إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • جهود الشيخ محمد الخضر حسين في خدمة القرآن وعلومه

    الحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين
    أما بعد
    فهذه نبذة موجزة يتبين من خلالها شيء من جهود الشيخ العلامة محمد الخضر حسين في خدمة القرآن الكريم وعلومه؛ فلقد عني-- بذلك الشأن عناية بالغة، وذلك من وجوه كثيرة.
    وفيما يلي إيضاح لتلك العناية، ومظاهرها بشيء من البسط.
    أولاً: تعظيمه للقرآن الكريم، وإثباته أنه كلام الله، واعتقاده عصمته: يقول-- في معرض ردِّه على الدكتور محمد أحمد خلف الله في رسالته:(الفن القصصي في القرآن) ([1]): "قد قام الدليل القاطع على أن القرآن كلام الله, وأن رسوله محمداً
    -- قد بلّغ ما أنزل إليه من ربه, فكل ما جاء في القرآن من خبر فهو صادق, وإنما الصدق مطابقة الكلام للواقع.

    ونستند في الجزم بصدق أخبار القرآن إلى الدليلِ القائم على صدق الرسول في دعوى الرسالة, والدليل القائم على أن القرآن وحي من الله - جل شأنه -.
    ولو كان القائل([2]): (إن النبي -عليه الصلاة والسلام- إنما يصور واقعاً في نفسه, سواء كان ذلك الواقع متفقاً مع الحق والواقع, أم مخالفاً) لا ينتمي إلى الإسلام, لقلنا: نحن معنا أدلة لا تحوم حولها شبهة على أن القرآن لا يقول إلا حقاً, فإن أبيت أن تصغي إليها بأذن واعية فاعمد إلى قصة من قصص القرآن, وأقم على أنها مخالفة للحق دليلاً يقره المنطق, ويتقبله العقل"([3]).
    ويقول في موضع آخر: " أما قصص القرآن فهي من كلام رب العزّة, أوحى به إلى الرسول الأكرم؛ ليكون مأخذ عبرة, أو موضع قدوة, أو مجلاة حكمة.
    وإيمانُ الناس بأنه صادر من ذلك المقام الأسنى يجعل له في قلوبهم مكانة محفوفة بالإجلال, ويمنعهم من أن يدرسوه كما تدرس تلك القصص الصادرة من نفوس بشرية تجعل أمامها أهدافاً خاصة, ثم لا تبالي أن تستمد ما تقوله من خيال غير صادق, أو تخرج من جد إلى هزل, وتضع بجانب الحق باطلاً"([4]).
    ويقول في مقالة له بعنوان: (القرآن لا يقول إلا حقاً): "والدليل القاطع قائم على أن الشرع من عند الله؛ فما يقوله يكون -ولا بدَّ- صدقاً"([5]).
    إلى أن قال: "ومن ظنَّ أن في القرآن قصة باطلة، أو قضية تخالف العلم الصحيح - فقد وقع فيما يستلزمه هذا الظن لزوماً لا خفاء فيه من أن القرآن كلام ليس من عند الله"([6]).
    ثانياً: عنايته بالإعجاز البياني للقرآن: فلقد عني-- عناية فائقة ببلاغة القرآن، وحسن بيانه المعجِز؛ حيث أبان أن بلاغة القول: أن تكون ألفاظه فصيحة، ونظمه محكماً، ودلالته على المعنى منتظمة وافية.
    ثم أفاض في شرح ذلك([7])، وانتقل إلى ميزات بلاغة القرآن، وحسن بيانه المعجز، وبيَّن أن ذلك يكمن فيما يلي:
    1. فصاحة مفردات القرآن: فلا تكاد تمر بك كلمة إلا وجدتَها محكمة الوضع، خفيفة الوقع على السمع.
    2- متانة نظمه: التي بلغت الغاية التي ليس وراءها مطلع، فلا يمكن العارف بقوانين البيان، الناظر في منشآت البلغاء بإمعان أن يشير إلى جملة من جمل القرآن فيقول: ليتها جاءت على غير هذا الوضع، أو يشير إلى كلمة من كلمه فيقول: لو استبدل بها كلمة أخرى لكانت الجملة أشد انسجاماً، وأصفى ديباجة. ([8])
    3- انتظام دلالته على ما يقصد إفادته وإحضاره في الأذهان: فإنك ترى فيه التشابيه الرائعة، والأمثال البارعة، والاستعارات الطريفة، والمجازات اللطيفة، والكنايات المنقطعة النظير، والتعريض الذي يقتضيه المقام، فيكون أقرب إلى حسن البيان من القول الصريح.
    4- استيفاؤه للمعاني: التي يستدعي الحالُ الإفصاحَ عنها أو الإيماء إليها؛ فإنك تنظر في الآية، وتتدبر المعنى الذي سيقت من أجله، فتعود منها ويدك مملوءة من الفوائد التي تقع إليها؛ من حيث تُقَرِّر شريعة، أو تُقيم حجة، أو تلقي موعظة، أو تُرسل حكمة، إلى نحو هذا مما تستبين به سبيلُ الرشد، وتنظم به شؤون الحياة، وترتفع به النفوس إلى أعلى درجات الفلاح في دنياها وآخرتها.
    5- تناسبه في حسن بيانه دون تفاوت أو تباين: فأنت ترى البليغ من البشر يحسن البيان، ويأخذ لبَّكَ بالمنشآت الرائقة، حتى إذا طال به مجال القول، وقطع فيه أشواطاً واسعة - رأيت في جُمَله أو أبياته تفاوتاً في البراعة، وأمكنك أن تبصر فيها ضعفاً، وتستخرج بنقدك الصحيح من أواخر كلامه مآخذ أكثر مما تستخرج من أوائلها.
    ولكن القرآن الكريم -على طول أمده، وكثرة سوره- نزل متناسباً في حسن بيانه، كما قال -تعالى-: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً) الزمر : 23 .
    ثم قال: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) النساء:82 .
    وترى البليغ من البشر يخوض في فنون من الكلام متعددة، فإذا هو يرتفع في فَنٍّ، وينحط في آخر.
    ولكن القرآن الكريم يتصرف في فنون كثيرة، مثل الوعظ، وإقامة الحجج، وشرع الأحكام، والوصف، والوعد، والوعيد، والقصص، والإنذار، وغير ذلك من الوجوه التي تتصل بالهداية العامة؛ فلا تتفاوت فيها ألفاظه الرشيقة، وأساليبه البديعة([9]).
    6- صوغ الأقوال على قدر الحقائق: فمن المعروف أن القرآن أتى بحقائق أَسَّسَ بها شريعة واسعة النطاق، وليس من شأن هذه المعاني أن تظهر فيها براعة البلغاء كما تظهر فيما أَلَّفوه من نحو: المديح، والرثاء، والتهنئة، والغزل، وَوَصْفِ المشاهد، إلى غير ذلك مما يطلقون لأفكارهم فيه العنان، فتذهب مع الخيال كل مذهب، وترتكب من المبالغات ما استطاعت أن ترتكب.
