إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • عزالدين كزابر
    رد
    فقط للتنويه عن الردود على مادة هذه الصفحة:

    المداخلة #1 أعلى - التي هي إعادة لمداخلة قديمة - سبق الرد عليها (أنظر الهامش) على هذا الرابط. (فعلامَ يكون التعجُّب من الرد عليها، كما قيل:
    رأيت بعض الأفاضل قد علقوا على شيء مما كتبته في الموضوع، فتعجبت من التعليق على كلام ،لا أقول لم ينته بعد، بل لم يبدأ بعد ،فما زال الكلام في طور التقديم..!
    وقد مضى عليها سنوات؟!
    ثم كيف لا يرد أصحاب التفسير العلمي وقد اتهمهم صاحب هذه الصفحة بالفجور والكفر - قريباً زمنه كان أو بعيدا؟!
    وما حكم من يطلق مثل هذه الاتهامات في شرع الله تعالى، ولا حجة له إلا من تحليلات انطباعية غير بعيد أن تكون فاسدة؟!، وقد دللنا على فسادها ولم يفندنا أحد حتى الآن!!!)

    المداخلة #2 أعلى، وما يستجد من مداخلات سيكون الرد عليها جميعاً - إن شاء الله - على صفحة موازية - كما أراد صاحب الصفحة - على هذا الرابط.

    الهامش: المداخلات القديمة المرتبطة:
    http://vb.tafsir.net/tafsir33493/
    http://vb.tafsir.net/tafsir5491

    اترك تعليق:


  • أبو عبد المعز
    رد
    -8-

    لعل من أصعب الأسئلة السؤال الساذج الذي هو من الهوان بحيث لا يسمح له بأن يطفو على البال ..!
    ومنها هذا السؤال :
    لمَ تكون المعرفة العلمية أرقى المعارف البشرية؟
    هذا السؤال ظل من مجال اللا-مفكر فيه حتى جاء فيلسوف العلم فيربند ( Paul Karl Feyerabend (1924 – 1994 فرمى به في وجوه العلماء والفلاسفة ،فأثار به شغبا شديدا.
    وإلى الآن، لا أظن أن هؤلاء قد وجدوا ردا على تحدي فيربند ،وليس في وسعهم تبرير (نقصد تبريرا ابستمولوجيا ) لدعوى رقي المعرفة العلمية على غيرها من المعارف.
    هذا السؤال الساذج يحمل إحراجا مركبا عندما يطرح في المجال التداولي الإسلامي:
    حرج ابستملوجي
    وحرج عقدي
    نرجيء الحديث عن الأول إلى أجل قريب ...لنتفرغ إلى الثاني:
    أولا:
    لا يمكن أن يدعوا الرقي المطلق للمعرفة العلمية ،لأن هذه الرتبة محفوظة للقرآن فقط (أي للمعرفة الدينية) ،وإن كنا نلاحظ- قديما وحديثا -ما يلزم عنه خرق هذه القاعدة أو التهوين منها على الاقل ،خاصة عند الفلاسفة والمتكلمين الذين ابتعدوا قليلا عن صميم المجال التداولي الإسلامي وتحركوا في هامش يمتد من تخوم المجال التداولي المحلي إلى خارجه.
    إن مسألة القرآن والتفسير العلمي المعاصرة هي نفسها المسألة التقليدية عن العقل والدين ، أو الشريعة والحكمة ..
    ويمكن الاطلاع على أصول و ذيول هذه المسالة في مصنف ابن تيمية الشهير"درء تعارض النقل والعقل" ،خاصة عند نقد الشيخ الإسلام لقانون التأويل الذي سطره الفخر الرازي ،والذي يتأسس على أصالة العقل وتبعية الدين ، وهو مبدأ قائم بقوة في منهج الفلاسفة والمتكلمين، مهما أحسنا الظن ،ومهما حاولنا أن ندافع عن الرازي ومن شايعه ..وهذا موضوع آخر.
    ثانيا:
    الاعتراف بأن لا معرفة تعلو على الدين- وهو ما ينبغي لكل مسلم أن يلتزم به -تعكر عليه السؤالات الآتية:
    لم الإصرار على وجوب المطابقة بين العلم والقرآن؟
    هل يمكن لشهادة الأخس أن تكون تدعيما للمشهود له، وهو الأشرف والأرقى؟
    ماذا يضير الأرقى إذا خالف صراحة الأدنى؟

