إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • أَوْجُهُ البَيَانْ فِي كَلَامِ الرَّحْمَنْ (ظلال الساجدين)

    أَوْجُهُ البَيَانْ فِي كَلَامِ الرَّحْمَنْ (في ظلال الساجدين)
    قال تعالى : وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ [الرعد:15]
    مقدمة :
    الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً أما بعد
    فقد استوقفتني هذه الآية الكريمة كثيراً فجهدت في فهم أوجه البيان فيها ، وعندما رجعت لكلام السلف وجدت تأويلات لم أتبين منها المعنى المتسق مع بعض القواعد لكلية في القرآن الكريم حتى ظننت أن الله أكرمني بفهم وجه من وجوه البيان في هذه الآية الكريمة لعلي أعرضه آملاً من كل قارئ كريم أن يعقب بما يصوّب ما وصلت إليه فإن أصبت فمن الله وحده وإن أخطأت فأسأل الله لي ولكم المغفرة والأجر، وسأبدأ بعرض آراء المفسرين وما نقلوه من فهم بعض السلف جميعاً ، ثم أبيّن ما وصلت إليه بإذن الله.
    أقوال المفسرين :
    · تفسير القرطبي : قوله تعالى : ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال قوله تعالى : ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها قال الحسن وقتادة وغيرهما : المؤمن يسجد طوعا، والكافر يسجد كرها بالسيف. وعن قتادة أيضا : يسجد الكافر كارها حين لا ينفعه الإيمان . وقال الزجاج : سجود الكافر كرها ما فيه من الخضوع وأثر الصنعة . وقال ابن زيد : " طوعا " من دخل في الإسلام رغبة ، و " كرها " من دخل فيه رهبة بالسيف . وقيل : " طوعا " من طالت مدة إسلامه فألف السجود ، و " كرها " من يكره نفسه لله تعالى ; فالآية في المؤمنين ، وعلى هذا يكون معنى " والأرض " وبعض من في الأرض . قال القشيري : وفي الآية مسلكان : أحدهما : أنها عامة والمراد بها التخصيص ; فالمؤمن يسجد طوعا ، وبعض الكفار يسجدون إكراها وخوفا كالمنافقين ; فالآية محمولة على هؤلاء ، ذكره الفراء . وقيل على هذا القول : الآية في المؤمنين ; منهم من يسجد طوعا لا يثقل عليه السجود ، ومنهم من يثقل عليه ; لأن التزام التكليف مشقة ، ولكنهم يتحملون المشقة إخلاصا وإيمانا ، إلى أن يألفوا الحق ويمرنوا عليه . والمسلك الثاني : وهو الصحيح - إجراء الآية على التعميم ; وعلى هذا طريقان : أحدهما : أن المؤمن يسجد طوعا ، وأما الكافر فمأمور [ ص: 264 ] بالسجود مؤاخذ به . والثاني : وهو الحق - أن المؤمن يسجد ببدنه طوعا ، وكل مخلوق من المؤمن والكافر يسجد من حيث إنه مخلوق ، يسجد دلالة وحاجة إلى الصانع ; وهذا كقوله : وإن من شيء إلا يسبح بحمده وهو تسبيح دلالة لا تسبيح عبادة .
    · تفسير ابن كثير : يخبر تعالى عن عظمته وسلطانه الذي قهر كل شيء ، ودان له كل شيء . ولهذا يسجد له كل شيء طوعا من المؤمنين ، وكرها من المشركين ، ( وظلالهم بالغدو ) أي : البكر والآصال ، وهو جمع أصيل وهو آخر النهار ، كما قال تعالى : ( أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون ) [ النحل : 48 ] .
    · تفسير ابن جرير :قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : فإن امتنع هؤلاء الذين يدعون من دون الله الأوثان والأصنام لله شركاء من إفراد الطاعة والإخلاص بالعبادة له فلله يسجد من في السماوات من الملائكة الكرام ومن في الأرض من المؤمنين به طوعا ، فأما الكافرون به فإنهم يسجدون له كرها حين يكرهون على السجود. كما : -

    - 20298 - حدثنا بشر قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة : ( ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها ) ، فأما المؤمن فيسجد طائعا ، وأما الكافر فيسجد كارها .

    - 20299 - حدثني المثنى قال : حدثنا سويد قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن سفيان قال : كان ربيع بن خثيم إذا تلا هذه الآية : ( ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها ) قال : بلى يا رباه .

