إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • النماذج الإسلامية

    النماذج الإسلامية

    طالما تأملت قوله تعالى: (واتَّبِعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم)، وقلت: وهل في الدين حسن وأحسن؟ أليس كله حسنًا، وفي مقام واحد من الحسن غير متفاوت؟

    نعم، فُسِّر (أحسن ما أنزل إليكم) بالقرآن أو الإسلام، ولكن الكتب والشرائع الأخرى لم تُنزَل إلينا، بل أنزلت إلى أقوام غيرنا، عاشوا في أعصار غير أعصارنا، فلا يُتصور أن يشمل (ما أنزل إليكم) ما أنزل من قبلنا حتى يكون أحسنه هو القرآن أو الشريعة التي أنزلت على محمد، عليه الصلاة والسلام.

    وقال الله تعالى لموسى -- في شأن ألواح التوراة: (فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها)، وقد قيل: إن المراد بالأحسن الأشد، ولِمَ عبّر عنه بالأحسن؟ ولِمَ تُرِك إليهم الأخذ بهذا الأشد؟ ولِم لم يؤمر به من أول الأمر؟

    فما معنى الأخذ بأحسن ما أنزل إلينا؟

    الذكر
    كلما تأملت كتاب الأذكار للنووي، ورأيت ضخامة ما بلغنا من الأذكار المأثورة، قلت: وهل يستطيع المرء أو يُطلب منه أن يقول كل ذلك؟ أو إنه يكفيه أن (يختار) منها ما يرطب به لسانه، وما يصله بربه، وما يملأ أوقاته، وما يصاحب أحواله؟

    النوافل
    ومثل ذلك ما جاء الحث عليه من النوافل، صلاة وصيامًا وصدقة وعمرة وحجا ومعروفا وبرا، لكل امرئ أن يتخير من كل ذلك ما يتيسر له، بل قد قيل له: إن أحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قل، والمداومة تفيد الالتزام بقدر (مختار) من هذا المجال الواسع من الأعمال المحثوث عليها، أي أن يصنع المرء لنفسه (نموذجًا) من التقرب إلى الله فيما خُيِّر فيه، بحسب حاله.

    وفي معنى ما سلف جاءت الأحاديث: اكفلوا من الأعمال ما تطيقون، ولن يشادَّ الدين أحد إلا غلبه، وإن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، فإنها تدل على كثرة الأعمال والشرائع والموارد واتساعها، وأن المرء لن يستطيع القيام بها كلها، بل عليه أن يتخير منها ما يصلح له.

    الأحكام
    فإذا انتقلتَ إلى ما وراء ذلك من الأحكام فستجد أن (أكثرها) من قبيل الظني، ولذلك هو محل خلاف بين المجتهدين، وقد قدَّر الله ذلك وأراده، ذلك أنه ابتلى الأبدان والقلوب والعزائم والعقول، وكلٌّ له عمله وبلاؤه، وإحسانه وإساءته، وقال الله تعالى في شأن آيات القرآن الكريم: (منه آيات محكمات، هن أم الكتاب، وأخر متشابهات)، ولو شاء لجعله كله محكمًا، لا يحتمل النظر ولا الاختلاف.

    فالعامي يسعه أن يتمذهب بمذهب، أي أن يتقيد باجتهادات إمام أو أئمة واختياراتهم، أي أن يتقيد بـ (نموذج) واحد من النظر العلمي البشري، والمجتهد مُبتلًى بأن يتعرف على مراد الله من الناس بحسب ما عنده من الأدلة.

    والأدلة ليست هي نصوص الكتاب والسنة فحسب، بل هي كل ما يمكن أن يعرفنا، أو بالأحرى يقربنا، من الوصول إلى أمثل نموذج للعمل أو (أحسنه)، فيكون ذلك هو حاصل اشتباك النظر، بمعنى الاجتهاد، والنصوص، وعناصر الواقع إنساناً وزمانًا ومكانًا وحالاً.

    فكل تحول أو تبدل في عنصر من هذا العناصر له أثر في تحول أو تبدل النموذج، أو يجب أن يكون كذلك، ومن ذلك التحول في ثبوت النصوص نفسها، أو في علاقات بعضها ببعض تناسخًا أو تقييدًا، وهذا من كشوف العلم، وليس من الضرورة أن يكون قارًّا على حال.