    اترك تعليق:


  • التفسير العلمي للقرآن:مدخل نقدي لإسرائليات العصر(حلقات).

    التفسير العلمي للقرآن:مدخل نقدي لإسرائليات العصر.(حلقات)

    (تنبيه:
    الموضوع قد يطول ،فالأمر يتعلق بقراءة وترجمة نصوص من الفرنسية .وليس لدينا متسع من الوقت لذلك ، والوقت عزيز كما هو معلوم.. إنها لحظات من باب "خلسة المختلس" –فحسب-
    وقد رأيت بعض الأفاضل قد علقوا على شيء مما كتبته في الموضوع، فتعجبت من التعليق على كلام ،لا أقول لم ينته بعد، بل لم يبدأ بعد ،فما زال الكلام في طور التقديم..!
    سوف أفرد هذه الصفحة لإتمام الموضوع ،شيئا فشيئا ،مع رجاء حارمن الإخوة القراء أن يرجئوا التعليق إلى حين اكتماله....ولهم إن شاؤوا أن يعلقوا على كل مكتوب فور صدوره ،وأن يجعلوا ذلك في صفحة موازية جديدة أو صفحات...
    ولهم الشكر)
    -1-
    إن القرآن قد قضى بتميزه عن الأصناف الخطابية السائدة ،وجعل القول بالتداخل أو التشابه ليس قولا خاطئا فحسب، بل قولا فاجرا،فمن زعم من الناس أن القرآن نثر مسجوع ،كنثر الكهان ،أو نظم مقفى ، كشعر العرب، فقد أخطـأ عقلا وفجر شرعا..ولا يضر القول بأن انتفاء الشعر عن القرآن يجعله من النثر لا محالة لاستحالة ارتفاع النقيضين-على اعتبار أن الكلام إما منظوم أو غير منظوم (وهو المنثور)،ولا واسطة بين العدم والوجود-فقد قال العلامة ابن خلدون:
    "والقرآن وإن كان من المنثور إلاّ أنه خارج عن الوصفين؛ فليس يسمَّى مرسلاً مطلقاً ولا مسجعاً، بل تفصيل آيات"
    وقد استوعب المسلمون هذه الحقيقة جيدا فأمعنوا في التمييز حتى جعلوا أسماء ما يدل على القرآن مختلفة عن غيره في الإجمال والتفصيل..فقد نقل السيوطي عن الجاحظ قوله:
    "سمَّى الله كتابه اسماً مخالفاً لِما سمَّى العربُ كلامهم على الجملة والتفصيل؛ سمَّى جملتَه قرآناً كما سمَّوا ديواناً، وبعضَه سورة كقصيدة، وبعضَها آية كالبيت، وآخرَها فاصلة كقافية"
    ثم ميزوا القرآن باصطلاح خاص وإن كان المسمى هو عينه في غيره، فالأسجاع-مثلا- ليست إلا التوافق الصوتي في ختام الجمل ،وهذا الحد منطبق على القرآن وغيره، غير أنهم سموا هذه الظاهرة الصوتية في القرآن" فاصلة"، وسموها في غيره "سجعة"..وكذلك سموا إدخال شيء من القرآن في كلامهم "اقتباسا "وسموا إدخال شيء من الشعر "تضمينا"...
    ولعل الأمر قد يتجاوز هنا حدود التأدب في الاصطلاح ليصل إلى تقرير قاعدة عامة في المنهج مفادها رسم حدود واضحة بين الكلام الإلهي والكلام البشري...وتحاشي كل ما من شأنه أن يخلط بين الكلامين ولو على سبيل الاصطلاح الذي لا مشاحة فيه!
    لكن بعض الناس قديما، وجمهرة منهم حديثا، سعوا إلى إهمال هذا القاعدة أو على الأقل إلى إدخال استثناء فيها، فجعلوا "الخطاب العلمي " ذا حظوة عن بقية الخطابات وأجازوا له ما لم يجيزوا لغيره ،فلو قيل إن القرآن وافق "الشعر" في هذا الموضع لردوا هذا القول في فم القائل بكل استنكار وتنديد، ولكن لو قيل وافقت الآية" العلم الحديث" لاستقبل القول بكل بشاشة وترحيب، ولعدوه انتصارا للقرآن ..
    أفيكون القول بموافقة القرآن لامريء القيس الجاهلي طعنا في التنزيل،ويكون القول بموافقة القرآن لأينشتاين اليهودي نصرا للفرقان!!
