إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " دراسة موضوعية "



    ±

    إن الحمد لله نحمده و نسـتعـينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أ لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ، أما بعد :
    فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصل عظيم من أصول الإسلام ، ولا شك أن صلاح العباد في معاشهم ومعادهم متوقف على طاعة الله وطاعة رسوله r ، وتمام الطاعة متوقف على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .وقد أولى القرآن الكريم هذا الأمر أهمية بالغة([1]) فجاء الحديث عنه في ثمانية مواضع في الحث عليه والتأكيد على وجوبه وذكر فضائله والعقوبات المترتبة على تركه . وجاءت السنة مؤكدة لما جاء في كتاب الله ومفصلة له .
    لذا فإن من الواجب علينا العناية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فبه يسود الأمن في البلاد وينتشر الخير والصلاحوتضمحل المنكرات وبتركه يعم الفساد والهلاك .
    أهمية الموضوع وأسباب اختياره :
    v عظم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وماله من الآثار التي تعود على من قام به من الأفراد والمجتمعات .
    v تفشي المنكرات في المجتمعات الإسلامية ، فكان من المهم البحث في موضوع " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " .
    v أنه بالرغم من اهتمام الشرع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وحثه عليه ، إلا أننا نجد كثير من الناس انصرفوا عنه .
    v الرغبة في التوسع في موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإفادة طالب العلم بذلك .
    أهداف البحث :
    v بيان أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
    v التعريف ببعض أحكام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
    v إيضاح الأضرار والمفاسد التي تترتب على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
    خطة البحث :
    يتكون البحث من مقدمة وخمسة مباحث وخاتمة .
    المقدمة : وتشتمل على أهمية الموضوع وأسباب اختياره ، وخطة البحث ، ومنهجي في البحث .
    المبحث الأول : مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحكمة من مشروعيته ،وفيه مطلبان :
    المطلب الأول : تعريف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لغة وشرعاً .
    المطلب الثاني : الحكمة من مشروعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
    المبحث الثاني : حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    المبحث الثالث : فضائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
    المبحث الرابع :: الصفات التي ينبغي أن تتوافر في الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر .
    المبحث الخامس : العقوبات والآثار المترتبة على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
    الخاتمة :وتشتمل على أهم النتائج التي توصلت إليها الباحثة .
    ثبت المصادر والمراجع .
    فهرس الموضوعات .
    ولقد سرت في كتابته حسب المنهج التالي :
    _ جمعت الآيات التي تدور حول الموضوع وذكرت أقوال المفسرين فيها والوقوف على هداياتها ودلالاتها .
    _ عزوت الآيات بعد كتابتها حسب خط المصحف إلى مواضعها من السور ذاكرة اسم السورة ورقم الآية .
    _ خرجت الأحاديث مكتفية بأحد الصحيحين إن كان الحديث فيهما ،فإن لم يكن خرجته باختصار من غيرهما .
    _ لم أترجم للأعلام الوارد ذكرهم في البحث ، خشية الإطالة .
    _ عزوت الأقوال إلى أصحابها ووثقتها من كتبهم ، فإن لم أستطع وثقتها من المصادر الأخرى .
    _ ذيلت البحث بفهرسين أحدهما للمصادر والمراجع ، والآخر للموضوعات .

    والله أسال التوفيق والسداد ولا أدعي فيما كتبت الكمال ولكن حسبي أني بذلت فيه قصارى جهدي ، فإن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان ، وصل الله وسلم على نبينا محمد وعلى آ له وصحبه أجمعين .



    المبحث الأول :
    مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحكمة من مشروعيته
    المطلب الأول :تعريف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :


    الأمر: الشأن، وجمعه أمور، ومصدر أمرته: إذا كلفته أن يفعل شيئا، وهو لفظ عام للأفعال والأقوال كلها، وعلى
    ذلك قوله تعالى: إليه يرجع الأمر كله [هود/ 123] ، وقال: قل: إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لايبدون لك، يقولون: لو كان لنا من الأمر شيء [آل عمران/ 154] .([2])

    المعروف لغة : قال ابن منظور : " المَعْرُوف: كالعُرْف. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً، أَي مُصَاحَبًا مَعْرُوفًا؛ قَالَ الزَّجَّاجُ: المَعْرُوف هُنَا مَا يُستحسن مِنَ الأَفعال ، والمَعْرُوف: ضدُّ المُنْكَر. والعُرْفُ: ضِدُّ النُّكْر. يُقَالُ: أَوْلاه عُرفاً أَي مَعْروفاً. والمَعْرُوف والعَارِفَةُ: خِلَافُ النُّكر. والعُرْفُ والمَعْرُوف: الجُود، وَقِيلَ: هُوَ اسْمُ مَا تبْذُلُه وتُسْديه "

    والمعْرُوف: النَّصَفةُ وحُسْن الصُّحْبةِ مَعَ الأَهل وَغَيْرِهِمْ مِنَ النَّاسِ، والمُنكَر: ضِدُّ ذَلِكَ جَمِيعِهِ " . ([3])
    واصطلاحاً : هو اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله والتقرب إليه والإحسان إلى الناس، وكل ما ندب إليه الشرع ونهى عنه من المحسنات والمقبحات وهو من الصفات الغالبة أي أمر معروف بين الناس إذا رأوه لا ينكرونه. ([4])
    النهي: الزجر عن الشيء. قال تعالى: أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى [العلق/ 9- 10] وهو من حيث المعنى لا فرق بين أن يكون بالقول أو بغيره، وما كان بالقول فلا فرق بين أن يكون بلفظة افعل نحو: اجتنب كذا، أو بلفظة لا تفعل. ([5])
    المنكر لغة :
    النُّكْرُ والنَّكْراءُ: الدَّهاءُ والفِطنة. وَرَجُلٌ نَكِرٌ ونَكُرٌ و نُكُرٌ ومُنْكَرٌ مِنْ قَوْمٍ مَناكِير: دَاهٍ فَطِنٌ ، والإِنْكارُ: الجُحُودُ، والنَّكِرَةُ إِنكارك الشَّيْءَ، وَهُوَ نَقِيضُ الْمَعْرِفَةِ. والنَّكِرَةُ: خِلَافُ الْمَعْرِفَةِ. ونَكِرَ الأَمرَ نَكِيراً وأَنْكَرَه إِنْكاراً ونُكْراً: جَهِلَهُ؛ والمُنْكَرُ مِنَ الأَمر: خِلَافُ الْمَعْرُوفِ . ([6])
    والمنكر اصطلاحاً : كل فعل تحكم العقول الصحيحة بقبحه، أو تتوقف في استقباحه واستحسانه العقول، فتحكم بقبحه الشريعة . ([7])

    والأمر بالمعروف: الإرشاد إلى المراشد المنجية، والنهي عن المنكر: الزجر عما لا يلائم في الشريعة، وقيل: الأمر بالمعروف: أمرٌ بما يوافق الكتاب والسنة، والنهي عن المنكر: نهيٌ عما تميل إليه النفس والشهوة، وقيل الأمر بالمعروف إشارة إلى ما يرضي الله تعالى من أفعال العبد وأقواله، والنهي عن المنكر: تقبيح ما تنفر عنه الشريعة والعفة، وهو ما لا يجوز في دين الله تعالى. ([8])
    المطلب الثاني : الحكمة من مشروعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
    قصدت الشريعة الإسلامية من إيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عدة أهداف عظيمة من شأن تحقيقهاتحقيق سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة، ومن هذه الأهداف:

    v إقامة الملة والشريعة ، وحفظ العقيدة والدين لتكون كلمة الله هي العليا .
    v إثبات معاني الخير والصلاح في الأمة الإسلامية ، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يساعد في نشر المعروف بين المسلمين ، وتقوية جانب الفضيلة ، وإشاعة الأخلاق الحسنة في العلاقات الاجتماعية لتقوم على قواعد وأسس الشريعة ، حيث الصدق والوفاء ، والتراحم والتناصح ، وأداء الأمانة ، والرفق والإحسان ، و تهيئة الجو المناسب الصالح الذي تنمو فيه الآداب والفضائل وتختفي فيه المنكرات والرذائل، ويتربى في ظله الضمير العفيف، والوجدان اليقظ الذي لا يسمح للشر أن يبدأ فضلا عن أن يبقى أو يمتد.


    فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعتبر الوثاق المتين الذي تتماسك به عرى الدين ، وتحفظ به حرمات المسلمين ، وتظهر أعلام الشريعة ، وتفشو أحكام الإسلام ، وبارتفاع سهمه يعلو أهل الحق والإيمان ، ويندحر أهل الباطل والفجور ، ويورث القوة والعزة في المؤمنين ، ويذل أهل المعاصي والأهواء وترغم أنواف المنافقين .
    v إزالة عوامل الفساد والشر من حياتها والقضاء عليها أولا بأول حتى تسلم الأمة وتسعد فبظهور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تحاصر الرذيلة ، وتنقمع المعصية ، ويقع الرعب والخوف في قلوب أرباب الفساد والمعاصي ، وذلك أن أهل الفساد يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين ءامنوا ، كما قال عثمان : " ودت الزانية لو زنى النساء كلهن " فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقضي على الرذيلة أولاً بأول ،لوجود من يردع أهل المنكرات عن التطاول والتمادي في فجورهم ، وبذلك تسلم الأمة من شرورهم وفسادهم ، وتسعد في حياتها الخالية من الذنوب والمعاصي . ([9])


    v تكوين الرأي المسلم الواعي الذي يحرس آداب الأمة وفضائلها وأخلاقها وحقوقها ويجعل لها شخصية وسلطانا هو أقوى من القوة وأنفذ من الأنظمة والقوانين.


    vبعث الإحساس بمعنى الإخوة والتكامل والتعاون على البر والتقوى واهتمام المسلمين بعضهم ببعض. وذلك مما يوطد الأمن ويبعث الطمأنينة على الحقوق والحرمات وأنها في حراسة الأمة وبأعينها مما يؤكد الثقة والمحبة والاعتزاز بالجماعة في قلوب المؤمنين.


    v ابتلاء الخلق بعضهم ببعض ، لأن هذا العمل بجميع مراتبه وأنواعه جهاد ، وما قتال الكفار بالسيف والسنان إلا نوع من أنواعه .