    - 20300 - حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد ، في قوله : ( ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها ) قال : من دخل طائعا ، هذا طوعا ( وكرها ) من لم يدخل إلا بالسيف .[ ص: 404 ] وقوله : ( وظلالهم بالغدو والآصال ) يقول : ويسجد أيضا ظلال كل من سجد طوعا وكرها بالغدوات والعشايا . وذلك أن ظل كل شخص فإنه يفيء بالعشي ، كما قال جل ثناؤه ( أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون ) ، [ سورة النحل : 48 ] .وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل .

    - ذكر من قال ذلك :

    - 20301 - حدثني محمد بن سعد قال : حدثني أبي قال : حدثني عمي قال : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله : ( وظلالهم بالغدو والآصال ) ، يعني : حين يفيء ظل أحدهم عن يمينه أو شماله .

    - 20302 - حدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق قال : حدثنا عبد الله بن الزبير ، عن سفيان قال في تفسير مجاهد : ( ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال ) قال : ظل المؤمن يسجد طوعا وهو طائع ، وظل الكافر يسجد طوعا وهو كاره .

    - 20304 - حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : ( وظلالهم بالغدو والآصال ) قال : ذكر أن ظلال الأشياء كلها تسجد له ، وقرأ : ( سجدا لله وهم داخرون ) [ سورة النحل : 48 ] . قال : تلك الظلال تسجد لله .

    · تفسير البغوي : قوله : ( ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا ) يعني : الملائكة والمؤمنين ( وكرها ) يعني : المنافقين والكافرين الذين أكرهوا على السجود بالسيف .
    أقول : أما القول بأن قوله تعالى (كَرْهاً) يعني به الكافر الذي يسجدُ خوفاً من القتل فكيف يستشهد الله بما ينهى عنه ويستنكره ؟ فهو يقول وقوله الحق : وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [يونس:99]ونفى ونهى عن الإكراه في الدين فقال جل من قائل : لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة:256]، والكافر حين سجوده (إكراها) فهو بين أمرين ، إما أن سجوده تقية لا تعقد به نية لله بل قد يسجد وفي نفسه يصرف سجوده لإلهه وهنا لا يصح ولا ينطبق السجود المذكور في الآية على حاله ، وإما أنه يسجد لله وهنا انتفى الكفر وثبت الإيمان طالما انعقدت نيته أن سجوده لله خالصاً.
    ثم أن القول بأن الإكراه يراد به هنا من أُكره بالإسلام تحت سطوة السيف قول مرفوض قد نافح المسلمين عقوداً طويلة ينكرونه ويتبرؤون منه فكيف نثبته هنا بأن المسلمين أدخلوا الناس في الإسلام بحد السيف وبقوة المنتصر وليس إيماناً ؟ والله جلَّ وعلا يقول : لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ [البقرة:272] ، ويقول لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون:6].
    أما القول باقتصار ذلك على المؤمن المتثاقل للطاعة والمؤمن الذي لا يثقل عليه السجود ففيه حصر لمقصد الآية وتضييق لمراد الله الظاهر بسعة من شملتهم في الآية من كل شيء يسجد له كالجن مثلاً، فالله يقول في موضع آخر : وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ [النحل:49]


    أوجه الآية ومفاهيمها
    لكي نتمكن من إدراك مفاهيم هذه الآية الكريمة ينبغي أن ندرك ونفهم آيتين أخريين يقودنا فهمهما إلى معرفة الوجه الصحيح من البيان ، ولا شك أن تكامل الآيات الثلاث وانتفاء التعارض بينها على الفهم الذي سأبينه يدل على صحته واتساقه.
    وتلكم الآيات الثلاث مترابطة معنوياً وكلُّ منها تفسر الأخرى من وجه والأخرى تفسر أختها من وجه آخر فيحصل التكامل المعنوي بينها جميعا.
    أول هذه الآيات قوله تعالى:
    ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فصلت:11]
    وكان ذلك من دلائل رحمة الله وحكمته جلت قدرته فقد خيَّر السماء والأرض حين شرع في خلقهما إما أن يكونا بعد اكتمال خلقهما عابدين لله (طوعاً) أو يختارا أن عبادة الله (كرهاً) فاختارا أن يكونا طائعين ، والمراد من الإتيان (طوعاً) :
    أن تسلب منهما الإرادة والاختيار فيكونا مطيعين لله لا خيار لهما في منهجهما بل يمتنع عليهما العصيان ولا يملكان من أمرهما سوى المضي في أمر الله على كل حال.
    هذا اختيارهما ، ولو كانا اختارا الإتيان كرها فإن هذا يعني أن طاعتهما لله تكون بمغالبة انفسهما عن عصيانه وأن تستلزم الطاعة إرادة تسيطر عليهما وتغلب نفساً أمارة بالسوء حتى تتحقق الطاعة ، وهنا قد يخضعا للنفس الأمارة فيعصيان الله ، لذا فقد أشفقا من ذلك واختارا الجبر على الطاعة.
    ولو تتبعنا السياق بعد تلك الآية لرأينا كيف أصبحت طاعتهما لا عوج فيها ولا نقص فكل من عذبه الله كان بتسخيرهما لتنفيذ أمر الله في حق كل عاصٍ مجرم بلا تردد ولا إعراض عن أمر الله يقول في سياق تلك الآية:
    فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (13) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (14) فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَىٰ وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (16) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (17)
    فسخر الله هذه المخلوقات العظيمة الطائعة كطاعة الملائكة لا خيار فيها ولا إرادة تحتمل الرفض والعصيان.