    قد لا يعدمون الجواب من أن القول بالموافقة الأولى قول أبطله القرآن نفسه وأن الشعراء- الهائمين الذين يقولون ما لا يفعون والذين يحترفوت الكذب والتملق وتزوير المقال المستمد من الشياطين -يؤسسون خطابا هو نقيض القرآن المنزل الذي لا ياتيه الباطل..فلا يكون الجمع بين الشعر والقرآن إلا جمعا بين الحق والباطل وهو محال..
    أما ما يقوله العلم الحديث فهو حق ،ونحن إذ نفسر "الحبك" ب "الأوتار الفائقة" فهذا ليس تداخلا للخطابات ولا حملا للقرآن على غيره وما فعلنا شيئا غير تفسير كلمة بأخرى كما تفعلون أنتم-معاشر اللغويين- عندما تفسرون "القسورة" بالأسد..وليس في هذا كله إلا حملا للقرآن على نفسه لأنه حمل للحق على الحق!!
    هذا الجواب- كما ترى- مبني كله على دعوى لم يقيموا عليها دليلا، وهي دعوى تماهي العلم الحديث مع الحقيقة.. فإذا ما انهارت هذه الدعوى بات "العلم" كغيره من الشعر والسحر، وعاد القول بموافقة القرآن لها أو لبعضها فجورا وكفرا..
    ( وقد نقول لك كلمة عن فايربند فيلسوف العلم النمساوي الذي شغب على العلماء وطالبهم بسندهم في تفضيل الخطاب العلمي على الخطاب السحري مثلا)
    وهذا الكتاب الذي سنخطه في هذه الصفحات ، شيئا فشيئا،يطمح إلى تفنيد هذا الزعم المشهور ،متمسكين بشرط هو الابتعاد - ما أمكن- عن الاستدلال الخطابي المخرج من باب التحسين والتقبيح بالبيان والإنشاء، والاعتماد ما أمكن على "فقه العلم" المسمى "ابستملوجيا " ناقلين بصفة حاصرة من منشئي الخطاب العلمي الحديث وناقديه، من أهل الغرب علماء وفلاسفة، فهو أجدر بالقبول على مبدأ "شهد شاهد من أهلها "وأولى بإفحام أبناء جلدتنا الذين يريد بعضهم أن يكونوا "ملكيين أكثر من الملك نفسه"!!
    -2-
    كلمة عن مصطلح" إسرائيليات"
    يدل هذا المصطلح على تراث بني إسرائيل وهو أمشاج من التاريخ الطبيعي والتاريخ البشري والجغرافيا وعلم العقائد وقصص الأولين وسير الملوك وأخبارالأنبياء وطقوس العادات والعبادات...
    وهذا التراث المتنوع لا يستحق أن يسمى "إسرائيليات" إلا إذا اقتحم فضاء النص الديني الإسلامي..وإلا فهو تاريخ وجغرافيا وسير وأخبار ...لها هذه التسميات ذاتها المعهودة لفنون التراث عند أي شعب من الشعوب..
    وبعبارة أوضح لا حرج أن يسلك عموم المروي عن بني إسرائيل في علم الفلك أو في علم الأرض.. ولكن إذا ما قصد به تفسير آية قرآنية أو تعيين دلالة في حديث نبوي فإن ذلك المروي سيغدو من" الإسرائيليات" وليس من علم الفلك ..
    هذه الرؤية الاعتبارية لمصطلح "إسرائيليات" لها- في تصورنا- أهمية بالغة لأنها توطئة لتنزيل الحكم الشرعي على ما يسمى بالتفسير العلمي...فلسنا نتوفر على حكم شرعي خاص بعلم الفزياء أو علم وظائف الأعضاء... ولكن التكييف الشرعي للإسرائيليات وارد في السنة النبوية :
    " حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" فهذا تأصيل من جهة الرواية ..
    "لا تصدقوهم ، ولا تكذبوهم " وهذا تأصيل من جهة الدراية..
    لكن علينا قبل تنزيل الحكم إثبات أن هذه العلوم العصرية هي من جنس تلك الإسرائيليات..وأن حديث "حوت البهموت "مثل حديث "الثقوب البيضاء والسوداء" وأن الاختلاف- إن وجد-هو اختلاف في الدرجة وليس في النوع.

