إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الفرق بين التفسير والتأويل

    الفرق بين التفسير والتأويل

    بقلم : الدكتور هاني البشبيشي

    التفسيرُ لغةً: مصدر فَسر، بمعنى الإيضاح والتبيين، يقال: استفسرته كذا: سألته أن يفسِّره لي. والفَسْر: نَظَر الطبيب إلى الماء لينظرَ عِلَّتَه، وكذلك التَّفْسِرَة، وكل شيء يُعرف به تفسير الشيء ومعناه هو تفسرته.
    ويُطلق التفسير على التعرية للانطلاق، يقال: فَسَرتُ الفَرَس: عَرَّيتُهُ لينطلق، وهو راجع لمعنى الكشْف، فكأنه كشَف ظهره لهذا الذي يريد منه مِن الجَري[1].
    والتفسير في الاصطلاح: عِلمٌ يُعرَف به فَهْم كتاب الله المنزل على نبيِّه محمَّد - صلَّى الله عليه وسلَّم - وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحِكمه، واستمداد ذلك من عِلْم اللغة، والنحو والتصريف، وعلم البيان، وأصول الفِقه، والقراءات، ويحتاج لمعرفة أسباب النزول والناسِخ والمنسوخ[2].
    وقيل: هو عِلمُ نزول الآيات وشؤونها وأقاصيصها، والأسباب النازلة فيها، ثم ترتيب مكِّيِّها ومدنيِّها، ومُحْكمها ومتشابهها، وناسخها ومنسوخها، وخاصِّها وعامِّها، ومطلقها ومقيَّدها، ومُجْمَلها ومُفسَّرها، وحلالها وحرامها، ووعْدِها ووعيدها، وأمْرها ونَهْيها، وعِبَرها وأمثالها[3].
    وقيل غير ذلك ممَّا يدخل ضمنَ التعريفين السابقين[4].
    أما التأويل، فهو لغةً: من أَوَّل يُؤَوِّلُ تأويلاً، وثُلاثيُّه آل يَؤُول؛ أي: رجع وعاد، يقال: آل الشيء جمَعه وأصلحه، فكأنَّ التأويل جمعُ معانٍ مشكلة بلفظ واضحٍ لا إشكالَ فيه.
    ويقال: تأولتُ في فلان الأجْر: تحرَّيْته وطلبته.
    وعن الليث: التأوُّل والتأويل تفسيرُ الكلام الذي تختلف معانيه، ولا يصحُّ إلا ببيان غيرِ لفظه[5].
    وأوَّل الكلام تأوَّله دبَّره وقدَّره، وأوَّله وتأوَّله: فسَّره[6].
    أمَّا في الاصطلاح، فهو عند السَّلف له معنيان:
    أحدهما: تفسير الكلام وبيان معناه؛ سواء وافَق ظاهره أو خَالَفَه، فيكون التأويل والتفسير على هذا مترادفَين.
    ثانيهما: هو نفْس المراد بالكلام، فإنْ كان الكلام طلبًا كان تأويله نفسَ الفعل المطلوب، وإن كان خبرًا كان تأويله نفسَ الشيء المخبَر به، وبيْن هذا المعنى والذي قبله فرْقٌ ظاهر.
    وأما التأويل عند المتأخِّرين، فهو صَرْف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يَقْتَرِن به، وعلى هذا فالمتأوِّل مطالَب بأمرين:
    الأمر الأول: أن يبيِّن احتمالَ اللفْظ للمعنى الذي حمَلَه عليه، وادَّعى أنه المراد.
    الأمر الثاني: أن يبيِّن الدليلَ الذي أوجب صرْفَ اللفْظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجوح، وإلا كان تأويلاً فاسدًا، أو تلاعبًا بالنصوص[7].