    v القيام بحق من حقوق الله على عباده بشكر نعمه تجاه ما أسداه لهم من صحة البدن وسلامة الأعضاء ، فعن أبي ذر، عن النبي ، أنه قال: «يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميده صدقة، وكل تهليله صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى» ([10]) ([11])


    v استقامة الموازين ، واتزان المفاهيم ، فينجلي أمر المنكر أمام الناس ويعلمون أنه منكر ، ويعلمون أن هذا الأمر المعين من المعروف ، وبالتالي يقبلون على المعروف ويعرضون عن المنكر ، بخلاف ما إذا عطل جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد يتوهم كثير من الناس في كثير من المنكرات أنها من المعروف ، كما يتوهم كثير منهم كذلك في كثير من أمور المعروف وخصاله أنها من المنكر ، فيشنعون على فاعلها كما هو الحال في المجتمعات التي تركت هذه الشعيرة أو قصرت في القيام بها .


    v شد ظهر المؤمن وتقويته ورفع عزيمته ، وإرغام أنف المنافق ، فإن المؤمن يقوى ويعتز حينما ينتشر الخير والصلاح ويوحد الله لا يشرك به ، وتضمحل المنكرات على إثر ذلك ، بينما يخنس المنافق ويشرق ، ويكون ذلك سبباً في غمه وضيق صدره وحسرته . .([12])


    روي عن سفيان الثوري أنه قال : «إذا أمرت بالمعروف شددت ظهر المؤمن، وإذا نهيت عن المنكر أرغمت أنف المنافق» . ([13])
    المبحث الثاني :
    حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    ذهب العلماء قديماً وحديثاً إلى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، واعتبروه من الواجبات الشرعية العظيمة التي لا يجوز التهاون في القيام بها ، فهذا الإمام الغزالي يصفه بأنه : " القطب الأعظم في الدين " ([14]) . فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو جوهر الرسالات السماوية والغاية من وراء بعث الرسلوهو أصل عظيم من أصوله الشريعة ، وركن مشيد من أركانها، وبه يكمل نظامها ويرتفع سنامها.
    ولم يعرف مخالف للقول بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا من بعض الرافضة .([15])
    وقد استدل العلماء على ذلك بالكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة وفيما يلي سأورد بعضاً منها :
    من القرآن الكريم :

    _ قوله تعالى:ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮉ ﮊ ﮋ[ النحل: ٩٠ ] فالآية تشمل الأمر بكل معروف واجباً كان أو مندوباً ، والنهي عن كل منكر محرماً كان أو مكروهاً ، وهي بصيغة الأمر الصريح الدال على الوجوب . ([16])


    قال ابن عطية في هذه الآية: "و ينبغي للناس أن يغير المنكر منهم كل أحد تقي وغير تقي" ([17])


    _ قوله تعالى :ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ *ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ [المائدة: ٧٨ – ٧٩] .


    وجه الدلالة :أنه تعالى علل استحقاقهم اللعنة بتركهم النهي عن المنكر ، وهذا زجر شديد لمن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهذا يدل على وجوبه ، إذ لو لم يكن واجباً لما استحق كل هذا التشديد في الزجر على تركه . ([18])

    _ قوله تعالى :ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ [ الأعراف: ١٩٩ ] .
    " وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ أي: بكل قول حسن وفعل جميل، وخلق كامل للقريب والبعيد ، فاجعل ما يأتي إلى الناس منك، إما تعليم علم، أو حث على خير، من صلة رحم، أو بِرِّ والدين، أو إصلاح بين الناس، أو نصيحة نافعة، أو رأي مصيب، أو معاونة على بر وتقوى، أو زجر عن قبيح، أو إرشاد إلى تحصيل مصلحة دينية أو دنيوية .
    والأمر هنا للوجوب وإذا كان الأمر بالمعروف واجباً كان النهي عن ضده واجباً . ([19])
    _ قوله تعالى :ﭽ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯸ ﯹ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ[ المائدة: ٢ ] قال السعدي في تفسيره لهذه الآية : أي: ليعن بعضكم بعضا على البر. وهو: اسم جامع لكل ما يحبه الله و ير ضاه ، من الأعمال الظاهرة والباطنة، من حقوق الله وحقوق الآدميين.
    والتقوى في هذا الموضع: اسم جامع لترك كل ما يكرهه الله ورسوله، من الأعمال الظاهرة والباطنة. وكلُّ خصلة من خصال الخير المأمور بفعلها، أو خصلة من خصال الشر المأمور بتركها، فإن العبد مأمور بفعلها بنفسه، وبمعاونة غيره من إخوانه المؤمنين عليها، بكل قول يبعث عليها وينشط لها، وبكل فعل كذلك.
    وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وهو التجر ؤ على المعاصي التي يأثم صاحبها، ويحرج. وَالْعُدْوَانِ وهو التعدي على الخَلْق في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، فكل معصية وظلم يجب على العبد كف نفسه عنه، ثم إعانة غيره على تركه. ([20])
    وفي قوله تعالى : ( وتعاونوا على البر والتقوى ) هو أمر جزم ، وأٌتبع الأمر بالتهديد بالعذاب الشديد الذي لا يكون إلا لفعل محرم أو ترك واجب " ([21])

    _ قوله تعالى :ﭽ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ[ الحجرات: ٩ ]


    قال الإمام الجصاص بعد ذكره لهذه الآية وغيرها: " فهذه الآية و نظائرها مقتضيه لإيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " فالإصلاح أمر بالمعروف وقتال الفئة الباغية نهي عن المنكر. ([22])


    _ قوله تعالى :ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ [ التحريم: ٦ ]

    قال ابن كثير في تفسيره لهذه الآية : " أي : مروهم بالمعروف، وانهوهم عن المنكر، ولا تدعوهم هملا فتأكلهم النار يوم القيامة " ([23])فعلى هذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب لأن الفعل ( قو ا ) أمر يدل على الوجوب ويتحقق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومالا يتم الواجب إلا به فهو واجب . ([24])

    وقوله تعالى : ﭽ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ [ المائدة: ٦٣ ]


    ذم الله تعالى ووبخ بني إسرائيل لقولهم الإثم وأكلهم السحت ، وذم علماءهم لعدم قيامهم بنهيهم ، وفي الآية دلالة على أن تارك النهي عن المنكر بمنزلة مرتكبه ، فالتوبيخ شامل ، وفي الآية دلالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذ لو لم يكونا واجبين لما ترتب الإثم على تركهما ، ولما وبخهم الله تعالى على سكوتهم ، لأن التوبيخ يستتبع العمل السيء ، الذي هو ترك النهي عن المنكر هنا .([25])

    ومن السنة :
    _ قال رسول الله : " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فمن لم يستطع فبلسانه ومن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان " ([26]) فقوله " فليغيره " أمر إيجاب بإجماع الأمة .
    _ عن النبي أنه قال: " والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف
    و لتنـهـون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم " ([27])
    ففي هذا الحديث يظهر عظم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وشدة العقاب الذي يترتب على تركه مما يدل على وجوبه فإن العقاب لا يكون إلا على فعل محرم أو ترك واجب .
    _ قال رسول الله : « إياكم والجلوس بالطرقات» قالوا: يا رسول الله، ما بد لنا من مجالسنا نتحدث فيها، فقال رسول الله : «إن أبيتم فأعطوا الطريق حقه» قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: «غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر» ([28]) . يوضح الإمام ابن حجر علة النهي عن الجلوس في الطرقات الواردة في الحديث ، ومنها أن الجالس في الطريق سيتعرض لرؤية المنكرات وتعطيل المعروف ، لذلك وجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا اضطر للجلوس فإذا لم يأمر كان ذلك معصية منه. ([29])
    هذه أبرز الأدلة التي استدل بها العلماء على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
    ويتضح لنا مما سبق من الحديث عن حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب لا يجوز تركه وهذا باتفاق العلماء المعتد بعلمهم .
    وفي الحديث عن حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجدر بي في هذا المقام أن أشير إلى المفهوم الصحيح للآية الواردة في سورة المائدة ﭽ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ [ المائدة: ١٠٥] فإنها لا تدل على عدم وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
    وإنما أراد الله سبحانه أن يعلم عباده بأنه لا يطلب منهم هداية العباد، ونتائج أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وإنما واجبهم جهاد المنكر وأما تحقيق النتائج فهو أمر يختص به رب العالمين، فلا يجوز إذن أن يعتذر أحد عن تقاعسه عن هذا الواجب بصدود الناس وعدم استجابتهم ، إذ ليس عليه هداهم ولكن عليه نهيهم عن المنكر وأمرهم بالمعروف .([30])
    _ يقول ابن تيمية - -: " والاهتداء إنما يتم بأداء الواجب، فإذا قام المسلم بما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قام بغيره من الواجب لم يضره ضلال الضلال " ([31])
    وقال الزمخشري في تفسير هذه الآية : " وليس المراد ترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فإن من تركهما مع القدرة عليهما فليس بمهتد، وإنما هو بعض الضلال الذين فصلت الآية بينهم وبينه " ([32])
    وقال أبو السعود : " ولا يُتوهَّمَنَّ أن فيه رخصةً في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع استطاعتهما كيف لا ومن جملة الاهتداء أن يُنكَر على المنكَر حسْبما تفي به الطاقة " وبالجملة فإن هذه الآية الكريمة لا تنفي وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تؤكد فرضيته أبلغ التأكيد . ([33])
    والعلماء وإن كانوا اتفقوا على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا أنهم اختلفوا في تحديد صفة هذا الواجب وقد استدل كل فريق بأدلة على ما ذهب إليه .
    فقال بعضهم : إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين أي واجب محتم ، وعلى كل مسلم أن يؤديه بنفسه على قدر استطاعته ولو كان هناك من هو أقدر منه على تأديته أو من هو على استعداد لتأديته أو من هو متفرغ لتأديته، وهم يشبهونه بفريضة الحج، فهي فرض عين .