    والقرآن الكريم يعبر عن تلك المعاني التي تستدعي صدقَ اللهجة، وصوغَ الأقوال على أقدار تلك الحقائق، فترى الفصاحة ضاربة أطنابها، والبلاغة مرسلةً أَشِعَّتها([10]).
    7- خلوه من التصنع: ففي بلغاء البشر من تحس من شعره أو خطبته أو رسالته أنه لم يكن يتصنع فيما يقوله؛ ذلك أنك تجد في كلامه الجيدَ، والوسط، والرديء، وفيهم من تحس فيما يقوله التصنع.
    وهذا هو الذي يغلب على كلامه المنظوم أو المنثور الجودة في تصوير المعنى والتعبير عنه بكلام موزون، أو غير موزون.
    ولكن القرآن الكريم بالغٌ الغايةَ من حسن البيان، فلا يجد فيه الراسخ في نقد المنشآت البليغة ما ينزل عن الدرجة العليا، بل يحس روح البلاغة التي لا يحوم عليها شيء من التصنع سارية في آياته وسوره، سواء في ذلك تصويره للمعاني، أو نظم الألفاظ الناطقة بها([11]).
    8- تكرار القصص في أكمل ما يكون من حسن البيان: فمن أعظم مظاهر بلاغة القرآن، أنه يورد القصة في أوفى درجة من حسن البيان، ثم يعيدها في سورة أخرى على حسب ما يقتضيه مقام الوعظ، حتى إذا عقدت موازنة بين حكايتها هنا وحكايتها هناك، وجدتهما في مرتبة واحدة من البلاغة لا تنزل إحداهما عن الأخرى بحال.
    أما البليغ من البشر، فقد يسوق إليك القصة في عبارات أنيقة، ثم يريد أن يعيدها مرة أخرى، فإذا هي في درجة من البراعة منحطة عن درجتها الأولى ([12]).
    فهذه نبذة عن عنايته بالإعجاز البياني للقرآن.
    ثالثاً: دراسته لموضوعات وردت في القرآن الكريم: حيث تعرض لدراسة العديد من الموضوعات في ذلك، خصوصاً ما كان يحتاج إلى دراسة، وتجلية، أو ما يحتاج منها إلى مزيد بحث وتحرير.
    ومن أمثلة ذلك ما يلي: 1. دراسته لأمثال القرآن الكريم: من حيث مفهوم الأمثال، وتحقيق معنى المثل في القرآن، والنظر في كلام من بحثوا في أمثال القرآن، وفي استعمال القرآن لكلمة مثل، والآيات الجارية مجرى الأمثال، وفوائد ضرب المثل([13]).
    2. المحكم والمتشابه في القرآن الكريم؛ حيث تعرض لمعنى المحكم والمتشابه في القرآن، وأقوال العلماء في ذلك([14]).
    3. اليمين في القرآن والحديث: حيث تطرق فيه لمعنى اليمين، وصِيَغِها في القرآن، وأقسام اليمين، واختلاف الفقهاء في تفسير لغو اليمين.
    كما تطرق لتغليط اليمين في الدعوى، ومسألة الحلف بالقرآن، وأنها تنعقد؛ لأنها بكلامِ الله، وكلامُه صفةٌ من صفاته، إلى غير ذلك من مسائل اليمين في القرآن.
    4. الرقية والاقتباس والاستخارة في القرآن: حيث تطرق لمفهوم الرقية، وعن حكم الرقية بالقرآن، وكتابته في ورق؛ لتجعل حرزاً.
    كما تطرق للاقتباس من حيث مفهومه، وآراء العلماء فيه.
    كما تحدث عن الاستخارة في القرآن، وحكمها، وعن الاستخارة الشرعية المعروفة، وعن بعض الاستخارات البدعية([15]).
    5. حقيقة ضمير الغائب في القرآن: وهو بحث، ردَّ فيه على الدكتور طه حسين في محاضرة ألقاها في مؤتمر المستشرقين في السابع عشر بجامعة أكسفورد عنوانها (ضمير الغائب واستعماله إشارة في القرآن)، فرد عليه الشيخ بهذا البحث الذي نشر في مجلة الهداية الإسلامية العدد الثاني من المجلد الأول في رجب 1347هـ.
    وقد قال الشيخ الخضر في المقدمة: "وقد نشرت مجلة الرابطة الشرقية ملخص هذه المحاضرة، فإذا هي طائشة الوثبات، كثيرة العثرات؛ فرأينا من حق العلم علينا أن ننشر في هذه المجلة ما تراءى لنا من أغلاط..." ([16]).
    ثم شرع في تفنيد كثير من الآراء التي ذهب إليها الدكتور طه حسين.
    رابعاً: عنايته بالتفسير: فلقد باشر في وضع تفسير محكم لكتاب الله العزيز، ينبع من صفاء علمه، وسعة معارفه، وبلوغه قمة مجده العلمي.
    وقد جمعت هذه المادة في كتاب اسمه (أسرار التنزيل) وهو كتاب جمع فيه الأستاذ علي الرضا الحسيني ما وجده من الآيات التي فسرها عمه الشيخ الخضر، وسماه -أي الأستاذ علي- بهذا الاسم.
    وقد طبع هذا الكتاب مفرداً عام 1396هـ، ونشره الأستاذ علي الرضا.
    وفي موسوعة الأعمال الكاملة للإمام جاء كتاب (أسرار التنزيل) في المجلد الأول، واستغرقه كُلَّه بعد مقدمات الموسوعة، وجاء في أربعمائة واثنتين وثلاثين صفحة.
    يقول الناشر الأستاذ علي مبيناً قصة تأليف ذلك الكتاب:
    "ما إن ارتقى فضيلة الأمام الأكبر المرحوم محمد الخضر حسين -رضوان الله عليه- المرتبة العلمية الرفيعة التي انتهى إليها في قمة مجده العلمي، وفي أواخر حياته المليئة بالجهاد في سبيل الله والدعوة إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، وما إن أضحى بحراً لا ساحل له في مختلف العلوم الإسلامية واللغوية - باشر في وضع تفسير محكم لكتاب الله العزيز ينبع من صفاء علمه، وعرفانه، وهدايته، وتقواه.
    وبقلمه البليغ بدأ -- نشر التفسير الذي وضعه في مجلة "لواء الإسلام" التي كانت تصدر بالقاهرة، وكان رئيساً لتحريرها، بدءاً من العدد الأول الصادر بتاريخ الأول من شهر رمضان المبارك لعام 1366هـ الموافق التاسع عشر من شهر يوليو تموز 1947م.
    واستمر في هذا العمل الجليل حتى أثقلته السنون، وقد قارب عمره الطاهر على الثمانين عاماً.
    وتحت وطأة الشيخوخة توقف عن متابعة هذا الجهد الرائع والإنتاج الفكري العظيم، وكانت آخر الصفحات من التفسير هي تلك التي نشرها في العدد الثاني عشر من السنة الرابعة لمجلة لواء الإسلام والصادر في شهر شعبان لعام 1370هـ الموافق شهر مايو أيار لعام 1951م"([17]).