    لعل من المفيد إزعاج القاريء قليلا قبل الاسترسال في الموضوع..ونرى المطلبين التاليين يفيان بهذا المقصد:
    -هل تعتقد أن العالم الطبيعي يصف الظاهرة الطبيعية كما هي في الخارج، أم أنه ينشيء لها نموذجا تصوريا في الذهن؟
    -هل ترى المفاهيم التي يعتمدها العالم في خطابه مفاهيم حقيقية لها ما يطابقها في الخارج، أم أنها محض أدوات من ابتكار العقل تساعده على التفسير والتنظيم ،أو لنقل باصطلاح البيانيين هل هي من باب الخبر أم من باب الإنشاء؟

    -3-
    سنبدأ هذا البحث –على خلاف معتاد الكاتبين-بذكر خاتمته أوثمرته،مراعاة للمتعجلين من القارئين ,وأما الذين لا تضيق صدورهم بالاسترسال في القراءة ،فلهم أن يحسبوا هذه الخاتمة انتصابا لدعاوى يتحسسون لها الأدلة في ثنايا البحث..
    هي ثلاث حقائق جلية:
    -فأما الأولى فعن الوضع الابستملوجي للعلم الطبيعي..حيث يترسم العلم غير قابل للانفصال عن"النسبية" أو"الاحتمال" أو"اللاتعين"...وهذه الحالات الثلاث هي أكثر من صفات، هي مقومات العلم وحدوده..فادعاء العلم الحقيقة المطلقة -مثلا -يرفع عنه صبغة العلم ليصبح دينا أو ميتافزيقا..وهذا الشرط لا يفرضه المناوؤون للعلم من الخارج، وإنما عليه إجماع المشتغلين بالعلم أنفسهم من داخل مختبراتهم.
    -وأما الثانية فعن القرآن الذي لا يأتيه الباطل، المنزل من لدن من لا يبدل عنده القول..وهذه لا تحتاج إلى ذكر أو تذكير...
    -وأما الثالثة فهي بديهية ،فلا يمكن ربط النسبي بالمطلق ولا تفسير الثابت بالمتحرك..لما يترتب عن ذلك من تناقض وانقلاب في الطبائع..فلو زعمت أن هذا "الكشف" العلمي يفسر تلك الآية القرآنية فإن اللازم هو انهيار الحقيقتين، الأولى والثانية:
    -لأن الكشف العلمي حينئذ سيضحى حقيقة مطلقة ثابتة إلى الأبد (فهو الآن معنى الآية)..وهذا لا يدعيه أحد حتى أصحاب الغلو في تقدير العلم..
    -لأن التطور العلمي، الذي هو ضربة لازب، سينشأ عنه تعاقب التفسيرات المختلفة والمتضادة على الموضع الواحد في القرآن، فيأتي الباطل حتما!
    وحاصل هذه الحقائق الثلاث أنه لا فرح بما يسمى التفسير العلمي...!!
    فإن كان لا بد فليكن على سبيل الاستئناس والتحديث عن "بني إسرائيل" الذي لا حرج فيه.. أما جعل المعنى العلمي تعيينا للدلالة القرآنية، أو ترجيحا لها، أو تأسيسا لها، فهذا تصديق أو تكذيب لتلك الروايات، وقد نهينا شرعا عن ذلك!!
    هذا والأمر يتعلق فقط ب"التفسير العلمي" ، أما "الإعجاز العلمي " فهو كما ترى!!!
    -4-
    يخلط كثير من الناس بين "الخطاب العلمي"و "الخطاب التمجيدي للعلم" مع ملاحظة أن أكثر من اصطنع التفسير العلمي وتحمس له هم أصحاب الخطاب "التمجيدي"
    والفرق بين الخطابين واضح جدا بحيث لا يمكن للمرء أن يلتبس عليه هوية المشتغلين بكل خطاب أو يخلط بين ذرائعهم ومقاصدهم المتباينة أو بين أساليبهم واصطلاحهم في نسج الخطاب :
    -فالخطاب الأول يصنعه العلماء
    والخطاب الثاني يصنعه الأدباء
    -أسلوب الخطاب العلمي يتحرى الدقة ويستعمل جملا عند حدود درجة الصفر في الكتابة .
