إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • التعريف بسور المصحف الشريف - للشيخ محمد نصيف

    سلسلة محاضرات للشيخ محمد نصيف وجدتها على اليوتيوب وبدأت بفضل الله تعالى تفريغها لتعم الفائدة وتوثق مثل هذا المحاضرات القرآنية القيمة نفعنا الله بما علمنا وعلمنا ما ينفعنا وزادنا علماً.
    وهذه أولى المحاضرات بفضل الله تعالى وقد أعانني ويسّر لي تفريغها فلله الحمد والفضل والمنّة أسأل الله تعالى الإخلاص في هذا العمل والقبول.
    قد يقول قائل سورة الفاتحة معروفة ومعانيها واضحة والكل يحفظها فلماذا نتكلم عنها؟ لكننا نتكلم عنها لأنها من سور القرآن ونتكلم عنها لأنها أعظم سورة في القرآن ولأننا لا نقرأ سورة بقدر ما نقرأ هذه السورة فإذا قرأت الشيء كثيراً دون أن تهتم به تقلّ فائدته لك ويقل انتفاعك بأنواره ولذلك نقف مع هذه السورة بعض الوقفات:
    بدأت هذه السورة بقوله تعالى (الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) على خلاف بين العلماء هل البسملة من الفاتحة أم لا لكن من الفاتحة بالاجماع (الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) وهذه الكلمة سار علماء المسلمين مقتدين بالكتاب العزيز في بدء كتبهم وفي بدء رسائلهم بالبسملة والحمدلة لأن الإنسان يحتاج إلى هذه البسملة استعانة بالله في كل أموره فإذا أكلت فقل بسم الله وإذا دخلت تقول بسم الله وإذا لبست قل بسم الله وكلما كان العون من الله للعبد كلما كان موفقاً وتيسر له ما كان عسيراً لو لم يُعنه الله وبالعكس الذي يتخلى عن الله وينسى الله فإنه يُحرم التوفيق، قد ينجز العمل في الظاهر لكنه لا يكون موفقاً ولا يكون مقبولاً عند الله . وكذلك الحمدلة في بداية هذا الكتاب وعلى هذا سار العلماء تذكير للإنسان بالنعمة العظيمة التي عليه وأنت عندما تقرأ الفاتحة وتقول (الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) قد تمر قبلها بمشاكل كثيرة بين الصلاتين، قد يحدث للإنسان حادث، قد يفقد قريباً أو حبيباً أو يكتشف مرضاً خطيراً في جسمه لكنه مع ذلك يقول الحمد لله رب العالمين وعلى العكس قد يمر بأمور طيبة بين الصلاتين، قد يكون هناك فرح قد يرزق مولوداً قد يُرقّى في وظيفته، فيقول الحمد لله رب العالمين فالحمد أمر يستحقه الله سواء جاءنا منه ما ظاهره شر وسوء أو جاءنا ما ظاهره خير ونعمة فالله هو المستحق للحمد لأنه رب العالمين الذي خلقهم ويدبر أمورهم ويملكهم فهو المستحق للحمد .
    هذه السورة نزلت في مكة وجاء في الحديث الصحيح في صحيح مسلم أن جبريل كان قاعداً عند النبي فسمع نقيضاً من فوقه (سمع صوتاً) فرفع رأسه فقال هذا باب من السماء فُتِح اليوم لم يُفتح قطّ إلا اليوم فنزل منه ملك فقال هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قطّ إلا اليوم، (تخيل الموقف العظيم ملك أول مرة ينزل باب أول مرة يفتح وإلى النبي وهو يجالس جبريل) قال فسلّم وقال أبشِر (وهذه البشارة لسيدنا محمد ابتداء ولنا نحن أتباع النبي بقدر احتفائنا بهذا الذي بُشّر به النبي ) قال أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك (موسى أعطاه الله العصى وأعطاه وعيسى أعطاه يبرئ الأكمه والأبرض بإذن الله وهذا الملك يقول للنبي أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك) فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لم تقرأ بحرف منهما إلا أُعطيته. هذا الحديث فيه فضل لخواتيم سورة البقرة ولسورة الفاتحة وسورة البقرة نزلت في المدينة وسورة الفاتحة نزلت في مكة فقال بعض العلماء إذن نزلت سورة الفاتحة مرتين وهذا يدل على عظمتها. نزلت في أول البعثة والمعروف أن أول ما نزل من القرآن الخمس آيات الأولى من سورة العلق (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴿١﴾ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴿٢﴾ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴿٣﴾ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴿٤﴾ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴿٥﴾) بعدها بأيام كما يحدّث بعض العلماء جاء جبريل إلى النبي وعلّمه الصلاة، هذه ليست الصلوات الخمس التي في ليلة المعراج وإنما قبلها، علمه الصلاة والنبي كما ذكر الإجماع في هذا أن النبي لم يصلي صلاة قطّ إلا وقرأ فيها فاتحة الكتاب فهذا يعني أن سورة الفاتحة نزلت بعد سورة اقرأ وقبل تشريع الصلاة يعني في فترة مبكرة جداً وخواتيم سورة البقرة نزلت متأخرة بعد تشريع عدد من الفرائض، فكيف الجمع؟ قال بعضهم أن السورة نزلت مرتين وهذا يدل على أهميتها، ولله المثل الأعلى لما تكلم ابنك بأشياء كثيرة وبعضه له أهمية فلما تنهي الكلام تعيد الكلام على نقطة أنت ذكرتها لكن تريد من المتلقي أن يهتم بها وبعض العلماء يقولون نزلت في مكةويرجح هذا وبعض العلماء يقول نزلت في المدينة لكن الراجح أنها نزلت في مكة والقول بأنه تكرر نزولها قول له قوة وهو يشعر بأهمية هذه السورة.
    هذه السورة هي أكثر سورة في القرآن لها أسماء لأن بعض السور في القرآن لها اسم واحد وبعض السور له اسمان أو ثلاثة، سورة الفاتحة بعض أهل العلم أوصل أسماءها إلى خمس وعشرين اسماً وهذا يدل على شرف المسمى إذا الشيء له اسماء كثيرة يدل على أنه له أوصاف كثيرة يستحق هذه الأسماء، الله له تسعاً وتسعين اسماً المذكورة في الحديث لكنها هي أكثر من ذلك أسماء الله الحسنى وكلما زاد شرف المسمى كلما زادت أسماؤه متميزاً ولو في الشر فقد تكثر أسماؤه. الفاتحة لها أسماء كثيرة ربما لا تصل أي سورة في القرآن إلى عدد أسماء سورة الفاتحة.
    من أسمائها فاتحة الكتاب وهذا معنى تحديد موضعها في الكتاب العزيز في افتتاح الكتاب العزيز وهي كالمقدمة للقرآن وهي خلاصة القرآن ولذلك بعض العلماء المعاصرين ألّف كتاباً يشرح فيه سورة الفاتحة حتى يترجم إلى كثير كل اللغات قال لأنها أوجب شيء يتعلمه كل من يدخل الإسلام وحتى يصلي صلاة صحيحة فيجب أن يتعرف على معانيها وليس على حروفها فقط، فبعضهم الّف كتاباً ليسهل فهم بعض معاني هذه السورة العظيمة على كل مسلم.
    وتسمى أيضاً أم القرآن وأم الشيء أصله الذي يرجع إليه فأم القرآن يعني أن كل معاني القرآن موجودة في الفاتحة وهذا نبّه عليه كثير من العلماء. أول السورة (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٢﴾ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿٣﴾) هذه أوصاف لله وثناء على الله ثم قال (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴿٤﴾) هذا إثبات ليوم الدين يوم الحساب والجزاء يوم القيامة، فالثناء على الله موجود في السورة وإثبات البعث موجود في السورة، ثم قال (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴿٦﴾ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ﴿٧﴾) بيّن أن طرق السير في هذه الحياة ثلاثة: طريق الذين أنعم الله عليهم وطريق المغضوب عليهم وطريق الضالين وإذا كانت هناك طرق ثلاثة لا بد أن يجازى كلٌ بحسب عملهم ولا بد أن تكون هناك أوامر ونواهي، يضل عن ماذا إذا لم يكن هناك شيء حقّ ينبغي اتباعه؟ فقيل هذا فيه إثبات الأوامر والنواهي والوعد والوعيد فالسورة شاملة لمعاني القرآن كما نصّ كثير من أهل العلم.
    ومن أسمائها السبع المثاني والله يقول في خطاب يشرّف فيه النبي ويمتنّ عليه (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (87) الحجر) يقول النبي كما جاء عن ابن سعيد ابن المعلّى قال كنت أصلي فدعاني النبي فلم أجبه قلت يا رسول الله إني كنت أصلي (الحديث في صحيح البخاري) قال: ألم يقل الله استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم؟ (أهمية الاستجابة للنبي وأنت بعد وفاته لا تستيطع أن تستجيب له يناديك فترد عليه وإنما تستطيع أن تستجيب لسنته كلما أمر بشيء تسرع لتستجيب إلى ما يرضي الله ورسوله ) ثم قال : ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد؟ (أسلوب النبي أحياناً تعطي المعلومة مباشرة للمتعلم فيزهد فيها لكن عندما يشوقه بهذا الشكل ) فأخذ بيدي (سيد ولد آدم يأخذ بيد الصحابي وهو يعلمه) فلما أردنا أن نخرج قلت: يا رسول الله إنك قلت لأعلمنك أعظم سورة من القرآن قال : الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته.
    هذا من فضل سورة الفاتحة وفضائلها كثيرة ومن فضائلها ما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله وهذا الحديث القدسي ينبغي أن يتذكره الإنسان وهو يصلي ويقرأ الفاتحة. النبي يحكي عن ربه (قسمتُ الصَّلاةَ بيني وبينَ عبدي نصفينِ، ولعبدي ما سألَ، فإذا قالَ العبدُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، قالَ اللهُ تعالى: حمدني عبدي وإذا قالَ: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قالَ اللهُ تعالى: أثنى عليَّ عبدي. وإذا قالَ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ. قالَ: مجَّدني عبدي (وقالَ مرَّةً: فوَّضَ إليَّ عبدي) فإذا قالَ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ قالَ: هذا بيني وبينَ عبدي ولعبدي ما سألَ. فإذا قالَ: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ قالَ: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل) - عندما يقول العبد الحمد لله رب العالمين يقولها وهو يحمد الله ويتذكر النعم العيمة التي أنعم بها عليه ومنها سورة الفاتحة ويتذكر أن الله سيجيبه ويقول حمدني عبدي، ووهذا شيء عظيم جداً وهكذا في بقية القرآءة- هذا نور كبير وخير عظيم لا يؤتاه إلا المسلم ولا يؤتاه إلا المصلّي فنسأل الله أن يثبتنا على ذلك.
    سورة الفاتحة فيها معاني كثيرة، وأصل المعاني واضح.
    · تذكّر بنعمة الله على العبد (الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)
    · (الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ) مهما جاءك فإنما يجيؤك شيء من الرحمن الرحيم وهو أرحم بنا من أمهاتنا كما أخبر النبي لو أم الإنسان أوصلت إليه شيئاً لا يتصور أن يأتي منها إلا كل طيب لأنها أمه فكيف بأرحم الراحمين أرحم بعباده من الأم بولدها؟!. قد تجد بلاء يحل بالمسلمين أو بك أو بأمة أو ببلد فتتألم وتشعر أين الرحمة؟! قال (مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) لأن الدنيا ليست نهاية المطاف، متى يأخذ الإنسان جزاءه الكامل؟ متى يرى الظالم مغبة ما صنع؟ متى يجزى الجزاء الأوفى؟ يوم القيامة فالدنيا ليست نهاية المطاف فاحمد الله واعلم أن الأمر في نهايته لن يكون إلا بإعطاء كل ذي حق حقه فأهل الخير وأهل الطاعة سيعطيهم الله ويزيدهم من فضله وأهل المعصية سيعاملهم بعدله نسأل الله أن يجعلنا من أهل الفضل.
    · (مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) تزيل عن نفسك أن هذا الظالم عاش ظالماً إلى أن مات وهو متمتع لكنه بعد أن مات يأخذ جزاءه الأوفى نعوذ بالله من الخذلان
    · (مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) تذكير بيوم القيامة، واجب علينا أن نتذكر أن هناك يوم الدين، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، هل أعطي الأجير الذي عندي حقه؟ هل أتعامل مع زوجتي بشكل يرضي الله ؟ أتعامل مع أقاربي مع القريب والبعيد؟ مالك يوم الدين تذكير يومي في كل ركعة أن هناك شيئاً اسمه يوم الدين يوم القيامة.
    · وقوله تعالى (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) تذكير للإنسان بالعهد الذي بينه وبين الله وبالعلاقة التي بينه وبين الله فنحن عبيد وهو الرب مفرد بالعبادة لا يشركه فيها أحد فأنت لا تقول نعبدك وإنما (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) نعبدك ولا نعبد أحداً سواك ولا نستطيع أن نعبدك إلا بعونك ولذلك نقول (وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)
    · ثم في آخر السورة يذكرنا أننا في هذه الدنيا لسنا موجودين عبثاً وإنما نحن سائرون سائر في طريق الذين أنعم الله عليهم وهم الذين يتبعون الرسل وسائر في طريق المغضوب عليهم وهم الذين عرفوا الحق ولكنهم ما سلكوا طريقه وسائر في طريق الضالين لم يعرفوا الحق ومشوا بدون علم فعلى الإنسان أن يسير بعلم وهو سائر ولا بد (لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (37) المدثر).
    سمر الأرناؤوط
    المشرفة على موقع إسلاميات
    (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

  • #2
    جزاكنَّ الله خير الجزاء.
    أستاذ مساعد بقسم البلاغة والأدب في كلية اللغة العربية بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

    تعليق


    • #3
      علماً أن هذه الدروس تلقى على العامة فلذلك أختصر فيها وأستخدم كثيراً من الكلمات العامية؛ فالمعذرة لغير (الحُجُز =سكان الحجاز) فقد لا يفهمون بعض الكلمات أو التعبيرات.
      أستاذ مساعد بقسم البلاغة والأدب في كلية اللغة العربية بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

      تعليق


      • #4
        التعريف بسورة البقرة
        ‫ط§ظ„طھط¹ط±ظٹظپ ط¨ط³ظˆط± ط§ظ„ظ…طµطظپ ط§ظ„ط´ط±ظٹظپ 2 ظ„ظ„ط´ظٹط® ظ…طظ…ط¯ ظ†طµظٹظپ‬â€ژ - YouTube
        سورة البقرة من السور التي تميزت بأمور كثيرة عن غيرها من السور ولا شك أن أعظم سورة في القرآن هي سورة الفاتحة كما مرّ معنا في حديث النبي ولكن من أكثر السور فضائل بعد سورة الفاتحة هي سورة البقرة فضائلها كثيرة وعناية الصحابة بها شديدة يكفينا أن نعرف أن عبد الله ابن عمر وعن أبيه قد ثبت عنه بسند حسن أنه ظل يتعلم سورة البقرة أربع سنوات وهو عربي يفهم الكلام العربي وهو صحابي يعرف ملابسات النزول غالباً وهو من أشد الصحابة اتباعاً للسنة فيعرف التطبيق العملي للقرآن من النبي ومع ذلك يحتاج إلى أربع سنوات كي يتعلم سورة البقرة ولو حسبناها وقسمناها نجد أنه تقريباً يدرس في الأسبوع ربع صفحة وهذا بمقاييس من لا يقيسون الأمور إلا بظاهرها طالب غير مجتهد، لو طالب ينهي سورة البقرة في حلقة تحفيظ في أربع سنوات يمكن أن يُطرد من الحلقة لكن بمقياس من يعرف أن القرآن ليس مجرد حروف تُحفظ وإنما هو عمل وتطبيق في الحياة بجميع أنحائها يختلف الأمر فيمضي فيها ابن عمر أربع سنوات وورد أيضاً أنه أو أباه أمضى فيها ثماني سنوات لكن الثابت أنه أمضى فيها أربع سنوات في تعلم سورة البقرة ونحن في مجلس واحد نلخص شيئاً من معانيها وإلا فأمرها كبير.
        يسميها عبد الله بن مسعود سنام القرآن وسنام الشيء أعلاه كما قالوا وهذا يشعر بعظمتها. وبعض العلماء لاحظ أن السنام هو مكان تخزين عند الجمل وسنام القرآن معناه أن معاني القرآن في أكثرها موجودة في هذه السورة وثبت عن بعض السلف أنه كان يسميها فسطاط القرآن والفسطاط هو المدينة التي يجتمع فيها الناس كل مدينة تسمى فسطاطاً فسماها فسطاط القرآن لكثرة ما فيها من أحكام ولعظمها وبهائها. وبالفعل هذه السورة اشتملت على أكثر أحكام الشريعة بالإضافة إلى أنها استمرت تنزل فترة طويلة، وسور القرآن بعضها ينزل دفعة واحدة وهذا غالباً يكون في السور القصار وبعضها ينزل متفرقاً وهذا كثير من السور لكن سورة البقرة ظلت تنزل لعشر سنوات وهذه مدة طويلة جداً لأن النبي عندما سكن المدينة المنورة بدأت تنزل عليه سورة البقرة هي أول سورة نزلت في المدينة وظلت تنزل عليه حتى كانت آخر آية من القرآن من سورة البقرة وهي قوله تعالى (وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ (281)) هذه الآية هي آخر آية نزلت على النبي على الراجح من الأقوال لأن الأقوال في تحديد آخر آية متعدد. إذن عشر سنوات والقرآن ينزل على النبي في هذه السورة. والسور لا يتشرط أن تنزل آياتها متتابعة مرتبة وإنما تنزل آية قد تكون في أول السورة قد تنزل بعد آية في آخر السورة والذي يحدد لهم وضع الآية هو النبي يقول لهم ضعوا هذه الآية في مكان كذا.
        هذه السورة التي استمرت هذه الفترة اهتم بها الصحابة اهتماماً شديداً جداً لأنها عشر سنوات وهي تربيهم. وقد جاءت فيها أسباب نزول كثيرة جداً أكثر من اي سورة تقريباً وكلما حدث شيء من الصحابة أو موقف من اليهود أو نحو ذلك تنزل الآيات لتربي الصحابة. تخيل أمراً يحدث بينك وبين شخص تأتي مباشرة آية تتكلم، هذا يزيد من يقين الصحابة ويزيد من مراقبتهم لله هنيئاً لهم ما كانوا فيه ونسأل الله أن يحشرنا في زمرتهم. النبي كأنه لاحظ هذه العناية من الصحابة فلما كانت غزوة حنين وكانت غزوة كما وصف الله (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ (25) التوبة) كانت بعد فتح مكة مباشرة والمسلمون في قوة فأعجبت المؤمنين كثرتهم ففاجاءهم العدو فتفرق الصحابة عن رسول الله خائفين وبقي معه عدد قليل وكان ممن بقي معه عمه العباس وكان العباس صاحب صوت قوي فقال له النبي يا عباس نادِ وأمره بأكثر من نداء وكان مما نادى به العباس بأمر النبي أن قال: يا أصحاب سورة البقرة وأنت لا تقل لأحد يا صاحب كذا إلا بعد أن يكون بينه وبين هذا الشيء علاقة، يا صاحب العلم، يا صاحب التجارة، بحسب ما مال إليه وتعلق به ولازمه وصاحبه. فالصحابة يناديهم قائدهم ومربيهم ومعلّمهم يا أصحاب سورة البقرة وغزوة حنين متأخرة وهذا يدل على شدة عناية الصحابة بهذه السورة العظيمة.
        بدأت السورة بالحروف التي بدأت بها 29 سورة الحروف التي يسمهيا العلماء الحروف المقطعة لا تصاغ منها كلمات وإنما تتهجى أل لام ميم (الم) هكذا بدأت سورة البقرة وبدأت عدة سورة بنفس هذه البداية: البقرة، آل عمران، العنكبوت، الروم، لقمان، والسجدة هذه كلها تبدأ بـ (الم) ولذلك يسميها بعض العلماء باللواميم لأنها تبدأ بـ (الم) وهذا البدء كما هو القول الأشهر خاصة عند المتأخرين من المفسرين هذا البدء تنبيه على ما تكوّن منه القرآن، القرآن معجز، القرآن تسمعه فتبكي، تسمعه فتستبشر، تسمعه فتخاف، وتقرؤه كذلك وهو يتكون من الحروف التي تتكلم بها صباحاً ومساء فلا تؤثر فيك هذا التأثير العجيب الموجود في القرآن بل إن بعض الناس من غير العرب سمعوا القرآن لا يفهمون منه شيئاً ولم يكونوا من المسلمين فاهتدوا وأسلموا بتأثير هذا القرآن وهو كلام الله . فبدأت سور كثيرة بهذه الحروف تنبّه أن ما ستسمعونه مكون من هذه الحروف لكنكم لا تستطيعون الإتيان بمثله مهما حاولتم ولكنه كلام الرب . ولذلك في الغالب في هذه السور التي تبدأ بالحروف المقطعة سواء (الم) أو غيرها أنها تثني بمدح القرآن والثناء عليه وبيان عظمته منها سورة البقرة (الم ﴿١﴾ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ﴿٢﴾) هذا الثناء غالباً يعقب ذكر الحروف المقطعة وهذا متناسب مع الهدف من ذكرها على ما رُجّح وإلا فالأقوال فيها تجاوزت العشرين قولاً في معنى (الم) وما شابهها من الحروف التي في بداية السور.
        هذه السورة اسمها المشهور والمعروف سورة البقرة وجاءت هذه التسمية من القصة المعروفة في السورة وهذه القصة لا تمثل السورة كلها ولا تمثل نصفها ولا ربعها، قصة البقرة حوالي صفحة فلماذا سميت بهذه التسمية؟ هذه القصة مناسبة جداً لموضوع السورة ولغرض من أهم أغراضها لأن هذه السورة التي استمرت تنزل عشر سنوات تربي أصحاب النبي جاءت لتكوين أول وأقوى دولة إسلامية يقودها النبي أعظم دولة ولا يمكن للتاريخ أن يتكرر فيه مثل هذا الأمر، النبي وحوله أصحابه يعملون بأمر الله يخطئ منهم من يخطئ فيسارع إلى التوبة ويعيشون حياة لا حياة مثلها. فهذه السورة جاءت تربيهم وتعلمهم وجاءت فيها كثير من الأحكام الشرعية لأن النبي عندما كان في مكان كان ينزل عليه القرآن غالباً بالعقيدة وإثبات البعث ونحو ذلك ولما سكن النبي المدينة بدأت تنزل الأحكام فمعظم الأحكام كانت في المدينة وهذه الأحكام قد تأتي موافقة لما يريد الإنسان ولكنها غالباً قد تخالف أهواء بعض الناس فجاءت هذه القصة لتبين لنا حال من سبقنا ممن شرفهم الله وفضلهم على العالمين وهو بنو إسرائيل تبين حالهم مع بعض الأحكام التي وجهت إليهم (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً (67)) تخيل هذا الموقف!! يأتيهم الأمر من رسول الله أن الله يأمرهم (قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً) قال (قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) ومن الجهل ولا شك أن يقال أمر الله ثم تكون المألة هزؤ واستهزاء. الاستهزاء يختلف عن المزح قد تمازح إنساناً دون احتقار له أما الاستهزاء فمزاح فيه نوع من الاحتقار كيف يصدر هذا عن نبي ثم تأتي القصة كما هو معروف ويقولون له (ادع لنا ربك) ويطلبون التفاصيل قال الله في منتصف القصة (فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ (71)) فهم متلكئون مترددون في تنفيذ أوامر الله فجاءت هذه القصة لتبين حالهم كما جاءت لتحذر من السير في طريقهم.
        هذه السورة جاءت تقيم دولة الإسلام وفيها أمران أساسيان كما ذكر بعض أهل التفسير قال معظم أغراضها ينقسم إلى قسمين:
        · قسم يثبت سمو هذا الدين على ما سبقه
        · وقسم يبين شرائع هذا الدين لأتباعه.
        فهناك قسم يبين أن هذا الدين هو أفضل دين، أفضل من كل ما سبقه وقسم يبين شرائع هذا الدين وهذا من الحكمة أن تعرف قيمة ما عندك وأنه أعظم من كل شيء وأن تعرف كل شيء ثم تأتيك الأوامر وأنت فرح بها مستبشر وهكذا سارت السورة كما سيأتي.
        إذا كانت سورة الفاتحة هي أم القرآن وفيها كل معاني القرآن بإجمال واختصار فسورة البقرة فيها تفصيل لذلك الإجمال، فسطاط القرآن، سنام القرآن، فيها التفصيل لأحكام الدين تجد كل ما سوى البقرة كما نبه بعض أهل العلم تفصيلاً لشيء في سورة البقرة أما معاني القرآن موجودة في سورة البقرة تفصيلاً بخلاف سورة الفاتحة فجاءت سورة البقرة بعد سورة الفاتحة مباشرة.
        هذه السورة من فضائلها أن البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان كما قال النبي وذكر أن أخذها بركة وتركها حسرة (الذي لا يقرأ ولا يتعلم ولا يحفظ سورة البقرة له نصيب من حسرة) قال وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة .أي السحرة لا يستطيعون وهذه السورة تمنعهم وهذا معروف عند من يمارس الرقى أن سورة البقرة لها تأثير على السحر.
        هذه السورة تنقسم إلى خمسة أقسام: مقدمة وخاتمة وبينهما ثلاثة أقسام وهذا التقسيم للتقريب والتعليم وإلا فإن مثل هذه التقاسيم ليست مسألة قطعية وإنما هي من اجتهاد العلماء قد يقدّم بعضهم شيئاً أو يتوسع أكثر وإنما هي للتقريب والفهم.
        أول سورة البقرة تجد فيها مقدمة واضحة وهذه باتفاق أهل العلم مقدمة تبين أصناف البشر:
        المؤمنون المتقون قال (هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ﴿٢﴾الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَالصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴿٣﴾ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴿٤﴾أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٥﴾)، هذا قسم.
        والقسم الثاني (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿٦﴾ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿٧﴾)، هذا القسم الثاني.
        والغالب في السور أن الناس يقسمون إلى قسمين (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ (2) التغابن) هذا الغالب: الكفار والمؤمنون لكن هذه السورة نزلت عندما سكن الرسول المدينة، في مكة كان الناس قسمين كفار ومؤمنون أما لما سكن المدينة صارت الأقسام ثلاثة: كفار ومؤمنون ومنافقون فذكرهم وفصّل فيهم، اختصر الكلام في صفة الكفار وصفة المتقين المؤمنين وأطال في ذكر المنافقين لأنهم عدو غير ظاهر يظهر لك الإيمان وهو يبطن غيره (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ﴿٨﴾ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴿٩﴾) وفصّل فيهم لأنهم عدو خفي أما الكافر فعدو ظاهر يعرفه كل أحد. هذا التقسيم وكل تقسيمات القرآن عليه تقسيم لا ينبني على نوع ولا ينبني على نسب ولا ينبني على رتبة اجتماعية ولا ينبني على حالة مادية وإنما هو مبني على العقيدة قال الله (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ) هذا تقسيم موجود لكنه تقسيم له غرض آخر (لِتَعَارَفُوا) والذي يحدد قيمة الإنسان قال بعدها مباشرة (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (13) الأحزاب) التقسيم الذي ينبني عليه الثواب والعقاب والتقريب والإبعاد والحب والبغض هو تقسيم العقيدة التقسيم الإلهي للبشر بناء على عقائدهم وما يستقر في قلوبهم نسأل الله أن يجعلنا من أهل التقوى.
        بعد هذه المقدمة جاءت ثلاثة أقسام كلها تُبدأ بنداء، نادانا الله في هذه السورة بنداءات متعددة منها ثلاث نداءات تبدأ بها أقسام السورة.
        النداء الأول (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿٢١﴾ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٢٢﴾) هذا أول تقسيم بعد تقسيم البشر، نداء لكل البشر (يا أيها الناس)
        ثم ذكر نداء ثانياً في القسم الثاني هو قوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴿١٦٨﴾) نداء لكل البشر (يا أيها الناس) وأتبعه بعد آيات قليلة بقوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴿١٧٢﴾)
        والقسم الثالث والأخير من الأقسام بدأ بقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴿٢٠٨﴾)
        ونقف وقفات يسيرة مع هذه النداءات الثلاثة:
        النداء الأول (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿٢١﴾ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٢٢﴾) نلاحظ أن هذا النداء لحقه أمر ونهي وهذا الأمر هو أول أمر في القرآن وهو الأمر بعبادة الله وحده ومع هذا الأمر جاء نهي وهذا النهي يمكن أن يُفهم من الأمر ولكنه نصّ عليه قال (فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا) هذا نهي عن الشرك. فأمرٌ بعبادة الله ونهي عن اتخاذ الأنداد مع الله (فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) وهذا يدل على أهمية هذين الأمرين وهما كذلك، هما أعظم شيء وهما سبب النجاة وهما اللذان من عمل بها لن يخلد في نار جهنم إن دخلها وهما من خالف فيهما أحد فإنه لا ينجو من النار بل يخلد فيها والعياذ بالله. وهذا القسم يدور حول التوحيد قال (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) ثم قال (فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) ثم ذكر الله في هذا القسم نماذج لمن استجاب لأمر الله ولمن عصى أمر الله وكان النموذج الأكبر الذي كثر الكلام عنه في هذا القسم للمعرضين عن توحيد الله وعن عبادة الله هم بنو إسرائيل وهذا له عدة فوائد. بنو إسرائيل عندما سكن النبي المدينة كان يسكنها اليهود هم بنو إسرائيل وإسرائيل هو يعقوب جدّهم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام فبنو إسرائيل جاءهم الوحي وجاءهم الدين وجاءهم الأنبياء الكُثُر وفضّلهم الله على عالم زمانهم قال في بداية ندائهم (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47)) وقال قبلها (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40)) وكان النداء كثيراً في الحديث معهم مع بيان مخازيهم وزللهم وسوء أفعالهم ومنه ما ذكر في قصة البقرة هذا جزء من مخازيهم ومخازيهم كثيرة وهم يساكنون الصحابة في المدينة. النبي عندما سكن في المدينة كان يتوجه في الصلاة إلى بيت المقدس وكان اليهود يفرحون بهذا وكان النبي يحاول موافقتهم لأنهم أهل الكتاب فهم أقرب إلى المسلمين من أهل الشرك، كان لا بد في هذه المرحلة من بيان حالهم الحقيقية لأنهم يقولون نحن أهل كتاب وأهل حق ويستشيرهم كفار مكة ماذا يصنعون مع محمد ويسألونهم هل نحن أفضل أم محمد ؟ فكان لا بد من بيان حالهم خاصة أن كل ما نسمع ونقرأ في الآيات عن بني إسرائيل كان كما ذكر بعض أهل العلم تمهيداً لتحويل القبلة، النبي كان يصلي إلى بيت المقدس وظل يصلي إلى بيت المقدس إلى شهر رجب من السنة الثانية من الهجرة ثم حُوّلت القبلة وهذا قبل غزوة بدر التي كانت في رمضان في نفس السنة وكانت تمحيصاً للمؤمنين الآن المؤمنون يرون المشركون يتوجهون للكعبة ويتعلقون بها ويرون بني إسرئيل وهم أقرب إليهم يتوجهون إلى بيت المقدس فتحويل القبلة يحتاج إلى تمهيد فجاء هذا التمهيد يبين حال اليهود ثم يبين حال من استجاب لأمر الله وهو إبراهيم (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا (124)) كلمة إمامًا هنا ثم ذُكر بعدها بناء ابراهيم واسماعيل هذا كله تمهيد لتحويل القبلة. ابراهيم إمام وخلفه يكون المأمومون، إبراهيم يتوجه إلى الكعبة ومعه اسماعيل وهما يبنيان البيت يقولان (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿١٢٧﴾ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴿١٢٨﴾ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿١٢٩﴾) وهو نبينا هذا التمهيد جاء بعده تحويل القبلة في القسم الأول من السورة.
        أما القسم الثاني الذي بُدء بقوله (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴿١٦٨﴾) فقد اشتمل على أحكام كثيرة، اشتمل على أحكام الصيام وأحكام الحج وشيء من أحكام القتال إلى غير ذلك مما جاء فيه من الشرائع الظاهرة التي شُرعت أو أُكملت في المدينة. وفي نهاية القسم الأول ذُكر الحديث عن التوحيد والشرك كما بُدء به القسم قال الله (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ﴿١٦٥﴾)
        في القسم الثالث من السورة قال الله في مطلعه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (208)) السلم هنا هو الإسلام ويستشهد بعض الناس بهذه الآية على السلام الدائم العادل الشامل بين البشر وهذا كلام ليس له علاقة بالآية! الآية تتكلم عن الدخول في أحكام الإسلام كله بعد أن ذكر أحكام الصيام وأحكام الحج وشيئاً من أحكام القتال وهذه أمور معروف أنها من الدين قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً) وذكر أحكاماً ربما تكون أصعب على النفوس وأشق في العمل منها أحكام الطلاق، بعض الناس يصلي ويصوم ويحج لكن إذا حصلت بينه وبين زوجه خصومة لم يراقب الله ويقول هذا شيء بيني وبين زوجتي في البيت! وذكر شيئاً آخر في هذا القسم أيضاً يصعب على الإنسان وهو الدرهم والدينار والتعامل المالي وأكل الربا لأن هذه أيضاً أمور صعبة على النفس فقد تجد الإنسان في أحسن حال فإذا عاملته بالدرهم والدينار وجدته شحيحاً وليس شحيحاً فحسب بل يكذب ويسرق ويغش لأجل أن يحصّل شيئاً من متاع الدنيا (فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38) التوبة) فهذا القسم ركز على هذه الأمور مع حثٍّ على الجهاد في سبيل الله.
        وجاءت خاتمة السورة بعد المقدمة والأقسام الثلاثة: القسم الأول تمهيد بالتزهيد في حال اليهود والتوجيه إلى القبلة الصحيحة وذكر شيء من الأحكام والقسم الثاني فيه أحكام متعددة تفصيلية والقسم الثالث فيه أحكام قد تكون أدق وأصعب على النفوس فبدأت بقوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً) بخلاف اليهود الذين ذُكروا في القسم الأول وقال الله لهم (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ (85)) أما نحن فلا نصنع صنيعهم.
        آخر السورة جاء بعد أن خُتِم القسم الثالث الذي بدأ بقوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً) خُتم بقوله تعالى (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٢٨٤﴾) يقول أبو هريرة كما في صحيح مسلم لما نزلت على رسول الله (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) - عندما كانت تنزل على النبي ويبلّغها لا ينظر على أنها نشرة أخبار أو شيء بعيد أو شيء نحن غير مطالبين به وإنما قرار من ملك الملوك - قال (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) يقول أبو هريرة : فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله - شعروا أن المسألة شديدة - فأتوا رسول الله ثم بركوا على الركب - لشدة شعورهم بعظم المسؤولية بهذه الآيات - فقالوا أي رسول الله (هذا نداء يعني يا رسول الله) كُلّفنا من الأعمال ما نطيق، (قبل هذه الآية كانت تأتينا تكاليف نقدر عليها) الصلاة والصيام والجهاد - الصلاة فيها مشقة والصيام قد يكون عند بعض الناس فيه مشقة والجهاد لا شك أنه اشق – قال: والصدقة – وأيضاً هذه فيها مشقة على النفوس - وقد أُنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها قال رسول الله –لاحظوا مقالة رسول الله التي تدل على أن الآيات التي ذكرت في السورة عن اليهود لم تذكر كي نشمت بهم أو كي نقول حسبي الله فيخم فقط ولكن كي نحذر من سلوك طريقهم – قال أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا؟ بل قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، فقال أصحاب النبي : سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. قال أبو هريرة: فلما اقترأها القوم – أي قرأوها كما أمرهم النبي - ذلّت بها ألسنتهم فأنزل الله في إثرها (آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴿٢٨٥﴾) قالوها ثم نزلت الآية مصدقة لما قالوه فقد قالوه بأمر النبي (وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) قال: فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى فأنزل الله (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) قال الله: نعم – يعني استجاب هذه الدعوة - (رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا) قال الله: نعم (رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) قال الله: نعم، (وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴿٢٨٦﴾) قال الله: نعم. وفي رواية لهذه القصة ولكن عن ابن عباس أنها لما نزلت دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم يعني وصلت قلوبهم إلى حالة لم تصل إليها من قبل، هذا ظاهر العبارة، ولما قرأها ابن عمر بكى فذهب مجاهد وهو من تلاميد ابن عباس إلى ابن عباس فقال ان ابن عمر قرأ هذه الآية فبكى فحكى له ابن عباس قصة هذه الآيات التي ختمت بها هذه السورة العظيمة المملوءة بالأحكام وكأنها رجاء من المؤمنين يرددونه مستعينين بالله.
        سمر الأرناؤوط
        المشرفة على موقع إسلاميات
        (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