    ثم بيَّن الأستاذ علي الرضا الآيات التي قام الشيخ بتفسيرها، فقال: "قام المؤلف بتفسير القسم الأكبر من سورة البقرة حتى الآية 195 بالإضافة إلى سورة الفاتحة، وبتفسير آيات قرآنية كريمة من سور مختلفة وهي: آية من سورة آل عمران - آيات من سورة الحج - آيات الصيام - ثلاث آيات من سورة الأنفال - أربع آيات من سورة يونس - خمس آيات من سورة ص.
    وقد ضممنا في هذا الكتاب تفسير آيات سورة البقرة من 1-195 والمنشور في أعداد مجلة لواء الإسلام، ودروس التفسير التي ألقاها في بعض النوادي والجمعيات الإسلامية ونشرت في مجلة "الهداية الإسلامية" التي كان يصدرها المؤلف في القاهرة".([18])
    والآيات التي فسرها في هذا الكتاب على وجه التحديد هي ما يلي:
    - تفسير سورة الفاتحة.
    - تفسير آيات من سورة البقرة 1-182.
    - تفسير آيات الصوم 183-185.
    - تفسير آيات من سورة البقرة 186-193.
    - تفسير آيات من سورة البقرة 21-22.
    - تفسير آيات من سورة البقرة 119-120.
    - تفسير آيات من سورة آل عمران 52-55.
    - تفسير آية من سورة آل عمران 159.
    - تفسير آيات من سورة الأنفال 24-26.
    - تفسير أربع آيات من سورة يونس 62-65.
    - تفسير آيات من سورة الحج 27-28.
    - تفسير خمس آيات من سورة ص 21-25. ([19])
    ولقد سار في ذلك التفسير على منهج يمكن إجماله بما يلي:
    1- أنه كُتب بلغة عالية جزلة واضحة؛ ولا غرو في ذلك؛ فالمؤلف من أرباب البيان، وأمرائه.
    2- أنه سار في مسائل العقيدة -خصوصاً في باب الصفات- على منهج السلف؛ فإذا مر بشيء من ذلك أثناء تفسيره لم يتعرض لها بتأويل يصرفها عن ظواهرها، وإنما يسير فيها على وفق منهج السلف من حيث إثباتُها لله -- على الوجه اللائق به دون نفي لها، أو تعرض لكيفيتها.
    3- أن هذا الكتاب حافل بالعلم الغزير، والفوائد الجمة، واللفتات البارعة، والاستنباطات الرائعة، والنكت البديعة، والإشارات التربوية والإصلاحية.
    4- أن المؤلف -- حرص على ربط تفسيره بواقعه الذي يعيش فيه؛ فلذا تراه يتعرض لهداية الآيات، وعلاجها لكثير من مشكلات العصر.
    وتراه يَرُدُّ على بعض المعاصرين الذين تأولوا بعض الآيات على غير وجهها الصحيح.
    5- أنه كان يميل إلى الإيجاز، والبعد عن الحشو والتطويل في إيراد الأقوال؛ فتراه لا يستقصي، ولا يُفَصِّل، وإنما يبين ما يظهر له من معنى الآية، وربما استشهد بأقوال وآراء بعض أهل العلم السابقين كابن القيم وغيره.
    ولعل الحامل له على ذلك أن كتابه كان -في أصله- مقالاتٍ أو محاضرات في التفسير، وذلك المقام لا يسمح بالاستقصاء.
    6- أنه كان يُعنى بتحليل الألفاظ وشرحها دون تطويل -كما سبق-.
    7- عنايته بجناب التوحيد، وتحذيره من الشرك ومظاهره المعاصرة، وذلك إذا مرَّ بآيات في هذا الشأن في تفسيره لقوله -تعالى-: (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً) البقرة: 22 ([20]).
    8- تَعَرُضه لبعض المسائل الفقهية كما في تفسيره لقوله -تعالى-: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ) الآيةَ، البقرة: 180، وكما في تفسيره لقوله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ) الآيةَ، البقرة: 183 .
    9- تنويهه بمكارم الأخلاق، وأثرها في سيادة الأمة، والرقي بها.
    10- أنه أفاد من المصادر الأصلية في تفسير القرآن وعلومه، والحديث وعلومه، واللغة، والنحو والأدب.
    11- اعتنى بمعاني الحروف والاشتقاق، والمزج بين المباحث النحوية والبلاغية.
    12- كثافة المادة النحوية عنده، وحرصه على استخراج الأسرار اللغوية.
    13- الاستشهاد بالشعر.
    14- الاعتماد على التفسير بالمأثور، حيث يفسر القرآن بالقرآن، والقرآن بالحديث النبوي.
    15- تفسير القرآن بأقوال الصحابة والتابعين.
    16- تفسير القرآن باعتماد أسباب النزول، والقراءات.
    17- الأخذ أحياناً عن التوراة والإنجيل، والأخذ بالتفسير بالرأي؛ مستخدماً الترجيح إما باللغة، أو الأثر، أو العقل. ([21])
    خامساً: كثرة استشهاده بالقرآن الكريم، ورجوعه إليه: فلا تكاد تجد له بحثاً، أو مقالة، أو كتاباً، أو محاضرة إلا وهو مُمَتَّعٌ بآيات الكتاب العزيز، وذلك في جميع ما يتناوله من موضوعات، سواء كانت عقدية، أو أدبية، أو اجتماعية، أو سياسية.
    وسواء كان ما يتناوله ردوداً، أو تعقيباتٍ، او ما جرى مجرى ذلك.
    ويتخلل تلك الاستشهادات تنويه بالقرآن، أو توجيه لموضع الاستشهاد، أو تفسير لما يورده من الآيات، أو تصحيح لما يقع من خطأ في فهمها.
    والأمثلة في ذلك كثيرة جداً.
    ولعل أجلى ما في ذلك اعتماده القرآن مصدراً أولاً في ردوده على مخالفيه؛ فالشيخ-- كان يستند في ردوده أعظم ما يستند على القرآن الكريم؛ إيماناً منه بأنه المصدر الأول في التشريع الإسلامي، وأنه المرجع الأساس الذي يجب الاحتكام إليه، والوقوف عند أوامره، ونواهيه، وأخباره.
    فلقد كان يعتمد القرآن مصدراً أولياً، ولا يقدم عليه شيئاً من المصادر.
    والناظر في ردوده، ومقارعته للخصوم يلحظ ذلك جلياً؛ فلا تكاد تمر بصفحة من صفحات تلك الردود إلا وتجدها مشتملة على إيراد آية أو أكثر.
    ويتنوع إيراده لآيات الكتاب العزيز، واستشهاده بها حسب المقام الذي هو بصدده، ويمكن إجمالُ طريقته في ذلك فيما يلي:
    1- إيراد الآيات في بداية الردود و ختامها: فتارة يفتتح الرد بآية تشير إلى ما هو بصدده من ذلك الرد، وتارة يختم الرد بآية تجمع أطراف الموضوع، أو تجمل ما يريد الوصول إليه من خلال رده.
    يقول -- في مقدمته لكتابه: (نقض كتاب في الشعر الجاهلي): "فالقلم الذي يناقش كتاب (في الشعر الجاهلي) إنما يطأ موطئاً يغيظ طائفة احتفلت بهذا الكتاب، وحسبته الطعنة القاضية على الإسلام، وفضل العرب.
