• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • هل تفسر آيات خلق السماوات والأرض بنظرية "الانفجار العظيم" ؟

      بسم الله الرحمن الرحيم

      [align=justify]جاء بعض الفلكيين الغربيين بنظرية "الانفجار العظيم" تفسيرًا متوقعًا لبدء الكون، وتلقفها بعض أهل الإعجاز العلمي بالتسليم، وراحوا يستدلون لها بآيات القرآن العظيم كقوله : (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ) [الأنبياء:30]، وقوله: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) [الذاريات:47]. وربما بالغ بعضهم فرأى أن الآيات لا تفسر إلا بها !!!
      وقد رأيت في هذا الملتقى من كتب عنها مسلمًا، وقد رجعت إلى هذه النظرية، وإلى ما قيل في تفسير الآيات، وكتبت هذه المقالة، وأعرضها لكم، لعل فيها ما يفيد، ولعلكم تسددونها وتقومونها، نفع الله بكم.
      [/align]
      [align=justify]الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون.
      أما بعد:
      فالاعتماد على نظرية "الانفجار العظيم" في تفسير بدء الكون فيه نظر؛ لأن هذه النظرية اتكأت على توقع بشري مادي لخلق الكون، من خلال رصد بعض الظواهر المشاهدة فيه.
      وهذه النظرية انطلقت من تمدد الكون واتساعه بين المجرات فتتباعد؛ مما يعني أن الكون ما دام في حالة تمدد مستمر فإنه قد بدأ من نقطة قريبة من الصفر، وانفجر عنها قبل خمسة عشر بليون عام كما يقولون، واستمر في التمدد والاتساع حتى بلغ هذا الحجم العظيم، ولم يكن قبل هذا الانفجار مكان ولا زمان، وإنما تولدا مع الانفجار، ولم يكن قبل ذلك إلا العدم.
      ويتصل بهذه النظرية عدة توقعات متعلقة بمادة الكون وحرارته، وإلى أي مدى سيتمدد؟ هل سيستمر في التمدد إلى ما لا نهاية، أو يقف عند حد معين؟ وهل سينكمش؟ وغير ذلك.
      وأثير على هذه النظرية إشكالات عدة من بعض علماء الفلك، مما جعل بعضهم يرفض هذه النظرية.
      كما فسر نشوء الكون بنظريات أخرى غير هذه النظرية.
      ومع أن هذه النظرية فيها بعض الحقائق، كما أن فيها بعض الإيجابيات كدلالتها على الخالق ، وإبطال أزلية الكون، إلا أن فيها ما ينافي الشرع كالصدفة في الخلق، ونفي المكان والزمان قبل الانفجار، ونفي أن يكون ثمة خلق لله قبل خلق السماء والأرض، وحصول الخلق بالانفجار مع أن الله بيّن خلقه بخلاف ذلك كما قال سبحانه: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ)، وقال: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ)، وقال: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ).
      ومع ما يحيط بهذه النظرية من الإشكالات الشرعية فإنها تبقى نظرية لا حقيقة مطلقة، والخلق لم يطلعوا على كل ما في الكون وأنّى يكون لهم ذلك، والله قد قال: (مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ)، وقال: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ). ولهذا لا يصح أن تفسر آيات القرآن الكريم بمثل هذه النظريات التي لا تعد يقينيات، أو أن تسقط الآيات عليها.
      [/align]
      * * *
      [align=justify]والخير كل الخير والسلامة كل السلامة أن نستخدم ما ورد في نصوص القرآن والسنة من أخبار وألفاظ ولا نعدوها إلى غيرها إلا عن يقين، ولا يقين إلا بهما في الخبر عن خلق الكون الذي لم يشهده أحد من الخلق، ولم يشرك فيه أحدًا.
      [/align]
      * * *
      [align=justify]وأما قول الله : (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ) [الأنبياء:30].
      فإن الرَّتْق في كلام العرب: السد والالتئام والانضمام.
      وأما الفَتْق فهو: الشق والفتح والفصل والاتساع والانفراج.
      ويطلق على الخصب وانشقاق الأرض بالنبات، وانفلاق الصبح، وانشقاق العصا ووقوع الحرب بين الجماعة، وتصدُّع الكلمة، ونقض العهد...
      وللعلماء أقوال في تفسير رتق السماوات والأرض وفتقهما:
      الأول: أن السماء والأرض كانتا ملتصقتين، فرفع الله السماء عن الأرض، وفصل بينهما بالهواء.
      وهو مروي عن ابن عباس وقتادة والحسن وسعيد بن جبير.
      ويدل على هذا التفسير أمور:
      أحدهما: إفراد "رَتْقا"، وهو بمعنى اسم المفعول "المرتوق"، وظاهر الإفراد يدل على أن السماء والأرض كانتا مرتوقتين ملتئمتين كالجرم الواحد ففصل بينهما، قال البقاعي: ((لما كان المراد شدة الاتصال والتلاحم أخبر عن ذلك بمصدر مفرد وضع موضع الاسم)).
      وثانيها: ما ذكره الله بعد ذكر الفتق من جعل الحياة بالماء وجعل الجبال والفجاج، وجعل السماء سقفًا محفوظًا، وخلق الليل والنهار والشمس والقمر. وكأن هذا تفصيل لما جعله الله وخلقه في السماوات والأرض بعد فتقهما.
      وثالثها: قوله: "وَجَعَلْنَا السَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً" قد يكون فيه إشارة إلى الالتئام السابق، بأن الله رفعها وصيرها سقفًا بعد أن لم تكن، ولما صيرها كذلك جعلها بقدرته محفوظة من السقوط كما قال الله تعالى: (ويُمْسِكُ السَّماءَ أن تَقَع على الأرْضِ إلاّ بإذْنِه)، كما أنها محفوظة من الشياطين في قوله سبحانه: (وحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانِ رَجيم).
      الثاني: أن الفتق حصل بجعل السماء سبع سماوات طباقًا بعضها فوق بعض، وجعل الأرض سبع أرضين بعضها تحت بعض.
      وهو مروي عن مجاهد، والسدي، وأبو صالح الحنفي.
      ويدل على هذا التفسير أمران:
      أحدهما: جمع "السماوات" كما قال مكي بن أبي طالب: ((وقوله: "إن السماوات" تدل على قول مجاهد)).
      ثانيهما: قول الله سبحانه: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) [فصلت:9-12].
      الثالث: أن فتق السماء بالمطر بعد أن كانت رتقًا لا تمطر، وفتق الأرض بالنبات بعد أن كانت رتقًا لا تنبت.
      وهو مروي عن ابن عباس، وابن عمر، وعكرمة، وعطية العوفي، وابن زيد، ومجاهد. ونسبه ابن عادل في اللباب إلى أكثر المفسرين. ورجحه الطبري وابن عطية.
      ويدل عليه ما يأتي:
      أولاً: قوله: (أَوَلَمْ يَرَ الذين كفروا) يدل على أنهم يرونه عيانًا، والظاهر تفسير الرؤية بالبصرية -وليس ثمة ما يمنع من تفسيرها بالعلمية على القولين الآخرين- وهم لم يروا إلا إنزال المطر من السماء بعد أن لم يكن، وانشقاق الأرض عن النبات بعد أن كانت هامدة.
      ثانيًا: التعقيب بقوله سبحانه: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ)، والأصل أن يكون متصلاً بما قبله، أي: من الماء الذي ينزل من السماء بعد فتقها وتختزنه الأرض ثم تنبت به بعد فتقها، قال الطبري: ((إنما قلنا ذلك أولى بالصواب في ذلك لدلالة قوله: (وجعلنا من الماء كل شيء حي) على ذلك، وأنه جل ثناؤه لم يعقب ذلك بوصف الماء بهذه الصفة إلا والذي تقدمه من ذكر أسبابه)). وقال ابن عطية في المحرر الوجيز: ((وهذا قول حسن يجمع العبرة وتعديد النعمة والحجة بمحسوس بيّن، ويناسب قوله: (وجعلنا من الماء كل شيء حي) أي: من الماء الذي أوجده الفتق، فيظهر معنى الآية ويتوجه الاعتبار)).
      ثالثًا: جاء هذا المعنى في آيات أخر، منها قول الله : (وَالسَّمَآءِ ذَاتِ الرَّجْعِ وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ)، وقوله: (فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَآءَ صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقّاً * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً).
      رابعًا: قال الشنقيطي: ((ويؤيد ذلك كثرة ورود الاستدلال بإنزال المطر، وإنبات النبات في القرآن العظيم على كمال قدرة الله تعالى، وعظم منته على خلقه، وقدرته على البعث)).
      ويرى بعض المفسرين أن الأقوال كلها محتملة، كما قال ابن كثير: ((كان الجميع متصلاً بعضه ببعض متلاصقًا متراكمًا بعضه فوق بعض في ابتداء الأمر، ففتق هذه من هذه. فجعل السموات سبعًا، والأرض سبعًا، وفصل بين سماء الدنيا والأرض بالهواء، فأمطرت السماء وأنبتت الأرض)). وقال ابن عاشور: ((والظاهر أن الآية تشمل جميع ما يتحقق فيه معاني الرتق والفتق إذ لا مانع من اعتبار معنى عام يجمعها جميعاً)).
      على أن القولين الثاني والثالث تدل الآيات الأخرى على صحة إطلاق الفتق عليهما، أما القول الأول فليس ثمة دليل صريح يؤكده بحيث يصح إطلاق الفتق عليه.
      ولعل مجيء الرتق مفردًا، والسماوات مجموعًا، مع سياق القول الثالث؛ لإرادة المعاني الصحيحة المحتملة كلها، ويُدل على كل واحد منها بسياق، والله أعلم.
      وثمة أقوال أخرى ككون الفتق بالنور بعد الظلمة، أو بالإيجاد بعد العدم، قال الشنقيطي في أضواء البيان: ((وهو أبعدها لظهور سقوطه)).
      وعلى ما سبق من أقوال فإن الفتق بعد الرتق في الآية لا يلتئم معه التفسير بـ"الانفجار العظيم"، لا من حيث اللغة، ولا من حيث النصوص الشرعية. ثم إن الآية تتناول السماوات والأرض فحسب، لا غيرهما، والله أعلم.
      [/align]
      * * *
      [align=justify]وأما قوله : (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) [الذاريات:47].
      فإن معنى "موسعون" من الوسع وهو القدرة والإطاقة، أي: قادرون.
      أو من سعة الغنى والرزق، أي: موسعون الرزق على خلقنا.
      أو من سعة المكان، أي: وسعنا أرجاءها.
      وبما سبق قال المفسرون.
      وهل ما قيل من التمدد بين المجرات يصح أن يكون من تفسير الآية؟
      ولو احتمل ذلك فلا يقيد به، ولا يصحِح نظرية "الانفجار العظيم"، وإن كانت تتفق مع الآية في جزء منها، والله أعلم.
      [/align]
      * * *
      [align=justify]وما قيل في "الانفجار العظيم" يقال في نظرية "الانسحاق الشديد" الذي به ينتهي الكون، وتفترض النظرية أن التوسع الحاصل للكون بسبب طاقة الانفجار العظيم ستتبدد وتنتهي بعد مدة من الزمان، وستبدأ طاقة الجذب المركزية في لملمة أطراف الكون إلى أن يعود كتلة واحدة صغيرة في الحجم عالية الكثافة والكتلة.
      ويستدل لها البعض بقول الله تعالى: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ).
      وما هذه النظرية إلا توقعات بشرية مادية لا تسعفها النصوص الشرعية، ولا يصح أن تفسر بها، وتسقط عليها.
      والخير كل الخير والسلامة كل السلامة الاعتماد على ما ورد في النصوص الشرعية معنى ولفظًا.[/align]
      * * *
      [align=justify]وأما قول الله : (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) فإن في تعلق "يوم نطوي السماء" قولين:
      الأول: أنه متعلق بالآية التي قبلها: (لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ) الآية، أي: لا يحزنهم الفزع الأكبر يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب. ثم استؤنف معنى آخر: كما بدأنا أول خلق نعيده. قال الطبري: وعند قوله: (كطي السجل) انقضاء الخبر عن صلة قوله: (لا يحزنهم الفزع الأكبر)، ثم ابتدأ الخبر عما الله فاعل بخلقه يومئذ فقال تعالى ذكره: (كما بدأنا أول خلق نعيده).
      الثاني: أنه متعلق بقوله: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ) من باب التقديم والتأخير، أي: كما بدأنا أول خلق نعيده يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب.
      وعلى كلا القولين فليس المقصود السماوات والأرض، وإنما هو البعث بعد الموت، كما جاء في آيات أخر: (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) (فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ).
      وهذا هو تفسير الرسول في الحديث الذي أخرجه البخاري مسلم عن ابن عباس عن النبي قال: "إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا ثُمَّ قَرَأَ: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ)".
      [/align]
      * * *
      والله أعلم.
      والحمد لله رب العالمين.
      د. يوسف بن عبد الله العليوي
      قسم البلاغة والنقد ومنهج الأدب الإسلامي
      جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