    وقد اختلف العلماء في بيان الفَرْق بين التفسير والتأويل، وفي تحديد النسبة بينهما:
    1- قال أبو عُبَيدة وطائفة[8]: هما بمعنًى واحد، وعليه فهُما مترادفان، وهذا هو الشائعُ عند المتقدِّمين من علماء التفسير، كالإمام ابن جرير وغيره[9].
    2- قال الراغب الأصفهاني: التفسيرُ أعمُّ من التأويل، وأكثرُ استعماله في الألْفاظ ومفرداتها، وأكثر استعمال التأويل في المعاني والجُمَل، وأكثر ما يُستعمَل في الكتب الإلهية، والتفسير يُستعمل فيها وفي غيرها[10]، فالتفسير إمَّا أن يُستعمل في غريب الألفاظ كالبَحِيرة والسائبة والوَصِيلة والحَام، أو في تبيين المراد وشرْحه؛ كقوله - تعالى -: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ﴾ [البقرة: 43]، وإمَّا في كلام مضمَّن بقِصَّة لا يمكن تصوُّرُه إلا بمعرفتها؛ نحوَ قوله - تعالى -: ﴿ إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ﴾ [التوبة: 37].
    وأمَّا التأويل، فإنَّه يُستعمَل مَرَّةً عامًّا، ومرةً خاصًّا، نحو (الكفر) المستعمَل تارةً في الجحود المطلَق، وتارةً في جحود الباري خاصَّة، و(الإيمان) المستعمل في التصديق المطلَق تارة، وفي تصديق دِين الحقِّ تارة، وإمَّا في لفظ مُشْتَرك بين معانٍ مختلفة، ونحو لفظ (وجد) المستعمل في الجد والوجد والوجود[11].
    3- قال الماتريدي[12]: التفسير: القطْع على أنَّ المراد من اللفظ هذا، والشهادة على الله أنَّه عنَى باللفظ هذا، فإن قام دليلٌ مقطوعٌ به، فصحيح، وإلا فالتفسير بالرأي وهو المنهي عنه، والتأويل ترجيحُ أحَد المحتملات بدون القَطْع والشهادة على الله[13]، وعلى هذا فالنِّسبة بينهما التباين.
    4- وقال قوم: التفسير بيان وضْع اللفظ؛ إما حقيقةً وإما مجازًا، كتفسير (الصراط) بالطريق و(الصيب) بالمطر، والتأويل تفسير باطن اللفظ، مأخوذٌ من الأَوْل، وهو الرجوع لعاقبة الأمر، فالتأويل إخبارٌ عن حقيقة المراد، والتفسير إخبارٌ عن دليل المراد؛ لأنَّ اللفظ يكشِف عن المراد، والكاشف دليل، مثال ذلك: قوله - تعالى -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾ [الفجر: 14]، تفسيره: أنَّه من الرَّصْد، يقال: رصدته؛ أي: رقبته، والمرصاد: مِفْعال منه، وتأويله التحذير مِن التهاون بأمر الله والغَفْلة، والاستعداد للعَرْض عليه، وقواطع الأدلَّة تقتضي بيانَ المراد منه على خِلاف وضْع اللفظ في اللغة[14]، وعلى هذا فالنِّسبة بينهما التباين.
    5- وقال قوم: التأويل: صرْف الآية إلى معنًى محتمل موافِق لِمَا قبلها وما بعدها، غير مخالف للكتاب والسُّنة من طريق الاستنباط، فقد رُخِّص فيه لأهل العلم، والتفسير: هو الكلام في أسباب نزول الآية وشأنِها وقصتها، فلا يجوز إلا بالسماع بعدَ ثبوته من طريق النقْل[15]، وعليه فالنسبة بينهما التباين أيضًا.
