إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • جُرادة تفسير " جامع البيان عن تأويل آي القرآن " للطبري (ت310هـ)

    بسم الله الرحمن الرحيم
    و الصلاة و السلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين
    ( سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم )

    جُرادة تفسير " جامع البيان عن تأويل آي القرآن "
    لأبي جعفر محمدبن جرير الطبري ( ت 310هـ) .
    مهداة إلى روح شيخنا محمود محمد شاكر ــ ـ


    تمهيد :

    ( جرد) جرد الشيء يَجْرُدُه جَرْداً و جَرَّدَه: قَشَرَهُ .
    واسم ما جُرِدَ منه : الجُرادَةُ .
    وجرَّدَ الكتاب و المصحف: عَرَّاه من الضبط، و الزيادات، و الفواتح.
    كل شيء قشرته عن شيء، فقد جَرَدْتَهُ عنه، و المقشور مجرود، و ما قُشِرَ عنه : جُرادَةٌ .
    " لسان العرب لابن منظور( ت 711هـ )، مادة ( جرد)، ج1،ص587/589 "

    تدخل هذه الجُرادة التفسيرية ضمن مشروع " مدونة التفسير" ، و هي عبارة عن جرد تاريخي للتفسير، حيث عملنا على استخراج تفاسير المفسرين من كتب التفسير، فاجتمع لدينا البيان النبوي، وتفاسير الصحابة، والتابعين، وأتباع التابعين، و أعلام المفسرين الذين لم تصلنا تفاسيرهم كاملة و مدونة. و كذلك تفاسير المفسرين الذين وصلتنا تفاسيرهم كاملة، و لكنها مزيج من أقوالهم و أقوال غيرهم، فعملنا على تجريدها و جردها، لتكون بين أيدينا ـ في نهاية المطاف ـ مدونة تفسيرية تعتمد الترتيب التاريخي لأقوال المفسرين، و آرائهم، واجتهاداتهم، و اختياراتهم، و انتقداتهم، مما يشكل إضافة نوعية إلى مجال التفسير، و ليست اجترارا لتفاسير سابقة، وبذلك يمكننا الوقوف على المعنى القرآني المستفاد في كل عصر، أو المعاني القرآنية التي سادت في كل عصر، بناء على الأنموذج المعرفي السائـد و المهيمن في ذلكم العصر. مما يجعل معرفتنا بالتطور التاريخي لأقوال المفسرين ـ تجدر الإشارة هنا إلى ضرورة التمييز بين التفاسير و أقوال المفسرين ـ معرفة دقيقة، و موضوعية، بحيث تصبح لدينا القدرة العلمية والمنهجية على التمييز بين الثابت و المتطور في التفسير، كما أنه سيكون بمقدورنا وضع اليد على منطقة الفراغ التفسيري، الذي يدخل ضمن قول عبد الله بن عبــــــــــــاس ( ت 68 هـ ) :
    " من القرآن ما يفسره الزمان ".
    مما سبق يتبين لنا أمران :
    1. نسبية أقوال المفسرين باعتبارها مجهودا بشريا محدودا في الزمان و المكان .
    2. أهمية ربط التفاسير بالواقع الثقافي : "قراءة التفاسير في إطار الأنموذج المعرفي السائد والمهيمن".

    تفسير سورة الفاتحة :
    القول في تأويل أسماء فاتحة الكتاب :