    وقال البعض الآخر : وهم جمهرة الفقهاء ، أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفايات كالجهاد، فهو واجب حتم على كل مسلم، ولكن هذا الواجب يسقط عن الفرد إذا أداه غيره ، لأنه لو بدأ عامة الناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر في دقائق الأمور وفيما لا علم لهم به ، يوشك أن يأمروا بمنكر وينهون عن منكر ويغلظوا في مكان يقتضي اللين ويلينوا في مقام يقتضي الشدة وينكروا على من لا يزيده الإنكار إلا التمادي والإصرار . ([34]) وممن قال بهذا الرأي ابن تيمية - - حيث يقول: " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يجب على كل أحد بعينه بل هو على الكفاية كما دل عليه القرآن، ولما كان الجهاد من تمام ذلك ، كان الجهاد أيضا من فروض الكفاية " . ([35])


    ومن الأدلة التي استدل بها كل من الفريقين لإثبات قوله :

    قوله تعالى :ﭽ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮢ ﮣ ﮤ ،[ آل عمران: ١٠٤ ] .
    فقال أصحاب القول الأول : أن من في قوله ( منكم ) للتبيين وليست للتبعيض ، أي كونوا كلكم أمة تدعون إلى الخير وتأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ، وكون (من ) للتبيين يدل عليه أن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
    قال ابن كثير : " والمقصود من هذه الآية، أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجبا على كل فرد من الأمة بحسبه " ([36])
    وقال أصحاب القول الثاني : أن (من ) في منكم للتبعيض وليست للتبيين . قال الطبري في تفسير هذه الآية : " أي ولتكن منكم أيها المؤمنون جماعة يدعون إلى الخير ، يعني إلى الإسلام وشرائعه التي شرعها الله لعباده .
    "ويأمرون بالمعروف": أي يأمرون الناس باتباع محمد ودينه الذي جاء به من عند الله ." وينهون عن المنكر": يعني وينهون عن الكفر بالله والتكذيب بمحمد وبما جاء به من عند الله ، بجهادهم بالأيدي والأرواح ، حتى ينقادوا لكم بالطاعة ويدل قوله على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفايات . ([37])
    وقال الغزالي : ففي الآية بيان الإيجاب فإن قوله تعالى [ولتكن ] أمر وظاهر الأمر الإيجاب وفيها بيان أن الفلاح منوط به إذ حصر وقال وأولئك هم المفلحون .
    وفيها بيان أنه فرض كفاية لا فرض عين وأنه إذا قام به أمة سقط الفرض عن الآخرين إذ لم يقل كونوا كلكم آمرين بالمعروف بل قال ولتكن منكم أمة فإذا مهما قام به واحد أو جماعة سقط الحرج عن الآخرين واختص الفلاح بالقائمين به المباشرين وإن تقاعد عنه الخلق أجمعون عم الحرج كافة القادرين عليه لا محالة. ([38])

    والصحيح أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد يكون متعيناً على الأشخاص وذلك إذا كان المراد رفعه أو المعروف المراد إيجاده وفعله لا يتمكن من القيام به


    _ أي الأمر والنهي _ إلا ذلك الشخص بعينه ، فإنه يتعين عليه . ويدخل في ذلك من عينته الدولة الإسلامية للقيام بذلك فإنه يكون فرض عين في حقه .كذلك يقال إذا لم يعلم به غيره ، وهكذا يكثر وقوعه في البيوت فإن الناس غالباً لا يطلعون على ما يدور فيها . وأيضاً عند كثرة المنكرات وقلة الدعاة فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون فرض عين . ([39])


    وقد يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مستحباً وذلك في حالتين :


    الحالة الأولى : أن يكون المأمور به مستحباً ولم يتواطأ أهل بلد على تركه ، أو يكون الفعل المرتكب مكروهاً فيكون النهي عنه مستحباً .


    الحالة الثانية : وهي كون المأمور به واجباً أو الفعل المرتكب أمراً محرماً .. لكنه يخشى إذا أنكر أن يلحقه الضرر أو الهلاك فيسقط عنه الوجوب ويبقى مستحباً في حقه إن كان يرجو النفع من جراء أمره ونهيه .


    وهناك أحوال يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر محرماً منها :


    _ أن يؤدي إنكار المنكر إلى فوات معروف أكبر منه كمن ينهى إنساناً عن التدخين ويفوت صلاة الجماعة ، أو يؤدي ذلك إلى خروج الوقت وهو لم يصل .


    _ أن يؤدي إنكار المنكر إلى حصول منكر أكبر منه .


    _ أن يكون فعل الأمر بالمعروف يؤدي إلى فوات معروف أكبر منه كمن يحث أخاً له على الصدقة على بعض الفقراء من غير الأقارب وهو يعلم أن هذا التصدق على حساب نفقته الواجبة على أهله وعياله ! وكمن يعظ أخاه ويحثه على قيام الليل مع علمه أن ذلك يفوت على المنصوح صلاة الفجر .


    _ أن يكون الأمر بالمعروف مؤدياً إلى حصول منكر أكبر منه . كمن يأمر غيره بالتبكير في الحضور إلى المسجد ويؤدي ذلك إلى امتناعه عن الصلاة بالكلية . ([40])


    و ينبه إلى أن إنكار المنكر يجب بالقلب مطلقا على كل من علم به أما الإنكار باللسان واليد فذلك خاضع للقدرة والمصلحة كما هو مدلول حديث أبي سعيد السابق .

    ([1]) قواعد مهمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ( ص : 3) بتصرف يسير .

    ([2]) المفردات في غريب القرآن مادة ( أ م ر ) ، (ص: 88) .

    ([3]) لسان العرب ، مادة ( ع ر ف ) ، (9/240 ،239) .

    ([4]) المرجع السابق ، مادة ( ع ر ف ) ، ( 9 / 240 ) ، وانظر المفردات في غريب القرآن (ص: 561) ، والتعريفات (1/122) .

    ([5])المفردات في غريب القرآن مادة ( نهى ) ، (ص: 826) .

    ([6]) لسان العرب (5/ 232) .

    ([7]) المفردات في غريب القرآن (1/ 823) مادة _ نكر _ .

    ([8])التعريفات (ص: 36) .


    ([9]) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ضوء كتاب الله ( ص: 67 ،66 ) ، وانظر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ( ص :51،50) .


    ([10])أخرجه مسلم في صحيحه ( كتاب صلاة المسافرين وقصرها / باب فضل صلاة الصبح ) ، (1/ 498 /ح 720) .



    ([11])الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ضوء كتاب الله ( ص: 67 ،66 ) ، وانظر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ( ص :51،50)


    ([12])الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (أصوله وضوابطه وآدابه ) ، ( ص: 86،85) .

    ([13])الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للخلال (ص: 36) .


    ([14]) إحياء علوم الدين (2/306) .

    ([15]) الضوابط الفقهية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ( ص: 49) .

    ([16])الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ( الفضائل ، الآثار ، العواقب ( ص : 7) ، وينظر تفسير السعدي (ص :447) .

    ([17]) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (3/416) .

    ([18]) الضوابط الفقهية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (ص: 51 ) ، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم ( 3/377) .

    ([19])تفسير السعدي (ص :313) .

    ([20]) المرجع السابق (ص: 219) .

    ([21]) إحياء علوم الدين (2/307) .


    ([22])أحكام القرآن للجصاص ط العلمية (2/ 38) ، والضوابط الفقهية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (ص :51 )


    ([23])تفسير ابن كثير (5/ 240) .

    ([24]) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الفضائل ، الآثار ، العواقب ( ص :7 ) .

    ([25]) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (ص: 32 ) .


    ([26]) أخرجه مسلم في صحيحه ، كتاب الإيمان / باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان ( 1/69/ح 49 ) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً .


    ([27]) أخرجه الترمذي في سننه ، كتاب الفتن عن رسول الله / باب ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (4/ 468/ح 2169 ) من حديث حذيفة بن اليمان .

    ([28]) أخرجه أبي داوود في سننه كتاب الأدب / باب في الجلوس في الطرقات (4/ 256 / ح 4815) من حديث أبي سعيد الخدري ، وقال عنه الألباني : صحيح .

    ([29]) انظر فتح الباري في شرح صحيح البخاري ( 5/113 ) ، والضوابط الفقهية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (ص: 55) .

    ([30])الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ضوء كتاب الله (ص: 54) .

    ([31])الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لابن تيمية ( ص :10 ) .

    ([32])الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (1/ 685) .

    ([33])تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (3/ 88) .

    ([34]) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ضوء كتاب الله ( ص :57 ) ، وينظر تفسير أبي السعود (2/67)

    ([35]) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لابن تيمية (ص: 9 ) .

    ([36]) تفسير ابن كثير (2/ 78) .

    ([37]) تفسير الطبري (7 /91،90 ) .

    ([38])إحياء علوم الدين (2/307) .

    ([39])انظر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصوله وضوابطه وآدابه ( ص:136 ) ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ضوء كتاب الله ( ص:63) .

    ([40])الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصوله وضوابطه وآدابه (ص:126 _ 134،133) .

  • #2
    المبحث الثالث :
    فـضائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
    الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الواجبات وأهم المحتسبات ذكره الله في كتابه مرات كثيرة وامتدحه فيه بأساليب عديدة ([1]) ، وذلك لأن للقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فضائل جسيمة تعود على الأفراد والمجتمعات و فيما يلي سأذكر هذه الفضائل :
    أولاً : أنه من مهمات الأنبياء جميعا :
    " أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وظيفة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ،كما قال تعالى : ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) فبين أنه ما من أمة أسلفت إلا بعث فيها رسولاً يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له وإلى اجتناب الشياطين والشرك والأوثان والتحذير من أن يغويهم .
    ولقد بذل الأنبياء جهدهم في نصح أقوامهم وقاموا بذلك على أكمل وجه .


    فهذا خليل الرحمن إبراهيم ينهى عن المنكر بيده حيث أعملها في الأصنام تكسيرا فراغ عليهم ضربا باليمين (93) فأقبلوا إليه يزفون (94) فهذا خليل الرحمن إبراهيم ينهى عن المنكر بيده حيث أعملها في الأصنام تكسيرا فراغ عليهم ضربا باليمين (93) فأقبلوا إليه يزفون (94) أتعبدون ما تنحتون (95) والله خلقكم وما تعملون (96) [الصافات/93 - 97] وينهي عنه بلسانه حين يقول لقومه ـ منكرا وموبخا ـ قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم (66) أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون (67) [الأنبياء/66، 67] وقال تعالى إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون (85) أئفكا آلهة دون الله تريدون (86) فما ظنكم برب العالمين (87) [الصافات/85 - 87]، ويأمر أباه بالمعروف وينهاه عن المنكر ـ كما حكى ربنا سبحانه في سورة مريم ـ: واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا (41) إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا (42) يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا (43) يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا (44) يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا (45) [مريم/41 - 46]

    وهذا كليم الله موسى ينهي عن المنكر بيده، حين رجع فوجد قومه يعكفون على عجل جسد له خوار؛ فخاطب الدجال الذي أضلهم ـ وهو السامري ـ بقوله: قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا [ طه:97 ] . ويقول لقومه: وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين [ الصف :5 ]
    وكذلك نبي الله عيسى يأمر بالمعروف حين يقول للحواريين: إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مآئدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين (112) سورة المائدة .
    وهذا نبينا محمد - - كانت حياته كلها أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر، منذ أن شرفه الله بالرسالة، وحتى لقي ربه الكريم الحليم ، حتى إن القرآن لينص على أن وظيفة النبي - - الأساسية ومهمته الأولى هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يقول الله سبحانه : الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبآئث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون [ الأعراف : 157] ([2])

    قال ابن كثير : هذه صفة الرسول في الكتب المتقدمة، وهكذا كان حاله، عليه الصلاة والسلام، لا يأمر إلا بخير، ولا ينهى إلا عن شر ([3])


    وقال الطبري في تفسيره لهذه الآية : يأمر هذا النبيُّ الأميُّ أتباعَه بالمعروف وهو الإيمان بالله ولزوم طاعته فيما أمر ونهى، فذلك "المعروف" الذي يأمرهم به "وينهاهم عن المنكر" وهو الشرك بالله، والانتهاء عمّا نهاهم الله عنه.