    أما أسلوب التمجيد فيزخر بالاستعارات والصور المجازية ويتجه نحو التضخيم واستعمال صيغ التفضيل( ومازلنا نذكر تلك العبارات التي كانوا يلقنونها لنا في الصفوف الأولى من التعليم الابتدائي:
    "بالعلم غزونا الفضاء"،"بالعلم أجرينا الماء في الصحراء")
    -الخطاب العلمي علمي محايد..
    الخطاب التمجيدي إيديولوجي ذو مآرب
    ومن مآربه الخطيرة الاصطياد للثقافة الغربية باستخدام طعم العلم ..وقد وقع بالفعل ما كان أبو حامد الغزالي يحذر منه في سياق يكاد يكون شبيها ..قال في المنقذ من الضلال بعد أن قسم علوم الفلاسفة:
    "أما الرياضية: فتتعلق بعلم الحساب والهندسة وعلم هيئة العالم، وليس يتعلق منه شيء بالأمور الدينية نفياً وإثباتاًِ، بل هي أمور برهانية لا سبيل إلى مجاحدتهم بعد فهمها ومعرفتها. وقد تولدت منها آفتان: الأولى: من ينظر فيها يتعجب من دقائقها ومن ظهور براهينها، فيحسن بسبب ذلك اعتقاده في الفلاسفة، فيحسب أن جميع علومهم في الوضوح وفي وثاقة البرهان كهذا العلم. ثم يكون قد سمع من كفرهم وتعطيلهم وتهاونهم بالشرع ما تناولته الألسنة فيكفر بالتقليد المحض ويقول: لو كان الدين حقاً لما اختفى على هؤلاء مع تدقيقهم في هذا العلم! فإذا عرف بالتسامع كفرهم وجورهم استدل على أن الحق هو الجحد والإنكار للدين، وكم رأيت من يضل عن الحق بهذا العذر ولا مستند له سواه".
    وهذا ما حدث فعلا في نهضتنا (المزعومة أو المجهضة..)فلتلميع صورة الغرب كان يوظف العلم ،ولكنهم لا يأخذون منهم العلم، بل يأخذون غيره من الأخلاق والنظم السياسية والاجتماعية والاقتصادية ...
    فهاهو العلم للاستدراج ...
    وهنا تلحظ بالضبط الفرق بين اليابانيين والعرب فقد ذهبت البعثات الطلابية من الفريقين إلى أوروبا في وقت واحد فعاد اليابانيون بالعلم وعاد العرب بالتمجيد!!
    عاد الطالب الياباني بشهادة في صناعة السفن، وعاد الطالب المصري بدكتوراه في الحقوق أو في الأدب العربي !!
    والناتج كما ترى!!
    وقد صاغ هذا الخطاب التمجيدي طائفة من الصحفيين والكتاب، أغلبهم من نصارى الشام ومصر، مثل فرح أنطون وسلامة موسى وجرجي زيدان وغيرهم..فأسسوا صحفا ومجلات يعلمون النشأ تمجيد العلم دون أن يعلموه حرفا واحدا من أبجدية العلم..
    ثم امتدت عدوى تمجيد العلم إلى الشعراء أنفسهم -وهم أبعد الناس عن الخطاب العلمي-فكنت ترى شاعرا من حجم أحمد شوقي أومعروف الرصافي أو فوزي المعلوف ...يدبجون قصائد -لا حس فيها- ويعتقدون أن دخولهم العصر رهين بوصف القاطرة والطائرة والباخرة فجاؤوا بكلام غث أحسن منه بكثير وصف الأعشى لناقته والفرزدق لذئبه..!
    ولعلك تستغرب إذا قارنت بين شعراء الغرب وشعراء العرب..فالغربيون كانوا يتوجسون من العلم ومن مصنوعاته وكان رد فعلهم مذاهب أدبية معادية للعلم وأكثر إنسانية وعاطفية كالرومنتيكية والرمزية والسوريالية، أما العرب فاستقبلوا ما أخاف الغربيين بكل ابتهاج وحبور..فكان الشاعر منهم يصف القاطرة بفرح يكاد يكون صبيانيا..!والسر في هذا الاختلاف هو المناخ الثقافي الذي يتنفس فيه كل فريق:
    فالغربيون يتنفسون خطاب العلم
    والشرقيون يتنفسون خطاب تمجيد العلم ...
    ومن هذا المناخ هبت رياح، وكانت وجهتها القرآن!