    ثاني هذه الآيات قوله تعالى:
    إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب:72]
    وهذه صورة أخرى من الصور التي يعرضها لنا ربنا جلت قدرته حين خلق السماوات والأرض والجبال فكانت الأمانة التي خيَّروا أن يحملوها وهي ( الإرادة والاختيار) فكان الاختيار لمرة واحدة فاختارا أن يكونا طائعين لا إرادة لهما في الطاعة فيكونا كالملائكة:
    وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (49) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (50)
    فانضم لجمع الطائعين كل مخلوقات الله إلا الإنس والجن فهما يملكان إرادة الاختيار والتمييز يقهران أنفسهما طاعة لله ويكرهانها على التزام التقوى وإتباع أوامر الله وترك نواهيه أو يخضعان لأهواهما فيكون منهما العصيان والخلود للشهوة والشيطان.
    وإشفاق السموات والأرض والجبال من الأمانة ( أمانة الاختيار) لأنهم يعلمون أنهم لو انحرفوا عن منهج الله لكان انحراف الشمس مثلا بأن تعصي الله فتتوقف عن أداء وظائفها في حين ضعفٍ أمام شهوة أو نفس أمارة فماذا عسى نتيجة ذلك إلا دماراً للكون وهلاك كل حي على وجه الأرض فيكون إشفاقا مما سيلحق بهم من عذاب بعد انحرافهم وعصيانهم فكان اختيارهم أن يكونا في طاعة لا سبيل معها للاختيار أو الانحراف.
    ولكن الإنسان حملت خلقته وطبيعته أمانة الاختيار فكان (ظلوماً) لنفسه عندما لم يدرك قيمة الإرادة التي سلبت من سواه وكان (جهولا) بما ينتظره إن هو أكره نفسه على الطاعة وعسفها عن المعصية بما لا يتأتى لسواه من المخلوقات.
    ثالث هذه الآيات قوله تعالى:
    وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ [الرعد:15]
    وهي موضع هذا البحث ، فالله جلت قدرته يخبرنا بأن كل من خلقه الله طائعاً لا إرادة له من ملائكة وجبال وشجر وجماد وحيوان ونحوه يسجد لله ، وكل من خلقه الله ذا إرادة يُـكْرِهُ نفسه الأمارة على التزام الطاعة وينهاها عن المعصية (كالبشر والجن) يسجدان أيضاً لله وظلال هؤلاء وهؤلاء تسجد لله بسجودهم ، ويبين تعالى أن حركة ظلال الأشياء في وقت الغدوة والروحة سجوداً له .
    فكل أولئك يسجدون لله وظلالهم فلا يظن الكافر العاصي أن السموات والأرض خلت من الساجدين لله ولا يعلم أن كل طائع بفطرته وكل مؤمن بإرادته وظلالهم تسجد لله وتسبحه وتذكره ولم تخلوا الأرض من الطائعين الأبرار.