        تعليق


        • #5
          سورة آل عمران
          ‫ط§ظ„طھط¹ط±ظٹظپ ط¨ط³ظˆط± ط§ظ„ظ…طµط­ظپ ط§ظ„ط´ط±ظٹظپ 3 ظ„ظ„ط´ظٹط® / ظ…ط­ظ…ط¯ ظ†طµظٹظپ‬â€ژ - YouTube
          سورة آل عمران هذا السورة العظيمة ينبغي الحرص عليها لأن النبي حثّ على ذلك فقد ثبت في صحيح مسلم وهذا من فضائل هذه السورة حثّ على قرآءتها. في صحيح مسلم أن النبي اقْرَؤوا القرآنَ . فإنه يأتي يومَ القيامةِ شفيعًا لأصحابه (هذا حثّ على قرآءة القرآن كله) اقرَؤوا الزَّهرَاوَين (مفرده الزهراء والزهراء يعني المنيرة): البقرةَ وسورةَ آلِ عمرانَ فإنهما تأتِيان يومَ القيامةِ كأنهما غَمامتانِ أو كأنهما غَيايتانِ (كأنهما سحاب تغطي) أو كأنهما فِرْقانِ من طيرٍ صوافَّ تُحاجّان عن أصحابهما (تدافع عن أصحابهما، البقرة وآل عمران). وما من سورة في القرآن تقريباً إلا وتجد لها في كتب التفسير فضلاً لكن أكثر هذه الفضائل موضوعة مكذوبة أو ضعيفة ونحن نكتفي بالأحاديث الصحيحة ولذلك لا يوجد بحسب اطلاعي فضل خاص لسورة آل عمران عن النبي وإنما فضائلها مقرونة مع البقرة (اقرَؤوا الزَّهرَاوَين) هذا فضل لها مع البقرة. من فضائلها مع البقرة ما ثبت عن أنس كما في مسند الإمام أحمد أنه قال: وكان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران يُعدّ فينا عظيماً. والتعظيمات تختلف بحسب البيئات بين البشر ففي بعض البيئات الذي يحصل على مليون أو يكون عنده أراضي وفي بعض البيئات الأخرى الذي يكون عنده شهادات وتختلف تعظيمات البشر للبشر لكن أصحاب النبي كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران يعد فيهم عظيماً. وقرأ هنا ليست بمعنى القرآءة لأن الصحابة كما أخبر أبو عبد الرحمن السُلمي وهو من أشهر التابعين الذين تلقوا القرآن من أصحاب النبي ، الصحابة تلقوا القرآن من النبي والنبي تلقاه من جبريل والتابعون كُثُر من أشهرهم في أخذ القرآن من الصحابة وتعليمه لمن بعده أبو عبد الرحمن السُلمي. وأبو عبد الرحمن يقول أخبرنا الذين علمونا القرآن أن الرجل كان لا يتاوز عشر آيات حتى يتعلم ما فيهن من العلم والعمل. ما كانوا فقط يقرأونه قرآءة وإنما يتعلمون ما فيه من علم وعم ومرّ معنا أن ابن عمر وعن أبيه كان قد تعلم البقرة في أربع سنوات. فكان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران يعدّ فيهم عظيماً وهذا يدل على فضل هذه السورة. ومما جاء في فضلها وهو ليس عن النبي وإنما عن أحد كبار أصحاب النبي في تعلم القرآن بالذات وهو عبد الله بن مسعود . يقول عبد الله بن مسعود: من قرأ آل عمران فهو غني. وليس المقصود بالغنى غنى المال. والنبي يقول: ليس الغنى عن كثرة العَرَض (أي أن الإنسان عنده أموال كثيرة) وإنما الغنى غنى النفس. والنبي جاء ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، من الظلمات التي كان يعيش فيها الناس قبل النبي أنهم كانوا يعتقدون أن الغنى عن كثرة العَرَض فالنبي يأتي ليصحح لهم حتى يتنور الإنسان ويعرف الحقيقة "ليس الغنى عن كثرة العرض وإنما الغنى غنى النفس" لذلك قد تجد رجلاً عنده مال كثير لكنه يطمع فيما عند غيره ويظلم غيره ويتقاتل مع أخيه من أجل ميراث لأنه ما عنده غنى النفس ولا يمنع أن يكون عنده مال كثير وعنده غنى النفس لكن العبرة في غنى النفس. وابن مسعود يقول: من قرأ آل عمران فهو غني. يحاول الإنسان وهو يقرأ هذه السورة أن يبحث عن ما يزيده من غنى النفس والآيات في هذه السورة التي تتعلق بغنى النفس كثيرة منها قوله تعالى (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)) الذي يؤمن بهذه يرزق غنى النفس. ومما جاء فيها أيضاً مما يتعلق بهذا المعنى (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15)) هذا خير من الدنيا، وهذا المعنى في السورة يتكرر كثيراً.
          النقطة الثانية التي نتكلم فيها هي أن هذه السورة نزلت لسبب، سورة البقرة استمرت عشر سنين تنزل من أول سُكنى النبي في المدينة إلى آخر آية نزلت (وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ (281) البقرة)، سورة آل عمران تعلقت بحدثين من أحداث السيرة النبوية غزوة أُحد وقدوم وفد نصارى نجران على النبي . غزوة أحد معروفة لكل المسلمين وأهل المدينة ألصق بها لأن الجبل أمامهم يذكّرهم بهذه الحادثة العظيمة التي كانت في السنة الثالثة للهجرة في شهر شوال وكان النصر في بداية المعركة للمسلمين ثم حدث ما حدث يقول الله (مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ (152)) هذا في وصف معركة أُحد (مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ) ما العلاج؟ العلاج في سورة آل عمران، من قرأ سورة آل عمران فهو غني يقل عنده إرادة الدنيا وتزيد عنده إرادة الآخرة فيحصل النصر للمؤمنين. لأن كثيراً من السور نزلت بعد المعارك تربية للمسلمين بعد المعركة: غزوة بدر غزوة انتصار نزلت بعدها سورة الأنفال، غزوة أحد حدث فيها ما حدث فنزل جزء كبير من سورة آل عمران وهكذا تأتي المعارك وتأتي معها السور تربي الصحابة بحسب ما حصل في تلك المعركة فجاءت هذه السورة تزهّد في الدنيا وقد حدث في المعركة ما حدث حين نزل بعض أصحاب النبي من الجبل لأجل الغنائم. غزوة أحد فيها درس كبير للمؤمنين ولذلك طال الحديث في سورة آل عمران عن هذه المعركة وعن مقارنتها بغزوة بدر والمسلمون كانوا في بدر أذلة لكن الله نصرهم وفي غزوة أُحد حصلت أخطاء سببت ما حدث فجاءت هذه السورة تعالج في القسم الثاني منها لأن السورة طويلة.
          القسم الأول يتكلم كثيراً عن أهل الكتاب ويتكلم خصوصاً عن العقيدة الصحيحة في عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لأن نصارى نجران وفدوا على النبي اليهود كانوا يسكنون في المدينة مع النبي أو حولها لكن النصارى عند العرب بعضهم كان يسكن في نجران فجاؤوا للنقاش مع النبي فمطلع السورة تقريباً إلى نصفها يتكلم معهم وعنهم وعن أمور تتعلق بدعوة أهل الكتاب ولذلك لا يخلو الحديث مع اليهود. غزوة أحد كانت بعد غزوة بدر وهذا معروف والعام الذي وفد فيه العرب من أنحاء شتى على النبي متأخر عن غزوة أحد كثيراً ولذلك رجح بعض العلماء أن قصة وفد نصارى نجران كانت مبكرة في غير عام الوفود يعني الوفود جاءت في وقت وجاء وفد نصارى نجران مبكراً بين غزوة بدر وبين غزوة أُحد وكان مما حدث بعد غزوة بدر أن المسلمين فرحوا بهذا النصر ولا شك وجاء عن ابن عباس بسند حسّنه بعض أهل العلم أن النبي بعد غزوة بدر جاء إلى اليهود إلى بني قينقاع وتكلم معهم وقال قد رأيتم ما صنع الله بقريش فآمنوا خيراً لكم أو كما قال فقال اليهود أخزاهم الله: إنك قاتلت قوماً لا يعرفون القتال ولو قاتلتنا لرأيت كيف يكون القتال فنزل قول الله في أول هذه السورة (قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12) قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ (13)) (فئتين التقتا) في غزوة بدر، هذه الآيات في النصف الأول من السورة تتكلم عن النصارى وعن عقيدة الحق في عيسى وأنه ليس ولداً لله سبحان الله وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً وأنه عبد ضعيف وإن كان نبياً مرسلاً إلا أنه محتاج إلى الله. والقسم الثاني يتحدث عن غزوة أحد وما حديث فيها وكيف ينبغي أن ينظر المسلمون لما حدث وكيف يحللون الأحداث وهذا يتكرر في كل عصر، كلما وجدت هزيمة للمسلمين فاقرأ سورة آل عمران لتعرف ما السبب الحقيقي لهزيمة المسلمين. فالله في هذه الغزوة لم يعزو سبب الهزيمة إلى قوة الكفار ومكرهم وإنما (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ (165)) إلى غير ذلك مما جاء في السورة.
          السورة بدأت كما بدأ سورة البقرة بقوله تعالى (الم (1) اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2)) هذا الاسم الحيّ والاسم الذي قُرن به القيوم جاء في مطلع السورة كما يرى ليثبت العقيدة الصحيحة ويرد على العقيدة الباطلة التي عند النصارى وقلنا أن القسم الأول في السورة يتكلم عن النصارى بكثير من آياته، فلماذا ذكر الحي القيوم؟ الحيّ القيّوم من فهم معناها أيقن أنه لا يمكن أن يكون له ولد ، لماذا؟ لأنك كل موجود من الكائنات الحيّة عنده حياة لكنها حياة ناقصة، حياة يعتريها الضعف، تمرض مرضاً شديداً فلا تعود قادراً على التصرف بأمور كانت سهلة عليك، ينام الإنسان وهنا تضعف حياته كثيرا (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا (42) الزمر) من يدافع عنه وهو نائم؟! لولا أن الله رزقه بيتاً بباب يُغلق عليه من يدافع عنه؟ فالحيّ الحياة الكاملة هو الله، عيسى وكل مخلوق حياته ناقصة والحياة زائلة قال الله تعالى في السورة (كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ (158)) إذن الحيّ هو الله. والاسم الثاني وهو أوضح في قضية نفي الولد اسم القيّوم لأن القيوم قد يغيب عن كثير من المسلمين معناه، القيوم معناه الذي قام مستغنياً عن كل شيء، عندما أتكلم أتكلم بمدد من الله لا بقوتي المستقلة، إذن أنا لست قائماً بنفسي وأنا أتكلم! وأنت تسمع بأذنك تسمع بعون الله ومدد الله إذن أذني ليست قائمة بنفسي وقد تضعف أذني وقد يضعف لساني، وتضعف عيني والبصر يضعف فالذي يقوم دون حاجة إلى اي شيء هو الله. كل شيء حتى الشمس التي تدور لا تدور وحدها بقيومية خاصة بها كل شيء يقوم بالله فالقيوم هو القائم بنفسه مستغنياً عن كل شيء ثم له معنى آخر وهو الذي لا يقوم شيء إلا به أنت قائم بغيرك ثم غيرك قد يقوم بك نسبياً تساعد ولدك، تساعد أخاك، تسند إنساناً لكن من الذي يقوم به كل شيء؟ السموات والأرض من الذي يمسكها؟ الله قال في سورة فاطر (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (41) فاطر) تطور البشر وظنوا بتطورهم أنهم صاروا أقوياء وأعزّاء لكن هل يمكنهم أن يمسكوا السموات والأرض؟ هل يمكنهم أن يغيّروا في الليل والنهار نصف دقيقة؟ لا يمكن. الحي القيوم هو الله وإذا كان قائماً مستغنياً عن كل شيء فهل يحتاج إلى ولد؟! عما يقول الظالمون علواً كبيراً فجاء هذان الإسمان في مطلع السورة رداً على النصارة الذي نسبوا الولد إلى الله .
          هذه السورة يمكن أن نتكلم على أقسامها كما ذكرنا في سورة البقرة أنها خمسة أقسام مقدمة وخاتمة وثلاثة أقسام، سورة آل عمران قسمها بعض العلماء إلى خمسة أقسام:
          القسم الأول خلاصته في قوله تعالى (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ (19)) وهذا مهم في هذا السياق لأن النصارى كانوا يدّعون أن إبراهيم كان نصرانياً واليهود كانوا يدّعون أن إبراهيم كان يهودياً وجاءت الآيات ترد عليهم في القسم الثالث من السورة ومن لطف الله ومن حكمته أنه لا يبدأ الموضوع مباشرة فأحياناً تتكلم مع شخص وتدخل معه في صلب الموضوع مباشرة فلا يفهمك ولا يستوعبد ويرفض لكن الحكيم الخبير الذي خلق العباد لو قال لكل العباد افعلوا ولا تفعلوا وانتهى الموضوع فإنه لا يُسأل عما يفعل لكنه الحكيم . السورة فيها تمهيد جاء بيان عزة الله وحكمته وحياته وقيوميته (الم ﴿١﴾ اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴿٢﴾ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ﴿٣﴾ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ﴿٤﴾ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ ﴿٥﴾ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿٦﴾) هذه الأسماء الأربعة: الحيّ، القيوم، العزيز، الحكيم قام عليها القسم الأول فلأنه الحيّ القيوم فهو المستحق للعبادة ولأنه العزيز سيعزّ الطائعين وسيذلّ العاصين (قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12)) لأنه العزيز وهو الحكيم في كل تدبيره لخلقه.
          في القسم الثاني من السورة جاء الحديث عن عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام وأيضاً جاء بتمهيد فقال (إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33)) الأصح أن آل عمران هم عمران (موسى أبوه اسمه عمران) وعمران المذكور هنا قال الله فيه (إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿٣٥﴾) هذه أم مريم، مريم وأمها وعيسى في زمن بعد موسى فقالوا إذن تكرر اسم عمران وهناك أكثر من شخص اسمه عمران لكن المقصود هنا عمران والد مريم. قال الله (إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35)) وسيقت القصة في سورة آل عمران مفصلة تبين أن عيسى كل ما ظهر على يديه من إبراء للأكمه والأبرص وإحياء للموتى كان بإذن الله وأنه كما قال في نفس القصة (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴿٥٩﴾ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴿٦٠﴾ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ﴿٦١﴾) فجاءت الدعوة بعد القصة لأهل الكتاب للاعتراف بأن الواحد الأحد هو الله ليس له ولد وأن إبراهيم ما كان يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وكان من المشركين.
          في القسم الثالث من السورة جاءت الدعوة واضحة لأهل الكتاب (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) الحوار مطلوب جداً مع الكفار ومه أهل الكتاب بالذات لكن ندعوهم إلى ماذا؟ (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴿٦٤﴾) هذا القسم طال وكانت فيه الدعوة لأهل الكتاب إلى الحق وبيان أن إبراهيم كان على ملة التوحيد.
          أما القسم الرابع والخامس فقد تكلم عن العلاقة مع اليهود ومع النصارى ابتداء ثم القسم الذي بعده العلاقة مع الكفار وهذا كان مهماً في هذه المرحلة، المسلمون انتصروا في بدر وحصل ما حصل في أُحد وكان من أسباب الهزيمة في أحد أن بعض المنافقين كانوا مع المسلمين ثم ارتدوا قبل المعركة، عبد الله بن أبيّ راس النفاق ومن معه ولذلك جاء التحذير في هذه السورة كثيراً من وجود خلل في الصف أو مولاة للكفار وهذه مشكلة خطيرة لأنه إذا كان بعضل الكفار يطلعون على أسرار الدولة الإسلامية فكيف لها أن تنتصر؟! قال الله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100)) وقال في نفس السورة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ) لا يكن هناك أحد قريب منك مطّلع على سرّك إن كان من غير المسلمين (لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا) لا يقصّرون في الفساد يصل إليكم (وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ) تخرج فلتات من أفواههم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴿١١٨﴾ هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿١١٩﴾ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴿١٢٠﴾). بعد هذه الآيات جاء ذكر بدر وأُحد وأن المسلمين انتصروا في بدر رغم مع عدم وجود الكفار يساعدونهم لم يستعينوا باليهود وفي المقابل ذكر ما حدث في أحد مما حدث ومما كان من خروج بعض من الجيش وهذا يسبب زعزعة في الجيش فضلاً عن أن اطلاع الأعداء الكفار على الأسرار لا شك أنه سبب في الهزيمة كبير.
          وفي القسم الأخير من السورة يقول الله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ (149)) ما الفرق بين هذه الآية والقسم الذي قبله؟ الذي قبله يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100)) وهنا يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ) فهنا النهي أعمّ، أهل الكتاب قد يتساهل معهم الإنسان لأنهم أهون من الكفار لكن الله نهى عن ذلك وكذلك نهى عن طاعة الكفار من باب أولى، إذا كان أهل الكتاب لا يطاعون فالكفار من غيرهم لا شك أنهم أبعد عن أن يطاعوا وعن أن يُتخذوا بطانة وأن يوالوا فكل هذا يسبب هزيمة ولا شك. نسأل الله أن ينصر الإسلام والمسلمين.
          سمر الأرناؤوط
          المشرفة على موقع إسلاميات
          (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