    وسمّيت " فاتحة الكتاب "، لأنها يُفتتح بكتابتها المصاحف، ويُقرأ بها في الصلوات، فهي فَواتح لما يتلوها من سور القرآن في الكتابة والقراءة .
    وسمّيت " أم القرآن " لتقدمها على سائر سور القرآن غيرها، وتأخُّر ما سواها خلفها في القراءة والكتابة. وذلك من معناها شبيهٌ بمعنى فاتحة الكتاب. وإنما قيل لها ــ بكونها كذلك ــ أمَّ القرآن، لتسمية العرب كل جامع أمرًا ـــ أو مقدِّمٍ لأمر إذا كانت له توابعُ تتبعه ، هو لها إمام جامع ـــ " أمًّا ".
    فتقول للجلدة التي تجمع الدّماغ : " أم الرأس ". وتسمى لواء الجيش ورايتهم التي يجتمعون تحتها للجيش " أمًّا ".
    وقد قيل إن مكة سميت " أمّ القُرى "، لتقدُّمها أمامَ جميعِها، وجَمْعِها ما سواها. وقيل: إنما سُميت بذلك، لأن الأرض دُحِيَتْ منها فصارت لجميعها أمًّا.
    وأما تأويل اسمها أنها " السَّبْعُ "، فإنها سبعُ آيات، لا خلاف بين الجميع من القرَّاء والعلماء في ذلك. وإنما اختلفوا في الآي التي صارت بها سبع آيات: فقال عُظْمُ أهل الكوفة : صارت سبع آيات ب ]بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [ ورُوي ذلك عن جماعة من أصحاب رسول الله والتابعين .
    وقال آخرون : هي سبع آيات ، وليس منهن ]بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ[ ،ولكن السابعة " أنعمت عليهم". وذلك قول عُظْم قَرَأةِ أهل المدينة ومُتْقنيهم .
    وأما وصف النبي آياتها السبعَ بأنهن مَثان، فلأنها تُثْنَى قراءتها في كل صلاة وتطوُّع ومكتوبة . وكذلك كان الحسن البصري يتأوّل ذلك .
    وليس في وجوب اسم " السبع المثاني " لفاتحة الكتاب، ما يدفع صحة وجوب اسم "المثاني" للقرآن كله . ولما ثَنَّى المئين من السور . لأن لكلٍّ وجهًا ومعنًى مفهومًا، لا يَفْسُد ـــ بتسميته بعضَ ذلك بالمثاني ـــ تسميةُ غيره بها .
    " يتبع "
    أحمد بزوي الضاوي أستاذ التعليم العالي ـ جامعة شعيب الدكالي الجديدة ـ المغرب .

  • #2
    الموضوع جميل ، والعرض جميل .
    لكن ليسمح لي الدكتور / أحمد بزوي أن أقول : فيه ملاحظتان :
    الأولى : لا يعزى إلى ( لسان العرب ) بـ ( المادة ) ، وإنما بالباب والفصل ، فيقال : باب الدال فصل الجيم .
    الثانية : المعروف عن ابن عباس قوله : ( التفسير على أربعة أوجه : وجه تعرفه العرب من كلامها ، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته ، وتفسير يعلمه العلماء ، وتفسير لا يعلمه إلا الله ) رواه ابن جرير ؛ وليس فيه : ( من القرآن ما يفسره الزمان ) ، فهذه اللفظة ليست ثابتة عن ابن عباس ، والعلم عند الله تعالى ... وتقبلوا تحياتي .
    د . محمد عطية

    تعليق


    • #3
      أشكر د محمد عطية على تعقيبه وليسمح لي بتعقيب:
      المشاركة الأصلية بواسطة محمد محمود إبراهيم عطية مشاهدة المشاركة

      الأولى : لا يعزى إلى ( لسان العرب ) بـ ( المادة ) ، وإنما بالباب والفصل ، فيقال : باب الدال فصل الجيم .
      العزو إلى مادة في المعجم منهج متبع في بعض الجامعات،ومنها جامعتي،حيث بينوا في دليل الدراسات العليا ان توثيق النص من المعجم يكون بالعزو إلى المادة دون ذكر الباب أو الفصل ،كما فعل أخي الكريم،وتقبلوا بقبول فائق الاحترام والتقدير .
      ليس كل صامت غير قادر على الرد. هناك من يصمت حتى لا يجرح الاخرين…

      تعليق


      • #4
        العزو إلى لسان العرب بالباب والفصل ، أظنها طريقة متجاوزة .
        وفي هذا المجال أذكر نموذجا صدر عن جامعة المدينة العالمية بعنوان (الدليل الموجز في الدراسات العليا) فبراير 2012 ، جاء فيه مثالا لتوثيق المعلومة :
        " إذا كان المصدر معجماً لغوياً: الفيروز آبادي، مجد الدين، القاموس المحيط، ط 4 (مصر: مطبعة دار المأمون، 1357هـ 1938 م)، مادة: نجح، 75/3 "
        وننتظر من الدكتور بزوي الضاوي أن يفيدنا في هذا المجال ، ونحن على أبواب الجامعة الخريفية الدولية ، التي ننتظر عطاءاتها في موضوع : تقنيات البحث ومناهجه في العلوم الشرعية .