    • #2
      السلام عليكم ورحمة الله

      يمكن تقسيم الموضوع إلى ثلاث مسائل حسب ترتيب الأدلة، والحكم على كل مسألة على حدى:

      1- اتساع السماء بما تحويه من مجرات: ربما يكون لهذا المعنى علاقة قوية بقول الله تعالى "وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ"(الذاريات:47)، حتى ولو تهاوى الدليل الفيزيائي. أي أن المعنى مقبول ويصل إلى درجة الرجحان ولكن دون اليقين. كما أن تفسير آية (الذاريات:47) باتساع السماء جائز حتى ولو لم تكن هناك نظرية علمية تقول به.

      2- الانفجار العظيم Big Bang: والذي بدأ من نقطة متفردة، ليس إلا استدلال تابع لظاهرة اتساع السماء، والمستندة إلى ظاهرة دوبلر Doppler effect في الضوء، والتي تسمى الانزياح ناحية الأحمر red shift ، وليس له دليل غيرها أقوى منها. كما أنه ليس ضرورياً ضرورة طبيعية وحتمياً عن الاتساع، حتى على المستوى العلمي الفيزيائي الكوسمولوجي. ولا أراه متفقاً مع قول الله تعالى "أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا"(الأنبياء:30) لأسباب عديدة. بل إنه هذا التصور الرتيب للاتساع والذي يؤول - بالرجوع في الزمن - إلى نقطة أولى، يحوطه الكثير من المشاكل الفيزيائية، أهمها عندي أن قانون حفظ الطاقة لا بد أن ينكسر، وهذه المسألة يتجاوزها الفيزيائيون وأصحاب الكوسمولوجي ويتغاضون عنها! رغم أنها في رأيي يجب أن تطيح بكامل تصور الانفجار العظيم. أي أن المسألة بها ضعف شديد، وارتباطها بتفسير الآية (الأنبياء:30) غير يسير لغوياً، ... ومن ثم يجب تضعيف علاقتها بالآية، وعدم تأييدها على مستوى التفسير العلمي، ناهيك عن الإعجاز العلمي.

      3- مسألة الانسحاق العظيم Big Crunch: والمستدل عليه من ظاهرة الاتساع أيضاً، تم تضعيفها علمياً بعد اكتشاف أن الكون يتسارع في اتساعه، ومن ثم لم يعد لها أي دعم علمي يبقيها لتنافس تبرد الكون وتفككه الناتج عن دوام الاتساع المتسارع. أما عن ربط الانسحاق العظيم بقول الله تعالى "يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ"(الأنبياء:104) فغير ضروري، ولا راجح، بل هو أبعد عن القبول بعد الضعف الذي وصلت إليه النظرية. إلا إذا ظهرت أدلة جديدة، مثل اكتشاف تلك المادة التي سُميَّت بالمادة المظلمة Darl Matter، وعندها لكل حادث حديث.

      هذا والله تعالى أعلم.

      تعليق


      • #3
        السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
        تحية طيبة
        أرى والله أعلم أن (الأنفجار العظيم )الذي حدث في ذرة أو أصغر منها أقرب ماعُبرَ عنه في القرآن الكريم هو في كلمة (خلق)
        قال تعالى( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ۖ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾الآية 1 سورة الأنعام وغيرها من الآيات التي جاء فيها ذكر الخلق .
        فلو رجعنا للتركيب اللفظي لكلمة (خلق) نجد أنها مركبة من ثلاث مصادر (خل و لق وخق )ولكل مصدر معنى ودور في الكلمة
        فالمصدر (خل) جاء عنه أنه يشير للتفريج والفرجة بين الشيئين المتلاصقين في بعضهما البعض
        والمصدر (لق) جاء عنه أنه يشير بالفتح الصدع , واللقلقة شدة الصوت , واللقلاق واللقلقة شدة الصوت في حركة واضطراب والقلقلة شدة اضطراب الشيء .
        والمصدر (خق) وجاء عنه أنه يشير لإتساع الشيء مع إحداث صوت أثناء الإتساع .
        (المرجع لسان العرب)
        لذلك أجد أن التركيب اللفظي لكلمة (خلق) يدور حول الدخول في شيء ملتصق بعضه ببعض وتوسعته وينتج عن الاتساع صدع واضطراب وصوت شديد , وهذا قريب من عملية(الانفجار)
        قال تعالى (﴿ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ﴾) الاية 4 سورة النحل
        هذا الإنسان خلق من (نطفة) وهي قريب من الذرة فحدث في هذه النطفة اتساع وتصدع وربما صوت كذلك والله أعلم , ولكن أشير لها في القرآن لأن البشر يرونها , في حين أن الإشارة لخلق السماوات والارض أنها بدأت من ذرة أو أصغر أعتقد أنها لم ترد والله أعلم
        أخيراً من وجهة نظري أرى أن قضية الخلق أقرب للإنفجار وأدق وأصدق إن شاء الله من قضية الرتق والفتق والله أعلم.

        تعليق


        • #4
          اتفق معك يا دكتور يوسف فيما ذكرت .
          بغض النظر عن صدق نظرية الانفجار العظيم، حملُ بعض آيات القرآن الكريم على أنها إشارة إليه فيه تعسُّف وتكلف ظاهر، ينبغي أن يتورَّع عنه المسلم.
          أ.د. إبراهيم بن صالح الحميضي
          الأستاذ بقسم القرآن وعلومه في جامعة القصيم
          [email protected]

          تعليق


          • #5
            الأخ عز الدين
            وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وشكر الله لك هذه المداخلة المفيدة.

            الأخ فواز
            وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
            لا أدري ماذا أقول عن مداخلتك؟!
            وأي عبقرية تفتقت عن هذا التفكيك لكلمة "خلق" التي تستدل بها على "الانفجار العظيم" !!!
            ثم تقول قولاً عظيمًا: ((قضية الخلق أقرب للانفجار وأدق وأصدق إن شاء الله من قضية الرتق والفتق))؟؟؟!!!
            لقد اقشعر جلدي وأنا أقرأ هذه المقولة!!!
            أيمكن أن يكون ما قاله الخلق أصدق مما قاله الله ؟!
            حاشاك أن تقصد هذا، وإنما هو سوء تعبير!
            لقد كنت أتساءل: هل كنت تكتب وأنت في سنة أو في نوم ؟!
            وأرجو أن أكون مخطئًا في فهمي..