          تعليق


          • #6
            سورة النساء
            ‫ط§ظ„طھط¹ط±ظٹظپ ط¨ط³ظˆط± ط§ظ„ظ…طµطظپ ط§ظ„ط´ط±ظٹظپ 4 ظ„ظ„ط´ظٹط® / ظ…طظ…ط¯ ظ†طµظٹظپ‬â€ژ - YouTube
            مع سورة النساء وأوصي نفسي وإخواني بتعلم السورة وحفظها إذا أمكن فإنها من السور العظام ومن السبع الطوال التي قال عنها النبي : من أخذ السبع الأول فهو حَبْر (أي عالِم) والسبع الأول ست منها متفق عليه وهي البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والسابعة مختلف فيها والذي رجّحه بعض الباحثين أن السورة السابعة هي سورة يونس لأن الصحابة كانوا يسمونها "السابعة"، سورة يونس كانت تسمى في عهد الصحابة السابعة، يدل على أنها سابعة السبع الطوال. هذه السورة من أخذها مع السور الأخرى فهو حِبْر. وابن مسعود له كلمة في هذه السورة وله موقف أيضاً في هذه السورة. أما الموقف فهو ما في صحيح مسلم أن النبي أمره أن يقرأ عليه القرآن قال لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ " اقرأْ عليَّ القرآنَ " قال فقلتُ: يا رسولَ اللهِ ! أقرأُ عليك، وعليك أُنْزِلَ ؟ قال " إني أشتهي أن أسمعَه من غيري " فقرأتُ النساءَ حتى إذا بلغتُ: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا [ 4 / النساء / الآية - 41 ] رفعتُ رأسي أو غمَزَني رجلٌ إلى جنبي فرفعتُ رأسي فرأيتُ دموعَه تسيلُ. وفي روايةٍ : قال لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وهو على المنبرِ ، " اقرأ عليَّ " .الراوي: عبدالله بن مسعود المحدث:مسلم - المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: 800 - خلاصة حكم المحدث: صحيح.
            هذا الموقف، وأما المقولة فإنه يقول من قرأ آل عمران فهو غنيّ والنساء مُحبَّرة (أي متقنة) وبعض الناس يقول النساء مَحْبَرة (من الحبور) والحبور في اللغة هو السرور يعني مصدر للسرور إما أن تكون مُتقنة أو مصدر للسرور وكلا المعنيين يظهر في السورة والله أعلم وإن كان يحتاج مزيد تأمل لكن الإتقان في الأحكام في هذه السورة عظيم وهي تبعث على السرور لأنها تُظهر من كمال الدين ما يجعلك تفرح به جداً.
            وهذه السورة أظن أن أيّ كافر من المتعلمين والمثقفين لو قرأ معاني هذه السورة ولو قرأها بالعربية لكان خيراً لو قرأ ترجمة معانيها بأيّ لغة فإنه لا يشك أن هذا القرآن ليس من عند النبي وقد جاء في آخر السورة (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا ﴿١٧٤﴾)
            هذه السورة العظيمة بدأت بالنداء وهذه أول سورة تبدأ بالنداء والنداء من الله لا ينبغي أن نمرّ عليه سريعاً، الله ينادي وأنت أحد المنادَيْن في غالب الآيات إلا في بعض الآيات الخاصة بالنبي وأحياناً ينادى النبي وتدخل أمته معه في الحكم وأحياناً يكون الحكم خاصاً بالنبي لكن أكثر النداءات (يا أيها الناس) ندخل فيه، (يا أيها الذين آمنوا) نسأل الله أن يثبتنا على الإيمان، فهذه السورة بدأت بالنداء. أنت عندما تتكلم ولله المثل الأعلى مع إنسان فإنك تتكلم معه بدون نداء إلا إذا شعرت أنه شارد أو منصرف أو أردت أن تنبهه أن الأمر مهم. كل هذا محتمل فالإنسان قد يكون غافلاً فيحتاج إلى النداء وقد يكون منشغلاً بأمر آخر فيحتاج إلى النداء وقد يكون غير مستحضر لعظمة الأمر فيحتاج إلى النداء فربّ الأرض والسماء في مطلع هذه السورة بالآية التي كان يقرؤها النبي في خطبة الحاجة التي تقال في خطبة الجمعة وفي غيرها (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) فبدأت بالنداء وتكررت فيها النداءات كثيراً.
            هذه السورة مثل السور التي قبلها باستثناء الفاتحة نزلت في المدينة ونزلت في مدة طويلة بخلاف سورة آل عمران وقد مر معنا أن سورة آل عمران تتعلق بحدثين: بغزوة أحد وقدوم وفد نصارى نجران على المصطفى العدنان أما سورة النساء فتتعلق بأحداث متفرقة مما يدل على أنها ظلت تنزل فترة طويلة مثل البقرة ظلت تنزل عشر سنوات، هذه السورة أقل لكنها ظلت تنزل على فترات تربي أصحاب النبي وهنيئاً لهم تلك الآيات التي نزلت على قلوبهم كما ينزل الماء البارد على من أصابه الظمأ.
            سورة النساء امتدّ نزولها واشتملت على أحكام كثيرة وإذا مررنا على موضوعات هذه السورة ولاحظنا فيها النداءات التي تتكرر. بدأت بنداء (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) وختمت بـ(يَا أَيُّهَا النَّاسُ) وبينهما نداءات كثيرة، هذه النداءات تعين على التركيز في معاني السورة وتنبه أن موضوعاً انتهى وموضوعاً استؤنف وهذه السورة باعتبار أنها في المدينة الذي يكثر فيها هو الأحكام الشرعية ومن اسمها نتنتبه أن النساء سيُذكرن في السورة كثيراً ويُذكر معهن اليتامى لأنهم يشتركون معهن في الضعف ويذكر معهم صغار السن والضعفة فهؤلاء تتعلق بهم كثير من آيات السورة التي تمتلئ برحمة الله . هذه الأحكام تأخذ جزءاً كبيراً من السورة ومعها أحكام أخرى تتعلق بالقتال لكن دائماً إذا انتهى نداء وقبل أن يأتي النداء الآخر تأتي موعظة من الله يأتي حديث عن التوبة كقوله بعد النداء الأول وقبل النداء الثاني يقول (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً (17) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (18)) (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ) ما معنى بجهالة؟ قالوا: كل من عصى الله فهو جاهل وليس المقصود أنه لا يعرف الحكم الشرعي لكن عندما أكذب أو أغشّ أو أنظر نظرة محرّمة أو أغتاب إنساناً أنا جاهل بحقيقة من أعصيه، جاهل بحقيقة المصير وإن كنت أعرف الحكم لكن هذا نوع من الجهل المؤقت هذا الجهل قد تعقبه يقظة من رحمة الله بالعبد (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ) ما هي المدة؟ قالوا كل ما دون بلوغ الروح الحلقوم فهو قريب، الأيام تمر سريعاً جداً فكل ما دون الموت قريب فمن تاب قبل أن تبلغ ه الحلقوم وقبل أن تطلع الشمس من مغربها فقد تاب من قريب وإنما لو الإنسان نظر إلى ظهر الأرض السوء بجهالة يحس أنه لا بد أن يكون جاهلاً ومن قريب يعني يوم يومين ثلاثة لكن الله كريم . ثم قال (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) هذه توضح الآية التي قبلها، وصل للمرحلة التي لا تنفعه فيها التوبة نسأل الله السلامة. ما علاقة هذه الآيات عن التوبة بآيات الأحكام؟ قبلها آيات أحكام وبعدها آيات أحكام، قبلها آيات مواريث وأحكام في الزنا والعياذ بالله ونحوه وبعدها آيات (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا (19)) لماذا آيات التوبة هنا؟ وتتكرر بعد ذلك أيضاً بعد نداء آخر يقول الله (وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا (27) يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا (28)) وبعد النداء الثالث يقول الله (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيدًا (41)) قال قبلها (إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (40)) هذه ليست أحكام شرعية وإنما في مراقبة الله والحساب (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيدًا (41) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثًا (42)). وبعد النداء الذي بعده يقول الله (وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا (27) يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا (28)) ثم يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ (29)). قد أكون قدّمت في بعض الآيات وأخّرت لكن القصد أنه كلما جاء نداء وقبل النداء الآخر تأتي موعظة وكلام في الإيمان ومراقبة الله في العقاب والحساب وفي الجنة والنار لأن القلب لا يستطيع أن يمتثل أحكام الله إلا بهذه الموعظة، لا يكفي حتى تمتثل أن تعرف الحكم قد تعرف الحكم لكنك لا تميّز يحتاج إلى إيقاظ، يحتاج إلى تذكير، يحتاج إلى تنبيه ويحتاج إلى التذكير بالله أولاً وهذا يستمر في كل الآيات غالباً إذا سمعت آية من آيات الأحكام تجد في نهايتها (إن الله كان بكل شيء عليما) (والله على كل شيء شهيد) ونحو ذلك حتى ترتبط بالله ثم تأتي الموعظة لترقق القلوب وتعين على امتثال أمر الله .
            يقسم بعض العلماء هذه السورة إلى قسمين:
            القسم الأول فيه نداءات ثمان، لن نذكرها لكن تتوسطها آية تشمل هذه النداءات كلها يقول الله (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58)) وهذه الآية سبقتها أربع نداءات كلها لها علاقة بمسألة الأمانة ومنها آيات المواريث لأن إعطاء كل من كتب الله له حظاً وحقاً في الميراث وإن كان هذا لا يعجباً بعض الناس، كيف أعطي امرأة أو كيف أعطي ضعيفاً أو يتيماً أو من لا يقدر أن يساعدنا بشيء؟! وهذا كلام نسمعه كثيراً فكيف يحرمإنسان امرأة من حقها؟ أو يحرم أيّ مخلوق من حق أوجبه الله له في كتابه، هذه مسألة عظيمة. (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) جاءت قبلها أحكام شرعية تتعلق بإعطاء كل ذي حق حقه. قال الله (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) فما بعد هذه الآية نداءات متساوية في العدد مع التي قبلها، قبلها أربع نداءات وبعدها أربع نداءات تتكلم عن الحكم بين الناس بالعدل وأول ذلك (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ (59)) ومنه الاحتكام إلى كتاب الله وإلى النبي وجاء فيها (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا (65)) لو أن أفضل القضاة والأذكياء والحكماء اجتمعوا ليحكموا في مسألة من المسائل وخالفوا حكم الله فهؤلاء لم يحكموا بالعدل وإن سموا أنفسهم محكمة العدل الدولية! هذا لا يغير من الحقيقة شيئاً فالعدل إنما هو في دين الله . ومن إقامة العدل القتال في سبيل الله ولذلك ذُكر هنا وإلا كيف يأخذ المظلوم حقه؟! كلما أتى واحد ذبح الناس قالوا لا يمكننا أن نفعل له شيئاً!! قال الله (وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا (75)) تقاتل في سبيل الله وتقاتل في سبيل المستضعفين. فالقتال في سبيل الله هو من إقامة العدل وليس ظلماً، القتال بما شرع الله، الجهاد في سبيل الله ليس ظلماً وإنما هو من إقامة العدل في الأرض ولذلك لا ينبغي فيه تجاوز الحدّ ولذلك جاءت آيات في السورة تبين أن الإنسان (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ (94)) لا تقاتل في سبيل الله كلما رأيت شخصاً ذبحته وأخذت غنيمته! قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ) في الجهاد (فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا) رجل يسلّم عليك تقول لست مؤمناً لأنك تريد ما عنده من مال (تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ).
            وضمن هذه الايات ذكر حكم القتل الخطأ للمؤمن والقتل العمد للمؤمن وحكمه وهذا كله من إقامة العدل أعني إعطاء القصاص وقتل من قتل نفساً بغير حق إلى غير ذلك من أحكام.
            أما القسم الثاني من السورة فجاءت فيه تثبتات للمؤمنين وفضائح للمنافقين ودعوة لأهل الكتابوكأن الآيات السابقة بعد أن بينت دين الله وبينت كماله وبينته عدله وبينت كيف يعطي كل ذي حق حقه احتاج المؤمنون إلى التثبيت وإلى معرفة أحوال المنافقين الذين ذُكوا من قبل في آيات القتال ولكن فُصّل فيهم هنا فقال (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138)) وذُكر أهل الكتاب وخُتمت السورة بقوله (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا (174) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ) أسأل الله أن يجعلنا منهم (وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا).
            ثم ذُكرت آية من أحكام المواريث وقد كانت آيات المواريث قد ذُكرت في أول السورة ثم ذُكرت هنا لتذكّر بعظم هذا الأمر وأهميته وأنه لا ينبغي التساهل فيه وأنه بيان من الله. وانظر إلى المشاكل العائلية الآن في أماكن كثيرة تجد مشاكل كبيرة في عائلة بسبب أنهم من ثلاثين سنة ما وزّعوا الميراث! بينهم خصومة وخلاف وعوائل أخرى بينهم مودة ومحبة وأعرف أناساً أشرفوا على توزيع تركة لبعض المليونيرات الكبار في البلد أناس يبقون عشر سنوات يتضاربون في الميراث وأناس ينتهوا في أيام بتوزيع الله وهو أرحم الراحمين وهو العليم الحكيم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
            سمر الأرناؤوط
            المشرفة على موقع إسلاميات
            (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

            تعليق


            • #7
              جهد مشكور أيتها الفاضلة ، ثقل الله موازينك بالحسنات، وجزاك أحسن الجزاء.
              أستاذ مساعد بقسم البلاغة والأدب في كلية اللغة العربية بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

              تعليق


              • #8
                سورة المائدة
                ‫ط§ظ„طھط¹ط±ظٹظپ ط¨ط³ظˆط± ط§ظ„ظ…طµطظپ ط§ظ„ط´ط±ظٹظپ 5 ظ„ظ„ط´ظٹط® / ظ…طظ…ط¯ ظ†طµظٹظپ‬â€ژ - YouTube
                مع سورة المائدة وتسمى سورة العقود. بعض السور لها أكثر من اسمها وهذه السورة اسمها المشهور المائدة ومن أسمائها من استنباط بعض العلماء سورة العقود. المائدة لأنها ذكرت قصة المائدة في آخرها والعقود مناسب لافتتاحها فأولها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ) وموقع هذه السورة لطيف جداً قلنا أن السور التي تسمى السبع الطوال البقرة وآل عمران والنساء والمائدة هذه على التوالي سور مدنية ثم الأنعام والأعراف ويونس على الراجح وهذه سور مكية والأحكام تكون عادة في السور المدنية التي نزلت بعد الهجرة فسورة البقرة ذكرت فيها أحكام كثيرة، سورة آل عمران ذكرت فيها أحكام كثيرة والنساء ذكرت فيها أحكام كثيرة وعقود، قال الله في سورة المائدة في أولها بعد أن ذكر كل تلك الأحكام في البقرة وآل عمران والنساء قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ) كأنه يقول: أوفوا بكل ما سبق. لو قرأنا البقرة وآل عمران والنساء سنجد عقوداً كثيرة أُمرنا بها فتأتي سورة المائدة تبدأ بقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ) فهذا من مناسبة هذه السورة لما قبلها من السور. وهذه السورة إذا قارناها بالسور التي قبلها فهي آخر واحدة نزلت منهن يعني البقرة وآل عمران والنساء نزلت قبل المائدة، المائدة نزلت متأخرة في معظم آياتها متأخرة النزول وهي من آخر سور القرآن نزولاً بل فيها آية عظيمة نزلت في حجة الوداع في يوم عرفة وهي قوله تعالى (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا (3)) جاء رجل يهودي يتكلم مع عمر بن الخطاب يقول إن في كتابكم آية لو أُنزلت علينا معشر يهود لاتخذنا ذلك اليوم عيداً - اليهود مشهورون بكثرة الاحتفالات ونحن في ديننا عندنا عيدان لكن هذه القصة تدل على معرفة اليهود بقدر هذه الجملة وهي جزء من آية – فقال عمر : وما تلك الآية؟ قال (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) فقال عمر إني لأعلم متى نزلت نزلت يوم الجمعة يوم عرفة والنبي في عرفة في حجة الوداع تبشّر المؤمنين (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) فهذه الآية متأخرة النزول جداً أكثر من سورة البقرة وسورة آل عمران وغزوة أُحد ونحو ذلك، هذه السورة متأخرة فجاء فيها الإيفاء بالعقود. وكلمة العقود جمع والمفرد عقد يختصرها بعض الناس في أشياء محدودة: عقد البيع، عقد الإيجار، عقد الزواج ولكن العقد في الشرع أوسع من ذلك، أنا وأنت باعتبارنا مسلمين في عقد مع الله ومجيئك إلى الصلاة وأداؤك للصلاة في وقتها وتطهّرك قبلها والتزامك بشروطها وأركانها وواجباتها تجديد للعقد وتوثيق للعقد مع الله والذي يفرّط فيها يُضعف من رابطة العقد مع الله لأن الصلاة صلة بين العبد وبين الله وكذلك بقية العبادات دخول الإنسان في الإسلام يعني شيئاً آخر (صِبْغَةَ اللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ۖ وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138) البقرة) قبل أن يدخل الإنسان في الإسلام يكون حاله مختلفاً جداً عمن يدخل في الإسلام وإذا دخل في الإسلام لا يحق له أن يخرج بعد أن دخل كما هو معروف في أحكام الردّة نعوذ بالله من الخذلان. القصد أن الإنسان باعتباره يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله هو في عقد عظيم مع الله فقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ) تشمل كل العقود سواء كانت في العقود المالية أو عقود النكاح ونحوها وغيرها كلها داخلة. والله بدأ هذه السورة بالنداء للمؤمنين وبدأ السورة التي قبلها بالنداء للناس فقال (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) وهنا قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ) وهذه السورة لا يشركها في هذا الافتتاح نداء المؤمنين في بداية السورة إلا في سورتين أخريين وهي سورة الحجرات وسورة الممتحنة وكلها فيها أحكام خاصة بالمؤمنين منها هذه السورة ومنها تلك السور.
                هذه السورة بعضها آيات متأخرة جداً وبعضها آيات متقدمة، يقول الله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90)) هذه آية تحريم الخمر والخمر حرمت على المشهور في السنة الثالثة للهجرة فهي متقدمة لأن حجة الوداع في السنة العاشرة للهجرة وهذه في السنة الثالثة إذن سنوات وهي تنزل تربي المؤمنين. وفيها آيات نزلت قبل غزوة بدر وغزوة بدر في السنة الثانية للهجرة، إذن هذه السورة طويلة النزول امتد نزولها وأكثرها متأخر لكن منها ما كان متقدماً.
                هذه السورة ليس لها فضل خاص، لكن هي من السبع الطوال ويقول النبي "أوتيت السبع الطوال مكان التوراة" وهذا عطاء عظيم من الله لنبيه ابتداء ولمن أخذ بهذا الميراث من أتباع النبي وتعلم هذه السورة فقد أخذ شيئاً أُعطيه النبي في مقابل التوراة الذي أعطيها موسى عليه وعلى نبينا أفضل صلاة وأتم تسليم.
                أقسام السورة
                هذه السورة يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام مع خاتمة تربط بين تلك الأقسام أو تلخص ما سبق وتعطي النتيجة النهائية. لأن الله في أول السورة يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ) ويقول في خاتمة السورة (قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿١١٩﴾) فالذي يوفي بالعهد يوشك أن يسمع هذا الكلام من رب العزة والجلال (يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ) فالذين لم يوفوا بالعقود لم يصدقوا والذين أوفوا بالعقود صدقوا فهذه الخاتمة مناسبة.
                القسم الأول في السورة مملوء بالنداءات وهذه السورة فيها نداءات كثيرة مثل سورة النساء فيها نداءات كثيرة وهذه السورة أيضاً يكثر فيها النداء جداً. فالقسم الأول بدأ بقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ) وجاءت فيه خمس نداءات:
                · الأول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ)
                · والأمر الثاني (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ (2)) رجّح الإمام الطبري أن المراد (لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ) لا تحلوا شيئاً حرّمه الله، مثلاً في مكان من الأماكن في بلد من البلدان يسمح بشرب الخمر وأنها غير ممنوعة وأنه لا يعاقب شارب الخمر هذا من إحلال شعائر الله وهو من مخالفة شعائر الله. بعض العلماء يخصص هذه الاية بأحكام الحج أي لا تغيّر في أحكام الحج وشيخ المفسرين الإمام الطبري يقول الآية عامة تشمل كل إحلال لما حرّم الله أو تحريم لما أحلّ الله، فكما لا يجوز تحليل ما حرّم الله كذلك لا يجوز تحريم ما أحلّ الله .
                · الأمر الثالث قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ (6)) وهي آية الوضوء وهي تشبه آية في سورة النساء ذكر فيها الوضوء وذكر فيها التيمم.
                · الأمر الرابع يقول الله فيه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ (8)) وهنا أمر صعب جداً. قال (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ) أحياناً الإنسان يكون بينه وبين إنسان عداوة أو خصومة فتحمله هذه الخصومة على أن يكذب أو قد لا يكذب ولكن يبالغ قليلاً يضيف بعض الأمور على القصة حتى يصوّر نفسه مظلوماً، قد يكون مظلوماً لكن يزيد من العبارة ما يصوّر الشيء على أكثر من حقيقته. قال الله (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ) أي لا يحملنكم (شَنَآنُ قَوْمٍ) أي بغض قوم (عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى).
                · النداء الخامس والأخير في القسم الأول قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11))
                لسنا بصدد تفسير كل الآيات وإنما الغرض المرور على الآيات.
                جاءت هذه النداءات ثم جاءت قصص ومواقف لأقوام نكثوا بالعهود ولم يوفوا بالعقود حتى نأخذ منهم العبرة.
                فذكر الله اليهود قال (وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ (12) فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13)) الله يمزج في الآيات وتأتي الأمور متشابكة بحيث الذي لا يتأمل ولا يتدبر لا يستفيد. الله ذكر هنا أناساً لم يوفوا بالعهد لكن بيّن العاقبة قال (فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً) فالإنسان إذا لم يوفي بالعقد مع الله يكون جزاؤه اللعن وقسوة القلب فإذا اشتكى الإنسان من قسوة القلب عليه أن يراجع حساباته هل هو موفي بالعقد مع الله ومع الناس؟ البعض يستأجر مثلاً ولا يراعي صاحب البيت فيصنع فيه ما يشاء بما يخالف العقد ولا يستأذن والله يقول (أوفوا بالعقود) كذلك إذا أردت أن تبيع شيئاً فيه عيب لا بد أن تبينه، فهذه الأمور والمخالفة فيها تقسي قلب الإنسان (فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً).
                ثم ذكر النصارى أيضاً (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ (14)) خالفوا أيضاً.
                ثم ذكر قصة لبني إسرائيل مع موسى وفيها مخالفة أيضاً وهي قوله تعالى (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ (20)) فضل كبير على بين إسرائيل، ما المطلوب منهم؟ قال (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21)) هنا اختبار للوفائ بالعقد فبدأ سوء أدبهم من أول قولهم (قَالُوا يَا مُوسَى) هو نبيهم والمفترض أن يخاطبوه بالتعظيم فيقولوا: يا نبي الله، يا رسول الله، يا كليم الله، لكنهم قالوا (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22) قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (23)) كان هناك رجلان عندهم خوف من الله وهذه إشارة أن الذي يوفي بالعقد يخاف من الله أما هؤلاء فقالوا (إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ). (قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ) يخافون الله كما رجّح الإمام الطبري (أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا) بأن الخشية موجودة في قلوبهما (ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ) كما أمركم الله (فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) فما تكلموا مع هؤلاء بحسب الظاهر من الآية وإنما خاطبوا موسى بكلام غير مؤدب (قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24)) كلمة قبيحة جداً!! وهذه القصص إنما تُذكر ليأخذ المؤمنون منها العبرة وقد أخذوها ففي غزوة بدر استشار النبي أحابه فيما يصنع فقال المقداد كما في صحيح البخاري: لا نقول كما قال قوم موسى اِذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون وإنما نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك. يقول الراوي فرأيت النبي أشرق وجهه وسُرّ بهذا القول. وفي رواية لنفس القصة في سيرة ابن اسحق قال المقداد: يا رسول الله امضِ بما أراك الله فنحن معك والله لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغمام (وهي منطقة في اليمن) لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه (بمعنى أننا نمشي معك حيث تذهب). والشاهد في هذا أن الصحابة أخذوا العبرة لما سمعوا القصة صارت حاضرة في أذهانهم، هي لم تنزل عليهم وقت المعركة لكن من تدبرهم لها عرفوا أنهم مقصودون بها وأنهم مطالبون أن لا يسيروا سير أولئك القوم حتى لا يصلوا إلى مصيرهم والعياذ بالله.
                والشاهد الآخر في القصة أن هذه الآيات نزلت قبل غزوة بدر، ذكرنا أن بعض آيات السورة نزل متأخراً جداً لكن هذه الآيات نزلت مبكراً لأن الصحابي استشهد به في غزوة بدر مما يدل على أن هذه الآيات نزلت مبكراً.
                ثم ذكر الله قصة ابني آدم اللذين قتل أحدهما الآخر كما هو معروف (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27))
                ثم خُتم هذا القسم بآية عظيمة يقول الله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35)) بعد أن ذكر حال أولئك مع الجهاد ذكر هنا (وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
                في القسم الثاني من السورة كان هناك تثبيت للنبي لأن القسم الأول يُشعر أن بعض الناس سيوفي بالعقد وبعض الناس لن يوفي بالعقد قال الله في بداية هذا القسم مخاطباً خير خلقه (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ) هم في الظاهر سيوفون بالعقود (وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ) والعِبرة بالقلب لا باللسان (وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41)) ذكرت الآيات من صفاتهم ما ينبغي أن يحذر منه كل من أراد أن يوفي بعقد الله ولا يرتكس ارتكاسهم.
                وفي هذا القسم جاءت حقائق
                أولها: وجوب الاحتكام لشرع الله قال فيها (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ (49)) وقال فيها (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ (48)) الأمم السابقة كانوا مطالبين بكتبهم، مطالبين بتحكيم التوراة وبتحكيم الإنجيل وجاء في الآيات (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44)) وهؤلاء لم يوفوا بالعقد. وفيها (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45)) وفيها (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47)) ثم بيّن الله أن هذا الكتاب الذي أُنزل على نبينا حاكم على كل الكتب السابقة قال (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ (48)) مهيمناً عليه يعني شاهداً عليه، التوراة الآن موجودة بعضها صحيح وبعضها محرّف فإذا أردت أن تعرف إن كان الذي في التوراة صحيحاً أو كاذباً فالحل أن تحكم بالقرآن على كل ما في الكتب السابقة لأنه جاء مهيمناً على كل ما في الكتب السابقة لأن النبي هو خاتم الأنبياء والمرسلين.
                بيّن الله أيضاً في هذا القسم صفات الذين يوفون بالعقد قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ) فلا يوفي بالعقد (فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54))
                في القسم الأخير من السورة أُمر النبي بتبليغ الرسالة وخصص أهل الكتاب بالدعوة قال الله (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67)) وقال (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68))
                وفي هذا القسم جاءت أحكام كثيرة مخاطباً بها المؤمنون قال الله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87) وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ (88)) وقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90)) إلى آخر ما ذكر من آيات وكان منها قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللّهُ عَنْهَا وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101))
                وفي خاتمة السورة كما قلنا أن السورة تأمر بالوفاء بالعقود وتبين حال من أوفوا وحال من لم يوفوا، صفات هؤلاء وصفات أولئك وتأمر النبي بتبليغ الدعوة كلها وتبليغ الدين كله وعدم كتمان شيء وحاشاه ثم تأتي الخاتمة ترتجف لها القلوب يقول الله في أولها (يَوْمَ يَجْمَعُ اللّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (109)) الرسل أرسلوا وذكرت رسالتهم في هذه السورة وأمروا أقوامهم بالوفاء بالعقود وهنا يجمع الله الرسل لأنهم سيشهدون على أممهم قال (يَوْمَ يَجْمَعُ اللّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ) تأمل في قول الرسل الذي يجل على التسليم الشديد لله والخوف منه، الرسل يقولون لا علم لنا، بعض العلماء يقولون هذه في وقت من يوم القيامة يذهل فيه الناس لا يستطيعون الإجابة من شدة الخوف والرهبة وبعضهم قالوا (لا علم لنا) يعني لا علم لنا إلا بشيء أنت أعلم به منا فالرسل وإن شهدوا فإن شهادتهم ليست مثل علم الله وإحاطته بوفاء الناس بالعقود ونكثهم لها (يَوْمَ يَجْمَعُ اللّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ).
                ثم ذكر الله مواقف في كلام الله مع نبيه عيسى وقد كثر ذكر النصارى في هذه السورة وجاء هنا الخطاب مع عيسى ومنه قوله (وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (116)).
                وجاء في آخر السورة ما هو ختام لها وهو ختام لمسألة الوفاء بالعقود وهو تذكير للمؤمنين بعاقبة من يصدق ويوفي وتحذير لغيرهم (قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ (119)) نسأل الله أن يجعلنا من الصادقين وأن ينفعنا بصدقنا عند رب العالمين (قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119)) ومثل هذه الآية إذا فكر فيها الإنسان وقد صعُب عليه الوفاء بشيء من شرع الله سهُل عليه الأمر لأنه عرف الموعد، الموعد عند الله .
                ثم قال (لِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ) وإذا كان كذلك فلماذا يعترض الإنسان على أحكام الله؟ لماذا لا يتوقف عن إعطاء كل ذي حق حقه؟ لماذا يتوقف عن أيّ حكم من أحكام الله؟ (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (120)) فهو قادر علينا ونحن نعمل في دار الامتحان هنا وهو قادر علينا يوم نلقاه هناك نسأل الله أن يعل لقاءنا لقاء تشريف وكرامة.
                سمر الأرناؤوط
                المشرفة على موقع إسلاميات
                (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