    ومفهوم الإكراه بهذه الصورة في كتاب الله ليس بجديد ، فيقول :
    وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الأحقاف:15]
    فقد خلق الله لها آلة الحمل والولادة وأعضائها تؤدي هذه المهمة ، ولو كرهت ذلك أو أكرهت عليه فإنها لا تملك منعه بكرهها أو إكراهها فقد فطرها الله على أن تحمل وتضع وترضع فكان جسدها قابلا لذلك مهيئاً له ، وكذلك الإنسان في حمله للأمانة فقد هيأ الله نفسه أن يملك أمره بنفسه فيختار الإيمان أو ينحرف للكفر فلا يمكن أن يسلبه احد إرادته ولو تمنى أن يكون طائعاً تبقى فطرته لا تخلو من المغالبة بين الحق والباطل ، والطاعة والعصيان.
    فكان مفهوم الآية الكريمة إذ ذاك يتحدث عن المؤمنين فقط ، المؤمنين فطرةً ، والمؤمنين اختياراً، وهذا أدق من القول بأن المراد هو الطائعين بلا مشقة والطائعين بتثاقل ومشقة ، فالمفهوم الذي تحدثنا عنه أوسع واشمل وأكثر تماهيا مع السياق وموافقة للمراد والله أعلى وأعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.


    رابط الموضوع في المدونة

  • #2
    من تحديثات الموضوع في المدونة

    مفهوم الطاعة والإكراه :
    سأبدأ بالتعريف الذي وصلت إليه لمفهومي (طوعاً و كرهاً) ثم ابدأ في تفصيل تطبيق هذين المفهومين على الآيات الكريمة لنرى مدى اتساق المعنى من النص والسياق:
    مفهوم إتيان الخلق لله كرهاً : هُوَ امْتِلاكُ المَخْلُوْق لِإرَاَدَةِ الاخْتِيَارِ بَيْنَ الطَّاعَةِ وَالعِصْيَانِ ، وَإعْطَاءُ اللهِ لَهُ قُدْرَةَ التَّمْيِيِزِ بَيْنَهُمَا وَاخْتِيَارِ أحَدَهُمَا وإكراه نفسه على إتيانه وإكراهها على ترك ما سواه .(كالإنس والجان)
    مفهوم إتيان الخلق لله طوعاً : هُوَ سَلْبُ حُرِّيَّة ِالاخْتِياَرِ مِنَ المَخْلُوقِ فيَكَوُنَ مَجْبُورَاً عَلَى الطَّاعَةِ مجْبُولاً عَليْها لا يَعْصِيْ للهِ أمْراً وَيَفْعَلُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ بِلا َاخْتِيَارٍ وَلاَ مُغَالَبَة.(كبقية الخلق)
    ومنه (تطويع) الحديد وهو تشكيله حال تخليقه وصنعه فإذا بقي حتى يبرد بقي بصورته التي صنع وتشكل عليها ،وسنرى كيف أن الطائعين من خلق الله لم يخلقهما الله كذلك إلا باختيار سابق بأن يكونوا طائعين غير مكرهين ، فالاختيار كان حاضراً ولو لمرة واحدة.

    أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [آل عمران:83]
    فتقدير الآية ( أفغير دين الله يبغون وإليه يرجعون ؟) واعترضت جملة (وله اسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً) فكان الإرجاع في الأصل مقصود به الكافرين واعتراض الجملة شَمِلَ المذكورين فيها مع المقصودين الأصليين.
    وترتيب الله (للسماوات ثم الأرض) وترتيبه (طوعاً و كرهاً) فقدم السماوات التي تحمل الطائعين من الملائكة والجنة والنار والسماء وأخر (الكره والإكراه) مع الأرض وهي التي تحمل على ظهرها الإنس والجن المخلوقين بقدرة الإدراك والاختيار.
    وهذا الترتيب نلحظه في كل المواضع التي نتحدث عنها فدائما يكون تقديم الطائعين وتأخير المختارين ، وفي هذه الآية تُصرف مفردة (طوعاً) لمن اختار الطاعة الدائمة بلا اختيار لما سواها وهم الملائكة والجنة والنار والسموات والأرض ، وتصرف مفردة (كرهاً) لمن أكرمه الله بأمانة الاختيار والإدراك والتمييز ومغالبة النفس وإكراهها على الخير ولو رغبت عنه وأطرُها على الطاعة ولو ركنت لسواها وهم الإنس والجان ، فهم كلهم مسلمين مقرين مستسلمين لله بعكس فئة قليلة منحرفة هم من يبتغي غير دين الله وسيرجعون إليه فيحاسبهم على كفرهم.