    وقوله: "ويحل لهم الطيبات"، وذلك ما كانت الجاهلية تحرِّمه من البحائـر والسَّوائب والوصائل والحوامي "ويحرم عليهم الخَبَائث"، وذلك لحم الخنزير والرِّبا وما كانوا يستحلونه من المطاعم والمشارب التي حرمها الله. " ([4])


    "ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم " الإصر: العهد الثقيل.


    وفي هذا وصف بأن دينه سهل سمح ميسر، لا إصر فيه ، ولا أغلال، ولا مشقات ولا تكاليف ثقال .([5])


    ثانياً : أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سر خيرية هذه الأمة وتفضيلها على الأمم


    ودليل ذلك قوله تعالى : ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ [ آل عمران: ١١٠]


    قال السعدي : " يمدح تعالى هذه الأمة ويخبر أنها خير الأمم التي أخرجها الله للناس، وذلك بتكميلهم لأنفسهم بالإيمان المستلزم للقيام بكل ما أمر الله به، وبتكميلهم لغيرهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المتضمن دعوة الخلق إلى الله وجهادهم على ذلك وبذل المستطاع في ردهم عن ضلالهم وغيهم وعصيانهم، فبهذا كانوا خير أمة أخرجت للناس، لما كانت الآية السابقة وهي قوله: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر أمرا منه تعالى لهذه الأمة ، والأمر قد يمتـثله ا لمأمور ويقوم به، وقد لا يقوم به، أخبر في هذه الآية أن الأمة قد قامت بما أمرها الله بالقيام به، وامتثلت أمر ربها واستحقت الفضل على سائر الأمم " . ([6])


    وهذه الآية عامة لأمة محمد عليه الصلاة والسلام وليست خاصة بجيل الصحابة فقط خلافاً لبعض المفسرين .


    ويؤيد ذلك ما ذكره الألوسي : قال " والظاهر أن الخطاب وإن كان خاصا بمن شاهد الوحي من المؤمنين أوببعضهم لكن حكمه يصلح أن يكون عاما للكل . ([7])


    وقال الزجاج : فهذا الخطاب وإن كان أصله أنه خوطب به أصحاب النبي محمد إلا أنه يعم سائر أمة محمد عليه الصلاة والسلام . ([8])


    فإذا أرادت الأمة أن تحافظ على صفة الخيرية المذكورة في الآية فعليها بتحقيق شرط الله فيها ذلك ألا وهو الإيمان بالله و الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . ([9]) كما قال عمر رضي الله تعالى عنه : «يا أيها الناس من سره أن يكون من تلكم الأمة فليؤد شرط الله تعالى منها» ". ([10])


    وكما قال الشوكاني : وقوله: ( تأمرون بالمعروف ) ، كلام مستأنف، يتضمن بيان كونهم خير أمة مع ما يشتمل عليه من أنهم خير أمة ما أقاموا على ذلك واتصفوا به ، فإذا تركوا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر،زال عنهم ذلك، ولهذا قال مجاهد: إنهم خير أمة على الشرائط المذكورة في الآية، وهذا يقتضي، أن يكون: تأمرون وما بعده ، في محل نصب على الحال، أي: كنتم خير أمة حال كونكم آمرين، ناهين، مؤمنين بالله، وبما يجب عليكم الإيمان به من كتابه ورسوله وما شرعه لعباده، فإنه لا يتم الإيمان بالله سبحانه إلا بالإيمان بهذه الأمور. ([11])


    وفي تقديم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان مع أن الإيمان لا يتقدمه شيء من الأعمال ولا يفضله فائدة ؟


    قال بعض المفسرين : " قد يكون هذا التقديم لإبراز خاصية وميزة لهذه الأمة على غيرها من الأمم ، فإنهم وإن كانوا مطالبين به إلا أنه لم يكن تحققه كتحققه في هذه الأمة فاستحقوا التفضيل به على غيرهم من سائر الأمم التي سبقتهم وإن شاركوهم في تحقيق الإيمان ، وإن شاركوهم في تحقيق الإيمان ، فهذه الأمة هي خاتمة الأمم ورسولها خاتم الرسل وكتابها آخر الكتب وقد أخرجت للناس لتأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر وتشهد عليهم " ([12])


    وهذه الخيرية والفضيلة قد تتحقق لأهل الكتاب إذا قاموا بهذه الشروط كما قال تعالى : ( ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم) قال الرازي : ( يعني كما أنكم اكتسبتم هذه الخيرية بسبب هذه الخصال، فأهل الكتاب لو آمنوا لحصلت لهم أيضا صفة الخيرية والله أعلم ) . ([13]) وذلك كقوله تعالى : ﮬ ﮭ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ [ آل عمران: ١١٤]فقد أثنى الله على طائفة من أهل الكتاب ووصفهم بالصالحين لإيمانهم بالله والتزامهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومسارعتهم في الخيرات ولم لم يكونوا كذلك لم يشهد لهم بالصلاح
    ثالثاً : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أسباب الظفر بعظيم الأجور .


    لاشك أن الإنسان إذا قام بأي طاعة فإن الله سيجازيه على ذلك ومن تلك الطاعات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد وعد الله من قام بهذه الشعيرة بالأجور العظيمة. قال تعالى : ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ [ النساء: ١١٤]


    فتنكير الأجر في الآية يدل على كثرته وسعته والمبالغة في وصف ذلك الأجر .


    قال ابن كثير : فسوف نؤتيه أجرا عظيما أي:" ثوابا جزيلا ً كثيرا واسعا" .([14])


    وقال الألوسي : فسوف نؤتيه أجراً عظيما ً :" لا يحيط به نطاق الوصف " . ([15])


    ولا ينال هذا الأجر العظيم والثواب الجزيل إلا إذا قصد الإنسان بذلك وجه الله وحده .


    قال الرازي : في قوله تعالى ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما " والمعنى أن هذه الأقسام الثلاثة من الطاعات وإن كانت في غاية الشرف والجلالة إلا أن الإنسان إنما ينتفع بها إذا أتى بها لوجه الله ولطلب مرضاته، فأما إذا أتى بها للرياء والسمعة انقلبت القضية فصارت من أعظم المفاسد وهذه الآية من أقوى الدلائل على أن المطلوب من الأعمال الظاهرة رعاية أحوال القلب في إخلاص النية، وتصفية الداعية عن الالتفات إلى غرض سوى طلب رضوان الله تعالى ونظيره قوله تعالى: وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين [البينة: 5] " ([16])



    والأدلة من السنة كثيرة في أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب في زيادة الأجور ومن ذلك :



    حديث أبي ذر : قال أن ناسا من أصحاب النبي قالوا للنبي : يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، قال: " أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميد ة صدقة، وكل تهليـلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة ...... " ([17])


    وعن عائشة قالت : إن رسول الله قال: « إنه خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل، فمن كبر الله، وحمد الله، وهلل الله، وسبح الله، واستغفر الله، وعزل حجرا عن طريق الناس، أو شوكة أو عظما عن طريق الناس، وأمر بمعروف أو نهى عن منكر، عدد تلك الستين والثلاثمائة السلامى، فإنه يمشي يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار» ([18])


    وفي حديث آخر : عن شعبة، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن جده، عن النبي قال: «على كل مسلم صدقة» قيل: أرأيت إن لم يجد؟ قال « يعتمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق » قال قيل: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: «يعين ذا الحاجة الملهوف» قال قيل له: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: « يأمر بالمعروف أو الخير » قال: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: «يمسك عن الشر، فإنها صدقة»([19])

    رابعاً : أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب للنصر والتمكين .
    قال تعالى : ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﭼ ثم بين صفات هؤلاء الموعودين بهذا النصر في الآية التي بعدها ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮓ ﮔ ﮕ [ الحج: ٤٠ / 41 ]

    قال الشنقيطي : " قوله تعالى : ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز، بين الله - - في هذه الآية الكريمة: أنه أقسم لينصرن من ينصره، ومعلوم أن نصر الله إنما هو باتباع ما شرعه بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه ونصرة رسله وأتباعهم، ونصرة دينه وجهاد أعدائه وقهرهم حتى تكون كلمته - - هي العليا، وكلمة أعدائه هي السفلى، ثم إن الله - - بين صفات الذين وعدهم بنصره لتمييزهم عن غيرهم فقال مبينا من أقسم أنه ينصره ; لأنه ينصر الله - -: الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر "
    وفي قوله تعالى: الذين إن مكناهم في الأرض الآية ، دليل على أنه لا وعد من الله بالنصر، إلا مع إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فالذين يمكن الله لهم في الأرض ويجعل الكلمة فيها والسلطان لهم، ومع ذلك لا يقيمون الصلاة ولا يؤتون الزكاة، ولا يأمرون بالمعروف، ولا ينهون عن المنكر فليس لهم وعد من الله بالنصر ; لأنهم ليسوا من حزبه، ولا من أوليائه الذين وعدهم بالنصر، بل هم حزب الشيطان وأولياؤه، فلو طلبوا النصر من الله بناء على أنه وعدهم إياه، فمثلهم كمثل الأجير الذي يمتنع من عمل ما أجر عليه، ثم يطلب الأجرة، ومن هذا شأنه فلا عقل له .([20])
    وجملة إن الله لقوي عزيز تعليل لجملة ولينصرن الله من ينصره، أي كان نصرهم مضمونا لأن ناصرهم قدير على ذلك بالقوة والعزة. والقوة مستعملة في القدرة:

    والعزة هنا حقيقة لأن العزة هي المنعة، أي عدم تسلط غير صاحبها على صاحبها. ([21])

    خامساً: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أخص صفات المؤمنين ودليل على صدق إيمانهم وسبب في حصول الرحمة لهم والبشارة بدخول الجنة.