        مع فائق التقدير والاحترام
        عبد الكريم بن إبراهيم عزيز
        جامعة المدينة العالمية

        تعليق


        • #5
          مشروع رائد بارك الله في جهدكم وعلمكم، ما هي الجهة البحثية القائمة على المشروع؟

          تعليق


          • #6
            لقد جربت الجرد التاريخي في تفسير بعض الآيات والنتائج التي توصلت لها مذهلة، لهذا فأنا أعتقد أن الجرد التاريخي سيكون فتحاً في علم التفسير.

            تعليق


            • #7
              الأخ / عمر شنك
              العزو إلى المعاجم منهج علمي معروف ، ومعظم المعاجم يُعزى إليها بالمادة ، وهناك من المعاجم ما لا يعزى إليه بالمادة ، ولكن يعزى إليه بالباب والفصل ، لأنه منهج مصنفه ... ومنها ( لسان العرب ) .. فليتنبه .
              د . محمد عطية

              تعليق


              • #8
                الأخ / عبد الكريم عزيز
                ومن المعاجم التي لا يعزى لها بالمادة ( القاموس المحيط ) فقد اختار مصنفه الباب والفصل ، ولكن الباب عنده أول حرف ، والياب عند ابن منظور آخر حرف ... فليتنبه .
                ولو أنك رجعت للمعاجم لما تجاوزت بمقولتك : ( العزو إلى لسان العرب بالباب والفصل ، أظنها طريقة متجاوزة ) .
                د . محمد عطية

                تعليق


                • #9
                  أخي الكريم محمد عطية ، جزاك الله خيرا وأحسن إليك
                  (التجاوز) فرضه التطور الذي طرأ على الوصول إلى المادة المعجمية ، وذلك من خلال المعاجم الإلكترونية المتعددة ، مما جعل البحث العلمي يواكب هذا التطور . وهذا التجاوز يعني البحث العلمي لا غير .
                  نسأل الله التوفيق والسداد .
                  مع فائق التقدير والاحترام
                  عبد الكريم بن إبراهيم عزيز
                  جامعة المدينة العالمية

                  تعليق


                  • #10
                    الأخ الكريم / عبد الكريم
                    لا يخفاك الفرق بين تسهيل الوصول إلى المادة المعجمية ، والتوثيق ؛ وكلامنا عن التوثيق بالعزو .. دمت بخير .
                    د . محمد عطية

                    تعليق


                    • #11
                      والملاحظة الثانية التي أثارها أخي محمد عطية ، والمتعلقة بالقولة المسندة إلى ابن عباس ، قد نبه إليها الدكتور مساعد الطيار في مشاركة سابقة ، كسؤال عن أصل هذه القولة : (من القرآن ما يفسره الزمان) . فلم نتوصل بالجواب من أحد إلى الآن .
                      أما المشروع الذي أشار له الدكتور بزوي الضاوي ، فهو حقا (مشروع) كبير ، يحتاج إلى إمكانيات كبيرة . مع الالتزام بإكمال المشروع . بخلاف المشاريع التي تنتهي قبل أن تكتمل هنا وهناك .
                      مع فائق التقدير والاحترام
                      عبد الكريم بن إبراهيم عزيز
                      جامعة المدينة العالمية