    -5-
    ثم كان هناك تخليط آخر بين العلم والتقانة (التكنولوجيا) ،فجعلوا الإنجازات التقنية والاختراعات المادية هي العلم نفسه ،ومن ثم لم يكونوا ليستسيغوا التشكيك في العلم ،أو جعله تحت المساءلة النقدية، مادام يوفر الدواء والغذاء والمركوب والملبوس..مع أن أجدادنا القدامى كانوا على وعي بالفروق، فسموا التقانة "علم الحيل" وميزوه اسما وموضوعا عن "علم الهيئة"(الفزياء) مثلا.
    صحيح إن التقانة مرتبطة بالعلم على اعتبار أن النظرية العلمية قد توجه التقني إلى اختراع مادي-وليس دائما- ولكن يبقى الفرق شاسعا بينهما في منظور فقه العلم...
    فالتقانة فن تسخير
    والعلم نظرية تفسير
    وشتان بين الأمرين...لكن القوم خلطوا بينهما، ونسبوا ما تحقق للناس من دعة ورفاهية بفضل الوسائل والمخترعات إلى العلم، مع أنها من "التقانة".. ونتذكر مرة أخرى ذلك التمجيد الصبياني:
    "بالعلم غزونا الفضاء"،"بالعلم أجرينا الماء في الصحراء"
    فنرى الخطأ المزدوج: الخطأ الإديولوجي في التمجيد، والخطأ المعرفي في الخلط بين التقانة والعلم..
    ومما يزيل الخلط بين المفهومين كلية أن التقانة عند المساءلة النقدية تحاسب بمعيار" النفع والضرر"..أما العلم فيحاسب بمعيار "الحق والباطل"
    فالأمصال والسيارات والقنابل الذرية والنيلون والمصابيح الكهربائية ليست حقا ولا باطلا وإنما هي ضارة أو نافعة..والذين يقولون إن العلم الحديث خرب العالم بالتلوث وأسلحة الدمار هم أيضا مخطؤون، فهذه مسؤولية التقانة، أما العلم فوظيفته تنحصر في تفسير العالم، فيقدم نظريات عن نشأة الكون، وأصل الأرض ،وبنية المادة، ومستقبل السماوات ..وهذه النظريات تمحص بمعيار الحقيقة والبطلان لا غير...
    وعندما نعترض أو نتحفظ على التفسير العلمي للقرآن فإننا نقصد هذا المعنى وحده...لا سيما وأن القرآن له تفسيره الخاص لتلك الظواهر الكونية فلا نقبل أن يزاحمه الخطاب العلمي، ولا نقبل أن تؤول حقائق القرآن وفق قواعد الخطاب العلمي..إلا إذا كنا نرى أن الخطاب العلمي أرقى من الوحي ودون ذلك خرط القتاد!