            الدكتور إبراهيم
            شكر الله لك مداخلتك، وموافقتك جعلتني أطمئن إلى ما كتبته، بصرنا الله بالحق ورزقنا اتباعه.
            د. يوسف بن عبد الله العليوي
            قسم البلاغة والنقد ومنهج الأدب الإسلامي
            جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

            تعليق


            • #6
              الأخ يوسف حفظه الله
              طبعاً لا أقصد أن قول الخلق أصدق من قول الخالق
              ولكن أقول أن كلمة (الانفجار)تتلائم مع كلمة (الخلق) أو تعود لها
              فلا نقول أن الانسان المخلوق من نطفة أنه منفجر , ولكن نقول كما تعلمون أنه مخلوق
              فيجوز أو يستحسن أن نعيد صياغة المصطلح فنقول بدلاً من( الانفجار العظيم) أن نقول (الخلق) فهذا الذي ذكره الله في القرآن
              ولحق القرآن الأولية والأقدمية في الإشارة لذلك
              أما تفتق العبقرية التي ذكرت
              لا يا أخي فلا نبخس الناس أشياءهم فالسلف من علماء الأمة بعبقريتهم وقربهم من العصر الذهبي للغة العربية
              هم من أتى بذكر التركيب اللفظي واستعملوه مع مفردات القرآن الكريم لمعرفة بيان مفرداته وأنتم خير من يعلم ذلك
              ونحن نسير على أثرهم بإذن الله
              وأيضاً أود أن أشير لأن هناك فرقاً كبيرا بين مفردات مثل ( خلق وفتق ورتق) فلا تحل كلمة محل أخرى
              فقضية الخلق قضية مستقله عن قضية فتق الرتق الذي كان بين السماء والأرض
              هذا ولكم اطيب الأمنيات

              تعليق


              • #7
                الأخ فواز
                أشكر لك لطفك..
                قلت بارك الله فيك: (يستحسن أن نعيد صياغة المصطلح فنقول بدلاً من "الانفجار العظيم" أن نقول :"الخلق"؛ فهذا الذي ذكره الله في القرآن، ولحق القرآن الأولية والأقدمية في الإشارة لذلك).
                وهذا قول حق تشكر عليه، على أن حقيقة "الخلق" هو بما ذكره الله في كتابه أو ذكره الرسول في سنته، وليس ما جاء من نظريات غير يقينية مبنية على تصور مادي.
                أما التوصل إلى العلاقة بين مادة "خلق" و"الانفجار" بتفكيك لفظة "خلق" إلى "خل، لق، خق" فهذا منهج لا أدري أين هو عند السلف كما أشرت إليه؟
                المشكلة أحيانًا أن نبالغ في إثبات النظريات العلمية الحادثة من خلال القرآن الكريم! ثم نجعلها معيارًا في تفسير الآيات!
                وحينما تثبت نظرية ما وتكون حقيقة لا إشكال عليها فلا حرج في ذلك ونسلم بها، ولا حرج أن يسبقنا الغرب أو الشرق في ذلك، لكن لا يلزم من ذلك إقحامها في القرآن والبحث عن أي تخريج تتفق معها، مما يخالف تفسير السلف، ولا تسعفه اللغة، ثم نرجع على تفسير السلف بالبطلان!

                ثم قلتَ بارك الله فيك: (قضية "الخلق" قضية مستقلة عن قضية "فتق الرتق" الذي كان بين السماء والأرض).
                إن كان المقصود أن الفتق جاء بعد بدء الخلق فنعم، وإن كان المقصود أن الخلق مستقل تمامًا عن الفتق فلا، فإن الفتق من أطوار خلق السماوات والأرض، سواء كان الفتق بما ذكرته أو بغيره مما ذكره السلف وأثبته في المقالة السابقة. والله أعلم.
                أكرر شكري لك..
                وأسأل الله أن يريني وإياكم الحق حقًا ويرزقنا اتباعه وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه ولا يجعله ملتبسًا علينا فنضل.
                د. يوسف بن عبد الله العليوي
                قسم البلاغة والنقد ومنهج الأدب الإسلامي
                جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

                تعليق


                • #8
                  أسعد الله مساك يادكتور يوسف
                  نعم أقصد أن الفتق جاء بعد بدء الخلق فالخلق أولا ثم مرحلة تتلو مرحلة
                  وأنا بارك الله فيك لم ابالغ في اثبات هذه النظرية التي طرحتموها للمناقشة ولكن وددت إبداء جهة نظر كما طلبتم ومشاركة فقط
                  وقضية تفكيك المفردة الى مصادر فقد دار في ذلك نقاشات بين البصريين والكوفيين حول كلمة ( هلم ) وغيرها كما هو مبين في الرابط المرفق
                  http://dorar.net/article/221
                  واللغة العربية كغيرها من اللغات تتركب من حروف ومصادر والغرض الاختصار
                  وجاء في القرآن قضية خلق الانسان من نطفة وخلقه من علق وخلق عيسى للطير من الطين كهئية الطير فيكون طيرا بإذن الله
                  وهذه الأشياء التي كان منها بدء خلق الانسان والطير وهي (نطفة وعلقة وهيئة الطير)
                  هي أشياء ضغيرة فأتيان واقتران كلمة (خلق) معها يؤيد أن كلمة خلق مرتبطه بتوسيع الشيء الصغير الملتصق بعضه ببعض وانفصاله ليتطور لمرحلة اخرى

                  هذا ولكم تحياتي

                  تعليق


                  • #9
                    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
                    أما بعد فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وأقول إني أتفق مع الأخ الفاضل صاحب الموضوع فيما قرره – وفقه الله – من فساد مساعي بعض المفتونين بنظريات الطبيعيين في تلبيس القرءان لبوس تلك النظريات بتأويلات متنطعة ما أنزل الله بها من سلطان! وأنا في الحقيقة كنت وما زلت في عجب من الأصل الكلي الذي يستند إليه الإعجازيون في تناول نصوص القرءان عندما يرجح الواحد منهم قولا من أقوال المفسرين لا على مستند إلا ما يظهر له من موافقة أو مقاربة المعنى المختار لهذه النظرية أو تلك! حتى لو سلمنا بأن الانفجار هذا قد ثبت ثبوتا قطعيا لا مطعن عليه ولا تردد فيه، فكيف يكون ذلك الثبوت في مجرده مستندا في ترجيح أحد أقوال المفسرين المتقدمين في آية الفتق أو آية الأيد أو غيرهما؟ المفسر ليس همه وغايته أن يتحرى أقرب الاحتمالات اللغوية موافقة لحقيقة علمية تجريبية معينة! وإنما مهمته أن يتحرى أقرب الاحتمالات اللغوية لأن يكون هو مراد رب العاليمن من كلامه، بصرف النظر عما ثبت أو لم يثبت عند التجريبيين! نعم قد يتصور – من جهة العقل المجرد – أن يثبت العلم التجريبي أن قولا من الأقوال الخلافية في تاويل آية من الآيات لا يمكن أن يصح، لأنه قد ثبت بالمشاهدة القطعية المباشرة خلافه، فيضطر من كان يرجح ذلك القول المصادم للواقع إلى الزوال عنه وإعادة النظر فيما سواه من أقوال المفسرين في التأويل. أقول قد يتصور (نظريا) لأني لم أقف على حالة كهذه قطّ في الحقيقة، ولكن المقام مقام تأصيل. أما أن يقف المفسر على قولين أو ثلاثة أو أكثر للمفسرين في تأويل النص القرءاني، فيترك سائر المرجحات التي استعملها المفسرون من قبل، ويضع لنفسه قاعدة مفادها صحة القول الأوفق لهذه النظرية الطبيعية أو تلك، أو لهذه المشاهدة التجريبية أو تلك، فهذا ما لا أرى له مخرجا في العقل السوي على الإطلاق! والمشكلة أن أكثر الإعجازيين يعتمدون تلك الطريقة الملتوية في التعامل مع تلك النصوص التي يسمونها بالآيات "الكونية"! يأتي الواحد منهم على أقوال المفسرين فينتخب منها ما يراه أقرب للدعوى التجريبية التي جاء بها يريد أن يجعلها دليلا على الإعجاز أو على صدق النبوة! ثم لا يدري صاحب تلك الطريقة هل ما جاء به يعد "تفسيرا علميا" (ولست أرى أساسا معقولا للتفسير العلمي من الناحية المنهجية كما تقدم، وبسطت القول في بيانه في كتابي "آلة الموحدين لكشف خرافات الطبيعيين") أم يعد "دليلا على صدق النبوة"! الآية اختلف المفسرون في تأويلها، وهذا يأتي لينتخب من أقوالهم قولا يراه هو الأوفق، ثم يقول هذا دليل على أن القرءان نزل من عند الله لأن النبي ما كان له أن يعرف تلك "الحقيقة" منفردا! كيف صار دليلا وأنت اتخذت مطلق الموافقة المزعومة طريقا لمعرفة المراد من الآية، فلا تقف على أي مرجح في التأويل سوى تلك الموافقة نفسها؟ هذا دور منطقي واضح! إلا إن قيل إن ثمة احتمالا لأن يكون هذا القول الموافق (أو الذي يزعم الإعجازي موافقته) هو مراد الله تعالى من الآية، ومن ثمّ فهي دلالة احتمالية أو ظنية على صدق النبوة، تتفاوت قوة الظن فيها بقدر قوة هذا الاحتمال (أي احتمال صحة القول الموافق) عند من ينظر في أقوال المفسرين. هذا إن سلمنا بأن الحقيقة العلمية التي قيل بموافقتها = حقيقة علمية بالفعل (والنظريات الحديثة في العلوم الطبيعية لا يصح أن يطلق على أي منها اسم "الحقيقة العلمية" أصلا، كما بينت وجهه فلسفيا في الكتاب المذكور آنفا)، وإن سلمنا بأن القول الذي تظهر موافقته، يوافق تلك الحقيقة بالفعل لا بلي العنق والاعتساف في التأويل كما هي الحال هنا!
                    وأزيد من الشعر بيتا، فأقول إن خلق السماوات والأرض من القضايا المغيبة تغييبا مطلقا، بدلالة العقل والنقل جميعا. فأما العقل فلأن أحداث خلق السماوات والأرض لا يمكن أن تكون من جنس ما نراه ونشهده في عالمنا هذا من أحداث، فلا يصح أن تستعمل الطريقة الطبيعية Scientific Method للوصول إلى معرفة شيء من تلك الأحداث التي جعلها الله سببا في خلق الكون نفسه بما فيه من قوانين وسنن سببية وما فيه من جسيمات وتراكيب وعلاقات! والمسألة في الحقيقة لها أصول تحتاج إلى نظر في فلسفة العلم الطبيعي وفي بعض المقدمات الميتافزيقية الكلية التي يتبناها الطبيعيون والدهريون القدماء والمعاصرون وعلى أساسها جاز لديهم استعمال طرائق العلم الطبيعي في طلب المعرفة بأحداث نشأة السماوات والأرض! فلا نظرية الانفجار ولا غيرها من نماذج طبيعية في تصور أصل الكون يصح أن تقبل عندنا، أيا ما كان مضمونها ومهما ظهر فيها من موافقة لما جاء في نصوصنا، بالنظر إلى ذلك الخلل المنهجي الفلسفي الذي بينته بتفصيل في الكتاب المشار إليه آنفا، وأوجزته في هذا المقال لمن أراد الزيادة:
                    فتح القدير في التحذير من قبول نموذج الانفجار الكبير
                    وأما من جهة النقل فالله تعالى يقول: ((مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً)) [الكهف : 51]، فلو كان من الجائز عقلا أن يوصل إلى معرفة شيء من أحداث خلق السماوات والأرض من طريق المشاهدة المباشرة أو غير المباشرة، لما صح هذا النص على ما فيه من عموم المعنى! ولا شك أننا نجد إجماعا عمليا معقودا عبر قرون الأمة على أن أحداث خلق السماوات والأرض غيب مطلق لا يعرف إلا من طريق الكتاب والسنة وحسب، إذ لم يظهر بين المسلمين من يروم تحصيل المعرفة بشيء من أحداث خلق السماوات والأرض من أي طريق أخرى بخلاف الوحي إلا في زماننا هذا، على أثر تلك النظريات الدهرية المادية المعاصرة، والله المستعان لا رب سواه.