                      تعليق


                      • #12

                        القول في تأويل الاستعاذة

                        تأويل قوله : " أَعُوذُ " .
                        و الاستعاذة : الاستجارة . وتأويل قول القائل : " أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ "
                        أستجيرُ بالله - دون غيره من سائر خلقه - من الشيطان أن يضرَّني في ديني ، أو يصدَّني عن حق يلزَمُني لرَبي .
                        تأويل قوله : " مِنَ الشَّيْطَانِ "
                        والشيطان ، في كلام العرب : كل متمرِّد من الجن والإنس والدوابِّ وكل شيء . وكذلك قال ربّنا جل ثناؤه :
                        وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ
                        "سورة الأنعام : 112"
                        فجعل من الإنس شياطينَ ، مثلَ الذي جعل من الجنّ .
                        وإنما سُمي المتمرِّد من كل شيء شيطانًا ، لمفارقة أخلاقه وأفعاله أخلاقَ سائر جنسه وأفعاله ، وبُعدِه من الخير .
                        وقد قيل : إنه أخذ من قول القائل : شَطَنَتْ دَاري من دارك - يريد بذلك : بَعُدت .
                        ومن ذلك قول نابغة بني ذبيان :
                        نأتْ بِسُعَادَ عَنْك نَوًى شَطُونُ ---فبانَت ، والفؤادُ بها رَهِينُ
                        والنوى : الوجه الذي نَوَتْه وقصَدتْه . والشَّطونُ : البعيد . فكأن الشيطان - على هذا التأويل - فَيعَالٌ من شَطَن .
                        ومما يدلّ على أن ذلك كذلك ، قولُ أميّة ابن أبي الصّلت :
                        أَيُّمَا شاطِن عَصَاه عَكاهُ ---ثُم يُلْقَى في السِّجْن والأكْبَالِ
                        ولو كان فَعلان ، من شاطَ يشيط ، لقال أيُّما شائط ، ولكنه قال : أيما شاطنٍ ، لأنه من " شَطَن يَشْطُنُ ، فهو شاطن " .
                        تأويل قوله : " الرَّجِيمِ " .
                        وأما الرجيم فهو : فَعيل بمعنى مفعول ، كقول القائل : كفٌّ خَضيبٌ ، ولحيةٌ دَهينٌ ، ورَجُلٌ لَعينٌ ، يريد بذلك : مخضوبة, ومدهونة, وملعون .
                        وتأويل الرجيم : الملعون المشتوم . وكل مشتوم بقولٍ رديء, أو سبٍّ فهو مَرْجُوم .
                        وأصل الرجم الرَّميُ ، بقول كان أو بفعل .
                        ومن الرجم بالقول قول أبي إبراهيم لإبراهيم صلوات الله عليه :
                        لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأرْجُمَنَّكَ
                        "سورة مريم : 46 " .
                        وقد يجوز أن يكون قِيل للشيطان رجيمٌ ، لأن الله جل ثناؤه طرَدَهُ من سَمواته ، ورجمه بالشُّهب الثَّواقِب .
                        أمر الله تعالى نبيه الكريم أن يتعوذ بالله دون خلقه .
                        أحمد بزوي الضاوي أستاذ التعليم العالي ـ جامعة شعيب الدكالي الجديدة ـ المغرب .

                        تعليق


                        • #13

                          القول في " بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ " .

                          إن الله تعالى ذكره وتقدست أسماؤه، أدّب نبيه محمدا ـ ـ بتعليمه تقديم ذكر أسمائه الحسنى أمام جميع أفعاله، وتقدم إليه في وصفه بها قبل جميع مهماته، وجعل ما أدبه به من ذلك وعلمه إياه منه لجميع خلقه سنةً يستنون بها، وسبيلاً يتبعونه عليها، في افتتاح أوائل منطقهم، وصدور رسائلهم، وكتبهم، وحاجاتهم ، حتى أغنت دلالة ما ظهر من قول القائل " بسم الله " ، على ما بطن من مراده الذي هو محذوف .