    -6-
    نلخص التنبيهين السابقين لأهميتهما:
    -تمجيد العلم ليس علما بل إديولوجيا..فلا مناص من طرح هذا التمجيد ليتم مساءلة العلم ونقده في حجمه الحقيقي.
    -الانبهار بالتقانة وملاحظة دقتها و"ملموسيتها"وفعاليتها في إنجاز وظائفها لا يؤخذ منها حكم عن صدق العلم أو كذبه من جهة الابستملوجيا ،ومن جهة الشرع توكل التقانة إلى الفقه وأصوله ليتم تكييفها الشرعي في باب المصالح المرسلة فيقبل منها ويرد بحسب سلم النفع والضرر..وهذه التقانة لا علاقة لها بتفسير القرآن إلا ما يزعم بعضهم من إعجاز علمي في مطابقة الآيات لبعض المخترعات العصرية..
    أما العلم المفسِّر للكون فيوكل لتمحيصه إلى قواعد الشرع العامة (عقدية ومنهجية..) وإلى قواعد التفسير الخاصة ...ومقصدنا من هذه البحوث أن نثبت أن النظريات العلمية العامة مجرد ظنون...فيترتب عنه نسف ما يسمى الإعجاز العلمي لأن الإعجاز الذي هو دليل القرآن للمرتابين فيه لا يمكن أن يستند إلى مرجعية من الظن.ويبقى بعد ذلك تفسير الآية علميا مثل أي تفسير بلاغي أو فقهي يقبل أو يرد بحسب رجحان الظن أو مرجوحيته..مع فرق واضح في كون البلاغة والفقه داخلة في مجالنا التداولي فنحن أعلم بخفاياها وأسرارها وأقدر على التمييز فيها بين ما يمج وما يستساغ..لكن العلم الطبيعي في نظرياته العصرية خارج عن مجالنا التداولي ونحن منه في مقام التقليد لذلك سميناه "إسرائيليات العصر" باعتبار عدم القدرة على التأكد من صحتها -في ذاتها أولا وبالنسبة إلينا ثانيا-فلا نصدق ولا نكذب كما علمنا المنهج النبوي .