    تعليق


    • #3
      اخي الحبيب عدنان تحية طيبة وارجو ان تكون بصحة وعافية...
      من قبيل المدارسة لا الاعتراض على ما ابديت وفقك الله أود الاشارة لما يلي:
      · الايات الكريمة تتحدث عن خلق عاقل لاستعمال (من) الا ان يراد التغليب.
      · اذا قصدت بالطاعة كل الخلق خلا الانس والجن وقصدت بالاكراه سجود الثقلين فكيف تفسر عدم سجود الكفار وهم كثر.
      · في الايات الكريمة اشارة لوجود خلق عاقل في السموات, وهذا الخلق منه المؤمن ومنه المعرض ويؤيد ذلك قوله تعالى : إِنَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (3) الجاثية. فتدل على ان هناك مؤمنون في تلك السموات يرون اياتها ليزداد ايمانهم, فحن على هذه القطعة من الارض ( كرتنا الارضية هذه) لا نستطيع رؤية السموات الاخر. وكذلك قوله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) يوسف, فكما ان هناك مؤمنون ايضاً هناك معرضون يمرون على الايات في تلك السموات فيعرضوا عنها, وغير ذلك الكثير لا يتسع المجال لسرده هنا.
      · أرى والله اعلم ان قوله تعالى: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83) آل عمران, يقودنا الى تفسير الآية السابقة, اذ ان المقصود والله اعلم بسجود الاستسلام لله طوعا هو ما يكون من المؤمنين في حياتهم الدنيا واما الكافر الذي يبقى على كفره وعناده حنى موته فأنهم بعد موتهم يلقون السلم والخضوع لله تعالى, تأمل قوله تعالى: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوْا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) النحل. وكذلك قوله تعالى: وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (87) النحل. وقوله تعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذْ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ (12) السجدة).
      · اذا نقول خلاصة ما سبق ان المسلمين هم من يسلم ويسجد لله طوعا, كل على ارضه التي تقله وسمائه التي تظله وذلك في الحياة الدنيا اما الكفار والمعرضون فذلك يكون منهم بالأكراه ولكن ليس في هذه الحياة الدنيا : (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً (93) مريم), هذا والله اعلم.

      تعليق


      • #4

        جناب المكرم الدكتور أحمد منصور وفقه الله ورعاه

        السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
        أولا : فأسعدني وجودك استاذنا الكريم ووالله لم انشر هذا المقال لكي يتفق معي أحد بل لأجد من يعارضني وأعارضه ويناقشني وأناقشه فأينما كان الحق فهو أولى بالاتباع ، وبالتالي فاستبشر بأي مداخلة او معارضة أو رد او نقاش وفقك الله.
        ثانيا: فاعود لما تفضلت به جزءاً جزءاً فأقول وبالله التوفيق:
        تفضلت بالقول :
        اذا قصدت بالطاعة كل الخلق خلا الانس والجن وقصدت بالاكراه سجود الثقلين فكيف تفسر عدم سجود الكفار وهم كثر

        ما قصدته هو : أن كل المخلوقات غير الانس والجن يدخلون في قوله (طوعاً) إذ أنهم مجبولين على الطاعة ولا تنبغي لهم المعصية وليس لهم انفس يغالبونها لكي يأتون السجود والصلاة وهؤلاء يدخلون في الآية الكريمة:


        أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَىٰ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ [النحل:48]
        وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ [النحل:49]

        فاشتملت هذه الآيات الكريمة على كل مخلوق عاقل او جماد يسجد لله (طوعا) أي جبلت نفسه على الطاعة ولا نفس أمارة لديه يغالبها لترك المعاصي واتيان الطاعات ، وبرأيي أن هاتين الآيتين دليل دامغ بيّن شديد الوضوع على المراد من البحث ونتيجته ، وهنا تجد أنه أشار لغير العاقل بـ (ما) وأفرد الملائكة وفصل بينهم بين غير العاقل بواو العطف.
        أما تفسيري (لعدم سجود الكفار وهم كثر) نعم الكفار لا يسجدون ولكنهم مقارنة بالساجدين قلة وليسوا بكثرة فإن استكبروا عن السجود فلله يسجد كل شيء ولا قيمة لهم ولا لسجودهم.
        ثم انه أجمل كل من يسجد طوعا وكرها ، عاقلا وغير عاقل ، الحي والجماد ، أما الكفار فقد استثناهم الله من السجود فكيف نقول أن المقصود بقوله (كرهاً) الكفار ؟ و هذه الآية تدل قطعياً على خروج الكفار من الساجدين في الدنيا والآخرة فقال سبحانه:
        أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ [الحج:18]
        ومن حق عليه العذاب هم الكفار المستثنين من السجود والمؤمنين أشار الله لهم (كثير من الناس