    (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً) الأحزاب:25"([22]).
    ويقول في خاتمة ذلك الكتاب بعد فراغه من النقض: " إننا أمة بحث ونظر: نذهب مع العلم كل مذهب، ولا نقف لحرية الفكر في طريق، وإنما نحن بشر، والبشر تأبى قلوبهم إلا أن تزدري أقلاماً تثب في غير علم، وتحاور في غير صدق، وإنما نحن بشر، والبشر تأبى لهم أقلامهم إلا أن تطمس على أعين الكلمات الغامزة في شريعة محكمة، أو عقيدة قيمة.
    (فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (44) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) القلم: 44 ـ 45 ".([23])
    وقال في خاتمة كتابه (نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم): " أما المؤلف فقد أدرك أن الأمة مسلمة، وأن الإسلام دين وشريعة وسياسة، وأن هاتين الحقيقتين يقضيان على الدولة أن تضع سياستها في صبغة إسـلامية، فبدا له أن يعالج المسـألة بيد الكيد والمخاتلة، ويأتيها باسم العلم والدين؛ فكان من حذقه أن التقط تلك الآراء الساقطة، خلطها بتلك الشبه التي يخزي بعضها بعضاً، وأخرجها كتاباً يحمل سموماً لو تجرعها المسلمون، لتبدلوا الكفر بالإيمان، والشقاء بالسعادة، والذلّة بالعزّة(وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ) المنافقون: 8 ".([24])
    وقال في خاتمة رده (تحريف آيات الحدود عن مواضعها) ([25]) الذي رد به على مقال عبدالمتعال الصعيدي (التشريع المصري وصلته بالفقه الإسلامي): "وجاء بعده كاتب المقال، فهجم على آيات الحدود بمعول ذلك التأويل الذي تنكره السنة وحكمة التشريع.
    ولو جرى الناس على مثله من تفسير الكتاب المجيد لَكَفَوا خصوم الإسلام جانباً من العمل لِهَدْم أركانه، وطمس معالمه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) الحجر:9".([26])
    2- الاستشهاد بالقرآن لتأييد ما يذهب إليه: وذلك كثير جداً؛ وظاهر في شتى ردوده.
    يقول -- في معرض رده على علي عبدالرازق: "ولا يرتاب مسلم في أن الرسول -عليه الصلاة والسلام- لم يتولّ فصل القضايا بين الناس من تلقاء نفسه، وإنما هو مَنْصِبٌ استمده بوحي سماوي، قـال -تعالـى-: (وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ) المائدة: 49، فناط بعهدته فصل القضايا، ثم وضع في أعناق الأمة فريضة التسليم لقضائه، فقال -تعالى-: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)النساء: 65 ".([27])
    3- إبطال ما يذهب إليه المخالف من الاستدلال بالقرآن: وذلك كأن يورد أحدُ المخالفين آية من كتاب الله مستدلاً بها على باطل، أو مؤولاً لها على غير تأويلها الصحيح، أو أن يكون الاستدلالُ بها غيرَ ناهضٍ بالحجة التي يريد تأييدها، فيبطل الشيخ ذلك كله، ويبين خطأ ذلك الاستدلال، أو التأويل، ثم يوضح معنى الآيةِ، والوجهَ الصحيحَ الذي يمكن أن يُستدل بالآية عليه، ويرشد إلى التأويل الحق.
    وهذا ظاهر جلي في أكثر ردوده سواء في رده على علي عبدالرازق في (الإسلام وأصول الحكم) ([28]) أو رده على طه حسين في (حقيقة ضمير الغائب) ([29]) أو (نقض كتاب في الشعر الجاهلي) ([30]) أو رده على محمد أحمد خلف الله في (الفن القصصي في القرآن) ([31]) أو رده على عبدالمتعال الصعيدي في (تحريف آيات الحدود عن مواضعها)([32]) أو رده على محمد أبو زيد الدمنهوري([33]) أو مقالته (كتاب يلحد في آيات الله) الذي رد به على الطاهر حداد([34]) أو مقالة (قصة أيوب -- ونقض أراء حديثه في تفسيرها) ([35]).
    سادساً: تعرضه لمسألة نقل معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية: حيث تطرق لتلك المسألة، وأجاب عن السؤال المطروح: هل في المستطاع ترجمة القرآن إلى لغة غير عربية؟ ففصَّل القول في ذلك، وذكر أقوال العلماء فيه([36])، وخلص إلى نتيجة ذكرها في خاتمة بحثه هذا؛ حيث قال: " وإذا كانت الترجمة بمعناها الحقيقي - ولو للمعاني الأصلية - لا تتيسر في جميع آيات القرآن، وإنما المتيسر الترجمة على معنى التفسير كانت الترجمة المعنوية أقرب إلى الصحة من الترجمة الحرفية، متى أفاد بها المترجم معنى الآية في أسلوب من أسالب اللغة الأجنبية لا زيادة فيه ولا نقصان.
    فلو قامت جمعية ذات نيات صالحة، وعقول راجحة، وتولت نقل معاني القرآن إلى بعض اللغات الأجنبية، وهي على بينة من مقاصده، وعلى رسوخ في معرفة تلك اللغات، وتحامت الوجوه التي دخل منها الخلل في التراجم السائرة اليوم في أوربا - لفتحت لدعوة الحق سبيلاَ كانت مقفلة، ونشرت الحنيفية السمحة في بلاد طافحة بالغواية قاتمة"([37]).
    سابعاً: نقضه لآراء حديثة في تفسير القرآن:ومن أمثلة ذلك: ما ذكره في مقالات عنوانها (قصة أيوب -- ونقض آراء حديثة في تفسيرها".
    قال-- في مقدمة المقال الأول: "اطلعت في إحدى المجلات التي تصدر في القاهرة على مقال تعرَّض فيه كاتبه لمفسري القرآن الكريم، وبالغ في نسبتهم إلى التقصير في التفسير، وساق ما فسَّروا به قصة أيوب -- مثالاً لذالك التقصير، وأورد وجوهاً زعم أنها تُبطل ما أجمعوا عليه من التفسير، ثم ذكر تأويلاً للقصة، مدعياً أنه هو الصواب، ووعد بأنه سينسج على هذا المنوال في بيان تقصير المفسرين.
    وقد وقفت في هذا المقال على آراء لا تدخل تحت قوانين المنطق، وأخرى
    لا تتقبلها بلاغة القرآن، فأردت تنبيه طلاب العلم لما في تلك الآراء من نشوز؛ حتى يكونوا على بينة من أمرها"([38]).