    التفضيل
    ومن أعجب ما رأيت من الأحاديث في الدلالة على ما نحن بصدده قوله إذ سئل: أي الناس أفضل؟ فقال: مؤمن مجاهد بنفسه وماله في سبيل الله. قال السائل: ثم من؟ قال: رجل معتزل في شِعْب من الشعاب يعبد ربه.

    فمدح صنفين متضادين متباعدين، الأول: مجاهد بنفسه وماله، والآخر معتزل للعبادة، أي العبادة الشخصية، وكلاهما ممدوح، بل هما أفضل الناس. ولكل إنسان أن يختار النموذج الملائم، لا له فحسب، بل الملائم أيضًا لعناصر الواقع. ولا يخفى أنه قدم في الفضل المجاهد، لأن تكاليف الجهاد أكبر من تكاليف العزلة، كما هو ظاهر، وقال الله تعالى: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة، وكلا وعد الله الحسنى).

    وقد أجاب الرسول على سؤال: أي الأعمال أو أي العمل أفضل أو أحب إلى الله؟ بأجوبة مختلفة.

    ففي حديث أبي هريرة: إيمانٌ بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهادُ في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حجٌّ مبرور.

    وفي حديث ابن مسعود: الصلاةُ على وقتها، قال: ثم أيّ؟ قال: ثم برُّ الوالدين، قال: ثم أيّ؟ قال: الجهادُ في سبيل الله.

    وفي حديث أبي ذر: الإيمان بالله والجهاد في سبيله.

    وفي بعضها: إيمان لا شك فيه، وجهاد لا غلول فيه، وحجة مبرورة.

    وفي بعضها: عليك بالصوم فإنه لا عِدْل له.

    وفي بعضها: أي الإسلام أفضل؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده.

    وفي بعضها: أي الإسلام خير؟ قال: تطعمُ الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف.

    وفي حديث أبي الدرداء: ألا أنبِّئكم بخيرِ أعمالكم، وأزكاها عند مَلِيككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورِق، وخير لكم من أنْ تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى، قال: ذكر الله تعالى.

    وقريب منه قوله لمن قال: إن شرائع الإسلام كثرت علي، فأخبرني بشيء أتشبث به، قال: لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله.

    فأقره على قوله: إن شرائع الإسلام كثرت علي، وعلى اختيار عمل واحد يكون هو شديد التمسك به، ودله على ذلك العمل.

    وهذا كله حق وصدق ووحي من عند الله، وبعضه جاء لاختلاف أحوال السائلين، أو لاختلاف الموقف الذي ورد فيه الحديث، وبعضه جاء للتعليم والتعريف، وللتنبيه على هذا المعنى خصوصًا.

    النموذج
    وعلى هذا فالنموذج الإسلامي حاصل اشتباك النظر والوحي والموقف. والنظرُ اختيار المرء لنفسه، أو اجتهاده في تعرف مراد الله وما يرضيه من العباد إن كان أهلاً لذلك، والوحي الكتاب والسنة والصلات بين أجزائها على ما يؤدي إليه العلم، والموقف مؤلف من إنسان وزمان ومكان وحال.

    سنة حسنة
    وهذا النموذج الذي نتحدث عنه يمكن أن يكون فرديًّا، ويمكن أن يكون جماعيًّا، ويمكن أن يكون سمة لبلد، ويمكن أن يكون طابعًا لعصر، ومن هنا يمكن أن يكون هذا النموذج (سنة حسنة)، ويمكن أن يكون (سنة سيئة)، ومن سنها له في الأولى أجرها وأجر من عمل بها، فهو يأخذ أجورًا مضاعفة بقدر عدد المستنين بسنته، وعليه في الأخرى وزرها ووزر من عمل بها، فهو يحمل آثامًا مضاعفة بقدر التابعين له، إن كان عالما بسوئها وأصر عليه ولزمه.

    وهذا الجزاء حسنًا وسيئًا إنما هو لترغيب الناس في سن السنن الحسنة، وترهيبهم من سن السنن السيئة، ومن ههنا امتُدحت الإمامة في الدين، ورُغِّب فيها، وطلبها الصالحون، فجاء في دعائهم: (واجعلنا للمتقين إمامًا)، ويوم القيامة يتمايز الناس بالأئمة، فللكفر أئمة، وللهداية أئمة، فيُدعى كل إناس بإمامهم.

