسبة الأفعال الثلاثة إلى الله وحده إما دالة على خرق العادة، أو على ما يشبه خرق العادة...فيكون في سورة الضحى ثلاثة من أعلام نبوته

        تعليق


        • #19
          أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى6 وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى7 وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى8
          ما عسى أن تكون حظوظ يتيم في مجتمع عنجهي لا يحب ملؤه أن يزاحموا على سلطة أو سؤدد؟
          سؤدد هم مستعدون للخلود في جهنم ولا يتنازلون عن شيء منه!
          (فقد كانوا في قرارة أنفسهم لا يكذبون النبي وهو يوعدهم جهنم ولكن اعترافهم بنبوته يعني تراجعهم خطوة في تراتبية السيادة وتقدم المتأخرين فيها وهذا غير مقبول عندهم..)
          وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف : 31]
          كأن النبوة مقبولة فقط إذا حفظت المراتب!
          هب هذا المجتمع أقل عنجهية، وأكثر تسامحا مع الضعفاء واليتامى فهل سيغير ذلك شيئا من وضع اليتيم النفسي وترتيبه في السلم الاجتماعي..؟
          كلا...!
          فنفوس الناس لا تنشأ في يوم واحد..بل هي ترسبات نفسية واجتماعية يطول عليها الأمد فلا يكون التشكيل النهائي للنفس إلا وفق ما عملته فيها الظروف..
          والغالب أن قدر اليتيم النفسي: الانكسار
          وأن قدره الاجتماعي: الانزواء
          وقد يقترب الأمر من الحتمية في مجتمع مثل قريش..
          وهنا يظهر غور قوله تعالى:".. فَآوَى"
          فالإيواء شيء أكثر من توفير مسكن ومشرب ومطعم (وقد تكفل به أفراد مثل الجد والعم..) لكن الشيء الذي لا يستطيعه الجد ولا العم هو حفظ "المعنويات"...
          فبربكم كيف تتصورون أن يخرج من وضعية اليتم (مضنة الانكسار والانزواء) رجل يتحدى العالم كله ويصارعه!!
          من أين استمد اليتيم تلك القوة المعنوية الهائلة!
          هذا علم من أعلماء النبوة بلا أدنى شك.
          وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى7
          الآية تطرح هنا مشكلة "المصدر الثقافي" وهي مشكلة جعلت الإسلاملوجيين ينطحون رؤوسهم بالجدران فما وجدوا لها تفسيرا..وقنعوا -وحاولوا إقناع غيرهم- بما يضحك الثكلى!
          ضال بين ضالين فمن أين تأتي الثقافة المضادة!
          ثم إن الثقافة ليست لُقطة يعثر عليها في منعرج سبيل..ولا تتولد من مجرد احتكاك عابر بين شخصين...
          الثقافة هي الهواء الذي يعيش فيه مجتمع..ولها سلطة قاهرة على الأفراد والجماعات: فعندما يولد الفرد فإنه يتنفس ثقافة مجتمعه بأنفه رغم أنفه..فإن كان الهواء ملوثا فإن داخل الفرد يتلوث .وقد أثبت مالك بن نبي هذا المعنى في مثال الطبيب والراعي الجزائريين والطبيب والراعي الإنجليزيين..فالطبيب الجزائري لا يتصرف مثل الطبيب الإنجليزي بل مثل الراعي الجزائري والطبيب الأنجليزي يتصرف مثل مواطنه الراعي..فالشهادات والاختصاصات والأوضاع الاجتماعية لا تغير شيئا من الترسبات الثقافية في النفوس...فيكون السلوك الثقافي سلوكا قاهرا لا شعوريا في الأغلب الأعم..
          وهو مصداق قول النبي في الحديث الصحيح:
          «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ.... »
          الترويض الثقافي يأخذ طريقه قبل تبلور الوعي نفسه..

          وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى7
          من أين جاءت ثقافة الهدى إلى مجتمع يتنفس ثقافة الضلال..
          السؤال محير حقا للإسلاملوجيون وغيرهم من الكفار...وآية حيرتهم غباء تلك الاقتراحات التي ذكر القرآن بعضها ليشهد الناس على غباوة الكافرين اليوم إلى يوم القيامة..
          وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [النحل : 103]
          وجاء في دلائل البيهقي:
          "زعم أهل التفسير أنه كان لابن الحضرميّ غلامان نصرانيان يقرآن كتابا لهما بالرومية، وقيل بالعبرانية. فكان يأتيهما فيحدثهما ويعلّمهما، فقال المشركون: إنما يتعلّم محمد منهما.."
          نعم، يجوز أخذ معلومة أو معلومات ولكن الثقافة لا تؤخذ بهذه الطريقة ..وقد اختلط على القوم مفهوم المعرفة ومفهوم الثقافة...
          فقد نتصور أن يأخذ محمد عن عداس قصة يوسف مثلا..ولكن:
          كيف يأخذ عنه نظاما أخلاقيا برمته؟
          وكيف يأخذ عنه رؤية جديدة للعالم؟
          وكيف يأخذ عنه أنظمة سياسية واجتماعية واقتصادية هي أفضل ما عرفت البشرية على الإطلاق؟
          باختصار كيف يأخذ ثقافة -إن كانت الثقافات مما يؤخذ-!؟
          ...لكن القوم لا يعقلون..
          وليس أبطل من قصة عداس وقصة غلامي ابن الحضرمي إلا قصة بحيرا الراهب..التي نزعم أنها من اختلاق الإخباريين ...
          والعجيب أن هذه القصة وافقت أهواء أنصار النبوة وأعدائها معا:
          فأنصار النبوة رأوا فيها دليلا إضافيا على صحة النبوة فواحد من أهل الكتاب توسم النبوة في وجه الغلام القرشي..وأعداء النبوة وجدوا في القصة قشة النجاة:فهاهو مصدر الإسلام الذي أعياهم البحث عنه يلهج به الإخباريون من المسلمين أنفسهم: بحيرا الراهب وأمثاله من الأحبار!!
          ونود هنا أن نصحح أسطورة روجها الإخباريون وكتاب السيرة عن النبي قبل البعثة وهي أسطورة ذات شقين:
          1-هستيريا إرهاص النبوة..كان كل الناس يعلمون-واعجبا!- أن موعد الرسالة الخاتمة قد حان ،فيخرج الناس من العرب والعجم يستقصون الأخبار ويرشحون هذا الشريف أو ذاك لمنصب النبوة..!!
          هي هستريا شبيهة بهستريا نهاية العالم التي نشهدها اليوم..!
          2-علامات النبوة يقرأها الرهبان والأحبار والكهان وحتى المومسات..!!!
          (فقد قالوا أن عبد الله بن عبد المطلب راودته مومس بكل عزيمة وعندما عاد من عند آمنة بنت وهب زهدت فيه ولما سئلت عن ذلك قالت إن بقعة النور التي كان في وجهه قد اختفت وكانت ترجو أن تكون صاحبة الحظ بدلا من آمنة!! )
          هذا الكلام رجم بالغيب ،يحرمه الإسلام نفسه، فكيف يتخذ دليلا على الإسلام!
          ومن المسلمين السذج من يحسن الظن فيبالغ في علم أهل الكتاب..ليت شعري ماذا كانوا يعلمون بالضبط:
          فوحيهم زيفوه،
          وكتبهم الهرمسية السرية لا يعتد بها فهي من السحر لامن الوحي..
          أقصى ما يمكن أن يصح في كتبهم بشارة بالنبي الخاتم وعلامات عامة عنه ،وهي مازالت في كتبهم عرفها المسلمون قديما وحديثا ولكن تحديد زمن الظهور بدقة غير ممكن إلا تخرصا ورجما بالغيب..وعلى فرض تنصيص كتبهم المقدسة على صفات جسدية للنبي المنتظر فلا يمكن تنزيلها على محمد اليتيم وحده دون الآلاف ممن تنطبق عليهم تلك الأوصاف فهي على كل حال نعوت لغوية مسموعة من قبيل (أجعد، واسع العينين، ربع القامة ..وغيرها) وليست-مثلا- صورة شمسية يتعرف على صاحبها بمجرد رؤيتها!!
          لكن القوم جعلوا محمدا قبل البعثة لا يتحرك إلا وقالوا له -أو عنه- :هذا النبي المنتظر،احذر اليهود،سيكون لهذا الغلام شأن..... وغيرها...
          وهذا الأمر يخدم أهواء أعداء النبوة وهم لا يشعرون..
          فقد يجدون في هذه الأخبار الحافز النفسي والاجتماعي على ادعاء النبوة ، فيقولون ادعى محمد النبوة لأنها اختمرت في لاوعيه تحت إيحاءات المجتمع أو أن مشروع النبوة قديم في نفس محمد فمهد لها شيئا فشئيئا قبل البعثة بالاتصال ببحيرا وغيره...
          كل هذا باطل وقبض الريح..
          ما كان محمد إلا فتى عاديا ، وشابا من قريش لا يكاد يختلف عن غيره..فهداه الله وهدى به قومه
          وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى7
          وهذا علم آخرمن أعلام النبوة.

          وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى8
          قالت عائشة عبد الرحمن :
          "وإن يكن القرآن استعمل الغنى للمال في مثل آيات النساء وآل عمران والتوبة والحشر فلسنا نعرف أن الرسول قد أثرى بعد المبعث أو اقتنى مالا،بل لا نعرف أن مستوى حياته قد تغير ماديا،لعد أن أفاء الله عليه ما أفاء من غنائم ،فحمل الغنى على الثراء المالي لا يعين عليه ما نعلم من سيرة الرسول من تعفف وتجمل مع فقر ومن قناعة وزهد وتواضع في المأكل والمشرب والمسكن ،بعد أن سعت إليه الدنيا.....وإنما أغناه الله بالتعفف وسد الحاجة فلم يذله فقر المال كما لم يكسر اليتم نفسه بل وقاه الله وقاية نفسية معنوية من آثار اليتم والفقر والضلال،وليس وقاية مادية ترد إليه أباه الذي مات قبل مولده ،وتملأ خزائنه بالمال،وتهيء له رغد العيش.."

          قلت إن هذه الحماية من ذل السؤال، وإن ذلك التوسط في المستوى المعيشي قبل البعثة وبعدها لهو من أعلام النبوة.

          تعليق


          • #20
            وَالضُّحَى1 وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى2 مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى3 وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى4 وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى5 أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى6 وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى7 وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى8 فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ9 وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ10 وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ11

            نختم تفسير هذه السورة الكريمة بملاحظة إجمالية :
            في السورة مقاطع ثلاثة:تأكيدي،تقريري،طلبي..وتفاعل النبي مع كل مقطع منها يؤسس ركنا من أركان الإيمان:
            1-اعتقاد بالقلب
            2-إقرار باللسان
            3-عمل بالجوارح

            أ-وَالضُّحَى1 وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى2 مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى3 وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى4 وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى5
            استجابة النبي ستكون إيمانا واطمئنانا بوعد الله (عبادة قلبية)...

            ب-أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى6 وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى7 وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى8
            استجابة النبي ستكون "بلى" إقرارا وشكرا للنعمة باللسان (عبادة لفظية)

            ج-فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ9 وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ10 وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ11
            استجابة النبي ستكون تنفيذا عمليا (عبادة عملية)

            ذلك جماع الإيمان..!

            هذا ما تيسر لنا من تفسير هذه السورة المباركة ...نرجو أن يكون صوابنا فيه أكثر من خطئنا .ولنا معكم موعد قريب مع تفسير بياني لسورة العصر ..وسبحان الله وبحمده أستغفره وأتوب إليه وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه .

            تعليق

            19,944
            الاعــضـــاء
            231,774
            الـمــواضـيــع
            42,485
            الــمــشـــاركـــات
            يعمل...
            X