    ثم شرع-- في بيان المعنى الحقيقي لقصة أيوب -- وأن القرآن يكتفي من القصة بذكر موضع العبرة، وأنه لم ينزل ليكون كتاب تاريخ، وأن موضع العبرة من قوله -تعالى- لأيوب --: (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ) ص:44 "هو أن أيوب -- رأى بعض أهله قد فعل، أو قال ما يستحق عليه العقوبة، فحلف وهو غاضب لله على أن يعاقبه على ذلك بأسواط معدودة، فأراه الله وجهاً يجمع بين رعاية حرمة اليمين، ورفع جانب من شدة العقوبة؛ فذلك من أثر الغضب لله، وهذا التخفيف من أثر رحمة الله بالمتقين من عباده"([39]).
    قال الشيخ بعد ذلك: "هذا صفوة ما يقوله أهل العلم في تفسير قصة أيوب -- وقد خالفهم في أصل تفسيرها كاتبُ ذلك المقال، وسنريك في آخر مقالنا هذا أن لرأيه صلة برأي محمد علي زعيم طائفة القاديانية الخارجة عن سبيل المؤمنين"([40]).
    وبعد ذلك شرع في مناقشة آراء صاحب المقال بأسلوب علمي رصين هادئ، ثم بلغ السجال فيه بينه وبين كاتب المقال خمسة مقالات، نقض من خلالها آراء ذلك الكاتب بالحجج العقلية والنقلية، وتخلل تلك المقالات درر وغرر من العلم، والمحاجة القوية الرزينة([41]).
    ومن ذلك -أيضاً- رده على طه حسين في بحثه (حقيقة ضمير الغائب في القرآن الكريم) وقد مرت الإشارة إليه([42]).
    وكذلك نقده لكتاب (الفن القصصي في القرآن) للدكتور محمد أحمد خلف الله، وخلاصة رأي الكاتب في هذا الكتاب أنه يرى أن القصص عمل فنيٌّ خاضع لما يخضع له الفن من خَلْق وابتكار من غير التزام لصدق التاريخ والواقع، وأن محمداً فنان بهذا المعنى، وأن القصة في القرآن لا تلتزم الصدق التاريخي، وإنما تتجه كما يتجه الأديب في تصوير الحادثة تصويراً فنياً بدليل التناقض في رواية الخبر الواحد، مثل أن البشرى بالغلام لإبراهيم أو لامرأته، بل تكون القصة مخلوقة، كما في قوله -تعالى-: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ) المائدة: 116.
    هذا هو خلاصة رأي الدكتور محمد خلف الله في كتابه المذكور كما هو في تقرير الأستاذ أحمد أمين للرسالة([43]).
    وبعد أن اطلع الشيخ الخضر على ذلك التقرير، وعلى ما كتبه صاحب الرسالة، كتب كلمة فَنَّد من خلالها ذلك الرأي مستنداً على القرآن، والسنة، والإجماع، والعقل الصحيح، والفطرة السليمة([44]).
    ثم ختم مقاله بقوله: "والواقع أن القرآن لم ينزل ليجاري الأدباء في أدبهم, ويذهب في المبالغات مذهبهم, ويستخف بحرمة بعض الحقائق استخافَهم.
    وإنما نزل القرآن ليهدي الأدباء وغيرَ الأدباء إلى ما يلائم الفطر السليمة من عقائدَ وآدابٍ وأعمال؛ فَوُجْهَتُه الدعوةُ إلى الإصلاح الشامل, وليست هذه الدعوةُ الإصلاحية وليدةَ الدخول في ميدان التجارب الخاصة, ولا النسخُ والتدرٌجُ بالتشريع من مظاهر الدخول في تجارب, بل الدعوة هدايةٌ من خالق التجارب والمجربين, والنسخُ والتدرجُ بالتشريع من مظاهر علمه القديم, كما هو مفصل في أصول الشريعة" ([45]).
    ثامناً: مواجهته للانحرافات في تأويل القرآن: خصوصاً تلك التأويلات التي تنحو منحى التأويل الباطني، والتي لا تستند إلى شرع، ولا عقل، ولا عُرف، ولا لغة؛ فهي تأويلات لا تتصل بمدلول الألفاظ، ولا بمفهومها، ولا بالسياق القرآني.
    بل هي مخالفة للنص القرآني تماماً، باحثة في كتاب الله عن أصل تتشبث به؛ لتأييد شذوذ أصحابها، وغاياتهم في الصدِّ عن كتاب الله ودينه.
    وحاصل هذا الاتجاه الباطني في تأويل نصوص الشريعة هو الانحلال عن الدينِ.
    وعمومُ البشر على اختلاف لغاتهم يعدون ظاهر الكلام هو العمدة في المعنى.
    وأما أسلوب التعمية والإلغاز فلا وجود له إلا في الفكر الباطني.
    ولو اتُّخِذ هذا الأسلوبُ قاعدةً لما أمكن التفاهم بحال، ولما حصل الثقة بمقال؛ لأن المعاني الباطنية لا ضابط لها ولا نظام.
    هذا في الكلام عموماً؛ فكيف بكلام الله المنزل، الذي وصفه الله - - بأنه (بَيَانٌ لِلنَّاسِ) .
    وفي الناس عالمون، وجاهلون، ومنهم أميون، وكاتبون قارئون.
    ولكن الله جعله بياناً لهم جميعاً، مُيَسَّراً للذكر؛ ليعبد الناس ربهم على بصيرة.
