• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • من فرائد ابن عاشور في التحرير و التنوير : الحلقة الخامسة .

      يقول الحق سبحانه و تعالى في سورة الأنبياء

      " و ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين " : 107

      ركز جل المفسرين في كتبهم على معنى الرحمة و على معنى العالمين . و جاءت كتاباتهم بالمعاني التالية :

      1- أنه صلى الله عليه و سلم كان رحمة في الدين لأنه بُعث و الناس في جاهلية و ضلالة
      2- أنه رحمة في الدنيا لأنهم تخلصوا بسببه من كثير من الحروب و ذلك مصداق قوله صلى الله عليه و سلم ( إني لم أبعث لعانا و إنما بعثت رحمة ) رواه مسلم عن أبي هريرة
      3- أنه كان رحمة لأتباعه من المؤمنين فقد جاء بما يسعدهم إن اتبعوه .
      4- أنه كان رحمة لغير المؤمنين بتأخير عقوبتهم بسببه و بأمنهم به من عذاب الاستئصال .


      أما ابن عاشور فقد انفرد في تفسيره بما يلي :

      1- الوصف الجامع :

      جاءت هذه الآية مشتملة على وصف جامع لبعثة محمد ومزيتها على سائر الشرائع مزية تناسب عمومَها ودوامها، وذلك كونها رحمة للعالمين، فهذه الجملة عطف على جملة وجعلناها وابنها آية للعالمين [الأنبياء: 91] ختاماً لمناقب الأنبياء، وما بينهما اعتراض واستطراد.

      ولهذه الجملة اتصال بآية وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون [الأنبياء: 3].

      ووزانها في وصف شريعة محمد وزان آية: ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان [الأنبياء: 48] وآية: ولقد آتينا إبراهيم رشده [الأنبياء: 51] والآيات التي بعدهما في وصف ما أوتيه الرسل السابقون .

      2- اثنا عشر معنى خصوصيا في أربعة و عشرين حرفا :

      صيغت هاته الآية بأبلغ نظم إذ اشتملت - بوجازة ألفاظها - على مدح الرسول عليه الصلاة والسلام ومدح مرسله تعالى، ومدح رسالته بأن كانت مظهر رحمة الله تعالى للناس كافة وبأنها رحمة الله تعالى بخلقه.

      فهي تشتمل على أربعة وعشرين حرفاً بدون حرف العطف الذي عطفت به، ذكر فيه :
      الرسول،
      ومرسله،
      والمرسَل إليهم،
      والرسالة،
      وأوصاف هؤلاء الأربعة،
      مع إفادة عموم الأحوال،
      واستغراق المرسل إليهم،
      وخصوصية الحصر،
      وتنكير رحمة للتعظيم، إذ لا مقتضى لإيثار التنكير في هذا المقام غير إرادة التعظيم وإلا لقيل: إلا لنرحم العالمين، أو إلا أنك الرحمة للعالمين. وليس التنكير للإفراد قطعاً لظهور أنّ المراد جنس الرحمة وتنكير الجنس هو الذي يعرض له قصد إرادة التعظيم.

      فهذه اثنا عشر معنى خصوصياً، فقد فاقت أجمع كلمةٍ لبلغاء العرب، وهي:
      قِفا نَبْككِ من ذِكرَى حبيبٍ ومنزل
      إذ تلك الكلمة قصاراها كما قالوا: «أنه وقف واستوقف وبكى واستبكى وذكر الحبيب والمنزل» دون خصوصية أزيد من ذلك فجمَع ستة معان لا غير. وهي غير خصوصية إنما هي وفرة معان. وليس تنكير «حبيب ومنزل» إلا للوحدة لأنه أراد فرداً معيّناً من جنس الأحباب وفرداً معيناً من جنس المنازل، وهما حبيبه صاحب ذلك المنزل، ومنزلُه.

      3 – اتحاد الرسول بالرحمة و انحصاره فيها :

      ... واعلم أن انتصاب رحمة على أنه حال من ضمير المخاطب يجعله وصفاً من أوصافه فإذا انضم إلى ذلك انحصار الموصوف في هذه الصفة صار من قصر الموصوف على الصفة. ففيه إيماء لطيف إلى أن الرسول اتحد بالرحمة وانحصر فيها، ومن المعلوم أن عنوان الرسُولية ملازم له في سائر أحواله، فصار وجوده رحمةً وسائر أكوانه رحمة. ووقوع الوصف مصدراً يفيد المبالغة في هذا الاتحاد بحيث تكون الرحمة صفة متمكنة من إرساله، ويدلّ لهذا المعنى ما أشار إلى شرحه النبي بقوله: " إنما أنا رحمة مهداة " وتفصيل ذلك يظهر في مظهرين: الأول تخلق نفسه الزكية بخلق الرحمة، والثاني إحاطة الرحمة بتصاريف شريعته.
      .... ولهذا خصّ الله محمداً في هذه السورة بوصف الرحمة ولم يصف به غيره من الأنبياء، وكذلك في القرآن كله، قال تعالى: لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم [التوبة: 128] وقال تعالى: فبما رحمة من الله لنت لهم [آل عمران: 159] أي برحمة جبلَك عليها وفَطرك بها فكنت لهم لَيِّناً.