        وتفضلت بالقول :


        · في الايات الكريمة اشارة لوجود خلق عاقل في السموات, وهذا الخلق منه المؤمن ومنه المعرض ويؤيد ذلك قوله تعالى : إِنَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (3) الجاثية. فتدل على ان هناك مؤمنون في تلك السموات يرون اياتها ليزداد ايمانهم, فحن على هذه القطعة من الارض ( كرتنا الارضية هذه) لا نستطيع رؤية السموات الاخر. وكذلك قوله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) يوسف, فكما ان هناك مؤمنون ايضاً هناك معرضون يمرون على الايات في تلك السموات فيعرضوا عنها, وغير ذلك الكثير لا يتسع المجال لسرده هنا.


        في كل الآيات التي تحدثت عن سجود المخلوقات لله تنوعت الاشارة فكما ان هناك اشارة لغير العاقل فهناك اشارات للعاقل فوجدت (من ، ما) في آيات مذكورة في هذا المقال كما اسلفت اعلاه أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ .. الاية)
        أما الساجدين من غير الثقلين من المؤمنين من عوالم أخرى فهذا مثل ما تفضلت خارج الموضوع ولا يتسع المجال لتبيانه هنا.
        وخلصت وفقك الله إلى :


        · اذا نقول خلاصة ما سبق ان المسلمين هم من يسلم ويسجد لله طوعا, كل على ارضه التي تقله وسمائه التي تظله وذلك في الحياة الدنيا اما الكفار والمعرضون فذلك يكون منهم بالأكراه ولكن ليس في هذه الحياة الدنيا : (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً (93) مريم), هذا والله اعلم.
        فقولك بارك الله فيك (اما الكفار والمعرضون فذلك يكون منهم بالأكراه ولكن ليس في هذه الحياة الدنيا) غير دقيق فالله لا يكره أحدا على السجود وليس بحاجة لسجود الكافر لا في الدنيا ولا في الآخرة بل إن الكافر يريد السجود في الآخرة لأنه لم يعد كافراً بل آمن ولكن حيث لا ينفع الإيمان فتأمل وفقك الله ماذا قال الله في ذلك :
        (يوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ(42) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (43))
        فهم يدعون ولا يكرهون على السجود بل دعوة كدعوتهم الى السجود في الدنيا وكانوا يرفضون السجود ففي الآخرة يتمنون السجود فلا يستطيعون وبالتالي فهم لا يكرهون على السجود ابداً لا في الدنيا ولا في الآخرة ، والآية التي تفضلت بها لا تفيد السجود ولكن تفيد العبودية والذل وليس للكفار بل لكل خلق الله جميعاً وبالتالي فلا يمكن الاستدلال بها على سجود الكفار يوم القيامة
        حفظك الله ويسر امرك وفتح علينا وعليك والسلام عليكم ورحمة الله .