                تعليق


                • #9
                  سورة الأنعام
                  ‫ط§ظ„طھط¹ط±ظٹظپ ط¨ط³ظˆط± ط§ظ„ظ…طµط­ظپ ط§ظ„ط´ط±ظٹظپ 6 ط§ظ„ط´ظٹط®/ ظ…ط­ظ…ط¯ ظ†طµظٹظپ‬â€ژ - YouTube
                  (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ (1)) هذا مطلع سورة الأنعام. (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ) هذه الآية نفهم منها مقصود السورة وهدفها وهذه السورة نزلت في مكة، كل السور التي قبلها من الطوال بخلاف الفاتحة نزلت في مكة على المرجّح وبقية السور كلها مدنية وهذه أول سورة مكية. ومعنى أنها مكية أي نزلت قبل الهجرة وليس المقصود أنها نزلت في مكة. (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا (3) المائدة) هذه الآية نزلت في حجة الوداع في عرفة ويعتبرها العلماء مدنية لأن مدنية لا يقصد بها مكان النزول وإنما يُقصد على المرجّح ما كان بعد الهجرة وبعد الهجرة، فما كان قبل الهجرة مكي وما كان بعد الهجرة مدني فهذه السورة قبل الهجرة مكية نزلت قبل الهجرة. وبعض العلماء يرى أنها نزلت دفعة واحدة لأن هذا وردت في أحاديث عن النبي لكن هذه الأحاديث اختلف العلماء في صحتها فمن رأى صحتها رأى أنها نزلت دفعة واحدة وأنها نزل معها سبعون ألف ملك يشيّعونها أو أنها نزلت معها من الملائكة ما سدّ الأفق أم كما جاء في الأحاديث وهذه الأحاديث فيها ضعف وبعض العلماء يحسّنها لكثرة طرقها وشواهدها وبعض العلماء يرون أنها غير صحيحة وفيها خلاف بين العلماء القدماء والمعاصرين لكن المهم أنها نزلت في مكة.
                  هذه السورة تدور حول التوحيد، توحيد الله تعالى ووجوب إفراده بالعبادة، الأدلة على ذلك، تدور حول الأدلة على التوحيد وعلى وجوبه عقلاً ونقلاً وتدل أيضاً على شدة التعجب من تصرف الكافرين الذين يؤمنون بوجود الله ثم يعبدون غيره ولهذا قال الله تعالى في أول آية التي هي مفتاح السورة (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ) يساوون بين الذي خلق السموات والأرض ووجعل الظلمات والنور يعدلون به غيره والعياذ بالله! وهذا أمر غريب! خلق السموات والأرض وما فيها وجعل الظلمات والنور فينبغي أن يتجه المخلوقون جميعاً إليه لكن العجيب أن الذين كفروا بربهم يعدلون فهذه السورة تدور في كثير من آياتها حول هاتين القضيتين: حول أن الله هو الذي أوجد كل شيء وهو الذي يتصرف في كل شيء ويدبر أمر كل شيء وبيده ملكوت كل شيء وأن الكفار عندما عدلوا به غيره قد ضلوا ضلالاً بعيداً وأتوا أمراً لا يُتصور عقلاً. ولذلك تتكرر لفظتان في هذه السورة - لو الإنسان قرأ هذه السورة وهي ليست بالقصيرة حوالي 22 صفحة – يجد لفظتين تتكرران كثيراً الأولى (وهو) عائدة إلى الله تتكرر كثيراً في السورة. أول السورة قال (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴿١﴾ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ﴿٢﴾ وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ﴿٣﴾) تكررت (وهو) عائدة إلى الله . ثم قال (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ﴿١٨﴾) (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٦٠﴾ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ ﴿٦١﴾) إلى غيرها من الآيات تتكرر كثيراً (وهو). وإذا أراد الإنسان أن يزيد يقينه بربه وأن يزيد من توحيده لله وأن يزيد من توجهه إلى الله فليركزّ على هذه الآيات (وهو) لأن بعدها من صفات الله ما يدعو إلى التوجّه إليه. صحيح أن الآيات تتحدث ابتداء عن المشركين، عن الشرك الأكبر، عمن يُشرك مع الله غيره، لكن المؤمن يحتاجها لأن عندنا ضعف في التوحيد ولأن عندنا وقوع في الشرك الأصغر، فلو أن أحدنا لديه حاجة في مصلحة من المصالح وبحث عن واسطة من البشر وتوجه إليها وطلب منها المساعدة ونسي الله في هذه اللحظة، هذا كما أفتت هيئة كبار العلماء من الشرك الأصغر لا يُخرج من الملّة لكنه ضعف في التوحيد وخلل في التوحيد. التوحيد الكامل يعني التوجه الكامل إلى من بيده ملكوت كل شيء وكلما ضعفت أدلة التوحيد في القلب وضعف استحضار أن من يملك السموات والأرض هو الله وأن من يأخذ بالنواصي هو الله وأن الذي يرزق هو الله يضعف توحيد العبادة بحسب ضعف توحيد المعرفة بالله فهذه الآيات (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ﴿٣﴾) (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ﴿١٨﴾) (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ ﴿٦١﴾) وغيرها من الآيات تزيد من التوحيد في القلب وتذكّر الإنسان بالحقيقة التي قد تغيب بقدر الإيمان تبقى هذه الحقيقة ظاهرة وبقدر ضعف الإيمان تضعف هذه المعاني فيضعف التوجه إلى الله . كان النبي جالساً تحت ظل شجرة فجاءه رجل بسيفه قال من يمنعك مني؟ قال: الله! حقيقة ظهرت أمام رسول الله فأثّرت على تصرفه لكن تخيل لو أن الإنسان وقف مثل هذا الموقف ماذا يفعل؟ هل يقول الله؟! لا أظن، لأن الإيمان ضعيف وقد يقول قائل هذا خاص بالنبي وهذا غير صحيح لأن أصحاب النبي لهم من المواقف التي ظهر فيها توحيدهم لله واستحضارهم لعظمته وقيوميته وملكه للسموات والأرض ما هو معلوم عند البعض وقد يخفى عند البعض لكنه موجود. من ذلك مثلاً الصحابي الذي ضلّ في الغابة وهو سفينة (وهذا لقبه) جاءه أسد فقال يا أبا الحارث (وهذه كنية الأسد) وتخيل قوة الإيمان ورباطة الجأش أنه يكنّي الأسد والقصة ثابتة، قال يا أبا الحارث أنا مولى رسول الله فطأطأ الأسد رأسه. قال سفينة: دلّني على الطريق، فقال الراوي: فطأطأ الأسد راسه وأخذ يغمغم واقترب من سفينة وصار يضربه برأسه حتى يدله على الطريق حتى نجا سفينة في هذا الموقف العجيب لكنه ليس بعجيب على من آمن أن كل شيء بيد الله .
                  فهذه السورة تتكرر فيها كلمة (وهو)يتأمل فيها الإنسان حتى يقوي الإيمان. الإيمان يضعف ويقوى، ينقص ويزيد، وما يقويه مثل هذه الآيات (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ﴿٣﴾)
                  الكلمة الأخرى التي تتكرر كثيراً هي (قل) والخطاب فيها موجه في معظم الآيات إن لم يكن في كل الآيات في السورة للنبي في خطابه مع المشركين غالباً. الآية ي أول السورة (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) هذا الجزء من الآية تغذّيه في السورة كل كلمة (هو) تؤكد على هذا المعنى أنه خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور. (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴿١﴾) هذه تحتاج إلى نقاش فالله يخاطب نبيه بأمور يأمره أن يوجهها إلى الكفار ليوقظهم من غفلتهم يدلهم على بطلان عقيدتهم فيقول مثلاً (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴿١١﴾) امشوا في الأرض وانظروا الذين من قبلكم من الذين اشركوا بالله ماذا كان مصيرهم؟ (قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَاْلأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿١٢﴾) يأمر الله نبيه أن يقول لهم لمن ما في السموات والأرض؟ ثم يأمره أن يجيب هو (قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) وإذا كان ما في السموات والأرض لله والله كتب على نفسه الرحمة إذن لماذا يعدلون به غيره؟! ثم يقول (وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿١٣﴾) وهذا دليل على وحدانيته ودليل على بطلان شرك أهل الشرك، (وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) وما تحرّك، كل شيء لا بد أن يسكن في لحظة مهما كان قوياً لا بد أن يسكن والله هو الذي يملك كل ما سكن وهو الذي يحرّكه بعد أن يسكن وهو في كل ذلك سميع عليم وإذا كانت بيده الحركة والسكون جلّ في علاه فإلى من نتوجه؟! هو الحي الذي لا يموت وبيده ما سكن في الليل والنهار . ثم قال لنبيه (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿١٤﴾) تتوالى الآيات في ذكر التوحيد وفي ذكر قهر الله لعباده وإحاطته بهم قدرة وعلماً حتى تتوجه القلوب إليه ولا تتعلق بشيء غيره.
                  في نهاية القسم الأول من السورة الذي يدور حول التوحيد وحول بطلان أهل الشرك يختم الله لنا بقصة عظيمة نعرفها جميعاً وهي قصة إبراهيم وهي قصة توحيد. وقصة إبراهيم ذكرت في سور كثيرة لكن في هذه السورة ذكرت فيها أمور لم تُذكر في السور الأخرى وفي السور الأخرى ذكر ما لم يُذكر هنا ومن أسباب ذلك كما ذكر العلماء والعلم عند الله أن القصة تُذكر في كل سورة لعبرة معينة فيُذكر من القصة ما يناسب تلك العبرة. وقد ذكرت هذه القصة في هذه السورة للرد على أهل الشرك وبيان بطلان عبادتهم غير الله وأن المستحق للعبادة هو الله فذكر الله من قصة إبراهيم ما يناسب ذلك. قال الله (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آَزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آَلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴿٧٤﴾ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴿٧٥﴾) إبراهيم نشأ في بيئة الكفار الذين يعبدون الأصنام لكن الله أراه ملكوت السموات والأرض وكلنا يرى ملكوت السموات والأرض لكن من الذي يجعله ذلك يوقن بالله ويتوجه إلى الله؟ نحن نرى الشمس تغرب كل يوم واليوم الثاني تطلع وبعض الناس يمرون على هذه الظاهرة كما قال الله (وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4) الأنعام) غروب الشمس آية، وطولعها غداً آية، وعندما نطفئ الأنوار في المسجد ليلاً يصبح الظلام دامساً نحتاج لفترة قد نتعود على الوضع وقد يخاف الإنسان أو الأمر ويُفجع لأنه لا يعرف ماذا حصل في الكهرباء لكن إن تتأمل في لطف الملك هل تضايقت يوماً عندما يأتي الليل بعد النهار؟! وإنما بكل هدوء ويسر ينتقل الحال من نهار إلى ليل دون أي ضواضاء دون أي ازعاج أو قلق أو تشويش، بل على العكس إذا رأيت الشمس وهي تغرب ترتاح وتطمئن وتقول سبحان الملك كيف ينقل الناس من حال إلى حال. فإبراهيم كان يرى هذا (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) والله بهذا ينبهنا على الطريقة التي يزيد بها اليقين ويستيقظ الإنسان من غفلته ويعرف أن للكون مدبراً واحداً . قال (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ ﴿٧٦﴾ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ﴿٧٧﴾ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ﴿٧٨﴾ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) بما فيها الشمس والقمر والكواكب (حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿٧٩﴾) وذكر الله محاجته لقومه (وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ﴿٨٠﴾ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٨١﴾).
                  ثم ذكر الله في هذه السورة عدداً كبيراً من الأنبياء لم يجتمع في سورة أخرى ليدل على أن التوحيد لم يكن خاصاً بإبراهيم وإنما هو سيما الأنبياء بل هو دعوة الأنبياء فلا ينبغي أن يخفى على المشركين فيتعجبوا من دعوة النبي فالنبي عندما دعا إلى التوحيد لم يدعُ بشيء جديد قال بعد أن ذكر إبراهيم (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿٨٤﴾ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴿٨٥﴾ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا( 18 نبي في سورة واحدة في مكان واحد (وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ ﴿٨٦﴾ وَمِنْ آَبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ) كانوا أيضاً على التوحيد (وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٨٧﴾ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا) لو هؤلاء الأنبياء العظماء الأولياء لو أشركوا (لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٨٨﴾) الذي رفعهم ليس جنسهم ولا لونهم ولا بلدهم ولا أموالهم، ما نفعهم إلا التوحيد (وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
                  ثم ختم الله هذا القسم وقد بدأه بشرك أهل الشرك عندما قال (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) هذا في الدنيا، في الآية 94 ذكر حالهم في الآخرة فقال (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ﴿٩٣﴾ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) كل واحد يأتي فرداً من غير ملابس كما أخبر النبي غير مختونين (وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ) كل ما أعطاهم الله سيتركه ولا يدخل معهم في قبرهم إلا عملهم (وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴿٩٤﴾) هكذا انتهى القسم الأول من السورة في إثبات وحدانية الله وتفرّده وفي إثبات بطلان شرك أهل الشرك.
                  القسم الثانيبدأ بقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴿٩٥﴾) والآيات طويلة لكن نحاول أن نختصر، ذكر الله في هذه الآيات أدلة على وحدانيته وذكر مواقف عجيبة لأهل الشرك قال (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ) ماذا عند الجن والله فالق الحب والنوى؟! والله جعل الليل سكناً والشمس والقمر حسباناً وهو الذي جعل النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البحر (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ) هؤلاء الجن مخلوقون لله فكيف تُعبد من دون الله ؟! (وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ ﴿١٠٠﴾). ثم ذكر أمراً عجيباً آخر فقال (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا) يحلفون أنهم لو رأوا آية سيؤمنوا، وهذه السموات والأرض والليل والنهار وتصريف الرياح والنجوم أليس هذه آيات؟ هي آيات ولكن (وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ) لذلك قال عنهم هنا (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا). ثم ذكر أمراً عجيباً منهم وهو أنهم بدأوا يشرّعون لأنفسهم (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا) بدأوا يقولون من عندهم هذا حلال وهذا حرام، والله هو الذي خلق وهو الذي رزق وهو الذي يملك وهو الذي بيده كل شيء فهو الذي له الحق أن يقول هذا حلال وهذا حرام وهو الذي له الحق أن يحرّم بعض المطعومات من الزرع وبعض المطعومات من الحيوان لكنهم بدأوا هم يتصرفون في ذلك وردّ الله عليهم (فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴿١٣٦﴾) واستمرت الآيات تذكر نعم الله على العباد وتذكر كيف أنهم يحاولون التحريم والتحليل من عند أنفسهم ويقول النبي لهم (أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا (114)) مين يحكم غير الله؟! (أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴿١١٤﴾) إلى أن قال (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) أنا آتيكم بما هو حرام (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿١٥١﴾) وذكر ثلاث آيات لخّص فيها المحرّمات في ذلك الوقت لأنه في مكة كثير من الأمور ما كانت حُرّمت لكن ذكر بعض المحرّمات الأساسية في الدين في الوصايا العشر التي ذُكرت في آيات ثلاث (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿١٥١﴾ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿١٥٢﴾) إلى أن قال (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿١٦١﴾ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿١٦٢﴾ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴿١٦٣﴾ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴿١٦٤﴾) فعادت السورة إلى توحيد الله وإلى إثبات دعوة رسول الله التي هي التوحيد الخالص وإفراد الله بالعبادة وبالتوجه في كل حركات الحياة وسكناتها (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) أُمر بها رسول الله ونحن لرسول الله تَبَع نفعل ما فعل فنسأل الله أن يميتنا على التوحيد وأن يوجه قلوبنا إليه، اللهم وجّه قلوبنا إليك، اللهم أعذنا من الشرك الأكبر والأصغر.
                  سمر الأرناؤوط
                  المشرفة على موقع إسلاميات
                  (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

                  تعليق


                  • #10
                    سورة الأعراف
                    ‫ط§ظ„طھط¹ط±ظٹظپ ط¨ط³ظˆط± ط§ظ„ظ…طµط­ظپ ط§ظ„ط´ط±ظٹظپ 7 ط§ظ„ط´ظٹط®/ ظ…ط­ظ…ط¯ ظ†طµظٹظپ‬â€ژ - YouTube