                    تعليق


                    • #10
                      الأخ العزيز / أبو الفداء
                      الأخوة الأعزاء
                      السلام عليكم ورحمة الله


                      أختلف مع ما قرأته أعلى في مداخلة # 9، وأضع لذلك تمهيد وتأصيل:
                      التمهيد:
                      إذا كان المقصود من (نظريات الطبيعيين) : [الفيزياء المعاصرة، وما يلحق بها، ونظرتها إلى الكون]،
                      فأرى أن تسفيه هذه العلوم هكذا على الإجمال، .. يطيح بالحق مع الباطل ... جملة واحدة.
                      وهذا يخالف المنطق الإسلامي من وجوب التفريق بين الحق والباطل، ومن ثم إثبات الحق خالصاً، ونبذ الباطل مدحوضاَ.
                      وفي كل (نظرية طبيعية)، نرى تداخلاً بين الحق والباطل. فيزيد الحق في بعضها، حتى أن الناظر لا يجد فيها باطلا، وقد يزيد الباطل في غيرها حتى لا يُرى معه حقاً، وبين هذين القُطبين تتوزع أغلب النظريات في تداخل الحق والباطل.

                      ومن أمثلة النظريات التي أصبحت حقاً خالصاً:
                      1- أن الأرض تدور حول محورٍ لها: ودليل ذلك القطعي تصويرها من الفضاء البعيد (بين الكواكب)..
                      أنظر شكل (1) في مقال: "الفصل (ب4) – محمد بن صالح العثيمين - كتاب: براءة التفسير والإعجاز العلمي في القرآن من الشكوك عليه"

                      2- أن الكواكب لا يمكن أن تتناثر وتقع على الأرض: (وهو قولٌ جاء في "مفاتح الغيب" للفخر الرازي، كالآتي: "وإذا الكواكب انتثرت فالمعنى ظاهر لأن عند انتقاض تركيب السماء لا بد من انتثار الكواكب على الأرض." ) - (علماً بأن الكواكب معناها عند العرب أوسع من معناها الاصطلاحي)
                      ودليل ذلك: (جملة من المعلومات الفيزيائية والكونية عن النجوم والكواكب والأرض)

                      ومن أمثلة النظريات التي ما زالت باطلاً خالصا:
                      - نظرية الأوتار الفائقة، حيث لا يوجد دليلاً تجريبيا واحداً يؤيدها، ومقامها مقام النظريات الفلسفية القديمة التي لا ضرر من إهمالها.

                      ومن أمثلة النظريات التي يتداخل فيها الحق والباطل: (نظريات: النسبية الخاصة والعامة، النظرية الكمومية، ...)

                      التأصيل:
                      لا ينبغي الطعن في كل النظريات، لأن ذلك معناه احتمال نبذ حق. وإنما تُنظر مسألة مسألة:
                      فإن وقف الناظر عند الباطل بعينه، يخلصه من أي حق، ويقول: هذا باطل لعلة كذا وكذا، ومن ثمَّ: لا يُستشهد به لفهم كلام الله.
                      وإن كان من عدم خلوص الباطل، فيُشار إلى أنه مُحتمل البطلان، ومن ثم لا يجوز استثماره في الإعجاز العلمي للقرآن.
                      وإن كان من عدم خلوص الحق، فيُشار إلى أنه محتمل الصدق، ويقيد استثماره في التفسير – دون الإعجاز- العلمي لآيات القرآن بقيد الصدق،

                      وبناءا على ما سبق من تمهيد وتأصيل، فالعبارات المُقتبسة الآتية فيها نظر:
                      1- فساد مساعي بعض المفتونين بنظريات الطبيعيين في تلبيس القرءان لبوس تلك النظريات (نظريات الطبيعيين) بتأويلات متنطعة ما أنزل الله بها من سلطان!
                      والرد على ذلك: أن التنطع يقال فقط إذا لم يصاحب العمل تحقيق علمي رصين، يتميز به قوة النظرية من ضعفها، وحقها من باطلها.

                      2- أن يقف المفسر على قولين أو ثلاثة أو أكثر للمفسرين في تأويل النص القرءاني، فيترك سائر المرجحات التي استعملها المفسرون من قبل، ويضع لنفسه قاعدة مفادها صحة القول الأوفق .. لهذه المشاهدة التجريبية أو تلك، فهذا ما لا أرى له مخرجا في العقل السوي على الإطلاق!
                      والرد على ذلك: أن المشاهدة التجريبية الخالصة المحققة، تنطق بالحق، ومن ثم يجب اعتمادها (مصدر علم) معتبر في الإسلام. وقد استشهد القرآن بالسموات والأرض، وما فيهما من آيات، وما يُستشهد به لا بد حتماً وأن يكون صادق فيما يُخبر به، شريطة تمييز قوله الخالص عن فاسد التأويلات البشرية.

                      3- لست أرى أساسا معقولا للتفسير العلمي من الناحية المنهجية.
                      والرد على ذلك: التمهيد والتأصيل الواردين أعلى.

                      4- النظريات الحديثة في العلوم الطبيعية لا يصح أن يطلق على أي منها اسم "الحقيقة العلمية" أصلا.
                      والرد على ذلك: يصح إطلاق "الحقيقة العلمية" على ما تنطق به التجريبيات الخالصة، وما يتبعها من استدلالات صادقة بالتحقيق العلمي.

                      5- إن خلق السماوات والأرض من القضايا المغيبة تغييبا مطلقا، بدلالة العقل والنقل جميعا.
                      6- أما العقل فلأن أحداث خلق السماوات والأرض لا يمكن أن تكون من جنس ما نراه ونشهده في عالمنا هذا من أحداث، فلا يصح أن تستعمل الطريقة الطبيعية Scientific Method للوصول إلى معرفة شيء من تلك الأحداث التي جعلها الله سببا في خلق الكون نفسه بما فيه من قوانين وسنن سببية وما فيه من جسيمات وتراكيب وعلاقات!
                      والرد على ذلك: أن أحداث خلق السماوات والأرض لها سنن يمكن العلم بها، ولو لم يكن الأمر كذلك لما قال تعالى " قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ "

                      7- أما من جهة النقل فالله تعالى يقول: ((مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً)) [الكهف : 51]، فلو كان من الجائز عقلا أن يوصل إلى معرفة شيء من أحداث خلق السماوات والأرض من طريق المشاهدة المباشرة أو غير المباشرة، لما صح هذا النص على ما فيه من عموم المعنى!
                      والرد على ذلك: أن الشهادة غير الاستدلال. وما نفته الآية كان الشهادة، ونفي الشهادة نفي قيمة رأي المُستشْهَد وإقراره من عدم إقراره، وذلك لا يشمل بالضرورة نفي قدرته على الاستدلال، ولو كان النفي في آية (الكهف:51) للاستدلال، لسقط معنى " قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ " الذي يؤيد قيمة الاستدلال الإنساني على معرفة كيف بدأ الخلق.