      4 - العالمين ...حتى الحيوان :

      والتعريف في العالمين لاستغراق كل ما يصدق عليه اسم العالم. والعالَم: الصنف من أصناف ذوي العلم، أي الإنسان، أو النوع من أنواع المخلوقات ذات الحياة كما تقدم من احتمال المعنيين في قوله تعالى: الحمد لله رب العالمين [الفاتحة: 2]

      * فإن أريد أصناف ذوي العلم فمعنى كون الشريعة المحمدية منحصرة في الرحمة أنها أوسع الشرائع رحمة بالناس فإن الشرائع السالفة وإن كانت مملوءة برحمة إلا أن الرحمة فيها غير عامة إمّا لأنها لا تتعلق بجميع أحوال المكلفين، فالحنيفية شريعة إبراهيم كانت رحمة خاصة بحالة الشخص في نفسه وليس فيها تشريع عام، وشريعة عيسى قريبة منها في ذلك؛ وإما لأنها قد تشتمل في غير القليل من أحكامها على شدّة اقتضتها حكمة الله في سياسة الأمم المشروعة هي لها مثل شريعة التوراة فإنها أوسع الشرائع السالفة لتعلقها بأكثر أحوال الأفراد والجماعات، وهي رحمة كما وصفها الله بذلك في قوله تعالى: ثم آتينا موسى الكتاب تماماً على الذي أحسن وتفصيلاً لكل شيء وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون [الأنعام: 154]، فإن كثيراً من عقوبات أمتها جعلت في فرض أعمال شاقة على الأمة بفروض شاقة مستمرة قال تعالى: فبظلم من الذين هادوا حرّمنا عليهم طيبات أحلّت لهم وقال: فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم إلى آيات كثيرة.

      لا جرم أن الله تعالى خصّ الشريعة الإسلامية بوصف الرحمة الكاملة. وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى فيما حكاه خطاباً منه لموسى : ورَحمتي وسِعت كل شيء فسأكتبها للذين يتّقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي [الأعراف: 156ـ157] الآية. ففي قوله تعالى: وسعت كل شيء إشارة إلى أن المراد رحمة هي عامة فامتازت شريعة الإسلام بأن الرحمة ملازمة للناس بها في سائر أحوالهم وأنها حاصلة بها لجميع الناس لا لأمة خاصة.

      وأما رحمة الإسلام بالأمم غير المسلمين فإنما نعني به رحمته بالأمم الداخلة تحت سلطانه وهم أهل الذمة. ورحمته بهم عدمُ إكراههم على مفارقة أديانهم، وإجراءُ العدل بينهم في الأحكام بحيث لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم في الحقوق العامة.

      * وإن أريد بـ العالمين في قوله تعالى: إلا رحمة للعالمين النوع من أنواع المخلوقات ذات الحياة فإن الشريعة تتعلق بأحوال الحيوان في معاملة الإنسان إياه وانتفاعه به. إذ هو مخلوق لأجل الإنسان، قال تعالى: هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً [البقرة: 29] وقال تعالى: والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤف رحيم [النحل: 5ـ7].

      وقد أذنت الشريعة الإسلامية للناس في الانتفاع بما يُنتفع به من الحيوان ولم تأذن في غير ذلك. ولذلك كُره صيد اللهو وحرم تعذيب الحيوان لغير أكله، وعدّ فقهاؤنا سباقَ الخيل رخصة للحاجة في الغرو ونحوه.

      ورغبت الشريعة في رحمة الحيوان ففي حديث «الموطأ» عن أبي هريرة مرفوعاً: " أن الله غفر لرجل وجد كلباً يلهثُ من العطش فنزل في بئر فملأ خفّه ماء وأمسكه بفمه حتى رقِي فسقَى الكلب فغفر الله له ". أما المؤذي والمضرّ من الحيوان فقد أُذن في قتله وطرده لترجيح رحمة الناس على رحمة البهائم. وهي تفاصيل الأحكام من هذا القبيل كثرة لا يعوز الفقيه تتبعها.

      اهــ

      رحم الله الشيخ ابن عاشور و جمعنا الله و إياه - برحمته الواسعة - مع النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين .

    • #2
      جزاك الله خيراً يا أبا زينب على مواصلة إتحافنا بهذه الفرائد العلمية التي تميز بها تفسير الطاهر بن عاشور. وفي الحق إن للطاهر بن عاشور نَفَساً علمياً مميزاً ، لإجادته وإتقانه لكثير من العلوم ، وتوفيق الله له لاستنباط كثير من المسائل والأحكام من الآيات والأحاديث ، وفوق ذلك تميزه بصفاء لغته العربية ، وجمال ديباجته وبيانه. رحمة واسعة ، وأعانك الله يا أبا زينب على تتبع هذه الفوائد العلمية البديعة ، في هذه الموسوعة العلمية : (التحرير والتنوير).
      عبدالرحمن بن معاضة الشهري
      أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود

      تعليق

      20,091
      الاعــضـــاء
      238,547
      الـمــواضـيــع
      42,941
      الــمــشـــاركـــات
      يعمل...
      X