    6- وقال قوم: التفسير يتعلق بالرِّواية، والتأويل يتعلَّق بالدِّراية[16]، والنسبة بينهما التباين أيضًا.
    7- وقال قوم: ما وقع مبيَّنًا في كتاب الله، ومعيَّنًا في صحيح السنة، سُمِّي تفسيرًا؛ لأنَّ معناه قد وضح وظهر، وليس لأحد أن يتعرَّض إليه باجتهاد ولا غيره؛ بل يحمله على المعنى الذي ورَد لا يتعدَّاه، والتأويل: ما استنبطه العلماءُ العاملون لمعانِي الخطاب، الماهرون في آلاتِ العلوم[17].
    8- وقال قوم: التفسير: بيان المعاني التي تُستفاد من وضْع العبارة، والتأويل: هو بيانُ المعاني التي تُستفاد بطريق الإشارة، فالنِّسبة بينهما التباين، وهذا هو المشهورُ عندَ المتأخرين[18]، وقد نبَّه إليه الإمامُ الألوسي في مقدِّمة تفسيره.
    ولعلَّ أظهر الأقوال وأولاها بالقَبول: هو أنَّ التفسير ما كان راجعًا إلى الرِّواية، والتأويل ما كان راجعًا إلى الدِّراية؛ وذلك لأنَّ التفسير معناه الكشْف والبيان، والكشْف عن مراد الله - تعالى - لا يُجْزَم به إلا إذا وردَ عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أو عن بعضِ أصحابه الذين شَهِدوا نزولَ الوحي، وعلموا ما أحاط به من حوادثَ ووقائع، وخالطوا رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ورجعوا إليه فيما أشكل عليهم من معاني القرآن الكريم.
    وأما التأويل، فملحوظٌ فيه ترجيح أحدِ محتملات اللفظ بالدليل، والترجيح يَعتمِد على الاجتهاد، ويُتوصَّل إليه بمعرفة مفردات الألفاظ ومدلولاتها في لُغة العرب، واستعمالها بحسب السِّياق، ومعرفة الأساليب العربية، واستنباط المعاني من كلِّ ذلك [19].
    قال الإمام الزركشي: قال أبو نصر القُشَيري[20]: ويُعتبَر في التفسير الاتباع والسَّماع، وإنما الاستنباط فيما يَتعلَّق بالتأويل[21].
    قال الزَّركشي: وكأنَّ السبب في اصطلاح كثير على التفرِقة بين التفسير والتأويل التمييزُ بين المنقول والمستنبَط؛ ليحمل على الاعتماد في المنقول، وعلى النظر في المستنبط، تجويزًا له وازديادًا، وهذا من الفروع في الدِّين[22]. ا هـ.
    والذي أميل إليه:
    أولاً: أنَّ التأويل أعمُّ من التفسير؛ وذلك لأنَّ كلمة التأويل جاءتْ في القرآن الكريم بأكثر من معنى، في حين أنَّه - سبحانه - لم يذكرْ كلمةَ التفسير ومشتقاتها إلا مرَّةً واحدة فقط في القرآن كله في قوله - تعالى -: ﴿ وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا ﴾ [الفرقان: 33].
    ثانيًا: إذا ذُكِر أحد اللفظين منفردًا قُصِد به المعنى الشامل للفظين معًا.
    ثالثًا: إذا اجتمع اللفظان معًا "التفسير والتأويل" في شيء يخصُّ القرآن الكريم، كان المراد - والله أعلم - بالتفسير بيانَ المعاني التي تُستفاد من وضْع العبارة، وبالتأويل بيانَ المعاني التي تُستفادُ بطريق الإشارة، والله تعالى أعلم.