                      8- ولا شك أننا نجد إجماعا عمليا معقودا عبر قرون الأمة على أن أحداث خلق السماوات والأرض غيب مطلق لا يعرف إلا من
                      طريق الكتاب والسنة وحسب، إذ لم يظهر بين المسلمين من يروم تحصيل المعرفة بشيء من أحداث خلق السماوات والأرض من أي طريق أخرى بخلاف الوحي إلا في زماننا هذا، على أثر تلك النظريات الدهرية المادية المعاصرة.
                      والرد على ذلك: أنه إجماع سكوتي مجمل، فيه حق، وفيه (غير ذلك). ومن أمثلة (غير ذلك): القول بأن هناك إجماع على المستحيلات في نظر السابقين، مثل: انتقال الناس بين بلد وأخرى بركوب الهواء، ومحادثة ورؤية بعضهم بعضا في نفس الوقت أينما كانوا على الأرض أو في أجوائها، وأمثال ذلك مما كان موهوما أنه مستحيلات. ومن أمثلة ما كان مستحيلاً ولم يعد كذلك أيضا، التركيب الكيميائي للنجوم المرصودة من الأرض، ومنها نجم الشمس، وعمره، واحتمالات مآله، ونسبة عمره إلى عمر غيره من النجوم .. والمسافات السماوية بين الأجرام، والسنن التي تتحكم في حركتها ... وكيف كانت الأرض والكون قبل كذا من السنين ...إلخ ... ولا يمتنع أن تطّرد المعلومات التي تدلل على بعضها بعضاً في الماضي، ما دام أن العامل الفاعل هو السنن المصدقة بتصديق القرآن لها.

                      المنهج:
                      أما عن المنهج الذي أقتفي أثره، في إبطال الباطل وإحقاق الحق في التفسير العلمي والإعجازي، فقد وضعت بعض أمثلته على مدونة – القرآن والعلم. وميزت فيه بين ثلاثة فئات:
                      1 - ما يُستشهد به على أنه حق وهو باطل، .... تحت عنوان: " أطروحات متهافتة في التفسير العلمي ".
                      2- ما يستشهد به على أنه باطل، رغم أن فيه حق كثيرـ .... تحت عنوان "براءة التفسير والإعجاز العلمي في القرآن من الشكوك عليه"، وتنتمي إلى هذا النوع المداخلة التي ننتقد محتواها أعلى.
                      3- تفسيرات علمية نفترضها، لم نعلم لها ما يبطلها حتى الآن - ... تحت عنوان "أطروحات جديدة في التفسير العلمي".
                      وهذا المنهج الذي أتَّبعُه هو أحسن ما استطعت الاستدلال عليه، ويمكنني أن أتراجع عنه إذا وجدت ما هو أفضل منه.

                      هذا والله تعالى أعلم، ... ولا علم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

                      تعليق


                      • #11
                        عليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
                        ربنا افتح بيننا بالحق وأنت خير الفاتحين.
                        أولا، جزاك الله خيرا أخي الكريم على ما تفضلت به. ولكن يبدو لي أنك لم تقرأ المقال الذي أحلت إليه في معرض كلامي عن حدود العلم الطبيعي وعن اعتراضي الفلسفي على إدخال العلم الطبيعي وطرائقه في دراسة الكيفية التي خلقت بها السماوات والأرض، فأرجو أن تتكرم بمطالعته بارك الله فيك.
                        إذا كان المقصود من (نظريات الطبيعيين) : [الفيزياء المعاصرة، وما يلحق بها، ونظرتها إلى الكون]،
                        فأرى أن تسفيه هذه العلوم هكذا على الإجمال، .. يطيح بالحق مع الباطل ... جملة واحدة.
                        وهذا يخالف المنطق الإسلامي من وجوب التفريق بين الحق والباطل، ومن ثم إثبات الحق خالصاً، ونبذ الباطل مدحوضاَ.
                        وفي كل (نظرية طبيعية)، نرى تداخلاً بين الحق والباطل. فيزيد الحق في بعضها، حتى أن الناظر لا يجد فيها باطلا، وقد يزيد الباطل في غيرها حتى لا يُرى معه حقاً، وبين هذين القُطبين تتوزع أغلب النظريات في تداخل الحق والباطل
                        قطعا ليس هذا ما قصدته بكلامي، عفا الله عنك! أنت ترد على من يسفه "العلوم الطبيعية" هكذا بإجمال، وليس هذا ما قررته أنا ولله الحمد، ولو أنك أطلت التأمل في البحث الفلسفي الذي تقدم ذكره، لأدركت أن القضية تدخل في إطار ما يسميه فلاسفة العلوم الطبيعية بالتحديد Demarcation وليس "التسفيه".
                        والإجمال في الحقيقة أنت من وقع فيه إذ تقول "في كل نظرية طبيعية حق وباطل"! فلو قلت "في كل صناعة من صناعات العلم الطبيعي" Discipline مثلا، لقارب قولك أن يكون صوابا، وإن كنت لا أسلم لك به، حتى نتفق على المقصود بالصناعة العلمية الطبيعية أو المجال الأكاديمي الطبيعي أولا، وإلا فثمة فروع علمية كاملة تنبثق عن نظرية داروين مثلا، أظن أنك لو أدركت الرابط الفلسفي بينها وبين النظرية، لشهدت بأنه يجب عليك أنت كمسلم أن تسقطها جملة واحدة (كتخصصات علمية)، على اعتبار أن الأصل إذا سقط، سقطت معه جميع فروعه! فالروية الروية يا أخي الكريم!
                        سأتجاوز الأمثلة التي ضربتها عن "الحق الخالص" و"الباطل الخالص" على حد وصفك، لأن ما تراه أنت حقا خالصا لا يلزم أن يكون كذلك في نفس الأمر، والعكس صحيح. فمسألة دوران الأرض وثباتها (بالنسبة لحدود الكون) مسألة ترتبط بنسبية المرجع القياسي الجاسئ المختار لدراسة الحركة، والكلام فيها لا يتسع له هذا المقام، فدعنا نتجاوز الأمثلة مع الاتفاق على أن بعض الدعاوى التي كان يعتقدها بعض الناس قديما قد ثبت بطلانها اليوم بالقطع واليقين، كدعوى أن الأرض مسطحة غير كروية (مثلا). هذا هو القدر المتفق عليه بيننا (تأصيليا) لا غير. وأزيدك من التأصيل ما أرجو أن توافقني عليه: أن النظرية الطبيعية إن بطل الأصل الفلسفي الميتافزيقي الذي تقوم عليه (كمقدمة فلسفية مبطنة Implicit Premise) بطلت كلها مهما كثرت تأويلات المشاهدات المبذولة لدعمها إمبريقيا.
                        وعليه فأنت تعاني من إجمال قاتل في تأصيلك هذا:
                        لا ينبغي الطعن في كل النظريات، لأن ذلك معناه احتمال نبذ حق. وإنما تُنظر مسألة مسألة:
                        وذلك للتأصيل الذي أوردته عليك آنفا.
                        والرد على ذلك: أن التنطع يقال فقط إذا لم يصاحب العمل تحقيق علمي رصين، يتميز به قوة النظرية من ضعفها، وحقها من باطلها
                        والرد على ذلك: قد أحلت القارئ - ولله الحمد - على مقال، ومن قبله على كتاب كامل، قد فصلت فيه الأمر بما أرجو أن فيه الكفاية لمن طالعه.
                        والرد على ذلك: أن المشاهدة التجريبية الخالصة المحققة، تنطق بالحق، ومن ثم يجب اعتمادها (مصدر علم) معتبر في الإسلام. وقد استشهد القرآن بالسموات والأرض، وما فيهما من آيات، وما يُستشهد به لا بد حتماً وأن يكون صادق فيما يُخبر به، شريطة تمييز قوله الخالص عن فاسد التأويلات البشرية.
                        المشاهدة الصادقة تنطق بالحق نعم، ولكن ما الدليل على أن هذا الحق الذي نطقت به في وصف الواقع، هو مراد رب العالمين من كلامه في النص القرءاني؟ هذه حيدة عن محل النزاع في أصل ما يسمى بالتفسير العلمي! تأمل جيدا في الكلام بارك الله فيك، وأرجو أن نحصر فيه دائرة النقاش هنا بيني بينك، بالنظر إلى طبيعة تخصص المنتدى على الأقل، هذا إن أردنا الخروج من نقاشنا هذا بثمرة.
                        أنا أقول: عندك آية اختلف المفسرون فيها على ثلاثة أقوال (تبعا لدلائل اللغة والأثر وغير ذلك من مرجحات مجمع عليها منهجيا بين المفسرين): القول (أ) والقول (ب) والقول (ج). الآن عندما يأتي أحد الباحثين بمشاهدة طبيعية قطعية (إن سلمنا تنزلا بقطعيتها، وهذا لا يقع في النظريات الطبيعية المعاصرة أصلا لقيامها كلها على مناهج تأويلية في الاستعانة بالمدخلات الحسية والتجريب والمشاهدة بعموم)، ثم يجعل قاعدته في الترجيح بين تلك الأقوال الثلاثة أن يختار أكثرها موافقة لتلك المشاهدة، كيف يكون هذا منهجا صحيحا في ترجيح مراد رب العالمين بكلامه، وعلى أي أصل كلي يمكن أن نؤسسه؟ سلمنا بأن المشاهدة حق، وسلمنا بأن أحد الأقول المختلف عليها بين المفسرين يوافقها دون تنطع ولا تعسف في التأويل، فكيف تكون تلك الموافقة في مجردها دليلا على أن القول (أ) بالتحديد هو المقصود من كلام الله المراد تفسيره، وليس (ب) أو (ج)؟ المشكلة الأكبر من هذا، أن القوم يتجاوزون حد الترجيح إلى ادعاء أن الخلاف في التأويل قد انحسم وأن اليقين قد تحقق بأن هذا هو مراد الله تعالى، وهو مقتضى زعمهم أن في المسألة إعجازا، وسعيهم - من ثم - في استعمالها دعويا واتخاذها طريقا مضمونا لإقناع المشركين بصحة الإسلام، مع ما في ذلك من تدليس لا يخفى!
                        فالحاصل أني أقول: نعم المشاهدة المحققة (بل والتأويل المستساغ للمشاهدة أو للمعادلة الرياضية، كما في عامة نظريات الطبيعيات) مصدر علم ولا شك، ولكنها ليست مستندا للترجيح عند اختلاف المفسرين، وما زلت أطالبك بالدليل الكلي على صحة اتخاذها مستندا!
                        والرد على ذلك: يصح إطلاق "الحقيقة العلمية" على ما تنطق به التجريبيات الخالصة، وما يتبعها من استدلالات صادقة بالتحقيق العلمي
                        مقصودي بإطلاق عبارة "الحقيقة العلمية" = اعتقاد أنها قضية قطعية محسومة كالمشاهدة المباشرة مثلا، وهذا ما لا أجد متسعا في هذا المقام لشرح ما يتعلق به من إشكالات فلسفية كلية، فأحيلك - من جديد - للنظر في الكتاب المذكور في مشاركتي المتقدمة.
                        والرد على ذلك: أن أحداث خلق السماوات والأرض لها سنن يمكن العلم بها، ولو لم يكن الأمر كذلك لما قال تعالى " قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ "
                        هذا إجمال لا أسلم لك به! فقوله تعالى "كيف بدأ الخلق" قد يطلق ويراد به كيف خلق الله السماوات والأرض في الأيام الستة، وقد يطلق ويراد به ما هو مشاهد كل يوم من خلق جديد يخرج من بطون الأمهات ومن بطن الأرض في الثمر والنبات ونحو ذلك. وهذا الأخير هو الأقرب إلى الذهن، والأنسب لأن يكون مخاطبا به جميع البشر عربهم وعجمهم، بصرف النظر عن مقدار علمهم الطبيعي والتجريبي، كما هي عادة القرءان! أما أن يقال إن المقصود هنا أن نمشي في الأرض لننظر (وتأمل: في الأرض) كيف جرت أحداث خلق السماوات والأرض وما فيهما في أيام الخلق الستة، فهذا تأويل شديد التكلف، ولو سلمنا لك بفهمك إياه لأسقطنا حجيته على الصحابة أنفسهم لأنهم لم يسمعوا بنظرية الانفجار الكبير!! لو أكملت قراءة الآية بتمامها لتبين لك أن مقصودها محاججة من يزعمون أن الله لا ينشئ النشأة الآخرة، ولا يبعث من يموت، بدعوتهم للنظر في النشأة الأولى، أنه إذا كان الله تعالى يخرج الحي من بطن أمه، فهو كذلك قادر على أن يخرج الميت من بطن الأرض! هكذا تقوم الحجة على من يسمع ويعقل أيا ما كان مقدار علمه وعقله! فأي شيء أبعد عن طريقة السلف وفقههم مما سلكه بعض إخواننا من تحويل الآية إلى تكليف شرعي بالبحث في علم الكوزمولوجيا ودراسة نظرية الانفجار الكبير، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
                        والرد على ذلك: أن الشهادة غير الاستدلال. وما نفته الآية كان الشهادة، ونفي الشهادة نفي قيمة رأي المُستشْهَد وإقراره من عدم إقراره، وذلك لا يشمل بالضرورة نفي قدرته على الاستدلال، ولو كان النفي في آية (الكهف:51) للاستدلال، لسقط معنى " قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ " الذي يؤيد قيمة الاستدلال الإنساني على معرفة كيف بدأ الخلق.
                        يا أخي الفاضل من سلفك من الأئمة في مشروعية الاستدلال بالحس والمشاهدة على أحداث خلق السماوات والأرض؟ لن تجد في قرون المسلمين من استعان بغير النص الثابت الصحيح في تحصيل المعرفة بتلك الأحداث!
                        والرد على ذلك: أنه إجماع سكوتي مجمل، فيه حق، وفيه (غير ذلك). ومن أمثلة (غير ذلك): القول بأن هناك إجماع على المستحيلات في نظر السابقين، مثل: انتقال الناس بين بلد وأخرى بركوب الهواء، ومحادثة ورؤية بعضهم بعضا في نفس الوقت أينما كانوا على الأرض أو في أجوائها، وأمثال ذلك مما كان موهوما أنه مستحيلات. ومن أمثلة ما كان مستحيلاً ولم يعد كذلك أيضا، التركيب الكيميائي للنجوم المرصودة من الأرض، ومنها نجم الشمس، وعمره، واحتمالات مآله، ونسبة عمره إلى عمر غيره من النجوم .. والمسافات السماوية بين الأجرام، والسنن التي تتحكم في حركتها ... وكيف كانت الأرض والكون قبل كذا من السنين ...إلخ ... ولا يمتنع أن تطّرد المعلومات التي تدلل على بعضها بعضاً في الماضي، ما دام أن العامل الفاعل هو السنن المصدقة بتصديق القرآن لها.
                        هنا عدة نقاط.
                        أولا: الإجماع السكوتي هو كل قول قديم لم يرد في مخالفته أي أثر، مع ظهور الداعي لنقله إن وجد، والصورة هنا ليست كذلك. ثم ما وجه الإجمال فيما أزعم أنا أنه إجماع منهجي واضح؟ إن أردت أن تبطل دعوى الإجماع فعليك الإتيان بأثر عن واحد من الصحابة أو السلف، تكلم عن شيء من أحداث خلق السماوات والأرض تأسيسا على مصدر آخر بخلاف النص، فضلا عن أن يكون أحدهم قد فهم آية "فانظروا كيف بدأ الخلق" على أن المقصود بها الحث على استعمال المشاهدات في تحصيل المعرفة التجريبية بتلك الأحداث! هذه المسألة كانت ولم تزل قضية غيب مطلق لا يوصل إلى معرفته إلا بخبر الوحي.
                        ثانيا: ما ذكرته من "مستحيلات" لا علاقة له بما نحن فيه، والإجماع المزعوم فيها إنما هو ظن فردي في مسائل كانت ممتنعة بحكم العادة لا بحكم العقل أو النقل (وهو نفس الخلل الذي من أجله أقول إن المعاصرين من الطبيعيين مهما أجمعوا اليوم على شيء يتعلق بالعادة وما في حكمها، فلا عبرة بإجماعهم، فتأمل)!
                        ثالثا: قولك "ولا يمتنع أن تطّرد المعلومات التي تدلل على بعضها بعضاً في الماضي، ما دام أن العامل الفاعل هو السنن المصدقة بتصديق القرآن" قلت: بل يمتنع الاطراد إلى ما وراء نقطة بداية عمل تلك السنن نفسها، لأن دلالتها محصورة فيما يدخل تحتها من أحداث! والمنطق المجرد يقضي بأن السنن الكونية الجارية التي كان خلقها وابتداؤها تبعا للحدث (أ)، لا يجوز أن تطرد في جهة الماضي حتى تكون طريقا للمعرفة بتفاصيل هذا الحدث (أ) نفسه! نعم يجوز طردها في الماضي والمستقبل ولا شك، ولكن يجب أن نقف بها عند ما بعد أحداث خلق السماوات والأرض، لا قبل ذلك كما هي نحلة الدهرية المعاصرين! وأكرر الرجاء بأن تقرأ البحث الفلسفي المحال إليه في هذه القضية وأن تتأمل فيه مليا قبل أن ترد على هذه الجزئية، عفا الله عنك.
                        رابعا: قولك "المصدقة بتصديق القرءان" لا يلزمني، لأني لا أرى وجها لتلك التأويلات كما تقدم.
                        ويمكنني أن أتراجع عنه إذا وجدت ما هو أفضل منه.
                        هذا مما يشكر لك، وفقني الله وإياك لحسن النظر والفهم، وألهمني وإياك سبيل الرشاد.