    مقام الإحسان
    واتباع الأحسن الذي هو محاولة الاقتراب من النموذج الأمثل بالقياس إلى عناصر الموقف هو فيما أظن مقام الإحسان الذي ورد ذكره في الحديث الشريف، حديث جبريل الشهير، فالدين يتألف من أركان الإسلام الخمسة، وقواعد الإيمان الست، ثم بعد ذلك تنظر كيف تعبد الله، أو كيف تُري الله من نفسك ما يحب وما يرضيه عنك، بأن تكسو هذا البناء ذا القواعد والأركان، بما يلائم الحال، من بقية المنزل الذي لا يصلح إلا بتكميله وتزيينه ووضع كل شيء في موضعه، وترتيبه على أحسن مثال، وأوفق طراز، أو بلفظ الآية باتباع أحسن ما أنزل إلينا.

    وهذا هو الذي يتفاوت فيه الناس، فلا بيت بلا قواعد وأركان، والاختلاف يكون في الإحسان، فالله قد خلق الخلق ليبلوهم أيهم أحسن عملا، وهو يتقبل عنهم أحسن ما عملوا، ويجزيهم بأحسن ما كانوا يعملون، فهذا هو ذروة العمل، وصفوة الاجتهاد، ورحيق حصاد الحياة.

    فوائد
    فما من مذهب أو رأي أو طريقة أو دعوة أو حركة إلا وهي تحاول بناء نموذجها الإسلامي محسنة أو مسيئة، مقتربة من المطلوب أو مبتعدة عنه، مراعية لعناصر الموقف أو اللحظة التاريخية والعلمية والحضارية، أو ساهية عن بعضها.

    (1) وفهم الأمر على هذا النحو يفيدنا أولاً أنه لا بد من مراجعة القوالب أو النماذج التي كانت مبنية على عناصر تبدلت وتحولت جزئيًّا أو كليًّا، ومحاولة بناء نماذج جديدة ملائمة للموقف، وأن هذا ليس فيه ما يضير، بل هو مما جاء الوحي به، خصوصًا بالقياس إلى مجالات كان التحول فيها هائلا، كشكل الدولة والحكم، وكالإعلام والاتصال، وكالمال والاقتصاد، ومن المهم هنا مراجعة المصطلحات، فضلا عن الأحكام، لأن الألفاظ كثيرًا ما تغُرّ، ويتمسك الناس بكلمات يظنونها من الشرع، وما هي إلا صياغة لفكرة أو مفهوم يكون ابنًا لعصره ليس غير.

    (2) ويفيدنا أيضًا التفهم لكيفية نشوء هذه النماذج، وأنها ليست إلا اجتهادًا في مقاربة الموقف بالإسلام، أو التشابك بينه وبين النظر مارًّا بنصوص الوحي، فهو مقبول ومعذور ومفهوم، وليس جُرمًا أو تعدّيًا، إن التزم بالأصول، ومن ناحية أخرى هو ليس لازمًا أو وضعًا إلهيًّا لا يجوز تبديله، ومن ناحية ثالثة أنه عُرضة للمخالفة في إبّانه، فضلاً عن المخالفة له بعد زمانه، لأن الذي أتاح للأول أن يبني نموذجه، أتاح لغيره ذلك.

    (3) ويفيدنا أيضًا تواضعًا ورفقًا في معاملة هذه النماذج، فليس بناؤهًا سهلاً، ولا نقضها، إلا أن يكون لطالب ذلك من قوة النظر، ومن سعة الاطلاع، ومن علو الهمة، ما يتمكن به من جعل وضع مكان وضع، ومن إقامة البدل الكافي والمقنع، قبل إزالة ما سلف مما ألفه الناس وتتالوا عليه.

    (4) ويفيدنا أيضًا قبول التعايش بين أصحاب الأنظار المختلفة وأتباعهم، ومحاولة تسوية التباين بينها بالجدل العلمي وحده، وربما بقبول أن كلاًّ منها عنده جزء من الصواب، وربما بقبول أن كلاًّ منها ينفع في مجال دون مجال.

    السورة
    (واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم)

    في سورة الزمر، وهي السورة التي بدأت بالأمر بإخلاص العبادة، أي بتحري نظر الله إليك فحسب، فبذلك تبلغ مقام الإحسان.

    وفيها جاء قوله تعالى: (قل: هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون)، فبالعلم بالله وبدينه وبكونه تملك أدوات الإحسان.