    والمتأمل لمقالة التأويل الباطني يدرك خطورتها في تفسير القرآن، وأنها تقتضي بطلان الثقة بالألفاظ، وتسقط الانتفاع بكلام الله ورسوله، ويصير ما يسبق إلى الفهم لا يوثق به.
    وبهذا الطريق يحاول الباطنية التوصل إلى هدم الشريعة بتأويل ظواهرها، وتنزيلها على رأيهم دون ضابط، أو رادع.
    ولو كانت تلك التأويلات الباطنية هي معاني القرآن ودلالاته لما تحقق الإعجاز، ولكان من قبيل الإلغاز([46]).
    ولقد شاعت تلك الفاشية في عصر الشيخ الخضر على تفاوت مقاصد أصحابها.
    وأخطرها شيوعاً في ذلك ما كان من تلك التأويلات التي يوردها دعاة البابية، والبهائية، والقاديانية.
    ولا يقل عن هؤلاء خطراً من يسيرون في ذلك الركاب من بعض الكتَّاب.
    ولقد تصدَّى الشيخ الخضر لتلك التأويلات بما يستطيع من قوة؛ فتصدى لتأويلات البابية، والبهائية، والقاديانية .
    وتصدَّى لبعض الكتاب، والمنتسبين للعلم لما تعسفوا في تأويل بعض الآيات والأحكام.
    ومن ذلك مقالة كتبها الشيخ الخضر، وعنوانها (تحريف آيات الحدود عن مواضعها).
    وهي ردٌّ علمي على مقال للأستاذ عبدالمتعال الصعيدي، وعنوانه: (التشريع المصري وصلته بالفقه الإسلامي).
    وخلاصة رأي الأستاذ عبدالمتعال في ذلك المقال أن الأمر في آية حدِّ السرقة، وآية حدِّ الزنا يحمل على الإباحة لا على الوجوب.
    وبعد أن اطلع الشيخ الخضر على ذلك المقال قام بالرد عليه، وفنَّده بحجة وبرهان، ثم ختم مقاله بقوله: "ليصرف صاحب المقال نظره عما يزعمه غير المؤمنين؛ من أن هذه الحدود عقوبات لا تلائم حال المدينة, ويذكر لنا مثلاً من مصالح الزمان والمكان التي تقتضي أن تكون عقوبة مرتكب جريمة السرقة, أو فاحشة الزنا غير ما ورد في الشرع, ويقول لنا: ما هي العقوبة المبتدعة التي تفعل في حفظ الأموال والأعراض ما يفعله القطع أو الجلد؟"([47]).
    إلى أن قال: "بقيت آيات الحدود منذ عهد النبوة محفوظة من عبث المؤولين, لا يختلف العلماء في أن الأوامر فيها للوجوب, وأن من أضاعها, وهو قادر على إقامتها فهو فاسق أو جاحد, إلى ظهرت فئة خاسرة؛ مثل: زعيم طائفة القاديانية محمد علي؛ إذ حاول أن يفتح في حصن تلك الأوامر ثلمة، فقال -وتابعه في رأيه أبو زيد الدمنهوري-: أن السارق: من اعتاد السرقة, والزاني: من اعتاد الزنا.
    وهو تأويل خرج به عن قانون اللغة العربية, بعد أن خرج به عن سنّة النبي القولية والعملية.
    وجاء بعده كاتب المقال, فهجم على آيات الحدود بمعول ذلك التأويل الذي تنكره اللغة والسنّة وحكمة التشريع.
    ولو جرى الناس على مثله من تفسير الكتاب المجيد لَكَفَوا خصوم الإسلام جانباً من العمل لِهَدْمِ أركانه, وطَمْسِ معالمه (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) الحجر: 9"([48]).
    ومن جهاده-- في ذلك الشأن مقالة كتبها بعنوان (كتاب يهذي في تأويل القرآن المجيد) وهي نقد لكتاب (الهداية والعرفان في تفسير القرآن بالقرآن) تأليف محمد أبو زيد الدمنهوري.
    وهذا الكتاب وقع في كثير من الانحرافات في تأويل القرآن، كانحرافه في تأويله لآيات المعجزات، ودعوته إلى الخروج عن أحكام الشريعة، وإنكاره للجن والشياطين، وزعمه أن المسلمين يروون الأحاديث النبوية عن اليهود ونحو ذلك.
    يقول الشيخ الخضر-- في مقدمة رده على ذلك الكاتب بعد أن بيَّن نعمة إنزال القرآن، وعَهْدِ الله ببيانه إلى الرسول--، وتلقي أصحابه ذلك الكتاب، وبيان ما يخفى عليهم من آياته، ثم تلقي التابعين والأمة من بعدهم ذلك الهدى والنور قال: "حتى ظهر أشخاص قلَّ في علم اللغة نصيبهم، أو خفَّ في علم الشريعة وزنهم، فتناولوا القرآن بعقول لا تراعي في فهمه قوانين البلاغة، ولا تدخل إلى تفسيره من باب السنة الصحيحة؛ فأدخلوا في تفسيره آراءً سخيفة، ومزاعم منبوذة، ووجدت هذه الآراء وهذه المزاعم عند بعض العامة وأشباه العامة مُتقَبَّلاً"([49]).
    إلى أن قال: "وشرٌّ مِنْ هؤلاء طائفة الباطنية الذين هم رهط المجوس؛ ائتمروا على أن يكيدون للإسلام بتأويل القرآن على وجوه غير صحيحة؛ ليصرفوا الناس عن محجته البيضاء، ويأخذوهم إلى ما شاؤوا من نِحَلٍ خاسرة وأهواء.