                        تعليق


                        • #12
                          حول مقالة: [فتح القدير في التحذير من قبول نموذج الانفجار الكبير]

                          بسم الله الرحمن الرحيم
                          حول مقالة: [فتح القدير في التحذير من قبول نموذج الانفجار الكبير]

                          أخي العزيز:
                          لا أختلف مع مقالك هذا في جملته، لأني لا أتبنى مفردة singularity ما يُسمّى بالانفجار العظيم Big Bang، بل أراها لغواً لا دليل عليه، وقد أكدت ذلك للدكتور زغلول النجار قبل حوالي 20 عام في جلسة بمنزله بمدينة الظهران، وقت أن كان يعمل بجامعة الملك فهد. وحاججته بأن هذا المُسمَّى بالإنفجار العظيم ليس إلا استطرادا بعيدا Far Extrapolation لا دليل عليه كي يحظى بأي قدر من الثقة العلمية، بمعنى أنه ليس ضرورياً بأدلة الفيزياء وآلياتها، وقد أقر معي بذلك وقتها، ولا أدري لِمَاذا سعى بعد ذلك إلى تبنيه؟! .. فالأصل أن السببية المادية مُعتمدة في إطار الاطراد البيني Interpolation، والاطراد الخارجي القريب Near Extrapolation. أما البعيد، ناهيك عن السحيق، فجهلنا بجملة الأسباب، وتمام الاستقراء، يمنعنا من الاستطراد فيه، والذي يصبح احتمال الوهم فيه عندئذ أضعاف احتمال الصدق. ثم أنه ليس بصادق في حال المفردة الكونية المزعومة، لانتفاء التوافق في شأنها مع معطيات نصوص الوحي، عندنا نحن المسلمين.

                          أما اتساع المسافات بين النجوم، على ما يُستدل به عليه، فلا أرى أن به بأساً للدلالة السببية الواضحة، ما لم تنخدش، وأعتبرها نتيجة راجحة للمشاهدات التجريبية حتى الآن. وأُنكر بشدة على من ينكر الأسباب المادية في ذلك، وبقدرها.