    -7-
    هناك خلط ثالث بين خطاب في" التفسير العلمي" وخطاب في "الإعجاز العلمي" ،وعدم التمييز بينهما يفضي حتما إلى كثير من المغالطات.ومنشأ الخلط- فيما نراه- الانخداع باتحاد الموضوع ،أواقتران الخطابين على قاعدة السببية:فالتفسير العلمي يفضي إلى ادعاء الإعجاز العلمي.لكن المعتبرفي "أصول العلم" المنهجُ لا الموضوع، ولهم هنا قاعدة تنص على أن "المنهج يخلق الموضوع وليس العكس" ألا ترى أن الجسم موضوع واحد مشترك بين الفزياء والطب والهندسة ،وهي علوم متباينة عجز أن يوحدها الموضوع المشترك وفرق بينها اختلاف زاوية النظر أي المنهج!!..وعلى هذا الأساس سنميز بين "التفسير" و"الإعجاز" لنبني على الفروق المنهجية اختلاف الأحكام فنقلل عندئذ من حجم التخليط:

    1-اعتبار مقاصد الخطابين يجعل "التفسير العلمي" من الفروع و "الإعجاز العلمي" من الأصول- ونحن نحمل الفروع والأصول هنا على اصطلاح المتكلمين-فنعني بالفروع اندراج التفسير العلمي ضمن الفقه العام (أو التفقه في الدين) على اعتبار التفسير(بكل أنواعه، علمي أوغير علمي ) محاولة لفهم كلام رب العالمين ...ونعني بالأصول الجانب الاستدلالي الذي قد يسمى علم التوحيد (عند المتكلمين ) أو علم أصول الدين..والفرق بين المفهومين واضح جدا فالتفسير العلمي يسعى إلى الاستدلال بالأية القرآنية، أما الإعجاز فهويرمي إلى الاستدلال عليها !
    ولنقل بعبارات واضحات إن المفسر يريد أن يفهم الآية ،أما الإعجازي فيريد أن يثبت أن هذه الآية منزلة من الله .
    2-"التفسير العلمي" خطاب تأويلي،و"الإعجاز العلمي" خطاب حجاجي..ومن ثم يشتغل في الأول بالمنطق اللغوي ،ولا يشتغل في الثاني إلابالمنطق العقلي وحده..فتكون النتيجة :مطالبة المفسر بالظني ومطالبة الإعجازي بالقطعي(على نحو ما يكتفى بالظني في "علم الفقه " ولا يكتفي في "علم التوحيد" بأقل من القطعي)
    ولا حاجة إلى التنبيه على أن مطلق الظن غير مقبول ( لا في فقه ولافي تفسير) ،بل لابد من تقييده بصفة الرجوح من بعد عرضه على معايير العلماء في تمييزهم بين التفسير بالرأي الجائز والرأي الممنوع!!
    وفي مجال الحجاج إما أن يكون الدليل قطعيا وإما السكوت !!
    لأن الحجة الضعيفة توريط للقضية !
    وفي موضوعنا تكون الحجة الضعيفة قوة للطاعن في القرآن وللمرتاب فيه..
    ولو كان المحتج للقرآن يعي هذا الأمر لأدرك أن السكوت كان خيرا له..وقد انتبه إلى هذه الآفة ابن تيمية –-عندما قرر أنه عند الاحتجاج لا بد من قطع أصول المخالف ونسفها نسفا ، فانتقد على المتكلمين ضعف حججهم ورأى- عن حق –أن خصومهم من الفلاسفة لن ينسبوا هذا الضعف إلى المتكلمين بل إلى الشريعة نفسها.ومن ثم ينقلب المقصود على المتكلمين أرادوا الانتصار للشرع فأوهنوه!!
    بناء على هذا التقرير لا نقبل من الإعجازيين إلا القطع،بل القطع المزدوج،
    قطع بالمنطوق العلمي (على قواعد الابستملوجيا) وقطع في التنزيل على المنطوق القرآني (على قواعد اللغة وعلم التفسير) ودون ذلك خرط القتاد كما سنبين إن شاء الله..
19,939
الاعــضـــاء
231,693
الـمــواضـيــع
42,458
الــمــشـــاركـــات
يعمل...
X