    ولولا رجال يدرسون الدين ببصائر تنفذ إلى لبابه، ويُرزقون إيماناً يسوقهم إلى دفاع الخبائث عن حياضه لكان لأولئك المضلين جولة أوسع مما جالوا، واستدراجٌ للنفوس أكثر مما استدرجوا"([50]).
    ثم تطرق للبهائية وتأويلاتهم، وانتقل إلى أناس يضاهؤونهم في طريقة التأويل، وهم -كما يقول-: "يضعون على رؤوسهم بياضاً، ويحملون في صدورهم سواداً لم يرسموا لأنفسهم نحلة دينية، وإنما هي الغوايةُ لعبت بعقولهم، وإكبار خصوم الدِّين الذي ران على قلوبهم؛ فانطلقوا إلى القرآن الكريم يؤولونه على ما يوافق شهواتهم، ويقضي حاجات في نفوس ساداتهم.
    يفعلون هذا ولا يرقبون في اللغة ذمة، ولا يرعون لسنة أفضل الخليقة حرمة، وتراهم ينبذون ما يقرره أئمة العربية، أو أئمة الدين نبذاً لا يتكئ على دليل، ويطلقون ألسنتهم في هؤلاء الأئمة الذين خدموا الدين والعلم والأدب، وإنما يعرف فضلهم العالم الناقد النبيل"([51]).
    ثم تطرق لذلك الكاتب، فقال: "ومن هؤلاء النفر شخص سوَّلت له نفسه أن يخوض في آيات الله كالذين خاضوا فيها على عماية؛ فكتب جملاً قذف فيها شيئاً من وساوسه، وسماها: تفسيراً.
    بل تناهى في الافتتان بها؛ فسماها: (الهداية والفرقان).
    والذي يقرأ هذه الجمل لا يرتاب في أن صاحبها جامد على المحسوسات، جاحد لكثير من أخبر به القرآن، منكر لأحكام قررها القرآن، والسنة، وأجمع عليه الصحابة، وأئمة الإسلام من بعدهم جيلاً بعد جيل.
    ولكنه يريد أن يدل على إنكاره بما يرتكبه في الآيات من سوء التأويل"([52]).
    ثم شرع الشيخ الخضر بعد ذلك بتنفيذ تلك الآراء، والتأويلات الباطلة فقرة فقرة، كما هي عادته في إيراد كلام المؤلف، ثم تعقَّبه في ذلك بكل قوة، وإنصاف معتمداً في ذلك على أدلة الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة.
    ومن جميل حُججه في ذلك قوله في معرض ردِّه على الكاتب في إنكار الجن: "وإنما ينكر الجن من جمد عقله في دائرة المحسوسات لا يتخطاها أنملة.
    ونحن نعلم أن العقل وحده لا يصل إلى العلم بوجودهم، كما أنه لا يستطيع إقامة الدليل على نفيهم.
    بل إذا سئل عنهم وهو صحيح النظر، مُجردٌ من كل تقليد أَقَرَّ بإمكان وجودهم؛ إذ ليس من شرط كل موجود أن يُدْرَك بإحدى الحواس الخمس؛ فقدرة الله تسع خلقاً ينشأ من عنصر لطيف؛ فلا يقع عليه النظر.
    وإذا أقرَّت العقول إمكان شيء، وأخبر الدين القائم على البرهان بوجوده - تلقيناه بالقبول، ولم نفرق بينه وبين ما أدركناه بالمشاهدة، أو ثبت بالأدلة العقلية مباشرة"([53]).
    وهكذا يسير في إيراد حججه، وبراهينه في ترسُّل، وحسن عرض.
    كذلك صنع-- في الرد على كتاب آخر، وهو كتاب (امرأتنا في الشريعة والمجتمع) لطاهر الحداد، فتناوله الشيخ الخضر-- بالنقد، وذلك في مقالة عنوانها (كتاب يلحد في آيات الله).
    وقد تطرق ذلك الكاتب إلى التعرض إلى بعض الأحكام التي قررها الإسلام، كتعدد الزوجات، وجعل الطلاق في يد الرجل، وجعل نصيبها من الإرث نصف نصيب الرجل، ونحو هذه الأحكام مما قرره الإسلام.
    فتناوله الشيخ الخضر-- بالنقد والرد على نحو عادته في ذلك، والمقام لا يتسع للتفصيل فيه([54]).
    وليس هذا هو كل ما قام به من صدٍّ للانحرافات في تأويل القرآن، وإنما جزء يسير من ذلك.
    فهذا شيء من حفاوته وعنايته بالقرآن الكريم .
    وليس ما ذُكِرَ شاملاً لعنايته بالقرآن، وإنما هي إشارات.
    وله جهود أخرى في ذلك السياق، كدفاعه عن القرآن الكريم، وعن المفسرين من السلف([55])، وكحرصه على درء التناقض عن القرآن، وجمعه بين الأدلة([56])، ودرئه التعارض بين العقل والنقل في التفسير([57])، وكبيانه فضل التفقه في القرآن([58])، وكردِّه على الشُّبَه المثارة حول القرآن كالقول بأنه أخذ من مصادر يهودية([59]).
    كما أن له كلاماً حول أنواع تفسير القرآن، كالتفسير بالمأثور، والتفسير بالرأي، والتفسير الباطني، والتفسير الإشاري([60]).
    بل ليس من المبالغة أن يقال: إن الشيخ الخضر-- أمضى جُلَّ حياته في التفقه في كتاب الله، والدعوة إلى سبيله، وبيان فضائله، والدفاع عنه، وما جرى مجرى ذلك.
    فهذه نبذة عن جهوده-- في خدمة القرآن وعلومه، ولعل الله ييسر فرصة قريبة؛ يُتناول من خلالها ترجمة واسعة، ودراسة شاملة لجميع تراثه.