    وفيها: (قل: يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم، للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة، وأرض الله واسعة، إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب)، فالمجاهدون في الله لهم حسنة الدنيا قبل حسنة الآخرة، ولهم إذا اعترضتهم عراقيل المكان أن يبدلوا أمكنتهم، فأرض الله واسعة، ليعملوا بتقواهم وإحسانهم.

    وفيها: (قل: إني أمرت أن أعبد الله مخلصًا له الدين، وأمرت لأن أكون أول المسلمين)، فالحرص على الأولية يجعل المرء إمامًا في الدين.

    وهؤلاء الموصوفون الممدوحون من عباد الله لهم منهج في تلقي ما يسمعون، فهم (يستمعون القول فيتبعون أحسنه)، انتبه، قال: (يستمعون) بالتاء، فهم يحسنون الاستماع، ثم يختارون مما استمعوا إليه أحسنه، يصطفونه للاتباع.

    وضرَب في السورة المثل بالماء النازل من السماء، يخرج به الزرع مختلف الألوان، ثم يتحول إلى حطام، كأن لم يكن براقًا جذابًا من قبل بشدته وألوانه، ولكن ينابيع الأرض ما زالت محفوظة لخروج زرع آخر في أوان آخر: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض، ثم يخرج به رزعًا مختلفًا ألوانه، ثم يهيج فتراه مصفرًّا، ثم يجعله حطامًا، إن في ذلك لذكرى لأولى الألباب).

    ثم إن قوله ذلك (واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم) يأتي بعد إطماع عباده في رحمته، ونهيهم عن القنوط منها، فكل تقصير يفتقر إلى توبة، وإلى أن يرجع المرء عنه، وينيب إلى ربه منه، قال: (واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون)، فذكر عنصر الزمن، وأن جزاء الاستمرار على الذنب، والإسراف فيه، هو مباغتة العقوبة، والمرء لا يشعر، ولا يحسب حسابها، ولا يتوقع زمانها.

    ويوم القيامة يُساق الكافرون زُمرًا إلى النار، أي جماعات، بأئمتها الذين سنوا لها سنن الكفر والطغيان، ويساق المؤمنون زُمرًا إلى الجنة، أي جماعات، بأئمتها الذين سنوا لها سنن الهدى والتقوى، (وقيل: الحمد لله رب العالمين).

    5-9-2014
    محمد خليل الزَّرُّوق
    بنغازي - ليبيا

  • #2
    المشاركة الأصلية بواسطة محمد خليل الزروق مشاهدة المشاركة
    النماذج الإسلامية
    النموذج
    وعلى هذا فالنموذج الإسلامي حاصل اشتباك النظر والوحي والموقف. والنظرُ اختيار المرء لنفسه، أو اجتهاده في تعرف مراد الله وما يرضيه من العباد إن كان أهلاً لذلك، والوحي الكتاب والسنة والصلات بين أجزائها على ما يؤدي إليه العلم، والموقف مؤلف من إنسان وزمان ومكان وحال.
    5-9-2014
    اخي / محمد خليل - تحليل ممتاز
    ولكن حول تعريفك للنموذج
    في رايي لو اكتفيت في تعريف النموذج ، بالنظروالموقف ، مسألة الوحي (معطى ثابت لايطرأ عليه تغيير ) او زدني شرحا ..


    وجزاك الله خيرا
    سأقول فيها بجهد رأيي فإن كان صوابا فمن الله وحده وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان منه -ابن مسعود رضي الله عنه

    تعليق


    • #3
      بارك الله فيك، قصدت أن السنة النبوية يتبدل العلم بها ثبوتا وتناسخا وإنتاجا، وهذا الأخير قصدت به ما يمكن أن يُحمل من أقوال النبي وأفعاله على أنه جاء بمقتضى الإمامة أو القضاء لا البلاغ. والقرآن الكريم أيضًا لا تنقضي عجائبه، في الاستنباط، وتفسير بعضه لبعض، وفي علاقته بالسنة وبيانها له، كل هذا من العلم الذي يترقى ويتقدم، ويفتح الله منه على الآخرين ما لم يؤت السابقون. والله أعلم.
      محمد خليل الزَّرُّوق
      بنغازي - ليبيا

      تعليق

      19,962
      الاعــضـــاء
      231,987
      الـمــواضـيــع
      42,582
      الــمــشـــاركـــات
      يعمل...
      X