                    سورة الأعراف وهي أولى الطوليين، أطول سورتين في السور التي نزلت قبل الهجرة هي الأعراف والأنعام فتسميان الطوليين وطولاهما سورة الأعراف فهي أطول من سورة الأنعام. وبعض أهل التفسير رأى أن هذه السورة شرح لآيتين من سورة البقرة. وبين سورة البقرة وهاتين الآيتين اللتين في سورة البقرة وبين سورة الأعراف ارتباط وثيق من جهة أن هاتين الآيتين ذكرتا في قصة آدم في سورة البقرة وسورة الأعراف بدأت بذكر آدم وختمت بذكر شيء له علاقة ببني آدم وذكرت فيها نداءات كثيرة لم تذكر في سور أخرى في القرآن جاء النداء بـ(يا أيها الناس) (يا أيها الذين آمنوا) (يا أهل الكتاب)، هذه السورة اختصت بأربع نداءات (يا بني آدم) مما يُشعر أن آدم محور أساسي وموضوع أساسي في هذه السورة.
                    يقول الله في سورة البقرة بعد أن أُهبط أبونا وأمنا من الجنة بعد أن أكلا من الشجرة (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٣٨﴾ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٣٩﴾) هاتان الآيتان في آخر قصة آدم تفصيلهما جاء في هذه السورة الطويلة سورة الأعراف.
                    هذه السورة من السور المكية بكل آياتها. ومن طولها استنبط بعض العلماء أنها نزلت في آخر العهد المكي لأننا لو نظرنا إلى السور التي نزلت في بداية العهد المكي نجدها قصيرة مثلاً سورة العلق، سورة الضحى، سورة المسد، وسورة الأعراف طويلة وسورة الأنعام طويلة، سورة الإسراء طويلة فرأى بعض أهل العلم أن هذا يدل على وقت نزولها تقريباً لأننا ولله المثل الأعلى في المنهج الدراسية تبدأ مناهج المرحلة الابتدائية مختصرة خفيفة ثم تزيد المناهج في المرحلة الثانوية ثم في الجامعة فهذا تدرج في التعليم. السور المدنية غالبها طويل والسور المكية فيها القصير والمتوسط والطويل لكن الطويل قليل وهذا منهج تربوي أن الإنسان يبدأ بالتدرج شيئاً فشيئاً وهذا من رحمة الله بخلقه فلو أنزل القرآن على قلب المصطفى دفعة واحدة وقال لا بد للبشر أن يعملوا بكل هذا القرآن لكان ذلك أمره لكن الله حكيم ولطيف ورؤوف بالعباد فيتدرج ويرفق بالعباد شيئاً فشيئاً والحمد لله على نعمة الإسلام ونعمة القرآن.
                    هذه السورة اسمها الأعراف مأخوذ من موقف مذكور في السورة لأن الأعراف هو السور الذي بين أهل الجنة وأهل النار على خلاف طويل لكن المشهور فيه أنه سور هو المذكور في سورة الحديد قال الله تعالى (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12)) إلى أن يقول (يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13)) انظرونا يعني انتظرونا، هذا كلام المنافقين للمؤمنين. هذا السور هو سور الأعراف والأعراف منها عرف الديك وهو شيء مرتفع بارز فالأعراف فيها نوع من الارتفاع قالوا إذن هو السور الذي في سورة الحديد لكن من هم أصحاب الأعراف المذكورون في هذه السورة (وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ)؟ هؤلاء على أشهر الأقوال قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فظلوا في هذا المكان فترة من الزمن على خلاف طويل بين السلف في تحديد حالهم، فهذا سبب التسمية ورود ذكر الأعراف فيها. والسورة من السبع الطوال التي من أخذها فهو حِبر.
                    وقد عدّ بعض أهل العلم من فضائلها أن النبي قرأ بها كاملة في صلاة المغرب رغم طولها وعادة النبي في المغرب أنه لا يقرأ الطوال لكنه قرأ بهذه السورة العظيمة التي تذكر بالآخرة تذكيراً منقطع النظير.
                    موضوع السورة رأى بعض العلماء أنه شرح للآيتين في سورة البقرة (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى) الهدى يأتيك الوحي، الرسول ومعه الهدى (فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ) مشى وراء النبي مشى وراء آيات القرآن: اترُك، اِفعل، قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم، لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة، وإذا قلتم فاعدلوا، اتقوا الله وكونوا مع الصادقين (فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) مما يستقبلهم بعد الموت، هكذا يحمله عامة المفسرين في أكثر الآيات (وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٣٨﴾) على ما فاتهم من الدنيا. قال (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٣٩﴾) وهذا يُشعر بشيء خطير الناس فريقان: من يتبع الهدى والمقابل الكافر لكن المسلم قد يتّبع بنسبة معينة فيظل مسلماً ويكون عنده شيء من التقصير فيكون له حظ من (فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) كلما زاد اتباعنا للهدى الذي أتانا من ربنا كلما زدنا دخولاً في سلك هؤلاء (فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) جعلنا الله منهم.
                    أقسام السورة
                    لو نظرنا لهذه السورة فقد قسمت عند بعض أهل العلم إلى ثلاثة أقسام تفهمها من خلالها:
                    القسم الأوليبدأ بقوله (المص ﴿١﴾) بعد هذه الحروف التي مر معنا شيء من تفسيرها أول كلمة يقول الله (كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ) وهو القرآن (فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ) وآخر آيات السورة لنعرف علاقة آيات السورة بعضها ببعض، أولها ذكر الكتاب وأنك لا بد أن تتمسك به (كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿٢﴾) وفي آخر السورة (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿٢٠٤﴾) فكل السورة تدور حول التعامل مع القرآن والدعوة بالقرآن والدعوة إلى القرآن وهذا هو ما ذُكر في سورة البقرة (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى) بنو إسرائيل جاء الهدى، موسى والتوراة ثم طائفة منهم جاءهم هدى عيسى والإنجيل ونحن جاءنا خير البرية سيد ولد آدم فهدانا خير هدى مع فضل موسى وعيسى إلا أن الله أكرمنا ولا بد أن نشعر بكرامة الله لنتمسك بها فكرامتنا أعظم كرامة: كرامة كوننا من أمة النبي وهو أوتي خير هدى القرآن أفضل من التوراة والإنجيل مع فضل الجميع ومهيمناً عليه، القرآن مهيمن على الكتب السابقة يحكم عليها ولا تحكم عليه، يصححها ولا تصححه، ينسخها ولا نشخه فنحن في منّة عظيمة أن هذا الهدى جاءنا (كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿٢﴾ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴿٣﴾) في هذا المطلع دعا الله إلى التمسك بالقرآن وبيّن أن قيمة كل عبد تكون هناك قال (وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٨﴾ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ﴿٩﴾) ثم ذكر قصة آدم وذكرت قصة آدم في هذه السورة بطريقة لم تُذكر في السور الأخرى. ولو قرأنا سورة الأعراف نلاحظ فيها -قلنا أن هدف سورة الأعراف أن الإنسان إذا جاءه الهدى من الله فسينقسم إلى أحد حالين إما أن يتبع الهدى فينجو وإما أن يُعرض عنه فيهلك – ما سبب الهلاك وما سبب النجاة؟ لو لاحظنا أكثر لفظين مذكورين في السورة بلفظهما أو بمعناهما أمران: الكِبر والنُصح. الكِبر يكثر كثيراً في السورة، معصية إبليس الكبرى الكِبر، القوم الذين كذبوا وذُكروا في السورة عدة أقوام كلهم فيهم الكبر بدرجات متفاوتة، ذكر الكبر كثيراً في السورة لأنه أكثر ما يصرف الإنسان عن هدى الله هو الكبر قال الله في هذه السورة في آية مخيفة وقوله الحق يقول الله ويُسند الفعل إلى نفسه (سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ) يصرف الله أناساً عن آياته فلا يستوعبوها ولا يشعروا بها ولا يخافوا منها ولا ينتفعوا بها (سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا) يرون طريق الخير لكن مشكلتهم الكِبر (وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا) يرى الطريق الخطأ ويعرف أنه خطأ ويتخذه سبيلاً والعياذ بالله! (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ﴿١٤٦﴾) إذن الكبر أعظم ما يصرف الإنسان عن الوحي وبعض السلف يقول فيما يروى عنه (سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) قال أمنعهم من فهم كلامي. تخيل إنساناً لا يفهم كلام الله الذي خلقه وكلّمه كي ينجو، يُمنع عن فهم هذا الكلام فكيف ينجو؟! لا يمكن أن ينجو. فالكبر معنى متكرر كثيراً في هذه السورة.
                    المعنى الثاني "النُصح" وأن عدم قبول النصيحة سبب لهلاك وأن النصح هو سبيل الرسل. ومن أعجب العجب أن الله ذكر أن إبليس عندما وسوس لآدم لما أُدخل آدم وحواء الجنة قال الله (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ﴿٢٠﴾ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ﴿٢١﴾) النصح جاء على لسان إبليس وهذا يعني أنك لا تقبل أي نصيحة مع أن رفض النصيحة خطأ لكن إذا جاءك النصح من إبليس ويقول لك عش حياتك كسائر الناس، أتصلي كل صلاة في وقتها؟ اسهر قليلاً ثم نم ثم تفرج على البرامج فيؤخره ويؤجله وينصحه! لكنها نصيحة فاسدة (وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ).
                    بعد قصة آدم جاءت نداءات متكررة أربع نداءاتلم تتكرر في سورة من القرآن. قال:
                    1. (يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴿٢٦﴾) الستر نعمة من الله، ستر العورة نعمة من الله، آدم وحواء عندما أكلا من الشجرة أول ما وقع لهما أن انكشفت عورتهما (فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا) بعض الناس يدّعي الآن أن التطور هو في كشف العورات لكن آدم أول شيء بدت لهما سوءاتهما فتصرفا مباشرة (وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ) ليسترا عوراتهما، ثم جاء الامتنان من الله (يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴿٢٦﴾) اللباس هذا نعمة من الله ولباس التقوى ذلك خير.
                    2. ثم قال الله (يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ) قصة آدم ليست تاريخاً فقط وإنما هي حتى نحذر من الطريق (يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿٢٧﴾)
                    3. ثم قال الله (يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴿٣١﴾)
                    4. ثم قال الله (يَا بَنِي آَدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٣٥﴾ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٣٦﴾)
                    ثم ذكر الله عاقبة الفريقين في الآخرة في وصف عجيب وفي نداء من أهل الجنة لأهل النار (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴿٤٤﴾)
                    ثم ذكر نداء أهل النار لأهل الجنة وذكر بينهما حديث أهل الأعراف
                    ثم ذكر الله قصصاً قصة نبي الله نوح وهود وصالح ولوط وشعيب ثم ذكر موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. كل هذه القصص تمثل نماذج لأناس جاءهم هدى فانتفعوا به أو أعرضوا عنه. وكثر فيها مسألة الكبر ومسألة النصح فتجد نوحاً يقول (أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿٦٢﴾) ويقول هود (أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ ﴿٦٨﴾) وعندما أهلك الله قوم صالح قال (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴿٧٨﴾) تولى صالح عن قومه بعد أن أهلكهم الله وقال (فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ ﴿٧٩﴾) عندهم مرض، لا يحبون النصح والذي لا يحب النصح يهلك والعياذ بالله. وقال شعيب (فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آَسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ ﴿٩٣﴾) هؤلاء الذين لم يقبلوا النصحية والإيمان بالله كانوا من الكافرين فكيف يأسى عليهم؟! وكيف يحزن عليهم؟!
                    ثم ذكر الله قصة موسى وكانت قصة موسى طويلة جداً في السورة ذكر حال موسى مع فرعون ثم ذكر حال موسى مع قومه بعد فرعون ثم ذكر حال قوم موسى بعد موت موسى وذكر في ذلك من العبر ما ذكر وإذا تأملت تلك الآيات تجد أن النصح والكبر متكرر فيها جداً ومنها قصة أصحاب السبت (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ) كانت تأتيهم الحيتان يوم السبت وغير يوم السبت الذي يسمح لهم بالصيد لا تأتيهم (كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴿١٦٣﴾ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴿١٦٤﴾) فكان هناك من ينصحهم وكان هناك من ينصح الناصحين ويقولون لهم لم تنصحوهم؟! اتركوهم في حالهم (وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴿١٦٤﴾) إلى أن مُسِخ أولئك قردة وخنازير والعياذ بالله!
                    وفي ختام السورة تذكير بالعهد الأول الذي أُخذ على البشرآدم لما أُهبط قيل له (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى (38) البقرة) لكن هنا يصف الله حالة أخرى قال (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) وهذا أمر غيبي نؤمن به (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ﴿١٧٢﴾) ثم ذكرت نماذج في السورة تبين حال بعض من لم يوفي بالعهد ومن لم يستجب للوحي منها قوله (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا) ومن رحمة الله في القرآن أنه عندما يذكر حالة شخص سيء أو حالة مهلكة يذكر بعض صفات أولئك حتى لا تصل إلى ما وصلوا إليه قال (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا) هذا شخص أعطاه الله من آياته إذن هذا شخص عنده علم (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴿١٧٥﴾ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ) هذا هو الشاهد وهذه الصفة التي وصفه الله بها لتعرف سبب هلاكه قال (وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ) إذن اتباع الهوى مع أن الإنسان عنده آيات من آيات الله بلغته لكن اتباع الهوى يهلكه (وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ) نسأل الله السلامة.
                    وفي آخر السورة قال الله (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿٢٠٤﴾) وهذه وصية عظيمة من الله فالقرآن لا يكفي أن نقرؤه ولا أن نسمعه إنما لا بد أن ننصت ونحاول أن نعي علنا نكون من المرحومين. (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ ﴿٢٠٥﴾ إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ۩﴿٢٠٦﴾) فمن لم يستجب لوحي الله ومن لم يستجب لهدى الله فالله غني عنه فعنده الملائكة وعنده من خلقه من يسجد له ويسبحه فمن سجد معهم نجا وربح ومن سجد معهم تنحى الشيطان يبكي جانباً كما في الحديث ومن أعرض هلك والعياذ بالله مع الهالكين أسأل الله أن يجعلنا من المقبولين.
                    سمر الأرناؤوط
                    المشرفة على موقع إسلاميات
                    (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

                    تعليق


                    • #11
                      سورة الأنفال والتوبة
                      ‫ط§ظ„طھط¹ط±ظٹظپ ط¨ط³ظˆط± ط§ظ„ظ…طµط­ظپ ط§ظ„ط´ط±ظٹظپ 8 ط§ظ„ط´ظٹط®/ ظ…ط­ظ…ط¯ ظ†طµظٹظپ‬â€ژ - YouTube


                      هاتان السورتان متصلتان جداً وبينهما تشابه كبير ولذلك سنعرضهما على شكل مقارنة ألا وهما سورتا الأنفال والتوبة وهما سورتان متتاليتان في المصحف وليس بينهما بسملة حتى عدّ بعض العلماء أنهما بمثابة السورة الواحدة وموضوعهما متقارب جداً إذ هما تتحدثان عن أمر واحد أساسي في الدين لا يتم الدين إلا به ولا يقام الدين على ما يرضي الله إلا به ألا وهو الجهاد في سبيل الله. فسورة الأنفال وسورة التوبة مترابطتان جداً بينهما كثير من الأمور المشتركة وبينهما عدد من الأمور المختلفة جداً والتي ينبغي التنبه لها.
                      النبي قسّم القرآن إلى السبع الطوال والمئين والمثاني والمفصّل، قال أوتيت السبع الطوال مكان التوراة وأوتيت المئين مكان الزبور (المئين جمع مئة) وأوتيت المثاني مكان الإنجيل (معناه أن الزبور والتوراة والإنجيل في مكان هذه السور) وفُضّلت (وهو أفضل الأنبياء مع فضلهم جميعاً) وفُضلت بالمفصّل. السبع الطوال هي ست سور متفق عليها والسابعة على الأصح هي سورة يونس، الست هي البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف، هذه ست متفق عليها والسابعة مختلف فيها والأصح أنها سورة يونس كما رجّح بعضهم. بقي التفريق بين المئين، ما هي المئين؟ وما هي المثاني؟ المفصّل من سورة ق إلى سورة الناس. ما ليس من السبع الطوال وما ليس من المفصّل إما أن يكون من المئين وإما أن يكون من المثاني، إن كان مئة آية أو أكثر فهذا يكون من المئين وإن كان أقل يكون من المثاني.
                      عندنا سورة الأنفال وعندنا سورة التوبة، سورة الأنفال 75 آية على العدّ الكوفي (ومصاحفنا التي نقرأ بها برواية حفص عن عاصم على العدّ الكوفي لأن هناك عدة طرق للعد عن السلف أخذوها عن النبي فهماً وهذا لا يشكك في القرآن، القرآن كامل بحروفه لكن أين كان النبي يقف؟ لأن السنة كما هو مقرر عند أهل التجويد الوقوف على رؤوس الآيات، فكان النبي يقف أحياناً في موطن فيعتبره بعض الصحابة أنه رأس آية وأحياناً لا يقف فيختلفون في ذلك وهناك أسباب أخرى في علم خلص هو علم عدّ الآي) في العد الكوفي الذي نقرأ به في المصحف الذي بين أيدينا برواية حفص عن عاصم سورة الأنفال 75 آية إذن هي من المثاني وسورة التوبة 129 آية إذن هي من المئين فهما من قسمين مختلفين: الأنفال من المثاني مكان الإنجيل والتوبة من المئين مكان الزبور وهذا كله شرف لهذه الأمة أنها أعطيت ما أعطي السابقون مع فضل وهو المفصّل.
                      هاتان السورتان نزلتا في المدينة وهذا تشابه بينهما لكن هناك فرق كبير بينهما لأن سورة الأنفال نزلت بعد غزوة بدر في السنة الثانية للهجرة وسورة التوبة نزلت متأخرة جداً وفي صحيح البخاري أنها آخر سورة نزلت ولذلك أحكام القتال اختلفت واختلف عرضها بين الأنفال وبين التوبة ولا ينبغي أن تعتبر آية في الأنفال ناسخة لآية في التوبة لأنها بعدها لا يمكن أن تنسخها فسورة التوبة فيها أحكام القتال تختلف عن أحكام سورة الأنفال وهذا لا يتنبه له الكثيرون. وكثير من أحداث سورة التوبة مرتبط بغزوة تبوك وهي متأخرة جداً وفي صحيح البخاري أن النبي حجّ حجة الوداع ولم يحج في السنة التي قبلها لأنه كان المشركون يطوفون عراة فأرسل أبا بكر الصديق يحج بالناس وأرسل معه منادياً يؤذّن أن لا يطوف بالبيت مشرك إلى آخر ما في الحديث وأمر علياً بن أبي طالب أن يقرأ سورة التوبة على الناس مما يدل على أنها في تلك الحقبة في فترة متأخرة ولذلك الكلام في السورتين يختلف. القتال أعمّ وذكرت فيه الجزية في سورة التوبة وسورة الأنفال ليست في هذه المسائل.
                      سورة الأنفالليس لها اسم ثاني وهذا اسمها المشهور وإن كان ذكر بعضهم أنها تسمى سورة الجهاد ذكره الإمام الطبري في تاريخه وذكر أنها كانت تُقرأ في المعارك، يقرأون سورة الأنفال استحثاثاً للقلوب على التقرب إلى الله بالجهاد. أما كلمة الأنفال فمعناها الغنائم، هذا أقرب معنى له وإلا فإن هناك خلافاً بين العلماء في التدقيق في الفرق بين الأنفال والغنائم.
                      مطلع السورة (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (1)) الأنفال الغنائم على خلاف يسير في تفصيل المراد بمعنى الغنائم.
                      أما سورة التوبة فأسماؤها كثيرة وقد مر معنا أن سورة الفاتحة هي أكثر السور أسماءً أوصلها السيوطي إلى أربعة وعشرين أو خمسة وعشرين اسماً. سورة التوبة لها اسماء كثيرة وكثرة الأسماء تدل على خصوصيات في السورة. سورة التوبة نعرفها بهذا الاسم ومن أسمائها المشهورة براءة لأنها تتبرأ من المشركين والتوبة لأنها تدعو إلى التوبة والرجوع عن النفاق لأنه ذُكر فيها النفاق كثيراً وذكرت فيها التوبة عموماً مع المنافقين وغيرهم وتسمى الفاضحة لأنها فضحت أحوال المنافقين إلى غير ذلك من أسمائها.
                      السورتان تدوران حول الجهاد لكن لما اختلف التاريخ والوقت التي نزلت فيه كل سورة اختلف المقصود في الكلام عن القتال، فسورة الأنفال نزلت بعد غزوة بدر وغزوة بدر غزوة نصر للمسلمين بعد ضعف (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ (123) آل عمران) فكانوا في حالة ضعف ثم جاءهم النصر فجاءتهم أوامر وتعليمات من الله وجاءتهم التربية وكان من أظهر ما يظهر في سورة الأنفال وهو عجيب – ولله المثل الأعلى طالِب نجح في اختبار صعب فغالباً ما تمدحه وتشجعه – لكن هذه السورة سارت بطريقة أخرى تماماً فكان الحديث في كثير من آياتها في أن هذا النصر كان من الله وأنكم لم تكونوا تملكون شيئاً وأن الذي ألّف بين قلوبكم وجعلكم لُحمة فنصركم هو الله قال (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63)) (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64)) وقال قبلها في أول السورة مخاطباً النبي ومخاطبًا الصحابة (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ) من الذي قتل في المعركة؟ العين تقول الصحابة والله يقول (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَناً إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17)) وقد رمى النبي الحصباء في وجوه المشركين (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَناً (17)) إلى غير ذلك مما ذكر في السورة حتى أن الله ذكر في السورة أنه صرّف أبصار المؤمنين والكافرين فرأوا الأشياء على غير حقيقتها نصرًا للمؤمنين وخذلانًا للكافرين (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً (44)) الكفار كانوا كُثُر، كانوا ألفًا وكان المؤمنون ثلاثمائة وبضعة عشر فالفرق كبير ثلاثة أضعاف يقول الله (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ) ترون الكفار (إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً) إذن عينهم لم تر الشيء على حقيقته وإنما رأته على غير حقيقته بما يخدم مصلحة المسلمين لأنه لو رأوا هذ الأضعاف المضاعفة لخافوا قال (وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ) مدد الله للمؤمنين بأن يتحكم في الأبصار، المؤمنون أصلاً قلة فقللهم أكثر حتى لا يكترثوا بهم أصلاً ولذلك جاء عن أبي جهل أنه قال قبل المعركة: إنما محمد وأصحابه أكلة جزور (يعني ذبيحة نأكلها) ولو التقينا فالتقوا فمكّن الله المؤمنين من رقاب الكافرين، فالسورة دارت على أن الأمر بيد الله وجاء في السورة (وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10)) حتى لا يكون في قلوب المؤمنين أن هذا النصر كان من قدرتهم لأنه إن حصل هذا جاءهم الخذلان لأن الذي يعتمد على نفسه يهلك والذي يعتمد على الله (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ فَإِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (49)) فجاءت هذه السورة تربي الصحابة على هذا الأمر. وجاءت فيها أوامر كثيرة تعين على القتال واللافت فيها أن معظم هذه الأوامر لا تلتفت إليها جيوش العالم عندما تتقاتل. الجيش عندما يريد أن يتقاتل يقال له جهّز سلاحك، امسك المكان الفلاني، ادخل من الجبهة الفلانية، لكن الله يأتينا بأوامر بعيدة عن كل هذا فيقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ (20)) ويقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)) وسط آيات القتال ويقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (27)) ويقول (يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً (29)) فرقانًا أي نصرًا على الكفار مثل يوم الفرقان الذي هو يوم غزوة بدر (يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً) تقوى الله ليست في حسابات الجيوش البشرية التي لا تأخذ الوحي من الله ولا تأخذ دين الله، هذا أمر ليس بالحسبان بل قد يسكرون قبل المعركة، هذا واقع! أما الله فيأتينا بالأوامر التي يحتاجها الجيش المسلم ولذلك بدأت السورة بصفات المؤمنين قال (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴿٢﴾ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴿٣﴾ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴿٤﴾) وهؤلاء هم الذين ينصرهم الله . والسورة دارت حول الحثّ على القتال مع مثل هذه الوصايا وجاء فيها (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ (60)) الأسباب المادية مطلوبة لكن التركيز كان أكثر على الإيمان والتقوى وطاعة الله . جاء الحثّ على القتال وجاء ما يغيظ المؤمنين ويزيد من بغضهم للكافرين فجاءت الصفات التي في الكفار التي تدعو إلى قتالهم فأنت لا تقاتلهم لأنهم أخذوا أرضك وإنما تقاتلهم لأنهم عصوا ربك وأشركوا به (قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ (29) التوبة) جاءت آيات كثيرة تبين أن القتال للكفار لأنهم كفار هذه علة لقتالهم وهم يستحقون لهذا أن يقاتَلوا لأنهم يعصون الله في أرضه وتحت سمائه .
                      أما القسم الأخير في السورة فقد جاءت فيها تقسيمات ربانية للبشرلأنه بعد غزوة بدر كان الناس أصنافاً: المهاجرون الذين تركوا ديارهم لأجل الله ورسوله وهؤلاء مؤمنون وهناك الأنصار وهم مؤمنون واستقبلوا المؤمنين في المدينة وصارت هناك دولة تستطيع أن تقاتل الكفار وقبل ذلك لم يكن هناك قتال. وطائفة ثالثة من المؤمنين لم تهاجر من مكة وبعضهم شارك في بدر وربما قُتل بعضهم في بدر خطأ لم يُعرف أنهم مؤمنون ويذكر هذا عن العباس أُسر في بدر وكان يخفي إيمانه على ما في بعض الروايات، هذه الطائفة الثالثة لم تهاجر فلها حق ولكنه ليس كحق من هاجر ونصر والطائفة الرابعة وهي طائفة الكفار، ذُكرت هذه الأقسام في آخر السورة.
                      موضوع سورة التوبةتتكلم عن الجهاد لكن بعد تقوية الدولة الإسلامية وبعد الفتح وبعد النصر فجاء فيها (قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ) لم يُذكروا في سورة الأنفال وكان التركيز أكثر على المشركين وقتال المشركين لكن هنا أهل الكتاب هم اليهود والنصارى وأكثرهم خارج الجزيرة العربية وليسوا العدو الأول مثل مشركي أهل مكة، العدو الأول انتهى لكن الآن القتال أعم ليس للمشركين وإنما لأهل الكتاب قال (قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29)) وهذا الشاهد على أن القتال ليس لأنهم قاتلونا. جاءت سورة أخرى (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ (190) البقرة) هذا حكم سابق لكن هنا (قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ) هذه عل"تهم وهي علّة خطيرة (وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ) ليسوا مشركين (حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) ثم بيّن الله بعض صفاتهم التي تدعو المؤمن لبغضهم قال (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30)) إلى آخر ما ذكر عنهم.
                      هذه السورة سورة التوبة ترسي قواعد الدولة الإسلامية وقد استقرت خلافاً لسورة الأنفال. فبدأت السورة وهي مقسمة إلى ثلاثة أقسام
                      جاء القسم الأول يأمر بالبراءة من المشركين(بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ (1)) وجاء فيها تحريم الولاء لهم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (23) قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)) هذه سورة التوبة وليست سورة الأنفال ففيها مفاصلة سديدة وفيها بيع النفس لله وجاء في آخرها (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ (111))
                      في القسم الثاني من السورة بعد التبروء من المشركين والأمر بقتالهم جاء القسم الثاني مبتدءاً بقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (38)) فأمر بالنفير العام وأطال الكلام عن المنافقين الذين يتهربون من هذا النفير والذين يرجفون بين صفوف المؤمنين ويبين حال المؤمنين الكُمّل. وجاء في هذا القسم أن النفير العام لا يقتضي أن ينفر كل أحد لأنه لو نفر كل الناس يحصل اختلال في الصف (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122)) لو حصل قتال للمسلمين في أي مكان لا ينبغي أن ينفر كل المسلمين لأن هذا يكشف المسلمين في مكان آخر وفي ثغر آخر وإنما كل مسلم في المكان الذي يكون فيه أو يصل إليه يخدم دين الله فيما يستطيع في ذلك المكان الذي هو فيه.
                      وفي آخر السورة جاءت آيات عظيمة مناسبة لما جاء في السورة لأن هذه السورة فيها آيات صعبة على النفس وهي بيع النفس لله وفيها القتال مع الكفار فجاءت آخر السورة تذكّر بحقيقة النصطفى وأن هذه الأوامر لا تتعارض مع هذه الحقيقة قال الله (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ) الشيء الذي يشق على المؤمنين يشق على النبي (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) ومع كل هذه الصفات التي اتصف بها النبي إلا أنه قاتل وأمر بالقتال مما يدل على أن القتال في عاقبته رحمة بالمؤمنين لأن المؤمنين إذا كفّوا عن القتال تسلّط عليهم الأعداء كما هو معلوم وذبحوهم ذبح النِعاج ولذلك كان لا بد من إقامة هذه الشعيرة وهي جزء من دعوة النبي الحريص على المؤمنين وهو بهم رؤوف رحيم. قال (فَإِن تَوَلَّوْاْ) إذا رفض الناس (فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ) يكفيني الله (فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ).
                      سمر الأرناؤوط
                      المشرفة على موقع إسلاميات
                      (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