        تعليق


        • #5
          اخي الكريم عدنان السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
          اسعدني حديثك كثيرا واسمح لي ان اضيف ما يلي:
          الآية محل البحث ( 15 الرعد) تشير الى خلق عاقل وهذا ما ذهب اليه المفسرون, ولو اريد شمول كل الخلق عاقلا وغير عاقل لكان استعمال (ما) اولى كما جاء في الايات 48 و 49 النحل النحل حيث (ما) تشمل العاقل وغير العاقل كما قاله اهل التفسير لكن غُلب غير العاقل لكثرته.
          اذاً الآية 15 الرعد تشير لخلق عاقل في السموات والارض يسجد طوعا وكرها وظله يسجد أيضا وهو ما يشير الى استبعاد الملائكة لان هذا الخلق مجسم وله ظل.
          ولا يعلم من الخلق العاقل الذي يسجد بطوعه لله الا المسلمون له والمنقادون لشرائعه , ولكن من هم أولائك المكرهون من الخلق العاقل الذين ينقادون لامر الله, وهم داخرون. لاشك ان الايات التي ذكرتها من سورة النحل وغيرها في مشاركتي السابقة تشير الى ان الكفار يلقون السلم والانقياد لله تعالى لدى وفاتهم ويتخلون عن شركائهم كما جاء في غير موضع من القرآن الكريم.
          قال تعالى: أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (16) أَوَآبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ (17) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (18) الصافات.
          اما الآية الكريمة قوله تعالى: أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (18) الحج. والتي ذكرت انها تسثني الكفار من السجود في الدنيا والاخرة, فأقول ان هذه الآية تشير الى سجود الطائعين في الدنيا من ملائكة وانس وجن وشمس وقمر وغير ذلك وليس فيها اشارة الى الاكراه على السجود واما الكفار الذين لا يسلمون لله طوعا فسينقادون لامره كرها بعد موتهم.
          صحيح ان الله لا يكره احد على الاسلام له والانقياد لامره ولكن ذلك في الحياة الدنيا اما في الاخرة فالكل اتي الرحمن عبدا وهو مالك يوم الدين والكل من ملك مقرب أو عبد غلبت عليه شقوته منقاد لامره مستسلم لحكمه لا محاله.
          وحتى في حشر الكفار على وجوههم منكسين وتنكيس رؤسهم عند الله دليل على اكراهم واذلالهم في ذلك اليوم, علما ان السجود قد لا يعني الهيئة التي نسجد بها بل وصف المفسرون سجود الاشياء هو الانقياد والخضوع.
          اما السجود حين يكشف عن ساق فهذا والله اعلم في المنافقين وبعد ان ينقضي امر عبدة الطاغوت والاوثان عبدة الشمس والقمر واليهود والنصارى ويتساقطون جميعا في جهنم : ( فلا يبقى الا هذه الامة مع منافقيها .... الحديث) وهو حديث طويل ورد في الصحيحين تستطيع الاطلاع عليه : ( هل نرى ربنا يوم القيامة: قال هل تضارون في .....).
          لا قول ان ما قلته في مشاركاتي هو عين الصواب بل هي محاولة منا لمقاربة الفهم والتدبر في ايات الله , فلا يعلم تأويله الا الله ونسأل الله العفو الصفح ان اخطأنا ونسأله ان يعلمنا كتابه الكريم وشكر الله لك اخي عدنان.

          تعليق


          • #6
            دكتورنا الكريم
            السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
            لا يخفى عليكم حفظكم الله بأن صيغة الفعل "يسجد" فضلا عن كونه يفيد خصوص السجود وليس عموم الانقياد. فضلا عن ذلك فهو فعل مستمر مضارع لا يقتصر على يوم القيامة بل الحديث عنه منذ مبدأ الخلق كما أن الظلال بالغدو والآصال تتحدث عن الدنيا وليس الآخرة.
            كما يتبين بمالا يدع مجالا للاشتباه بأن الكفار يحرمون من (شرف السجود) يوم القيامة جزاء لرفضهم السجود في الدنيا وهنا فإن المنافقين مستبعدين من هذا الموقف لأنهم كانوا يدعون إلى السجود فيستجيبون ولكنهم يبطنون الكفر ويظهرون الايمان والحديث عمن اظهر الكفر والجحود واستكبر علنا على السجود لله علنا.
            وإتيان الله والانقياد اليه لكل الخلق امر لا شك فيه ولكن لم يشار اليه كما اسلفت في تلك الآيات.
            الآية التي اشرتم اليها حفظكم الله لا تشير إلى الاكراه على السجود فمتى كان السجود إهانة للكافر ؟؟ بل هو شرف يتمناه في الآخرة فلا يناله ولا يستطيع على اداءه وهذه قمة الإهانة أن يمتنع على الكافر شرف السجود لله عندما فرط في هذا الشرف في دار الاختبار والسعة والاختيار.
            ولكن!
            هناك منشأ للاعتقاد بأن (الكره) ذا منشأ خارجي التأثير ينصرف معه الذهن الى ذلك لعلي إتي عليه قريبا إن شاء الله ودمتم بكل خير
            والسلام عليكم

            تعليق


            • #7
              السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

              اخي الحبيب عدنان قرات النتائج التي توصلت لها من خلال جمعك للثلاث ايات فهل في الايات التاليه ماسوف يخل بالمعنى الذي توصلت اليه ام يؤكده . وهل يحتاج الموضوع الى مزيد من البحث وهذا ما اعتقدة والله اعلم

              قال تعالى : قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (53) وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ (54) سورة التوبة