                          وذلك أن الباء من " بسم الله " مقتضيةٌ فعلاً يكون لها جالبا، ولا فعل معها ظاهر، فأغنت سامع القائل " بسم الله " معرفته بمراد قائله من إظهار قائل ذلك مراده قولاً ، إذ كان كل ناطق به عند افتتاحه أمرا قد أحضر منطقه به، إما معه وإما قبله بلا فصل ، ما قد أغنى سامعه من دلالة شاهدة على الذي من أجله افتتح قيله به . فصار استغناءُ سامع ذلك منه عن إظهار ما حذف منه ، نظير استغنائه إذا سمع قائلاً قيل له : ما أكلت اليوم ؟ فقال : طعاما، عن أن يكرّر المسئول مع قوله " طعاما " أكلت، لما قد ظهر لديه من الدلالة على أن ذلك معناه، بتقدم مسألة السائل إياه عما أكل . فمعقول إذن أن قول القائل إذا قال :" بِسم الله الرحمن الرحيم " ثم افتتح تاليا سورة، أن إتباعه " بسم الله الرحمن الرحيم " تلاوةَ السورة ، ينبىء عن معنى قوله : " بسم الله الرحمن الرحيم " ومفهوم به أنه مريد بذلك أقرأُ بسم الله الرحمن الرحيم .
                          وكذلك قوله : " بسم الله " عند نهوضه للقيام أو عند قعوده وسائر أفعاله ، ينبىء عن معنى مراده بقوله " بسم الله " ، وأنه أراد بقيله " بسم الله " : أقوم بسم الله ، وأقعد بسم الله وكذلك سائر الأفعال .
                          وهذا الذي قلنا في تأويل ذلك، هو معنى قول ابن عباس .
                          فإن قال لنا قائل : فإن كان تأويل قوله " بسم الله " ما وصفت ، والجالب " الباء " في " بسم الله " ما ذكرت ، فكيف قيل " بسم الله "، بمعنى " اقرأ بسم الله " ، أو " أقوم أو أقعد بسم الله " ؟ وقد علمت أن كل قارىء كتاب الله ، فبعون الله وتوفيقه قراءتُه ، وأن كل قائم أو قاعد أو فاعل فعلاً ، فبالله قيامُه وقعوده وفعله ؟ وهلاّ إذا كان ذلك كذلك ، قيل : " بالله الرحمن الرحيم "، ولم يقل " بسم الله " فإن قول القائل : أقوم وأقعد بالله الرحمن الرحيم ، أو أقرأ بالله ، أوضح معنى لسامعه من قوله " بسم الله " ، إذ كان قوله أقوم أو أقعد باسم الله ، يوهم سامعه أن قيامه وقعوده بمعنى غير الله .
                          قيل له : إن المقصود إليه من معنى ذلك ، غير ما توهمته في نفسك . وإنما معنى قوله " بسم الله " : أبدأ بتسمية الله وذكره قبل كل شيء ، أو أقرأ بتسمية الله ، أو أقوم وأقعد بتسمية الله وذكره, لا أنه يعني بقيله " بسم الله " : أقوم بالله ، أو أقرأ بالله فيكون قول القائل : " أقرأ بالله " ، و" أقوم وأقعد بالله "، أولى بوجه الصواب في ذلك من قوله " بسم الله " .
                          فإن قال : فإن كان الأمر في ذلك على ما وصفتَ ، فكيف قيل " بسم الله " وقد علمت أن الاسم اسم ، وأن التسمية مصدر من قولك سَمّيت ؟ .
                          قيل : إن العرب قد تخرج المصادر مبهمةً على أسماء مختلفة، كقولهم: أكرمت فلانا كرامةً، وإنما بناء مصدر «أفعلتُ » إذا أُخرج على فعله: «الإفعالُ »، وكقولهم: أهنت فلانا هوانا، وكلمته كلاما . وبناء مصدر "فعّلت" التفعيل، ومن ذلك قول الشاعر :
                          أكُفْرا بَعْدَ رَدّ المَوْتِ عَنّي وبَعْدَ عَطائِكَ المِائَةَ الرّتاعا
                          يريد : إعطائك . ومنه قول الاَخر :
                          وَإنْ كانَ هَذا البُخْلُ مِنْكَ سَجِيّةً لَقَدْ كُنْتُ في طَوْلي رَجاءَكَ أشْعَبا

                          يريد : في إطالتي رجاءك . ومنه قول الاَخر :
                          أظَلُومُ إنّ مُصَابكُمْ رَجُلا أهْدَى السّلامَ تَحِيّةً ظُلْمُ