    [1]- لسان العرب (5/ 55)، بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز (1/78).

    [2]- البرهان في علوم القرآن؛ لبدر الدين الزركشي (1/ 13).

    [3]- الإتقان في علوم القرآن؛ للسيوطي (ص: 544)، ط: دار مصر للطباعة.

    [4]- الإتقان (ص: 543).

    [5]- العين (8/369)، تهذيب اللغة (15/329)، لسان العرب (11/33).

    [6]- لسان العرب (11/33).

    [7]- التفسير والمفسرون (1/ 19)، ط: مكتبة وهبة.

    [8]- أبو عبيده هو معْمَر بن المثنى النحوي العلامة، يقال: إنَّه وُلِد سنة 110هـ، توفي سنة 213هـ، تاريخ بغداد (13/252).

    [9]- مجاز القرآن (1/ 86)، تحقيق: سزكين، ط: الخانجي، الإتقان في علوم القرآن (4/167).

    [10]- الإتقان في علوم القرآن (4/167).

    [11]- البرهان (2/149)، والتفسير المفسرون (1/20).

    [12]- محمد بن محمد بن محمود أبو منصور الماتريدي، مِن أئمَّة علماء الكلام، مِن كتبه: التوحيد، مآخذ الشرائع وغيرها، ت: 333؛ الأعلام للزِّركلي (7/ 11)، ط: دار العلم للملايين.

    [13]- مقدمة تأويلات أهل السنة (26)، الإتقان في علون القرآن (4/167)، روح المعاني (1/5).

    [14]- الإتقان في علوم القرآن (4/168)، التفسير والمفسرون (10/20).

    [15]- مقدمة تفسير البغوي (1/46)، البرهان في علوم القرآن (2/150)، الإتقان (4/169).

    [16]- الإتقان (4/168)، البرهان (2/150)، روح المعاني (1/5).

    [17]- الإتقان (4/168، 169).

    [18]- روح المعاني (1/6)، التفسير والمفسرون (1/21).

    [19]- التفسير والمفسرون (1/22).

    [20]- هو: الإمام المفسِّر أبو نصر عبدالرحيم بن شيخ الصوفية أبي القاسم عبدالكريم بن هوازن القشيري النيسابوري النحوي المتكلم، مات سنة 524 هـ، سير أعلام النبلاء (19/424).

    [21]- البرهان في علوم القرآن (2/165)، دار الكتب العلمية.

    [22]- الإتقان في علوم القرآن (3/167)، والبرهان (2/172)، والتفسير والمفسرون (1/22).




    رابط الموضوع: الفرق بين التفسير والتأويل - علوم قرآن - موقع آفاق الشريعة - شبكة الألوكة
    عبد الكريم بن إبراهيم عزيز
    جامعة المدينة العالمية

  • #2
    الفرق بين التفسير والتأويل ، عملية يحتاجها كل مشتغل بعلم التفسير ؛ لأن الحدود بين المصطلحات الممكنة في مجال علمي معين ، تزيد من توضيح الرؤى ، وتجعل المشتغل واعيا بكل المحطات التي يمارسها داخل هذا العلم .
    ومن خلال ما ورد في الفرق بين التفسير والتأويل يتبين ما يلي :
    ـ التفسير ليس هو التأويل
    ـ التأويل أعم من التفسير ، وليس العكس كما أشار إلى ذلك الراغب الأصفهاني ؛ لأنه اعتبره من حيث الاستعمال ، لا من حيث المفهوم .
    ـ التفسير للمعنى المباشر ، والتأويل للمعنى المركب
    ـ التفسير رواية ، والتأويل دراية .
    ـ نسبة الاجتهاد في التأويل أكبر من نسبته في التفسير .
    ـ عملية التفسير تحتاج إلى التأويل ، والتأويل أرقى مرتبة في الدراسة القرآنية . فقد كان دعاء الرسول لعبد الله بن عباس : " اللَّهمَّ فقِّهْهُ في الدِّين، وعلِّمْهُ التَّأويلَ "
    ـ التفسير محدود والتأويل متجدد.
    هذا ويمكن أن يُضاف لهذه الإشارات عدد من التصورات حول هذا العلم الجليل الذي ارتبط بكتاب الله العزيز .
    والله أعلم وأحكم
    عبد الكريم بن إبراهيم عزيز
    جامعة المدينة العالمية

    تعليق

    19,960
    الاعــضـــاء
    231,959
    الـمــواضـيــع
    42,574
    الــمــشـــاركـــات
    يعمل...
    X