                      تعليق


                      • #12
                        سورة يونس وسورة هود
                        ‫ط§ظ„طھط¹ط±ظٹظپ ط¨ط³ظˆط± ط§ظ„ظ…طµط­ظپ ط§ظ„ط´ط±ظٹظپ 9 ط§ظ„ط´ظٹط®/ ظ…ط­ظ…ط¯ ظ†طµظٹظپ‬â€ژ - YouTube


                        هاتان السورتان مع ما بعدها من سور يوسف والرعد (على قول) وإبراهيم ثم سورة الحجر هذه السور لها تسمية لورودها في حديث عن النبي فقد جاء في مسند الإمام أحمد بسند حسن عن الأصح عن عبد الله بن عمرو بن العاص أتى رجلٌ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ، فقالَ: أقرِئني يا رسولَ اللَّهِ، قالَ لَهُ: اقرَأ ثلاثًا من ذاتِ الر. (سورة يونس تبدأ بـ (الر) وكذلك هود ويوسف وإبراهيم والحجر أما سورة الرعد فتبدأ بـ (المر) بزيادة حرف الميم) ولذلك بعض العلماء أدخلها في هذه المجموعة وبعضهم لم يُدخلها). قال: اقرأ ثلاثاً من ذات الر - وهذه تسمية لهذه المجموعة وإشعار أن بينها نوعاً من العلاقة - قالَ لَهُ : اقرَأ ثلاثًا من ذاتِ الر ، فقالَ الرَّجلُ : كبِرَت سنِّي ، واشتدَّ قلبي ، وغلُظَ لساني ، (هذا نوع من الاعتذار لرسول الله أن هذه السور طوال نسبياً فالرجل كبير في السن ويصعب عليه التعلم) قالَ له النبي : فاقرأ مِن ذاتِ حم (وهذه السور تبدأ من سورة غافر إلى سورة الأحقاف وهي أقصر من تلك السور) فقالَ مِثلَ مقالتِهِ الأولى (وهذا يدل على صبر النبي على من يريد التعلّم أخذه بالرفق ولم يعنّفه بأنه يتكبر على كلام الله!) فقالَ: اقرأ ثلاثًا منَ المسبِّحاتِ (أكثرها قصير مقارنة بتلك السور فالنبي يتدرج مع هذا الرجل وهذا يُشعر أن السور التي تبدأ نفس البداية بينها نوع من العلاقة) فقالَ مِثلَ مقالتِهِ فقالَ الرَّجلُ: ولَكِن أقرئني يا رسولَ اللَّهِ سورةً جامعةً فأقرأَهُ: إذا زُلْزِلَتِ الأرضُ حتَّى إذا فرغَ منها (وسورة الزلزلة سورة جامعة وفي بعض الأحاديث وصف بعض آياتها أنها الفاذّة الجامعة كما وصفها النبي ) قالَ الرَّجلُ: والَّذي بعثَكَ بالحقِّ، لا أزيدُ عليها أبدًا، ثمَّ أدبرَ الرَّجلُ فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: أفلحَ الرُّوَيْجلُ، أفلحَ الرُّوَيْجلُ (يعني إن وفّى بهذا الأمر أفلح) إلى آخر الحديث. فهذا الحديث يربط بين هذه السور نأخذ منها اليوم سورة يونس وسورة هود وبينهما تقارب في أمور شتى كما أن هناك تقارباً بين الأنفال والتوبة، سورة يوسن وسورة هود بينهما تقارب:
                        أولاً في المطلع (الر)
                        ثانياً كلتاهما مكية وكلتاهما فيما يبدو في نفس الفترة المكية لأن النقاش مع الكفار شديد والتهديد عظيم لكن عندنا آيات قليلة من سورة هود نزلت في المدينة وهي قوله تعالى (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) عندما جاء رجل إلى النبي وقد قارف بعض الإثم فأخبره بالتكفير بالصلاة ونحو ذلك ونزلت هذه الآية مما يدل على أن هذه الآية والتي بعدها مستثناة (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ﴿١١٤﴾ وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴿١١٥﴾) (الآيتان من سورة هود مستثناة من المكية). هذه نزلت في المدينة بعد الهجرة.
                        من التشابه بين السورتين أن كلتيهما تحملان اسم نبي، هذه هود وهذه يونس وكذلك كل السور التي تبدأ بـ (الر): يوسف اسم نبي، إبراهيم اسم نبي، الحجر ليست اسم نبي بل هي اسم مكان لقوم كذبوا بنبي فعُذّبوا وهذا يناسب مقصود سورة الحجر، فالسورة اسمها قد يُشعر بمقصودها، وسورة الرعد ليست على اسم نبي وسيأتي الحديث عنها.
                        لكن سورة يونس لها اسم آخر أما سورة هود فليس لها إلا هذا الاسم. سورة يونس تسمى "السابعة" كان الصحابة يسمونها الصابعة لأنها سابعة الطوال الست التي نهايتها الأعراف.
                        هاتان السورتان إذا قرأت بدايتهما تعرف مقصودهما وموضوعهما. سورة يونس بدأت بقول الله تعالى (الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ﴿١﴾ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ ﴿٢﴾) عندنا موضوعان: (تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ) تدل على عظمة هذا الكتاب، وإن كان هو الكتاب الحكيم إذن كل من أراد الحكمة عليه أن يتمسك بهذا الكتاب وعليه أن يتدبر هذا الكتاب وعليه أن يعمل بهذا الكتاب لأن الحكمة وضع الشيء في موضعه فإذا أردت وضع الشيء في موضعه اقرأ هذا الكتاب لتعرف كيف تعبد الله وكيف تتعامل مع الناس وكيف تسير في هذه الحياة.
                        الموضوع الثاني في السورة هو في قوله (أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ) فالكفار تعجبوا من الوحي وكأنه أمر غير مألوف عندهم فجاءت السورة تبين أن الوحي تدل عليه الدلائل العقلية والنقلية ثم بينت السورة أيضاً أن هذا القرآن ينبغي أن يُتّبع وأن يسير الإنسان في هداه وفي أنواره. أيهما ينبغي أن يتقدم؟ إثبات أنه وحي أم الحث على الانتفاع به؟ إثبات أنه وحي، أولاً أثبِت أنه وحي ولذلك بدأ بهذا فبدأ القسم الأول من السورة يثبت أن هذا القرآن وحي ويثبت أصلاً أنه لا بد من وجود وحي لأنهم ينكرون وجود الوحي فأثبت لهم أولاً أن الوحي لا بد منه ثم أثبت لهم أن هذا القرآن وحي من الله وليس من عند النبي فهما مرحلتان أخذتا القسم الأول من السورة. وأعظم دليل على أن هذا الوحي لا بد منه هو هذا الكون الذي نراه ولنا لأنك لو وجدت مدينة كاملة وأنت تسير في طريقك إلى مكة وجدت أبنية ضخمة جداً فدخلت فوجدت مكاناً مجهزاً بأحسن التجهيزات وبأحسن الأثاث وأحسن الأبنية فقلت أحتاج شيئاً فقيل لك هنا كل واحد يفعل ما يريده، هل يُتصور هذا أو يُعقَل؟ أم لا بد أن يكون هناك نظام؟ الله الذي خلق السموات والأرض لا يمكن أن يتركها دون وحي ينظّم سير البشرية فيها ولذلك جاءت الآيات في السورة تبيّن تصريف الله للكون قال الله (أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ ﴿٢﴾ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ) هنا ذكر الله من صفاته ما يدل على أن الوحي لا بد منه (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ) إن كان يدبِّر الأمر فكيف يترك البشر في الأرض بدون وحي؟! وكيف يتعجب المخلوقون المؤمنون أنه الخالق لأن الكفار كانوا يؤمنون أن الذي خلق السموات والأرض هو الله وأن الذي يرزق هو الله وفي هذه السورة قال (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴿٣١﴾) خلق الله وتدبيره للكون من لوازمه العقلية أن يُنزل وحياً ولذلك جاءت الآيات تثبت وجود الوحي وتثبت أن النبي لم يأت بشيء من عند نفسه، هذه الخطوة الثانية بعد وجود الوحي. أهل الكتاب يؤمنون بالوحي يقولون الله أنزل التوراة على موسى أو الإنجيل على عيسى لكنهم لا يؤمنون بهذا القرآن وقال الله في نهاية هذا القسم عزّ من قائل (وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآَنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٣٧﴾) فالقرآن جاء مصدقاً للكتب السابقة مما يدل على أنه صادق، ثم قال (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ) يعني النبي (قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ) إذا كنتم تؤمنون فعلاً بالوحي ولكن لا تؤمنون أن هذا القرآن من عند الله، إذا كان أتى به النبي وأنتم عرب مثله وفصحاء مثله فاتوا بسورة من مثله! (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿٣٨﴾ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ﴿٣٩﴾)
                        بعد أن انتهى هذا القسم جاء القسم الثاني مبنياً على القسم الأول الذي أثبت أن الوحي ضرورة لا بد منه وأن هذا القرآن وحي. القسم الثاني جاء يبين مزايا هذا القرآن لنتمسك به ولنفرح بهوالله لم يأمرنا بالفرح في القرآن إلا في هذا الموطن في هذه السورة قال الله (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ) إذا كان القلب قاسياً ففي القرآن موعظة (وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ) أيّ شيء في قلبك من حسد أو حقد أو كبر أو رياء يشفيك منه الله بكلامه (وَهُدًى) الهدى عكس الضلال فالذي يبعد عن القرآن يُخطئ ويضلّ والذي يسير مع القرآن يهتدي (وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿٥٧﴾ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴿٥٨﴾) فضل الله ورحمته القرآن والإسلام فما أُمرنا بالفرح بشيء إلا بهذا الشيء (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) ثم بيّن شيئاً مما يفرح به الناس وما قيمته أمام القرآن قال (هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) كل شيء يجمعه البشر القرآن خير منه يقيناً، لو مات الإنسان بعد أن جمع البلايين وليس عنده القرآن فما لم يجمعه أعظم مما جمعه وإنسان مات وما عنده شيء وعنده القرآن في قلبه يعمل به فقد جمع خيراً عظيماً ينفعه عند الله (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ).
                        وبيّن الله في هذا القسم أيضاً قصصاً لبعض الأنبياء تناسب السورة لأن السورة تثبت الوحي وهذه القصص تثبت الوحي، وهذه القصص فيها تثبيت للنبي وهذه القصص تثبت النبي فذُكرت قصة نوح وقصة موسى وذُكرت بينهما قصة رسول مُجمل لم يُحدد اسمه (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ (71)) إلى أن قال بعد قصة يونس وقبل قصة موسى عليه الصلاة والسلام (ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ ﴿٧٤﴾) فإذا كنتم تستغربون من الوحي فأنتم تستغربون من تاريخ البشرية كله فإنه مملوء بالأنبياء الذين أنزل الله عليهم وحياً.
                        وفي القسم الأخير من السورة كأنه خلاصة السورة لأن كل السورة تثبت أن القرآن حق وأنه ينبغي العمل به، قال الله في آخر السورة (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ) يقابل إثبات أن القرآن حق (إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) إن كنتم في شك فأنا لست في شك بل أنا أعبد الله (فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ) من الذي يستحق أن تتوجه إليه وتعتصم به وتطلب منه الذي بيده حياتك وموتك (وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ) وهذا تهديد لهم وتعليل للعبادة، كيف تعبد من لا يملك حياتك؟ كيف تتوجه لمن لا يملك حياتك بل لا يملك حياته هو أصلاً؟! قال (وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٠٤﴾ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿١٠٥﴾) هذا نداء والنداء الثاني في آخر السورة (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ﴿١٠٨﴾) ثم جاء الخطاب للنبي (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ﴿١٠٩﴾).
                        بهذا انتهت سورة يونس وهي بهذا تناسب سورة هود التي بعدها تماماً لأنه قال في آخرها (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ) يعني القرآن (وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ﴿١٠٩﴾) ثم قال في بداية سورة هود (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ) أمره باتّباع الكتاب في آخر السورة وبيّن له هنا قيمة هذا الكتاب. ثبت أن القرآن حق في سورة يونس وهنا يبين ما هي حقيقة هذا الكتاب وما هي دعوة هذا الكتاب قال (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴿١﴾) مواصفات لا تعدلها مواصفات! أحياناً تذهب لتشتري سيارة بحسب مواصفاتها وبحسب صانعها ولله المثل الأعلى تشعر بقيمتها وأحياناً ترفض البضاعة لأنها صناعة تقليد أو أن غيرها أحسن منها والإنسان يأخذ من البضاعة بحسب قدرته لكن القرآن جاءنا بدون ثمن، جاءنا رحمة من الله وإلا فمن يستطيع أن يدفع ثمن القرآن؟! من يستطيع أن يحصل على القرآن بقدرته؟! لا أحد، الله يقول لنبيه (وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَىٰ إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّارَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ (86) القصص) فهذا القرآن جاءنا بمواصفات عالية جداً، الله وصفه، المتكلِّم به وصفه قال (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) لو جاءك الكتاب ممن عنده حكمة وخبرة لفرحت لن إذا جاءك من الحكيم الخبير حكمته ليست مثلها حكمة وخبرته ليست مثلها خبرة والخبير أخصّ من العليم يعلم الأمور الدقيقة وهذا كلامه وقد جاءنا دون أن نطلبه وهذا من رحمة الله بنا. قال مبيناً خلاصة هذا الكتاب وملخّصه (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ) هذه خلاصة هذا الكتاب (إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ﴿٢﴾) ومع العبادة هل سيحصل من الإنسان خطأ؟ نعم ولا بد قال (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) الاستغفار عبادة والتوبة عبادة لكنها هي لا بد منها إذ هي متممة للعبادة، كلنا نذنب (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ) لكنني يا رب أقصّر في هذا وأرائي وأفعل قال (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) ولذلك كان سيد العابدين كثير التوبة والاستغفار وتتعجب أنه كان يتوب إلى الله ويستغفره في المجلس الواحد مرات ومرات ونحن قد تمر علينا الأيام دون استغفار إلا بعد الصلاة وهو خير كبير أن تستغفر بعد الصلاة فرغم أنك كنت في عبادة وتصلي وربما خشعت في صلاتك وربما استحضرت معية الله في صلاتك ثم تقول: أستغفر الله، أتسغفر الله، أستغفر الله، لا بد منها لكل من أراد أن يسير في موكب العابدين (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ﴿٣﴾ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٤﴾).
                        في هذه السورة قصص أكثر بكثير من سورة يونس ولذلك بعض العلماء يرى أن كل سورة تفصّل في شيء من السورة التي سبقتها ويرى أن هذا مطرد في القرآن، قصة نوح ذكرت في سورة يونس في آيتين أو ثلاث وهنا ذُكرت بالتفصيل ثم قال (ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ (74)) ذكرهم إجمالاً وهنا فصّل ذكر هوداً وصالحاً ولوطاً وذكر شيئاً من قصة إبرهيم وذكر شعيباً فهذا تفصيل فذكر في السورة تفصيل لم يُذكر في السورة السابقة وإن كانت قصة موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام قد ذُكرت في هذه السورة مختصرة. فهذه القصص جاءت لتبين أن كل الرسل كانوا في هذه الدعوة (العبادة إلى الله والاستغفار والتوبة) واقرأ هذه القصص تجد هذا فيها ظاهراً جداً. ولها مع ذلك غرض آخر وهو تثبيت النبي على دعوته ولقد جاء في أول السورة (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴿١٢﴾) وجاء فيها (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴿١٤﴾) فجاءت القصص تثبت النبي ومن معه على هذا الدين وعلى هذه الدعوة وتبين أن دعوة القرآن هي دعوة كل الرسل السابقين.
                        وبعد أن انتهت القصص قال الله مبيناً العبرة من تلك القصص لأنه ذكر فيها إهلاكاً عظيماً لقوم نوح ولغيرهم قال (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ (42)) هذه السفينة سارت بقوم نوح بعد أن أهلك الله من أهلك قال (قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آَمَنَ وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ ﴿٤٠﴾۞ وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٤١﴾) والرحمة ذكرت في هذه السورة كثيراً مع نجاة المؤمنين قال العلماء لأن الإنسان لا ينجو إلا برحمة الله فالمؤمنون ينجون برحمة الله والكفار يهلكون بعدل الله .
                        جاء بعد القصص قوله تعالى (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ) ترون ديارهم مثل ما يذكر الآن عن قوم صالح إن كانت هذه ديارهم والبعض يقول هي ديار قريبة من ديارهم لكن كانت ديار صالح موجودة أيام النبي ورؤيت فإن كانت هي فهي قائمة (وَحَصِيدٌ) يعني محصود مثل الزرع المحصود فمن الديار ما هو قائم ومنها ما هو حصيد (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آَلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ ﴿١٠١﴾ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴿١٠٢﴾ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةِ) من شروط الانتفاع بالقرآن والخوف من كلام الله أن يؤمن الإنسان بالآخرة وإذا نسي الإنسان الآخرة ضعف هذا الأمر وإذا أنكر الإنسان الآخرة لن ينتفع بالقرآن أصلاً قال (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ﴿١٠٣﴾ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ ﴿١٠٤﴾)
                        وفي نهاية السورة جاءت أوامر للنبي ومن معه بالثبات على هذا الدين والإكثار من الطاعات ومن أعظمها ثوله (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿١١٢﴾ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ﴿١١٣﴾ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ﴿١١٤﴾ وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴿١١٥﴾) أسأل الله أن يجعلنا من المحسنين المنتفعين بهذا القرآن.
                        سمر الأرناؤوط
                        المشرفة على موقع إسلاميات
                        (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

                        تعليق


                        • #13
                          سورة يوسف وسورة الرعد وسورة إبراهيم
                          ‫ط§ظ„طھط¹ط±ظٹظپ ط¨ط³ظˆط± ط§ظ„ظ…طµط­ظپ ط§ظ„ط´ط±ظٹظپ 10 ط§ظ„ط´ظٹط®/ ظ…ط­ظ…ط¯ ظ†طµظٹظپ‬â€ژ - YouTube