                          وبصفتي فيزيائي مسلم يتداول التفسير العلمي المنضبط، فأؤمن بالخلق الإرادي والفعلي من الله تعالى جل شأنه. وأؤمن أيضاً بالأسباب التي سنها الله في عموم الخلق وبثها في ثناياه. أما منطقة التماس التي يمكن تعقُّب الأسباب المادية إليها إلى الماضي، فهي غير معلومة الموضع، ومن ثم فللإنسان أن يتعقب الأسباب في كلا اتجاهي الزمن ماضياً ومستقبلاً بما تُرجحه الأسباب المادية واطرادها القريب، لا البعيد. وبافتراض عدم التدخل الإرادي الذي يكسر تلك السنن في أي لحظة من لحظات الزمن (مثل معجزات الأنبياء). وهي قيود صريحة بين الفيزيقا، والميتافيزيقا. بمعنى أن نطاق عمل الفيزيقي هو ما تُصرّح به الأسباب نفسها، ما لم تنكسر، وفي نطاق محدود في الزمان له بداية وله نهاية فيما نعلمه، ولنا فيه سلطان من الله تعالى على تسخير تلك الأسباب، فإن انكسرت لإرادة إلهيةٍ ما، بخبر من الوحي، وجب تنحي أصحاب الأسباب عن الفتوى، مثلما أن البرنامج الحاسوبي إذا لم يستجب كالعادة، تنحّى مُستخدموه، وعُلم أن أسبابه تقع فقط في يد مَنْ بَرمجه وهيَّأه، ولا غرابة، يُعطله متى شاء، ويُجريه متى شاء. وفي إطار هذا القيد يمكن أن يعمل الفيزيائي المسلم في نطاق الأسباب الكونية دون ما وراءها، ولا أرى أن عليه في ذلك حرج. بل عليه أن يُصدق بالأسباب في إطارها المادي، ويعمل بها ويوظفها، وإن لم يفعل! أو لم يصدق بها، يكون قد نفى حقاً من الله، خلقه لحكمة، ويجب أن يؤدي دوره، ومن هذا الدور أن الأسباب مسخرة للإنسان نفسه، ليقوم بأمر الله بتوظيفها، ويفهم بها كل شيء تطاله التسمية كما قال سبحانه "وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا"(البقرة:31)

                          والخلاصة:
                          آمل ألا يكون النفور من فلسفات الغربيين مانعاً من اعتماد الأسباب المادية التي وظفوها لخدمة إلحادهم، في توظيفها لخدمة ما جاء به الوحي الأخير والباقي. وإذا كانت الأسباب الموضوعية من الله سبحانه، والوحي منه تعالى وجل شأنه، فائتلافهما لا شك فيه، كما أن تنافر هذه الأسباب عينها مع الإلحاد أيضاً لا شك فيه. لذلك، فنحن أولى بها إن صدقت.

                          ومن أمثلة هذا الإتلاف بين الأسباب المادية والوحي، ما أراه أرجح التصورات في إعادة ترتيب آيام خلق السموات والأرض الستة، ومزيد من البيان في تكشُّف هذه الأحداث الكونية، ويمكن تتبع ذلك على هذا الرابط:
                          خلق السماوات والأرض في ستة أيام - تأويل جديد

                          يتابع ... (بتعليقات على مداخلة # 11)

                          تعليق


                          • #13
                            آمل ألا يكون النفور من فلسفات الغربيين مانعاً من اعتماد الأسباب المادية التي وظفوها لخدمة إلحادهم، في توظيفها لخدمة ما جاء به الوحي الأخير والباقي
                            لفظة "الأسباب المادية" لفظة مجملة، وكذلك قولك "خدمة ما جاء به الوحي"، وأمثال هذه الإجمالات يا أخي الكريم هي مورد كثير من الغلط عند أصحاب أبحاث الإعجاز العلمي، والله المستعان. القضية ليست قضية "أسباب مادية" وإنما قضية تأويلات نظرية للمشاهدات الحسية والمعادلات الرياضية، يجب أن يكون الفيزيائي المسلم على دراية وافية بأصولها الفلسفية، وبحدودها المعرفية كذلك، حتى يضع التنظير الطبيعي في موضعه الصحيح. يعني كلامك الآنف حول الاطراد القريب والبعيد كلام مجمل لا يبدو لي أنك تضبطه بضابط محكم، فمما يسعدني حقا أن يكون سبب رفضك نموذج الانفجار الكبير أنك تراه من الاطراد البعيد للغاية الذي لا تجيزه المشاهدة بمجردها. صحيح ولا شك. ولكن ما الذي أجازه عند الطبيعيين، بارك الله فيك؟ إنها فلسفتهم الدهرية التي لا تعرف للسببية المادية حدا في الزمان ولا في المكان.
                            ولهذا فمع كوني أوافقك إجمالا في أن الاطراد كلما بعُد في جهة الماضي ضعفت احتمالية صحته، إلا أني أرسم حدا ميتافزيقيا صارما لذلك الاطراد، لا ينغي أن يجاوزه عندي بحال من الأحوال، ولا يبدو لي أنك تقول به، ألا وهو نقطة ما بعد أيام الخلق الستة مباشرة في تاريخ الكون، بعد الاستواء على العرش، الذي كان إيذانا بتمام الخلق والتقدير وإعمال نواميس الكون كلها على صورة لا نملك مانعا معرفيا من التوصل إلى معرفتها (ظنيا) من طريق الحس والمشاهدة، لأن القياس إذن يكون مستساغا وإن كان التعويل عليه ضعيفا من جهة الاحتمال لبعد الاطراد كما قررت أنت. يعني أبعد نقطة يمكن أن يوصل إليها بالاطراد القياسي المادي في جهة الماضي (على ضعفه الشديد عندها)، هي آخر نقطة في أحداث خلق السماوات والأرض، قد ابتدأ من بعدها تشغيلهما بأمر الله تعالى على وجه التمام، كما في قوله تعالى: ((فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)) [فصلت : 12]
                            وهو ما يعني - وتأمل رجاءً - امتناع النظر في ترتيب أيام الخلق التي جاء بها النص، أو تفصيل ما كان فيها من أحداث جاء النص بذكر بعضها، باستعمال الاطراد أو التنظير الفيزيائي أو أي طريقة من طرائق العلم الطبيعي، لأن القانون الطبيعي لم يكن له عمل ولا جريان قبل أن قضى الله في كل سماء أمرها، وهو ما لابد وأنه جاء بعد خلق الأجرام والمجرات وما فيها وما بينها على وجه التمام، والله أعلم. فلا يستساغ - بالعقل ولا بالنقل - أن ننظر في ترتيب أيام الخلق تبعا لمعطيات العلم التجريبي، لأنه لا ينبغي أن يكون له دخول في مجرياتها أصلا.
                            بل لو اكتفينا بما قررته أنت من سبب رفضك نموذج الانفجار الكبير، للزمك الامتناع عن هذا المسلك في تناول نصوص الوحي فيما يتعلق بأيام الخلق، لأنه إذن يكون اطرادا بعيدا للغاية! فكيف ترفض فردية الانفجار لقيامها على إجراء الأقيسة الطبيعية حيث لا ينبغي أن تجرى، ثم أنت تستعمل تلك الأقيسة (نوعا) في إعادة تأويل نصوص الخلق؟ أليس هذا من التناقض؟
                            وكيفما كان الحال، فالذي أرجوه ألا يكون "تأويلك الجديد" المذكور في عنوان المقال، لا أثر له عند الأولين، وإلا كان ذلك تجهيلا لقرون المسلمين بمراد ربهم من بعض النصوص، وهو ما يرجع على الوحي نفسه بالنقص عن تمام المطلوب من الهداية والإرشاد، فانتبه بارك الله فيك.

                            تعليق


                            • #14
                              أخي العزيز

                              كنت آمل أن تمهلني لمتابعة التعليقات على مداخلة # 11
                              ومع ذلك سأرد سريعاً على مداخلة # 12

                              قولك:
                              لفظة "الأسباب المادية" لفظة مجملة
                              غير صحيح .. فالكتلة - مثلاً - سبب مادي للتجاذب المادي، وهذا يكفي لمرادي هنا.

                              قولك :
                              خدمة ما جاء به الوحي .. مجمل
                              غير صحيح، لأنها تكفي لبيان غرضي منها هنا من دعم لمصداقية الوحي .. حتى ولو لم يستسغ خصمي كلامي

                              قولك:
                              هي مورد كثير من الغلط عند أصحاب أبحاث الإعجاز العلمي
                              لا يعنيني، لأني أهاجم أخطاءهم، ولكني أقبل قليل صوابهم، وأرشدهم إلى منهج أصوب.

                              قولك:
                              يجب أن يكون الفيزيائي المسلم على دراية وافية بأصولها الفلسفية
                              ستجد ردي عليه في تعليقات مداخلة #11 ، وخلاصته أن خطأ الأصول الفلسفية لا يبرر رد المقبول من نتائج تجريبية، حتى ولو ربطوا بين هذا وذاك كذباً وتلفيقا.

                              قولك:
                              كلامك الآنف حول الاطراد القريب والبعيد كلام مجمل لا يبدو لي أنك تضبطه بضابط محكم
                              ..
                              لا يمثل لي إلا تشويشاً لمرادي .. فإن ذهبت أنا أفصّل الغامض أو المجمل عليك سأكتب مئات الصفحات ... لذا آمل عدم تهوين كلامي بالانتقاص منه. وإن أردت توضيحاً سلني أجيبك.

                              حول قولك:
                              ما الذي أجازه عند الطبيعيين، بارك الله فيك؟ إنها فلسفتهم الدهرية التي لا تعرف للسببية المادية حدا في الزمان ولا في المكان.
                              ،
                              أقول: ليقولوا ما شاءوا .. تفاهاتهم لا تعني لي شيئاً، ومن قلدهم من المسلمين في غير السببية الصريحة، فضحت تقليده الأعمى، ولا أتحرج.