    ودليل ذلك قوله تعالى : ﭽ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮤ ﮥ ﮦ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﭼ[ التوبة: ٧١ ] ولبيان المناسبة في هذه الآية " أنه لما ذكر أوصاف المنافقين وأعمالهم الخبيثة وأحوالهم الفاسدة ومن ذلك أمرهم بالمنكر ونهيهم بالمعروف ثم ذكر بعد ذلك ما أعد لهم من أنواع الوعيد في الدنيا والآخرة عقبه بذكر أوصاف المؤمنين وأعمالهم الحسنة ومن ذلك أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وما أعد لهم من أنواع الكرامات والخيرات في الدنيا والآخرة فقال تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ " ([22])


    قال القرطبي : " قال تعالى : المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف" ثم قال:" والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر" فجعل تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرقا بين المؤمنين والمنافقين، فدل على أن أخص أوصاف المؤمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورأسها الدعاء إلى الإسلام والقتال عليه " ([23])


    و أوجب الله على المؤمنين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر والمتصفين بغيرها من الصفات المذكورة في الآية برحمته الواسعة في قوله تعالى : ( أولئك سي ) ووعده سبحانه متحقق لا محالة .


    قال الزمخشري : "في قوله تعالى سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ السين مفيدة وجود الرحمة لا محالة، فهي تؤكد الوعد، كما تؤكد الوعيد في قولك: سأنتقم منك يوماً، تعنى أنك لا تفوتني وإن تباطأ ذلك، ونحوه سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا، وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ".([24])


    ولقد وعد الله المؤمنين بالجنة فقال تعالى : ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ [التوبة: ١١١]


    ثم ذكر أوصاف هؤلاء المبشرين بالجنة فقال تعالى:ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭠ ﭡ [ التوبة: 112 ] فذكر من صفاتهم أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فكانت هذه الصفة موجباً لدخول الجنة .

    سادساً : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب للنجاة في الدنيا والآخرة :
    في قوله تعالى : ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ [ الأعراف: 164، ١٦٥]


    قال ابن كثير في تفسيره لهذه الآية : ( يخبر تعالى عن أهل هذه القرية أنهم صاروا إلى ثلاث فرق فرقة ارتكبت المحذور واحتالوا على اصطياد السمك يوم السبت وفرقة نهت عن ذلك واعتزلتهم وفرقة سكتت فلم تفعل ولم تنه ولكنها قالت للمنكرة لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا أي لم تنهون هؤلاء وقد علمتم أنهم قد هلكوا واستحقوا العقوبة من الله فلا فائدة في نهيكم إياهم.


    قالت لهم المنكرة معذرة إلى ربكم أي فيما أخذ علينا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولعلهم يتقون يقولون ولعل لهذا الإنكار يتقون ما هم فيه ويتركونه ويرجعون إلى الله تائبين فإذا تابوا تاب الله عليهم ورحمهم.


    قال تعالى: فلما نسوا ما ذكروا به أي فلما أبى الفاعلون قبول النصيحة أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا أي ارتكبوا المعصية بعذاب بئيس فنص على نجاة الناهين وهلاك الظالمين وسكت عن الساكتين لأن الجزاء من جنس العمل فهم لا يستحقون مدحا فيمدحوا ولا ارتكبوا عظيما فيذموا .([25])


    فالقيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما يرفع العقوبات العامة التي قد تنزل بالعباد فتعم الصالح والطالح وذلك إذا كثر الشر وظهرت المعاصي واستشرى الفساد ، وهذا ما حدث لكثير من الأمم السابقة ، وقد حذر الله سبحانه هذه الأمة في الوقوع فيما وقعوا فيه ، وبين لنا مصير طائفة قليلة أنجاهم الله من عذابه حين قاموا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ([26])، قال الله : ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ _ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ [ هود: ١١٦ ،117]


    قال سيد قطب في هذه الآية: " فالأمة التي يقع فيها الفساد بتعبيد الناس لغير الله، في صورة من صوره، فيجد من ينهض لدفعه هي أمم ناجية، لا يأخذها الله بالعذاب والتدمير. فأما الأمم التي يظلم فيها الظالمون، ويفسد فيها المفسدون، فلا ينهض من يدفع الظلم والفساد، أو يكون فيها من يستنكر، ولكنه لا يبلغ أن يؤثر في الواقع الفاسد، فإن سنة الله تحق عليها، إما بهلاك الاستئصال. وإما بهلاك الانحلال..


    والاختلال! فأصحاب الدعوة إلى ربوبية الله وحده، وتطهير الأرض من الفساد الذي يصيبها بالدينونة لغيره، هم صمام الأمان للأمم والشعوب.. وهذا يبرز قيمة كفاح المكافحين لإقرار ربوبية الله وحده، الواقفين للظلم والفساد بكل صوره.. إنهم لا يؤدون واجبهم لربهم ولدينهم فحسب، إنما هم يحولون بهذا دون أممهم وغضب الله، واستحقاق النكال والضياع " ([27])


    ([1]) الحسبة لابن تيمية (ص :64) .

    ([2]) الحسبة لابن تيمية ( ص : 85،84 ) .


    ([3])تفسير ابن كثير ت سلامة (3/ 487) .


    ([4])تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (13/ 165 _168) .


    ([5])تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 305) .



    ([6])تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 143) .


    ([7])تفسير الألوسي = روح المعاني (2/ 244) .

    ([8]) معاني القرآن وإعرابه للزجاج (1/456) .

    ([9]) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الفضائل ، الآثار ، العواقب ، ( ص : 33 ) .

    ([10])تفسير الألوسي = روح المعاني (2/ 244) .


    ([11])فتح القدير للشوكاني (1/ 425 ،426) .


    ([12]) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصوله وضوابطه وآدابه ( ص: 51 ) ، وانظر التحرير والتنوير (4/50) .

    ([13])تفسير الرازي (8/ 324) .


    ([14])تفسير ابن كثير (2/ 412) .



    ([15])تفسير الألوسي (3/ 140) .

    (3)أخرجه مسلم كتاب الزكاة / باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف (2/ 697 / 1006) من حديث أبي ذر .


    ([16])تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (11/ 218) .


    ([17]) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الزكاة / بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف ( 2/697/ 1106* من حديث أبي ذر مرفوعاً .

    ([18])أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الزكاة / بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف (2/ 698 /1007 ) من حديث عائشة مرفوعاً.


    ([19])أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الزكاة / بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف (2/ 698 /8 100 ) من حديث شعبة بن أبي بردة عن أبيه عن جده .


    ([20])أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (5/265 ،266) .

    ([21]) التحرير والتنوير (17/ 279) .

    ([22]) انظر تفسير الخازن (2/ 382) .


    ([23])تفسير القرطبي (4/ 47) .



    ([24])تفسير الزمخشري (2/ 289) .



    ([25])تفسير ابن كثير (3/ 445) .

    ([26]) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ( ص: 57) .

    ([27])في ظلال القرآن (4/ 1933) .

    تعليق


    • #3
      ثامناً : أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب للفلاح والفوز.


      ودليل ذلك قوله تعالى : ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮢ ﮣ ﮤ ،[ آل عمران: ١٠٤ ] . فقد وعد الله من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بالفلاح في الدنيا والآخرة.


      قال السعدي في قوله تعالى : ( وأولئك هم المفلحون ) : هم الفائزون بالمطلوب الناجون من المرهوب .


      ويدخل في ذلك العلماء المعلمون للدين، والوعاظ الذين يدعون أهل الأديان إلى الدخول في دين الإسلام، ويدعون المنحرفين إلى الاستقامة، والمجاهدون في سبيل الله، و ا لمتصدون لتفقد أحوال الناس وإلزامهم بالشرع كالصلوات الخمس والزكاة والصوم والحج وغير ذلك من شرائع الإسلام، وكتفقد المكاييل والموازين وتفقد أهل الأسواق ومنعهم من الغش والمعاملات الباطلة . ([1])


      والفلاح مكسب عظيم للإنسان ، فهو الفوز بالمطلوب ، فهو الفوز بالمطلوب ، والنجاة من المرهوب ، فأما في الدنيا فيكون بالحياة الطيبة بما فيها سعة ا لأرزاق ، وصحة الأبدان ، والأمن في الأوطان ، وصلاح الأهل والولد ، والتوفيق إلى فعل الخير ،وغير ذلك من جوانب الحياة الطيبة التي ينشدها كل فرد ، وأما في الآخرة فهو الفلاح الأبدي ، ويكون بالنجاة من العذاب الأليم ، والفوز بجنة عرضها السموات والأرض ، والحصول على مرضاة الله ولذة النظر إلى وجهه الكريم . ([2])

      تاسعا ً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أحب الأعمال إلى الله :

      فعن رجل من خثعم قال: أتيت النبي - - وهو في نفر من أصحابه قال: قلت: أنت الذي تزعم أنك رسول الله؟ قال:" نعم ".قال: قلت: يا رسول الله، أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال:" إيمان بالله ".قال: قلت: يا رسول الله، ثم مه؟ قال:" ثم صلة الرحم ".قال: قلت: يا رسول الله، أي الأعمال أبغض إلى الله؟ قال:" الإشراك بالله ".قال: قلت: يا رسول الله، ثم مه؟ قال:" ثم قطيعة الرحم ".قال: قلت: يا رسول الله، ثم مه؟ قال:" ثم الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف " ([3])
      المبحث الرابع :
      الصفات التي ينبغي أن تتوافر في الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر

      الصفات والآداب التي لا بد من توافرها في الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الأعمال الصالحة التي يقوم بها المسلم، فهو باب من أبواب الجهاد، وهو قيام بأمانات الله وحفظ لحرمات المسلمين، وهنا سأذكر بعض الصفات والآداب التي ينبغي أن يتحلى بها الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ، حتى يكون لعمله قبول وأثر محمود.([4])
      وفيما يلي أهم هذه الصفات والآداب:
      1/ العلم . فلا بد للآمر أن يعلم أن ما يأمر به هو المعروف ، كما لابد للناهي أن يعلم أن ما ينهى عنه من المنكر فلا بد إذاً أن يكون فقيهاً فيما يأمر به ، فقيهاً فيما ينهى عنه .فإن من أعظم ما يعيق _ بل يوقف _ مهمة الإصلاح : إقدام بعض من يريد الإصلاح بلا علم ، يدفعه في ذلك غيرته وعاطفته .
      وهذا وإن كان دافعه حب نشر الخير ودرء الشر ، إلا أن ذلك المقصد لا يشفع له في تسويغ شرعية عمله ، فقد يترتب على تصرفه فساد وإفساد ، بسبب بعده عن المنهج العلمي . ([5])
      قال شيخ الإسلام ابن تيمية : " ولا يكون عمله صالحا إن لم يكن بعلم وفقه، وكما قال عمر بن عبد العزيز: من عبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح، وكما في حديث معاذ بن جبل : «العلم إمام العمل والعمل تابعه». فإن القصد والعمل إن لم يكن بعلم كان جهلا وضلالا واتباعا للهوى كما تقدم، وهذا هو الفرق بين أهل الجاهلية وأهل الإسلام، فلا بد من العلم بالمعروف والمنكر والتمييز بينهما. ولا بد من العلم بحال المأمور والمنهي، ومن الصلاح أن يأتي بالأمر والنهي بالصراط المستقيم، وهو أقرب الطرق إلى حصول المقصود. وقال في موضع آخر : " فعلى من أراد الإصلاح أن يكون في إصلاحه على منهج علمي مستمد من الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح " . ([6])

      وكما قال الشنقيطي أيضاً : يشترط في الآمر بالمعروف أن يكون له علم، يعلم به أن ما يأمر به معروف، وأن ما ينهى عنه منكر ; لأنه إن كان جاهلا بذلك فقد يأمر بما ليس بمعروف، وينهى عما ليس بمنكر، ولاسيما في هذا الزمن الذي عم فيه الجهل وصار فيه الحق منكرا، والمنكر معروفا، والله تعالى يقول:ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ [ يوسف :108 ] والبصيرة: فعيلة بمعنى فاعلة، وهي الحجة الواضحة التي لا لبس في الحق معها . والمعنى: أدعو إلى الله ببصيرة متمكنا منها، فيكون على علم ويقين من غير شك ولا امتراء ولا مرية ووصف الحجة ببصيرة مجاز عقلي، والبصير: صاحب الحجة لأنه بها صار بصيرا بالحقيقة. ومثله وصف الآية بمبصرة في قوله: فلما جاءتهم آياتنا مبصرة [سورة النمل: 13] .
      وعند قيام الإنسان بمهمة الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس معنى ذلك أن يكون عالماً فقيهاً بل يكفي أن يعلم أن هذا المنكر فينكره أو أنه من المعروف فتأمر به وتدعو إليه . ([7])
      2_ الإخلاص فيجب على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يقصد بقوله، وفعله وجه الله تعالى، وطلب مرضاته، خالص النية لا يشوبه في طويته رياء، ولا مراء، قال تعالى :ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ [ الزمر :11] والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من التعبد فالإخلاص لله علامة فلاح العامل وعمله ، سواء استجاب المدعون أو لم يستجيبوا ، فإن استجابوا فله ولهم ، وإن لم يستجيبوا فله وعليهم .
      وعليه أن يتجنب في رياسته منافسة الخلق، ومفاخرة أبناء الجنس ؛ لينشر الله عليه رداء القبول، وعلم التوفيق، ويقذف له في القلوب مهابة، وجلالة، ومبادرة إلى قبول قوله بالسمع والطاعة .
      3_ ومما ينبغي أن يتحلى به الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أيضاً الأخْذُ بالرِّفق ما أمكن ذلك فإن اللطف والرفق واللين هي من أميز ما يجب أن يظهر به الداعية في طريق الإصلاح والتبليغ والدعوة إلى الله .
      فإن ذلك مدعاة لقبول الناس منه وانتفاعهم بكلامه ، والتفافهم حوله ، وإعانتهم له ، بل ومدا فعتهم له . فإنّ الإنسانَ بطبيعته ، وما فُطِرَ عليه يقبل الأمر والنهي باللطف والرفق، ولين القول أكثر من قبوله عن طريق العنف ، بل رُبَّمَا حمله العنف على الإصرار على المنكر، مراغمة للآمر وعنادًا له . ([8])

      قال النبي - -: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه ولا كان العنف في شيء إلا شانه ) ([9]) .


      وقال عليه الصلاة والسلام : ( من يحرم الرفق يحرم الخير كله ) ([10]).


      ومن الرفق أن يراعي القائم بهذه الفريضة حرمة الناس ومشاعرهم فلا يفضحهم، وإنما يأمرهم وينهاهم بالرفق واللين وبدون تشهير بهم ، قال الإمام الشافعي: " من وعظ أخاه سرا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه " .والرفق لا يكون في جميع أحوال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن هناك أحوال لابد من الغلظة والشدة ، قال أحمد بن حنبل - تعالى -: " الناس يحتاجون إلى مداراة ورفق في الأمر بالمعروف بلا غلظة، إلا رجلا مباينا معلنا بالفسق، فيجب عليه نهيه وإعلانه؛ لأنه يقال: ليس لفاسق حرمة، فهذا لا حرمة له ". ([11])


      والرفق من خلق النبي في دعوته وأمره ونهيه فقد أمضى النبي دهره بمكة والمدينة ، يدعو ويذكر ويعظ وينذر في غاية من اللطف واللين ، يتحمل من قومه ألوان الأذى ، وصنوف العذاب ، و يزيد على ذلك فيقول :" اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " وكما في قصة الأعرابي الذي بال في المسجد فقام الناس إليه ليقعوا فيه ([12])، فقال النبي : " دعوه وأريقوا على بوله سجلاً من ماء ، أو ذنوباً من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ، ولم تبعثوا ميسرين " ([13]) . فهذا ديدنه في دعوته وأمره ونهيه ، يأخذ بالرفق واللين يقول الله تعالى ممتناً على نبيه بقوله : ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ [ آل عمران: ١٥٩] ، " أي: برحمة الله لك ولأصحابك ، منَّ الله عليك أن ألنت لهم جانبك، وخفضت لهم جناحك، وترققت عليهم، وحسنت لهم خلقك، فاجتمعوا عليك وأحبوك، وامتثلوا أمرك.فبين تعالى هنا أن ثمرة اللين هي المحبة ، والاجتماع عليه. وأن خلافها من الجفوة والخشونة مؤد إلى التفرق .

      ولو كنت فظا أي: سيئ الخلق غليظ القلب أي: قاسيه، لانفضوا من حولك لأن هذا ينفرهم ويبغضهم لمن قام به هذا الخلق السيئ.
      فالأخلاق الحسنة من الرئيس في الدين، تجذب الناس إلى دين الله، وترغبهم فيه، مع ما لصاحبه من المدح والثواب الخاص، والأخلاق السيئة من الرئيس في الدين تنفر الناس عن الدين، وتبغضهم إليه، مع ما لصاحبها من الذم والعقاب الخاص، فهذا الرسول المعصوم يقول الله له ما يقول، فكيف بغيره؟!([14])

      فينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يتقي الله في عباد الله فيلزم الرفق بهم واللين معهم حين يأمرهم وينهاهم حتى لا يصدهم عن هدى أو يوردهم ردى وليكن في ذلك مقتدياً بالنبي : " فإنه ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما مالم يكن إثماً فإن كان إثماً كان أبعد الناس عنه " . ([15])

      4_ ومن الصفات التي ينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يتحلى بها الصبر فإن الصبر من الصفات اللازمة لنجاح الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، وهو فضيلة من الفضائل التي حث عليها القرآن الكريم ، وإنه من عزم الأمور.
      قال تعالى: ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ [الشورى: 43]ومن عظيم فضل الصابرين أن جعلهم الله أئمة يهتدى بهم كما قال تعالى: ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮂ ﮃ ﮄ [السجدة: 24] .
      وتظهر أهمية الصبر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، كون الآمر بالمعروف والناهي عن
      المنكر رجل نصب نفسه لبيان الحق ، والحق لا يرضي كل الناس ، لذا فإنه يتعرض للأذى ممن لا يرضيهم الحق فلابد أن يوطن نفسه على الصبر والحلم ، فإنه إن لم يكن كذلك فربما يؤول أسلوبه إلى فساد أكثر من الإصلاح ، ولذلك كانت وصية لقمان لابنه كما قال تعالى : ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ [لقمان: 17] ، فأوصاه بالصبر مع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ([16])
      قال ابن عاشور :"ووجه تعقيب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بملازمة الصبر أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد يجران للقائم بهما معاداة من بعض الناس أو أذى من بعض فإذا لم يصبر على ما يصيبه من جراء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو شك أن يتركهما. ([17])
      وقوله تعالى : ( إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) يحتمل أن يريد مما عزمه الله وأمر به، قاله ابن جريج، ويحتمل أن يريد أن ذلك من مكارم الأخلاق وعزائم أهل الحزم والسالكين طريق النجاة، والأول أصوب .([18])
      ولنا في رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم أسوة حسنة في صبرهم ، فقد أوذوا في سبيل الله بالقول والفعل ولم يجعلوا ذلك عائقاً في الدعوة إلى الله وإعلاء كلمة الدين .

      فها هو النبي نوح كان قومه يمرون به وهو يصنع الفلك ويسخرون به فيقول لهم: ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ [هود] ولم يقتصر الأمر بهم على السخرية به بل توعدوه بالقتل: ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ [الشعراء : 116] أي من المقتولين رميا بالحجارة ، ولكن هذا لم يثن نوحا عليه الصلاة والسلام عن دعوته بل استمر حتى فتح الله بينه وبين قومه. وهذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام قابله قومه بالرفض بل شهروا به بين الناس:ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ [الأنبياء: 61] ثم توعدوه بالإحراق: ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ لأنبياء : 68]، فأوقدوا نارا عظيمةورموه بالمنجنيق لبعدهم عنها لشدة حرارتها، ولكن قال رب العزة والجلال: ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ [الأنبياء: 69] فكانت بردا وسلاما ونجا منها فكانت العاقبة لإبراهيم: ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ [الأنبياء: 70]،وهذا موسى عليه الصلاة والسلام توعده فرعون بالقتل فقال:ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ [غافر: 26] فتوعدوه بالقتل، ولكن آخر الأمر كانت العقبى لموسى عليه الصلاة والسلام: ﭧ ﭨ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ [غافر: 45].([19])

      وخاتم الأنبياء محمد عليه الصلاة والسلام كان يلاقى من كفار قريش و المنافقين أذى عظيماً ، واتهم بالجنون والسحر ولم يجد من قومه إلا تكذيباً واستهزاء كما لاقى ذلك الأنبياء السابقين كما قال تعالى : ( ولقد كذبت رسلٌ من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ) . فكانت العاقبة لنبينا فنصره الله وأعلى كلمته في مواقف عدة .
      فعلى هذا ينبغي على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يجعل نصب عينيه أن الله لن يخذله مادام يجتهد في نصرة دينة و أنه لابد أن يصبر على أذى الناس له حتى يُكمل السير في الدعوة إلى الله دون ضعف ولا استكانة .