                          نبدأ بما رواه سعد بن أبي وقاص بسند ثابت[1] قال: نزل القرآن على رسول الله فتلاه عليهم زمانًا (أي على الصحابة وهذا هو أعظم ما يعلمه النبي لأصحابه، القرآن، (هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته)) فقالوا: يا رسول الله لو قصصت علينا (كأنهم مع الزمن أحبوا نوعًا من التغيير) فأنزل الله (الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ﴿١﴾) هذه بداية سورة يوسف (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿٢﴾ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ ﴿٣﴾) هم طلبوا شيئًا آخر فنزلت عليهم آيات (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ) قال: فتلاها رسول الله زمانًا فقالوا يا رسول الله لو حدّثتنا فأنزل الله آية سورة الزمر (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ (23)) قال الراوي: كل ذلك يؤمَرون بالقرآن (كلما طلبوا شيئاً يأتيهم بشيء من القرآن وهذا درس للأمة كلها في بقية عصورها يبحث الإنسان عن موعظة تذكره بالله فلا يجد شيئاً أعظم من كتاب الله (قد جاءتكم موعظة من ربكم) شخص جاءته مكرمة من الملك -ولله المثل الأعلى- فهل يسأل أحدًا آخر ويطلب موعظة من بشر؟!! هذا من ضعف البصيرة! عدم صلاحية القلب وإلا لو طهرت قلوبنا ما شبعت من كلام ربنا ، الصحابة كانوا يؤمَرون بالقرآن ونحن نسير على نهجهم ما استطعنا وإلا أين نحن من أصحاب النبي ؟!! لكن:
                          فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إنّ التشبه بالكرام فلاح
                          نسأل الله أن يجعلنا من المفلحين المتشبهين بأصحاب النبي الكريم المحشورين في زمرتهم مع سيد ولد آدم أجمعين.
                          سورة يوسف
                          سورة يوسف هذا سبب نزول مطلعها وسورة يوسف بدايتها (تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ) من معاني المبين الواضح الجليّ وهذه السورة تبين بجلاء أن هذا القرآن من عند الله لا من عند النبي ، مرّ معنا في سور أخرى إثبات أن القرآن حق لكن هنا أُثبت بطريقة مختلفة وهي ذكر قصة يوسف فذكر قصة يوسف هنا بهذا التفصيل الدقيق دليل على أنه لم يأت بشيء من عنده. لو تأملنا في القصة في أولها (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ) من ثالثهما؟ الله. بعد ذلك (إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ) لا أحد مع هؤلاء العصبة من البشر، الله هو الذي يسمع كلامهم، وقال في النصف الأخير من القصة (قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ (77)) من الذي أخبر النبي بها؟ الله. أنت عندما تحكي قصة تحكي بحسب ما تراه عيناك وعينك لا ترى ما يُسرّ في النفوس لكن الله قال في آخر القصة (ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (102)) لم يكن النبي معهم وهذا دليل على أن القرآن حق من عند الله تلقاه النبي (ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ) فهذه السورة دليل صادق خاصة لليهود أن هذا القرآن حق لأن النبي ما كان لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون.
                          هذه السورة نزلت في مكة وكل هذه السورة يوسف والرعد وإبراهيم نزلت في مكة لكن سورة الرعد فيها خلاف كبير بين العلماء هل هي مكية أو مدنية، سورة يوسف متفق على مكيتها وكذلك سورة إبراهيم لكن سورة الرعد فيها خلاف مشهور لكن الراجح أنها مكية أيضاً لأنها تدور حول آيات العقيدة وهذا دليل على مكيتها إلى أدلة أخرى في السورة في أسلوبها تدل على ميكتها. فكل هذه السور مكية، سورة يوسف نعرف أن مطلعها نزل قبل سورة الزمر لأنهم لما قالوا لو قصصت علينا قال (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ) بعد فترة قالوا لو حدثتنا فنزل (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ) إذن ما نزل من سورة الزمر نزل بعد سورة يوسف، وأمر آخر أن هذه السورة لم تكن مبكرة لأن قال (فتلا القرآن علينا زمانا) بعد فترة بعد أن حصل الشعور بالرغبة بأسلوب جديد نزلت عليهم هذه القصة العظيمة (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ ﴿٣﴾).
                          هذه السورة موضوعها الأساسي إثبات أن القرآن حقمن خلال هذه القصة وما فيها من عبر كثيرة جداً كما ذكر ابن القيم في بعض كتبه عندما استنبط من آياتها فوائد كثيرة قال: ولو فسح الله في العمر لأفردت كتاباً أستخرج فيه ألف فائدة من هذه السورة. ولم يصل إلينا هذا الكتاب إن ألّفه وقد يكون مات دون أن يؤلفه فجاء بعض المعاصرين وحاولوا أن يجمعوا فوائد سورة يوسف فجمعوا أكثر من ألف فائدة في مجلدين مطبوعة، وعندما قرأت الكتاب وجدت أن المؤلفين تركا كثيراً من الفوائد وكانا يحاولان أن يكونا على أمنية ابن القيم فجاؤا بألف فائدة وزيادة ولو أرادوا أن يستقصوا لما استطاعوا (قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (109) الكهف) والقرآن لا تنقضي عجائبه. فهذه القصة مملوءة بالعِبر، ما قبلها يشير أن النبي ما كان يعلم عن هذه القصة شيئًا قبل نزولها (وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ) وما بعدها تأكيد للغرض من الإتيان بهذه القصة قال (ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ) بعد كل هذا ألا يؤمن البشر؟!! المفترض أن يؤمنوا، قال الله (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) هذا الدليل القاطع هو كافٍ للإيمان لكن أكثر البشر لن يؤمنوا وهذه سُنة الله المطّردة في كل عصر أكثر الناس لا يحرصوا على الإيمان (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴿١٠٣﴾ وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ﴿١٠٤﴾) ثم نبّه أن هناك آيات أخرى غير القرآن كثيرة فقال (وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴿١٠٥﴾) الآيات ليست مقتصرة على هذه السورة، أمامهم السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون وهذا ذنب نقع فيه ونغفل عنه، من الذنوب التي بيّن الله أن عاقبتها النار وهي الغفلة عن آيات الله الكونية، كم مرة نرى الشمس والمطر والمؤمن أحياناً يغفل وهذا ذنب يوجب العقوبة، الغفلة عن آيات الله (إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) أُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (8) يونس) هذه إذا كانت غفلة تامة وإلا فالمؤمن يتذكر فيحمد الله لكن التذكر أيضاً درجات يحرص الإنسان على أعلى درجاته. قال (وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴿١٠٥﴾ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴿١٠٦﴾) إلى أن قال في آخر آية في السورة (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿١١١﴾) في هذه السورة ذكر آية عظيمة هي قصة يوسف دالة على صدق النبي وفي آخر السورة بيّن أن هناك آيات أخرى (وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴿١٠٥﴾) جاءت السورة التي بعدها وهي سورة الرعد تبين آيات الله في الكون فكأنها تقصيل لتلك الآية (وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴿١٠٥﴾) لو سأل سائل ما هي تلك الآيات؟ فتأتي سورة الرعد فيها كثير من تلك الآيات.
                          سورة الرعد
                          سورة الرعد مكية فيها خلاف لكن على الراجح أنها مكية بدأت بقوله تعالى (المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ (1)) بدليل السورة السابقة جاءتهم هذه الآية فلم يؤمنوا، ثم دارت السورة كلها حول كفر الكفار وذكر صفات الله التي ينبغي أن تردعهم عن كفرهم وذكر خلق الله (وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴿١٠٥﴾ يوسف) لو فتحت المصحف أو كنت حافظاً للسورة وقرأت تجد أن فيها كلمتين تتكرران بنسب متساوية تقريباً (الله) ذكرت ثلاث مرات، ذُكرت في أول السورة (اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2)) وبعدها بصفحة (اللّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ (8)) وبعدها بصفحتين (اللّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاء وَيَقَدِرُ وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ (26)) إذن فيها تعريف بالله وبصنعه في خلقه، هذا أحد اللفظين المتكررين.
                          اللفظ الثاني (ويقول الذين كفروا) تتكرر في السورة وردت في أول السورة (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلآ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (7)) وفي منتصف السورة (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (27)) وفي آخر السورة (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (43)) الأولى والثانية يقولون أنهم يريدون آية مع أن القرآن آية وأعظم آية والنبي أُعطي خيراً مما أعطي غيره من الرسل أُعطي المعحزة الخالدة القرآن وهم يقولون (لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ). فالسورة تعرِّف بالله وتردّ على الكفار في شبهاتهم فبدأت بعد المقدمة بقوله تعالى (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ﴿٢﴾ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ) هذه الجبال التي تمسك الأرض الله هو الذي مدّها وهو الذي جعلها رواسي راسخة تثبت الأرض (وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) نحن نأكل وننسى الصانع ونشرب الماء وننسى من الذي يسّره مع أنه وكل ما سواه من تيسير الله تعالى للإنسان (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿٣﴾ وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴿٤﴾) إلى أن قال (وَإِنْ تَعْجَبْ) إن كان هناك شيء عجيب بعد هذا الخلق العظيم (وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) ألا يرون هذا السماء والأرض والشمس والقمر فيتعجبون من إعادة خلقهم مع أن الذي خلقهم أول مرة هو الذي سيخلقهم مرة أخرى هو الذي سيعيد خلقهم فما العجيب في ذلك؟ لا عجب وإنما هي الضلالة والعياذ بالله! (أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٥﴾)
                          ثم عرّف بنفسه مرة أخرى قال (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ ﴿٨﴾) التعريف الأول كان تعريفاً في الغالب بقدرة الله والتعريف الثاني كان تعريفاً بعلم الله مع بيان أنه أنزل وحياً وأن الناس انقسموا مع هذا الوحي فمنهم من آمن ومنهم من كفر قال الله في آية عظيمة ينبغي أن نتأمل فيها وهي تبين لنا لماذا يتكرر في سور كثيرة إثبات أن القرآن حق لأن اعتقادك أن القرآن حق يغير حياتك كلها إن كنت تعتقد حقاً. إنسانان يجتمعان في مكان واحد وكل منهما عنده اعتقاد مختلف لا يمكن أن يتصرف نفس التصرف وإذا تصرفا نفس التصرف فمعنى هذا التطابق في التصرف أن الاعتقاد واحد، قال الله (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى ﴿١٩﴾) بهذا التقسيم قسّم الله الخلق إلى اثنين: إنسان يعلم أن الذي أنزل على النبي الحق والثاني أعمى وهذا يسميه أهل البلاغة "الاحتباك" أن يُذكر شيء ويُطوى شيء ثم يُذكر شيء ويُطوى شيء (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ) يقابله الذي لا يعلم أن ما أنزل إليك من ربك الحق، هذا المقابل لم يُذكر. (أعمى) يقابله البصير ولم يُذكر فنفهم أن الذي يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق بصير وأن الذي لا يعلم أنه منزّل من ربك بالحق أعمى، هذا اختصار يجعل القرآن محمياً من فهم البشر إلا أن يتأمله أما كل واحد يفهم، لا، لا بد أن يتدبر ويتأمل ويتفكر وأن يقرأ في التفسير ويجتهد حتى يفهم. (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ) هل تعرف إنساناً لا يؤمن بالقرآن؟ أيّ واحد لو كان مخترع الذرّة فهو مسكين أعمى، هل تعرف رجلاً أمياً لا يقرأ ولا يكتب وهو يؤمن بهذا القرآن؟ هذا بصير. ثم العمى درجات والبصر درجات، كلما زاد اليقين أن هذا القرآن من رب العالمين كلما زادت الرؤية قوة، هذه درجات البصيرة لا يعلمها إلا الله فبصيرة النبي ليست كبصيرة أحد من البشر، أبو بكر الصديق مثل بقية الصحابة؟! نحن في انغماسنا في شهواتنا تضعف بصيرتنا، كلما قرأت القرآن وأيقنت أنه حق أكثر كلما تنورت بصيرتك، فهل تصرفاتي اليوم كتصرفاتي بالأمس أو تصرفاتي في الغد؟ أم أن هناك لحظات غفلة وهناك لحظات يقظة بحسب الإيمان بهذا القرآن؟ قال (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴿١٩﴾) فالناس فريقان والقرآن يتكرر في كثير من السور أنه الحق لأن هذه الحقيقة هي الأساس بدونها لا قيمة لشيءن إذا اعتقدت أن الشيك الذي في يدك مزوّر لا يمكن أن تنتفع به وإذا أيقنت أنه حقيقي ستتصرف به. (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴿١٩﴾) آية فاصلة تفصل بين الخلق نسأل الله أن يجعلنا ممنيوقن أن ما أنزل إلينا من ربنا على نبينا هو الحق.
                          في آخر السورة قال الله (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا) أنكروا الرسول أصلاً (قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ﴿٤٣﴾) الله يشهد فالله في كل عصر ومصر يأتي بآيات تدل على صدق نبينا منذ بعثته وإلى أن يشاء الله ثم من عنده علم الكتاب ومن عنهدم التوراة والإنجيل يعرفون ويشهدون أن النبي حق (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ (146) البقرة)
                          سورة إبراهيم
                          ختمت هذه السورة بذكر الكتاب وبدأت سورة إبراهيم بذكر الكتاب. سورة يوسف أكّدت أن القرآن حق من خلال قصة يوسف، سورة الرعد أكّدت أن القرآن حق من خلال أفعال الله في خلقه، هذه السورة بينت مواصفات القرآن نفسه، الآن عرفنا أن القرآن حق فكيف سأتعامل معه؟ هل هو دواء أشربه؟ أم سائق يدلني على الطريق؟ وصفه الله في هذه السورة وصفاً عظيماً لا ينبغي أن يغيب عن المؤمنين. وسورة إبراهيم سورة مكية كسابقتيها بدأت بقوله تعالى (الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ) هذه المرة ذكر الهدف فقال (لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴿١﴾) فالنبي يُخرج الناس من الظلمات إلى النور بالقرآن لكن لا يمكن لأحد أن يحصل له هذا الخروج من الظلمات إلى النور حتى لو جالساً بجانب النبي كأبي جهل وأبي لهب إلا بإذن الله قال (الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ) هذه المرة ذكر الهدف فقال (لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) نسأل الله أن يخرجنا من الظلمات إلى النور.
                          هذه السورة فيها كثير من الآيات التي تبين كيف ينتقل الإنسان من الظلمات إلى النور، البعض يظن أن هذا الكلام مجازي، لا، القرآن نور، أنت ترى الأشياء كل إنسان يرى الأشياء بحسب عقيدته فيرى الشيء على غير ما يراه غيره، لو قال لك أحدهم وهو يمارس الفاحشة مات أنت كمسلم تعتقد أن هذا سوء خاتمة، واحد رأيته وهو فقير وساجد في الحرم ومات كيف تنظر له؟! أنت عندك نور. الكافر كيف ينظر لهذين الإثنين؟ ينظر للأول على أنه استمتع إلى آخر لحظات حياته لأنه يعيش في الظلمات. القرآن يُخرجنا من الظلمات إلى النور من خلال آياته المختلفة ولذلك تجد في هذه السورة لفظة تتكرر كثيراً وهي قوله تعالى (ألم تر) لو شرحنا هذه الكلمة بالعامية نقول: أنت ما شفت؟ العجيب أن الأشياء التي قال الله تعالى عنها (ألم تر) هي أشياء نراها، إذا كنت ترى الأشياء فلماذا يقال لك ألم تر؟ لأنك ما انتفعت بالرؤية أو رأيت رؤية قاصرة أو خاطئة، يقال لك (ألم تر) فتعرف أنك لم تره أو رأتيه رؤية فيها ظلمة وإذا رأيته بالقرآن تراه رؤية فيها نور.
                          بيّن الله عدداً من الأنوار الموجودة في القرآنونبّه عليها وغالباً ينبه عليها بلفظة (ألم تر) فمن ذلك:
                          · إهلاك الأمم السابقة، هذا نور لأن الذي لا يعرف أن الأمم السابقة هلكت لما عصت الله يقلّدها في هذا العصيان وللأسف لما ضعف القرآن في قلوب كثير من المسلمين صاروا يقلدون الشرق والغرب رغم أنهم يعرفون أنهم على الكفر وأن عاقبة الكفر دار البوار لكن لضعف النور قلّدوهم وحاكوهم وتمنوا أن يكونوا مثلهم وقبلوا دون ضرورة بالعيش في بلادهم كل هذا من ضعف النور الذي هو مترتب على ضعف الانتفاع بالقرآن.
                          · ومن الآيات التي جاءت في السورة (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴿١٩﴾ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ ﴿٢٠﴾) فكّر في هذه الآية لتتغير رؤيتك للأشياء! خلق الله السموات والأرض بالحق ما خلقهما عبثاً إن يشأ يُذهبكم أنا وأنت موجودون هنا الآن بإرادة الله وبمشيئته، إن يشأ يُذهبكم ويأتِ بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز. الذي يؤمن أنه إلى زوال إلا أن يحفظه الكبير المتعال كيف يمشي في الأرض؟ يمشي متكبرًا؟! متغطرسًا؟! إنما يمشي متكبرًا من كان في الظلمة يرى أنه قوى يرى أنه غير محتاج يمشي في الظلمات (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ (39) الأنعام) لكن الذي يؤمن بالآيات (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ) تغيّر حياته.
                          · من الآيات التي لفت الله إلى أنواره (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴿٢٤﴾) كان الكفار كما ذكروا بعضهم يصنع بعضهم الإله من التمر فإذا جاع أكله وكان إذا سار في سفر يجمع أربعة من الحجارة ثلاثة منها يضعها للقِدر والرابع حتى يسجد له ويعبده فتستغرب من هذا، لكن هذا كان محصوراً في جزء من حياتهم وعامة حياتهم بعيدة عن العقيدة، بعيدة عن إيمانهم بأن الله هو الخالق وهو الرازق وأن هؤلاء شركاء. أما (لا إله إلا الله) فهي كلمة مختلفة كلمة تنعكس على كل الحياة قال (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴿٢٤﴾ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا) إذن (لا إله إلا الله) لها أثر على كل حياة الإنسان. الإنسان قبل أن يعرف هذا يعتقد أن (لا إله إلا الله) يعني أن أصوم وأصلي وأزكّي وأحجّ، لا، (لا إله إلا الله) لا بد أن تظهر وأنت تبيع وتشتري وهذا محك خطير يزلّ فيه الكثيرون! (لا إله إلا الله) تظهر عندما تحصل خصومة بين اثنين، ماذا يقول؟ ويسكت عن ماذا؟ هل يزيد الكلام أو يُنقصه؟ يُخرج كل ما في نفسه من غضب بسبّ ولعن وشتم أو تظهر عليه لا إله إلا الله؟! انظر كيف ظهرت (لا إله إلا الله) عند النبي عندما كان تحت ظل شجرة فجاءه الكافر فقال: من يمنعك مني؟ قال : الله! ظهرت لا إله إلا الله. سفينة مولى رسول الله عندما جاءه الأسد وهو ضالّ في جزيرة فرأى أسدًا فقال يا أبا الحارث (وهذه كنية الأسد عند العرب) أنا مولى رسول الله دلّني الطريق، هذا مؤمن إيمانًا لا نصل إليه بسهولة لكن كلما زادت (لا إله إلا الله) كلما ظهرت آثارها يقينًا وتوكلًا واعتمادًا على الله ومراقبة له .
                          تكررت كلمة (ألم تر) وفي آخر السورة تكررت كلمة أخرى، (ألم تر) تبصّرك بالنور، والكلمة الأخرى التي تكررت في آخر السورة تنقلك عن الظلمة قال (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ) إذا جاءتك لحظة ظننت أن الله غافل عن فلان أو عِلان ممن يذبِّح الناس ويظلمهم ويأخذ أموالهم فأنت في ظُلمة تخرج منها بهذه الآية (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴿٤٢﴾). ويقول بعدها (فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ) وهذا أيضاً قد يخطر في نفس الإنسان والإنسان بشر فتأتيه آية القرآن تنقله من الظلمة التي يعتقد فيها أن الله يُخلف وعده رسله تعالى الله عن كل ذلك وتنقله إلى الحقيقة (فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ﴿٤٧﴾) نسأل الله أن يجعلنا من أهل رحمته ومغفرته.

                          [1] أُنزل القرآنُ على رسولِ اللهِ ، فتلا عليهم زمانًا ، فقالوا : يا رسولَ اللهِ لو قصصتَ علينا ، فأنزل اللهُ : الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ إلى قولِه : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ، فتلا عليهم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم زمانًا ، فقالوا : يا رسولَ اللهِ ! لو حدَّثْتَنا ، فأنزل اللهُ : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا الآيةُ ، كلُّ ذلك يُؤمَرُونَ بالقرآنِ . قال خلادٌ : وزاد [ ني ] فيه آخرُ قالوا : يا رسولَ اللهِ ! ذكِّرْنا ، فأنزل اللهُ : أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوْا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ. الراوي: سعد بن أبي وقاص المحدث:الألباني - المصدر: صحيح الموارد - الصفحة أو الرقم: 1462- خلاصة حكم المحدث: صحيح
                          سمر الأرناؤوط
                          المشرفة على موقع إسلاميات
                          (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

                          تعليق


                          • #14
                            سورة الحجر وسورة النحل
                            ‫ط§ظ„طھط¹ط±ظٹظپ ط¨ط³ظˆط± ط§ظ„ظ…طµط­ظپ ط§ظ„ط´ط±ظٹظپ 11 ط§ظ„ط´ظٹط®/ ظ…ط­ظ…ط¯ ظ†طµظٹظپ‬â€ژ - YouTube


                            سورة الحجر امتداد لسور سبقتها ومرّ معنا أن النبي سماها (ذات الر) بداية من سورة يونس وحتى سورة الحجر وبينها سورة الرعد (المر) بعض العلماء يُدخلها فيها وبعضهم يُخرجها. هذه السورة آخر سورة من ذات الر، سورة الحجر. ولاحظ بعض العلماء أن السور التي تبدأ بنفس الحروف وتأتي متوالية تكون آخر سورة فيها مناسبة للختام ويكون في ختامها آية مناسبة للختام فمن ذلك هذه السورة فإن آخر آية فيها (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴿٩٩﴾) إلى أن يأتيك الموت، أمرٌ بالاستمرار على العبادة فهو مناسب لختم هذه السور. وفي السور المبدوءة بـ (طس) و(طسم) جاء في آخرها (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (88) القصص) وهكذا في السور التي تبتدئ بنفس الحروف تجد أن آخر سورة فيها فيها ختام يناسب الختام وكأنها مجموعة وانتهت ومنها هذه السورة فإن في آخرها (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ).
                            وهذه السورة إذا قرأت أولها يقول الله في مطلعها (الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآَنٍ مُبِينٍ ﴿١﴾ رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ﴿٢﴾) فالسورة تدور حول كفر الكفار وشدة إعراضهم وأنهم يتمنون يوم القيامة أن لو كانوا مسلمين ولقد جاءت في هذا عدة أحاديث لا تخلو من ضعف ولكنها تدل في مجموعها على أصل المعنى منها ما جاء أن النبي قال: يُخرج الله أناساً من المؤمنين من النار بعدما يأخذ نقمته منهم قال لما أدخلهم الله مع المشركين قال المشركون أليس كنتم تزعمون في الدنيا أنكم أولياء فما لكم معنا في النار (الموحّدون بعضهم في النار والمشركون في النار فيقول لهم المشركون ماذا استفدتم بعد هذا صرتم معنا في النار؟) فإذا سمع الله ذلك منهم أذن في الشفاعة فتشفع لهم الملائكة والنبيون حتى يخرجوا بإذن الله - ولا يبقى من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان في النار لا بد أن يخرج منها يوماً من الدهر – قال فلما أُخرجوا قالوا يا ليتنا مثلهم، فذلك قول الله جلّ وعلا (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ) يتمنون ذلك لكنهم في الدنيا كما قال الله (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ) مشغولون ويؤخرون التوبة والرجوع إلى الله همّهم الأكل والتمتع (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ) ثم قال الملك جلّ في علاه (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) وأنت تشعر بقيمة هذه الكلمة بحسب قائلها لو توعّدك أحدهم، هذا الكلمة تقابل (فسوف تعلمون) ستعرف لكن إن قالها ضعيف فهي ضعيفة وإن قالها متوسط في القوة فهي متوسطة في القوة وإذا قالها القوي المتين ذو العرش المجيد الفعّال لما يريد قال (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) تكفي لمن كان في قلبه إيمان أن يخاف ويرتدع.
                            هذه السورة باعتبار أنها من ذوات (الر) فهي مكية مثل بقية السور وجاء في آخرها (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴿٩٤﴾) مما يدل على أنها مبكرة في النزول لأن هذا أمر للنبي بالجهر بالدعوة وفيها أيضًا (وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ ﴿٨٧﴾) والسبع المثاني هي سورة الفاتحة مما يدل على أن هذه السورة نزلت بعد سورة الفاتحة.
                            هذه السورة تدور في كثير من آياتها حول كفر الكفار وشدة إصرارهمحتى نعرف صفاتهم التي إن اتصفنا بها كان لنا شبه بهم بقدر اتصافنا بها ومنها انشغالهم بالدنيا (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴿٣﴾). وهذه السورة تقسّم بعد مقدمتها التي تبين شدة إعراض الكفار حتى قال (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ﴿١٤﴾ لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴿١٥﴾) مهما كانت الآيات فإنهم لا ينتفعون بها بل يظلون مصرين على كفرهم والعياذ بالله! هذا القسم الأول من السورة يبين كفرهم وشدة إعراضهم.
                            القسم الثاني يبين ما حولهم من آياتلو تأملوها لعرفوا الحق ولعرفوا قدرة الله وقدرته على البعث قال (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ ﴿١٦﴾) انظُر في السماء خاصة في الليل وانظر إلى النجوم لتعرف ما هي قدرة هذا الرب الذي خلق هذه السماء بهذه السعة، ما أنت ومن أنت؟! عندما يقف الإنسان أمام الجبل يشعر أنه صغير جداً والله ألقى في الأرض رواسي بكل يسر وسهولة منه . قال (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ ﴿١٦﴾ وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ ﴿١٧﴾ إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ ﴿١٨﴾ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ﴿١٩﴾) إلى غير ذلك من الآيات التي ذكرها الله وهذه الآيات تتكرر في سورة كثيرة ومن التفريط في حق القرآن بل في حق الإنسان مع نفسه أنه لا ينظر إلى السماء والأرض ولا يتأمل فيها، يأكل ويشرب ويمشي يعيش على الأرض ولا ينظر فيها، يستظلّ بالسماء ولا يتأمل فيها، تمطر عليه السُحُب ولا يقول سبحان الله! هذا خذلان والعياذ بالله! وكثيراً ما تأتي الآيات في القرآن تتحدث عن هذا وهذا من أهم مقاصد القرآن "الاستدلال بالمخلوقات على خالقها والاستدلال بالمخلوقات على وجوب التوجّه لمن خلقها وسخّرها لنا ".
                            في القسم الثالث من السورة جاءت مجموعة من القصص: أولها قصة إبليس وآدم وهذه القصص جاءت لفوائد متعددة. قصة آدم في القرآن ذكرت سبع مرات لها هدف عام في هذه المرات السبع وهو الاستدلال على البعث. قصة آدم كيف نستدل بها على البعث؟ الذي خلق أول مرة قادر على أن يخلق مرة أخرى، هذا دليل عام شامل لكل السور التي جاءت فيها قصة آدم لكن في كل قصة تكون لها خصوصية معينة أخرى زائدة على قضية البعث وهذا من حكمة الله، تأتي القصة الواحدة في أماكن مختلفة لتحقق أغراضًا مختلفة ولذلك يختلف التعبير فيها لا تجد القصة إذا ذُكرت مرتين إلا وفيها اختلاف يسير وأحيانًا اختلاف يسير جدًا لا يعرفه إلا من يحفظ الآيات وأحيانًا يكون الاختلاف واضحًا. في هذه القصة والقصة التي بعدها (قصة إبراهيم مع لوط وذكرت إشارة إلى أصحاب الأيكة وأصحاب الحجر، هذه القصص ذكرت في سور أخرى لكن كل سورة تأتي لعبرة معينة). قصة آدم كما بحثها بعضهم قال كلها تدل على إمكانية البعث لكن في سورة الحجر تدل على التصلب في الكفر ولو تأملت في كلمات إبليس في هذه القصة وتأملت في صفة خلقه وتأملت في وعيده قال (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٣٩﴾ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴿٤٠﴾ قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ﴿٤١﴾ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴿٤٢﴾ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٤٣﴾ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ ﴿٤٤﴾)
                            ثم ذُكرت قصة لوط وهذا الاصرار على الكفر الذي قلنا أنه موضوع السورة من بدايتها، الإصرار على الكفر ظاهر جدًا في قصة لوط كما لم يظهر في أي سورة أخرى ذُكر فيها قوم لوط فإن الله وصف قوم لوط في هذه السورة وصفًا لا نجده في أي سورة من القرآن لأي أحد من الكفار قال (لَعَمْرُكَ) هذا قسم من الله بعمر النبي (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴿٧٢﴾) قوم لوط كانوا سُكارى والعياذ بالله من شدة الشهوات التي انغمسوا فيها وهذا مناسب لشدة الكفر ولذلك لما ذكر عذابهم في هذه السورة قال (فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا) في سورة أخرى قال (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ (82) هود) هنا أمطر الله على القرية لكن في هذه السورة قال (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ ﴿٧٤﴾) قال بعض العلماء قال هنا (عليهم) وهناك قال (عليها) كان الكلام عن القرية كلها لكن لما قال (عليهم) فهو مخصوص لهم وهذا بتناسب مع شدة كفرهم، عندما ذكرت شدة كفرهم ذكر أن العذاب توجه إليهم مباشرة نسأل الله أن يقينا عذابه وأن يوقظنا من غفلتنا وأن لا يجعلنا ممن يصابون بمثل هذه السكرة والعياذ بالله.
                            هذه القصص امتدت جزءاً من السورة ثم جاءت في آخر السورة أوامر للنبي في مقابل هذا الكفر الشديد قال الله (فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ﴿٨٥﴾) ثم قال (لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿٨٨﴾) إلى غير ذلك مما ختم بقوله (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴿٩٩﴾) ولهذا فإذا رأيت كفر الكفار فهذا يجعلك تلتجئ إلى الله أكثر وتثبت على الحق مع دعوتهم (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴿٩٤﴾).
                            سورة النحل
                            أما سورة النحل فهذه السورة يسميها بعض العلماء سورة النِعَم لأن النعم المذكورة فيها كثيرة وسورة النحل مكية مثل سورة الحجر لكن فيها آيات مستثناة فقد قال الله في آخر السورة (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿١١٠﴾) هذه نزلت بعد الهجرة وكذلك قوله تعالى على ما اختار أكثر المفسرين (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ﴿١٢٦﴾ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ﴿١٢٧﴾) هذه الآيات نزلت في المدينة قيل إنها نزلت بعد غزوة أحد حين صنع المشركون ما صنعوا بحمزة وغيره فأراد المسلمون الانتقام وقيل غير ذلك وجمهور العلماء على أن هذه الآيات نزلت في المدينة أما عامة السورة فنزلت في مكة.
                            وهذه السورة تدعو إلى الاستسلام لله تعالىخاصة في القسم الأول منها، تدعو إلى الاستسلام لله والإسلام هو الاستسلام لله فهي تدعو إلى الاستسلام لله من خلال أمرين:
                            · الأمر الأول أن القيامة آتية وهي قريبة
                            · والأمر الثاني من خلال نعم الله المبثوثة في هذا الكون الواسع
                            أمران يدعوان إلى الاستسلام الأول أن القيامة آتية ولذلك جاءت أول آية في السورة (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ) أتى فعل ماضي المفترض أن يكون عن شيء حصل وانتهى والقيامة لم تأت بل الله في سورة الحجر (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)) يعني في المستقبل وهنا قال (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ) وهذا من التناسب بين السورتين، آخر سورة الحجر (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) وهنا يفكر الإنسان متى يأتي اليقين؟ قال (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ) كيف أتى وهو لم يأت؟! لأنه يستوي ما وعد الله بأن يأتي مع الآتي لأن الله إذا وعد أن الشيء سيأتي فهو آتٍ ثم إن كل ما هو قريب قد أتى فهو حكماً آتٍ ولا بد قال (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿١﴾) وجاء في عدة آيات ما يُشعر بأن القيامة تأتي فجأة وتأتي بغتة (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿٣٣﴾) وقال في آية أخرى (ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴿٢٧﴾ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ) ماذا يصنعون وقتها؟ (فَأَلْقَوُا السَّلَمَ) طُلب منهم الاستسلام لله وظلوا متكبرين ووصفوا بالكبر في هذه السورة (فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ يستسلمون ويدّعون أنهم لم يكونوا يعملون شرًا والعياذ بالله اعتادوا الكذب (بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٢٨﴾ فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ﴿٢٩﴾ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا) إلى أن قال عنهم (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٣٢﴾) طيبين بالتوحيد أولًأ وقبل كل شيء وأولئك (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ) ظلموا أنفسهم أولًا وقبل كل شيء بالشرك نسأل الله أن يميتنا على التوحيد. فهذه السورة تذكّر بالآخرة كثيرًا دعوة للعباد أن يستسلموا قبل أن يكون وقت لا ينفع فيه الاستسلام.
                            أمر آخر يُذكر في السورة كثيرًا ويدعو إلى الاستسلام هو نعم الله الكثيرة المبثوثة في الأرض من أول السورة وفي وسط السورة تذكر نعمًا كثيرة قال (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ ﴿٨٠﴾ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا) تخيّل الحياة لو ليس فيها ظل، والشمس أربعًا وعشرين ساعة في كبد السماء، الظل نعمة كبيرة من الله قد يشعر الإنسان أنه ليس نعمة. تتكرر كلمة (لكم) في السورة كثيرًا (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ) هذا خطاب لنا (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ) سرابيل أي ملابس، الشاهد هنا في قوله تعالى بعد نعم كثيرة سبقت هذه الآيات في السورة (كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ) هذا هو الشاهد، ذكرنا أن الآيات تذكر الآخرة من أجل الاستسلام لله وتذكر النعم أجل الاستسلام لله، الله أعطاني هذه العين أرى بها وأذهب من بيتي إلى المسجد دون مساعدة أحد، نعمة العقل ونعمة الدم الذي يمشي في العروق والرجل التي تتحرك حتى تصل إلى بيتك، لماذا يُتم علينا هذه النعمة؟ (لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ) فالذي لا يستسلم لله كأنه ما حقق الغرض من كل هذه النعم التي حوله والذي يستخدمها في معية الله عَكَس كما لو تعطي ولدك شيئًا ليفعل به شيئًا فيفعل عكسه كيف تعامله؟ وماذا تعتبره؟! ولله المثل الأعلى (كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ﴿٨١﴾ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴿٨٢﴾ يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ ﴿٨٣﴾) نسأل الله السلامة.
                            في هذا القسم جاء الحديث عن الآخرة وعن النعموكِلا هذين الأمرين يدعو إلى الاستسلام لله . وفي آخر هذا القسم قال الله في آية عظيمة حُقّ للأمة أن تفرح بها وتتمسك بها قال مخاطبًا نبيه وبنى على هذا القسم الثاني في هذه السورة والذي فيه تفصيل بعض الأحكام وفي كيفية التعامل مع القرآن وكيفية الدعوة إلى الإسلام ختم بآية يقول الله فيها (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) وهذه الكلمة تفصيلها هو كل الحياة، قال (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) كيف كل شيء؟ لا يمكن أن يُذكر كل شيء في الكتاب لكن كل الأصول والأسس والقواعد الفكرية والعقلية والاجتماعية والاقتصادية التي يحتاجها البشر لكي يعيشوا في أحسن حال وكي تكون عاقبتهم الجنة في هذا القرآن لكن شرحها أو فهمها يحتاج إلى قلوب تتعلق بهذا القرآن وتقرأ هذا القرآن وتتأمل في هذا القرآن ولذلك نصّ بعض أهل العلم أن هذه الآية (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) أول ما يدخل فيها تبيانًا لكل شيء مما يحتاج من أمور الدين لكن قالوا أيضًا في القرآن الأسس والقواعد التي تستقيم بها حياة البشر ومعاشهم في الدنيا قبل الآخرة (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ). ومن اللطائف التي تُذكر أن أحدهم كان في بعض بلاد الكفار ودخل مطعمًا وكانت يتكلم مع شخص كافر يعمل في المطعم فقال له في كتابكم (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) قل لي أين وصفة الوجبة التي قدّمتها لك الآن؟ قال له ربنا أعطانا قاعدة (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) النحل) هذه قاعدة عامة أي مسألة لا تفهمها ولا تعرفها قال الله تعالى اِسأل المتخصص وهذه ليست بنص الآية وإنما بالقياس (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) في أمور الدين وتقيس عليها أهل كل تخصص في تخصصهم فالقرآن يربي عقلًا يفكّر بشكل سليم فتستقيم حياته قبل مماته وأما الآخرة خير وأبقى بلا شك.
                            استمرت هذه السورة في ذكر بعض الأحكامبعد ذلك وكان في آخرها (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿١٢٠﴾ شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ) لأن إبراهيم يمثل المثل الأعلى في الاستسلام لله والسورة تدعو إلى الاستسلام وإبراهيم كما قال عنه ربه (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131) البقرة) فإبراهيم قدوة في الاستسلام لله ولذلك أُمرنا باتباعه قال (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿١٢٣﴾) ثم ذكر بعض ما هو اتباع لملة إبراهيم قال (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴿١٢٥﴾).
                            سمر الأرناؤوط
                            المشرفة على موقع إسلاميات
                            (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