    [1] - ستأتي الإشارة إلى ذلك الكتاب .

    [2] - يعني به الدكتور محمد أحمد خلف الله .

    [3] - بلاغة القرآن للشيخ محمد الخضر حسين ص 561-562 .

    [4] - بلاغة القرآن ص 565 .

    [5] - المرجع السابق ص 118 .

    [6] - المرجع السابق ص 119 .

    [7] - انظر المرجع السابق ص6 .

    [8] - انظر المرجع السابق ص98 .

    [9] - انظر المرجع السابق ص 9-10 .

    [10] - انظر المرجع السابق ص 10 .

    [11] - انظر المرجع السابق ص11.

    [12] - انظر المرجع السابق ص 10-11 .

    [13] - انظر الموسوعة الكاملة 2/468-482 .

    [14] - انظر بلاغة القرآن ص 45-53 .

    [15] - انظر المرجع السابق ص 61-78 .

    [16] - انظر المرجع السابق ص79 .

    [17] - أسرار التنزيل ص3 .

    [18] - المرجع السابق ص3 .

    [19] - انظر المرجع السابق ص423 .

    [20] - انظر المرجع السابق ص45 .

    [21] - انظر بحث الإمام محمد الخضر حسين مفسراً للأستاذ أنور بن خليفة ضمن الإمام محمد الخضر حسين وإصلاح المجتمع الإسلامي ص151-197.

    [22] - انظر نقض كتاب في الشعر الجاهلي ص8.

    [23] - المرجع السابق ص444.

    [24] - نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم ص301.

    [25] - ستأتي إشارة إليه.

    [26] - بلاغة القرآن ص141، وانظر ص167 و 180 و 271.

    [27] - نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم ص130، وانظر ص153 و154 و160 و165 و181 و182 و189، وانظر نقض كتاب في الشعر الجاهلي ص88 و258، وبلاغة القرآن ص94 و184 و197 و237 وغيرها كثير.

    [28] - انظر نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم ص186 و187 و189 و192 و216 و218 و219 و228 و229 و251.

    [29] - انظر بلاغة القرآن ص79 - 116.

    [30] - انظر ص62-65 و68 - 73 و74 -76 و 84 -87.

    [31] - انظر بلاغة القرآن ص120 -134.

    [32] - انظر المرجع السابق ص135-141.

    [33] - انظر المرجع السابق ص142-167.

    [34] - انظر المرجع السابق ص168-180.

    [35] - انظر المرجع السابق ص181-276.

    [36] - انظر بلاغة القرآن 181 .

    [37] - المرجع السابق ص 22-23 .

    [38] - المرجع السابق ص 22-23 .

    [39] - انظر المرجع السابق ص158 .

    [40] - المرجع السابق ص 185 .

    [41] - المرجع السابق ص 181-271 .

    [42] - انظر المرجع السابق ص 79-116 .

    [43] - انظر بحث الفن القصصي في كتاب بلاغة القرآن ص 120-121 .

    [44] - انظر بلاغة القرآن ص 120-134 .

    [45] - المرجع السابق ص134 .

    [46]- انظر تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة الدينوري، شرحه ونشره أحمد صقر، المكتبة العلمية، بيروت، وفتح الباري لابن حجر 1/216، وهذه هي الصوفية للشيخ عبدالرحمن الوكيل ص70-71، وأصول مذهب الشيعة د. ناصر القفاري 1/153-154، والتأويل: خطورته وآثاره د.عمر الأشقر، دار النفائس، الأردن، عمان، ط1، 1412هـ - 1992م، ص66-73 .

    [47]- بلاغة القرآن ص140.

    [48]- المرجع السابق ص 140-141.

    [49]- بلاغة القرآن ص143.

    [50]- المرجع السابق ص143.

    [51]- المرجع السابق ص144 .

    [52]- المرجع السابق ص144-145.

    [53]- المرجع السابق ص158 .

    [54]- انظر موسوعة الأعمال الكاملة 2/607-618 .

    [55]- انظر بلاغة القرآن ص 117-119 و 192 .

    [56]- انظر المرجع السابق ص 182-184 .

    [57]- انظر الإمام محمد الخضر حسين وإصلاح المجتمع الإسلامي ص 151-197 .

    [58]- انظر الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان و مكان ص 18-27 .

    [59]- انظر نقض كتاب في الشعر الجاهلي ص 265-269 .

    [60]- انظر بلاغة القرآن ص 24-29 .

  • #2
    جزاك الله خيرا على هذه البحث المفيد ،عن الشيخ العلامة الخضر واكرم مثواه

    تعليق


    • #3
      بحث موفق عن هذا العالم الجليل ، والموضوع كما تفضلتم يحتمل التوسع ، زادكم الله علماً وتوفيقاً يا أبا إبراهيم . وقد كنتُ اشتريت معظم مؤلفات الشيخ محمد الخضر حسين متفرقة، ثم اشتريت الموسوعة الشاملة التي جمعت كل مؤلفاته عن دار النوادر فأعدتُ القراءة فيها ، وهي تنبي عن علمٍ غزير واسع، وقدرة على التصرف في فنون العلم والمعرفة قل نظيرها في المتأخرين رحمةً واسعة، وجدير بطلاب العلم العودة لكتب هذا العالم الجليل والانتفاع بها .
      عبدالرحمن بن معاضة الشهري
      أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود

      تعليق


      • #4
        بحث رائع ومتميز عن علامة عصره الإمام الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين رحمة واسعة ، وجزاكم الله خيرا .

        تعليق

        19,958
        الاعــضـــاء
        231,918
        الـمــواضـيــع
        42,562
        الــمــشـــاركـــات
        يعمل...
        X