                          يريد إصابتكم، والشواهد في هذا المعنى تكثر، وفيما ذكرنا كفاية، لمن وفق لفهمه.
                          فإذْ كان الأمر على ما وصفنا من إخراج العرب مصادر الأفعال على غير بناء أفعالها كثيرا، وكان تصديرها إياها على مخارج الأسماء موجودا فاشيا، تبين بذلك صواب ما قلنا من التأويل في قول القائل : " بسم الله "، أن معناه في ذلك عند ابتدائه في فعل أو قول : أبدأ بتسمية الله ، قبل فعلي، أو قبل قولي .
                          وكذلك معنى قول القائل عند ابتدائه بتلاوة القرآن : " بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ " إنما معناه : أقرأ مبتدئا بتسمية الله ، أو أبتدىء قراءتي بتسمية الله ، فجعل الاسم مكان التسمية ، كما جعل الكلام مكان التكليم، والعطاء مكان الإعطاء .
                          وبمثل الذي قلنا من التأويل في ذلك، رُوي الخبر عن عبد الله بن عباس .
                          وهذا التأويل من ابن عباس ينبىء عن صحة ما قلنا من أنه يراد بقول القائل مفتتحا قراءته : " بسم الله الرحمن الرحيم " : أقرأ بتسمية الله وذكره ، وافتتح القراءة بتسمية الله ، بأسمائه الحسنى ، وصفاته العلى وفسادِ قول من زعم أن معنى ذلك من قائله : بالله الرحمن الرحيم في كل شيء ، مع أن العباد إنما أمروا أن يبتدئوا عند فواتح أمورهم بتسمية الله لا بالخبر عن عظمته وصفاته ، كالذي أمروا به من التسمية على الذبائح والصيد، وعند المطعم والمشرب ، وسائر أفعالهم ، وكذلك الذي أمروا به من تسميته عند افتتاح تلاوة تنزيل الله وصدور رسائلهم وكتبهم .
                          ولا خلاف بين الجميع من علماء الأمة، أن قائلاً لو قال عند تذكيته بعض بهائم الأنعام : " بالله " ، ولم يقل " بسم الله " ، أنه مخالف بتركه قيل " بسم الله" ما سُنّ له عند التذكية من القول . وقد علم بذلك أنه لم يرد بقوله : " بسم الله"، " بالله " كما قال الزاعم أن اسم الله في قول الله : " بسم الله الرحمن الرحيم " ، هو الله لأن ذلك لو كان كما زعم ، لوجب أن يكون القائل عند تذكيته ذبيحته " بالله " قائلاً ما سُنّ له منّ القول على الذبيحة . وفي إجماع الجميع على أن قائل ذلك تارك ما سُنّ له من القول على ذبيحته، إذْ لم يقل " بسم الله "، دليل واضح على فساد ما ادعى من التأويل في قول القائل " بسم الله " وأنه مراد به بالله، وأن اسم الله هو الله .
                          وليس هذا الموضع من مواضع الإكثار في الإبانة عن الاسم ، أهو المسمى أم غيره أم هو صفة له ؟ فنطيل الكتاب به ، وإنما هو موضع من مواضع الإبانة عن الاسم المضاف إلى الله ، أهو اسم أم مصدر بمعنى التسمية ؟ فإن قال قائل : فما أنت قائل في بيت لبيد بن ربيعة :
                          إلى الحَوْلِ ثُمّ اسْمُ السّلامِ عَلَيْكُمَا وَمَنْ يَبْكِ حَوْلاً كامِلاً فقَدِ اعْتَذَرْ
                          فقد تأوّله مقدم في العلم بلغة العرب، أنه معنيّ به : ثم السلام عليكما ، وأن اسم السلام هو السلام .
                          قيل له: لو جاز ذلك وصحّ تأويله فيه على ما تأوّل، لجاز أن يقال: رأيت اسم زيد، وأكلت اسم الطعام، وشربت اسم الشراب. وفي إجماع جميع العرب على إحالة ذلك ما ينبىء عن فساد تأويل من تأوّل قول لبيد: "ثم اسم السلام عليكما "، أنه أراد : ثم السلام عليكما، وادعائه أن ادخال الاسم في ذلك وإضافته إلى السلام إنما جاز ، إذْ كان اسم المسمى هو المسمى بعينه .
                          ويُسأل القائلون قول من حكينا قوله هذا، فيقال لهم: أتستجيزون في العربية أن يقال أكلت اسم العسل، يعني بذلك أكلت العسل، كما جاز عندكم اسم السلام عليك ، وأنتم تريدون السلام عليك ؟ فإن قالوا : نعم خرجوا من لسان العرب، وأجازوا في لغتها ما تخطئه جميع العرب في لغتها. وإن قالوا لا سئلوا الفرق بينهما، فلن يقولوا في أحدهما قولاً إلاّ ألزموا في الاَخر مثله .
                          فإن قال لنا قائل: فما معنى قول لبيد هذا عندك ؟ قيل له : يحتمل ذلك وجهين، كلاهما غير الذي قاله من حكينا قوله. أحدهما: أن " السلام " اسم من أسماء الله فجائز أن يكون لبيد عنى بقوله : " ثم اسم السلام عليكما ": ثم الْزَمَا اسم الله وذكره بعد ذلك، ودعا ذكري والبكاء عليّ على وجه الإغراء. فرفع الاسم، إذْ أخّر الحرف الذي يأتي بمعنى الإغراء. وقد تفعل العرب ذلك إذا أخرت الإغراء وقدمت المُغْرَى به، وإن كانت قد تنصب به وهو مؤخر.
                          ومن ذلك قول الشاعر :
                          يا أيّها المَائِحُ دَلْوِي دُونَكَا إني رأيْتُ النّاس يَحْمَدُونَكا
                          فأغرى ب " دونك "، وهي مؤخرة وإنما معناه: دونك دلوي . فذلك قول لبيد :
                          إلى الحَوْلِ ثُمّ اسْمُ السّلامِ عَلَيْكُمَا
                          يعني : عليكما اسم السلام ، أي : الزما ما ذكر الله ، ودعا ذكري والوجد بي لأن من بكى حولاً على امرىء ميت فقد اعتذر . فهذا أحد وجهيه .
                          والوجه الاَخر منهما : ثم تسميتي الله عليكما ، كما يقول القائل للشيء يراه فيعجبه : «اسم الله عليك » يعوّذه بذلك من السوء ، فكأنه قال : ثم اسم الله عليكما من السوء . وكأن الوجه الأول أشبه المعنيين بقول لبيد .
                          ويقال لمن وجّه بيت لبيد هذا إلى أن معناه : " ثم السلام عليكما ": أترى ما قلنا من هذين الوجهين جائزا، أو أحدهما، أو غير ما قلت فيه ؟ فإن قال: لا أبان مقداره من العلم بتصاريف وجوه كلام العرب، وأغنى خصمه عن مناظرته. وإن قال : بلى قيل له : فما برهانك على صحة ما ادّعيت من التأويل أنه الصواب دون الذي ذكرت أنه محتمله من الوجه الذي يلزمنا تسليمه لك ؟ ولا سبيل إلى ذلك. وأما الخبر الذي
                          حدثنا به إسماعيل بن الفضل، قال: حدثنا إبراهيم بن العلاء بن الضحاك، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن إسماعيل بن يحيى عن ابن أبي مليكة، عمن حدثه عن ابن مسعود ، ومسعر بن كدام، عن عطية، عن أبي سعيد، قال : قال رسول الله :( إن عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أسْلَمَتْهُ أُمّهُ إلى الكُتّابِ لِيُعَلّمَهُ ، فَقالَ لَهُ المُعَلّمُ : اكْتُبْ بِسْمِ فَقَالَ له عِيسَى : وَما بِسْمِ ؟ فَقالَ لَهُ المُعَلّمُ : ما أدْرِي فَقالَ عِيسىَ : الباءُ : بَهاءُ اللّهِ ، وَ السّينُ: سَناؤُهُ، وَالمِيمُ : مَمْلَكَتُهُ " . [1]