      5_ وينبغي على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكرأن يفعل ما يَأمر به ويجتنب ما يَنهى عنه فيكون قدوة حسنة حتى تكون دعوته مسموعة وقوله أقرب للقبول وليحذر من أن يخالف فعله قوله . فإن من تكملة دعوة الداعي وتمامها أن يكون أول مبادر لما يأمر غيره به، وأول منته عما ينهى غيره عنه، كما قال شعيب : وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ [ هود : 88 ] . ([20])


      وصحَّ عن النبي - - أنه قال: (( يُؤتى بالرجل يوم القيامة فيُلقى في النار، فتندلق أقتاب بطنه، فيدور فيها كما يدور الحمار بالرّحى، فيجتمع عليه أهل النار فيقولون له يا فلان ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى، كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه))([21])


      ومن الآثار الواردة في ذلك : قال الفضيل بن عياض : " بلغني أن الفسقة من العلماء يبدأ بهم يوم القيامة قبل عبدة الأوثان"


      وقال أبو الدرداء : "ويل لمن لا يعلم مرة وويل لمن يعلم ولا يعمل سبع مرات "وقال الشعبي: " يطلع يوم القيامة قوم من أهل الجنة على قوم من أهل النار فيقولون لهم ما أدخلكم النار وإنما أدخلنا الله الجنة بفضل تأديبكم وتعليمكم فيقولون إنا كنا نأمر بالخير ولا نفعله وننهى عن الشر ونفعله "


      وقال حاتم الأصم : " ليس في القيامة أشد حسرة من رجل علم الناس علما فعملوا به ولم يعمل هو به ففازوا بسببه وهلك هو "


      وقال مالك بن دينار : " إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما يزل القطر عن الصفا " ([22])


      و لقد ورد في القرآن ذم من يَعِظون الناس ولا يتَّعظون هم و يَنهَون الناس ولا ينتهِون قال تعالى :ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮭ ﮮ [ البقرة: ٤٤] " فالهمزةُ هنا فيها تقريرٌ مع توبيخٍ وتعجيبٍ والبِرُّ التوسُّعُ في الخير من البَرّ الذي هو الفضاءُ الواسعُ يتناول جميعَ أصنافِ الخيرات ولذلك قيل البر ثلاثة بِرٌّ في عبادة الله تعالى وبِرٌّ في مراعاة الأقارب وبِرٌّ في معاملة الأجانب وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ أي تتركونها من البر " ([23])


      وقوله وأنتم تتلون الكتاب : جملة حالية مشتملة على أعظم تقريع وأشد توبيخ وأبلغ تبكيت: أي كيف تتركون البر الذي تأمرون الناس به وأنتم من أهل العلم العارفين بقبح هذا الفعل وشدة الوعيد عليه .([24])


      " قال ابن عباس : هذه الآية نزلتْ في أحبارِ المدينة كانوا يأمُرون سراً من نصَحُوه باتباع النبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلم ولا يتبعونه طمعاً في الهدايا والصِلاتِ التي كانت تصلُ إليهم من أتباعهم وقيل كانوا يأمُرون بالصدقة ولا يتصدقون وقال السدي :أنهم كانوا يأمرون الناسَ بطاعة الله تعالى وينهَوْنَهم عن معصيته وهم يتركون الطاعة ويُقْدِمون على المعصية ، وقال ابن جريج : كانوا يأمرون الناسَ بالصلاة والزكاة وهم يتركونهما ."


      ([25]).وقال تعالى في ذم من خالف فعله قوله : ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ [ الصف: ٢ – ٣ ].


      فقوله (لم تقولون ما لا تفعلون) استفهام على جهة الإنكار والتوبيخ ، على أن يقول الإنسان عن نفسه من الخير ما لا يفعله. ([26]) وفي قوله : ( كبر مقتاً ) بيانٌ لغايةِ قُبحِ الفعل وفرطِ سماجتِه ([27]).

      ولكن لا يعني ذلك أن الإنسان إذا كان عاصياً لا يأمر بالمعروف و لا ينه عن المنكر ويسقط عنه التكليف بذلك .
      قال السعدي : "وليس للإنسان إذا لم يقم بما أمر به أنه يترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فمن المعلوم أن على الإنسان واجبين: أمر غيره ونهيه، وأمر نفسه ونهيها، فترك أحدهما، لا يكون رخصة في ترك الآخر، فإن الكمال أن يقوم الإنسان بالواجبين، والنقص الكامل أن يتركهما، وأما قيامه بأحدهما دون الآخر، فليس في رتبة الأول، وهو دون الأخير، وأيضا فإن النفوس مجبولة على عدم الانقياد لمن يخالف قوله فعله، فاقتداؤهم بالأفعال أبلغ من اقتدائهم بالأقوال المجردة " .([28])
      وعن ابن عباس قال: قلنا: يا رسول الله، ما نعمل نأتمر بالمعروف حتى لا يبقى من المعروف شيء إلّا ائتمرنا به، وننتهي عن المنكر حتى لا يبقى من المنكر شيء إلّا انتهينا عنه، ولم نأمر بالمعروف ولم ننه عن المنكر، فقال: «مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به، وانهوا عن المنكر وإن لم تنتهوا عنه كله» ([29])
      المبحث الخامس :
      العقوبات والآثار المترتبة على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

      لقد حذر الله تعالى في كتابه من ترك المنكر وعدم تغييره ، لأن هذا الترك أو التضييع يوجب ما يلي :


      _ اللعن : قال تعالى: ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ [ المائدة: ٧٨ – ٧٩ ]


      واختلف في لعنهم هذا على قولان: أحدهما: أنه نفس اللعن، ومعناه المباعدة من الرحمة. قال ابن عباس: لُعنوا على لسان داود، فصاروا قردة، ولعنوا على لسان عيسى في الإِنجيل. قال الزجاج: وجائز أن يكون داود وعيسى أُعْلِمَا أن محمداً نبيّ، ولعنا من كفر به. والثاني: أنه المسخ، قاله مجاهد، لعنوا على لسان داود فصاروا قردة، وعلى لسان عيسى، فصاروا خنازير. وقال الحسن، وقتادة: لعن أصحاب السبت على لسان داود، فانهم لما اعتدوا، قال داود: اللهم العنهم، واجعلهم آية، فمسخوا قردة. ولعن أصحاب المائدة على لسان عيسى، فانهم لما أكلوا منها ولم يؤمنوا قال عيسى: اللهم العنهم كما لعنت أصحاب السبت، فجُعلوا خنازير.


      عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «إن من كان قبلكم من بني إسرائيل إذا عمل العامل منهم الخطيئة نهاه الناهي تعذيراً فإذا كان الغد جالسه و وا كله وشاربه وكأنه لم يره على خطيئة بالأمس، فلما رأى الله ذلك منهم ضرب بقلوب بعضهم على بعض وجعل منهم القردة والخنازير ولعنه عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ» .ثم قال عليه الصلاة والسلام : «والذي نفسي بيده لـــتـــأ مرون بالمعروف ولتنهنّ عن المنكر، ولتأخذن على يد المسيء .ولتأطرنه على الحق إ طـرا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ويلعنكم كما لعنهم»([30])


      وقال السعدي في تفسيره لهذه الآية : لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أي: طردوا وأبعدوا عن رحمة الله عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ أي: بشهادتهما وإقرارهما، بأن الحجة قد قامت عليهم، وعاندوها. ذَلِكَ الكفر واللعن بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ أي: بعصيانهم لله، وظلمهم لعباد الله، صار سببا لكفرهم وبعدهم عن رحمة الله، فإن للذنوب والظلم عقوبات.


      ومن معاصيهم التي أحلت بهم المثلات، وأوقعت بهم العقوبات أنهم: كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ أي: كانوا يفعلون المنكر، ولا ينهى بعضهم بعضا، فيشترك بذلك المباشر، وغيره الذي سكت عن النهي عن المنكر مع قدرته على ذلك.


      وذلك يدل على تهاونهم بأمر الله، وأن معصيته خفيفة عليهم، فلو كان لديهم تعظيم لربهم لغاروا لمحارمه، و لغضبوا لغضبه، وإنما كان السكوت عن المنكر -مع القدرة- موجبا للعقوبة، لما فيه من المفاسد العظيمة:


      منها: أن مجرد السكوت، فعل معصية، وإن لم يباشرها الساكت. فإنه -كما يجب اجتناب المعصية- فإنه يجب الإنكار على من فعل المعصية.


      ومنها: ما تقدم أنه يدل على التهاون بالمعاصي، وقلة الاكتراث بها.
      ومنها: أن ذلك يجرئ العصاة والفسقة على الإكثار من المعاصي إذا لم يردعوا عنها، فيزداد الشر، وتعظم المصيبة الدينية والدنيوية، ويكون لهم الشوكة والظهور، ثم بعد ذلك يضعف أهل الخير عن مقاومة أهل الشر، حتى لا يقدرون على ما كانوا يقدرون عليه أوَّلا.


      ومنها: أن - في ترك الإنكار للمنكر- يند رس العلم، ويكثر الجهل، فإن المعصية- مع تكررها وصدورها من كثير من الأشخاص، وعدم إنكار أهل الدين والعلم لها - يظن أنها ليست بمعصية، وربما ظن الجاهل أنها عبادة مستحسنة، وأي مفسدة أعظم من اعتقاد ما حرَّم الله حلالا؟ وانقلاب الحقائق على النفوس ورؤية الباطل حقا؟ "


      ومنها: أن السكوت على معصية العاصين، ربما تزينت المعصية في صدور الناس، واقتدى بعضهم ببعض، فالإنسان مولع بالاقتداء بأضرابه وبني جنسه .