                            تعليق


                            • #15
                              سورة الإسراء وسورة الكهف
                              ‫ط§ظ„طھط¹ط±ظٹظپ ط¨ط³ظˆط± ط§ظ„ظ…طµط­ظپ ط§ظ„ط´ط±ظٹظپ 12 ط§ظ„ط´ظٹط®/ ظ…ط­ظ…ط¯ ظ†طµظٹظپ‬â€ژ - YouTube


                              سورتان عظيمتان من العتاق الأول هكذا يسميها عبد الله بن مسعود وهو من كبار الصحابة في فهم القرآن وقد أمر النبي بأخذ القرآن عن عبد الله بن مسعود وكان يأخذ القرآن وأخذ كثيرًا من سوره من فم رسول الله ومن الصحابة الذيم أسلموا قديمًا ومن المعروف أن ساقه أثقل في الميزان من جبل أُحد وكان صغير الجسم عظيم العلم وأرضاه. يقول [1] عن سورة الإسراء والتي بعدها عن سور الإسراء والكهف ومريم وطه والأنبياء وهذه خمس سور متوالية في المصحف يقول عن هذه السور الخمس إنهن من العتاق الأول - يعني من السور التي نزلت مبكرًا في مكة والعتيق هو الشيء القديم – وإنهنّ من تلادي – وتلاد الشيء هو الشيء الذي حصل عليه الإنسان من مال أو متاع قديمًا فهي نزلت قديمًا وهو تعلمها قديمًا . قال من تلادي والتلاد هو ما كان عند الإنسان من مال أو متاع كأن يكون لديه بيت قديم أو مزرعة تملكها من قديم ومن تلاده هذه السور العظيمة الإسراء وما بعدها وبالتالي فإن هذه السور الخمس مكية الإسراء والكهف ومريم وطه والأنبياء.
                              سورة الإسراء
                              لها اسمان تسمى الإسراء وتسمى بني إسرائيل. ثبت في الحديث عن أم المؤمنين عائشة أن النبي كان لا ينام حتى يقرأ بني إسرائيل والزمر. المصاحف لا تذكر كل أسماء السور فبعضها له خمس وعشرين اسمًا كما في الفاتحة على خلاف أن بعضها وصف وليست اسمًا لكن بعض السور لها أكثر من اسم. فسورة الإسراء تسمى بني إسرائيل كما ثبت في هذا الحديث وفي غيره كما في حديث ابن مسعود "إنهنّ من العتاق الأول وإنهنّ من تلادي" ذكر سورة بني إسرائيل. سورة الإسراء لأنها بدأت بالإسراء (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ) وأشير فيها إلى الإسراء في وسطها أيضًا (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ﴿٦٠﴾) وذُكر فيها بنو إسرائيل في أولها وفي آخرها (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ﴿٤﴾) وذُكروا في آخرها قال الله (وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا ﴿١٠١﴾) فذُكر بنو إسرائيل في أول السورة وفي آخرها فسميت الإسراء وسميت بني إسرائيل وبينهما ارتباط كما سيظهر في موضوع السورة.
                              كون النبي يواظب على قرآءتها كل ليلة فهذا فضل للسورة ويقرأ معها الزمر وثبت في حديث صحيح آخر أنه عليه الصلاة والسلام كان يقرأ السجدة والملك ولا شك أن القليل الدائم خير من الكثير المنقطع. النبي كان يواظب على هذه السور: الإسراء حوالي نصف جزء والزمر أقل من نصف الجزء بقليل والملك قصيرة والسجدة ثلاث صفحات فإذا لم يستطع الإنسان المحافظة على الزمر والإسراء لا يكلف نفسه شيئًا لا يواظب عليه فليحافظ على السجدة والملك وكثيرًا ما تجد الناس يحافظون كل ليلة على سورة لم تثبت عن النبي أو جاءت في أحاديث ضعيفة والصحيح أولى بأن يواظب عليه الإنسان من الضعيف فضلًا عن ما لا أصل له. فالنبي كان يواظب على الإسراء لكنها طويلة فإن كان للإنسان متسع من الوقت ويعرف أنه يستطيع الاستمرار فإنه خير كبير أن يواظب على ما كان يواظب عليه النبي .
                              هذه السورة مكية لكن فيها آية فيها كلام طويل وسأذكر شيئًا من الخلاف فيها لا لسبب إلا إظهار حرص العلماء على ضبط السُنّة ولإظهار حرص العلماء على الجميع بين الأدلة لا كما قد يتوهم البعض أنهم مجرد نقَلَة للعلم. جاء في صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود [2] – وعبد الله بن مسعود وصف هذه السور أنه تعلمها مبكرًا – يقول كنت مع النبي في حرث بالمدينة وهو يتوكأ على عسيب (جريد من النخل) فمرّ بنفر من اليهود فقال بعضهم سلوه عن الروح وقال بعضهم لا تسألوه لا يُسمعكم ما تكرهون فقاموا إليه فقالوا يا أبا القاسم حدّثنا عن الروح فقام ساعة ينظر – يقول ابن مسعود – فعرفت أنه يوحى إليه فتأخرت عنه حتى صعد الوحي ثم قال (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي)، هذه القصة حدثت في المدينة والسورة مكية. وجاء في مسند الإمام أحمد والترمذي والحديث الأول متفق عليه في صحيح البخاري ومسلم، الحديث الثاني في أحمد والترمذي[3] وهو ثابت على الراجح قال: قالت قريش لليهود أعطونا شيئًا نسأل عنه هذا الرجل فقالوا سلوه عن الروح فسألوه فنزلت (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴿٨٥﴾) قالوا أوتينا علمًا كثيرًا أوتينا التوراة ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرًا كثيرًا فأنزل الله (قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (109) الكهف). هذه الرواية تبين أن السورة مكية قريش سألت اليهود وأرسلوا لهم بهذا السؤال فأجابوا. هنا اختلف العلماء ولكن عندهم وسائل للترجيح فمن وسائل ترجيحهم قالوا القصة إذا كانت حدثت في مكة فابن عباس لم يكون قد ولد أو كان رضيعًا وبالتالي هو لم يشهد القصة وإنما ينقلها عن غيره بينما ابن مسعود إذا كانت القصة في المدينة فهو حاضر بدليل أنه قال (فتأخرت عنه) إذن هو حاضر، هذا مرجّح لقصة ابن مسعود على قصة ابن عباس والذي حضر الحادثة ليس كمثل الذي لم يحضر الحادثة وهذه من وسائل الترجيح بين الأحاديث إذا حدث فيها اختلاف. والترجيح الآخر أن حديث ابن مسعود متفق عليه بين البخاري ومسلم وحديث ابن عباس في الترمذي وأحمد فهو أقل في الدرجة وهذا مرجّح ثاني. مرجّح ثالث ابن مسعود يقول أنا تعلمت الإسراء من النبي مباشرة أو من السور التي تعلمها مبكرًا فأحيانًا يتعلم السور مباشرة من النبي وأحيانًا يتعلم من أحد الصحابة لكن من السور التي تعلمها مبكرًا فكونه يذكر واحدة من آياتها ويجعلها مدنية فهو عارف بالشيء الذي ينقله ولذلك رجّح بعضهم أنها مدنية وبعضهم قال نزلت مرتين نزلت أول مرة بسبب قريش عندما سألوا بعد أن أخذوا السؤال من اليهود ثم سأل اليهود مرة أخرى فنزلت مرة أخرى والله أعلم. وتبقى آية الكهف (قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي) تحتاج إلى مراجعة في سندها أكثر. الشاهد من هذا أن العلماء كانوا يدققون في الرواية إذا وجدوا اختلافًا يرجحون باشياء تدل على ذكائهم وعقولهم يميزون هذا الرواي كبير في السن وهذا صغير، هذا يضبط وهذا لا يضبط، هذا روايته أقوى وهذا روايته أضعف ولم يكونوا مجرد نقلة للروايات كيفما اتفق.
                              هذه السورة اسمها الإسراء واسمها بني إسرائيل ومن هذين الاسمين تفهم مقصودها إذا تأملت في آياتها، هي تدور حول النعمة علينا بهذا القرآن والتذكير بهذه النعمة تذكيرًا عظيمًاوالنعمة علينا بالنبي عمومًا وبما أكرمه الله به مع المقارنة مع قوم أوتوا النعمة لكنهم لم يشكروا ربهم عليها وهم بنو إسرائيل ولذلك بدأت بنعمة عظيمة على النبي وهي نعمة علينا قال (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴿١﴾ وَآَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ) الله أعطى النبي الإسراء وأعطى موسى الكتاب (وَآَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا ﴿٢﴾ ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ﴿٣﴾) هذه مقدمة السورة تُشعر أن هناك مننًأ من الله وأن هناك من يشكر الله على هذه المنن في مقابل الشكور من يكفر ولا يتعامل مع نعم الله بما تستحقه من شكر.
                              ثم قال الله (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ) الآن بنو إسرائيل عندهم الكتاب قال (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ) هذا كفر وليس شكرًا لأن الكفر الذي يقابل الشكر لا يشترط أن يكون مُخرجًا من الملّة لكن (لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ) هذا ليس شكرًا هذا كفر فذكر الله بعض ما يصنع اليهود من عدم شكر نعمة الله وفي آخر السورة ذكر بني إسرائيل مرة أخرى وذكر أن بعضهم يشكر الله وفي وسط السورة جاءت ثلاث آيات تقسم السورة وتتحدث عن النعم على هذه الأمة:
                              النعمة الأولى في قوله تعالى (إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ﴿٩﴾) والقرآن ذُكر في هذه السورة كثيرًا. ثم قال (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا ﴿٤١﴾) ثم وصف بعض أولئك الذين لا يستجيبون لهذه النعمة قال (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا ﴿٤٥﴾ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآَنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا ﴿٤٦﴾) أكنّة أي أغطية، (وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا) قد يسمع الحروف لكنه لا يفقه شيئًا وإنما الموفق من أكرمه الله ففهم وتأثر قلبه واستكانت جوارحه – أخبرني رجل قال كنت في وقت لا أصلي إلا الجمعة وكنت أحضر خطبة الجمعة وأسمع الخطيب يحرك فمه ولا أفهم شيئًا وهو رجل عربي قرشي ثم هداه الله واستقام على الصلاة نسأل الله أن يهدينا – وهناك من يسمع كل الحروف وينشغل بالصوت أو بشيء من الأشياء أو ينشغل بالدنيا (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا (45)) وهذا مفتاح وهو مذكور في القرآن مرات متعددة، هؤلاء لا يفهمون القرآن لأنهم لا يؤمنون بالآخرة فأنت إذا فتحت المصحف تذكر أن هناك آخرة وأننا والله سنُسأل عن هذا القرآن إما أن يكون حجة لنا وإما أن يكون حجة علينا إما أن يقودنا إلى الجنة وإما أن يسوقنا إلى النار، إذا دخل الإنسان بهذا الخوف لا يُحجب عن القرآن بل برى من خلال القرآن (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا) نسأل الله العافية، مع أن الذي يقرأ القرآن أحسن من يمكن أن تسمع منه آيات القرآن صدقًا وإخلاصًا ومعرفة بالله ورغبة في هداية الخلق ومع ذلك (حِجَابًا مَّسْتُورًا) (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا) منعٌ للجوارح من الاستفادة بالقرآن والسبب عدم الإيمان بالآخرة، فكلما زاد الإيمان بالآخرة زاد الانتفاع بالآيات، فالذي دفن قريبه في البقيع بعد صلاة المغرب وتأثر ثم جاء صلاة العشاء فهل تقع عليه الآيات وهو في هذا الحال من التأثر كما تقع عليه في حالة الغفلة؟! لأن الإيمان بالآخرة درجات وكلما زاد الإيمان بالآخرة قلّ الحجاب وكلما ضعف الإيمان بالآخرة زاد الحجاب نسأل الله أن يقربنا من معاني كتابه.
                              نعمة القرآن جاءت في السورة ثم جاءت نعم أوسع من نعمة القرآن قال (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴿٧٠﴾) ثم جاءت نعمة القرآن مرة أخرى (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا ﴿٨٩﴾) فنعمة القرآن بدأت وانتهت وبينها نعم أخرى والنعم لا تنتهي لكن أعظم نعمة علينا هي نعمة القرآن فقد قال الله في سورة الرحمن (الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2)) قال بعض أهل العلم قدّم تعليم القرآن على النعم الأخرى (خلق الإنسان) قدم تعليم القرآن على خلق الإنسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم ثم ردّه أسفل سافلين إلى أن وصل إلى أصل الجحيم ولم يتعلم شيئًا من القرآن ولم يؤمن به أصلًا هذا يقول يا ليتني كنت ترابًا، وما ناله لا فائدة فيه وما فاته أعظم بكثير! (الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2)) وهذا يدل أيضًا على أن تعليم القرآن من رحمة الله بنا علينا أن نفرح بها ونحرص عليها.
                              فالسورة تدور حول التذكير بنعمة القرآن وبيان ما يصرف عن الانتفاع بالقرآن مع التذكير بقوم سابقين جاءتهم نعم لكنهم ما شكروا وهم بنو إسرائيل وتخللت السورة كثير من الآيات تتحدث عن يوم القيامة وهذا معتاد في سور القرآن لأن ترقيق القلوب يحصل بتذكر بالآخرة فينتفع الإنسان بالموعظة.
                              سورة الكهف
                              أما سورة الكهف فنفتتحها بفضل من فضائلها وهو ما في صحيح البخاري أن البراء بن عازب قال: قرأ رجل الكهف وفي الدار الدابة فجعلت تنفر (هو في بيته حيوان قد يكون ناقة أو حصان فهو يقرأ الكهف صارت الدابة تنفر) فسلّم فإذا ضبابة أو سحابة غشيته فذكره للنبي فقال: اقرأ فلان (أكمل قرآءتك) فإنها السكينة نزلت للقرآن. هذه كرامة نالها بعض الصحابة ويمكن أن ينالها الإنسان كرامة من الله في أي عصر وفي أي مصر لكن عين الكرامة كما قال العلماء الاستقامة، أهم شيء الاستقامة على دين الله. بعض الناس لا يصلي ويقولون عنده كرامات، هذه ليست كرامة، هذا والعياذ بالله بؤس وشقاء لكن عين الكرامة الاستقامة فإذا أكرم الله العبد بالمحافظة على الصلوات وعلى الذكر وعلى حفظ اللسان وحفظ الفرج وحفظ البصر فهذه أكرم الكرامات.
                              سورة الكهف مثل سورة الإسراء مكية وفيها قصص كثيرة والقصص تأنس لها النفوس وتنتفع بها ونلاحظ أن هذه القصص في هذه السورة ترتبط بالدنيا أو باشتمالات الإنسان في الدنيا فأنت في الدنيا إما أن تمر بضيق وإما أن تمر بسعة وقد تكون في حالة متوسطة وهذه الحالات موجودة في السورة مع ذكر الدنيا بشكل ظاهر، قال الله في مطلع السورة (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴿١﴾) إلى أن قال (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴿٧﴾) وصف الدنيا ظاهر في السورة، (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) هذه الأشياء التي تراها في الدنيا موجودة لمجرد اختبار البشر لابتلائهم والابتلاء هو الاختبار الشديد (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) ما قال لنبلوهم أيهم عمله حسن وإنما لنبلوهم أيهم أحسن عملًا فليحرص الإنسان على الأحسن، كلما رأيت شيئًا من أمور الدنيا أمامك اعرف أنه زينة للابتلاء فإما أن تعمل حسنًا وإما أن تعمل أحسن وإما أن تعمل والعياذ بالله قبيحًا وإما أن تعمل أقبح ولكن في النهاية (وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا ﴿٨﴾) تنتهي كلها!
                              ثم ذكرت قصة أصحاب الكهف وهي قصة تمثل نموذجًا لأناس يريدون التمسك بالدين لكنهم في بيئة فاسدة فكان الحل (فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ) الكهف مكان ضيق موحش (يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِه) ورحمة الرب واسعة (ورحمتي وسعت كل شيء)ِ (وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا ﴿١٦﴾) فهذه القصة تمثل ابتلاء يبتلى به الإنسان فإما أن يختار الدنيا ويبقى في البيئة الفاسدة وإما أن يختار الله والدار الآخرة فيعوضه الله خيرًا وقد عوّضهم الله خيرًا فذُكروا في خير كتاب وربما الصغار والكبار يعرفون قصتهم وهذا من رحمة الله بهم وإكرامه لهم .
                              القصة الثانية قصة الرجلين قال (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا ﴿٣٢﴾) واحد عنده أموال ولكنه متكبر بها والثاني ربما لا تكون عنده نفس هذه الدرجة فحصل بينهم خلاف على التوحيد وعلى الآخرة ففي نهاية القصة قال (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا ﴿٤٢﴾ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا ﴿٤٣﴾) وهذه تذكر الإنسان أنه إن كان في نعمة الدنيا فانشغل بها عن الله فإنها توشك أن تذهب عنه ويبقة نادمًا يوم لا ينفع الندم.
                              ثم قال الله (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا ﴿٤٥﴾) مما يدل على أن الدنيا تُذكر كثيرًا في السورة.
                              ثم ذكر الله قصة موسى مع الخضر وهذه قصة تبين لك أهم ما يحرص عليه الإنسان في الدنيا، موسى كليم الله وكان يعتقد أنه أعلم أهل الأرض كما في صحيح البخاري سأله بعض الناس من أعلمُ أهل الأرض؟ فقال أنا، فليم على ذلك وأُخبر أن هناك من هو أعلم منه أو عنده علم ليس عنده وهو الخضر فانطلق يبحث عنه كما في صحيح البخاري فلما وصل إليه وصل إلى السفينة فجاء العصفور فنقر في البحر نقرة فقال الخضر لموسى وكلاهما على علم عظيم: ما نص علمي وعلمك من علم الله إلا كما أخذ هذا العصفور من هذا البحر. وهذه القصة تحرك فيها موسى بحثًا عن العلم ولذلك عندما قابل الخصر قال (قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ) هذا من أدب موسى (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ﴿٦٦﴾) مع أن موسى علم كثير لكنه سعى حتى قال (لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا ﴿٦٢﴾) تعب في سفره وهو النبي المُرسَل لكن هذا تعليم لنا أن العلم العظيم وأنه من أعظم ما ينبغي أن يسعى فيه الإنسان.
                              والقصة الأخيرة التي في السورة هي قصة ذي القرنين وهذه عكس قصة أصحاب الكهف، أصحاب الكهف ما عندهم الدنيا واضطروا أن يضحّوا بالدنيا من أجل الآخرة أما ذو القرنين فأعطاه الله الدنيا فسخّرها في طاعة الله فكان يعذّب اقوامًا لأنهم لا يطيعون الله وغيرهم يتعامل معهم بحسب حالهم في قصته المعروفة وفي آخرها (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا ﴿٩٩﴾ وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا ﴿١٠٠﴾) وهذا تذكير بزوال الدنيا.
                              وفي آخر السورة (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴿١١٠﴾) من كان يرجو لقاء ربه في الآخرة فليعمل عملًا صالحًا في هذه الدنيا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا نسأل الله أن يجعلنا ممن يلقاه بعمل صالح خالص.

                              [1] عن عبدِ اللهِ قالَ : بني إسرائيلَ والكهفِ ومريمَ وطه والأنبياءِ : هُنَّ من العِتَاقِ الأُوَلِ ، وهنَّ من تِلادِي .الراوي: عبدالرحمن بن يزيد المحدث:البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 4739 - خلاصة حكم المحدث: [صحيح]

                              [2] كنتُ معَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في حرثٍ بالمدينةِ، وهو يتوكأ على عسيبٍ، فمر بنفرٍ من اليهودِ، فقال بعضهم : سلوهُ عن الروحِ، وقال بعضهم : لا تسألوه، لا يُسمعُكم ما تكرهون، فقاموا إليه فقالوا : يا أبا القاسمِ، حدِّثنا عن الروحِ، فقام ساعةً ينظرُ، فعرفتُ أنه يوحى إليه، فتأخرتُ عنه حتى صعِدَ الوحيُ، ثم قال : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي . - الراوي: عبدالله بن مسعود المحدث:البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 7297 - خلاصة حكم المحدث: [صحيح]

                              [3] قالت قُرَيْشٌ ليَهودَ : أعطونا شيئًا نسألُ هذا الرَّجلَ . فقالوا : سلوهُ عنِ الرُّوحِ . فأنزلَ اللَّهُ تعالى وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا قالوا : أوتينا علمًا كثيرًا ، التَّوراةَ ، ومَن أوتيَ التَّوراةَ فقد أوتيَ خيرًا كثيرًا . فأنزلَ اللَّهُ تعالى : قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي إلى آخرِ الآيةِ - الراوي: عبدالله بن عباس المحدث:ابن دقيق العيد - المصدر: الاقتراح - الصفحة أو الرقم: 104 - خلاصة حكم المحدث: صحيح
                              سمر الأرناؤوط
                              المشرفة على موقع إسلاميات
                              (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

                              تعليق

                              19,963
                              الاعــضـــاء
                              232,060
                              الـمــواضـيــع
                              42,592
                              الــمــشـــاركـــات
                              يعمل...
                              X