              تعليق


              • #8
                وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
                حياكم الله أخي الغالي
                وأشكر لك تفضلك بهذا الطرح وأقول بأنه برغم أن سياق استعمال المفردة مختلف عن موضع البحث حيث أن الإشارة هنا للعاقل فقط بينما الإشارة في مسألة السجود لكل المخلوقات العاقل وغير العاقل ، برغم ذلك فإن هذه الآية تؤيد ما خلص إليه البحث ولله الحمد ولا تنقضه وسأفصل في ذلك لصعوبة تحريره وتنسيقه من خلال الجوال ولكني سأفعل فور تمكني من ذلك.
                وفقني الله واياكم والسلام عليكم

                تعليق


                • #9


                  قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (53) وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ (54) سـورة التوبة
                  هذه الآية الكريمة تحمل الحجة على عدم صحة القول بأن (طوعاً) للمؤمنين الطائعين (كرهاً) للكافرين المكرهين على السجود ، وللاحتجاج بها وجهين :
                  أولهما: أن الله رد على المنافقين نفقاتهم فلم يقبلها سواءً كان الإنفاق بطيب نفس ومسارعة أو بمغالبة نفس كارهة أو إكراهها اتقاءً من المؤمنين، وبين على ذلك فقال : (وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ ) فكان الكفر مانعاً وحاجباً وحيداً ووجيهاً لقبول الطاعات ككل ومنها النفقات ، فكيف يحتج ربنا بسجود الكافر المكره على السجود وهو يرفض نفقة الكافر الذي ينفق بطيب نفس ومسارعة ؟؟
                  فالقول بأن المُكْره هو الكافر غير دقيق البتة فالله لا يقبل منه طاعة فيذكرها ويحتج بها وفي هذه الآية يأنف منها ويرفضها بحجة كفر صاحبها.
                  ثاني أوجه الاحتجاج :
                  أن (كَرهاً) في عمومها لا تعني بالضرورة الإكراه والإجبار تحت حد السيف وفي هذه الآية الكريمة لا تعني ذلك قطعاً وإلا فإنها لا تسمى نفقة أصلا بل مالاً مغتصباً من صاحبه ، وهذا خلاف مفهوم الكره الذي يقول بأنه الإكراه بالقوة.
                  فإتيان الأمر (كَرْهَاًو كُرْهَاً ) هو: مُغَالَبَةُ النَّفْسِ وَإكْرَاهُهَا لإتْيَانِ خِلاَفِ مَا تُرِيْدُ أوْ تَرْكِ مَا تَرْغَب سَوَاءً كَانَ ذَلكَ بِعِلَّةِ خَارِجِيَّةٍ كَالإكْرَاَهِ بِالقُوَّةِ أوْ بِعِلَّةٍ دَاخِلِيَّةٍ كَمُغَالَبَةِ النَّفْسِ رَهْبَةً وَتُقْيَةً مِنْ خَلْقِ أوْ تَقْوَى وَخِشْيَةً مِنْ اللهِ جلَّ وَعَلا .
                  كما أسلفنا في تعريف الإكراه .
                  وإتيان الأمر (طَوْعَاً) هو: الانْدِفَاعُ لِإتْيَانِ الفِعْلِ رِضَاً وَرَغْبَةً بِلا مُغَالَبَةِ وَلاَ تَرَدُّدْ.
                  وفي هذه الآية يوجه الله نبيه أن يقول للمنافقين بأنكم سواء انفقتم خشية المؤمنين وأنفسهم كارهة أو بادرتم للانفاق راغبين بلا تردد ولا مغالبة نفس فلن يقبل الله منكم لأنكم كفار والله لا يقبل من الكفار طاعة وليس بعد الكفر ذنب.

                  ولكن هل (الكُرْه والكَرْه) يقتصر على الكفار والمنافقين ؟؟ ، لا بل أن كثير من الطاعات يأتيها المؤمنين كارهين مكرهي أنفسهم لإتيانها وهذا أحد محاور هذا البحث ودليل ذلك من كتاب الله:
                  كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [البقرة:216]
                  فتكره أنفسهم القتال ولكنهم طاعة لله وخشية من غضبه ورغبة فيما عنده يكرهون أنفسهم على القتال ومنها أسميت المعركة (بالكريهة) لثقلها على النفس ونفورها منها. وقوله تعالى (تكرهوا شيئاً) يجوِّزُ كراهة ما سوى القتال من الطاعات الثقيلة على النفس.


                  تحديث الموضوع في المدونة

                  تعليق

                  19,961
                  الاعــضـــاء
                  231,880
                  الـمــواضـيــع
                  42,542
                  الــمــشـــاركـــات
                  يعمل...
                  X