      فلما كان السكوت عن الإنكار بهذه المثابة، نص الله تعالى أن بني إسرائيل الكفار منهم لعنهم بمعاصيهم واعتدائهم، وخص من ذلك هذا المنكر العظيم . ([31])


      _ نزول العذاب والمصائب وحصول الهلاك للجميع فمن السنن الجارية في العباد أفراداً وجماعات ، أنه لا تنزل مصيبة بعبد إلا بسبب ذنب اقترفه أو معصية وقع فيها


      قال تعالى: ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ


      [ الشورى: ٣٠] وقد حذر الله عباده المؤمنين من القعود عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو التراخي عن الدعوة وإرشاد الناس إلى الخير فيكون ذلك سببا ً في وقوع الفتنة التي لا تختص بمن يمارسها من العاصين دون الطائعين بل تتعدى هؤلاء الواقعين في المنكر لتعم الصالح والطالح ([32]) فقال تعالى : ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ [ الأنفال: ٢٥]


      قال ابن عباس: أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بعذاب يصيب الظالم وغير الظالم. ([33])


      وقال الشنقيطي : والتحقيق في معناها: أن المراد بتلك الفتنة التي تعم الظالم وغيره هي أن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه عمهم الله بالعذاب، صالحهم وطالحهم .([34])


      لأن في ذلك مخالفة لله وبعد عن رضاه كما قال تعالى في آخر الآية : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وذلك لمن تعرض لمساخطه، وجانب رضاه.

      وقد يقول قائل ما ذنب من لم يعص الله ويعمه العقاب . أجاب عن ذلك ابن الجوزي فقال : ( فإن قيل: فما ذنب مَن لم يظلم؟ فالجواب: أنه بموافقته للأشرار، أو بسكوته عن الإنكار، أو بتركه للفرار، استحق العقوبة. ([35])
      فعلى المسلم أن يتقي هذه الفتنة ويكون ذلك بالنهي عن المنكر وقمع أهل الشر والفساد ، وأن لا يمكن من المعاصي والظلم مهما أمكن. ([36])
      ولقد وردت أحاديث كثيرة في التحذير من ترك النهي عن المنكر وعدم تغييره لما يترتب عليه من العذاب وهلاك الجميع :

      _ قال رسول الله : « إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذب الله العامة والخاصة» .([37])


      وقال عليه الصلاة والسلام : " «مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا، ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا» ([38])


      فبين الرسول ، في هذا الحديث الشريف أن هلاك المجتمع إنما هو نتيجة محتومة لترك أصحاب المنكر والعصاة يعيثون في الأرض فسادا، وعدم الأخذ على أيديهم. وإن المنكر قد يرى في أول الأمر هينا وبسيطا، كالخرق في السفينة، فإن ترك مع بساطته وعدم اتساعه، فشا في المجتمع وازداد حتى يؤول في آخر المطاف إلى بلاء عظيم، وقد يؤدي إلى القضاء عليه . ([39])


      وعن زينب بنت جحش، أن النبي ، دخل عليها فزعا يقول: «لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه» وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها، قالت زينب بنت جحش فقلت يا رسول الله: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم إذا كثر الخبث» . ([40])


      قال ابن العربي في هذا الحديث " فيه البيان بأن الخير يهلك بهلاك الشرير إذا لم يغير عليه خبثه وكذلك إذا غير عليه لكن حيث لا يجدي ذلك ويصر الشرير على عمله السيء ويفشو ذلك ويكثر حتى يعم الفساد فيهلك حينئذ القليل والكثير ثم يحشر كل أحد على نيته " ([41])


      _ ومن العقوبات التي جاء ذكرها في السنة عدم إجابة الدعاء فقد قال النبي : "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف و لتنــهـــون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم ".([42])


      وفي حديث آخر : عن عائشة ، قالت : سمعت رسول الله ، يقول: «مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم»([43])

      _ ومن الأضرار التي تلحق بالمجتمع في تركه للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ظهور الفساد في جميع جوانب الحياة ( الديني و الاجتماعي ، والأخلاقي وغيره )
      الفساد في الجانب الديني : وذلك بظهور البدع و الشرك وكل مظاهر الأوهام والخرافات وتتزعزع عقائد الناس ويضعف إيمانهم بالله ويعيش الناس في حالة من الضلال والحيرة .
      والفساد الاجتماعي : ويبرز ذلك بانتشار الظلم واستفحاله بين أفراد المجتمع ، فتؤكل الأموال بالباطل ، ويستهان بالحقوق ، وتضيع الأمانات ، وتكثر الخيانات ، وتنتهك الأعراض ، وتتدابر الوجوه ، وتتنافر القلوب ، وينتشر الحقد والحسد ، فتضعف العلاقات الاجتماعية ، وتتفكك الروابط بينهم ، فيتطاول القوي على الضعيف ويظهر العدوان والاضطهاد والاستبداد والاستغلال .
      والفساد الأخلاقي : وذلك بانتشار الرذائل وقلة الفضائل ، فتتسع جوانب الشر وتظهر الفواحش علنا ، ويعم الانحلال الأخلاقي ، ويحقر أصحاب الفضل والصلاح ، وتضعف شوكتهم فيصعب عليهم عند ذلك مقاومة المنكرات لكثرتها . ([44])
      الخاتمــــــــــــة
      الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده أما بعد :
      فبعد الفراغ من كتابة هذا البحث ، ظهرت لي جملة من النتائج أجملها فيما يلي :

      _ أن المقياس في تحديد المعروف والمنكر هو الشرع وليس العقل، وكذلك ليس المقياس العرف، إذ من العرف ما هو صحيح معتبر، ومنه ما هو فاسد لا قيمة له . كما ذكر ذلك ابن تيمية .[45]
      _ أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الشريعة الإسلامية فهو سبب عظيم في إعلاء كلمة الله ونصرة دينه والحفاظ على الكيان الاجتماعي للمسلمين وتقويتهم وشد أزرهم .
      _توافر الأدلة من القرآن والسنة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولكن الوجوب ليس على إطلاقه فبعض الأحوال يكون فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مستحباً بل قد يصل إلى درجة الحرمة في أحوال أخرى .
      _ لا بد للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يتحلى بالعلم وأن يقصد بعمله وجه الله وأن يكون قدوة فيما يأمر وينهى عنه حتى يكون عمله مقبول وله أثر محمود .
      _ أهمية الصبر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو دافع قوي حتى يكمل الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر مسيرته في نصرة دين الله دون ضعف ولا استكانة .
      _ حتى يقوم الأفراد بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر و لا يصيبهم التكاسل عن ذلك رتب الله على ذلك الجزاء والعقاب فوعد الله الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر بعظيم الأجور والرحمة والجنة وتوعد التاركين له بالسخط واللعنة والهلاك .



      ([1])تفسير السعدي (ص: 142) .

      ([2]) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (ص: 57) .

      ([3]) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ( 8 /151/ 13499) .

      ([4])الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ضوء كتاب الله (ص: 125) .

      ([5])معالم في طريق الاحتساب (ص:13) .

      ([6])الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لابن تيمية (ص: 19) .

      ([7])أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (1/ 463) ، وانظر تفسير السعدي (ص: 406) ، والتحرير والتنوير (13/ 65) ، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصوله وضوابطه وآدابه (ص : 176) .




      ([8]) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ضوء كتاب الله (ص: 125) ، و تذكرة أولي الغير بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ( ص: 30) .

      ([9]) أخرجه مسلم كتاب البر والصلة والآداب / باب فضل الرفق ( 4/2004/ 2594 ) من حديث عائشة مرفوعاً .

      ([10]) أخرجه مسلم كتاب البر والصلة والآداب / باب فضل الرفق ( 4/2003/ 2592 ) من حديث جرير مرفوعاً .

      ([11]) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ضوء كتاب الله (ص: 126) .

      ([12]) تذكرة أولي الغير بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ( ص : 33 ) .

      ([13]) أخرجه أبو داوود كتاب الطهارة / باب الأرض يصيبها البول ( 1/ 103/ 380) .

      ([14])تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 154) ، وانظر البحر المحيط في التفسير (3/ 408) .

      ([15])تذكرة أولي الغير بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ( ص : 35 ) .

      ([16]) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ضوء كتاب الله ( 136،135 ،137 ) بتصرف .

      ([17]) التحرير والتنوير (21/ 165) .

      ([18])تفسير ابن عطية (4/ 351) .

      ([19]) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ضوء كتاب الله ( 141،140) بتصرف يسير .

      ([20]) تفسير السعدي (ص: 388) .

      ([21]) أخرجه مسلم كتاب الزهد والرقائق / باب عقوبة من يأمر بالمعروف ولا يفعله وينهى عن المنكر ويفعله ( 4/2290 / ح 2989) من حديث أسامة بن زيد مرفوعاً .

      ([22]) إحياء علوم الدين (1/ 63) .

      ([23])تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (1/ 97) .


      ([24]) فتح القدير للشوكاني (1/ 92) .



      ([25])المرجع السابق ، وينظر تفسير ابن عطية (1/ 137) .


      ([26]) تفسير القرطبي (18/ 80) .

      ([27]) تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (8/ 242) .

      ([28]) تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 51) بتصرف .

      ([29]) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ( 7/277/ 12185) .

      ([30]) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (10/146/ح10268 ) .


      ([31])تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 241) .


      ([32]) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (ص :62 ) .


      ([33])تفسير البغو ي (2/ 283) .


      ([34])أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (1/ 461) .


      ([35])زاد المسير في علم التفسير (2/ 202) .



      ([36])تفسير السعدي (ص: 318) .


      ([37]) رواه أحمد في مسنده (29/258/ 17720) .

      ([38]) أخرجه البخاري كتاب الشركة / باب هل يقرع في القسمة والاستهام فيه ( 3/139/2493 ) من حديث النعمان بن بشير مرفوعاً .


      ([39])الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ضوء كتاب الله (ص: 42) .



      ([40])أخرجه البخاري كتاب أحاديث الأنبياء / قصة يأجوج ومأجوج (4/ 138 / 3346) من حديث زينب بنت جحش مرفوعاً .


      ([41])فتح الباري لابن حجر (13/ 109) .


      ([42])أخرجه الترمذي في سننه كتاب الفتن / باب ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (4/ 38 /2169) .



      ([43])أخرجه ابن ماجه في سننه كتاب الفتن / باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (2/ 1327 /4004 ) .



      ([44]) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ( ص : 73 ) .

      [45]الحسبة لابن تيمية (ص: 80) .

      تعليق

      19,962
      الاعــضـــاء
      231,991
      الـمــواضـيــع
      42,584
      الــمــشـــاركـــات
      يعمل...
      X