                              قولك:
                              أرسم حدا ميتافزيقيا صارما لذلك الاطراد، لا ينبغي أن يجاوزه عندي بحال من الأحوال، ولا يبدو لي أنك تقول به، ألا وهو نقطة ما بعد أيام الخلق الستة مباشرة في تاريخ الكون، بعد الاستواء على العرش، الذي كان إيذانا بتمام الخلق والتقدير وإعمال نواميس الكون كلها على صورة لا نملك مانعا معرفيا من التوصل إلى معرفتها (ظنيا) من طريق الحس والمشاهدة، لأن القياس إذن يكون مستساغا وإن كان التعويل عليه ضعيفا من جهة الاحتمال لبعد الاطراد كما قررت أنت. يعني أبعد نقطة يمكن أن يوصل إليها بالاطراد القياسي المادي في جهة الماضي (على ضعفه الشديد عندها)، هي آخر نقطة في أحداث خلق السماوات والأرض، قد ابتدأ من بعدها تشغيلهما بأمر الله تعالى على وجه التمام.
                              أقول: ما وصلت إليه أنا بتحليلاتي التي أشرت إلى روابطها يذهب بما تقوله هنا أدراج الرياح
                              وخلاصته:
                              أننا في هذه الأثناء، ما زلنا في اللحظات الأخيرة من اليوم السادس!
                              نعم أخي العزيز .. الأيام الستة ما زالت تنصرم حتى اللحظة. ولهذا الأمر متابعة لو رغبت أنت. ويمكنك أن تجد تفصيل ذلك فيما وراء هذه الرابطة (خلق السماوات والأرض في ستة أيام - تأويل جديد)

                              وبافتراض صحة استدلالاتي أننا ما زلنا في اليوم السادس
                              يسقط استنتاجك الأتي بأني متناقض:
                              وهو ما يعني - وتأمل رجاءً - امتناع النظر في ترتيب أيام الخلق التي جاء بها النص، باستعمال الاطراد أو التنظير الفيزيائي أو أي طريقة من طرائق العلم الطبيعي. وعليه فلا يستساغ أن ننظر في ترتيب أيام الخلق تبعا لمعطيات العلم التجريبي، لأنه لا ينبغي أن يكون له دخول فيها أصلا! بل لو اكتفينا بما قررته أنت من سبب رفضك نموذج الانفجار الكبير، للزمك الامتناع عن هذا المسلك في تناول نصوص الوحي فيما يتعلق بأيام الخلق، لأنه إذن يكون اطرادا بعيدا للغاية! فكيف ترفض فردية الانفجار لقيامها عليه، ثم تستعمله هو نفسه في إعادة تأويل نصوص الخلق؟ أليس هذا من التناقض؟
                              ويصبح كلامي متسقا

                              أما عن كلامك الآتي:
                              وكيفما كان الحال، فالذي أرجوه ألا يكون "تأويلك الجديد" المذكور في عنوان المقال، لا أثر له عند الأولين، وإلا كان ذلك تجهيلا لقرون المسلمين بمراد ربهم من بعض النصوص، وهو ما يرجع على الوحي نفسه بالنقص عن تمام المطلوب من الهداية والإرشاد، فانتبه بارك الله فيك.
                              فأطمئنك أن تأويلي الجديد لا يؤثر إلا على ما كان مفهوماً خطأً عند من فهمه كذلك. أما من لم يفهمه خطأ فلن يؤثر عليه. ثم أنه لم يكن تجهيلاً للقرون، بل تبيينا لما كان مشتبها. وقد صرح القرآن بوجود المتشابه، والتشابه لا يعني التجهيل. كما أنه لا يعني نقص الوحي عن تمام المطلوب من الهداية والإرشاد .. لأن أمد البيان مازال منفتحاً .. والخطأ على من أغلقه .. وليس على غيره.

                              ومرة أخرى .. أمهلني حتى أتم باقي ردودي .. وأقول: قد فرغت
                              مع شكري وامتناني

                              تعليق


                              • #15
                                غير صحيح .. فالكتلة - مثلاً - سبب مادي للتجاذب المادي، وهذا يكفي لمرادي هنا.
                                كلا لا يكفي، ولو كان يكفي ما وصفت كلامك بالإجمال. نحن جدالنا فلسفي وأصولي صرف كما ترى، وكلامنا في المجمل يدور حول مشاهدات تأولها أصحاب العلوم الكونية على نحو مرفوض منهجيا لتناوله أحداثا ماورائية محضة (فيما أراه أنا على الأقل)، وأنت ما زلت تتكلم عما تسميه "بالسببية الصريحة"، وتضرب مثالا كلاسيكيا أنت تعلم كما أعلم أن بين منطق الاستدلال فيه والاستدلال فيما نحن بصدده كما بين المشرق والمغرب، وهذا يعرفه من كانت له دراسة في فلسفة العلم الطبيعي!
                                فإن كنت تصبر على الجدال الفلسفي يا أخي الكريم، فلنحرص على اجتناب المجملات والمتشابهات ما أمكن، وإلا فلا أظنك تحب أن أضيع وقتك أو تضيع أنت وقتي، وفقك الله.
                                . فإن ذهبت أنا أفصّل الغامض أو المجمل عليك سأكتب مئات الصفحات ... لذا آمل عدم تهوين كلامي بالانتقاص منه. وإن أردت توضيحاً سلني أجيبك
                                وبوسعي أن أقابلك بالمثل، وأقول "لا تطالبني بتفصيل ما أجمل عليك، وإلا كتبت لك مئات الصفحات"، فهل تحسبني تلميذا من تلامذتك أكتفي منك بالمجملات والمختصرات ثم أذهب أنا لأذاكر في كتبك ومقالاتك لعلي أفهم؟ ما هكذا يكون تناظر الأقران يا أخي الفاضل! ثم متى كانت المطالبة بالتفصيل واجتناب الإجمال في تلك القضايا المنهجية الدقيقة تنقصا أو تهوينا، يرحمك الله؟
                                تقول:
                                ما وصلت إليه أنا بتحليلاتي التي أشرت إلى روابطها يذهب بما تقوله هنا أدراج الرياح
                                فما أسهل أن أقول: "وما وصلت إليه أنا في كتبي ومقالاتي التي ذكرتها في معرض كلامي وغيرها يذهب بما تقوله أنت في تحليلاتك أدراج الرياح"، فهل هذا مسلك من يرجو خيرا من مناظرة خصمه؟
                                أننا في هذه الأثناء، ما زلنا في اللحظات الأخيرة من اليوم السادس!
                                نعم أخي العزيز .. الأيام الستة ما زالت تنصرم حتى اللحظة. ولهذا الأمر متابعة لو رغبت أنت. ويمكنك أن تجد تفصيل ذلك فيما وراء هذه الرابطة
                                هذا الكلام مصادم للنص الصريح! والله تعالى يقول في محكم التنزيل: ((إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)) [الأعراف : 54] وقد رأيت لك تأويلا متعسفا لمدلول التعقيب "ثم" في نحو هذا السياق ترجو به دعم نظريتك المصادمة لما انعقد عليه إجماع المسلمين في فهم كلام ربهم في هذه المسألة! فكأنك حتى تقبل ما تريد قبوله من نظريات الكونيين والفيزيائيين، لم تجد لنفسك مخرجا إلا سلوك ما لم يسبقك إليه أحد من المسالك في تأويل محكمات النص المنزل، فإن سألوك قلت كما تقول الآن "قد صرح القرءان بوجود المتشابه، والتشابه لا يعني التجهيل"! فمن سلفك في اعتبار حقيقة تمام أيام الخلق الستة بالاستواء على العرش من مواضع الاشتباه في القرءان، إن كنت لا تجهِّل قرون الأئمة والعلماء من السابقين؟ بل نظريات الطبيعيين هي المتشابهة، والاشتباه فيها طبقات بعضها فوق بعض، ويرجع (كما حاولت أن أبين لك، فعارضتني بالعلاقة بين الكتلة والجاذبية!) إلى طبيعة المناهج والمسالك الفلسفية المستعملة في بناء الدلالة على المشاهدة والتجريب، في جملة النماذج النظرية السائدة حاليا في توصيف تاريخ الكون!
                                فقولك هذا:
                                أننا في هذه الأثناء، ما زلنا في اللحظات الأخيرة من اليوم السادس
                                الذي أطلقته حتى تفتح به بابا لمطلق الاستعانة بالتنظير الطبيعي في تتبع أصل الكون،
                                يلزم منه أن الله لم يستو على العرش إلى الآن لأن اليوم السادس لما ينصرم بعد، فتأمل يرحمك الله!
                                وحتى وإن لم يصح هذا الإلزام، فاسمح لي أن أقرر من البداية (وحتى لا يتشعب بنا الجدال بعيدا، وأجدني أكرر مناقشتك فيما جادلك فيه غيري من قبل بلا ثمرة) أن مسألة انتهاء أيام الخلق الستة وتمامها بالاستواء على العرش (قبل زمان سحيق) هي عندي محل إجماع وقطع لا أقبل فيه جدالا ولا مناظرة، مع احترامي لشخصك الكريم!
                                لأن أمد البيان مازال منفتحاً .. والخطأ على من أغلقه
                                يا أخي الفاضل عندما تنسحب دعوى التشابه على قضية لم يسبق أن عدها من المتشابهات أحد من الأولين قطّ، ثم يقال "أمد البيان ما زال مفتوحا"، فأي بيان وأي انفتاح هذا الذي ترجو من خصمك أن يوافقك على إجمال الكلام فيه؟

                                ومرة أخرى .. أمهلني حتى أتم باقي ردودي .. وأقول: قد فرغت
                                شرطك هذا لا يلزمني، بارك الله فيك.

                                تعليق

                                19,961
                                الاعــضـــاء
                                231,887
                                الـمــواضـيــع
                                42,545
                                الــمــشـــاركـــات
                                يعمل...
                                X