                          فأخشى أن يكون غلطا من المحدث، وأن يكون أراد : " ب س م"، على سبيل ما يعلم المبتدى من الصبيان في الكتاب حروفَ أبي جاد . فغلط بذلك، فوصله فقال : " بسم" لأنه لا معنى لهذا التأويل إذا تُلي " بسم الله الرحمن الرحيم " على ما يتلوه القارىء في كتاب الله، لاستحالة معناه على المفهوم به عند جميع العرب وأهل لسانها، إذا حمل تأويله على ذلك .

                          1 ـ حديث موضوع لا أصل له .
                          أحمد بزوي الضاوي أستاذ التعليم العالي ـ جامعة شعيب الدكالي الجديدة ـ المغرب .

                          تعليق


                          • #14
                            نشكر الدكتور أحمد بزوي الضاوي على هذه الجرادة التفسيرية الممتعة ، وننتظر المزيد إن شاء الله تعالى .
                            وعلى الهامش أسطر أن الذين ادعوا أن " بسم الله " هو الله ، قد خالفوا روح القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ، وانطبق عليهم قوله تعالى : وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ...[الأنعام:91]
                            والله أعلم وأحكم
                            مع فائق التقدير والاحترام
                            عبد الكريم بن إبراهيم عزيز
                            جامعة المدينة العالمية

                            تعليق


                            • #15
                              القول في تأويل قوله تعالى : ( الله ) .

                              وأما تأويل قول الله تعالى ذكره : ( الله ) ، فإنه على معنى ما رُوي لنا عن عبد الله بن عباس ( ت 68 هـ ) : هو الذي يَأْلَهه كل شيء ، ويَعبدُه ُكُلُّ خَلْقٍ .

                              فإن قال لنا قائل : فهل لذلك في " فَعَلَ ويَفْعَل " أصل كان منه بناءُ هذا الاسم ؟ .
                              قيل : أما سماعا من العرب فلا ، ولكن استدلالاً .
                              فإن قال : وما دلّ على أن الألوهية هي العبادة، وأن الإله هو المعبود، وأن له أصلاً في فعل ويفعل؟ .
                              قيل : لا تمانُعَ بين العرب في الحكم لقول القائل ـــ يصف رجلاً بعبادة, وبطلب ما عند اللهِ جلَّ ذِكره : " تألّه فلان " ـــ بالصحة ولا خلاف .
                              ومن ذلك قول رؤبة بن العجاج :
                              لِلّهِ دَرّ الغانِياتِ الـمـُـــدَّهِ °°° سَبّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ مِنْ تَأَلـُّـــهـِــي
                              يعني من تعبدي وطلبي اللهَ بعملي .
                              ولا شك أن التألُّــه " التفعُّل " من : أَلَهَ يَأْلَهُ ، وأن معنى " أَلَه " إذا نُطق به : عَبَدَ اللهَ . وقد جاء منه مصدر يدل على أن العرب قد نطقت منه ب " فَعَل يفعل " بغير زيادة .
                              ولا شك أن الإلاهة ــ على ما فسره ابن عباس ومجاهد ـــ مصدرٌ من قول القائل أَلَهَ اللّهَ فلانٌ إلاهةً ، كما يقال : عبدَ اللهَ فلانٌ عِبادةً ، وعَبَر الرُؤيا عِبارةً . فقد بيّن قول ابن عباس ومجاهد هذا أن ألَه : عَبد ، وأن الإلاهة مصدرُه .
                              فإن قال : فإن كان جائزاً أن يقال لمن عَبَدَ اللهَ : ألَـهَهُ ـــ على تأويل قول ابن عباس ومجاهد ـــ فكيف الواجب في ذلك أن يقال ، إذا أراد الـمُخْبِـرُ الـخَبـَــرَ عن استيجاب الله ذلك على عَبْدِه ؟
                              أن يقال : الله جَلَّ جلالُه أَلَهَ العَبْدَ ، والعبدُ ألَـهَهُ . وأن يكون قولُ القائلِ " الله " من كلام العرب أصله " الإِلهُ " .
                              فإن قال : وكيف يجوز أن يكون ذلك كذلك مع اختلاف لفظيهما ؟
                              قال : كما جاز أن يكون قوله :
                              لكِنَّ هُوَ اللهُ رَبـِّي "
                              سورة الكهف ، الآية 38 "
                              أصله : لكن أنا ، هو الله ربي،
                              كما قال الشاعر :
                              وَتَرْمِيننِي بالطّرْفِ أيْ أنْتَ مُذْنِبٌ °°° وتَقْلِينَنِي لَكِنَّ إيّاكِ لا أَقْلِي
                              يريد : " لكنْ أنا إياك لا أقلي " فحذف الهمزة من " أنا "، فالتقت نون " أنا " ونون " لكن " وهي ساكنة، فأدغمت في نون أنا، فصارتا نوناً مشددة. فكذلك الله أصله الإله، أسقطت الهمزةُ، التي هي فاء الاسم، فالتقت اللام التي هي عين الاسم، واللام الزائدة التي دخلت مع الألف الزائدة وهي ساكنة، فأدغمت في الأخرى التي هي عين الاسم، فصارتا في اللفظ لاما واحدة مشددة، كما وصفنا من قول الله :
                              لَكِنّ هُوَ اللّهُ رَبّي .
                              أحمد بزوي الضاوي أستاذ التعليم العالي ـ جامعة شعيب الدكالي الجديدة ـ المغرب .

                              تعليق

                              19,962
                              الاعــضـــاء
                              231,999
                              الـمــواضـيــع
                              42,584
                              الــمــشـــاركـــات
                              يعمل...
                              X